أفكَارٌ سَياسِيَّة
001… محتويات الكتاب
002… مقدمة الكتاب
003… الفكر السياسي
004… السياسة
007… مفاهيم سياسية
008… السياسة فن الممكن
009… السياسة والسياسة الدولية
010… فهم الموقف الدولي
011… الأسرة الدولية والأعراف والقوانين الدولية
014… التفكير السياسي
019… الوعي السياسي
021…الكفاح السياسي
022… الأعمال السياسية
023… التجربة السياسية
024… الاشتغال بالسياسة فرض على المسلمين
025… رجل الدولة
026… الوسط السياسي
029… الفراغ
030… الحكم في الإسلام
031… نظام الحكم في الإسلام هو نظام وحدة وليس نظاماً اتحادياً .
032… المسؤوليات العامة
034… الانفصال بين الأمة والدولة ووجوب المحاسبة
035… إقامة الأحزاب السياسية فرض كفاية
036… كيف يتأتى للأفراد أن يؤثروا في السياسية العالمية
036… وكيف يتأتى للأحزاب أن تؤثر في اتجاه الدول
037… النظام الديمقراطي نظام كفر من وضع البشر
039… القضية السياسية للأمة وللدولة الإسلامية
040… القضية المصيرية
منقول
الطبعة الأولى * 1415هـ ? 1994م
التفكير السياسي
التفكير السياسي يختلف كل الاختلاف عن التفكير التشريعي وإن كان من نوعه، لأن التفكير التشريعي هو لمعالجة مشاكل الناس، والتفكير السياسي هو لرعاية شؤون الناس. إلاّ أن هناك فرقاً بين التفكيرين. وكذلك هو يناقض التفكير الأدبي كل المناقضة، لأن التفكير الأدبي إنما يعني باللغة والنشوة بالألفاظ والتراكيب. ويطرب للمعاني وهي في قوالب الألفاظ تساق بالأسلوب الأدبي. أما بالنسبة للتفكير الفكري فإن فيه تفصيلاً، فإذا كان التفكير السياسي تفكيراً بنصوص العلوم السياسية والأبحاث السياسة، فإن التفكير السياسي والتفكير الفكري، يكادان يكونا نوعاً واحداً. فهما متماثلات ومتشابهان إلى حد كبير، إلاّ أن التفكير الفكري يشترط فيه أن تكون المعلومات السابقة في مستوى الفكر الذي يبحث، حتى وإن كانت ليست من نوعه ولكن متعلقة به، أما التفكير السياسي فإنه وإن احتاج إلى معلومات سابقة في مستوى الفكر، ولكنه يحتاج إلى معلومات سابقة في نفس الموضوع ولا يكفي أن تكون متعلقة به أو مشابهة له أو مما تصلح لتفسير التفكير، لذلك فإن التفكير بالنصوص السياسية هو من نوع التفكير بالنصوص الفكرية.
أما إذا كان التفكير السياسي، تفكيراً بالأخبار والوقائع، وربطاً للحوادث فإنه يخالف جميع أنواع التفكير، ولا تنطبق عليه ولا قاعدة من قواعده، بل لا تكاد تربطه قاعدة، ولذلك هو أعلى أنواع التفكير، وأصعب أنواع التفكير. أما كونه أعلى أنواع التفكير فلأنه هو التفكير بالأشياء والحوادث، والتفكير بكل نوع من أنواع التفكير، ولذلك هو أعلاها جميعاً، صحيح أن القاعدة الفكرية التي تبنى عليها الأفكار وتنبثق عنها المعالجات هي أعلى أنواع التفكير، ولكن هذه القاعدة هي نفسها فكر سياسي، وفكرة سياسية، وإذا لم تكن فكرة سياسة وتفكيراً سياسياً، لا تكون قاعدة صحيحة، ولا تصلح لأن تكون قاعدة. ولذلك فإنا حين نقول أن التفكير السياسي هو أعلى أنواع التفكير، فإن ذلك يشمل القاعدة الفكرية، أي التي تصلح لأن تكون قاعدة فكرية. وأما كونه أصعب أنواع التفكير، فإنه لعدم وجود قاعدة له يبنى عليها ويقاس عليها، ولذلك فإنه يحير المفكر ويجعله في أول الأمر معرضاً للخطأ الكثير، وفريسة للأوهام والأخطاء. وما لم يمر بالتجربة السياسية، وبدوام اليقظة والتتبع لجميع الحوادث اليومية، فإنه من الصعب عليه أن يتمكن من التفكير السياسي، ولذلك فإن التفكير السياسي بالأخبار والوقائع يتميز عن جميع أنواع التفكير، ويمتاز عليها امتيازاً ظاهراً.
فالتفكير بالنصوص السياسية يشمل التفكير بنصوص العلوم السياسية ونصوص الأبحاث السياسية، ولكن التفكير السياسي الحق هو التفكير بنصوص الأخبار والوقائع، ولذلك كانت صياغة الأخبار هي التي تعتبر نصوصاً سياسية حقة. وإذا كان المرء يريد التفكير السياسي، فإن عليه التفكير بنصوص الأخبار، ولا سيما صياغتها وكيفية فهم هذه الصياغة.
لأن هذا هو الذي يعتبر تفكيراً سياسياً، وليس التفكير بالعلوم السياسية والأبحاث السياسية. لأن التفكير بالعلوم السياسية والأبحاث السياسية يعطي معلومات، تماماً كالتفكير بالنصوص الفكرية، ويعطي فكراً عميقاً أو مستنيراً، ولكنه لا يجعل المفكر سياسياً، وإنما يجعله عالماً بالسياسة، أي عالماً بالأبحاث السياسية، ومثل هذا يصلح لأن يكون معلماً ولا يصلح أن يكون سياسياً. لأن السياسي هو الذي يفهم الأخبار والوقائع، ومدلولاتها، ويصل إلى المعرفة التي تمكنه من العمل سواء أكان له إلمام بالعلوم والأبحاث السياسية، أو لم يكن له إلمام، وإن كانت العلوم السياسية والأبحاث السياسية تساعد على فهم الأخبار والوقائع، ولكن مساعدتها هذه إنما تقف عند حد المساعدة في جلب نوع المعلومات عند الربط، ولا تساعد على غير ذلك، ولهذا فإنه ليس شرطاً في التفكير السياسي.
إلاّ أنه مع الأسف الشديد فإنه منذ أن وجدت فكرة فصل الدين عن الدولة، وتغلب على أصحابها موضوع الحل الوسط أنفرد الغرب، نعني أوروبا وأمريكا بإصدار المؤلفات والكتب في العلوم السياسية والأبحاث السياسية، على أساس فكرته عن الحياة، وعلى أساس الحل الوسط، وعلى أساس الشكليات التي تعطي الفكر الوسط، الذي وجد للتوفيق والمصالحة، وحين جاءت الفكرة الشيوعية واعتنقتها روسيا الدولة الشيوعية، فإنه كان يؤمل أن تخرج أبحاث سياسية على أساس فكر ثابت لا على أساس الحل الوسط.
أما الموقف الذي يجب أن يُتخذ من مجلس الأمن ومن مؤسسات الأمم المتحدة، فيكون بالعمل على هدمها، وأن تستبدل منظمة عالمية جديدة بهما، لا يكون للدول العظمى عليها هيمنة، ولا سلطان، ولا تكون بمثابة دولة عالمية، وأن تكون هيئة عالمية تقوم على إنصاف المظلوم، ومنع الظلم، وإشاعة العدل بين البشرية جمعاء، بما لها من قوة معنوية تتمتع بها، ومن قوة رأي عام عالمي يؤازرها ويوليها تأييده ويمنحها احترامه وثقته، لكونها منظمة لا تعمل لحساب دولة من الدول، وإنما تعمل لمصلحة البشرية جمعاء. مثل حلف الفضول الذي قام قبل البعثة، والذي حضره رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث وقال عنه بعد البعثة، " لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت " وتكون هذه المنظمة العالمية كذلك مجالاً لطرح العقائد والأفكار والحضارات فيها لمناقشتها، وأخذ الصحيح منها، ليصبح هو فكر العالم وعقيدته وحضارته.
أما مسألة القانون الدولي وتنفيذه على الناس بالقوة فلا يصح أن يوجد قانون دولي، ولا يجوز أن يوضع، وذلك لأن القانون هو أمر السلطان، ولا يوجد دولة عالمية أو سلطان عالمي، بل لا يصح أن توجد دولة عالمية تكون سلطة على جميع الدول، لأن ذلك مستحيل الوجود، ولأن الزعم بوجوده يعني وجود الحروب والمنازعات الدموية، لذلك لا يجوز أن توجد دولة عالمية أو سلطة عالمية، وإذن لا يصح أن يوجد قانون دولي، أو يوضع قانون دولي. وأما تنفيذ هذا القانون الدولي على الناس بالقوة فإنه لا يصح أن يكون، وذلك أن هذا التنفيذ إن كان من سلطة عالمية، أي من دولة عالمية، فإنه يستحيل، لأنه لا وجود للدولة العالمية. وإن كان من مجموعة دول كبرى، دولتين أو أكثر، فإنه يعتبر عدواناً وليس تنفيذاً لقانون، لأنه لو أن إحدى الدولتين أو الدول التي تقوم بالتنفيذ خالفت القانون فإن باقي الدول لا يمكن أن تنفذه عليها. لأن ذلك معناه الحرب، ولو أن الدولتين اللتين تقومان بالتنفيذ أو مجموع الدول التي تقوم به خالفت القانون فمن الذي ينفذه عليها ؟ ! بالطبع لا أحد، وبذلك يكون تنفيذ الدول القوية القانون على الدول الصغيرة أو الضعيفة عدواناً، وليس تنفيذاً للقانون الدولي، وبذلك يظهر بوضوح بأنه لا وجود لتنفيذ القانون الدولي العام على جميع الدول، فلا يصح أن يفكر بفكرة تنفيذ القانون الدولي بالقوة، لأن ذلك لا يكون إلاّ عدوانا.
ومن هذا كله يتبين أنه لا يصح أن يوجد قانون دولي بل لا يمكن وجوده عملياً، وإنما الموجود هو اتفاقات تحصل بين الدول، وأعراف يتعارفون عليها بشأن هذه الاتفاقات، وبشأن علاقات الحرب وعلاقات السلم، بين المجموعات البشرية، وعليه إذا كان ولا بد من إيجاد جماعة دولية، فإنه لا يكون لها إلاّ قانون إداري، ويكون عملها النظر في الأعراف الدولية، وفي مخالفتها، وتدخل فيها الأعراف بشأن الاتفاقات الدولية من حيث عقدها، وتنفيذها، والتحلل منها، وما شاكل ذلك.
وهذا العرف الدولي لا يصح أن يفكر بتنفيذه على الدول بالقوة، بل ينفذ عن طريق الرأي العام، وبالعامل المعنوي، فإن الدول المشتركة في الجماعة الدولية ما قررت اعتبار القاعدة الفلانية أو الأمر الفلاني عرفاً دولياً إلاّ بعد أن تحققت من صيرورته عرفاً، وحينئذ يكون اعتقاد هذه الدول بأن هذا العرف واجب الاتباع موجوداً، وعليه لا توجد هناك حاجة للتنفيذ بالقوة. وفضلاً عن ذلك فإن قوة الرأي العام ضد الدولة المخالفة للعرف يجبر الدول إجباراً طوعياً وذاتياً أكثر من الإجبار الخارجي المادي، وخوف المجموعات البشرية من أن تعيّر بسبب مخالفتها العرف العام أكثر تأثيراً عليها من خوفها من التنفيذ المادي، ولذلك يترك للرأي العام والعامل المعنوي أن يتولى تنفيذ قرارات الجماعة، ويكون ذلك هو طريقة تنفيذها.
**كيف يتأتى للأفراد
أن يؤثروا في السياسة العالمية
وكيف يتأتى للأحزاب
أن تؤثر في اتجاه الدول**
قد يقال كيف يتأتى للأفراد أن يؤثروا في السياسة العالمية، بل كيف يتأتى للأحزاب أن تؤثر في اتجاه الدول، لا سيما وأن هذا الاتجاه قد أخذ دور العراقة واستمر عدة قرون. والجواب على ذلك هو أن الأفراد أو الأحزاب حين يتابعون الأعمال السياسية، ويتفهمون السياسة الدولية لا يصح أن يتتبعوها من أجل المتعة العقلية والترف الفكري، ولا من أجل التعليم وزيادة المعلومات، وإنما يتتبعونها من أجل أن يرعوا شؤون العالم، ومن أجل أن يفكروا بالطريقة التي يؤثرون فيها على العالم، أي من أجل أن يكونوا سياسيين وحاشاً للسياسي أن يقصد المتعة العقلية، ولو كان من أعظم العقلاء، وحاشاه من أن يميل للترف الفكري ولو كان من أعمق المفكرين، فهو إذن يتتبع السياسة ويفهم الموقف الدولي، والوضع الدولي، ويتابع السياسة الدولية، لأنه سياسي فقط، لا لأنه عاقل أو مفكر، ومعنى كونه سياسياً أنه يعمل لأن يرعى شؤون العالم، أي لأن يؤثر في السياسية الدولية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه لا يعمل وهو يتصور أنه فرد وإنما يعمل بوصفه جزءاً من أمة، وبوصفه في كيان، أي في دولة، وهو وإن لم يكن ممن يقررون سياستها أو ينفذونها، ولكنه ممن يطمحون لأن يكونوا ممن يقررون أو ينفذون أو يحاسب المقررين والمنفذين. وبذلك يؤثر دولياً حتى لو ظل فرداً ليس له صلاحيات التقرير أو التنفيذ، ومتى كان ذلك كان مؤثراً، لأن الدولة التي هو في كيانها تؤثر بأمثاله، أو يسعى هو وأمثاله لأن يجعلها تؤثر في السياسة الدولية والموقف الدولي.
ومن هنا يأتي ما يقصد من ثمرات المفاهيم السياسية، وهو جعل الدولة تؤثر في السياسية الدولية، وفي الموقف الدولي، عن طريق إيجاد الأفراد الواعين سياسياً، والمدركين للأعمال السياسية التي تحصل في العالم، لا سيما من الدول الكبرى، ومن هنا كانت الخطوة الأولى للتأثير في السياسية الدولية، والموقف الدولي، هي بلورة المفاهيم السياسية، وكانت اللبنة الأولى حمل الأفراد على تتبع الأعمال السياسية وتفهم السياسة الدولية، أي إيجاد سياسيين في السياسة العالمية، فيأتي طبيعياً تأثير الدولة في السياسة الدولية، والموقف الدولي، وبذلك يظهر مدى ضرورة المفاهيم السياسية، ومقدار قيمة هذه المفاهيم.
إلاّ أنه يجب أن يعلم أن الدولة لا تكون دولة لها الوجود الدولي، إلاّ بالعلاقات مع الدول الأخرى، فالفرد في المجتمع لا يكون له وجود في مجتمعه إلاّ بالعلاقات مع الأفراد الآخرين، ومكانته في المجتمع وبين الناس تكون بحسب هذه العلاقات، وبحسب تأثيره في العلاقات بين الناس، وكذلك الدولة فإن وجودها إنما يكون بوجود علاقات لها مع الدول، ومكانتها ترتفع وتنخفض بحسب علاقاتها مع الدول وبحسب تأثيرها في العلاقات الدولية.
القضية المصيرية
إن واقع المسلمين اليوم يلمسه كل مسلم فلا يحتاج إلى شرح، ولا يتطلب أي بيان. فبلادهم تحكم بأنظمة الكفر، فهي دار كفر قطعاً لا كلام. وهي مجزأة إلى أكثر من أربعين كياناً، بين دولة وإمارة، وسلطنة ومشيخة، فهي أضعف من أن تقف في وجه الكفار، لذلك كانت قضية كل قطر من أقطار المسلمين هي تحويله إلى دار إسلام، وتوحيده مع غيره من بلاد الإسلام. وهذه القضية قضية مصيرية، بل هي جماع القضايا المصيرية كلها. فكان لا بد من أن يكون الإجراء الذي يتخذ تجاهها إجراء حياة أو موت. غير أن هذه القضية المصيرية، قضية تحويل البلاد إلى دار إسلام، وتوحيدها مع غيرها من بلاد الإسلام، هي هدف يسعى لتحقيقه. والطريقة التي تتخذ لتحقيق هذا الهدف إنما هي إقامة الخلافة نظاماً للحكم، ليتحقق بإقامتها تحويل البلاد إلى دار إسلام، وبالتالي توحيدها مع غيرها من بلاد الإسلام.
غير أنه ينبغي أن يكون واضحاً أن ما يواجه المسلمين الآن ليس نصب خليفة حتى يقال انه فرض كفاية على المسلمين لما رواه ابن عمر عن النبي ïپ² " من مات وليس عليه إمام جماعة فإن ميتته ميتة جاهلية " فلا يكون قضية مصيرية، بل الذي يواجه المسلمين الآن هو إقامة الخلافة، أي إيجاد نظام الخلافة نظام حكم وهذه واقعها غير واقع نصب خليفة، وإن كانت إقامتها تحتم نصب خليفة وإقامة الخلافة قضية مصيرية قطعاً، لأنها فوق كونها طريقة لتحويل بلادنا من دار كفر إلى دار إسلام، فإن إقامتها إنما تكون لهدم أنظمة الكفر، أي لإزالة الكفر البواح، وهي قضية مصيرية، لقوله عليه السلام: " إلاّ أن تروا كفراً بواحاً " ولما جاء في الحديث " قيل يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف ؟ فقال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة ". ومن هنا كانت الطريقة لتحقيق قضية المسلمين قضية مصيرية لأنها طريقة لقضية مصيرية، ولأن الدليل الشرعي من السنة يدل على أنها قضية مصيرية، فلا بد من أن يكون الإجراء الذي يتخذ تجاهها إجراء حياة أو موت. غير أن المسلمين منذ أناخ عليهم حكم الكفر بكلكله، وصارت إلى الكفار والمنافقين والمرتدين أمورهم، وهم ما ينفكون يحاولون أن يتحرروا من ربقة سلطان الكفر، وسيطرة أربابه وأعوانه. بيد أنه غاب عنهم أن هذه القضية التي يكافحون في سبيلها هي قضية مصيرية ليس لها من إجراء إلاّ إجراء الموت والحياة. فكان فقدان هذا الإدراك من جماعة المسلمين هو الذي سلبهم ? بوصفهم جماعة أو أمة ? الاستعداد لتحمل الأذى والسجن والتعذيب، فضلاً عن تحمل الفقر والدمار والموت، مما لا ينفصل أبداً عن معارك الكفاح التي تدور حول القضايا المصيرية. لذلك سطرت هذه المحاولات على نفسها الفشل المحقق، ولم تستطع أن تتقدم خطوة واحدة نحو القضية التي تناضل من أجلها.
ولم يكن المسلمون بحاجة إلى تفكر وتأمل زائدين حتى يدركوا أن قضيتهم هي قضية مصيرية. فقد كان واضحاً منذ اللحظة الأولى، كما هو واضح اليوم لكل ذي عينين، أنه يستحيل على الكفار عادة وعقلاً أن يمكنوا الإسلام من العودة إلى الحياة السياسية ? أي إلى الحكم ? ما كان في أيديهم ذرة من قدرة على بطش بمن هم لهذا عاملون. وشأن المرتدين والمنافقين في هذه القضية ليس بأقل بطشاً وإجراماً. فهم سيلقون بكل ما تطاله أيديهم من قوة في ساحة المعركة ليقفوا حرباً على المؤمنين الذين يريدون أن ينتزعوا منهم الحكم انتزاعاً ليقيموا أحكام الله، وليصونوا حرمات الله.
وعليه فإنه يستحيل على أية محاولة يقوم بها المسلمون في سبيل هذه القضية أن تثمر ما لم يعتبروا القضية قضية مصيرية، إجراء الحياة أو الموت عليه مرهون تحققها. والمسلمون لما لم يعوا طبيعة المعركة، ولما لم يدركوا حقيقة حكم الله فيها، راحوا ينشدون تحرير أنفسهم بطريقة ليست على مستوى القضايا المصيرية، بل هي من القضايا العادية. فكانت إجراءاتهم في ذلك دون إجراء الحياة أو الموت. مع أن الحقيقة أن القضايا التي طبيعتها مصيرية كإزالة نظام الكفر وإقامة نظام الإسلام، سواء أدركت على هذا الأساس أم لم تدرك، يستحيل أن يصل أحد إلى تحقيقها مهما كانت قوته، ومهما بذل من جهود، إلاّ إذا اعتبرها في سيره وتصوره واتخذ تجاهها الإجراء الذي تحتمه طبيعتها، وهو إجراء الحياة أو الموت. ومن هنا كان لا بد من أن يصارع المسلمون أفراداً وجماعات، بأنه لا مناص لهم من أن يجعلوا أعمالهم في كفاح الكفر على أساس إجراء الحياة أو الموت، لأن طبيعة قضيتهم تحتم هذا الإجراء، ولأن الشرع في الكتاب والسنة قد جاء بهذا الإجراء.
**القضية السياسية
للأمة وللدولة الإسلامية**
معنى كلمة القضية السياسية هو الأمر الذي يواجه الدولة والأمة ويحتم عليها بما يتطلبه من رعاية شؤون.
وقد يكون هذا الأمر عاماً فيكون هو القضية السياسية، وقد يكون خاصاً فيكون كذلك قضية سياسية وقد يكون جزءاً من أمر فيكون حينئذ مسألة من مسائل القضية. فمثلاً الأمر الذي يواجه الأمة الإسلامية ويحتم عليها القيام بما يتطلبه من رعاية شؤون هو إعادة الخلافة إلى الوجود، فيكون هذا هو القضية السياسية، وما عداه من قضايا كقضية فلسطين وقضية بلاد القفقاس، هي مسائل في هذه القضية، وإن كانت من الأمور التي تواجه الأمة الإسلامية وتحتاج إلى حلّ وإلى رعاية شؤون، ولكنها جزء من إعادة الخلافة. وحين تقوم الدولة الإسلامية فإن قضيتها السياسية هي تطبيق الإسلام في الداخل، وحمل دعوته للخارج، فإذا أحسنت تطبيق الإسلام وقويت شخصيتها دولياً تصبح القضية السياسية لها هي حمل الدعوة الإسلامية إلى العالم، حتى يظهر الله الإسلام على الدين كله.
فالقضية السياسية هي ما يواجه الدولة والأمة من الأمور الأساسية الهامة التي يوجب الشرع القيام بها. فيجب أن تعمل الدولة للقيام بها حسب ما يتطلبه الشرع بشأنها، وهذا لا يحتاج إلى دليل لأنه من جملة تطبيق أحكام الشرع على الأمور التي تحدث. ولهذا تختلف القضية السياسية باختلاف الأمور التي تحدث.
وقد كانت القضية السياسية للرسول صلى الله عليه وسلم وهو في مكة في دور الدعوة هي إظهار الإسلام، ولذلك فإن أبا طالب حين قال للرسول صلى الله عليه وسلم: " إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا، للذي كانوا قالوا له فابقِ عليَّ وعلى نفسك، ولا تُحملني من الأمر ما لا أطيق ". ظن الرسول أنه قد بدا لعمه ما بدا، وأنه خاذله ومسلمه، وأنه ضعف عن نصرته، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته " فهذا الكلام يدل على أن القضية السياسية للرسول كانت في هذا الوقت إظهار الإسلام.
وحين كان في المدينة وأقام الدولة واشتبك في عدة معارك مع العدو الرئيسي رأس الكفر قريش، ظلت القضية السياسية له هي إظهار الإسلام، ولذلك فإنه في طريقه إلى الحج قبل أن يصل إلى الحديبية بلغه أن قريشاً سمعت به وخرجت لحربه فقد قال له رجل من بني كعب: " قد سمعت بمسيرك فخرجوا وقد لبسوا جلود النمور ونزلوا بذي طوى يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبداً "، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا ويح قريش: لقد أهلكتهم الحرب ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب " إلى أن قال: " فما تظن قريش ؟ فوا لله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة " والسالفة صفحة العنق وكنى بانفرادها عن الموت أو حتى أموت. فالقضية السياسية في الحالتين واحدة، إلاّ انه في الحالة الأولى أظهر التصميم على الدعوة للإسلام حتى يظهره الله، وفي هذه الحالة أي وقت قيام الدولة أظهر التصميم على الجهاد حتى يظهره الله.
وبعد أن توصل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الصلح مع قريش، وكان بذلك الفتح الأكبر، لأنه هيأ لفتح مكة، وجعل العرب يأتون إلى الرسول يدخلون في دين الله أفواجاً، حينئذ صارت القضية السياسية للرسول ليس إظهار الإسلام فحسب بل إظهاره على الدين كله في غزوه دول أصحاب الأديان الأخرى، كالروم وفارس. ولذلك نزلت عليه سورة الفتح ونزل فيها قوله تعالى: هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله . وعليه فإن الدولة الإسلامية إذا أحسنت تطبيق الإسلام، وقويت شخصيتها دولياً، تصبح القضية السياسة لها إظهار الإسلام على الدين كله، والتجهيز لتحطيم أصحاب المباديء الأخرى، وأصحاب الأديان الأخرى.
**النظام الديمقراطي
نظام كفر من وضع البشر**
الديمقراطية نظام حكم وضعه البشر، وقد وضعوه من أجل معالجة مشكلة الحكم عندهم حين وضعه، فقد كان الشعب يعاني من ظلم الحكام، وأنهم كانوا يزعمون أن الحاكم هو وكيل الله على الأرض. فهو يحكم البشر بسلطان الله، فالله هو الذي جعل للحاكم سلطة على الناس، فهو يستمد سلطته من الله تعالى فجاء فلاسفة ومفكرون وبحثوا موضوع الحكم، ووضعوا نظاماً لحكم الناس، هذا النظام هو النظام الديمقراطي، فالنظام الديمقراطي إنما جاء لتخليص الناس من ظلم الحكام، وهو يعني أن يستمد الحاكم سلطته من الناس لا من الله، وأن الناس هم الذين يضعون الحاكم لحكمهم بسلطانهم هم. والنظام الديمقراطي هو من الأفكار التي وضعها الغرب للغزو الثقافي للبلاد الإسلامية، فإن الغربيين في مؤتمر برلين الذي عقد في أواخر القرن الثامن عشر من أجل اقتسام الدولة العثمانية ( الرجل المرض ) لم يتفقوا على اقتسامها ولكن اتفقوا على إجبارها على الأخذ بالنظام الديمقراطي. وحينئذ أدخلت الخلافة نظام الصدر الأعظم والوزراء وهو من النظام الديمقراطي.
وحين ألغيت الخلافة في أوائل القرن العشرين أخذ الغرب يعمل في البلاد الإسلامية لغزو أفكار المسلمين بالنظام الديمقراطي فألفت كتب تصف الإسلام بأنه دين الديمقراطية وصارت الديمقراطية تعطى على أنها من الإسلام. وحين حول الغرب نظام استعماره إلى استعمار جديد وأقام دولاً وحكاماً جعل النظام الديمقراطي أساساً لها، فقامت دول عديدة على أساس النظام الديمقراطي. وإذا كانوا في أوائل القرن العشرين يدعون إلى الديمقراطية على أساس أنها من الإسلام حيث كان للإسلام شأن وتركيز في النفوس، فإنهم اليوم لا يزعمون هذا الزعم ولكن يفهمون الناس الديمقراطية كنظام للحكم، ليدخلوها على الناس كنظام حكم فقط. حتى أن بعض الذين يزعمون أنهم يريدون الإسلام يريدون أن يتبنوا الديمقراطية ويدعون لها.
والديمقراطية هي حكم الشعب للشعب ومن الشعب، وذلك أن الشعب في أي بلد يقوم جميع أفراده بإيجاد الاتحاد بينهم لإيجاد الإرادة العامة لهم، وذلك بأن يتعاقد كل فرد منهم مع نفسه بأن يكون للجماعة التي يعيش فيها، وهذا هو العقد الاجتماعي. وبموجب هذا العقد يتنازل كل فرد تنازلاً كاملاً عن جميع حقوقه للجماعة كلها، ويسهم كل فرد من الشعب بشخصه وبكل قدرته تحت إدارة الإرادة العامة العليا، وينتج عن هذا العقد هيئة معنوية جماعية، هي الهيئة السياسية، أو هي الدولة، سواء سميت جمهورية، أو سميت غير ذلك، فالديمقراطية تعني أن يكون جميع الناس هم الدولة، وأن لكل واحد منهم من الحق ما للآخرين في إيجاد الدولة ونصب الحكام، وسن القوانين وغير ذلك مما يتعلق بالحكم والدولة. فالعقد الذي عقده كل واحد مع نفسه، تنازل بموجبه عن جميع ما له من حقوق وحريات، تنازلاً كاملاً للجماعة التي هو منها. وهذه الجماعة أو هذا العقد الاتحادي هو الإرادة العامة، وهو السيادة، فالشعب هو كل شيء.
وأصل النظام الديمقراطي أن الشعب وحده هو الذي يعتبر الإرادة العامة والسيادة. فللشعب صلاحية سن القوانين وله صلاحية اختيار الحكام، وله وحده صلاحية كل شيء في الدولة والبلاد. فالإرادة العامة والسيادة ومصدر كل شيء هو الشعب، وهو سيد نفسه، وهو الذي يحكم نفسه بنفسه. والشعب هو جميع أفراد الناس في أي بلد، بغض النظر عن انتمائهم، وعن دينهم وعن مذهبهم ولغتهم، ما داموا أناساً.
فالسيادة هي الإرادة العامة، وهي الدولة، لذلك فإن الدولة هي مجموع الشعب، وهو أي الشعب سيد نفسه، وهو السيادة، وهو الإرادة العامة. إلاّ أن هذه الإرادة العامة هي شيء معنوي، وحتى يكون قادراً على قضاء مصالحه يختار حكومة تكون القوة التنفيذية. لذلك يكون في الدولة هيئتان: هيئة تشريعية وهي التي تضع القوانين، وهيئة تنفيذية وهي التي تختارها هذه الجماعة لتنفذ إرادتها أي قوانينها.
وبما أن الشعب لا يستطيع أن يكون كله الهيئة التشريعية، لذلك يختار وكلاء عنه ليكونوا الهيئة التشريعية وهؤلاء هم مجلس النواب، فمجلس النواب في النظام الديمقراطي هو الذي يمثل الإرادة العامة، وهو الذي يختار الحكومة ويختار رئيس الدولة فيكون حاكماً ووكيلاً على تنفيذ الإرادة العامة، فالنظام الديمقراطي يعني أن يكون الشعب سيد نفسه فهو الذي يسن القوانين وهو الذي يختار الحكومة. وعليه فإن في الديمقراطية قبل التأويل سلطتان، هما: الإرادة العامة أو الشعب، والحكومة التي يختارها الشعب لتنفيذ إرادته. ولكن بعد التأويل وجدت في الديمقراطية ثلاث سلطات: هي السلطة التشريعية ويمثلها مجلس النواب، والسلطة التنفيذية وتمثلها الحكومة، والسلطة القضائية ويمثلها القضاة أو مجلس القضاء الأعلى.
فهذه الثلاث هي التي تمثل الدولة فالسلطة التشريعية هم وكلاء الشعب، والسلطة القضائية هي التي تحكم بالقوانين، والسلطة التنفيذية هي التي تنفذ أحكام القضاة، وقوانين مجلس النواب. وهذه السلطات الثلاث منفصلة عن بعضها ولا تتدخل أي منها بشؤون الأخرى.
إن الديمقراطية بمعناها الحقيقي لم توجد ولن توجد أبداً. فإن بقاء الشعب مجتمعاً على الدوام للنظر في الشؤون العامة مستحيل، وأن يتولى الحكم مستحيل، وأن يتولى الإرادة مستحيل. لذلك احتالوا على الديمقراطية، وأولوها، فأوجدوا ما يسمى بالحكومة، وما يسمى برئيس الدولة، وما يسمى بمجلس النواب. وقالوا إن الديمقراطية تعني حكم الشعب للشعب وبالشعب. وهذا القول فيه تجاوز، فإن الشعب لا يتولى شيئاً والذي يتولى الأمور كلها هو رئيس الدولة أو الحكومة.
والديمقراطية لا يجوز أخذها لثلاثة أسباب:
أولاً: إن الدافع لها من حيث الدعاية كأفكار هو الغرب، وهذا من نوع الغزو الثقافي، بل هو من الغزو الثقافي، لذلك فإن من يأخذها إنما يخضع للغزو الثقافي ويساهم في إنجاحه. فمكافحة للغزو الثقافي كله وعلى رأسه الديمقراطية يجب محاربة الديمقراطية وعدم أخذها، أما الدافع لها من حيث التطبيق فهو الغرب كمستعمر فإن الغرب حين أراد أن يُحوِّل شكل الاستعمار أقام دولاً وأقامها على أساس الديمقراطية، لذلك فإن من يأخذها إنما يروج للاستعمار ويؤيده، ويؤيد نظامه، والحكام الذين نصبهم مكانه، فمكافحة الاستعمار وتصفيته نهائياً توجب محاربة الأنظمة التي تُركّز بقاءه، وهي النظم الديمقراطي.
ثانياً: الديمقراطية فكرة خيالية غير قابلة للتطبيق، وحين جرى تأويلها حتى تطبق، صار الكذب أساساً في هذا التأويل، فمجلس النواب لا يسن القوانين وإنما تقدمها له الحكومة فيسنها. ومجلس النواب لا يختار الحكومة، وإنما يختارها رئيس الدولة، ومجلس النواب يوافق على هذا الاختيار مجرد موافقة، وقد تكون شكلية، وفوق ذلك فإن الحاكم في أي بلد ديمقراطي ليس مجلس النواب ممثل الشعب وإنما هو رئيس الدولة أو الحكومة. وأيضاً فإن الحكم لا يكون إلاّ لواحد فكيف يتسنى للشعب أن يحكم ؟ لذلك فإن الواقع لسير الديمقراطية يخالف الواقع للحكم، ولا يتفق مع الحياة. لذلك كانت الديمقراطية مستحيلة وخيالية من حيث فكرتها وكاذبة ومضللة بعد تأويلها.
ثالثاً: الديمقراطية من صنع البشر، فوضعت للبشر من البشر، وبما أن البشر يخطئ ويصيب، والله تعالى وحده الذي لا يخطئ، لذلك كان النظام الذي من عند الله هو الذي يجب أخذه لا النظام الذي من عند البشر، ومن هنا كان أخذ الديمقراطية وترك نظام الله خطأ يعرض للهلاك.
والنظام الديمقراطي نظام كفر، وذلك لأنه ليس أحكاماً شرعية، ونظام الحكم في الإسلام هو أحكام شرعية من عند الله، لذلك كان النظام الديمقراطي نظام كفر، فالحكم بالنظام الديمقراطي حكم بالكفر، والدعوة إلى النظام الديمقراطي دعوة لنظام كفر . ولا يجوز بحال من الأحوال لا الدعوة إلى النظام الديمقراطي ولا الأخذ به بحال من الأحوال.
وكذلك فإن النظام الديمقراطي يخالف ويناقض نظام الحكم في الإسلام، والإسلام براء من الديمقراطية، فالأمة وإن كانت هي التي تنصب الحاكم، ولكن لا تملك غزله، والمشرع هو الله وليس البشر، لا الشعب ولا الأمة، والسلطان على الشعب وعلى الحكام هو الشرع والسيادة للشرع. فكون النظام الديمقراطي قد جعل السيادة للشعب، وجعل له اختيار الحاكم، وحق التشريع، يخالف نظام الحكم في الإسلام، لأنه وإن جعل حق اختيار الحاكم للشعب، ولكنه لم يجعل له حق عزله، وهذا علاوة على أن الإسلام قد جعل السيادة للشرع لا للشعب، وجعل المشرع هو الله وليس الشعب. لذا فإن النظام الديمقراطي مخالف لنظام الحكم في الإسلام فلا يجوز أخذه ولا تحل الدعوة إليه.
**ولذلك يعتبر مؤتمر وستفاليا الذي عقد في سنة 1648 هو الذي نظم القواعد التقليدية للقانون الدولي وبناء على قواعده هذه وجدت الأعمال السياسية بشكل متميز ووجدت الأعمال الدولية الجماعية.
وكان من أبرز هذه القواعد فكرتان خطيرتان إحداهما: فكرة التوازن الدولي، والثانية فكرة المؤتمرات الدولية، أما فكرة التوازن الدولي فهي تقضي بأنه إذا حاولت إحدى الدول التوسع على حساب الدول الأخرى فإن سائر الدول تتكتل لتحول بينها وبين التوسع، محافظة على التوازن الدولي الذي هو كفيل بمنع الحروب وانتشار السلام، وأما فكرة المؤتمرات الدولية فإن المؤتمر يتألف من مختلف الدول الأوروبية وينعقد لبحث مشاكلها وشؤونها في ضوء المصالح الأوروبية، ثم تطورت هذه الفكرة إلى مؤتمرات الدول الكبرى التي تنعقد للنظر في شؤون العالم على ضوء مصالح هذه الدول الكبرى. وهاتان الفكرتان كانتا أساساً لما يعانيه العالم من الصعوبات التي يلاقيها في سبيل رفع سلطة الدول الاستعمارية والدول الكبرى.
هذا هو أصل القانون الدولي وهذا هو الذي أوجد المبررات للتدخل وأتاح للدول الكبرى أن تتحكم في الدول الأخرى، وهذا هو الذي إليه تستند الأعمال السياسية التي تقوم فيها لقضاء مصالحها، أو لمزاحمة الدولة الأولى، إلاّ أن هذه القواعد الدولية قد طرأ عليها شيء من التحويل، ولكنه كله تحويل في صالح الدول الكبرى ومن أجل تنظيم مطامعها أو بعبارة أخرى تقسيم منافع العالم فيما بينها على وجه لا يؤدي إلى الحروب والنزاع المسلح. هذا التحويل الذي طرأ على العلاقات الدولية فتحولت من مؤتمرات إلى منظمة دولية تقوم هي على حفظ الأمن الدولي، ولكن هذا التطور لم يغير شيئاً، وظلت الدول الكبرى تتنازع على المغانم إلى أن وقعت الحرب العالمية الثانية، وبعد الحرب العالمية الثانية رأت الدول الكبرى أن إنشاء منظمة دولية هو خير وسيلة لتنظيم العلاقات فيما بينها، وجعلتها في أول الأمر منظمة للدول التي دخلت الحرب، ثم وسعتها وجعلتها منظمة عالمية، يتاح دخولها لجميع دول العالم. ونظمت العلاقات الدولية بميثاق هذه المنظمة وبهذا تكون العلاقات الدولية قد تحوّلت من مؤتمر للدول الكبرى للسيطرة على العالم وتوزيع المغانم بينها والحيلولة دون نشوء دولة كبرى غيرها، تحوّل إلى منظمة دولية لتنظيم العلاقات بينها وضمان سيطرة الدول الكبرى، ثم إلى منظمة دولية تصبح كدولة عالمية تنظم شؤون دول العالم وتسيطر عليها.
والدول النصرانية هذه، أو الدول الرأسمالية لم تترك أمر تنفيذ القواعد التقليدية والتي صارت فيما بعد القانون الدولي، إلى العامل المعنوي، كما هي الحال في الأعراف الدولية، وفي الاتفاقيات الدولية، بل لم تتركها تنفذ على من التزم بها فقط، بل جعلتها تنفذ بقوة السلاح، وجعلت تنفيذها على جميع دول العالم، سواء من التزم بها أم من لم يلتزم. وقبل الحرب العالمية الأولى كانت الدول النصرانية الأوروبية نفسها مجتمعة أو منفردة تجعل من نفسها البوليس الدولي في العالم لتنفيذ النظام الدولي، وحتى بعد قيام عصبة الأمم، ثم بعد قيام هيئة الأمم المتحدة، ظلت الدول الرأسمالية تجعل من نفسها البوليس الدولي في العالم لتنفيذ القانون والنظام. فكان هذا العمل من أفظع الأعمال، وكان سبباً من أسباب شقاء العالم بالأسرة الدولية بمفهومها الأوروبي، وبما يسمى بالقانون الدولي. لذلك لا بد من علاج هذه المسألة من أجل تخليص العالم وإنقاذه من الشقاء.
وعلاج هذه المسألة هو أنه إذا كان لا بد من إيجاد الجماعة الدولية في المجتمع الدولي فيجب أن لا يقاس المجتمع الدولي على المجتمع العادي، فالمجتمع العادي لا بد له من كيان يرفع المظالم ويزيل التخاصم، ويفصل المنازعات بين الناس، لذلك كان لا بد لكل مجتمع من دولة، ولا بد له من سلطان، ولا بد من قانون ولا بد من تنفيذ إجباري على الناس. أما المجتمع الدولي فهو عبارة عن مجموعات بشرية، تنشأ بينها علاقات، وليس أفراداً تنشأ بينهم علاقات، ولكل مجموعة من هذه المجموعات حق السيادة، وحق الإرادة، بشكل مطلق غير مقيد، فأي إجبار خارجي لهذه المجموعة أو هذه الدولة يعني سلب السيادة عنها، وهذه هي العبودية، وهو يتمثل في الاستعمار وفرض السيطرة والإجبار بالقوة، وأي منع لهذه المجموعة أو هذه الدولة عن تنفيذ ما تقرره يعني تصفيداً لها بالأغلال، وإصابتها بالشلل والكساح، لذلك لا يصح أن توجد قوة فوق المجموعات البشرية تكون سلطة كسلطة المجموعة الواحدة. وبعبارة أخرى لا يصح أن يصبح المجتمع الدولي مجموعة تقوم عليها سلطة، لها صلاحية رعاية الشؤون، أي لا يصح أن توجد دولة عالمية تحكم عدة دول، ولا يصح أن يسمح بوجود دولة عالمية لها سلطة على عدة مجموعات بشرية، بل يجب أن تظل المجموعات البشرية مجموعات لها كيانها، ولها سيادتها، ولها إرادتها. وإذا كان لا بد من تكوين جماعة دولية من هذه المجموعات، فيجب أن لا تكون دولة عالمية، ويجب أن تنشأ هذه المجموعة تأسيساً ممن يريد مختاراً أن يكون فيها، لا أن تقوم بإنشائها دولة معينة لها مفاهيم معينة، أو دول معينة تتمتع بقوة تفوق قوة سواها، كما لا يصح أن تكون دولة عالمية، بل يقوم بتأسيس هذه الجماعة الدولية جميع الذين يرغبون مختارين بتأسيسها، بغض النظر عن نوع مفاهيمهم وبغض النظر عن مقدار قوتهم ومدى نفوذهم، وأن تترك الحرية لكل دولة لم تشترك في التأسيس أن تشترك في الجماعة الدولية في كل وقت تريد، ويكون لها ما للمؤسسين من الحقوق والواجبات، وأن يكون للجميع حرية ترك الجماعة الدولية في أي وقت يريد تركها، وأن لا يفرض على أي أحد تنفيذ المقررات بالقوة، بذلك تكون الجماعة الدولية جماعة دولية بحق، لا عائلة دولية معينة يطلق عليها زوراً وبهتاناً أنها أسرة دولية، ولا دولة عالمية يطلق عليها زوراً وبهتاناً اسم هيئة الأمم المتحدة.**
**الأسرة الدولية
والأعراف والقوانين الدولية**
لا بد من إلقاء نظرة خاطفة على العرف الدولي، والقانون الدولي، لإدراك واقع الأعمال السياسية وكيفية القيام بالأعمال السياسية من ناحية دولية.
أما العرف الدولي فهو قديم قدم الدول والإمارات والكيانات، وهو مجموعة القواعد التي نشأت من جراء العلاقات البشرية في حالة الحرب وفي حالة السلم، فصارت من جراء إتباع المجموعات لها أمداً طويلاً أعرافاً دولية، ثم استقرت هذه المجموعة من القواعد لدى الدول، وصارت الدولة تعتبر نفسها ملتزمة بهذه الأعراف التزاماً طوعياً وصارت أشبه بالقانون، وهذا الالتزام التزام معنوي وليس التزاماً مادياً، وكانت المجموعات البشرية تتبعه طوعياً، وخوفاً من الرأي العام، ومن لا يتبعه يتعرض لنقمة الرأي العام، ويُعيَّر في ذلك، ويعتبر من هذا القبيل، أي من قبيل الأعراف الدولية اصطلاح العرب قبل الإسلام على منع القتال في الشهر الحرام، ولذلك فإن قريشاً أقامت النكير على الرسول حين قامت سرية عبد الله بن جحش بقتل عمرو بن الحضرمي وأسر رجلين من قريش وأخذ قافلة التجارة، أقامت قريش النكير على ذلك، ونادت في كل مكان أن محمداً وأصحابه استحلوا الشهر الحرام وسفكوا فيه الدماء وأخذوا فيه الأموال وأسروا الرجال، فاستعدت الرأي العام عليه لأنه خالف الأعراف الدولية.
وهكذا كانت بين جميع المجموعات البشرية قواعد متعارف عليها يتبعونها في الحرب والسلم ومنها الرسل أو من يسمون ( السفراء )، ومنها غنائم الحرب، إلى غير ذلك. إلاّ أن هذه الأعراف منها ما هو عام تتبعها جميع المجموعات البشرية مثل السفراء أي الرسل، ومنها ما هو خاص بمجموعات معينة، وكان هذا العرف يتطور وفقاً لحاجات الدول والإمارات والكيانات، أي وفقاً لحاجات المجموعات البشرية في علاقاتها مع بعضها كمجموعات، فكانت هذه الأعراف الدولية يحتكم فيها الناس للرأي العام ويعير بمخالفتها، فكانت تتبع طوعاً واختياراً بالتأثير المعنوي ليس غير، ولم تكن هناك قوة مادية تطبقها، فاستناداً إلى هذه الأعراف كانت تقوم أعمال سياسية من قبل المجموعات البشرية.
وأما ما يسمى بالقانون الدولي فإنه نشأ ووجد ضد الدولة الإسلامية حين كانت تتمثل في الدولة العثمانية. وذلك أن الدولة العثمانية بوصفها دولة إسلامية قامت بغزو أوروبا وأعلنت الجهاد على النصارى في أوروبا، وأخذت تفتح بلادهم بلداً بلداً، فاكتسحت ما يسمى باليونان ورومانيا وألبانيا ويوغسلافيان والمجر والنمسا حتى وقفت على أسوار فينا، وأثارت الرعب في جميع النصارى في أوروبا، ووجد عرف عام لدى النصارى أن الجيش الإسلامي لا يغلب، وأن المسلمين حين يقاتلون لا يبالون بالموت لاعتقادهم بأن لهم الجنة إذا قتلوا، ولاعتقادهم بالقدر، والأجل، وقد رأى النصارى من شجاعة المسلمين وشدة فتكهم ما جعلهم يفرون من وجههم، مما سهل على المسلمين اكتساح البلاد، وإخضاعها لسلطان الإسلام، وكان النصارى الأوروبيون في هذا العصر عبارة عن إمارات وإقطاعيات، فكانت دولاً مفككة، كل دولة مفككة إلى إمارات، يحكم كلاً منها سيد إقطاعي يقاسم الملك في السلطات، مما جعل الملك لا يستطيع إجبار هذه الإمارات على القتال، ولا يملك التعبير عنها أمام الغازين، وفي كل ما يسمى بالشؤون الخارجية، فسهل ذلك على المسلمين الغزو والفتح.
وظل حال الدول الأوروبية كذلك حتى العصور الوسطى، أي حتى نهاية القرن السادس عشر، وفي القرن السادس عشر أي في العصور الوسطى أخذت الدول الأوروبية تتجمع لتكون عائلة واحدة تستطيع أن تقف في وجه الدولة الإسلامية، وكانت الكنيسة هي التي تسيطر عليها، والدين النصراني هو الذي يجمعها، لذلك أخذت تقوم بمحاولات لتكون عائلة نصرانية من مجموعة الدول، وأخذوا يحددون العلاقات بينهم، فنشأ عن ذلك قواعد اصطلحوا عليها لتنظيم علاقاتهم مع بعضهم، فكان ذلك أول نشوء ما سمي فيما بعد بالقانون الدولي، فأساس نشأة القانون الدولي أن الدول الأوروبية النصرانية في أوروبا تجمعت على أساس الرابطة النصرانية من أجل الوقوف في وجه الدولة الإسلامية، فأدى ذلك إلى نشوء ما يسمى بالأسرة الدولية النصرانية، واتفقت على قواعد فيما بينها، منها التساوي بين أفراد هذه الدول بالحقوق، ومنها أن لهذه الدول نفس المبادئ والمثل المشتركة، ومنها أن جميع هذه الدول تسلم للبابا الكاثوليكي بالسلطة الروحية العليا على اختلاف مذاهبها، فكانت هذه القواعد نواة للقانون الدولي، إلاّ أن اجتماع هذه الدول النصرانية لم يؤثر، فإن القواعد التي اتفقت عليها لم تستطع جمعها، فإن نظام الإقطاع ظل حائلاً دون قوة الدولة، ودون تمكينها من مباشرة العلاقات الخارجية، وكان تسلط الكنيسة على الدول جاعلاً لها تابعاً من توابع الكنيسة، وسالباً منها سيادتها واستقلالها، ولذلك حصل صراع في الدولة لكي تتغلب على أمراء الإقطاع وانتهى بتغلب الدولة وزوال نظام الإقطاع، وفي نفس الوقت حصل صراع بين الدولة والكنيسة أدى إلى إزالة سلطة الكنيسة عن الشؤون الداخلية والخارجية للدولة بعد أن كانت الكنيسة تتحكم فيها، ولكن ظلت الدولة نصرانية، وكل ما في الأمر أنها نظمت علاقة الدولة بالكنيسة على شكل يؤكد استقلال الدولة.
وقد أدى هذا إلى وجود دول قوية في أوروبا، ولكنها مع ذلك لم تستطع الوقوف في وجه الدولة الإسلامية، وظل الحال كذلك حتى منتصف القرن السابع عشر أي حتى سنة 1648، وفي هذه السنة عقدت الدول الأوروبية النصرانية مؤتمراً هو مؤتمر وستفاليا وفي هذا المؤتمر وضعت القواعد الثابتة لتنظيم العلاقات بين الدول الأوروبية النصرانية، ونظمت أسرة الدول النصرانية في مقابلة الدولة الإسلامية، فقد وضع المؤتمر القواعد التقليدية لما يسمى بالقانون الدولي، ولكنه لم يكن قانوناً دولياً عاماً وإنما كان قانوناً دولياً للدول الأوروبية النصرانية ليس غير، ويحظر على الدولة الإسلامية الدخول في الأسرة الدولية، أو انطباق القانون الدولي عليها، ومن ذلك التاريخ وجد ما يسمى بالجماعة الدولية، وكانت تتكون من الدول الأوروبية النصرانية جميعاً بلا تمييز بين الدول الملكية والدول الجمهورية أو بين الدول الكاثوليكية والدول البروتستانتية. وكانت قاصرة على دول غرب أوروبا في أول الأمر، ثم انضمت إليها فيما بعد سائر الدول الأوروبية النصرانية، ثم شملت الدول النصرانية غير الأوروبية، ولكنها ظلت محرمة على الدولة الإسلامية إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر حيث أصبحت الدولة الإسلامية في حالة هزال وسميت بالرجل المريض، وحينئذ طلبت الدولة العثمانية الدخول في الأسرة الدولية فرفض طلبها، ثم ألحت بذلك إلحاحاً شديداً فاشترطت عليها شروط قاسية، منها عدم تحكيم الإسلام في علاقاتها الدولية، ومنها إدخال بعض القوانين الأوروبية، فقبلت الدولة العثمانية هذه الشروط، وخضعت لها، وبعد قبولها أن تتخلى عن كونها دولة إسلامية في العلاقات الدولية قُبِلَ طلبها، وأدخلت الأسرة الدولية سنة 1856 ميلادية، ثم بعد ذلك دخلت الأسرة الدولية دول أخرى غير نصرانية كاليابان.
فهم الموقف الدولي
الموقف الدولي هو هيكل العلاقات القائمة بين الدولة الفاعلة في المسرح الدولي. ومع كثرة الدول العاملة على المسرح الدولي إلاّ أن الدول الفاعلة فيه قليلة تبعاً لقوة تلك الدول. ولما كان واقع كل دولة يعتريه التغير والتبدل قوة وضعفاً، فإن العلاقات بين هذه الدول يعتريها التغير والتبدل وتبعاً لذلك. وقد يحدث هذا التغير والتبدل بسبب حرب تطيح بدولة، وتضعف أخرى من التأثير في المسرح الدولي، فيندفع غيرها ليحل محلها. وقد يحدث التغير والتبدل وقت السلم، من خلال عملية التطور التدريجي للقوى، فتضعف دولة وتقوى أخرى، إلاّ أن الحرب أفعل في التغيير. ومع هذا التغير والتبدل في أحوال الدول وقواها يتغير الموقف الدولي، إما في تغير هيكلية العلاقات، وإما في تغير أطرافها. ونظراً لأن التغير في أحوال وقوى الدول الفاعلة في المسرح الدولي ليس سريعاً، فإن التغير في الموقف الدولي يحتاج إلى فترات طويلة.
وقوة الدولة لا تنحصر في قوتها العسكرية، وإنما تشمل جميع الطاقات والقدرات المادية والفكرية والمعنوية التي تستطيع الدولة تعبئتها وحشدها خارج حدودها، فهي تشمل المبدأ أو الرسالة العالمية التي تحملها الدولة رسالة للعالم، كما تشمل القوة العسكرية والقوة الاقتصادية والمهارة في الأعمال السياسية والحنكة في الدبلوماسية.
وتستعمل الدولة في صراعها مع غيرها على المسرح الدولي من عناصر قوتها الأقوى والأفعل، أو ما تظنه كذلك، أو ما تسمح الظروف الدولية باستعماله. فقوة المبدأ والقوة العسكرية والقوة الاقتصادية في كل منها القدرة على إيجاد المصالح والحفاظ على تلك المصالح وإيجاد الهيبة والمكانة الدولية للدولة على المسرح الدولي، إذ يمكن ترجمة أي منها إلى نفوذ سياسي قوي، لكن القوة العسكرية تبقى أبرز العناصر وأفعلها لأنها عنوان الدولة ورأس قوتها فهي دائماً تلوح وراء أعمال السياسيين لإمكانية اللجوء إليها إذا فشلت الوسائل الأخرى.
والقوة العسكرية لا تنفصل عن إرادة استعمالها، فقوة الإرادة قوة لها، وضعف الإرادة ضعف لها. وتضعف إرادة دولة ما في استعمال قوتها العسكرية ضد دولة أقوى منها بكثير، أو عندما تصل القوة العسكرية لدولتين إلى مأزق، وذلك عندما يؤدي سباق التسلح بينهما إلى قدرة كل منهما على تدمير الأخرى تدميراً أكيداً وشاملاً. وهنا تبرز أهمية العناصر الأخرى في قوة الدولة، مثل قوة المبدأ والقوة الاقتصادية والدبلوماسية والأعمال السياسية.
وعمل الدولة على المسرح الدولي إنما هو لإيجاد مصالح للدولة وحماية تلك المصالح، ومصالح الدولة خارج حدودها عديدة ومتنوعة، منها المبدئي مثل إيجاد الظروف الملائمة لنشر المبدأ، ومنها المعنوي مثل الحفاظ على هيبة الدولة وكرامتها ومركزها الدولي، ومنها المادي كتلك المتعلقة بالأمن مثل المواقع الاستراتيجية، أو تلك المتعلقة بالمنافع مثل المواد الخام والأسواق التجارية لتصريف الفائض من المنتوجات الصناعية والزراعية.
ومن المصالح ما هو حيوي وما هو ثانوي. والمصلحة الحيوية هي المصلحة التي تكون الدولة مستعدة للدخول في حرب فورية من أجلها. وتطول قائمة المصالح الحيوية وتقصر حسب قوة الدولة وضعفها. فالدولة القوية تطول قائمة مصالحها الحيوية وتطول بالتالي ارتباطاتها الدولية وتدخلاتها على المسرح الدولي، فالمصالح هي التي تفرض على الدولة ارتباطاتها وليس ارتباطات الدولة هي التي تفرض على الدولة مصالحها. ويحدد اتساع مصالح الدولة نوع الدولة وحجمها. فهناك مثلاً الدولة الإقليمية التي تنحصر مصالحها واهتماماتها وارتباطاتها بمنطقتها. فتجعل من تلك المصالح الإقليمية مجالاً لنشاطاتها السياسية.
وهناك الدولة العالمية التي تنتشر مصالحها واهتماماتها وارتباطاتها في كل زاوية من العالم، فيكون العالم مسرحاً سياسياً لها.
ومما يجب أن يكون واضحاً، أن فهم الموقف الدولي إنما يعني فهم العلاقات الدولية وهيكلية هذه العلاقات، والتسابق الدائم بين الدول على مركز الدولة الأولى، وعلى التأثير في السياسة الدولية.
ومن هنا فإن معرفة مركز الدولة الأولى في العالم، لما ذلك من الأهمية في فهم السياسة العالمية، وفي فهم الموقف الدولي، ففي حالة السلم تعتبر الدولة الأولى في الموقف الدولي هي صاحبة الكلمة دولياً، وتستوي فيه بعد ذلك الدولة الثانية، وأي دولة أخرى من حيث استطاعتها التأثير العالمي سياسياً. والتأثير للدول الأخرى إنما يكون للدول التي لها وزنها في التأثير على الدولة الأولى، ويتفاوت هذا التأثير بتفاوت الدول في القوة الذاتية، والقوة العالمية، فبقدر قوة الدولة ومدى وزنها العالمي، يكون مقدار ما لها من تأثير على الدولة الأولى، وبالتالي على السياسة العالمية من ناحية دولية. إلاّ أن الدولة الأولى في الموقف الدولي تعتبر أقدر الدول نسبياً على جعل السياسة الدولية بجانبها، وأكثر الدول إمكانية لأن تؤثر في الموقف الدولي. لذلك كان فهم موقف كل دولة من الدول التي لها تأثير في الموقف الدولي أساساً لفهم الموقف الدولي.
أما مزاحمة الدولة الأولى على مركزها، والتسابق الدائم بين الدول الفاعلة على التأثير في السياسة الدولية، فإنه موجود منذ القدم، فكانت في كل عصر دولة تعتبر الدولة الأولى، وكان يوجد في بعض الأحيان دول أخرى تزاحمها على هذا المركز . إلاّ أن المزاحمة لم تكن عن طريق الأعمال السياسية، بل كانت عن طريق الأعمال العسكرية بالحروب والغزوات وانتقاص أطراف الدولة، وظل الحال كذلك إلى منتصف القرن الثامن عشر، حيث توسع القانون الدولي، أو على الأصح وجد بشكل قانون وتشريع، ومن يؤمئذ بدأت الأعمال السياسية تأخذ جانباً هاماً في العلاقات الدولية، وفي حل المشاكل الدولية فصارت الأعمال السياسية تحل محل الأعمال العسكرية في حل المشاكل، وفي إيقاف سيطرة الدولة الأولى والمزاحمة على مركزها. والأعمال السياسية التي تقوم بها الدول بشكل عام، والدول المزاحمة للدولة الأولى، والدولة الأولى نفسها بشكل خاص، إنما يستندون فيها إلى ما يسمى بالعرف الدولي والقانون الدولي، حتى غدت هذه الأعمال مرتبطة ارتباطاً حتمياً بالقانون الدولي والشرعية الدولية.
ولفهم الموقف الدولي والسياسة الدولية، لا بد من خطوط عريضة تبين الواقع السياسي لكل دولة وعلاقاتها بغيرها من دول العالم، وخاصة الدول الكبرى التي تؤثر على سير الأحداث في العالم، مع ملاحظة الخطط السياسية للدول في أساليب تنفيذها، وفي المناورات السياسية التي تقوم بها هذه الدول. والدول في عملها السياسي إنما ترعى مصالح الأمة، وتقيم علاقاتها بغيرها. حسب هذه المصالح فالدولة التي تعتنق مبدأ معيناً وتحمله للعالم فإنها تجعل المبدأ عاملاً فعالاً في علاقاتها الدولية وتحديد مصالحها خارج حدودها. لذلك كان لزاماً على الأمة الإسلامية، وهي تعمل لإقامة الدولة الإسلامية وحمل الدعوة إلى العالم، أن تعرف الدول من حيث الأفكار التي تعتنقها، هل هي دول مبدئية أم غير مبدئية، وحينئذ تعرف العوامل التي تؤثر في علاقاتها ومصالحها الدولية، وان تتتبع هذه العلاقات، وأن تدرك خفاياها ومراميها، وأن تميز بين المناورة وغير المناورة، وأن تفرق بين العمل وأهدافه، وأن تكون واقفة على آخر وضع تكون عليه العلاقات الدولية.
غير أنه ينبغي أن يكون واضحاً أن الموقف الدولي لا يظل ثابتاً على حال واحدة، فهو يتغير حسب الأوضاع الدولية، وأن موقف كل دولة من الدول لا يلزم حالة واحدة من ناحية دولية، وإنما تتداوله حالات متعددة من ناحية القوة أو الضعف، ومن ناحية قوة التأثير أو عدم التأثير، ومن ناحية تفاوت العلاقات بينها وبين الدول، واختلاف هذه العلاقات. وهذا يقضي بدوام تثقيف الأمة تثقيفاً سياسياً، وجعلها تتتبع وتدرك السياسة الخارجية تتبعاً دائماً وإدراكاً واقعياً، وأن يكون حمل الدعوة الإسلامية هو الحكم على هذه السياسة والمسير لها.
هذه هي الأسس التي تتعلق بفهم الموقف الدولي والذي يجب على السياسي أن تكون لديه معلومات عنه، ومتابعته حتى تتضح له الأمور ويستطيع بالتحليل السياسي أن يصدر حكمه على كل حدث سياسي فيكون حكمه أقرب إلى الصحة والواقعية. وذلك أن التحليل السياسي هو الطريقة التي يتم بها الحكم على أي حدث سياسي في أي منطقة من مناطق العالم، ويعتمد على فهم الواقع السياسي لذات المنطقة أو البلد، وفهم علاقة هذا الواقع السياسي بالسياسة الدولية.
السياسة والسياسة الدولية
السياسة بمعناها المحلي، كرعاية شؤون الأمة وشؤون الدولة، وإن كانت هامة، ولكنها لا يصح أن تكون هي محل الاهتمام، ولا يصح الاقتصار عليها. لأن جعلها محل الاهتمام يعني الأنانية والعمل للذات، وفوق كونه يضر في إيجاد الصراع الداخلي بين السياسيين ثم بين أفراد الأمة أو فئات منها. وفي هذا ضرر على الدولة والأمة، ولأن الاقتصار عليها فوق كونه لا يجعل المرء يدرك السياسة، فإن فيه غفلة عن شؤون الأمة، والسياسي لا بد أن يرعى شؤون أمته حتى يكون سياسياً. وهذا لا يتأتى إلاّ بالاهتمام بشؤون الأمم الأخرى، والدول الأخرى، ومعرفة أخبارها، وتحركاتها، والإحاطة ما أمكن بمعلومات عنها.
لذلك كانت السياسة الدولية، والسياسة الخارجية جزءاً لا يتجزأ من السياسة، من حيث هي سياسة، ولذلك لا تكون السياسة بمعنى السياسة إلاّ إذا كانت أفكاراً عن رعاية شؤون أمته، وأفكاراً عن رعاية شؤون الأمم الأخرى والدول الأخرى. فعلاقة السياسة الدولية والسياسة الخارجية، بالسياسة علاقة جزء من كل، بل الجزء الجوهري الذي يكونها.
والسياسة الخارجية، والسياسة الدولية، التي يجب الاهتمام بها، هي سياسة الأمم المؤثرة، لا جميع الأمم، وسياسة الدول المؤثرة لا سياسة جميع الدول، ولا سيما فيما له علاقة بأمته أو دولته، أو العقيدة التي تقوم عليها الدولة. ومن هنا كانت السياسة الخارجية والسياسة الدولية، إنما تعني سياسة الأمم المؤثرة والدول المؤثرة. لا سيما المؤثرة على سياسة أمته ودولته، سواء أكان هذا التأثير قريباً أم بعيداً.
لذلك يجب أن تكون الأمة الإسلامية كلها لا سيما السياسيين مشغولة باتقاء الخطر الخارجي، أي أن تظل مشغولة في السياسة الخارجية والسياسة الدولية، بالمعرفة والتتبع، وإبصار مواطن الخطر.
على أن الدولة الإسلامية، لا تعني أنها الحكام، بل هي الأمة التي تحت سلطان الخلافة فعلاً، فالأمة كلها هي الدولة، والدول الكافرة تعرف ذلك، وتعمل على أساسه. وما دامت الأمة مدركة أنها هي الدولة، فإنها تظل متتبعة لأخبار وأحوال الدولة الأخرى، والشعوب والأمم الأخرى، حتى تظل على وعي على أعدائها، وحتى تظل في حالة استنفار فعلي ضد جميع الأعداء. ولهذا فإنه يجب أن تظل أخبار السياسة الخارجية شائعة في الأمة كلها، مدركة من الناس بشكل عام. وأن يكون هم السياسيين والمفكرين، إطلاع الناس على السياسة الخارجية. حتى أن الناس حين يوكلون عنهم نواباً في مجلس الأمة للمحاسبة والشورى، إنما يختارون على أساس السياسة، وعلى أساس السياسة الدولية، لأن هذا هو الذي يجب أن يكون لدى الأمة، وهو الذي يجب أن يكون لدى وكلائها في مجلس الأمة، أما السياسيون والمفكرون بشكل عام فإن معرفة السياسة الخارجية والسياسة الدولية لا بد من أن تكون هي الطاغية على أعمال السياسيين وأفكارهم، وهي الموجودة بشكل بارز لدى المفكرين وفي تفكيرهم وأفكارهم. لأن المسلم إنما وجد من أجل هذا الإسلام، وإنما وجد من اجل الدعوة الإسلامية. وإنما يعيش من أجل هذا الدين، في حمايته، ونشر دعوته. وإذا كان الجهاد هو ذروة سنام الإسلام، فإن حمل الدعوة الإسلامية هو الغاية التي من أجلها يكون الجهاد. وهذا يستوجب معرفة السياسة الخارجية والسياسة الدولية.
على أنه بغض النظر عن هذا، فإن الدولة التي تطمع في أن يكون لها تأثير، وأن تتمتع بالنفوذ والمجد، تجعل السياسة الخارجية أساساً من أسسها، وتتخذ السياسة الخارجية وسيلة لتثبيت مركزها في الداخل والخارج. وإذا كان هذا هو الواقع، فإن على السياسيين والمفكرين، أن يحيطوا بالسياسة الخارجية والسياسة الدولية، سواء أكانوا في الحكم أو خارج الحكم. لأن هذا هو الذي يجعلهم سياسيين، أي راعين لشؤون أمتهم. لأن الشؤون العليا للأمة إنما تتمركز في السياسة الخارجية والسياسة الدولية. ومن هنا كان واجب الأحزاب السياسية كلها، والسياسيين عموماً، ورجال الفكر، والعلم، أن تكون السياسة الخارجية والسياسة الدولية أهم ما يشتغلون به.
وإذا كان لا بد من معرفة السياسة الخارجية والسياسة الدولية، لا سيما للسياسيين، والمفكرين، والعلماء، فإنه لا يصح الاقتصار على الإجمال، والنتائج، فإن هذه إذا جرى الاقتصار عليها، وإن كان مفيداً، ولكنه لا يكفي لإدراك الخطر، ولا لمعرفة كيفية الاتقاء، ولا لفهم الحوادث، والوقائع، والنوايا والأهداف. بل لا بد من التفاصيل، والأعمال، والحوادث، ثم تحليلها والوقوف على النوايا والأهداف. والعدو حتى تعرف نواياه، تجاه الدولة والأمة، لا بد من أن تعرف أولاً كلامه، ووضع هذا الكلام، وثانياً: تصرفاته والظروف التي جرت فيها هذه التصرفات، وثالثاً: علاقاته، ووضع هذه العلاقات، ومن غير معرفة هذه الثلاث لا يمكن الإطلاع على نوايا العدو.
وهذه الثلاث تحتاج معرفتها إلى معرفة التفاصيل، فالكلام لا بد من معرفة تفاصيله وتتبعها، حتى تدرك الأوضاع التي قيل فيها هذا الكلام. وكذلك التصرفات والعلاقات. وإذا كان سواد الأمة لا يهتم بالتفاصيل، فإن أفرادها البارزين ولا سيما السياسيين لا بد من أن يعرفوا ذلك. لأنهم مسؤولون، ولأنهم يزعمون أنهم يرعون شؤون الأمة.
وأنه وإن كانت الحالة الدولية الآن، وحالة الدول المؤثرة، تعتمد في سياستها على ما يسمى بالدبلوماسية، أي على الاتصالات، وعلى العملاء. فإن هذا أمر مؤقت، وهو موجود لعدم وجود قوة مخيفة في العالم. ولكنه إذا وجدت قوة مخيفة فإن هذا يتغير، وتصبح الحالة الدولية، وحالة الدول المؤثرة، تعتمد على الأعمال السياسة، والأعمال العسكرية. إلاّ أنه على أي حال داخل تحت دائرة الاهتمام بالتفاصيل. فإذا كان هناك عملاء فلا بد من معرفتهم، حتى لو كانوا من دول كافرة. وإذا جرت اتصالات أو أعمال سياسية، فلا بد من معرفة هذه الاتصالات وتلك الأعمال بتفاصيلها لا سيما ما كان منها خفياً.
فالسياسة الخارجية والسياسة الدولية، سواء جرت على طريق العملاء، أو بالاتصالات، أو جرت بالأعمال السياسية، أو الأعمال العسكرية. فإن معرفة التفاصيل أمر لا بد منه، وذلك لمعرفة السياسة نفسها، ولمعرفة النوايا والأهداف ولإدراك ماهية الكلام أو التصرفات أو العلاقة. وما لم تعرف هذه التفاصيل، فإنه لا تكون السياسة قد عرفت، ولا صار المرء سياسياً، وبالطبع لا تدرك النوايا والأهداف.
السياسة فن الممكن
السياسة هي أفكار تتعلق برعاية الشؤون، سواء أكانت قواعد: عقائد، أم أحكاماً، أم كانت أفعالاً تجري أو جرت أو ستجري، أم كانت أخباراً. فإذا كانت في أمر واقع كانت سياسة سواء في أمور حالية، أو أمور مستقبلية، وإن كانت قد مضى وقتها، أي كانت واقعاً مر وفات، سواء مر حديثاً أو قديماً كانت تاريخاً، ولذلك فإن التاريخ كان سياسة فأصبح تاريخاً. سواء أكان حقائق لا تتغير بتغير الظروف. وهو ما يجب أن يحرص على معرفته، أم كان حوادث في ظروف مرت ومرت ظروفه، وهو ما يجب أن لا يؤخذ، وأن يكون قارئه في حالة وعي عند قراءته حتى لا يأخذه في ظروف غير ظروفه، فيقع في خطأ، فيقع الضرر من أخذه.
والإنسان من حيث هو إنسان، أو الفرد من حيث كونه يعيش في هذه الحياة، هو سياسي يحب السياسة، ويعانيها، لأنه يرعى شؤون نفسه، أو شؤون من هو مسؤول عنهم، أو شؤون أمته أو شؤون مبدئه أو أفكاره. إلاّ أن الأفراد أو الكتل، أو الدول أو التكتلات الدولية، الذين يتصدون لرعاية شؤون أمتهم أو دولتهم، أو منطقتهم ودولهم، فإنهم يكونون سياسيين طبعاً من حيث كونهم من بني الإنسان، وطبيعياً من حيث طبيعة عملهم، وطبيعة عيشهم وسياستهم. ولذلك يكونون سياسيين بارزين، وهم الذين يطلق عليهم لفظ السياسي، ولا يطلق ذلك على الفرد العادي، لأنه محدود التفكير في أمر رعاية الشؤون ومحدود العمل في الحياة. والبحث في السياسة إنما يعني السياسيين هؤلاء، ولا يعني جميع الأفراد.
وقد عرف العلماء السياسة، بأنها فن الممكنات، أو فن الممكن. وهذا التعريف صحيح. إلاّ أنه من حيث ما جرى عليه الناس من حصرها في الأشياء الآنية، هو خطأ، لأنه يعني الواقعية بمعناها الخاطئ، وهو بحث الواقع والسير حسب هذا الواقع. ولو سلم بهذا، لما وجد تاريخ، ولما وجدت حياة سياسة، لأن التاريخ هو تغيير الواقع، والحياة السياسية هي تحويل الوقائع الجارية إلى وقائع أخرى. ولذلك كان تعريف السياسة بأنها فن الممكن، تعريفاً خاطئاً حسب فهم الناس له أو حسب فهم السياسيين. ولكن من حيث أن كلمة ممكن تعني المعنى الحقيقي لها، وهو ما يقابل المستحيل والواجب، فإنها صحيحة، لأن السياسة ليست فن المستحيل. بل هي فن الممكن فقط. فالأفكار التي لا تتعلق بالممكنات أو على الأصح التي لا تتعلق بالوقائع الممكنة والواقع، فإنها ليست سياسة، وإنما هي فروض منطقية، أو مجرد خيالات حالمة أو تخيلات. فحتى تكون الأفكار أفكاراً سياسية، أي حتى تكون الأفكار سياسية فلا بد أن تتعلق بالممكن. لذلك كانت السياسة فن الممكن لا فن المستحيل فالمستحيل ليس سياسة والواقع والواقعية هو كذلك ليس سياسة، لأنه ضد التاريخ. ولولا تغير الأشياء حسب الممكنات لما وجدت سياسة، ولما وجد تاريخ، فالتاريخ هو تغيير الواقع بواقع غيره، فالسياسة هي فعلاً فن الممكن مقابل المستحيل. والرسول حين كان ينظر إلى السياسة بأنها فن الممكن لمعنى غير المستحيل، أوجد الإسلام مكان الشرك، وكانت أفكار الإسلام وأحكامه هي التي تعالج مشاكل الناس ووضعت مكان أفكار الشرك وأفكار الكفر كله.
والاستعمار من حيث هو شرقياً كان أو غربياً ولا سيما الغرب، فإنه واعٍ على الإسلام وعلى خطر الإسلام، وخطر عودته إلى معترك الحياة، فأوجد للسياسة مفهوماً واقعياً. فالسياسة بمفهوم النص الذي أوجده لدى المسلمين، والذي عليه يسير السياسيون، هو الواقعية، والتقيد بها، فالسياسية عنده هي فن الممكنات، أي حسب الواقع، وصاروا يسمون ما هو ليس بالواقع أو الواقعية، خيالاً وأوهاماً. لإبعاد الناس عن الإسلام وعن أفكاره، وهذا يعني الخضوع للواقع وعدم التفكير في تغييره. لذلك كان لا بد من محاربة هذا المفهوم عند الأمة، وكان لا بد من إدراك أن السياسة هي رعاية شؤون الأمة بحسب أحكام الإسلام، وليس بحسب الواقع أو ما يمليه الواقع.
على أن أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أدلة على وجوب محاسبة الحاكم لأنها عامة تشمل الحاكم وغيره، وقد أمر الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمراً جازماً، قال تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) … (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر )… (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر )…( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر )…(التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر) … (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر). فهذه الآيات قد طلب الله فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واقترن هذا الطلب بقرينة تدل على الجزم ألا وهي الثناء على ذلك بقوله:(وأولئك هم المفلحون) … (كنتم خير أمة) … (التائبون العابدون) إلى غير ذلك فيكون ذلك قرينة على أن الطلب طلب جازم، وهذا يعني أنه فرض، ومحاسبة الحاكم إنما هي أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، فكانت فرضاً، وكذلك قد وردت أحاديث كثيرة تدل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عن حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده ثم لتدعنه فلا يستجاب لكم " وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من رأى منكم منكراً فليغره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان " وعن عدي بن عميرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة ".
فهذه الأحاديث كلها تدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهي تدل على وجوب أمر الحاكم بالمعروف ونهيه عن المنكر، ولا شك في أن هذه هي محاسبته على أعماله، على أن هناك أحاديث تنص على الحاكم خاصة تأكيداً على المحاسبة، لما لمحاسبة الحاكم وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر من أهمية، فعن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " وعن أبي أمامة قال: " عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل عند الجمرة الأولى فقال يا رسول الله أي الجهاد أفضل فسكت عنه، فلما رمى الجمرة الثانية سأله فسكت عنه، فلما رمى جمرة العقبة ووضع رجله في الغرز ليركب قال: " أين السائل " قال: أنا يا رسول الله قال: " كلمة حق تقال عند ذي سلطان جائر " فهذا نص في الحاكم ووجوب قول الحق عنده، أي محاسبته، فكفاح الحكام الذين يهضمون حقوق الرعية أو يقصرون في واجباتهم أو يهملون شأناً من شؤون الأمة كفاح هؤلاء وأمثالهم فرض لأن الله قد طلبه واعتبره كالجهاد، بل جعله من أفضل الجهاد، فكأنه قال أفضل الجهاد عند الله كفاح الحكام الظلمة، وهذا وحده كاف للدلالة على وجوب محاسبة الحكام، وقد حث الرسول على مكافحة الحكام الظلمة مهما حصل في سبيل ذلك من أذى حتى ولو أدى ذلك إلى القتل فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله " وهذا من أبلغ الصيغ في التعبير عن الحث على تحمل الأذى حتى الموت في سبيل محاسبة الحكام وكفاح الحكام الظلمة.
والإسلام يعتبر الجماعة التي تحكم بموجب هذا النظام وحدة إنسانية، بغض النظر عن طائفتها وجنسها ولا يشترط فيها إلاّ التابعية ( وهي الولاء للدولة والنظام ) ولا توجد فيه الأقليات، بل جميع الناس باعتبار إنساني فقط هم رعايا في الدولة الإسلامية، ما داموا يحملون التابعية. وعليه فإن السياسة الداخلية للدولة الإسلامية هي تنفيذ الشرع الإسلامي على جميع الذين يحملون التابعية سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين.
والسياسة الخارجية للدولة الإسلامية هي علاقة الدولة بغيرها من الدول والشعوب والأمم، وهذه العلاقة هي رعاية شؤون الأمة خارجياً. وتقوم هذه السياسة الخارجية على فكرة ثابتة لا تتغير، هذه الفكرة الثابتة هي نشر الإسلام في العالم في كل أمة وكل شعب. وهذا هو الأساس الذي تقوم عليه السياسة الخارجية للدولة الإسلامية، وهذا الأساس لا يتغير أبداً ولا يختلف مهما اختلف الأشخاص القائمون على الحكم، وقد كان هذا الأساس موجوداً وثابتاً في جميع العصور منذ أن استقر الرسول صلى الله عليه وسلم حتى انتهت الدولة العثمانية بوصفها آخر الدولة الإسلامية، ولم يتغير هذا الأساس مطلقاً. فمنذ أن أقام الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة بدأ يقيم علاقة الدولة الإسلامية بغيرها على أساس نشر الإسلام، فعقد مع اليهود معاهدات ليتفرَّغ لنشر الدعوة في الحجاز، ثم عقد معاهدة الحديبية مع قريش ليتمكن من نشر الدعوة في جزيرة العرب ثم أرسل الكتب للدول الموجودة خارج الجزيرة العربية ليقيم معها علاقات على أساس نشر الإسلام بدعوتهم للدخول فيه، ثم جاء خلفاؤه من بعده فأقاموا علاقاتهم مع الدول جميعها على أساس نشر الإسلام، وأخذوا يحملون الدعوة الإسلامية إلى العالم.
ووجود الدولة إنما هو من أجل تطبيق الإسلام في الداخل، وحمل دعوته في الخارج إلى العالم، ولذلك كانت مهمة الدولة الإسلامية في الخارج إنما هي حمل الدعوة الإسلامية. والذي يجعل نشر الإسلام أساساً للسياسة الخارجية هو أن رسالة محمد عليه الصلاة والسلام للناس كافة. قال تعالى: ï?© وما أرسلناك إلاّ كافة للناس بشيراً ونذيراً ï?¨ وقال تعالى: ï?© يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم… ï?¨ وقال تعالى: ï?© يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً ï?¨ وقال عز وجل: ï?© وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ï?¨ وقد قام الرسول بتبليغ الرسالة للناس، ولما التحق بالرفيق الأعلى استمرت رسالته للناس يبلغهم إياها المسلمون، فكان حمل الدعوة الإسلامية للعالم استمراراً لعمل الرسول صلى الله عليه وسلم. وهكذا كان حمل الدعوة الإسلامية أساساً لعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول والشعوب والأمم، وهذا هو الحكم الشرعي، وهو ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة. ولذلك فإن السياسة الخارجية للدولة الإسلامية هي حمل الدعوة الإسلامية للعالم.
وتنفذ هذه السياسة الخارجية بطريقة ثابتة لا تتغير وهي الجهاد مهما اختلف الأشخاص القائمون على الحكم، وقد كانت هذه الطريقة ثابتة في جميع العصور منذ أن استقر الرسول صلى الله عليه وسلم حتى انتهت آخر الدولة الإسلامية، ولم تتغير هذه الطريقة مطلقاً، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم منذ أن أقام الدولة في المدينة هيأ الجيش وبدأ بالجهاد لإزالة الحواجز المادية التي تقف دونها، فكانت قريش حاجزاً مادياً يقف في سبيل الدعوة الإسلامية فصمم على إزالته، ثم أزال قريشاً ككيان يقف في وجه الدعوة كما أزال غيره من الكيانات التي تقف في سبيلها، إلى أن عم الإسلام جميع جزيرة العرب، ثم بدأت الدولة الإسلامية تطرق أبواب الأمم الأخرى لنشر الإسلام بينهم، فوجدت كيان الحكم القائم على هذه الأمم حاجزاً مادياً يحول دون الدعوة، فكان لا بد من إزالة هذا الكيان من وجه الدعوة، والوصول إلى الشعب نفسه ليدعى إلى الإسلام بحكمه به، حتى يرى ويلمس عدل الإسلام والرفاهية والهناء في العيش تحت رايته، ويدعونه إليه بالتي هي أحسن دون إكراه ولا إجبار. وهكذا استمر الجهاد طريقة لنشر الإسلام، ففتحت البلدان والأقطار، وأزيلت بالجهاد الممالك والدول وحكم الإسلام الشعوب والأمم، ونشر الإسلام فاعتنقه مئات الملايين من البشر بعد أن حُكِموا به. فكانت الطريقة التي اتبعت في السياسة الخارجية هي الجهاد، وكانت ثابتة لا تتغير ولن تتغير أبداً.
وعلى الدولة الإسلامية أن تقوم بأعمال سياسية منها ما يتعلق بإعطاء معلومات واضحة عن الإسلام، وبث أفكار الإسلام، والقيام بالدعوة والدعاية للإسلام، ومنها ما يتعلق بإظهار قوة الدولة الإسلامية ومقدرتها، وإظهار صلابة المسلمين وجرأتهم، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقوم بأعمال عديدة في ذلك منها إرسال الدعاة للإسلام في قلب بلاد الشرك، كما أرسل الأربعين رجلاً إلى نجد ليبلغوا الإسلام، وكان يقوم بإظهار قوة الدولة كما حصل في استعراضه جيش المسلمين في المدينة يوم غزوة تبوك قبل خروجه لها. ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " نصرت بالرعب من مسيرة شهر " وكان جيش المسلمين في مختلف العصور مرهوب الجانب، ولهذا لا بد من القيام بأعمال سياسية تتعلق ببث الأفكار الإسلامية، وبإظهار قوة الدولة، ثم المباشرة بالقتال.
والجهاد وإن كان الطريقة الثابتة التي لا تتغير لنشر الإسلام ولكن الأعمال السياسية والحركات المقصودة لا بد منها قبل البدء بالقتال، وهي أمر أساسي في تركيز العلاقة بين الدولة وغيرها من الدول والشعوب والأمم على وجه معين، من حيث حسن الجوار، ومن حيث العلاقات الاقتصادية أو غير ذلك مما يسهل أمر نشر الإسلام. وعلى ذلك فإن الفكرة السياسية التي تقوم عليها علاقة الدولة الإسلامية مع غيرها من الدول والشعوب والأمم هي نشر الإسلام بينهم وحمل الدعوة إليهم وطريقة ذلك هي الجهاد في سبيل الله.
أما محاسبة الدولة من قبل الأمة فإن الإسلام قد جعل محاسبة الحكام فرضاً على المسلمين. فليس معنى وجوب طاعتهم ولو ظلموا ولو أكلوا الحقوق، السكوت عليهم، بل طاعتهم مع وجوب محاسبتهم على أعمالهم، وعلى تصرفاتهم. فالله سبحانه وتعالى فرض على المسلمين محاسبة الحكام، وأمرهم أمراً جازماً بالتغيير عليهم إذا هضموا حقوق الرعية، أو قصروا بواجباتهم نحوها، أو أهملوا شأناً من شؤونها، أو خالفوا أحكام الإسلام، أو حكموا بغير ما أنزل الله. روى مسلم عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع، قالوا أفلا نقاتلهم ؟ قال: لا ما صلّوا " وفي رواية أخرى " فمن عرف فقد برئ ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي تابع " وهذه الرواية تفسر الرواية الأخرى، فقد أمر الرسول الإنكار على الحاكم، وأوجب هذا الإنكار بأية وسيلة مستطاعة، باليد على شرط أن تكون دون القتال أي دون السيف، وباللسان مطلقاً، أي بأي قول من الأقوال، أو بالقلب إذا عجز عن اليد واللسان، وقد أعتبر من لم ينكر شريكاً للحاكم في الإثم إذ قال فمن رضي بما عملوه وتابع على ذلك فلا يبرأ ولا يسلم من الإثم.
السياسة
السياسة هي رعاية شؤون الأمة داخلياً وخارجياً، وتكون من قبل الدولة والأمة. فالدولة هي التي تباشر هذه الرعاية عملياً، والأمة هي التي تحاسب بها الدولة.
هذا التعريف للسياسة عام عند جميع الناس، إذ هو وصف لواقع السياسة من حيث هي. فهو كتعريف العقل وتعريف الصدق وتعريف السلطان، وغير ذلك من المعاني التي هي واقع موجود عند جميع البشر بمعنى واحد لا يختلفون فيه، لأنه واقع مدرك، وإنما يختلفون في أحكامه. وفوق ذلك معناها اللغوي في مادة ساس يسوس سياسة بمعنى رعى شؤونه، قال في القاموس المحيط " وسست الرعية سياسة أمرتها ونهيتها " وهذا هو رعاية شؤونها بالأوامر والنواهي. وأيضاً فإن الأحاديث الواردة في عمل الحاكم، والواردة في محاسبة الحاكم، والواردة في الاهتمام بمصالح المسلمين، يستنبط من مجموعها هذا التعريف، فقوله صلى الله عليه وسلم: " ما من عبد استرعاه الله رعية لم يحطها بنصيحة إلاّ لم يجد رائحة الجنة " وقوله صلى الله عليه وسلم: " ما من وال يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلاّ حرم الله عليه الجنة " وقوله صلى الله عليه وسلم: " ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع. قالوا أفلا نقاتلهم قال: لا، ما صلّوا " وقوله صلى الله عليه وسلم: " من أصبح وهمه غير الله فليس من الله، ومن أصبح لا يهتم بالمسلمين فليس منهم " وعن جرير بن عبد الله قال: " بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم " وعن جرير بن عبد الله قال: " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: أبايعك على الإسلام فشرط علي والنصح لكل مسلم ". فهذه الأحاديث كلها سواء ما يتعلق بالحاكم في توليه الحكم، أو ما يتعلق بالأمة تحاسب الحاكم، أو ما يتعلق بالمسلمين بعضهم مع بعض من الاهتمام بمصالحهم والنصح لهم، كلها يستنبط منها تعريف السياسة، بأنها رعاية شؤون الأمة فيكون تعريف السياسة تعريفاً شرعياً مستنبطاً من الأدلة الشرعية.
أما رعاية شؤون الأمة عملياً، فإن الشرع أعطى مباشرة رعاية الشؤون عملياً رعاية إلزامية للحاكم وحده فلا يحل للرعية أن تقوم بعمل الحاكم ولا يحل لأحد من المسلمين أن يقوم بعمل الحاكم إلاّ بتولية شرعية، إما ببيعة من الناس إن كان خليفة، وإما بتولية من الخليفة، أو من جعل له الخليفة حق التولية من معاونين وولاة. أما من لم يوّل لا بالبيعة، ولا بتولية خليفة، فلا يحلّ أن يقوم بشيء من مباشرة رعاية شؤون الأمة لا في الداخل ولا في الخارج.
والسلطان قد جعله الشرع للحاكم فحسب، وجعل سياسة الناس للحاكم فحسب. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " من كره من أميره شيئاً فليصبر عليه فإنه ليس أحد خرج من السلطان شبراً فمات عليه إلاّ مات ميتة جاهلية " فجعل الخروج عليه خروجاً من السلطان فهو إذن الذي يملك السلطان لا غيره. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وأنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء " ومعناه أنكم أيها المسلمون تسوسكم الخلفاء. فعين من يسوس المسلمين. ومفهوم هذا أن غير الأمير لا يكون سلطاناً، وأن غير الخلفاء لا يسوسون. فهذا دليل على أن سياسة الرعية إنما هي للحاكم ولا تكون لغيره. وأيضاً فإن عمل الرسول صلى الله عليه وسلم هو أنه كان يحصر السلطان والقيام بسياسة الناس به بوصفه رئيس دولة، وكان هو الذي يولّي من يقوم بعمل من أعمال السلطان أو من أعمال سياسة الرعية. فولّى من يقوم مقامه في المدينة حين كان يخرج لغزوة من الغزوات، وولّى الولاة والقضاة وجباة الأموال ومن يقوم بمصلحة من المصالح كتوزيع المياه وخرص الثمار وغير ذلك. فهذا كله دليل على حصر السلطان وحصر سياسة الناس بالحاكم، أي بالخليفة ومن يوليه الخليفة، وبالأمير ومن يوليه الأمير. والسلطان هو رعاية شؤون الناس رعاية إلزامية، أي القيام بمسؤولية الحاكم محصورة بالحاكم، فلا يجوز لغيره أن يقوم بها مطلقاً، لأن الشرع أعطى السلطان وأعطى سياسية الناس للخليفة ولمن يوليه الخليفة. فإذا قام بأعمال الحكم والسلطان، وتولى سياسة الناس، أي فرد غير الإمام وغير من ولاه كان فعله هذا مخالفاً للشرع فكان باطلاً، وكل تصرف باطل فإنه يكون حراماً، ومن هنا لا يحل لأحد غير الخليفة، وغير من يوليه الخليفة أي غير الحاكم أن يقوم بأي عمل من أعمال الحكم والسلطان فلا يقوم برعاية شؤون الناس رعاية إلزامية، أي لا يسوس الناس، لأن هذا هو عمل الحاكم ولا يجوز لغيره أن يقوم به.
أما السياسة الداخلية للدولة الإسلامية فإنها تقوم على تنفيذ أحكام الإسلام في الداخل، وقد كانت الدولة الإسلامية تنفذ أحكام الإسلام في البلاد التي تخضع لسلطانها، فتنظم المعاملات، وتقيم الحدود، وتنفذ العقوبات، وتحرس الأخلاق وتضمن القيام بالشعائر والعبادات، وترعى جميع شؤون الرعية حسب أحكام الإسلام. وقد بيّن الإسلام الكيفية التي تنفذ بها أحكامه على الناس الذين يخضعون لسلطانه، ممن يعتنقونه، وممن لا يعتقدون به، فكانت الدولة الإسلامية تطبق أحكام الإسلام حسب هذه الكيفية لأن طريقة التنفيذ حكم شرعي، كما أن معالجات المشاكل حكم شرعي. والمخاطبون بالإسلام هم جميع الناس، لأن الله قد خاطب بالإسلام جميع بني الإنسان بوصف الإنسانية فقط لا بأي وصف آخر، قال تعالى: يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم وقد اعتبر علماء أصول الفقه أن المخاطب بالأحكام الشرعية هو كل عاقل يفهم الخطاب، سواء أكان مسلماً أو غير مسلم، وقد قال الإمام الغزالي في كتاب المستصفى في الأصول " أن المحكوم عليه هو المكلف، وشرطه أن يكون عاقلاً يفهم الخطاب، وأن أهلية ثبوت الأحكام في الذمة تستفاد من الإنسانية التي بها يستعد لقبول قوة العقل الذي به فهم التكليف " وعلى ذلك كان المخاطب بالإسلام جميع بني الإنسان خطاب دعوة وخطاب تكليف، أما خطاب الدعوة فالمقصود به دعوة الناس إلى اعتناق الإسلام، وأما خطاب التكليف فالمقصود به إلزام الناس بالعمل بأحكام الإسلام.
الفكر السياسي
يعتبر الفكر السياسي من أعلى أنواع الفكر على الإطلاق وهو يعني التفكير المتعلق برعاية شؤون الأمة، وأعلى أنواعه التفكير المتعلق بالإنسان وفي العالم من زاوية خاصة.
والعقيدة الإسلامية فكرة سياسية، فهي من الفكر السياسي، بل هي أساس الفكر السياسي لدى المسلمين، فهي مبدأ أو نظام، ودين ومنه الدولة. وتتميز العقيدة الإسلامية عن غيرها من العقائد والمبادئ، بأنها عقيدة سياسية روحية، تتولى بما انبثق عنها من أفكار وأحكام رعاية شؤون الدنيا والآخرة. ووجهة النظر التي تشكلها تختلف عن جميع وجهات النظر في المبادئ والأنظمة الأخرى، كذلك أفكارها وأحكامها تختلف عن جميع الأفكار والأحكام الموجودة في الدنيا كلها. سواء في الأساس الذي قامت عليه، أو المصدر الذي شرعها، وسواء في كلياتها أو جزئياتها. كذلك جاءت بأفكار وأحكام تتعلق بجميع شؤون الحياة وعلاقات البشر فيها. وبرعاية هذه الشؤون والعلاقات، سواء أكانت تتعلق بالحكم أو الاقتصاد أو الاجتماع أو التعليم، أو السياسة داخلية أو خارجية. وسواء أكانت تتعلق بعلاقة الحكام بالمحكومين، أم بعلاقة الدولة مع الدول والأمم والشعوب الأخرى. وبذلك كانت عقيدة الإسلام السياسية عقيدة كاملة وشاملة تتناول الحياة في جميع مظاهرها وأشكالها، وتعالج جميع وقائعها معالجة دقيقة، قال تعالى: ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وقال عز وجل: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً .
ولقد كان لغياب هذه الأفكار والأحكام المنبثقة عن العقيدة الأثر الأكبر على حياة المسلمين، فقد كان أخذ ما ليس من الإسلام واعتباره منه ولو اسماً من قبل الدولة أيام العثمانيين، أو إهمال الأفراد مسألة التقيد بالأحكام الشرعية في حياتهم من أهم ما هدم الدولة الإسلامية، ومن أهم الأسباب التي جعلت المسلمين في هذه الذلة وهذا الانحطاط. لذلك كان لا بد من أن يوجه المسلمون العناية الكلية للأفكار والأحكام الشرعية، مما يترتب عليه انضباط السلوك في الفرد وانضباط السلوك في الأمة في سير الدولة.
وعقيدة الإسلام السياسية توجب الأحكام المنبثقة عنها وعلى المسلمين أن يطبقوا الإسلام كاملاً، وأن يقيموا على أساسه كياناً ذاتياً إسلامياً متميزاً، وأن يبنوا مجتمعاً فريداً هو المجتمع الإسلامي، كما توجب عليهم أن يكونوا أمة إسلامية واحدة، مهما اختلفت أجناسهم وأعراقهم وألوانهم، تجمعهم العقيدة الإسلامية التي وحدت وجهة نظرهم في الحياة بالحلال والحرام، وجعلته مقياساً لنظرتهم للوقائع والأحداث ولإصدار الحكم عليها، في ظل دولة واحدة.
وكذلك فإن العقيدة الإسلامية توجب على المسلمين كتلاً وأحزاباً وجماعات العمل لاستئناف الحياة الإسلامية وحمل الدعوة الإسلامية أي تحقيق حل قضية المسلمين المصيرية. واستئناف الحياة الإسلامية يعني إعادة المسلمين إلى العيش عيشاً إسلامياً في دار إسلام، وفي مجتمع إسلامي تسيطر عليه الأفكار الإسلامية والمشاعر الإسلامية وتطبق فيه أنظمة الإسلام وأحكامه، بحيث تكون جميع شؤون الحياة مسيرة وفق الأحكام الشرعية، في ظل دولة إسلامية، التي هي دولة الخلافة، والتي يُنصِّب المسلمون فيها خليفة يبايعونه على السمع والطاعة، على أن يحكم فيهم بكتاب الله وسنة رسوله، وعلى أن يحمل الإسلام رسالة إلى العالم بالدعوة والجهاد.
والأمة الإسلامية اليوم حتى تحصل لها النهضة، لا بد من أن تجعل العقيدة الإسلامية الأساس الذي تتجه في حياتها إليه، وتقيم الحكم والسلطان عليها، ثم تعالج المشاكل اليومية بالأحكام المنبثقة عن هذه العقيدة، أي بالأحكام الشرعية بوصفها أوامر ونواه من الله فقط لا بأي وصف آخر. وبذلك ستحصل النهضة قطعاً، بل ستحصل النهضة الصحيحة لا مجرد نهضة، وتعود الأمة الإسلامية لاقتعاد ذروة المجد وأخذ قيادة العالم مرة أخرى. ولذلك كان لا بد من أن تثقف الأمة الثقافة السياسية مبتدئة أولا وقبل كل شيء بعقيدتها العقلية، أي بفكرتها الكلية عن الكون والإنسان والحياة باعتبارها فكرة سياسية لا فكرة روحية فحسب، ثم بما ينبثق عنها من الأفكار السياسية، وما يبنى عليها من الوسائل والغايات.
إن الأمة الإسلامية، وهي تعتنق العقيدة الإسلامية، فكرة كلية عن الكون والإنسان والحياة، عقيدة سياسية، قاعدة فكرية، قيادة فكرية، وجهة نظر معينة في الحياة، يجب عليها وهي ترى العالم كله، وهي معه كذلك يتخبط هذا التخبط، يرزح تحت نير الظلم السياسي والاقتصادي، ويخضع لعبودية قوة غاشمة، ويئن تحت كابوس الشقاء والاستعباد والاذلال فإنه فرض عليها أن تأخذ على عاتقها مهمة إنقاذ العالم، وإخراجه من ظلمات الضلال والتضليل، إلى نور الهدى، وسعادة الحياة. فإنها وإن كانت ترزح تحت نير القوة الغاشمة، فإنه لم يعد جائزاً لها أن تفكر في نفسها فحسب، فإن الأنانية بعيدة عما تعتنقه من عقائد، وغريبة على ما تحمله في ثنايا نفسها وفي صميم فؤادها من قيم وأفكار. لذلك يجب أن تفكر في إنقاذ العالم مع إنقاذ نفسها، وأن تضطلع بمهمة تحرير العالم لا بنفسها وحدها. فإنها جزء من هذا العالم ، وهي وجدت من أجل هدى البشر، وبعد أن إعتنقت عقيدة الإسلام، صار فرضا عليها أن تنقذ الإنسانية من الشقاء، وأن تخلص البشر من الظلم والتعاسة، ومن الإذلال والاستعباد.
والأمة الإسلامية تعتنق فكرة سياسية عن الحياة، وتعتنق طريقة لتنفيذ هذه الفكرة في الحياة. وإذا ملكت أمة الفكرة الصحيحة مع طريقتها، فإنها ولا شك تكون أهلاً لإعطاء الخير وتكون أهلاً لحمل قيادة هذه الفكرة، ولذلك فإن الأمة الإسلامية ليست قادرة على النهضة الصحيحة فحسب، بل هي قادرة على ذلك، وعلى أن تكون مصدراً للخير لغيرها، وعلى حمل هذه الفكرة للناس، قيادة فكرية ووجهة نظر في الحياة. وبالتالي هي قادرة على حل مشكلة العالم، وعلى إنقاذه مما يتردى فيه من الشقاء والاستبعاد والذل. بحمل الدعوة الإسلامية إلى الشعوب والأمم.
الانفصال بين الأمة والدولة
ووجوب المحاسبة
من الملاحظ في هذه الأيام أن الأمة منفصلة انفصالاً تاماً عن الدولة، أي عن الحكام وأن العلاقة بين جمهرة الناس والحكام علاقة بين فئتين متباينتين لا علاقة بين رعايا ودولة، وفضلاً عن ذلك فإن هذه العلاقة فوق كونها علاقة بين فئتين متباينتين هي علاقة كراهية وتضاد وتناقض ليس فيها أي تقارب ولا ما يشعر بإمكانية وجود تقارب في المستقبل، وهذا هو الذي يضعف كيان الأمة ويضعف الدولة، كذلك لأن الرعية بدون وجود راع منها تكون واهية البنيان، والدولة بدون وجود رعية تقف صفاً واحداً خلفها تكون واهية الوجود يمكن إزالتها بأقل جهد، وتكون عرضة للاستعانة بأعداء الأمة.
إن هذا الانفصال بين الأمة والدولة كان طبيعياً وواجباً يوم كانت الدولة الكافرة تحكم البلاد مباشرة، يوم كان الانتداب الإنجليزي هو المطبق على البلاد، ولكن بعد أن أزيل سلطان الإنجليز رسمياً وأصبح حكام البلاد يباشرون الحكم وهم من أبناء الأمة مسلمون، فإنه لم يعد هناك مبرر لبقاء هذا الانفصال، وكان يجب أن تتحول العلاقات بين جمهرة الناس وبين الدولة إلى علاقة رعية وراع، وإلى التحام بين الراعي والرعية. غير أن الواقع أن هذا الانفصال قد بقي ولا يزال باقياً، وظل الحكام فئة والأمة فئة أخرى، وظلت إحدى الفئتين مضادة للأخرى، الأمة تنظر إلى الحكام بأنهم أعداؤها كما كانت تنظر للإنجليز بل ربما شعرت بظلمهم أكثر من ظلم الإنجليز، والحكام ينظرون إلى الأمة بأنها تتآمر عليهم وتود أن تفتك بهم وأنها عدوة لهم، فهم يكيدون لها وهي تكيد لهم، وهذا ما يجعل الأمة في حالة يأس من أن تتقدم خطوة واحدة نحو العزة والرفاهية، ويجعل الحكام محصوراً تفكيرهم بما يبقيهم على كراسي الحكم ولو بالاستعانة بالأجنبي، ويجعلهم لا يفكرون برفع الأمة إلاّ نفاقاً وبأساليب تبعد الأمة عن الرقي، وتجعلها دائماً في حالة ضعيفة حتى يظلوا مسيطرين عليها.
إن هذه الحالة من الانفصال بين الأمة والدولة هي نتيجة عدم قيام الأمة بما فرضه الله عليها من محاسبة الحكام، وعدم شعورها بأنها هي مصدر السلطان، فلو كانت تشعر بأنها مصدر السلطان وتقوم بما فرضه الله عليها من محاسبة الحكام، لما تولاها حاكم خائن عدو لها، ولما كان بينها وبين الحكام هذا الانفصال ولما كانت في هذا الضعف، في هذا التفكك، في هذا التأخر، ولما ظلت تحت نفوذ الكفار فعلاً وإن كان الذي يحكمها حكماً مباشراً مسلماً من أبناء المسلمين. لذلك كان لا بد للامة حتى تكون كياناً واحداً هي والحكام وفئة واحدة هي والدولة أن تقوم بواجب محاسبة الحكام، وأن تقول كلمة الحق في وجه الحكام، وأن تعمل بقوة وبجد للتغيير على الحكام أو تغييرهم، وما لم تبادر إلى ذلك فإنها ولا شك ستظل تنحدر بسرعة فائقة هذا الانحدار الذي نراه حتى تفنى أو تشرف على الفناء.
إن الإسلام جعل محاسبة الحكام فرضاً على المسلمين، وأمرهم بمحاسبة الحكام وبقول الحق أينما كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم. أما قول الحق والجهر به فإن المسلمين في بيعة العقبة الثانية حين بايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم قد بايعوه على قول الحق فقد قالوا في نص البيعة ما نصه " وأن نقول الحق أينما كان لا نخاف في الله لومة لائم " وأما محاسبة الحكام وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر فإنه بالرغم من أنها داخلة في آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد جاءت نصوص صريحة بالأمر بمحاسبة الحكام، فعن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ". وعن أبي أمامة قال: " عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل عند الجمرة الأولى فقال: يا رسول الله أي الجهاد أفضل ؟ فسكت عنه، فلما رمى الجمرة الثانية سأله، فسكت عنه، فلما رمى جمرة العقبة ووضع رجله في الغرز ليركب قال: أين السائل ؟ فقال: أنا يا رسول الله، قال: " كلمة حق تقال عند سلطان جائر " فهذا نص في الحاكم ووجوب قول الحق عنده، ووجوب محاسبته، وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على مكافحة الحكام الظلمة مهما حصل في سبيل ذلك من أذى حتى لو أدى إلى القتل. فقد رُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله " وهذا من أبلغ الصيغ في التعبير عن الحث على تحمل الأذى حتى الموت في سبيل محاسبة الحكام، وكفاح الحكام الظلمة.
إن كفاح ظلم الحكام الذي نراه اليوم، ومحاسبة هؤلاء الحكام على أعمالهم كلها، وعلى خياناتهم وتآمرهم على الأمة فرض فرضه الله علينا معشر المسلمين. والقيام بهذا الفرض هو الذي يزيل الفواصل الموجودة بين الأمة والحكام. وهو الذي يجعل الأمة والحكام كلها فئة واحدة وكتلة واحدة، وهو الذي يضمن التغيير على الحكام، ويضمن كذلك تغييرهم إن لم يكن التغيير عليهم. وهو أول طريق النهضة، فالنهضة لا يمكن أن تتأتى إلاّ عن طريق الحكم حين يقام على عقيدة الإسلام، ولا سبيل إلى ذلك إلاّ بإيجاد الحكم على العقيدة الإسلامية، وإيجاد الحكم على هذا الأساس، ولا سبيل إلى ذلك إلاّ بكفاح الحكام الظلمة وبمحاسبة الحكام.
فهذه المسؤوليات الواجبة على الحاكم تبين أن الشارع حدد المسؤوليات العامة أوضح تحديد، وهذه المسؤوليات على الحاكم من حيث هو حاكم بغض النظر عن كونه خليفة أو معاوناً له، والياً أو عاملاً، فكلهم حاكم، ومقيد بهذه المسؤوليات، وذلك لأنها إذا كانت هذه مسؤوليات الولاة والأمراء وغيرهم من الحكام فإنها مسؤوليات الخليفة، لأنها كانت واجباً على الأمير فعلى من يحمل تبعة عامة من باب أولى.
فقول الرسول: " ما من عبد استرعاه الله رعية " وقوله: " من ولي من أمر أمتي شيئاً " وقوله: " أعظم غدراً من أمير عامة " وقول الله تعالى:( ومن لم يحكم )¨ فكلها جاءت بلفظ عام يشمل الوالي ويشمل الخليفة. وخطاب الرسول خطاب لكل حاكم، خليفة كان أو والياً. على أن الرسول بين مسؤولية الخليفة عن رعيته نصاً في الحديث الذي بين فيه المسؤولية العامة بحقه.
روى البخاري عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عن رعيتها وعبد الرجل راعٍ على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته " فجعل الخليفة مسؤولاً مسؤولية عامة عن رعيته. وبهذا تكون المسؤوليات العامة على الحاكم، فهي على الخليفة كما هي على الأمير.
وهذه المسؤوليات العامة قد ضمن الشارع قيام الحاكم بأعبائها ضماناً تاماً بالتوجيه والتشريع، أما التوجيه فقد حذر الحاكم من عذاب الله إذا قصر بها ولم يقم بأعبائها، فبين أنها خزي وندامة يوم القيامة إذا أخذها الضعيف الذي لا يؤدي الذي عليه فيها، وطلب الرسول من الله أن يشق على من يشق على الأمة الإسلامية، وحرَّم الجنة على من لم يحط الأمة بنصيحة، إلى غير ذلك من التحذيرات التي تبين للحاكم عاقبة عدم قيامه بمسؤولياته، وهي عذاب من الله، ولكن الشرع لم يكتف بذلك بل جعل الأمة قوامة على قيام الحاكم بمسؤولياته، وأمرها بمقاتلته بالسيف إذا حكم بغير الإسلام وصار الكفر بواحاً. وجعل من يقتل في سبيل الإنكار عن الحاكم سيد الشهداء قال عليه الصلاة والسلام: " سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله " وجعل من يرضى بتقصير الحاكم ويتابعه مسؤولاً أمام الله لا يسلم من عقوبته. روى مسلم عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع، قالوا أفلا نقاتلهم قال: لا، ما صلوا " وفي رواية أخرى " فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع " وهذه الرواية تفسر الأولى فقوله فمن عرف برئ، قال النووي في شرح هذا الحديث " معناه والله أعلم: فمن عرف المنكر ولم يشتبه عليه فقد صارت طريق إلى البراءة من إثمه وعقوبته بأن يغيره بيده أو بلسانه فإن عجز فليكرهه بقبله وقوله من أنكر سلم. أي ومن لم يقدر على تغييره بيده. ولسانه فأنكر ذلك بقلبه وكرهه سلم، من مشاركتهم في إثمه. ولكن من رضي وتابع أي رضي بفعلهم بقلبه وتابعهم عليه في العمل لم يبرأ ولم يسلم ".
في هذا الحديث أمر الرسول بالإنكار على الحاكم وأوجب هذا الإنكار بأي وسيلة مستطاعة باليد على أن تكون دون القتال أي دون السيف، وباللسان مطلقاً أي بأي قول من الأقوال، أو بالقلب إذا عجز عن اليد واللسان، وقد اعتبر من لم ينكر شريكاً للحاكم في الإثم، إذ قال فمن رضى بما عملوه وتابع على ذلك فلا يبرأ ولا يسلم من الإثم، إلاّ أن هذا الإنكار إنما يكون إذا أساءوا ولكنهم يحكمون بالإسلام، فإذا ما خرجوا عن تطبيق الإسلام وطبقوا أحكام الكفر فإن الشرع لم يكتفِ بالإنكار باليد واللسان والقلب بل جعل طريقة التغيير عليهم أو تغييرهم هي السيف والقتال، ففي حديث أم سلمة الذي رواه مسلم " قالوا أفلا نقاتلهم قال: لا، ما صلوا " وفي رواية " ألا نقاتلهم يا رسول الله قال: لا، ما صلوا " وفي حديث عن عوف بن مالك الذي رواه مسلم " قيل يا رسول الله أفلا نقاتلهم بالسيف فقال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة " وفي رواية قالوا: " قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة ". وفي البخاري عن عبادة بن الصامت قال: " دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه فقال: فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة عليه وأن لا ننازع الأمر أهله قال: إلاّ أن تروا كفراً بَواحاً عندكم من الله فيه برهان " فمفهوم هذه الأحاديث هو أن ننازع الأمر أهله إذا رأينا كفراً بَواحاً، وأن ننابذهم بالسيف ونقاتلهم إذا لم يقيموا الصلاة. وهذا بالنسبة للحاكم كناية عن الحكم بالإسلام، أي ما داموا يحكمون بالإسلام فلا قتال ولا منابذة ولا منازعة، فإن حكموا بغير الإسلام وجب حينئذ قتالهم ومنابذتهم ومنازعتهم. وهكذا يكون الإسلام قد ضمن ضماناً تاماً القيام بالمسؤوليات العامة.
المسؤوليات العامة
حدد الشارع المسؤوليات العامة على الحاكم تحديداً واضحاً لا يدع أي مجال للبس أو إبهام. فقد بيَّن مسؤولية الحاكم بالنسبة لما يجب أن يكون عليه في خاصة نفسه بوصفه حاكماً، وبيَّن مسؤوليته بالنسبة لعلاقته بالرعية.
أما مسؤولية الحاكم بالنسبة لما يجب أن يكون عليه بوصفه حاكماً فظاهرة في الأحاديث التي بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم فيها بعض صفات الحاكم، ومن أبرزها القوة والتقوى والرفق بالرعية وأن لا يكون منفراً، فالرسول صلى الله عليه وسلم يرى أنه يجب أن يكون الحاكم قوياً وأن الضعيف لا يصلح أن يكون حاكماً. روى مسلم عن أبي ذر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: " يا أبا ذر أراك ضعيفاً وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرَّن على اثنين ولا تولين مال يتيم " وعن أبي ذر أيضاً قال: " قلت يا رسول الله ألا تستعملني ؟ قال: فضرب بيده على منكبي " ثم قال: " يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلاّ من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها " والمراد بالقوة هنا قوة الشخصية أي قوة العقلية وقوة النفسية.
فلا بد من أن تكون عقليته عقلية حكم يدرك بها الأمور والعلاقات، وأن تكون نفسيته نفسية حاكم يدرك أنه أمير ويصرف ميوله تصرف أمير. ولما كانت قوة الشخصية فيها قابلية للسيطرة والتحكم كان لا بد من أن تكون للحاكم صفة تقيه شر التحكم، فكان لا بد من أن يكون متصفاً بالتقوى في خاصة نفسه وفي رعايته للأمة. عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمَّر أميراً على جيش أو سريه أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً ". والحاكم إذا إتقى الله وخافه وراقبه بالسر والعلن كان ذلك زاجراً له عن الاستبداد بالرعية، ولكن التقوى لا تمنعه من الغلظة والشدة لأنه في مراقبته لله يلتزم بأوامره ونواهيه. ولما كان حاكماً كان من طبيعة عمله أن يكون شديداً قاسياً، ومن أجل ذلك أمره الشارع أن يكون رقيقاً وأن لا يشق على الرعية، فعن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بيتي هذا: " اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فشق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به " وأمره كذلك أن يكون مبشراً وأن لا يكون منفراً، فعن أبي موسى قال: " بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا ".
هذا بالنسبة لما يجب أن يكون عليه الحاكم في خاصته. أما بالنسبة لعلاقته بالرعية فقد أمره الشارع بإحاطة الرعية بالنصيحة وحذَّره من مس الأموال العامة بشيء، فأمره بأن يحكمهم بالإسلام وحده دون أن يكون معه أي شيء، فقد حرَّم الله الجنة على الحاكم الذي لا يحيط رعيته بنصح، أو يغشها بشيء، عن معقل بن يسار قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " ما من عبد استرعاه الله رعية لم يحطها بنصيحة إلاّ لم يجد رائحة الجنة " وعن معقل بن يسار أيضاً قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما من والٍ يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلاّ حرَّم الله عليه الجنة " وروى مسلم عن معقل قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلاّ لم يدخل الجنة معهم ". وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع بقدر غدره، ألا ولا غادر أعظم من أمير عامة ". فبذل الجهد في سبيل الرعية وإحاطتها بالنصيحة قد شدد عليه الرسول تشديداً واضحاً مما يبين عظم المسؤولية فيه.
أما عدم مس الأموال العامة فقد حذر منه وشدد في هذا التحذير، وحين رآه من والٍ من ولاته عنفه وخطب الناس في شأنه. عن أبي حميد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل ابن اللُّتبيَّة على صدقات بني سليم فلما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاسبه قال: هذا الذي لكم وهذه هدية أهديت إلي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فهلا جلست في بيت أبيك وبيت أمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقاً " ؟ ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب الناس وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أمّا بعد فإني أستعمل رجالاً منكم على أمور مما ولاني الله فيأتي أحدكم فيقول هذا لكم وهذه هدية أهديت إلي، فهلا جلس في بيت أبيه وبيت أمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً ؟ فوا لله لا يأخذ أحدكم شيئاً بغير حقه إلاّ جاء يحمله يوم القيامة " وهذه كناية عن محاسبة الله له ومعاقبته على عمله. وهذا تحذير شديد من أن يمسَّ الحاكم الأموال العامة ولا بأي وجه من الوجوه ولا تحت التأويل والفتوى.
وأما بالنسبة للأحكام التي يجب أن يحكم بها الحاكم فقد حددها الشارع له فألزمه أن يحكم بكتاب الله وسنة رسوله، وجعل له حق الاجتهاد فيهما ونهاه عن أن يتطلع لغير الإسلام، أو أن يأخذ من غير الإسلام شيئاً مطلقاً. أما تحديد الحكم بالكتاب والسنة فواضح من آيات القرآن، قال تعالى:( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون )، وقال تعالى:( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون)، وقال: ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك الظالمون )¨ وهذا يعني حصر الحكم بما أنزل الله. والذي أنزل الله على رسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم القرآن لفظاً ومعنىً، والسنة معنى لا لفظاً.
فيكون الحاكم مقيداً في حكمه بحدود الكتاب والسنة، وقد أجاز الشارع الاجتهاد في الكتاب والسنة، أي بذل الوسع في فهمهما واستنباط الأحكام منهما. فقد روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل معاذاً إلى اليمن فقال له: " بم تحكم ؟ قال بكتاب الله، قال: فإن لم تجد ؟ قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد ؟ قال: أجتهد رأيي، قال: الحمد الله الذي وفق رسول رسول الله لما يحبه الله ورسوله " وقد جعل للحاكم أجراً إذا أخطأ بالاجتهاد، وبذلك يشجع الحاكم على الاجتهاد، ويبعد عن الجمود عند ظاهر النصوص، فقد روى البخاري عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر " وقد بالغ الشرع في تحديد الأحكام التي يحكم بها الحاكم بأنها الإسلام ليس غير، ومع كونه جعل للحاكم حق الاجتهاد ولو أخطأ، فإنه شدد في حصر الحكم بالإسلام، ونهى عن أن يحكم بغيره، بل عن أن يسأل عن حكم من غير الإسلام، أو أن يشرك مع الإسلام ما ليس منه. قال تعالى مخاطباً الرسول صلى الله عليه وسلم: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك)¨، وقال:( فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق )¨ وخطاب الرسول خطاب لأمته، فهو خطاب لكل حاكم. وروى مسلم عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ومن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " وفي رواية أخرى عنها " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " وروى البخاري عن عبيد الله عن عبد الله أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كيف تسألون أهل الكتاب من شرعهم وكتابكم الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدث، تقرأونه محضاً لم يُشَب وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيدهم الكتاب، وقالوا: " هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم ". وبهذا يظهر تحديد ما يجب أن يحكم به، وحصرت مسؤولية في الأحكام بالحكم بما أنزل الله.