أفكَارٌ سَياسِيَّة

إقامة الأحزاب السياسية فرض كفاية

إن محاسبة الحكام التي أمر الله المسلمين بها تكون من الأفراد، بوصفهم أفراداً. وتكون من التكتلات والأحزاب بوصفها تكتلات وأحزاباً.

والله سبحانه وتعالى كما أمر المسلمين بالدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاسبة الحكام، أمرهم كذلك بإقامة تكتلات سياسية من بينهم، تقوم بوصفها تكتلات بالدعوة إلى الخير، أي إلى الإسلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومحاسبة الحكام، قال تعالى:  ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر  أي لتوجدوا أيها المسلمون جماعة منكم، لها وصف الجماعة، تقوم بعملين: عمل الدعوة إلى الإسلام، وعمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وهذا الطلب بإقامة الجماعة هو طلب جازم، لأن العمل الذي بينته الآية لتقوم به هذه الجماعة هو فرض، على المسلمين القيام به كما هو ثابت في الآيات والأحاديث الكثيرة. فيكون ذلك قرينة على أن الطلب بإقامة الجماعة طلب جازم. وبذلك يكون الأمر الوارد في الآية للوجوب، وهو فرض على الكفاية على المسلمين، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وليس هو فرض عين، لأن الله طلب من المسلمين أن يقيموا من بينهم جماعة، لتقوم بالدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يطلب من المسلمين في الآية أن يقوموا كلهم بذلك، وإنما طلب منهم أن يقيموا جماعة منهم لتقوم بهذا الفرض، فالأمر في الآية مسلط على إقامة الجماعة وليس مسلطاً على العملين.

والعملان هما بيان لأعمال الجماعة المطلوب إيجادها، فيكون وصفاً لنوع الجماعة المطلوب إيجادها.

والجماعة حتى تكون جماعة تستطيع مباشرة العمل بوصف الجماعة، لا بد لها من أمور معينة حتى تكون جماعة، وتظل جماعة وهي تقوم بالعمل.

والذي يجعلها جماعة هو وجود رابطة تربط أعضائها، ليكونوا جسماً واحداً، أي كتلة. ومن غير وجود هذه الرابطة لا توجد الجماعة المطلوب إيجادها، وهي جماعة تعمل بوصفها جماعة. والذي يبقيها جماعة وهي تعمل هو وجود أمير لها، تجب طاعته. لأن الشرع أمر كل جماعة بلغت ثلاثة فصاعداً بإقامة أمير لهم. قال صلى الله عليه وسلم: " لا يحل لثلاثة بفلاة من الأرض إلاّ أمروا أحدهم ".

وهذان الوصفان اللذان هما وجود الرابطة بين الجماعة، ووجود الأمير الواجب الطاعة يدلان على أن قوله تعالى:  ولتكن منكم أمة  يعني لتوجد منكم جماعة، لها رابطة تربط أعضائها، ولها أمير واجب الطاعة، وهذه هي الجماعة أو الكتلة أو الحزب أو الجمعية أو أي اسم من الأسماء التي تطلق على الجماعة، التي تستوفي ما يجعلها جماعة، ويبقيها جماعة وهي تعمل. وبذلك يظهر أن الآية أمر بإيجاد أحزاب أو تكتلات أو جمعيات أو منظمات أو ما شاكل ذلك.

أما كون الأمر في الآية بإيجاد جماعة هو أمر بإقامة أحزاب سياسية فذلك آتٍ من كون الآية عينت عمل هذه الجماعة، وهو الدعوة إلى الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وعمل الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر جاء عاماً فيشمل أمر الحكام بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وهذا يعني وجوب محاسبتهم. ومحاسبة الحكام عمل سياسي، تقوم به الأحزاب السياسية، وهو من أهم أعمال الأحزاب السياسية.

لذلك كانت الآية دالة على إقامة أحزاب سياسية لتدعوا إلى الإسلام، ولتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتحاسب الحكام على ما يقومون به من أعمال وتصرفات.

والآية تدل على أن هذه الأحزاب يجب أن تكون أحزاباً إسلامية تقوم على العقيدة الإسلامية، وتتبنى الأحكام الشرعية، ولا يجوز أن تكون أحزاباً شيوعية أو اشتراكية، أو رأسمالية، أو قومية، أو وطنية أو تدعو إلى الديمقراطية، أو إلى العلمانية، أو إلى الماسونية، أو تقوم على غير العقيدة الإسلامية، أو تتبنى غير الأحكام الشرعية. ذلك أن الآية حددت صفة هذه الأحزاب بالأعمال التي تقوم بها. وهذه الأعمال هي الدعوة إلى الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن يقوم بهذه الأعمال لا بد من أن يكون حاملاً للإسلام وقائماً على أساس الإسلام، ومتبنياً أحكام الإسلام. ومن يتكتل على أساس شيوعي أو اشتراكي أو رأسمالي، أو ديمقراطي أو علماني أو ماسوني أو قومي أو وطني أو إقليمي لا يمكن أن يكون قائماً على أساس الإسلام، ولا حاملاً للإسلام، ولا متبنياً لأحكام الإسلام. وإنما يكون قائماً على أساس كفر، ومتكتلاً على أفكار كفر.

لذلك يحرم أن يتكتل المسلمون على أساس الشيوعية أو الاشتراكية، أو الرأسمالية أو الديمقراطية، أو العلمانية، أو الماسونية، أو القومية أو الوطنية، أو على أي أساس غير أساس الإسلام.

ويجب أن تكون هذه الأحزاب علنية غير سرية، لأن الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاسبة الحكام، والعمل للوصول إلى الحكم عن طريق الأمة تكون علنية وصريحة، ولا تكون في السر والخفاء، حتى تؤدي الغرض المطلوب منها.

ويجب أن تكون أعمال هذه الأحزاب غير مادية، لأن عملها هو القول، فهي تدعو إلى الإسلام بالقول، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بالقول، لذلك يجب أن تكون وسائلها سلمية، ولا تستعمل السلاح، ولا تتخذ العنف وسيلة لعملها. لأن حمل السلاح في وجه الحاكم غير جائز لورود الأحاديث الناهية عن ذلك، ولذلك يمكن أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاسبة الحكام دون إشهار السلاح عليهم، لذلك يجب أن تكون وسائل سلمية، ويمنع أن تكون مادية، ويحرم إشهار السلاح في وجه الحاكم إلاّ في حالة واحدة، وهي حالة ما لو أظهر الكفر البواح الذي عندنا من الله فيه برهان، كما ورد في حديث عبادة بن الصامت " وأن لا ننازع الأمر أهله قال: إلاّ أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان ".

الفراغ

كلمة الفراغ اصطلاح في السياسة الدولة، وهي تعني عدم القدرة على العمل وعدم القدرة على الثبات، أي أن هناك قوة ولكنها لا تظهر بالمظهر اللائق بها وبالقدرة المناسبة لها. والفراغ أنواع: فراغ سياسي، فراغ عسكري، فراغ إستراتيجي.

فالفراغ السياسي هو أن تكون الدولة في مجموعها غير مستقرة وغير متناسقة، كذلك فهناك رئيس الدولة وهناك رئيس الوزراء وهناك ممثلون للأمة ولكن فقدان التناسق بين أفكار هؤلاء وأعمالهم تجعل الدولة غير متناسقة ولا يوجد انسجام بينهم، والأعمال التي تقوم بها الدولة غير متناسقة وغير منسجمة، وهناك عدم ثبات على الرأي وعدم الثبات على العمل وعدم الثبات أمام الزعازع، فينشأ عن ذلك فراغ أي تصبح الدولة كأنها غير موجودة. وفي هذه الحال يصبح البحث عن دولة، أي عن حكام أمراً طبيعياً وقد يكون حتمياً، وتتقدم قوة أخرى لسد هذا الفراغ. إما قوة داخلية ذاتية، وإما قوة خارجية، وإما قوة داخلية تأتي عن طريق قوة خارجية وتستند إليها.

والفراغ العسكري هو أن تكون قوى الدولة العسكرية غير كافية لحفظ الأمن الداخلي، وللدفاع عن البلد ضد العدوان الخارجي، فهي لا تستطيع حماية نفسها من الثورات الداخلية، ولا من الغزو الخارجي، وعدم القدرة وعدم الثبات يأتي من سببن: أحدهما عدم كفاية السلاح الذي لديها، أو عدم كفاية التدريب، أو عدم وجود ثروة تمكن من تجهيز القوى العسكرية اللازمة، فيحصل بذلك فراع عسكري، وتصبح القوة العسكرية كأنها غير موجودة، ففي هذه الحالة يصبح الخوف من استيلاء قوة أجنبية على البلد أمراً متوقعاً، وعادة تكون هذه القوى تطمع في البلد، ولهذا تبادر أقواها إلى الاستيلاء عليها. وحتى لا يحصل ذلك تقوم قوى أخرى منافسة للقوة المنتظر أن تبادر للاستيلاء عليها بمد البلد الذي فيه الفراغ العسكري، وإن لم يسد بهذا الأسلوب حصل الاستيلاء وسد الفراغ بقوة أجنبية بحتة. أما السبب الثاني الذي يحصل فيه الفراغ، فهو عدم تناسق أفراد الجيش أو عدم تناسق قادته أو عدم الانسجام بينهم، وعدم الثبات في العمل وعدم القدرة على العمل، وفي هذه الحالة تأتي قوة خارجية فتسند أحد أفراد الجيش أو جماعة وتمدهم بالرأي فيسد الفراغ وتصبح هذه القوة الخارجية هي التي سدت الفراغ بطريق غير مباشر، وإن لم يحصل سد الفراغ بهذا الأسلوب يصير سده عن طريق استيلاء قوة خارجية مباشرة تماماً كالنوع الأول. فالفراغ العسكري هو أن تكون القوة العسكرية الموجودة في البلد قد برهنت على عدم القدرة على العمل وعدم القدرة على الثبات، إما لعدم التناسق وعدم الانسجام وعدم الاستقرار لدى ضباط الجيش وقادته، وإما لعدم وجود قوى مادية بين أيديهم تكفي للقيام بأعباء الدفاع، وحفظ الأمن.

أما الفراغ الاستراتيجي فهو عدم استقرار في البلد ناتج عن مشاكل وأمور تواجه أمن الدولة الداخلي وسلامتها من الخارج. كإيجاد تيارات متعاكسة في البلد تصطدم مع بعضها اصطدامات مادية، إما بالسلاح أو بما هو دونه، وكإيجاد أعمال تخل بالأمن كتفجير قنابل بشكل متواصل وفي أنحاء متعددة، وإما بترويج إشاعات تثير القلق بين التجار وأصحاب الأعمال وبين السياسيين والحكام، أو بين الناس على قوتهم وما شاكل ذلك. وإما بعدوان متقطع من الخارج يقلق ويشغل ولكنه لا يستهدف الاحتلال، فينشأ عن ذلك فراغ أي تصبح الدولة وكأنها غير موجودة وفي هذه الحالة يصبح البحث عن دولة تؤمن الاستقرار أمراً طبيعياً، فتتقدم قوة لسد هذا الفراغ إما بأشخاص من الداخل يستلمون الحكم بتأمين الاستقرار بشكل ذاتي، أو استيلاء دولة خارجية على البلاد تؤمن الاستقرار، وإما أشخاص من الداخل تأتي بهم قوة خارجية للحكم وتسندهم ليوجدوا الاستقرار ويسدوا الفراغ.

وهذا الفراغ بهذه المعاني الثلاث سلاح قاطع يؤثر تأثيراً فعالاً، والدول الكبرى تقوم بمحاولة إيجاده في كل بلد تريد إخضاعه لها والسيطرة عليه. والدولة العثمانية إنما أنهكها محاولات إيجاد الفراغ وليس الحرب.

فأعماله السياسية والعسكرية كانت تصدر عن النظرة إلى العالم من زاوية خاصة. والرسول صلى الله عليه وسلم حين علم بأن خيبر تتفاوض مع قريش في عقد حلف بينهما لمهاجمة المدينة والقضاء على محمد، وسحق الإسلام، حدد زاوية العمل بأن يهادن قريشاً، أو يصالحها ويتفرغ لسحق خيبر، ومن هذه الزاوية الخاصة اتخذ سياسة السلم أساساً لأعماله المقبلة، من ذهابه للعمرة، ورضاه بإعراض قريش عنه، ولينه أمام تعنت قريش، ومخالفته لأصحابه، وغير ذلك، ما دامت تسير وفق سياسة السلم. فكانت نظرته للأعمال السياسية مع عدوه الذي يركز عليه تصدر من زاوية خاصة، وتتكيف حسب مقتضيات هذه الزاوية الخاصة.
فهذان مثالان من أعمال الرسول عليه السلام: أحدها عمل عام، وهو التركيز على دولة كبرى هي رأس أعدائه، بناء على زاوية خاصة، والثاني عمل خاص وهو التركيز على هدف معين، فجعله زاوية خاصة، وصار ينظر إلى الأعمال السياسية والعسكرية من هذه الزاوية الخاصة. وبذلك يشاهد كيف تسيطر النظرة للأحداث السياسية من زاوية خاصة، على الأعمال والتصرفات، وكيف أنه لولا هذه النظرة من زاوية خاصة، لكانت الأعمال لا معنى لها.
والدول الكبرى بعد مؤتمر برلين كانت قد اتخذت كلها نهب أملاك الدولة الإسلامية، وهي الدول العثمانية، الزاوية الخاصة لها، وليس القضاء على الدولة العثمانية، مع أنها بحثت الأمرين معاً، وقررت الاتفاق على الثاني، ولكن لم تتخذه الزاوية الخاصة، ولذلك تكيفت جميع أعمالها حسب هذه الزاوية الخاصة، ودخلت في صراع سياسي مع بعضها استمر أكثر من قرن، وهو وإن انتهى بزوال الدولة الإسلامية، ولكن ذلك لم يكن الزاوية الخاصة التي تنظر منها هذه الدول للأحداث والأعمال السياسية، فالزاوية الخاصة التي تنظر منها هي التي تحكمت في سياستها وفي نظرتها للأعمال السياسية.
وأمريكا بعد الحرب العالمية الثانية قالت ان العالم شركة وان أميركا لها أكثر الأسهم في هذه الشركة، فيجب أن تكون إدارة هذه الشركة في يدها، واتخذت هذا القول الزاوية الخاصة التي تنظر منها إلى العالم، فصارت أعمالها تتكيف بهذه الزاوية، وصارت تنظر إلى الأعمال السياسية التي تجري في هذا العالم من هذه الزاوية. والنظرة من هذه الزاوية هي التي جعلتها تتفق بل تتحالف مع الاتحاد السوفياتي، وجعلتها تتنكر لإنجلترا وفرنسا.
هذه هي الكيفية التي تكون عليها النظرة من زاوية خاصة إلى الأحداث السياسية التي تجري في العالم، سواء كانت هذه الزاوية زاوية عامة، كاتخاذ نشر الدعوة أساساً للسياسة الخارجية، أي الزاوية الخاصة التي ينظر إلى العالم منها، أو كانت خاصة كحصر العداء في دولة معينة، يمكننا التغلب عليها من الانطلاق في العالم، أو كانت أخص من ذلك كالاشتباك في معركة سياسية معينة من أجل أن ترى الدول الأخرى نموذجاً من معاركنا السياسية. فانطباق النظرة من زاوية خاصة على الأعمال والحوادث السياسية أمر سهل، ولا يحتاج إلاّ إلى ممارسة السياسة بالفعل، بل يكفي في فهمه استعراض الأحداث السياسية بعمق، ومن هنا يتبين أن تتبع السياسة، وإدراك المفاهيم السياسية يجب أن يؤدي إلى إيجاد الوعي السياسي، وأن هذا الوعي السياسي أمر لا بد منه للعمل السياسي، بل لا بد منه للتأثير في الأحداث السياسية.
وإذا كانت الدول الكبرى قد أصبح الوعي السياسي لديها بديهة من البديهيات، وأصبحت معرفة السياسة الدولية الخبز اليومي للسياسيين، فإن المفروض في أبناء الأمة الإسلامية، وهم أبناء الدولة الإسلامية، أن يكون الوعي السياسي أول ما يجب أن يتحلوا به من المفاهيم السياسية، وأن يكون أساس قيامهم بالأعمال السياسية، وأن يعملوا لأن يصبح شائعاً بين الناس، وبديهة من البديهيات في المجتمع، وأن يكون الخبز اليومي للسياسيين، فإن مهمتهم الكبرى، ووظيفتهم الأصلية، هي حمل الدعوة الإسلامية إلى العالم، ونشر الهدى بين الناس، وهذا لا يتأتى إلاّ إذا كانوا سياسيين، وإلا إذا نظروا إلى العالم من زاوية خاصة، وإلا إذا كان لديهم الوعي السياسي الكامل.
ولأجل أن لا يكبر أمر الوعي السياسي عليهم، وأن لا يظنوه شيئاً ضخماً لا يستطيع أن يتمتع به إلاّ الأذكياء وإلا المثقفون، فإنهم يجب أن يعرفوا أن الوعي السياسي أمر في منتهى البساطة، وهو ميسور لكل الناس حتى للأميين والعوام. لأن الوعي السياسي لا يعني الإحاطة بما في العالم من أعمال سياسية، ولا الإحاطة بالإسلام كله، أو بما يجب أن يتخذ زاوية خاصة للنظرة إلى العالم، وإنما يعني فقط أن تكون النظرة نظرة إلى العالم، مهما كانت معارفه عنه قليلة أو كثيرة، وأن تكون هذه النظرة من زاوية خاصة. فالعبرة فيه هي النظرة العالمية، ولو كان عملاً سياسياً واحداً، وأن تكون هذه النظرة العالمية من زاوية خاصة محددة. فمجرد وجود النظرة إلى العالم من زاوية خاصة، يكفي للدلالة على الوعي السياسي.
صحيح أن هذا الوعي السياسي يتفاوت قوة وضعفاً بتفاوت المعارف عن العالم وعن الأحداث السياسية، ويتفاوت بتفاوت المعارف عن الزاوية الخاصة، ولكنه كله وعي سياسي، ويؤدي نفس النتيجة مهما تفاوت، وهي الارتفاع عن السطحية في السياسة، والترفع عن التفاهة في النظرة إلى الأمور.
وعلى هذا فالوعي السياسي ليس خاصاً بالسياسيين والمفكرين، ولا يصح أن يكون خاصاً بالسياسيين والمفكرين، وإنما هو عام، ويجب أن يكون عاماً، وممكن إيجاده في الأميين والعوام، كما يمكن إيجاده في العلماء والمتعلمين، بل يجب إيجاده ولو إجمالاً في الأمة بجملتها، لأن الأمة هي التربة التي ينبت فيها الرجال، فلا بد من أن تكون هذه التربة تربة وعي سياسي، حتى تنبت الرجال، وحتى تتمكن من محاسبة الحكام، ومن تقدير الرجال، ومن مجابهة الأخطار الخارجية بوعي صحيح.
أما الطريقة لإيجاد الوعي السياسي في الأفراد، وإيجاده في الأمة فإنها هي التثقيف السياسي بالمعنى السياسي، سواء أكان تثقيفاً بأفكار الإسلام وأحكامه، أم كان تتبعاً للأحداث السياسية. فيثقف بأفكار الإسلام وأحكامه لا باعتبارها نظريات مجردة، بل بتنزيلها على الوقائع، ويتتبع الأحداث السياسية لا كتتبع الصحفي ليعرف الأخبار، ولا كتتبع المعلم ليكسب معلومات، بل بالنظرة إليها من الزاوية الخاصة لإعطائها الحكم الذي يراه، أو ليربطها بغيرها من الأحداث والأفكار، أو يربطها بالواقع الذي يجري أمامه من الأعمال السياسية.
فهذا التثقيف السياسي بالمبدأ وبالسياسة هو طريقة إيجاد هذا الوعي السياسي في الأمة وفي الأفراد، وهو الذي يجعل الأمة الإسلامية تضطلع بمهمتها الأساسية، ووظيفتها الأصلية، ألا وهي حمل الدعوة إلى العالم، ونشر الهدى بين الناس.
ولذلك كان التثقيف السياسي هو الطريقة لإيجاد الوعي السياسي عند الأمة وعند الأفراد. ومن هنا كان لا بد من التثقيف السياسي في الأمة الإسلامية على أوسع نطاق، فإنه هو الذي يوجد في الأمة الوعي السياسي، ويجعلها تنبت حشداً من السياسيين المبدعين.

**ولذلك يعتبر مؤتمر وستفاليا الذي عقد في سنة 1648 هو الذي نظم القواعد التقليدية للقانون الدولي وبناء على قواعده هذه وجدت الأعمال السياسية بشكل متميز ووجدت الأعمال الدولية الجماعية.

وكان من أبرز هذه القواعد فكرتان خطيرتان إحداهما: فكرة التوازن الدولي، والثانية فكرة المؤتمرات الدولية، أما فكرة التوازن الدولي فهي تقضي بأنه إذا حاولت إحدى الدول التوسع على حساب الدول الأخرى فإن سائر الدول تتكتل لتحول بينها وبين التوسع، محافظة على التوازن الدولي الذي هو كفيل بمنع الحروب وانتشار السلام، وأما فكرة المؤتمرات الدولية فإن المؤتمر يتألف من مختلف الدول الأوروبية وينعقد لبحث مشاكلها وشؤونها في ضوء المصالح الأوروبية، ثم تطورت هذه الفكرة إلى مؤتمرات الدول الكبرى التي تنعقد للنظر في شؤون العالم على ضوء مصالح هذه الدول الكبرى. وهاتان الفكرتان كانتا أساساً لما يعانيه العالم من الصعوبات التي يلاقيها في سبيل رفع سلطة الدول الاستعمارية والدول الكبرى.

هذا هو أصل القانون الدولي وهذا هو الذي أوجد المبررات للتدخل وأتاح للدول الكبرى أن تتحكم في الدول الأخرى، وهذا هو الذي إليه تستند الأعمال السياسية التي تقوم فيها لقضاء مصالحها، أو لمزاحمة الدولة الأولى، إلاّ أن هذه القواعد الدولية قد طرأ عليها شيء من التحويل، ولكنه كله تحويل في صالح الدول الكبرى ومن أجل تنظيم مطامعها أو بعبارة أخرى تقسيم منافع العالم فيما بينها على وجه لا يؤدي إلى الحروب والنزاع المسلح. هذا التحويل الذي طرأ على العلاقات الدولية فتحولت من مؤتمرات إلى منظمة دولية تقوم هي على حفظ الأمن الدولي، ولكن هذا التطور لم يغير شيئاً، وظلت الدول الكبرى تتنازع على المغانم إلى أن وقعت الحرب العالمية الثانية، وبعد الحرب العالمية الثانية رأت الدول الكبرى أن إنشاء منظمة دولية هو خير وسيلة لتنظيم العلاقات فيما بينها، وجعلتها في أول الأمر منظمة للدول التي دخلت الحرب، ثم وسعتها وجعلتها منظمة عالمية، يتاح دخولها لجميع دول العالم. ونظمت العلاقات الدولية بميثاق هذه المنظمة وبهذا تكون العلاقات الدولية قد تحوّلت من مؤتمر للدول الكبرى للسيطرة على العالم وتوزيع المغانم بينها والحيلولة دون نشوء دولة كبرى غيرها، تحوّل إلى منظمة دولية لتنظيم العلاقات بينها وضمان سيطرة الدول الكبرى، ثم إلى منظمة دولية تصبح كدولة عالمية تنظم شؤون دول العالم وتسيطر عليها.

والدول النصرانية هذه، أو الدول الرأسمالية لم تترك أمر تنفيذ القواعد التقليدية والتي صارت فيما بعد القانون الدولي، إلى العامل المعنوي، كما هي الحال في الأعراف الدولية، وفي الاتفاقيات الدولية، بل لم تتركها تنفذ على من التزم بها فقط، بل جعلتها تنفذ بقوة السلاح، وجعلت تنفيذها على جميع دول العالم، سواء من التزم بها أم من لم يلتزم. وقبل الحرب العالمية الأولى كانت الدول النصرانية الأوروبية نفسها مجتمعة أو منفردة تجعل من نفسها البوليس الدولي في العالم لتنفيذ النظام الدولي، وحتى بعد قيام عصبة الأمم، ثم بعد قيام هيئة الأمم المتحدة، ظلت الدول الرأسمالية تجعل من نفسها البوليس الدولي في العالم لتنفيذ القانون والنظام. فكان هذا العمل من أفظع الأعمال، وكان سبباً من أسباب شقاء العالم بالأسرة الدولية بمفهومها الأوروبي، وبما يسمى بالقانون الدولي. لذلك لا بد من علاج هذه المسألة من أجل تخليص العالم وإنقاذه من الشقاء.

وعلاج هذه المسألة هو أنه إذا كان لا بد من إيجاد الجماعة الدولية في المجتمع الدولي فيجب أن لا يقاس المجتمع الدولي على المجتمع العادي، فالمجتمع العادي لا بد له من كيان يرفع المظالم ويزيل التخاصم، ويفصل المنازعات بين الناس، لذلك كان لا بد لكل مجتمع من دولة، ولا بد له من سلطان، ولا بد من قانون ولا بد من تنفيذ إجباري على الناس. أما المجتمع الدولي فهو عبارة عن مجموعات بشرية، تنشأ بينها علاقات، وليس أفراداً تنشأ بينهم علاقات، ولكل مجموعة من هذه المجموعات حق السيادة، وحق الإرادة، بشكل مطلق غير مقيد، فأي إجبار خارجي لهذه المجموعة أو هذه الدولة يعني سلب السيادة عنها، وهذه هي العبودية، وهو يتمثل في الاستعمار وفرض السيطرة والإجبار بالقوة، وأي منع لهذه المجموعة أو هذه الدولة عن تنفيذ ما تقرره يعني تصفيداً لها بالأغلال، وإصابتها بالشلل والكساح، لذلك لا يصح أن توجد قوة فوق المجموعات البشرية تكون سلطة كسلطة المجموعة الواحدة. وبعبارة أخرى لا يصح أن يصبح المجتمع الدولي مجموعة تقوم عليها سلطة، لها صلاحية رعاية الشؤون، أي لا يصح أن توجد دولة عالمية تحكم عدة دول، ولا يصح أن يسمح بوجود دولة عالمية لها سلطة على عدة مجموعات بشرية، بل يجب أن تظل المجموعات البشرية مجموعات لها كيانها، ولها سيادتها، ولها إرادتها. وإذا كان لا بد من تكوين جماعة دولية من هذه المجموعات، فيجب أن لا تكون دولة عالمية، ويجب أن تنشأ هذه المجموعة تأسيساً ممن يريد مختاراً أن يكون فيها، لا أن تقوم بإنشائها دولة معينة لها مفاهيم معينة، أو دول معينة تتمتع بقوة تفوق قوة سواها، كما لا يصح أن تكون دولة عالمية، بل يقوم بتأسيس هذه الجماعة الدولية جميع الذين يرغبون مختارين بتأسيسها، بغض النظر عن نوع مفاهيمهم وبغض النظر عن مقدار قوتهم ومدى نفوذهم، وأن تترك الحرية لكل دولة لم تشترك في التأسيس أن تشترك في الجماعة الدولية في كل وقت تريد، ويكون لها ما للمؤسسين من الحقوق والواجبات، وأن يكون للجميع حرية ترك الجماعة الدولية في أي وقت يريد تركها، وأن لا يفرض على أي أحد تنفيذ المقررات بالقوة، بذلك تكون الجماعة الدولية جماعة دولية بحق، لا عائلة دولية معينة يطلق عليها زوراً وبهتاناً أنها أسرة دولية، ولا دولة عالمية يطلق عليها زوراً وبهتاناً اسم هيئة الأمم المتحدة.**

**الأسرة الدولية

والأعراف والقوانين الدولية**

لا بد من إلقاء نظرة خاطفة على العرف الدولي، والقانون الدولي، لإدراك واقع الأعمال السياسية وكيفية القيام بالأعمال السياسية من ناحية دولية.

أما العرف الدولي فهو قديم قدم الدول والإمارات والكيانات، وهو مجموعة القواعد التي نشأت من جراء العلاقات البشرية في حالة الحرب وفي حالة السلم، فصارت من جراء إتباع المجموعات لها أمداً طويلاً أعرافاً دولية، ثم استقرت هذه المجموعة من القواعد لدى الدول، وصارت الدولة تعتبر نفسها ملتزمة بهذه الأعراف التزاماً طوعياً وصارت أشبه بالقانون، وهذا الالتزام التزام معنوي وليس التزاماً مادياً، وكانت المجموعات البشرية تتبعه طوعياً، وخوفاً من الرأي العام، ومن لا يتبعه يتعرض لنقمة الرأي العام، ويُعيَّر في ذلك، ويعتبر من هذا القبيل، أي من قبيل الأعراف الدولية اصطلاح العرب قبل الإسلام على منع القتال في الشهر الحرام، ولذلك فإن قريشاً أقامت النكير على الرسول  حين قامت سرية عبد الله بن جحش بقتل عمرو بن الحضرمي وأسر رجلين من قريش وأخذ قافلة التجارة، أقامت قريش النكير على ذلك، ونادت في كل مكان أن محمداً وأصحابه استحلوا الشهر الحرام وسفكوا فيه الدماء وأخذوا فيه الأموال وأسروا الرجال، فاستعدت الرأي العام عليه لأنه خالف الأعراف الدولية.

وهكذا كانت بين جميع المجموعات البشرية قواعد متعارف عليها يتبعونها في الحرب والسلم ومنها الرسل أو من يسمون ( السفراء )، ومنها غنائم الحرب، إلى غير ذلك. إلاّ أن هذه الأعراف منها ما هو عام تتبعها جميع المجموعات البشرية مثل السفراء أي الرسل، ومنها ما هو خاص بمجموعات معينة، وكان هذا العرف يتطور وفقاً لحاجات الدول والإمارات والكيانات، أي وفقاً لحاجات المجموعات البشرية في علاقاتها مع بعضها كمجموعات، فكانت هذه الأعراف الدولية يحتكم فيها الناس للرأي العام ويعير بمخالفتها، فكانت تتبع طوعاً واختياراً بالتأثير المعنوي ليس غير، ولم تكن هناك قوة مادية تطبقها، فاستناداً إلى هذه الأعراف كانت تقوم أعمال سياسية من قبل المجموعات البشرية.

وأما ما يسمى بالقانون الدولي فإنه نشأ ووجد ضد الدولة الإسلامية حين كانت تتمثل في الدولة العثمانية. وذلك أن الدولة العثمانية بوصفها دولة إسلامية قامت بغزو أوروبا وأعلنت الجهاد على النصارى في أوروبا، وأخذت تفتح بلادهم بلداً بلداً، فاكتسحت ما يسمى باليونان ورومانيا وألبانيا ويوغسلافيان والمجر والنمسا حتى وقفت على أسوار فينا، وأثارت الرعب في جميع النصارى في أوروبا، ووجد عرف عام لدى النصارى أن الجيش الإسلامي لا يغلب، وأن المسلمين حين يقاتلون لا يبالون بالموت لاعتقادهم بأن لهم الجنة إذا قتلوا، ولاعتقادهم بالقدر، والأجل، وقد رأى النصارى من شجاعة المسلمين وشدة فتكهم ما جعلهم يفرون من وجههم، مما سهل على المسلمين اكتساح البلاد، وإخضاعها لسلطان الإسلام، وكان النصارى الأوروبيون في هذا العصر عبارة عن إمارات وإقطاعيات، فكانت دولاً مفككة، كل دولة مفككة إلى إمارات، يحكم كلاً منها سيد إقطاعي يقاسم الملك في السلطات، مما جعل الملك لا يستطيع إجبار هذه الإمارات على القتال، ولا يملك التعبير عنها أمام الغازين، وفي كل ما يسمى بالشؤون الخارجية، فسهل ذلك على المسلمين الغزو والفتح.

وظل حال الدول الأوروبية كذلك حتى العصور الوسطى، أي حتى نهاية القرن السادس عشر، وفي القرن السادس عشر أي في العصور الوسطى أخذت الدول الأوروبية تتجمع لتكون عائلة واحدة تستطيع أن تقف في وجه الدولة الإسلامية، وكانت الكنيسة هي التي تسيطر عليها، والدين النصراني هو الذي يجمعها، لذلك أخذت تقوم بمحاولات لتكون عائلة نصرانية من مجموعة الدول، وأخذوا يحددون العلاقات بينهم، فنشأ عن ذلك قواعد اصطلحوا عليها لتنظيم علاقاتهم مع بعضهم، فكان ذلك أول نشوء ما سمي فيما بعد بالقانون الدولي، فأساس نشأة القانون الدولي أن الدول الأوروبية النصرانية في أوروبا تجمعت على أساس الرابطة النصرانية من أجل الوقوف في وجه الدولة الإسلامية، فأدى ذلك إلى نشوء ما يسمى بالأسرة الدولية النصرانية، واتفقت على قواعد فيما بينها، منها التساوي بين أفراد هذه الدول بالحقوق، ومنها أن لهذه الدول نفس المبادئ والمثل المشتركة، ومنها أن جميع هذه الدول تسلم للبابا الكاثوليكي بالسلطة الروحية العليا على اختلاف مذاهبها، فكانت هذه القواعد نواة للقانون الدولي، إلاّ أن اجتماع هذه الدول النصرانية لم يؤثر، فإن القواعد التي اتفقت عليها لم تستطع جمعها، فإن نظام الإقطاع ظل حائلاً دون قوة الدولة، ودون تمكينها من مباشرة العلاقات الخارجية، وكان تسلط الكنيسة على الدول جاعلاً لها تابعاً من توابع الكنيسة، وسالباً منها سيادتها واستقلالها، ولذلك حصل صراع في الدولة لكي تتغلب على أمراء الإقطاع وانتهى بتغلب الدولة وزوال نظام الإقطاع، وفي نفس الوقت حصل صراع بين الدولة والكنيسة أدى إلى إزالة سلطة الكنيسة عن الشؤون الداخلية والخارجية للدولة بعد أن كانت الكنيسة تتحكم فيها، ولكن ظلت الدولة نصرانية، وكل ما في الأمر أنها نظمت علاقة الدولة بالكنيسة على شكل يؤكد استقلال الدولة.

وقد أدى هذا إلى وجود دول قوية في أوروبا، ولكنها مع ذلك لم تستطع الوقوف في وجه الدولة الإسلامية، وظل الحال كذلك حتى منتصف القرن السابع عشر أي حتى سنة 1648، وفي هذه السنة عقدت الدول الأوروبية النصرانية مؤتمراً هو مؤتمر وستفاليا وفي هذا المؤتمر وضعت القواعد الثابتة لتنظيم العلاقات بين الدول الأوروبية النصرانية، ونظمت أسرة الدول النصرانية في مقابلة الدولة الإسلامية، فقد وضع المؤتمر القواعد التقليدية لما يسمى بالقانون الدولي، ولكنه لم يكن قانوناً دولياً عاماً وإنما كان قانوناً دولياً للدول الأوروبية النصرانية ليس غير، ويحظر على الدولة الإسلامية الدخول في الأسرة الدولية، أو انطباق القانون الدولي عليها، ومن ذلك التاريخ وجد ما يسمى بالجماعة الدولية، وكانت تتكون من الدول الأوروبية النصرانية جميعاً بلا تمييز بين الدول الملكية والدول الجمهورية أو بين الدول الكاثوليكية والدول البروتستانتية. وكانت قاصرة على دول غرب أوروبا في أول الأمر، ثم انضمت إليها فيما بعد سائر الدول الأوروبية النصرانية، ثم شملت الدول النصرانية غير الأوروبية، ولكنها ظلت محرمة على الدولة الإسلامية إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر حيث أصبحت الدولة الإسلامية في حالة هزال وسميت بالرجل المريض، وحينئذ طلبت الدولة العثمانية الدخول في الأسرة الدولية فرفض طلبها، ثم ألحت بذلك إلحاحاً شديداً فاشترطت عليها شروط قاسية، منها عدم تحكيم الإسلام في علاقاتها الدولية، ومنها إدخال بعض القوانين الأوروبية، فقبلت الدولة العثمانية هذه الشروط، وخضعت لها، وبعد قبولها أن تتخلى عن كونها دولة إسلامية في العلاقات الدولية قُبِلَ طلبها، وأدخلت الأسرة الدولية سنة 1856 ميلادية، ثم بعد ذلك دخلت الأسرة الدولية دول أخرى غير نصرانية كاليابان.

فهم الموقف الدولي

الموقف الدولي هو هيكل العلاقات القائمة بين الدولة الفاعلة في المسرح الدولي. ومع كثرة الدول العاملة على المسرح الدولي إلاّ أن الدول الفاعلة فيه قليلة تبعاً لقوة تلك الدول. ولما كان واقع كل دولة يعتريه التغير والتبدل قوة وضعفاً، فإن العلاقات بين هذه الدول يعتريها التغير والتبدل وتبعاً لذلك. وقد يحدث هذا التغير والتبدل بسبب حرب تطيح بدولة، وتضعف أخرى من التأثير في المسرح الدولي، فيندفع غيرها ليحل محلها. وقد يحدث التغير والتبدل وقت السلم، من خلال عملية التطور التدريجي للقوى، فتضعف دولة وتقوى أخرى، إلاّ أن الحرب أفعل في التغيير. ومع هذا التغير والتبدل في أحوال الدول وقواها يتغير الموقف الدولي، إما في تغير هيكلية العلاقات، وإما في تغير أطرافها. ونظراً لأن التغير في أحوال وقوى الدول الفاعلة في المسرح الدولي ليس سريعاً، فإن التغير في الموقف الدولي يحتاج إلى فترات طويلة.

وقوة الدولة لا تنحصر في قوتها العسكرية، وإنما تشمل جميع الطاقات والقدرات المادية والفكرية والمعنوية التي تستطيع الدولة تعبئتها وحشدها خارج حدودها، فهي تشمل المبدأ أو الرسالة العالمية التي تحملها الدولة رسالة للعالم، كما تشمل القوة العسكرية والقوة الاقتصادية والمهارة في الأعمال السياسية والحنكة في الدبلوماسية.

وتستعمل الدولة في صراعها مع غيرها على المسرح الدولي من عناصر قوتها الأقوى والأفعل، أو ما تظنه كذلك، أو ما تسمح الظروف الدولية باستعماله. فقوة المبدأ والقوة العسكرية والقوة الاقتصادية في كل منها القدرة على إيجاد المصالح والحفاظ على تلك المصالح وإيجاد الهيبة والمكانة الدولية للدولة على المسرح الدولي، إذ يمكن ترجمة أي منها إلى نفوذ سياسي قوي، لكن القوة العسكرية تبقى أبرز العناصر وأفعلها لأنها عنوان الدولة ورأس قوتها فهي دائماً تلوح وراء أعمال السياسيين لإمكانية اللجوء إليها إذا فشلت الوسائل الأخرى.

والقوة العسكرية لا تنفصل عن إرادة استعمالها، فقوة الإرادة قوة لها، وضعف الإرادة ضعف لها. وتضعف إرادة دولة ما في استعمال قوتها العسكرية ضد دولة أقوى منها بكثير، أو عندما تصل القوة العسكرية لدولتين إلى مأزق، وذلك عندما يؤدي سباق التسلح بينهما إلى قدرة كل منهما على تدمير الأخرى تدميراً أكيداً وشاملاً. وهنا تبرز أهمية العناصر الأخرى في قوة الدولة، مثل قوة المبدأ والقوة الاقتصادية والدبلوماسية والأعمال السياسية.

وعمل الدولة على المسرح الدولي إنما هو لإيجاد مصالح للدولة وحماية تلك المصالح، ومصالح الدولة خارج حدودها عديدة ومتنوعة، منها المبدئي مثل إيجاد الظروف الملائمة لنشر المبدأ، ومنها المعنوي مثل الحفاظ على هيبة الدولة وكرامتها ومركزها الدولي، ومنها المادي كتلك المتعلقة بالأمن مثل المواقع الاستراتيجية، أو تلك المتعلقة بالمنافع مثل المواد الخام والأسواق التجارية لتصريف الفائض من المنتوجات الصناعية والزراعية.

ومن المصالح ما هو حيوي وما هو ثانوي. والمصلحة الحيوية هي المصلحة التي تكون الدولة مستعدة للدخول في حرب فورية من أجلها. وتطول قائمة المصالح الحيوية وتقصر حسب قوة الدولة وضعفها. فالدولة القوية تطول قائمة مصالحها الحيوية وتطول بالتالي ارتباطاتها الدولية وتدخلاتها على المسرح الدولي، فالمصالح هي التي تفرض على الدولة ارتباطاتها وليس ارتباطات الدولة هي التي تفرض على الدولة مصالحها. ويحدد اتساع مصالح الدولة نوع الدولة وحجمها. فهناك مثلاً الدولة الإقليمية التي تنحصر مصالحها واهتماماتها وارتباطاتها بمنطقتها. فتجعل من تلك المصالح الإقليمية مجالاً لنشاطاتها السياسية.

وهناك الدولة العالمية التي تنتشر مصالحها واهتماماتها وارتباطاتها في كل زاوية من العالم، فيكون العالم مسرحاً سياسياً لها.

ومما يجب أن يكون واضحاً، أن فهم الموقف الدولي إنما يعني فهم العلاقات الدولية وهيكلية هذه العلاقات، والتسابق الدائم بين الدول على مركز الدولة الأولى، وعلى التأثير في السياسة الدولية.

ومن هنا فإن معرفة مركز الدولة الأولى في العالم، لما ذلك من الأهمية في فهم السياسة العالمية، وفي فهم الموقف الدولي، ففي حالة السلم تعتبر الدولة الأولى في الموقف الدولي هي صاحبة الكلمة دولياً، وتستوي فيه بعد ذلك الدولة الثانية، وأي دولة أخرى من حيث استطاعتها التأثير العالمي سياسياً. والتأثير للدول الأخرى إنما يكون للدول التي لها وزنها في التأثير على الدولة الأولى، ويتفاوت هذا التأثير بتفاوت الدول في القوة الذاتية، والقوة العالمية، فبقدر قوة الدولة ومدى وزنها العالمي، يكون مقدار ما لها من تأثير على الدولة الأولى، وبالتالي على السياسة العالمية من ناحية دولية. إلاّ أن الدولة الأولى في الموقف الدولي تعتبر أقدر الدول نسبياً على جعل السياسة الدولية بجانبها، وأكثر الدول إمكانية لأن تؤثر في الموقف الدولي. لذلك كان فهم موقف كل دولة من الدول التي لها تأثير في الموقف الدولي أساساً لفهم الموقف الدولي.

أما مزاحمة الدولة الأولى على مركزها، والتسابق الدائم بين الدول الفاعلة على التأثير في السياسة الدولية، فإنه موجود منذ القدم، فكانت في كل عصر دولة تعتبر الدولة الأولى، وكان يوجد في بعض الأحيان دول أخرى تزاحمها على هذا المركز . إلاّ أن المزاحمة لم تكن عن طريق الأعمال السياسية، بل كانت عن طريق الأعمال العسكرية بالحروب والغزوات وانتقاص أطراف الدولة، وظل الحال كذلك إلى منتصف القرن الثامن عشر، حيث توسع القانون الدولي، أو على الأصح وجد بشكل قانون وتشريع، ومن يؤمئذ بدأت الأعمال السياسية تأخذ جانباً هاماً في العلاقات الدولية، وفي حل المشاكل الدولية فصارت الأعمال السياسية تحل محل الأعمال العسكرية في حل المشاكل، وفي إيقاف سيطرة الدولة الأولى والمزاحمة على مركزها. والأعمال السياسية التي تقوم بها الدول بشكل عام، والدول المزاحمة للدولة الأولى، والدولة الأولى نفسها بشكل خاص، إنما يستندون فيها إلى ما يسمى بالعرف الدولي والقانون الدولي، حتى غدت هذه الأعمال مرتبطة ارتباطاً حتمياً بالقانون الدولي والشرعية الدولية.

ولفهم الموقف الدولي والسياسة الدولية، لا بد من خطوط عريضة تبين الواقع السياسي لكل دولة وعلاقاتها بغيرها من دول العالم، وخاصة الدول الكبرى التي تؤثر على سير الأحداث في العالم، مع ملاحظة الخطط السياسية للدول في أساليب تنفيذها، وفي المناورات السياسية التي تقوم بها هذه الدول. والدول في عملها السياسي إنما ترعى مصالح الأمة، وتقيم علاقاتها بغيرها. حسب هذه المصالح فالدولة التي تعتنق مبدأ معيناً وتحمله للعالم فإنها تجعل المبدأ عاملاً فعالاً في علاقاتها الدولية وتحديد مصالحها خارج حدودها. لذلك كان لزاماً على الأمة الإسلامية، وهي تعمل لإقامة الدولة الإسلامية وحمل الدعوة إلى العالم، أن تعرف الدول من حيث الأفكار التي تعتنقها، هل هي دول مبدئية أم غير مبدئية، وحينئذ تعرف العوامل التي تؤثر في علاقاتها ومصالحها الدولية، وان تتتبع هذه العلاقات، وأن تدرك خفاياها ومراميها، وأن تميز بين المناورة وغير المناورة، وأن تفرق بين العمل وأهدافه، وأن تكون واقفة على آخر وضع تكون عليه العلاقات الدولية.

غير أنه ينبغي أن يكون واضحاً أن الموقف الدولي لا يظل ثابتاً على حال واحدة، فهو يتغير حسب الأوضاع الدولية، وأن موقف كل دولة من الدول لا يلزم حالة واحدة من ناحية دولية، وإنما تتداوله حالات متعددة من ناحية القوة أو الضعف، ومن ناحية قوة التأثير أو عدم التأثير، ومن ناحية تفاوت العلاقات بينها وبين الدول، واختلاف هذه العلاقات. وهذا يقضي بدوام تثقيف الأمة تثقيفاً سياسياً، وجعلها تتتبع وتدرك السياسة الخارجية تتبعاً دائماً وإدراكاً واقعياً، وأن يكون حمل الدعوة الإسلامية هو الحكم على هذه السياسة والمسير لها.

هذه هي الأسس التي تتعلق بفهم الموقف الدولي والذي يجب على السياسي أن تكون لديه معلومات عنه، ومتابعته حتى تتضح له الأمور ويستطيع بالتحليل السياسي أن يصدر حكمه على كل حدث سياسي فيكون حكمه أقرب إلى الصحة والواقعية. وذلك أن التحليل السياسي هو الطريقة التي يتم بها الحكم على أي حدث سياسي في أي منطقة من مناطق العالم، ويعتمد على فهم الواقع السياسي لذات المنطقة أو البلد، وفهم علاقة هذا الواقع السياسي بالسياسة الدولية.

السياسة والسياسة الدولية

السياسة بمعناها المحلي، كرعاية شؤون الأمة وشؤون الدولة، وإن كانت هامة، ولكنها لا يصح أن تكون هي محل الاهتمام، ولا يصح الاقتصار عليها. لأن جعلها محل الاهتمام يعني الأنانية والعمل للذات، وفوق كونه يضر في إيجاد الصراع الداخلي بين السياسيين ثم بين أفراد الأمة أو فئات منها. وفي هذا ضرر على الدولة والأمة، ولأن الاقتصار عليها فوق كونه لا يجعل المرء يدرك السياسة، فإن فيه غفلة عن شؤون الأمة، والسياسي لا بد أن يرعى شؤون أمته حتى يكون سياسياً. وهذا لا يتأتى إلاّ بالاهتمام بشؤون الأمم الأخرى، والدول الأخرى، ومعرفة أخبارها، وتحركاتها، والإحاطة ما أمكن بمعلومات عنها.

لذلك كانت السياسة الدولية، والسياسة الخارجية جزءاً لا يتجزأ من السياسة، من حيث هي سياسة، ولذلك لا تكون السياسة بمعنى السياسة إلاّ إذا كانت أفكاراً عن رعاية شؤون أمته، وأفكاراً عن رعاية شؤون الأمم الأخرى والدول الأخرى. فعلاقة السياسة الدولية والسياسة الخارجية، بالسياسة علاقة جزء من كل، بل الجزء الجوهري الذي يكونها.

والسياسة الخارجية، والسياسة الدولية، التي يجب الاهتمام بها، هي سياسة الأمم المؤثرة، لا جميع الأمم، وسياسة الدول المؤثرة لا سياسة جميع الدول، ولا سيما فيما له علاقة بأمته أو دولته، أو العقيدة التي تقوم عليها الدولة. ومن هنا كانت السياسة الخارجية والسياسة الدولية، إنما تعني سياسة الأمم المؤثرة والدول المؤثرة. لا سيما المؤثرة على سياسة أمته ودولته، سواء أكان هذا التأثير قريباً أم بعيداً.

لذلك يجب أن تكون الأمة الإسلامية كلها لا سيما السياسيين مشغولة باتقاء الخطر الخارجي، أي أن تظل مشغولة في السياسة الخارجية والسياسة الدولية، بالمعرفة والتتبع، وإبصار مواطن الخطر.

على أن الدولة الإسلامية، لا تعني أنها الحكام، بل هي الأمة التي تحت سلطان الخلافة فعلاً، فالأمة كلها هي الدولة، والدول الكافرة تعرف ذلك، وتعمل على أساسه. وما دامت الأمة مدركة أنها هي الدولة، فإنها تظل متتبعة لأخبار وأحوال الدولة الأخرى، والشعوب والأمم الأخرى، حتى تظل على وعي على أعدائها، وحتى تظل في حالة استنفار فعلي ضد جميع الأعداء. ولهذا فإنه يجب أن تظل أخبار السياسة الخارجية شائعة في الأمة كلها، مدركة من الناس بشكل عام. وأن يكون هم السياسيين والمفكرين، إطلاع الناس على السياسة الخارجية. حتى أن الناس حين يوكلون عنهم نواباً في مجلس الأمة للمحاسبة والشورى، إنما يختارون على أساس السياسة، وعلى أساس السياسة الدولية، لأن هذا هو الذي يجب أن يكون لدى الأمة، وهو الذي يجب أن يكون لدى وكلائها في مجلس الأمة، أما السياسيون والمفكرون بشكل عام فإن معرفة السياسة الخارجية والسياسة الدولية لا بد من أن تكون هي الطاغية على أعمال السياسيين وأفكارهم، وهي الموجودة بشكل بارز لدى المفكرين وفي تفكيرهم وأفكارهم. لأن المسلم إنما وجد من أجل هذا الإسلام، وإنما وجد من اجل الدعوة الإسلامية. وإنما يعيش من أجل هذا الدين، في حمايته، ونشر دعوته. وإذا كان الجهاد هو ذروة سنام الإسلام، فإن حمل الدعوة الإسلامية هو الغاية التي من أجلها يكون الجهاد. وهذا يستوجب معرفة السياسة الخارجية والسياسة الدولية.

على أنه بغض النظر عن هذا، فإن الدولة التي تطمع في أن يكون لها تأثير، وأن تتمتع بالنفوذ والمجد، تجعل السياسة الخارجية أساساً من أسسها، وتتخذ السياسة الخارجية وسيلة لتثبيت مركزها في الداخل والخارج. وإذا كان هذا هو الواقع، فإن على السياسيين والمفكرين، أن يحيطوا بالسياسة الخارجية والسياسة الدولية، سواء أكانوا في الحكم أو خارج الحكم. لأن هذا هو الذي يجعلهم سياسيين، أي راعين لشؤون أمتهم. لأن الشؤون العليا للأمة إنما تتمركز في السياسة الخارجية والسياسة الدولية. ومن هنا كان واجب الأحزاب السياسية كلها، والسياسيين عموماً، ورجال الفكر، والعلم، أن تكون السياسة الخارجية والسياسة الدولية أهم ما يشتغلون به.

وإذا كان لا بد من معرفة السياسة الخارجية والسياسة الدولية، لا سيما للسياسيين، والمفكرين، والعلماء، فإنه لا يصح الاقتصار على الإجمال، والنتائج، فإن هذه إذا جرى الاقتصار عليها، وإن كان مفيداً، ولكنه لا يكفي لإدراك الخطر، ولا لمعرفة كيفية الاتقاء، ولا لفهم الحوادث، والوقائع، والنوايا والأهداف. بل لا بد من التفاصيل، والأعمال، والحوادث، ثم تحليلها والوقوف على النوايا والأهداف. والعدو حتى تعرف نواياه، تجاه الدولة والأمة، لا بد من أن تعرف أولاً كلامه، ووضع هذا الكلام، وثانياً: تصرفاته والظروف التي جرت فيها هذه التصرفات، وثالثاً: علاقاته، ووضع هذه العلاقات، ومن غير معرفة هذه الثلاث لا يمكن الإطلاع على نوايا العدو.

وهذه الثلاث تحتاج معرفتها إلى معرفة التفاصيل، فالكلام لا بد من معرفة تفاصيله وتتبعها، حتى تدرك الأوضاع التي قيل فيها هذا الكلام. وكذلك التصرفات والعلاقات. وإذا كان سواد الأمة لا يهتم بالتفاصيل، فإن أفرادها البارزين ولا سيما السياسيين لا بد من أن يعرفوا ذلك. لأنهم مسؤولون، ولأنهم يزعمون أنهم يرعون شؤون الأمة.

وأنه وإن كانت الحالة الدولية الآن، وحالة الدول المؤثرة، تعتمد في سياستها على ما يسمى بالدبلوماسية، أي على الاتصالات، وعلى العملاء. فإن هذا أمر مؤقت، وهو موجود لعدم وجود قوة مخيفة في العالم. ولكنه إذا وجدت قوة مخيفة فإن هذا يتغير، وتصبح الحالة الدولية، وحالة الدول المؤثرة، تعتمد على الأعمال السياسة، والأعمال العسكرية. إلاّ أنه على أي حال داخل تحت دائرة الاهتمام بالتفاصيل. فإذا كان هناك عملاء فلا بد من معرفتهم، حتى لو كانوا من دول كافرة. وإذا جرت اتصالات أو أعمال سياسية، فلا بد من معرفة هذه الاتصالات وتلك الأعمال بتفاصيلها لا سيما ما كان منها خفياً.

فالسياسة الخارجية والسياسة الدولية، سواء جرت على طريق العملاء، أو بالاتصالات، أو جرت بالأعمال السياسية، أو الأعمال العسكرية. فإن معرفة التفاصيل أمر لا بد منه، وذلك لمعرفة السياسة نفسها، ولمعرفة النوايا والأهداف ولإدراك ماهية الكلام أو التصرفات أو العلاقة. وما لم تعرف هذه التفاصيل، فإنه لا تكون السياسة قد عرفت، ولا صار المرء سياسياً، وبالطبع لا تدرك النوايا والأهداف.

السياسة فن الممكن

السياسة هي أفكار تتعلق برعاية الشؤون، سواء أكانت قواعد: عقائد، أم أحكاماً، أم كانت أفعالاً تجري أو جرت أو ستجري، أم كانت أخباراً. فإذا كانت في أمر واقع كانت سياسة سواء في أمور حالية، أو أمور مستقبلية، وإن كانت قد مضى وقتها، أي كانت واقعاً مر وفات، سواء مر حديثاً أو قديماً كانت تاريخاً، ولذلك فإن التاريخ كان سياسة فأصبح تاريخاً. سواء أكان حقائق لا تتغير بتغير الظروف. وهو ما يجب أن يحرص على معرفته، أم كان حوادث في ظروف مرت ومرت ظروفه، وهو ما يجب أن لا يؤخذ، وأن يكون قارئه في حالة وعي عند قراءته حتى لا يأخذه في ظروف غير ظروفه، فيقع في خطأ، فيقع الضرر من أخذه.

والإنسان من حيث هو إنسان، أو الفرد من حيث كونه يعيش في هذه الحياة، هو سياسي يحب السياسة، ويعانيها، لأنه يرعى شؤون نفسه، أو شؤون من هو مسؤول عنهم، أو شؤون أمته أو شؤون مبدئه أو أفكاره. إلاّ أن الأفراد أو الكتل، أو الدول أو التكتلات الدولية، الذين يتصدون لرعاية شؤون أمتهم أو دولتهم، أو منطقتهم ودولهم، فإنهم يكونون سياسيين طبعاً من حيث كونهم من بني الإنسان، وطبيعياً من حيث طبيعة عملهم، وطبيعة عيشهم وسياستهم. ولذلك يكونون سياسيين بارزين، وهم الذين يطلق عليهم لفظ السياسي، ولا يطلق ذلك على الفرد العادي، لأنه محدود التفكير في أمر رعاية الشؤون ومحدود العمل في الحياة. والبحث في السياسة إنما يعني السياسيين هؤلاء، ولا يعني جميع الأفراد.

وقد عرف العلماء السياسة، بأنها فن الممكنات، أو فن الممكن. وهذا التعريف صحيح. إلاّ أنه من حيث ما جرى عليه الناس من حصرها في الأشياء الآنية، هو خطأ، لأنه يعني الواقعية بمعناها الخاطئ، وهو بحث الواقع والسير حسب هذا الواقع. ولو سلم بهذا، لما وجد تاريخ، ولما وجدت حياة سياسة، لأن التاريخ هو تغيير الواقع، والحياة السياسية هي تحويل الوقائع الجارية إلى وقائع أخرى. ولذلك كان تعريف السياسة بأنها فن الممكن، تعريفاً خاطئاً حسب فهم الناس له أو حسب فهم السياسيين. ولكن من حيث أن كلمة ممكن تعني المعنى الحقيقي لها، وهو ما يقابل المستحيل والواجب، فإنها صحيحة، لأن السياسة ليست فن المستحيل. بل هي فن الممكن فقط. فالأفكار التي لا تتعلق بالممكنات أو على الأصح التي لا تتعلق بالوقائع الممكنة والواقع، فإنها ليست سياسة، وإنما هي فروض منطقية، أو مجرد خيالات حالمة أو تخيلات. فحتى تكون الأفكار أفكاراً سياسية، أي حتى تكون الأفكار سياسية فلا بد أن تتعلق بالممكن. لذلك كانت السياسة فن الممكن لا فن المستحيل فالمستحيل ليس سياسة والواقع والواقعية هو كذلك ليس سياسة، لأنه ضد التاريخ. ولولا تغير الأشياء حسب الممكنات لما وجدت سياسة، ولما وجد تاريخ، فالتاريخ هو تغيير الواقع بواقع غيره، فالسياسة هي فعلاً فن الممكن مقابل المستحيل. والرسول  حين كان ينظر إلى السياسة بأنها فن الممكن لمعنى غير المستحيل، أوجد الإسلام مكان الشرك، وكانت أفكار الإسلام وأحكامه هي التي تعالج مشاكل الناس ووضعت مكان أفكار الشرك وأفكار الكفر كله.

والاستعمار من حيث هو شرقياً كان أو غربياً ولا سيما الغرب، فإنه واعٍ على الإسلام وعلى خطر الإسلام، وخطر عودته إلى معترك الحياة، فأوجد للسياسة مفهوماً واقعياً. فالسياسة بمفهوم النص الذي أوجده لدى المسلمين، والذي عليه يسير السياسيون، هو الواقعية، والتقيد بها، فالسياسية عنده هي فن الممكنات، أي حسب الواقع، وصاروا يسمون ما هو ليس بالواقع أو الواقعية، خيالاً وأوهاماً. لإبعاد الناس عن الإسلام وعن أفكاره، وهذا يعني الخضوع للواقع وعدم التفكير في تغييره. لذلك كان لا بد من محاربة هذا المفهوم عند الأمة، وكان لا بد من إدراك أن السياسة هي رعاية شؤون الأمة بحسب أحكام الإسلام، وليس بحسب الواقع أو ما يمليه الواقع.

على أن أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أدلة على وجوب محاسبة الحاكم لأنها عامة تشمل الحاكم وغيره، وقد أمر الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمراً جازماً، قال تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) … (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر )… (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر )…( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر )…(التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر) … (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر). فهذه الآيات قد طلب الله فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واقترن هذا الطلب بقرينة تدل على الجزم ألا وهي الثناء على ذلك بقوله:(وأولئك هم المفلحون) … (كنتم خير أمة) … (التائبون العابدون) إلى غير ذلك فيكون ذلك قرينة على أن الطلب طلب جازم، وهذا يعني أنه فرض، ومحاسبة الحاكم إنما هي أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، فكانت فرضاً، وكذلك قد وردت أحاديث كثيرة تدل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عن حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده ثم لتدعنه فلا يستجاب لكم " وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من رأى منكم منكراً فليغره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان " وعن عدي بن عميرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة ".

فهذه الأحاديث كلها تدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهي تدل على وجوب أمر الحاكم بالمعروف ونهيه عن المنكر، ولا شك في أن هذه هي محاسبته على أعماله، على أن هناك أحاديث تنص على الحاكم خاصة تأكيداً على المحاسبة، لما لمحاسبة الحاكم وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر من أهمية، فعن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " وعن أبي أمامة قال: " عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل عند الجمرة الأولى فقال يا رسول الله أي الجهاد أفضل فسكت عنه، فلما رمى الجمرة الثانية سأله فسكت عنه، فلما رمى جمرة العقبة ووضع رجله في الغرز ليركب قال: " أين السائل " قال: أنا يا رسول الله قال: " كلمة حق تقال عند ذي سلطان جائر " فهذا نص في الحاكم ووجوب قول الحق عنده، أي محاسبته، فكفاح الحكام الذين يهضمون حقوق الرعية أو يقصرون في واجباتهم أو يهملون شأناً من شؤون الأمة كفاح هؤلاء وأمثالهم فرض لأن الله قد طلبه واعتبره كالجهاد، بل جعله من أفضل الجهاد، فكأنه قال أفضل الجهاد عند الله كفاح الحكام الظلمة، وهذا وحده كاف للدلالة على وجوب محاسبة الحكام، وقد حث الرسول على مكافحة الحكام الظلمة مهما حصل في سبيل ذلك من أذى حتى ولو أدى ذلك إلى القتل فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله " وهذا من أبلغ الصيغ في التعبير عن الحث على تحمل الأذى حتى الموت في سبيل محاسبة الحكام وكفاح الحكام الظلمة.

والإسلام يعتبر الجماعة التي تحكم بموجب هذا النظام وحدة إنسانية، بغض النظر عن طائفتها وجنسها ولا يشترط فيها إلاّ التابعية ( وهي الولاء للدولة والنظام ) ولا توجد فيه الأقليات، بل جميع الناس باعتبار إنساني فقط هم رعايا في الدولة الإسلامية، ما داموا يحملون التابعية. وعليه فإن السياسة الداخلية للدولة الإسلامية هي تنفيذ الشرع الإسلامي على جميع الذين يحملون التابعية سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين.
والسياسة الخارجية للدولة الإسلامية هي علاقة الدولة بغيرها من الدول والشعوب والأمم، وهذه العلاقة هي رعاية شؤون الأمة خارجياً. وتقوم هذه السياسة الخارجية على فكرة ثابتة لا تتغير، هذه الفكرة الثابتة هي نشر الإسلام في العالم في كل أمة وكل شعب. وهذا هو الأساس الذي تقوم عليه السياسة الخارجية للدولة الإسلامية، وهذا الأساس لا يتغير أبداً ولا يختلف مهما اختلف الأشخاص القائمون على الحكم، وقد كان هذا الأساس موجوداً وثابتاً في جميع العصور منذ أن استقر الرسول صلى الله عليه وسلم حتى انتهت الدولة العثمانية بوصفها آخر الدولة الإسلامية، ولم يتغير هذا الأساس مطلقاً. فمنذ أن أقام الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة بدأ يقيم علاقة الدولة الإسلامية بغيرها على أساس نشر الإسلام، فعقد مع اليهود معاهدات ليتفرَّغ لنشر الدعوة في الحجاز، ثم عقد معاهدة الحديبية مع قريش ليتمكن من نشر الدعوة في جزيرة العرب ثم أرسل الكتب للدول الموجودة خارج الجزيرة العربية ليقيم معها علاقات على أساس نشر الإسلام بدعوتهم للدخول فيه، ثم جاء خلفاؤه من بعده فأقاموا علاقاتهم مع الدول جميعها على أساس نشر الإسلام، وأخذوا يحملون الدعوة الإسلامية إلى العالم.
ووجود الدولة إنما هو من أجل تطبيق الإسلام في الداخل، وحمل دعوته في الخارج إلى العالم، ولذلك كانت مهمة الدولة الإسلامية في الخارج إنما هي حمل الدعوة الإسلامية. والذي يجعل نشر الإسلام أساساً للسياسة الخارجية هو أن رسالة محمد عليه الصلاة والسلام للناس كافة. قال تعالى: ï?© وما أرسلناك إلاّ كافة للناس بشيراً ونذيراً ï?¨ وقال تعالى: ï?© يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم… ï?¨ وقال تعالى: ï?© يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً ï?¨ وقال عز وجل: ï?© وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ï?¨ وقد قام الرسول بتبليغ الرسالة للناس، ولما التحق بالرفيق الأعلى استمرت رسالته للناس يبلغهم إياها المسلمون، فكان حمل الدعوة الإسلامية للعالم استمراراً لعمل الرسول صلى الله عليه وسلم. وهكذا كان حمل الدعوة الإسلامية أساساً لعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول والشعوب والأمم، وهذا هو الحكم الشرعي، وهو ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة. ولذلك فإن السياسة الخارجية للدولة الإسلامية هي حمل الدعوة الإسلامية للعالم.
وتنفذ هذه السياسة الخارجية بطريقة ثابتة لا تتغير وهي الجهاد مهما اختلف الأشخاص القائمون على الحكم، وقد كانت هذه الطريقة ثابتة في جميع العصور منذ أن استقر الرسول صلى الله عليه وسلم حتى انتهت آخر الدولة الإسلامية، ولم تتغير هذه الطريقة مطلقاً، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم منذ أن أقام الدولة في المدينة هيأ الجيش وبدأ بالجهاد لإزالة الحواجز المادية التي تقف دونها، فكانت قريش حاجزاً مادياً يقف في سبيل الدعوة الإسلامية فصمم على إزالته، ثم أزال قريشاً ككيان يقف في وجه الدعوة كما أزال غيره من الكيانات التي تقف في سبيلها، إلى أن عم الإسلام جميع جزيرة العرب، ثم بدأت الدولة الإسلامية تطرق أبواب الأمم الأخرى لنشر الإسلام بينهم، فوجدت كيان الحكم القائم على هذه الأمم حاجزاً مادياً يحول دون الدعوة، فكان لا بد من إزالة هذا الكيان من وجه الدعوة، والوصول إلى الشعب نفسه ليدعى إلى الإسلام بحكمه به، حتى يرى ويلمس عدل الإسلام والرفاهية والهناء في العيش تحت رايته، ويدعونه إليه بالتي هي أحسن دون إكراه ولا إجبار. وهكذا استمر الجهاد طريقة لنشر الإسلام، ففتحت البلدان والأقطار، وأزيلت بالجهاد الممالك والدول وحكم الإسلام الشعوب والأمم، ونشر الإسلام فاعتنقه مئات الملايين من البشر بعد أن حُكِموا به. فكانت الطريقة التي اتبعت في السياسة الخارجية هي الجهاد، وكانت ثابتة لا تتغير ولن تتغير أبداً.
وعلى الدولة الإسلامية أن تقوم بأعمال سياسية منها ما يتعلق بإعطاء معلومات واضحة عن الإسلام، وبث أفكار الإسلام، والقيام بالدعوة والدعاية للإسلام، ومنها ما يتعلق بإظهار قوة الدولة الإسلامية ومقدرتها، وإظهار صلابة المسلمين وجرأتهم، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقوم بأعمال عديدة في ذلك منها إرسال الدعاة للإسلام في قلب بلاد الشرك، كما أرسل الأربعين رجلاً إلى نجد ليبلغوا الإسلام، وكان يقوم بإظهار قوة الدولة كما حصل في استعراضه جيش المسلمين في المدينة يوم غزوة تبوك قبل خروجه لها. ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " نصرت بالرعب من مسيرة شهر " وكان جيش المسلمين في مختلف العصور مرهوب الجانب، ولهذا لا بد من القيام بأعمال سياسية تتعلق ببث الأفكار الإسلامية، وبإظهار قوة الدولة، ثم المباشرة بالقتال.
والجهاد وإن كان الطريقة الثابتة التي لا تتغير لنشر الإسلام ولكن الأعمال السياسية والحركات المقصودة لا بد منها قبل البدء بالقتال، وهي أمر أساسي في تركيز العلاقة بين الدولة وغيرها من الدول والشعوب والأمم على وجه معين، من حيث حسن الجوار، ومن حيث العلاقات الاقتصادية أو غير ذلك مما يسهل أمر نشر الإسلام. وعلى ذلك فإن الفكرة السياسية التي تقوم عليها علاقة الدولة الإسلامية مع غيرها من الدول والشعوب والأمم هي نشر الإسلام بينهم وحمل الدعوة إليهم وطريقة ذلك هي الجهاد في سبيل الله.
أما محاسبة الدولة من قبل الأمة فإن الإسلام قد جعل محاسبة الحكام فرضاً على المسلمين. فليس معنى وجوب طاعتهم ولو ظلموا ولو أكلوا الحقوق، السكوت عليهم، بل طاعتهم مع وجوب محاسبتهم على أعمالهم، وعلى تصرفاتهم. فالله سبحانه وتعالى فرض على المسلمين محاسبة الحكام، وأمرهم أمراً جازماً بالتغيير عليهم إذا هضموا حقوق الرعية، أو قصروا بواجباتهم نحوها، أو أهملوا شأناً من شؤونها، أو خالفوا أحكام الإسلام، أو حكموا بغير ما أنزل الله. روى مسلم عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع، قالوا أفلا نقاتلهم ؟ قال: لا ما صلّوا " وفي رواية أخرى " فمن عرف فقد برئ ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي تابع " وهذه الرواية تفسر الرواية الأخرى، فقد أمر الرسول الإنكار على الحاكم، وأوجب هذا الإنكار بأية وسيلة مستطاعة، باليد على شرط أن تكون دون القتال أي دون السيف، وباللسان مطلقاً، أي بأي قول من الأقوال، أو بالقلب إذا عجز عن اليد واللسان، وقد أعتبر من لم ينكر شريكاً للحاكم في الإثم إذ قال فمن رضي بما عملوه وتابع على ذلك فلا يبرأ ولا يسلم من الإثم.

السياسة

السياسة هي رعاية شؤون الأمة داخلياً وخارجياً، وتكون من قبل الدولة والأمة. فالدولة هي التي تباشر هذه الرعاية عملياً، والأمة هي التي تحاسب بها الدولة.

هذا التعريف للسياسة عام عند جميع الناس، إذ هو وصف لواقع السياسة من حيث هي. فهو كتعريف العقل وتعريف الصدق وتعريف السلطان، وغير ذلك من المعاني التي هي واقع موجود عند جميع البشر بمعنى واحد لا يختلفون فيه، لأنه واقع مدرك، وإنما يختلفون في أحكامه. وفوق ذلك معناها اللغوي في مادة ساس يسوس سياسة بمعنى رعى شؤونه، قال في القاموس المحيط " وسست الرعية سياسة أمرتها ونهيتها " وهذا هو رعاية شؤونها بالأوامر والنواهي. وأيضاً فإن الأحاديث الواردة في عمل الحاكم، والواردة في محاسبة الحاكم، والواردة في الاهتمام بمصالح المسلمين، يستنبط من مجموعها هذا التعريف، فقوله صلى الله عليه وسلم: " ما من عبد استرعاه الله رعية لم يحطها بنصيحة إلاّ لم يجد رائحة الجنة " وقوله صلى الله عليه وسلم: " ما من وال يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلاّ حرم الله عليه الجنة " وقوله صلى الله عليه وسلم: " ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع. قالوا أفلا نقاتلهم قال: لا، ما صلّوا " وقوله صلى الله عليه وسلم: " من أصبح وهمه غير الله فليس من الله، ومن أصبح لا يهتم بالمسلمين فليس منهم " وعن جرير بن عبد الله قال: " بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم " وعن جرير بن عبد الله قال: " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: أبايعك على الإسلام فشرط علي والنصح لكل مسلم ". فهذه الأحاديث كلها سواء ما يتعلق بالحاكم في توليه الحكم، أو ما يتعلق بالأمة تحاسب الحاكم، أو ما يتعلق بالمسلمين بعضهم مع بعض من الاهتمام بمصالحهم والنصح لهم، كلها يستنبط منها تعريف السياسة، بأنها رعاية شؤون الأمة فيكون تعريف السياسة تعريفاً شرعياً مستنبطاً من الأدلة الشرعية.

أما رعاية شؤون الأمة عملياً، فإن الشرع أعطى مباشرة رعاية الشؤون عملياً رعاية إلزامية للحاكم وحده فلا يحل للرعية أن تقوم بعمل الحاكم ولا يحل لأحد من المسلمين أن يقوم بعمل الحاكم إلاّ بتولية شرعية، إما ببيعة من الناس إن كان خليفة، وإما بتولية من الخليفة، أو من جعل له الخليفة حق التولية من معاونين وولاة. أما من لم يوّل لا بالبيعة، ولا بتولية خليفة، فلا يحلّ أن يقوم بشيء من مباشرة رعاية شؤون الأمة لا في الداخل ولا في الخارج.

والسلطان قد جعله الشرع للحاكم فحسب، وجعل سياسة الناس للحاكم فحسب. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " من كره من أميره شيئاً فليصبر عليه فإنه ليس أحد خرج من السلطان شبراً فمات عليه إلاّ مات ميتة جاهلية " فجعل الخروج عليه خروجاً من السلطان فهو إذن الذي يملك السلطان لا غيره. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وأنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء " ومعناه أنكم أيها المسلمون تسوسكم الخلفاء. فعين من يسوس المسلمين. ومفهوم هذا أن غير الأمير لا يكون سلطاناً، وأن غير الخلفاء لا يسوسون. فهذا دليل على أن سياسة الرعية إنما هي للحاكم ولا تكون لغيره. وأيضاً فإن عمل الرسول صلى الله عليه وسلم هو أنه كان يحصر السلطان والقيام بسياسة الناس به بوصفه رئيس دولة، وكان هو الذي يولّي من يقوم بعمل من أعمال السلطان أو من أعمال سياسة الرعية. فولّى من يقوم مقامه في المدينة حين كان يخرج لغزوة من الغزوات، وولّى الولاة والقضاة وجباة الأموال ومن يقوم بمصلحة من المصالح كتوزيع المياه وخرص الثمار وغير ذلك. فهذا كله دليل على حصر السلطان وحصر سياسة الناس بالحاكم، أي بالخليفة ومن يوليه الخليفة، وبالأمير ومن يوليه الأمير. والسلطان هو رعاية شؤون الناس رعاية إلزامية، أي القيام بمسؤولية الحاكم محصورة بالحاكم، فلا يجوز لغيره أن يقوم بها مطلقاً، لأن الشرع أعطى السلطان وأعطى سياسية الناس للخليفة ولمن يوليه الخليفة. فإذا قام بأعمال الحكم والسلطان، وتولى سياسة الناس، أي فرد غير الإمام وغير من ولاه كان فعله هذا مخالفاً للشرع فكان باطلاً، وكل تصرف باطل فإنه يكون حراماً، ومن هنا لا يحل لأحد غير الخليفة، وغير من يوليه الخليفة أي غير الحاكم أن يقوم بأي عمل من أعمال الحكم والسلطان فلا يقوم برعاية شؤون الناس رعاية إلزامية، أي لا يسوس الناس، لأن هذا هو عمل الحاكم ولا يجوز لغيره أن يقوم به.

أما السياسة الداخلية للدولة الإسلامية فإنها تقوم على تنفيذ أحكام الإسلام في الداخل، وقد كانت الدولة الإسلامية تنفذ أحكام الإسلام في البلاد التي تخضع لسلطانها، فتنظم المعاملات، وتقيم الحدود، وتنفذ العقوبات، وتحرس الأخلاق وتضمن القيام بالشعائر والعبادات، وترعى جميع شؤون الرعية حسب أحكام الإسلام. وقد بيّن الإسلام الكيفية التي تنفذ بها أحكامه على الناس الذين يخضعون لسلطانه، ممن يعتنقونه، وممن لا يعتقدون به، فكانت الدولة الإسلامية تطبق أحكام الإسلام حسب هذه الكيفية لأن طريقة التنفيذ حكم شرعي، كما أن معالجات المشاكل حكم شرعي. والمخاطبون بالإسلام هم جميع الناس، لأن الله قد خاطب بالإسلام جميع بني الإنسان بوصف الإنسانية فقط لا بأي وصف آخر، قال تعالى:  يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم  وقد اعتبر علماء أصول الفقه أن المخاطب بالأحكام الشرعية هو كل عاقل يفهم الخطاب، سواء أكان مسلماً أو غير مسلم، وقد قال الإمام الغزالي في كتاب المستصفى في الأصول " أن المحكوم عليه هو المكلف، وشرطه أن يكون عاقلاً يفهم الخطاب، وأن أهلية ثبوت الأحكام في الذمة تستفاد من الإنسانية التي بها يستعد لقبول قوة العقل الذي به فهم التكليف " وعلى ذلك كان المخاطب بالإسلام جميع بني الإنسان خطاب دعوة وخطاب تكليف، أما خطاب الدعوة فالمقصود به دعوة الناس إلى اعتناق الإسلام، وأما خطاب التكليف فالمقصود به إلزام الناس بالعمل بأحكام الإسلام.

الفكر السياسي

يعتبر الفكر السياسي من أعلى أنواع الفكر على الإطلاق وهو يعني التفكير المتعلق برعاية شؤون الأمة، وأعلى أنواعه التفكير المتعلق بالإنسان وفي العالم من زاوية خاصة.

والعقيدة الإسلامية فكرة سياسية، فهي من الفكر السياسي، بل هي أساس الفكر السياسي لدى المسلمين، فهي مبدأ أو نظام، ودين ومنه الدولة. وتتميز العقيدة الإسلامية عن غيرها من العقائد والمبادئ، بأنها عقيدة سياسية روحية، تتولى بما انبثق عنها من أفكار وأحكام رعاية شؤون الدنيا والآخرة. ووجهة النظر التي تشكلها تختلف عن جميع وجهات النظر في المبادئ والأنظمة الأخرى، كذلك أفكارها وأحكامها تختلف عن جميع الأفكار والأحكام الموجودة في الدنيا كلها. سواء في الأساس الذي قامت عليه، أو المصدر الذي شرعها، وسواء في كلياتها أو جزئياتها. كذلك جاءت بأفكار وأحكام تتعلق بجميع شؤون الحياة وعلاقات البشر فيها. وبرعاية هذه الشؤون والعلاقات، سواء أكانت تتعلق بالحكم أو الاقتصاد أو الاجتماع أو التعليم، أو السياسة داخلية أو خارجية. وسواء أكانت تتعلق بعلاقة الحكام بالمحكومين، أم بعلاقة الدولة مع الدول والأمم والشعوب الأخرى. وبذلك كانت عقيدة الإسلام السياسية عقيدة كاملة وشاملة تتناول الحياة في جميع مظاهرها وأشكالها، وتعالج جميع وقائعها معالجة دقيقة، قال تعالى:  ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء  وقال عز وجل:  اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً .

ولقد كان لغياب هذه الأفكار والأحكام المنبثقة عن العقيدة الأثر الأكبر على حياة المسلمين، فقد كان أخذ ما ليس من الإسلام واعتباره منه ولو اسماً من قبل الدولة أيام العثمانيين، أو إهمال الأفراد مسألة التقيد بالأحكام الشرعية في حياتهم من أهم ما هدم الدولة الإسلامية، ومن أهم الأسباب التي جعلت المسلمين في هذه الذلة وهذا الانحطاط. لذلك كان لا بد من أن يوجه المسلمون العناية الكلية للأفكار والأحكام الشرعية، مما يترتب عليه انضباط السلوك في الفرد وانضباط السلوك في الأمة في سير الدولة.

وعقيدة الإسلام السياسية توجب الأحكام المنبثقة عنها وعلى المسلمين أن يطبقوا الإسلام كاملاً، وأن يقيموا على أساسه كياناً ذاتياً إسلامياً متميزاً، وأن يبنوا مجتمعاً فريداً هو المجتمع الإسلامي، كما توجب عليهم أن يكونوا أمة إسلامية واحدة، مهما اختلفت أجناسهم وأعراقهم وألوانهم، تجمعهم العقيدة الإسلامية التي وحدت وجهة نظرهم في الحياة بالحلال والحرام، وجعلته مقياساً لنظرتهم للوقائع والأحداث ولإصدار الحكم عليها، في ظل دولة واحدة.

وكذلك فإن العقيدة الإسلامية توجب على المسلمين كتلاً وأحزاباً وجماعات العمل لاستئناف الحياة الإسلامية وحمل الدعوة الإسلامية أي تحقيق حل قضية المسلمين المصيرية. واستئناف الحياة الإسلامية يعني إعادة المسلمين إلى العيش عيشاً إسلامياً في دار إسلام، وفي مجتمع إسلامي تسيطر عليه الأفكار الإسلامية والمشاعر الإسلامية وتطبق فيه أنظمة الإسلام وأحكامه، بحيث تكون جميع شؤون الحياة مسيرة وفق الأحكام الشرعية، في ظل دولة إسلامية، التي هي دولة الخلافة، والتي يُنصِّب المسلمون فيها خليفة يبايعونه على السمع والطاعة، على أن يحكم فيهم بكتاب الله وسنة رسوله، وعلى أن يحمل الإسلام رسالة إلى العالم بالدعوة والجهاد.

والأمة الإسلامية اليوم حتى تحصل لها النهضة، لا بد من أن تجعل العقيدة الإسلامية الأساس الذي تتجه في حياتها إليه، وتقيم الحكم والسلطان عليها، ثم تعالج المشاكل اليومية بالأحكام المنبثقة عن هذه العقيدة، أي بالأحكام الشرعية بوصفها أوامر ونواه من الله فقط لا بأي وصف آخر. وبذلك ستحصل النهضة قطعاً، بل ستحصل النهضة الصحيحة لا مجرد نهضة، وتعود الأمة الإسلامية لاقتعاد ذروة المجد وأخذ قيادة العالم مرة أخرى. ولذلك كان لا بد من أن تثقف الأمة الثقافة السياسية مبتدئة أولا وقبل كل شيء بعقيدتها العقلية، أي بفكرتها الكلية عن الكون والإنسان والحياة باعتبارها فكرة سياسية لا فكرة روحية فحسب، ثم بما ينبثق عنها من الأفكار السياسية، وما يبنى عليها من الوسائل والغايات.

إن الأمة الإسلامية، وهي تعتنق العقيدة الإسلامية، فكرة كلية عن الكون والإنسان والحياة، عقيدة سياسية، قاعدة فكرية، قيادة فكرية، وجهة نظر معينة في الحياة، يجب عليها وهي ترى العالم كله، وهي معه كذلك يتخبط هذا التخبط، يرزح تحت نير الظلم السياسي والاقتصادي، ويخضع لعبودية قوة غاشمة، ويئن تحت كابوس الشقاء والاستعباد والاذلال فإنه فرض عليها أن تأخذ على عاتقها مهمة إنقاذ العالم، وإخراجه من ظلمات الضلال والتضليل، إلى نور الهدى، وسعادة الحياة. فإنها وإن كانت ترزح تحت نير القوة الغاشمة، فإنه لم يعد جائزاً لها أن تفكر في نفسها فحسب، فإن الأنانية بعيدة عما تعتنقه من عقائد، وغريبة على ما تحمله في ثنايا نفسها وفي صميم فؤادها من قيم وأفكار. لذلك يجب أن تفكر في إنقاذ العالم مع إنقاذ نفسها، وأن تضطلع بمهمة تحرير العالم لا بنفسها وحدها. فإنها جزء من هذا العالم ، وهي وجدت من أجل هدى البشر، وبعد أن إعتنقت عقيدة الإسلام، صار فرضا عليها أن تنقذ الإنسانية من الشقاء، وأن تخلص البشر من الظلم والتعاسة، ومن الإذلال والاستعباد.

والأمة الإسلامية تعتنق فكرة سياسية عن الحياة، وتعتنق طريقة لتنفيذ هذه الفكرة في الحياة. وإذا ملكت أمة الفكرة الصحيحة مع طريقتها، فإنها ولا شك تكون أهلاً لإعطاء الخير وتكون أهلاً لحمل قيادة هذه الفكرة، ولذلك فإن الأمة الإسلامية ليست قادرة على النهضة الصحيحة فحسب، بل هي قادرة على ذلك، وعلى أن تكون مصدراً للخير لغيرها، وعلى حمل هذه الفكرة للناس، قيادة فكرية ووجهة نظر في الحياة. وبالتالي هي قادرة على حل مشكلة العالم، وعلى إنقاذه مما يتردى فيه من الشقاء والاستبعاد والذل. بحمل الدعوة الإسلامية إلى الشعوب والأمم.

أفكَارٌ سَياسِيَّة
001… محتويات الكتاب
002… مقدمة الكتاب
003… الفكر السياسي
004… السياسة
007… مفاهيم سياسية
008… السياسة فن الممكن
009… السياسة والسياسة الدولية
010… فهم الموقف الدولي
011… الأسرة الدولية والأعراف والقوانين الدولية
014… التفكير السياسي
019… الوعي السياسي
021…الكفاح السياسي
022… الأعمال السياسية
023… التجربة السياسية
024… الاشتغال بالسياسة فرض على المسلمين
025… رجل الدولة
026… الوسط السياسي
029… الفراغ
030… الحكم في الإسلام
031… نظام الحكم في الإسلام هو نظام وحدة وليس نظاماً اتحادياً .
032… المسؤوليات العامة
034… الانفصال بين الأمة والدولة ووجوب المحاسبة
035… إقامة الأحزاب السياسية فرض كفاية
036… كيف يتأتى للأفراد أن يؤثروا في السياسية العالمية
036… وكيف يتأتى للأحزاب أن تؤثر في اتجاه الدول
037… النظام الديمقراطي نظام كفر من وضع البشر
039… القضية السياسية للأمة وللدولة الإسلامية
040… القضية المصيرية
منقول
الطبعة الأولى * 1415هـ ? 1994م

الانفصال بين الأمة والدولة
ووجوب المحاسبة

من الملاحظ في هذه الأيام أن الأمة منفصلة انفصالاً تاماً عن الدولة، أي عن الحكام وأن العلاقة بين جمهرة الناس والحكام علاقة بين فئتين متباينتين لا علاقة بين رعايا ودولة، وفضلاً عن ذلك فإن هذه العلاقة فوق كونها علاقة بين فئتين متباينتين هي علاقة كراهية وتضاد وتناقض ليس فيها أي تقارب ولا ما يشعر بإمكانية وجود تقارب في المستقبل، وهذا هو الذي يضعف كيان الأمة ويضعف الدولة، كذلك لأن الرعية بدون وجود راع منها تكون واهية البنيان، والدولة بدون وجود رعية تقف صفاً واحداً خلفها تكون واهية الوجود يمكن إزالتها بأقل جهد، وتكون عرضة للاستعانة بأعداء الأمة.
إن هذا الانفصال بين الأمة والدولة كان طبيعياً وواجباً يوم كانت الدولة الكافرة تحكم البلاد مباشرة، يوم كان الانتداب الإنجليزي هو المطبق على البلاد، ولكن بعد أن أزيل سلطان الإنجليز رسمياً وأصبح حكام البلاد يباشرون الحكم وهم من أبناء الأمة مسلمون، فإنه لم يعد هناك مبرر لبقاء هذا الانفصال، وكان يجب أن تتحول العلاقات بين جمهرة الناس وبين الدولة إلى علاقة رعية وراع، وإلى التحام بين الراعي والرعية. غير أن الواقع أن هذا الانفصال قد بقي ولا يزال باقياً، وظل الحكام فئة والأمة فئة أخرى، وظلت إحدى الفئتين مضادة للأخرى، الأمة تنظر إلى الحكام بأنهم أعداؤها كما كانت تنظر للإنجليز بل ربما شعرت بظلمهم أكثر من ظلم الإنجليز، والحكام ينظرون إلى الأمة بأنها تتآمر عليهم وتود أن تفتك بهم وأنها عدوة لهم، فهم يكيدون لها وهي تكيد لهم، وهذا ما يجعل الأمة في حالة يأس من أن تتقدم خطوة واحدة نحو العزة والرفاهية، ويجعل الحكام محصوراً تفكيرهم بما يبقيهم على كراسي الحكم ولو بالاستعانة بالأجنبي، ويجعلهم لا يفكرون برفع الأمة إلاّ نفاقاً وبأساليب تبعد الأمة عن الرقي، وتجعلها دائماً في حالة ضعيفة حتى يظلوا مسيطرين عليها.
إن هذه الحالة من الانفصال بين الأمة والدولة هي نتيجة عدم قيام الأمة بما فرضه الله عليها من محاسبة الحكام، وعدم شعورها بأنها هي مصدر السلطان، فلو كانت تشعر بأنها مصدر السلطان وتقوم بما فرضه الله عليها من محاسبة الحكام، لما تولاها حاكم خائن عدو لها، ولما كان بينها وبين الحكام هذا الانفصال ولما كانت في هذا الضعف، في هذا التفكك، في هذا التأخر، ولما ظلت تحت نفوذ الكفار فعلاً وإن كان الذي يحكمها حكماً مباشراً مسلماً من أبناء المسلمين. لذلك كان لا بد للامة حتى تكون كياناً واحداً هي والحكام وفئة واحدة هي والدولة أن تقوم بواجب محاسبة الحكام، وأن تقول كلمة الحق في وجه الحكام، وأن تعمل بقوة وبجد للتغيير على الحكام أو تغييرهم، وما لم تبادر إلى ذلك فإنها ولا شك ستظل تنحدر بسرعة فائقة هذا الانحدار الذي نراه حتى تفنى أو تشرف على الفناء.
إن الإسلام جعل محاسبة الحكام فرضاً على المسلمين، وأمرهم بمحاسبة الحكام وبقول الحق أينما كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم. أما قول الحق والجهر به فإن المسلمين في بيعة العقبة الثانية حين بايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم قد بايعوه على قول الحق فقد قالوا في نص البيعة ما نصه " وأن نقول الحق أينما كان لا نخاف في الله لومة لائم " وأما محاسبة الحكام وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر فإنه بالرغم من أنها داخلة في آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد جاءت نصوص صريحة بالأمر بمحاسبة الحكام، فعن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ". وعن أبي أمامة قال: " عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل عند الجمرة الأولى فقال: يا رسول الله أي الجهاد أفضل ؟ فسكت عنه، فلما رمى الجمرة الثانية سأله، فسكت عنه، فلما رمى جمرة العقبة ووضع رجله في الغرز ليركب قال: أين السائل ؟ فقال: أنا يا رسول الله، قال: " كلمة حق تقال عند سلطان جائر " فهذا نص في الحاكم ووجوب قول الحق عنده، ووجوب محاسبته، وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على مكافحة الحكام الظلمة مهما حصل في سبيل ذلك من أذى حتى لو أدى إلى القتل. فقد رُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله " وهذا من أبلغ الصيغ في التعبير عن الحث على تحمل الأذى حتى الموت في سبيل محاسبة الحكام، وكفاح الحكام الظلمة.
إن كفاح ظلم الحكام الذي نراه اليوم، ومحاسبة هؤلاء الحكام على أعمالهم كلها، وعلى خياناتهم وتآمرهم على الأمة فرض فرضه الله علينا معشر المسلمين. والقيام بهذا الفرض هو الذي يزيل الفواصل الموجودة بين الأمة والحكام. وهو الذي يجعل الأمة والحكام كلها فئة واحدة وكتلة واحدة، وهو الذي يضمن التغيير على الحكام، ويضمن كذلك تغييرهم إن لم يكن التغيير عليهم. وهو أول طريق النهضة، فالنهضة لا يمكن أن تتأتى إلاّ عن طريق الحكم حين يقام على عقيدة الإسلام، ولا سبيل إلى ذلك إلاّ بإيجاد الحكم على العقيدة الإسلامية، وإيجاد الحكم على هذا الأساس، ولا سبيل إلى ذلك إلاّ بكفاح الحكام الظلمة وبمحاسبة الحكام.

فهذه المسؤوليات الواجبة على الحاكم تبين أن الشارع حدد المسؤوليات العامة أوضح تحديد، وهذه المسؤوليات على الحاكم من حيث هو حاكم بغض النظر عن كونه خليفة أو معاوناً له، والياً أو عاملاً، فكلهم حاكم، ومقيد بهذه المسؤوليات، وذلك لأنها إذا كانت هذه مسؤوليات الولاة والأمراء وغيرهم من الحكام فإنها مسؤوليات الخليفة، لأنها كانت واجباً على الأمير فعلى من يحمل تبعة عامة من باب أولى.
فقول الرسول: " ما من عبد استرعاه الله رعية " وقوله: " من ولي من أمر أمتي شيئاً " وقوله: " أعظم غدراً من أمير عامة " وقول الله تعالى:( ومن لم يحكم )¨ فكلها جاءت بلفظ عام يشمل الوالي ويشمل الخليفة. وخطاب الرسول خطاب لكل حاكم، خليفة كان أو والياً. على أن الرسول بين مسؤولية الخليفة عن رعيته نصاً في الحديث الذي بين فيه المسؤولية العامة بحقه.
روى البخاري عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عن رعيتها وعبد الرجل راعٍ على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته " فجعل الخليفة مسؤولاً مسؤولية عامة عن رعيته. وبهذا تكون المسؤوليات العامة على الحاكم، فهي على الخليفة كما هي على الأمير.
وهذه المسؤوليات العامة قد ضمن الشارع قيام الحاكم بأعبائها ضماناً تاماً بالتوجيه والتشريع، أما التوجيه فقد حذر الحاكم من عذاب الله إذا قصر بها ولم يقم بأعبائها، فبين أنها خزي وندامة يوم القيامة إذا أخذها الضعيف الذي لا يؤدي الذي عليه فيها، وطلب الرسول من الله أن يشق على من يشق على الأمة الإسلامية، وحرَّم الجنة على من لم يحط الأمة بنصيحة، إلى غير ذلك من التحذيرات التي تبين للحاكم عاقبة عدم قيامه بمسؤولياته، وهي عذاب من الله، ولكن الشرع لم يكتف بذلك بل جعل الأمة قوامة على قيام الحاكم بمسؤولياته، وأمرها بمقاتلته بالسيف إذا حكم بغير الإسلام وصار الكفر بواحاً. وجعل من يقتل في سبيل الإنكار عن الحاكم سيد الشهداء قال عليه الصلاة والسلام: " سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله " وجعل من يرضى بتقصير الحاكم ويتابعه مسؤولاً أمام الله لا يسلم من عقوبته. روى مسلم عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع، قالوا أفلا نقاتلهم قال: لا، ما صلوا " وفي رواية أخرى " فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع " وهذه الرواية تفسر الأولى فقوله فمن عرف برئ، قال النووي في شرح هذا الحديث " معناه والله أعلم: فمن عرف المنكر ولم يشتبه عليه فقد صارت طريق إلى البراءة من إثمه وعقوبته بأن يغيره بيده أو بلسانه فإن عجز فليكرهه بقبله وقوله من أنكر سلم. أي ومن لم يقدر على تغييره بيده. ولسانه فأنكر ذلك بقلبه وكرهه سلم، من مشاركتهم في إثمه. ولكن من رضي وتابع أي رضي بفعلهم بقلبه وتابعهم عليه في العمل لم يبرأ ولم يسلم ".
في هذا الحديث أمر الرسول بالإنكار على الحاكم وأوجب هذا الإنكار بأي وسيلة مستطاعة باليد على أن تكون دون القتال أي دون السيف، وباللسان مطلقاً أي بأي قول من الأقوال، أو بالقلب إذا عجز عن اليد واللسان، وقد اعتبر من لم ينكر شريكاً للحاكم في الإثم، إذ قال فمن رضى بما عملوه وتابع على ذلك فلا يبرأ ولا يسلم من الإثم، إلاّ أن هذا الإنكار إنما يكون إذا أساءوا ولكنهم يحكمون بالإسلام، فإذا ما خرجوا عن تطبيق الإسلام وطبقوا أحكام الكفر فإن الشرع لم يكتفِ بالإنكار باليد واللسان والقلب بل جعل طريقة التغيير عليهم أو تغييرهم هي السيف والقتال، ففي حديث أم سلمة الذي رواه مسلم " قالوا أفلا نقاتلهم قال: لا، ما صلوا " وفي رواية " ألا نقاتلهم يا رسول الله قال: لا، ما صلوا " وفي حديث عن عوف بن مالك الذي رواه مسلم " قيل يا رسول الله أفلا نقاتلهم بالسيف فقال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة " وفي رواية قالوا: " قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة ". وفي البخاري عن عبادة بن الصامت قال: " دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه فقال: فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة عليه وأن لا ننازع الأمر أهله قال: إلاّ أن تروا كفراً بَواحاً عندكم من الله فيه برهان " فمفهوم هذه الأحاديث هو أن ننازع الأمر أهله إذا رأينا كفراً بَواحاً، وأن ننابذهم بالسيف ونقاتلهم إذا لم يقيموا الصلاة. وهذا بالنسبة للحاكم كناية عن الحكم بالإسلام، أي ما داموا يحكمون بالإسلام فلا قتال ولا منابذة ولا منازعة، فإن حكموا بغير الإسلام وجب حينئذ قتالهم ومنابذتهم ومنازعتهم. وهكذا يكون الإسلام قد ضمن ضماناً تاماً القيام بالمسؤوليات العامة.

المسؤوليات العامة
حدد الشارع المسؤوليات العامة على الحاكم تحديداً واضحاً لا يدع أي مجال للبس أو إبهام. فقد بيَّن مسؤولية الحاكم بالنسبة لما يجب أن يكون عليه في خاصة نفسه بوصفه حاكماً، وبيَّن مسؤوليته بالنسبة لعلاقته بالرعية.
أما مسؤولية الحاكم بالنسبة لما يجب أن يكون عليه بوصفه حاكماً فظاهرة في الأحاديث التي بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم فيها بعض صفات الحاكم، ومن أبرزها القوة والتقوى والرفق بالرعية وأن لا يكون منفراً، فالرسول صلى الله عليه وسلم يرى أنه يجب أن يكون الحاكم قوياً وأن الضعيف لا يصلح أن يكون حاكماً. روى مسلم عن أبي ذر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: " يا أبا ذر أراك ضعيفاً وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرَّن على اثنين ولا تولين مال يتيم " وعن أبي ذر أيضاً قال: " قلت يا رسول الله ألا تستعملني ؟ قال: فضرب بيده على منكبي " ثم قال: " يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلاّ من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها " والمراد بالقوة هنا قوة الشخصية أي قوة العقلية وقوة النفسية.
فلا بد من أن تكون عقليته عقلية حكم يدرك بها الأمور والعلاقات، وأن تكون نفسيته نفسية حاكم يدرك أنه أمير ويصرف ميوله تصرف أمير. ولما كانت قوة الشخصية فيها قابلية للسيطرة والتحكم كان لا بد من أن تكون للحاكم صفة تقيه شر التحكم، فكان لا بد من أن يكون متصفاً بالتقوى في خاصة نفسه وفي رعايته للأمة. عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمَّر أميراً على جيش أو سريه أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً ". والحاكم إذا إتقى الله وخافه وراقبه بالسر والعلن كان ذلك زاجراً له عن الاستبداد بالرعية، ولكن التقوى لا تمنعه من الغلظة والشدة لأنه في مراقبته لله يلتزم بأوامره ونواهيه. ولما كان حاكماً كان من طبيعة عمله أن يكون شديداً قاسياً، ومن أجل ذلك أمره الشارع أن يكون رقيقاً وأن لا يشق على الرعية، فعن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بيتي هذا: " اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فشق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به " وأمره كذلك أن يكون مبشراً وأن لا يكون منفراً، فعن أبي موسى قال: " بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا ".
هذا بالنسبة لما يجب أن يكون عليه الحاكم في خاصته. أما بالنسبة لعلاقته بالرعية فقد أمره الشارع بإحاطة الرعية بالنصيحة وحذَّره من مس الأموال العامة بشيء، فأمره بأن يحكمهم بالإسلام وحده دون أن يكون معه أي شيء، فقد حرَّم الله الجنة على الحاكم الذي لا يحيط رعيته بنصح، أو يغشها بشيء، عن معقل بن يسار قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " ما من عبد استرعاه الله رعية لم يحطها بنصيحة إلاّ لم يجد رائحة الجنة " وعن معقل بن يسار أيضاً قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما من والٍ يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلاّ حرَّم الله عليه الجنة " وروى مسلم عن معقل قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلاّ لم يدخل الجنة معهم ". وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع بقدر غدره، ألا ولا غادر أعظم من أمير عامة ". فبذل الجهد في سبيل الرعية وإحاطتها بالنصيحة قد شدد عليه الرسول تشديداً واضحاً مما يبين عظم المسؤولية فيه.
أما عدم مس الأموال العامة فقد حذر منه وشدد في هذا التحذير، وحين رآه من والٍ من ولاته عنفه وخطب الناس في شأنه. عن أبي حميد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل ابن اللُّتبيَّة على صدقات بني سليم فلما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاسبه قال: هذا الذي لكم وهذه هدية أهديت إلي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فهلا جلست في بيت أبيك وبيت أمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقاً " ؟ ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب الناس وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أمّا بعد فإني أستعمل رجالاً منكم على أمور مما ولاني الله فيأتي أحدكم فيقول هذا لكم وهذه هدية أهديت إلي، فهلا جلس في بيت أبيه وبيت أمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً ؟ فوا لله لا يأخذ أحدكم شيئاً بغير حقه إلاّ جاء يحمله يوم القيامة " وهذه كناية عن محاسبة الله له ومعاقبته على عمله. وهذا تحذير شديد من أن يمسَّ الحاكم الأموال العامة ولا بأي وجه من الوجوه ولا تحت التأويل والفتوى.
وأما بالنسبة للأحكام التي يجب أن يحكم بها الحاكم فقد حددها الشارع له فألزمه أن يحكم بكتاب الله وسنة رسوله، وجعل له حق الاجتهاد فيهما ونهاه عن أن يتطلع لغير الإسلام، أو أن يأخذ من غير الإسلام شيئاً مطلقاً. أما تحديد الحكم بالكتاب والسنة فواضح من آيات القرآن، قال تعالى:( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون )، وقال تعالى:( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون)، وقال: ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك الظالمون )¨ وهذا يعني حصر الحكم بما أنزل الله. والذي أنزل الله على رسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم القرآن لفظاً ومعنىً، والسنة معنى لا لفظاً.
فيكون الحاكم مقيداً في حكمه بحدود الكتاب والسنة، وقد أجاز الشارع الاجتهاد في الكتاب والسنة، أي بذل الوسع في فهمهما واستنباط الأحكام منهما. فقد روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل معاذاً إلى اليمن فقال له: " بم تحكم ؟ قال بكتاب الله، قال: فإن لم تجد ؟ قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد ؟ قال: أجتهد رأيي، قال: الحمد الله الذي وفق رسول رسول الله لما يحبه الله ورسوله " وقد جعل للحاكم أجراً إذا أخطأ بالاجتهاد، وبذلك يشجع الحاكم على الاجتهاد، ويبعد عن الجمود عند ظاهر النصوص، فقد روى البخاري عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر " وقد بالغ الشرع في تحديد الأحكام التي يحكم بها الحاكم بأنها الإسلام ليس غير، ومع كونه جعل للحاكم حق الاجتهاد ولو أخطأ، فإنه شدد في حصر الحكم بالإسلام، ونهى عن أن يحكم بغيره، بل عن أن يسأل عن حكم من غير الإسلام، أو أن يشرك مع الإسلام ما ليس منه. قال تعالى مخاطباً الرسول صلى الله عليه وسلم: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك)¨، وقال:( فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق )¨ وخطاب الرسول خطاب لأمته، فهو خطاب لكل حاكم. وروى مسلم عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ومن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " وفي رواية أخرى عنها " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " وروى البخاري عن عبيد الله عن عبد الله أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كيف تسألون أهل الكتاب من شرعهم وكتابكم الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدث، تقرأونه محضاً لم يُشَب وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيدهم الكتاب، وقالوا: " هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم ". وبهذا يظهر تحديد ما يجب أن يحكم به، وحصرت مسؤولية في الأحكام بالحكم بما أنزل الله.

نظام الحكم في الإسلام
هو نظام وحدة وليس نظاماً اتحادياً

الإسلام يفرض الوحدة بين البلاد الإسلامية ويحرم الاتحاد بينها، والنظام الصحيح للحكم هو نظام وحدة ليس غير، لدلالة الشرع عليه وتحريم ما سواه فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: " ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر " ويقول: " إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما " فالحديث الأول يقرر تحريم تجزئة الدولة، ويحث على عدم السماح بتقسيمها ومنع الانفصال عنها ولو بقوة السيف، والحديث الثاني يقرر تحريم جعل الدولة دولاً فلا يسمح بوجود غير خليفة واحد. ومن هنا كان نظام الحكم في الإسلام نظام وحدة لا نظام اتحاد، ويحرم غير نظام الوحدة تحريماً قاطعاً، وهكذا فالاتحاد الفيدرالي حرام قطعاً.
إن من المعروف أن الاتحاد الفيدرالي هو اتفاق بين دولتين أو أكثر على توحيد بعض شؤونها المتعلقة بالحكم مع احتفاظ كل واحدة منها بكيانها، كما أن لكل منها أن ترجع عن توحيد هذه الشؤون كلها أو بعضها متى أرادت وكأن شيئاً لم يكن. فالاتحاد الفيدرالي ليس وحدة، وخاصيته الاحتفاظ بالكيان، وأول خطواته انتخاب برلمان اتحادي، ووضع دستور اتحادي تحدد فيه الشؤون المراد أن تتوحد بين دول الاتحاد، فقد ينص على توحيد التشريع القضائي، أو على القوانين الإدارية، أو على السياسة الخارجية، أو توحيد الجيش، أو الاقتصادية، وقد ينص على توحيد هذه الأمور كلها أو بعضها أو زيادة عليها. وقد ينص على توحيد أجهزة الدولة مع بقاء الكيانات كالولايات المتحدة الأمريكية، أو ينص على بقاء أجهزة الدولة وتوحيد بعض الشؤون كاتحاد الجمهوريات السوفياتية. وهكذا يحدد الدستور نوع الاتحاد ويقر هذا الدستور من قبل البرلمان الاتحادي، ومن برلمان كل دولة من دول الاتحاد إن كان هناك برلمانات، فتمارس الدولة الاتحادية الصلاحيات التي حددها الدستور فقط، وتبقى باقي الصلاحيات لكل دولة على حدة تمارسها كما تريد، فتبقى كل دولة كياناً متميزاً محتفظاً بكيانه.
هذا هو واقع الاتحاد الفيدرالي، ولذلك فإلغاء جوازات السفر بين دولتين أو الوحدة الاقتصادية بين دولتين، أو توحيد مناهج التعليم، أو توحيد التشريع هذه كلها ليس لها علاقة بالاتحاد الفيدرالي. فقد تحصل بين الدول دون اتحاد فيما بينها. وكذلك ليس من الاتحاد الفيدرالي في شيء أن يقرر البرلمان أو البرلمانات أو المؤتمرات أو المشيخات قيام مثل هذا الاتحاد فيما بينها، لأن مثل هذا القرار ليس إلاّ مجرد تعبير عن رغبة فقط. والمهم تقرير دستور يحدد نوع الاتحاد ودولته وصلاحياته.
وعليه فإن الشرع الإسلامي لا يجيزه بين المسلمين مطلقاً مهما كان نوع الاتحاد، لأن نظام الحكم عند المسلمين نظام وحدة، لا نظام اتحاد. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن السيادة في الإسلام للشرع، فهو الذي يقرر نظام الحكم والتشريع والمال، فلا خيار لأحد في تقرير شيء منها، ثم إن أحكام الشرع واحدة لكل مسلم، فلا يصح أن يختلف حكم الشرع في بلد عن بلد، فلا يجوز اختلاف التشريع. ومالية المسلمين واحدة ينفق عليهم من بيت مال المسلمين بغض النظر عما إذا كانت لبلادهم واردات أم لم تكن. والجهاد فرض على المسلمين فيجب أن ينفروا للجهاد إذا غزيت أي بلد من بلدان المسلمين، فكيان المسلمين كيان واحد جبراً، وتشريعهم وأموالهم وكل شيء يتعلق بالحكم واحد لا يجوز أن يتعدد، فنظام الحكم ونظام الحياة عندهم نظام وحدة، لا نظام اتحاد. وعليه فالإسلام يوجب نظام الكيان الواحد، لا نظام اتحاد الكيانات المتعددة، وهو يُحرِّم الاتحاد، ويوجب الوحدة ويوجب الحرب لتحقيقها.

الحكم في الإسلام

الحكم في اللغة هو القضاء، والحاكم منفذ الحكم، وفي الاصطلاح فإن الحكم والملك والسلطان بمعنى واحد، وهو السلطة التي تنفذ الأحكام، أو هو عمل الإمارة التي أوجبها الشرع على المسلمين، وعمل الإمارة هذا هو السلطة التي تستعمل لدفع التظالم، وفصل التخاصم. أو بعبارة أخرى، الحكم هو ولاية الأمر الواردة في قوله تعالى:  وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم  وفي قوله تعالى:  ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم . وهو مباشرة رعاية الشؤون بالفعل.

والإسلام باعتباره مبدأ للدولة والمجتمع والحياة جعل الدولة والحكم جزءاً منه، وأمر المسلمين بأن يقيموا الدولة والحكم، وأن يحكموا بأحكام الإسلام. وقد نزلت عشرات الآيات في القرآن الكريم في الحكم والسلطان تأمر المسلمين بالحكم بما أنزل الله. قال الله تعالى:  فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عمّا جاءك من الحق ، وقال:  وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ، وقال:  ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ، وقال:  ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ، وقال:  ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ، وقال:  فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ، وقال:  يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ، وقال:  وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل . وغيرها من عشرات الآيات المتعلقة بالحكم من حيث هو حكم وسلطان، وهناك الآيات الكثيرة الدالة على تفصيلات حوادث الحكم. فهناك آيات التشريع الحربي، والتشريع السياسي، والتشريع الجنائي، والتشريع الاجتماعي والتشريع المدني وغير ذلك من التشريعات، قال تعالى:  يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة ، قال:  فأمّا تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون  وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء ، وقال:  وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله ، وقال:  يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ، وقال:  ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون ، وقال:  ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ، وقال:  والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله ، وقال:  فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن ، وقال:  لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله ، وقال:  خذ من أموالهم صدقة تطهرهم .

وهكذا نجد الخطوط العريضة للتشريع المدني، والعسكري، والجنائي، والسياسي، وللمعاملات واضحة في مئات الآيات، فضلاً عن الكثرة الوافرة من الأحاديث الصحيحة. وكلها نزلت للحكم بها ولتطبيقها وتنفيذها. وقد طبقت بالفعل في الواقع العملي أيام الرسول ، وأيام الخلفاء الراشدين، ومن أتى بعدهم من حكام المسلمين. مما يدل دلالة واضحة على أن الإسلام نظام للحكم والدولة، وللمجتمع والحياة، وللأمة والأفراد.

كما يدل على أن الدولة لا تملك الحكم إلاّ إذا كانت تسير وفق نظام الإسلام. ولا يكون للإسلام وجود إلاّ إذا كان حياً في دولة تنفذ أحكامه، فالإسلام دين ومبدأ والحكم جزء منه، والدولة هي الطريقة الشرعية الوحيدة التي وضعها الإسلام لتطبيق أحكامه وتنفيذها في الحياة العامة. ولا يوجد الإسلام وجوداً حياً إلاّ إذا كانت له دولة تطبقه في جميع الأحوال. وهي دولة سياسية بشرية، وليست دولة إلهية روحية، وليس لها قداسة، ولا لرئيسها صفة العصمة.

ونظام الحكم في الإسلام هو النظام الذي يبين شكل الدولة وصفتها وقواعدها وأركانها وأجهزتها، والأساس الذي تقوم عليه، والأفكار والمفاهيم والمقاييس التي ترعى الشؤون بمقتضاها والدستور والقوانين التي تطبقها.

وهو نظام خاص متميز، لدولة خاصة متميزة، يختلف عن جميع أنظمة الحكم الموجودة في العالم اختلافاً كلياً، سواء في الأساس الذي تقوم عليه هذه الأنظمة، أو في الأفكار والمفاهيم والمقاييس التي ترعى الشؤون بمقتضاها، أو في الأشكال التي تتمثل بها، أو في الدساتير والقوانين التي تطبقها.

والدولة الإسلامية لا بد من أن تزيل الأوساط السياسية كلها، بأية وسيلة من وسائل الإزالة سواء بقطع الأعناق، أو بقطع الأرزاق، أو بإزالة كيانها السياسي والمعنوي، أو غير ذلك. وهذا أمر تحتمه سنن الوجود، ويقتضيه إقامة دار الإسلام، والقضاء على دار الكفر. ولكن هذا لا يكفي ما لم توجد أوساط سياسية إسلامية من المخلصين الواعين، وليس من المسلمين المنافقين. والمخلصون الواعون إذا ظلوا عند حد تتبع الأخبار، وتحليلها، فإنهم لا يستطيعون أن يكونوا وسطاً سياسياً لمجرد تتبع الأخبار وتحليلها، وسوف يكون الناجون من الأوساط التي كانت في دار الكفر أقدر منهم على قيادة الأوساط السياسية فضلاً عن إيجادها والدخول فيها، وبذلك توجد بذرة هلاك الدولة بمجرد وجودها.

ولا يقتصر الأمر على الحيلولة دون دخول المخلصين الواعين للأوساط السياسية حتى في الدولة الإسلامية بل يتعداه إلى تمكين المنافقين من إيجاد الأوساط السياسية، ومن تزعمها وقيادتها. ولذلك فإنه ما لم يتجاوز المخلصون الواعون دور تتبع الأخبار وتحليلها، إلى دور إعطاء الرأي من زاوية خاصة، ثم محاولة دخول الأوساط السياسية، فإنه يخشى عليهم أن يظلوا واقفين عند باب الدار، مع أنها دارهم ومنزلهم، هم الذين أوجدوه، والذي هو لهم وهو خاص بهم.

إن المسألة اليوم، بالنسبة للمخلصين الواعين، لم تعد مسألة أن يكونوا سياسيين، بل المسألة هي أن يحاولوا إيجاد الوسط السياسي الإسلامي، فإنه مهما طال الزمن أو قصر، فإن الدولة الإسلامية قائمة بكل يقين، فيخشى إذا قامت أن يسبقهم رجال الأوساط السياسية، وغير المخلصين على إيجاد الوسط السياسي الإسلامي، مع أنه يجب أن يوجد منهم وحدهم، ويجب أن يقوموا هم بإيجاده، وفوق ذلك فإنهم قبل قيام الدولة الإسلامية يعيشون تحت خط الصفر بالنسبة للمجتمع، ويعيشون على هامش الحياة وعلى هامش الناس وما لم يتمكنوا من إيجاد أوساط سياسية إسلامية، أو الدخول للأوساط السياسية لمحاولة تحويلها، فإنهم سيظلون تحت الصفر، وسوف لا يكون لهم أي وجود، لا مؤثر ولا غير مؤثر، لذلك فإن الحاضر بكل ما يعنيه من ألم وحرمان، والمستقبل بكل ما يحمله من أمل وعز، يوجب على المخلصين الواعين أن يدركوا مدى أهمية أن يكونوا سياسيين، ولا سيما بعد أن فرض حزبهم نفسه على الناس بأنه حزب سياسي، وليس مجرد حركة واعية. صحيح أن الرسول عليه السلام لم يوجد الوسط السياسي إلاّ في المدينة بعد قيام الدولة وصحيح أن الاضطهاد الوحشي الذي يمارسه الحكام في كل بلد إسلامي ضد شباب الحزب لا يمكن المخلصين الواعين من التحرك السياسي، وصحيح أيضاً أن جمهرة المخلصين الواعين ليسوا من علية القوم، ولا من المثقفين، ولا من أصحاب السن والتجربة، ولكن الصحابة في مكة كانوا يحاولون دخول الوسط السياسي، وليس نقاش أبي بكر مع زعماء قريش في أمر الفرس والروم إلاّ محاولة لدخول الوسط السياسي، وليس قول عمر لأهل مكة: إذا صرنا ثلاثمائة فاما أن نخرجكم منها أو تخرجونا منها، إلاّ مثال على الصراع على أخذ رعاية شؤون الناس، وأما الاضطهاد الوحشي، فإن أخبار أذى قريش للمسلمين أشهر من أن يشار إليها، وأما عِلْيَةُ القوم فإن أبا بكر كان يبيع الثياب القديمة على كتفه ويدور في الأسواق، ولم يكن من المسلمين من أهل قوة سوى حمزة وعمر. ومع ذلك فإنهما بعد أن أسلما لم تبق لهما تلك الهيمنة. وأما كون المخلصين أحداث السن، فإن الشاعر قال حكمة صحيحة:

ليست حداثة من حلم بمانعة قد يوجد الحلم في الشباب والشيب

لذلك فإنه لا عذر بعد اليوم للمخلصين الواعين من أن يعملوا لأن يكونوا سياسيين، وأن يحاولوا دخول الوسط السياسي. لأن الزمن يطوي أيامه بسرعة فائقة، والزمن ما لم تقطعه قطعك، وأعداء الإسلام وخصومه هم في الدرجة الأولى أعداء وخصوم للمخلصين الواعين، فما لم يكون هؤلاء المخلصون الواعون أقوياء في أفكارهم كما هم في عقائدهم، وفي جرأهم كما هم في فهمهم وإدراكهم، فإنه يخشى عليهم أن يكون النصر لغيرهم ولو كانوا هم الذين صنعوه، وأن يظلوا بعيدين عن معترك الحياة الصحيح.

لذلك فإن تتبع الأخبار، وتحليلها، وإعطاء الرأي فيها، والحرص على أن لا يصدر هذا الرأي إلاّ من زاوية خاصة، هو المادة التي تجعل من هؤلاء المخلصين الواعين رجال الحاضر والمستقبل، والأمل المرجى للناس.

وإعطاء هذا الرأي لا يصح أن يكون إعطاءً حيادياً، ومجرد بيان للفهم، بل يجب أن يكون هذا الرأي صادراً من زاوية نظرة معينة للحياة، أو مرتكزاً إلى زاوية النظرة المعينة للحياة، أي يجب أن يكون صادراً عن وعي سياسي، أو مرتكزاً إلى وعي سياسي. فإنه حينئذ يكون رأياً سياسياً له وزنه وله قيمته وإعطاء هذا الرأي على هذا الوجه هو الذي يجعله رعاية لشؤون الناس.

لذلك كان على كل شخص حتى يكون سياسياً وحتى يتمكن من العمل لإيجاد الوسط السياسي أو العمل فيه، أن يستكمل أربعة أمور:

**أحدها أن يتتبع الأخبار السياسية.

والثاني أن يحلل هذه الأخبار.

والثالث أن يعطي رأيه فيها للناس.

والرابع أن يكون هذا الرأي صادراً عن زاوية خاصة تتعلق بوجهة النظر في الحياة، أو مرتكزاً إلى هذه الزاوية.**

وما لم توجد هذه الأمور الأربعة مجتمعة فإنه لا يوجد الوسط السياسي الإسلامي، ولا يتمكن من العمل في الوسط السياسي من حيث هو. وإنه وإن كان التتبع هو أول البدء فإن الوعي السياسي، أو إعطاء الرأي من زاوية خاصة تتعلق بوجهة النظر في الحياة، هو الذي يجعل الخطوة الأولى في البدء مستكملة الوجود.

ولسنا في حاجة لأن نقول أن الدول الكافرة، قد قضت على الوسط السياسي الإسلامي قضاءاً تاماً، ولم تقتصر على ذلك، بل نفّرت المسلمين من السياسية من حيث هي، وأبعدتهم حتى عن تتبع الأخبار، لسنا في حاجة لأن نقول ذلك، لأنه أصبح على ظاهر الكف يراه كل إنسان. ولسنا في حاجة لأن نقول أن الأوساط السياسية، تقفل في وجه كل من يعطي الرأي السياسي من زاوية نظرة الإسلام للحياة، ولا تفتح له بالرضى والاختيار، ذلك أنه وإن لم يشاهده الناس بشكل محسوس فإن الذين يحاولون تتبع الأخبار وإعطاء الرأي فيها يلمسون ويشاهدون كيف تقفل أبواب الأوساط السياسية في وجوههم. حتى في البلدان التي تدعي الحريات. لذلك فإن المسألة لم تعد مسألة تتبع الأخبار وتحليلها، حتى ولا إعطاء الرأي فيها. ومن زاوية خاصة. بل المسألة هي وجوب ولوج الأوساط السياسية في البلاد الإسلامية، ولو بغير الرضا والاختيار، ولو كلف ذلك ثمناً غالياً في سبيل الدخول.

إن المسألة التي يجب أن تكون موضع بحث وموضع عناية، هي مسألة إيجاد الوسط السياسي الإسلامي في البلاد الإسلامية، وهذا إذا كان قيام الدولة الإسلامية يحتمها، فإن ولوج الأوساط السياسية قبل قيام الدولة، أو قبل انضمام البلد الإسلامي إليها أمر يوجبه العمل لإيجاد الإسلام في الحياة، وفي الأوساط السياسية بالذات، لذلك كان العمل لدخول الوسط السياسي في أي بلد إسلامي، أمراً لازماً لكل من يعمل سياسياً للإسلام.

إن الأوساط السياسية في البلاد غير الإسلامية، هي أوساط فاسدة، فأقل ما فيها أن شعارها ودثارها هو الغاية تبرر الوسيلة، وإنها ميكافيلية الطابع والمنهج، وفوق ذلك فإن الأنانية والمصالح الشخصية تتجلى في رجالها، ولذلك لا نرى فيها ما يغري بتقليدها، فوق أننا نحمل الرسالة لإنقاذ بلادها وأهلها. أما الأوساط السياسية في البلاد الإسلامية، فإن فوق كونها تحوي ما تحويه من الأوساط السياسية الغربية من فساد، فإنها تحوي عملاء ومقلدين مفتونين بأنظمة الكفر وسياسية الكفر، كارهين الإسلام وحاقدين عليه ومحتقرين له. ولذلك لا يصح أن نقتصر على محاولة دخولها، بل يجب أن نعمل لهدمها، وتحويلها إلى أوساط إسلامية، وهذا وإن كان ممكناً العمل له من خارجها، ولكن العمل له من داخلها أسهل، وأقرب إلى الإنتاج. إلاّ أن رجال الأوساط السياسية في البلاد الإسلامية، وإن كانوا صغاراً بالنسبة لرجال الغرب والأوساط السياسية الغربية، ولكنهم في البلاد الإسلامية كبار بل عمالقة بالنسبة لأهل البلاد، لأنهم هم الحكام، أو القادة، أو من لهم الثقل والوزن في حياة الناس وعيشهم، وفوق ذلك فإن لديهم من الذكاء والمعرفة والخبرة، ما يجعلهم في مقدمة الناس، ولهم من الحيلة وحسن التأتي ما يمكنهم من أن يلبسوا لكل حالة لبوسها، وأن يصلوا في الصف الأول الصلوات الخمس في المسجد، إذا كان الإسلام هو الذي يطغى في المجتمع. فلا يبعد أن يكونوا في الدولة الإسلامية، من أوائل العاملين لها، والقادة لتيار الإسلام. وهؤلاء يتجلى فيهم عدم الإخلاص ويحذقون إخفاء النفاق وهم فوق ذلك أقدر الناس على الهدم، وأكثر الناس خبرة في تقويض الدول، وهدم السياسيين المخلصين. فإذا قامت الدولة الإسلامية، وكان في هؤلاء السياسيين رمق، فإنه قد يبدون للأمة من الإخلاص والفهم ما يجعلهم سادة وقادة الأوساط السياسية، ورجالها الأبرار الأفذاذ، لذلك كان لا بد من اتقاء خطرهم، والقضاء على تأثيرهم.

إن ما شاهدناه في الحاضر أن أمريكا حين حاولت طرد الإنجليز من بعض بلاد الإسلام، بادرت بالقيام بمحاولات للقضاء على الوسط السياسي القديم، فحاولت في مصر ضرب الوسط السياسي القديم بالسجن والحرمان وقطع الأرزاق، وحاولت في العراق ذلك أيضاً بالقتل والسجن والحرمان وقطع الأرزاق، واستطاعت إلى حد معين تخفيف خطرهم والحد من أذاهم، ولكنها لم تستطع القضاء عليهم، وظل الوسط السياسي القديم، موجوداً في كل من مصر والعراق، وإن كان ناراً تحت الرماد. وذلك لأن أمريكاً وعملاءها لم يوجدوا وسطاً سياسياً يحل محل الوسط السياسي القديم، والحكم من حيث هو، مهما حاول أن يمحوا الوسط السياسي، وأن لا يمكنه من الظهور فإنه لا يستطيع ذلك، لأن وجود وسط سياسي في كل حكم أمر لازم له لزوم الظل للإنسان. لذلك فإنه أينما يوجد حكم يوجد وسط سياسي.

والرسول صلى الله عليه وسلم حين وجد في المدينة وجد الوسط السياسي، باعتناق الإسلام والاستعداد لنصرته، وانحنى الوسط السياسي القديم، وسط عبد الله بن أُبي وأضرابه. وحين فتح مكة قضى على الوسط السياسي بالقتال في الحرب، وبإزالة النفوذ كلياً ممن لم تقطع عنقه، وحل محلهم المسلمون وصاروا قادة وزعماء، فوجد الوسط السياسي الجديد وأزيل الوسط السياسي القديم.