أسس النهضة الراشدة
أحمد القصص
**من منشورات
رابطة الوعي الثقافية
طرابلس - لبنان
الطبعة الأولى
1416هـ - 1995م
دار الأمة للطباعة والنشر والتوزيع
ص.ب: 135190
بيروت - لبنان**
أسس النهضة الراشدة
أحمد القصص
**من منشورات
رابطة الوعي الثقافية
طرابلس - لبنان
الطبعة الأولى
1416هـ - 1995م
دار الأمة للطباعة والنشر والتوزيع
ص.ب: 135190
بيروت - لبنان**
قام هؤلاء الدعاة ليواجهوا كل فكر دخيل، وكل ثقافة وافدة، وكل توجّهٍ مغاير للإسلام، فهم يفهمون حق الفهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد”( 27). ففي الوقت الذي يؤلف فيه المؤلفون الكتب لينسبوا الاشتراكية والديمقراطية والقومية والوطنية والحريات للإسلام، قام المبدئيون ليثبتوا فساد الاشتراكية وأنها كفر، وليقفوا في وجه دعاتها وليسقطوا هيبتهم من أعين الناس، وليبينّوا عفن الديمقراطية وأنها رجس وأنها تتناقض مع الإسلام من حيث الأساس والتفاصيل، وليكشفوا عوار القومية وأنها انحطاط وارتكاس ونتانة، وليظهروا تفاهة الوطنية ومصطنعيها، وليوضّحوا أن الحريات هي تفلّت من أحكام الشرع وهي من الحضارة الغربية وليس من الإسلام في شيء، وأنها عار على أمة تحمل عقيدة كالعقيدة الإسلامية، قاموا ليعلنوا البراءة الكاملة من أنظمة البشر الوضعية، والمفاصلة الشاملة بين الإسلام وغيره، وليظهروا فساد الأنظمة والقوانين التي تُرعى بها شؤون الأمة، متمثلين قوله : “يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين”(28 ).
لقد حتم المبدأ على حَمَلَة الإسلام أن يتحروا النقاء والصفاء في أفكارهم وثقافتهم التي يحملونها دعوة إلى الناس. فكان لزاماً على الدعاة المبدئيين، وهم يحملون الدعوة إلى الإسلام وأنظمته وأحكامه، أن ينقّوا عقائدهم من أي لوث أو دخل علق بها منذ قديم التاريخ الإسلامي وإلى عصرنا هذا. وكان لزاماً عليهم أن يبحثوا عن المصدر النقي الصافي للأحكام الشرعية، وهو القرآن والسنة وما أرشدا إليه “قطعاً” من أدلة التشريع. وكان لزاماً عليهم أن يعتمدوا القواعد التشريعية التي دل عليها الدليل الشرعي باستدلال صحيح، وأن يتحروا الأحكام المستندة إلى الدليل الأقوى، وأن تكون قوة الدليل هي المقياس حين المفاضلة بين اجتهاد وآخر، وبين رأي وآخر، بصرف النظر عما يوافق نظام العصر وواقع القرن العشرين وعلاقات المجتمع الرأسمالي. فليس الواقع مصدراً للمعالجات، وليست المصلحة دليلاً على الأحكام، وليست حضارة القرن العشرين “الحضارة الغربية” حكَماً على الإسلام وأحكامه. ولا يجوز على المبدأ أن يتكيف مع الواقع الفاسد والمجتمع المنحط والعلاقات الرأسمالية. بل إن على الواقع أن يتغير ليوافق المبدأ، أي ليوافق الإسلام، وعلى الدعاة تقع مسؤولية تغيير المجتمع ليصبح مجتمعاً إسلامياً، وذلك عن طريق توجيه الضربات الفكرية والإعلامية ضد علاقاته الفاسدة وما يتحكم بها من أفكار خاطئة ومشاعر زائفة وأنظمة بالية. وهذا لا يتأتى إلا بالثبات على المبدأ بعقائده وأفكاره وأحكامه ومعالجاته، دون حيد قيد شعرة عنها، ولنتذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا إن رَحَا الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان، فلا تفارقوا الكتاب"( 29).
فحين يُسأل الدعاة عن نظام الحكم في الإسلام، فواجبهم أن يقولوا هو نظام الخلافة الذي توكِل فيه الأمة رعاية شؤونها عن طريق البيعة، رجلاً تفوضه السلطة الكاملة، ليحكمها بما أنزل الله، وليكون مسؤولاً أمام الله في الآخرة، وأمام الرعية في الدنيا عما يمارسه من رعاية الشؤون. وواجبهم أن يفصّلوا شكل نظام الحكم كما دلت عليه الأدلة الشرعية وكما مارسه رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون من بعده، وكما وردت أحكامه في الكتب الفقهية المعتبرة. لا أن يتوسلوا النظم المعاصرة ليبحثوا عن أقربها إلى “روح الإسلام” فيَسِموا بها الإسلام زوراً وبهتاناً، فيقولوا: نظام الحكم في الإسلام ديمقراطي أو جمهوري أو برلماني أو غير ذلك.
وعليهم حين يُسألون عن نظام الاقتصاد في الإسلام أن يجيبوا بما دلت عليه مجموعة الأحكام الشرعية المتعلقة بالاقتصاد والمال التي استقرت في كتب الفقه سواء أكانت من أحكام المعاملات الفردية، أم من الأحكام المنوطة بالدولة. ولا ضير في ترتيب هذه الأحكام وتبويبها على نحو يسهّل الرجوع إليها ويؤهلها لمواجهة الأنظمة الوضعية المعاصرة. ولكن لا يجوز أن يقال، حين تروج أفكار الاقتصاد الحر: إن الإسلام أقرب ما يكون في نظامه الاقتصادي إلى النظام الحر. أو أن يقال، حين تروج الدعوة إلى الأفكار الاشتراكية: إن الإسلام ينزع في تشريعه الاقتصادي نزعة اشتراكية. أو أن يقال: إن الإسلام جمع بين مزايا النظامين الحر والاشتراكي.
إن المبدأ يملي على حَمَلَته، أن يؤكدوا براءة الإسلام من كل نظام، وأن يبرهنوا على تميزه عن كل ما سواه من المبادىء والمذاهب والأنظمة، سواء من حيث الأساس الذي يقوم عليه، أو من حيث مصدره الذي نجم عنه، أو من حيث مضمونه الذي تجلى نظاماً للحياة والمجتمع والدولة.
أما من حيث الأساس، فأساس نظام الإسلام هو العقيدة الإسلامية، عقيدة “لا إله إلا الله محمد رسول الله”. بينما أساس النظام الرأسمالي عقيدة “فصل الدين عن الحياة”. وأساس النظام الاشتراكي الشيوعي عقيدة “لا إله والحياة مادة”. وأما من حيث المصدر، فمصدر نظام الإسلام الوحي الذي أُنزِل على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم { ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتّبِعها ولا تَتّبِع أهواء الذين لا يعلمون }( 30)، بينما مصدر الأنظمة الوضعية عقول البشر وأهواؤهم وعبقرياتهم. وأما من حيث المضمون، فإن كتب الفقه الإسلامي وتاريخ المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية، لأدلة حية دامغة على أن للإسلام كياناً حضارياً وتشريعياً ونمطاً من العيش لا يمت بصلة إلى أي حضارة من الحضارات ولا أي تشريع من التشريعات، وأنه بريء من كل ما سواه براءة لم يعرف تاريخ الحضارات لها مثيلاً.
وهكذا، على حَمَلَة الدعوة أن يأخذوا بقوة، بكل فكرة إسلامية، وبكل معالجة وكل حكم يعطيه الإسلام. فليسوا مطالبين بتبرير حكم “الجهاد”، وليسوا مجبرين على تبرير “تعدد الزوجات”، ولا حكم “الطلاق”، ولا “قطع يد السارق” ولا غيرها، بل عليهم الافتخار بأنهم يحملون أعظم نظام عرفه البشر، إنه شريعة الله المهداة رحمة للعالمين.
ولا يجوز للدعاة أن يبحثوا عما يوافق الواقع من أحكام فيأخذونها ولو كانت اجتهاداً ضعيفاً أو كانت مستندة إلى أدلة ضعيفة. ولا يجوز أن يأولوا الحكام والنصوص الشرعية لتوافق “روح العصر” الذي هو النمط الحضاري الغربي. ولا يجوز التنازل عن بعض الأحكام وتعديلها أو إخفاؤها، استرضاء للسلاطين واتقاءً لشرهم وطمعاً ببعض ما عندهم. بل الدعوة موقف ثابت، وكلمة حق ينال بها الدعاة شرف الدنيا والآخرة بإذن ربهم.
صحيح أن هؤلاء المتكلمين كان تأثرهم الأساسي هو بالقرآن، وأساسهم الذي يبنون عليه بحثهم هو القرآن، إلا أنهم - وقد تعلموا الفلسفة للدفاع عن القرآن وتسلحوا بها ضد خصومهم - صار لهم منهج خاص في البحث والتفكير، يخالف منهج القرآن والحديث وأقوال الصحابة ويخالف في الوقت نفسه منهج الفلاسفة اليونانيين في بحثم وتقريرهم وتدليلهم(6 ).
حين ظهر علم الكلام على الساحة الثقافية الإسلامية لاقى مواجهة عنيفة من علماء المسلمين وفقهائهم. إذ إنه أدخل طريقة في البحث غريبة عن الحس الإسلامي ومخالفة كما أسلفنا لمنهج القرآن والسنة في بحث العقائد. لذلك عارض معظم الفقهاء علم الكلام وكان حكمهم في المتكلمين شديداً. من ذلك ما قاله الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه:" حكمي في علماء الكلام أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في القبائل والعشائر ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في علم الكلام"(7 ). وقال الإمام ابن عبد البر:“أجمع أهل الفقه والآثار في جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ ولا يعدون عند الجميع، في جميع الأمصار في طبقات العلماء. وإنما العلماء أهل الأثر والفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم”(8 ).
إلا أنه مع مرور الزمن بدأ علم الكلام ينتشر بشكل واضح ويلقى قبولاً لدى معظم العلماء، حتى أصبحت عبارة “علم الكلام” مرادفة لعبارة “علم التوحيد” أو “أصول الدين”، بل إن كثيراً ممن بقوا ينكرون على المتكلمين وعلم الكلام انزلقوا إلى الخوض في مسائله ووفق منهجه دون أن يفطنوا إلى ما وقعوا فيه. وكان من أسوأ آثاره أنه اندمج مع علم أصول الفقه على نحو شوّه ذلك العلم الذي هو من أجلّ العلوم.
ولعل ظهور “علم الكلام” والمتكلمين كان باكورة التأثر الفعلي لدى المسلمين بسائر الثقافات والحضارات. وقد توالت بعد ذلك موجات التأثير التي أصابت البنيان الفكري للأمة الإسلامية.
فبعد ظهور علم الكلام والمتكلمين وانتشار المؤلفات الفلسفية وترجماتها، أصبح الاطّلاع على الفلسفة اليونانية وغيرها، من الأمور المتيسرة في بلاد المسلمين، مما أدى إلى ظهور من عرفوا “بالفلاسفة المسلمين” الذين لم يقتصر عملهم على الاطلاع على بعض جوانب الأبحاث الفلسفية والرد عليها، بل تخطوا ذلك إلى دراسة الفلسفة دراسة كاملة والسير على منهجها بشكل كامل. ومن أشهر هؤلاء “الكندي” المتوفى سنة 260 هـ، ثم جاء بعده “الفارابي” و"ابن سينا" و"جابر بن حيان" وغيرهم.
وقد أخطأ كثيراً من عدّ فلسفة هؤلاء “فلسفة إسلامية”، ذلك أنها لا تمتّ إلى الإسلام بصلة، بل هي تتناقض مع الإسلام تناقضاً تاماً، سواء من حيث الأساس أو من حيث كثير من التفاصيل. أما من حيث الأساس فإن هذه الفلسفة تبحث في ما وراء الكون، أي في الوجود المطلق، بخلاف الإسلام فإنه إنما يبحث في الكون وفي المحسوسات فحسب، فيقول تعالى:{ إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل النهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون }( )، ويمنع البحث في ذات الله، وفيما وراء الكون، ويأمر بالتسليم به تسليماً مطلقاً، والوقوف عند حد ما يأمر بالإيمان به من دون زيادة، ودون أن يسمح للعقل في محاولة بحثه. وأما من حيث التفاصيل فإن في هذه الفلسفة أبحاثاً كثيرة يعتبرها الإسلام كفراً، ففيها أبحاث تقول بقدم العالم وأنه أزلي، وأبحاث تقول إن نعيم الجنة روحاني وليس مادياً، وأبحاث تقول إن الله يجهل الجزئيات، وغير ذلك مما هو كفر صراح قطعاً في نظر الإسلام( 9).
إلا أن الجدير ذكره، هو أن هؤلاء الفلاسفة لم يبلغوا أن يكونوا جماعات أو مذاهب، ولم يتبعهم جمهور من المسلمين، أي أنهم لم يكونوا يعبّرون عن الرأي العام الإسلامي، ولا حتى عن قسم منه. لذلك ليس من الصواب أخذ أبحاثهم بعين الاعتبار حين دراسة الثقافة السائدة في الأمة الإسلامية آنذاك. فليس كل من كتب كتاباً أو صنّف مصنفاً يشكل تياراً فكرياً في المجتمع، فإنه لا تكون له تلك الأهمية إلا أن تنتشر أفكاره لدى جمهور من الناس. بل إننا نرى هؤلاء الفلاسفة منبوذين من قبل الرأي العام الذي كان ينظر بعين الريبة، بل والسخط، إلى أبحاثهم وانحرافاتهم الفكرية، ولاسيما أن الرأي العام كان يستلهم معظم مواقفه من آراء المجتهدين والفقهاء الذين وقفوا بالمرصاد أمام تلك الانحرافات الفكرية. ويمكننا القول إن هؤلاء الفلاسفة لم يحظوا طوال التاريخ بالأهمية التي حظوا بها في التاريخ الحديث والمعاصر. وربما ذاع صيتهم في البلاد الغربية قبل الإسلامية في التاريخ المعاصر، نتيجة حركة الاستشراق التي توجهت دائماً نحو الإعلاء من شأن الفرق الضالة والمبتدعة أمثال القرامطة وغيرها من الفرق الباطنية، وكذلك الإعلاء من شأن الفلاسفة أمثال ابن سينا والفارابي والكندي وابن حيان وابن رشد. وحاول هؤلاء المستشرقون دائماً إظهار هؤلاء الفلاسفة في صورة المفكرين المتنورين والعباقرة المبدعين الذين انتفضوا على جمود العصور الوسطى وتخلفها وتزمتها، والذين كانوا ضحية الفقهاء والرجعيين من رجالات الدولة وحكامها. تماماً كما كانوا يصورون مفكري عصر النهضة الأوربية أو الفلاسفة المتنورين الذين انتفضوا في وجه الاستبداد الديني والظلم والتعسف الذي مارسه رجال الدين والكنيسة المتحكمون بالمجتمع وثقافته.
محتويات الكتاب
04…الـمـقـدمة
06…القسم الأول : فلسفة النهضة
07… المؤرخون وفلسفة النهضة.
08… فلسفة النهضة في الفكر الغربي المعاصر.
10… سر النهضة.
11… النهضة الصحيحة والنهضة الخاطئة.
12…بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية.
16…القسم الثاني : الحضارة الإسلامية
17… الحضارة.
19… الإسلام المبدأ.
21… “لا إله إلا الله محمد رسول الله” القاعدة الفكرية للمسلمين.
23… الإسلام نظام الحياة والمجتمع والدولة.
25… السعادة: نيل رضوان الله تعالى.
27…الروح والناحية الروحية.
31… نهضة الأمة الإسلامية بالوحي.
35… براءة الحضارة الإسلامية من سائر الحضارات.
36… القسم الثالث : المجتمع الإسلامي
37… المجتمع ونهضته.
38… منهج الرسول صلى الله عليه وسلّم في تغيير المجتمع.
41… المجتمع الإسلامي والاحتكاك الحضاري والفكري.
50… دعاة التغيير: بين المبدئية والواقعية.
56…المصادر والمراجع
**الـقسم الثاني
ألْحَضارَة ألإسْلامِيَة**
قال تعالى:
أَلَمْ تَرَ كَيفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا في السّماء * تُؤتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذنِ رَبِّها، وَيَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُم يَتَذَكَّرون * ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثّتْ مِنْ فَوقِ الأرضِ مَا لَهَا مِن قَرَار * يُثَبِّتُ اللهُ الّذِينَ ءامَنُوا بالقَولِ الثَّابِتِ في الحياةِ الدُّنيا وفي الآخِرةِ، وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ، ويَفْعَلُ اللهُ ما يَشَاء.
إبراهيم 24-27
الحـضــارة
إن كلمتي الحضارة و المدنية هما من أكثر المصطلحات شيوعاً في أيامنا هذه. ويجدر بنا - ونحن نبحث في موضوع الحضارات عموماً والحضارة الإسلامية خصوصاً - أن نقف عند مدلول هاتين الكلمتين، ولا سيما الكلمة الأولى: الحضارة، حتى يدرك القارئ ما نرمي إليه من معنى عند إيراد تلك الكلمة. صحيح كما يقال أن لا مشاحة في الاصطلاح، إلا أن ضبط الاصطلاح وتحديد مدلوله حين استخدامه أمر في غاية الأهمية، وذلك حتى لا تلتبس المعاني على السامع أو القارئ.
إن معنى كلمة الحضارة في اللغة هو كما ورد في لسان العرب: “الإقامة في الحَضَر (…) والحَضَر والحَضْرَة والحاضِرة : خلاف البادية، وهي المدن والقرى والريف”. إذن، فحين تذكر الحضارة في اللغة فإنه يقصد بها ما هو عكس البداوة، أي سكن المدن والقرى. إلا أن هذا المعنى اللغوي للعبارة ليس هو المقصود حين الكلام عن الحضارة في النصوص الفكرية والتاريخية والسياسية المعاصرة. إذ أصبح لكلمة الحضارة مدلول اصطلاحي جديد مختلف عن المدلول اللغوي الأصلي.
ونشأة هذا الاصطلاح تعود في الواقع إلى الدراسات الأوربيّة، وذلـك حـيـن درج الغربيون على استـخـدام كـلـمــة “Civilisation” -وترجمتها إلى العربية الحضارة أو المدنية - للتعبير بها عن التطور المادي والصناعي والعمراني الذي أخذ يطّرد بسرعة خلال العصور الحديثة التي تلت القرن الخامس عشر الميلادي والتي سميت بعصور النهضة. إلا أن تلك العبارة تحولت مع مرور الوقت عن ذلك المدلول لتأخذ مدلولاً آخر جديداً. فقد أصبحت تطلق على ما يملكه شعب ما أو مجتمع ما أو أمة من الأمم من تراث وخصائص وإبداعات يتميز بها عن غيره من المجتمعات. فأصبح المؤرخون والمفكرون والكتّاب يتكلمون عن حضارات عديدة سالفة ومعاصرة. كالحضارة المصرية القديمة والحضارة اليونانية والحضارة السومرية والرومانية والفارسية والصينية والهندية وحضارة أوربّا العصور الوسطى والحضارة الإسلامية وأخيراً الحضارة الغربية المعاصرة والحضارة الشيوعية وما شاكل ذلك.
وقد نقل هذا الاصطلاح الغربي إلى اللغة العربية باستخدام عبارتين هما الحضارة و المدنية. فأصبحت هاتان الكلمتان تستخدمان للدلالة على ذلك المعنى الاصطلاحي الجديد.
إلا أن المشكلة في هذا الاصطلاح، هي أن معظم الذين يستخدمونه يُدخلون في مدلوله كل ما يملكه مجتمعٌ ما أو يرثه أو يبدعه من أفكار وتشريعات وفنون وإنجازات علمية ومادية وغيرها، بصرف النظر عما هو من مميزات ذلك المجتمع وما ليس من مميزاته، من ذلك التراث وتلك الإنجازات والإبداعات التي يملكها.
مع أننا حين نتكلم عن حضارة مجتمع من المجتمعات، فإننا نتكلم عن طريقة العيش التي تميز ذلك المجتمع عن سائر المجتمعات. وواضح للعيان تاريخاً وحاضراً أن لكل مجتمع طريقة في العيش تميزه عن سائر المجتمعات تجعل منه جماعة بشرية ذات شخصية معينة ولون متميز وهوية خاصة، هذه الطريقة في العيش التي تميز مجتمعاً عن آخر هي ما يعبر عنه باصطلاح الحضارة.
لذلك يجب أن يلحظ حين استخدام ذلك الاصطلاح وتعريف مدلوله أن لا يدخل ضمنه إلا ما هو من مقومات شخصية المجتمع التي تجعل منه مجتمعاً معيناً يختلف عن غيره من المجتمعات في طريقة عيشه، فلا تدخل الأشكال والوسائل المادية التي يستخدمها المجتمع في شؤون الحياة والتي لا يتميز بها عن غيره من المجتمعات. فالمصانع والسيارات والطائرات وسائر الإنجازات المادية التي تنتجها أمة من الأمم ليست هي التي تميزها عن غيرها من المجتمعات وليست هي التي تعطيها هويتها. فهذه أشكال ووسائل “حيادية”، وعامة لكل البشر والمجتمعات. فإننا نجد أن المجتمعات التي تتمسك بحضارتها وطريقة عيشها تقف بالمرصاد أمام كل وافد من الأفكار والأنظمة ووجهات النظر في الحياة، إلا أنها تستفيد في الوقت نفسه مما ينتجه أي شعب أو مجتمع من الأشكال والوسائل المادية ما لم تكن تلك الأشكال والوسائل متعارضة مع حضارتها التي تصوغ مجتمعها وتميز حياتها. بل إنك تجد الدولة الراقية التي تتمسك بحضارتها وتفتخر بها حريصة على مواكبة كل ما يتم إنجازه في البلاد الأخرى من الاختراعات والمبتكرات الفنية والتقنية والعلمية، إذ هي من أسباب القوة التي تحرص الأمة الراقية على امتلاكها. لذلك فإننا لا نستغرب أن يعمل كل من الحلفين الشرقي والغربي إبان الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي، على مواكبة ما ينجزه عدوه من مبتكرات وصناعات، بل قد يصل بهما الأمر في بعض الأحيان إلى سرقة التصاميم والمخططات العلمية والصناعية والهندسية والعسكرية. وهذا يعني أن هذه الإنجازات والمبتكرات من الأشكال والوسائل المادية ليست هي التي تطبع المجتمع بطابعه الخاص وهويته المتميزة. أما حين يكون الأمر متعلقاً بالعقائد والإديولوجيا والدراسات السياسية وما شاكل ذلك فإنك تجد كلاً من الفريقين متأهباً دائماً للمواجهة، إما عن طريق ضرب جدار سميك يحول بين تلك الأفكار ووصولها إلى مجتمعه، وإما عن طريق الدعاوة المضادة حيث يجند جيشاً من المفكرين والكتاب والنقاد الذين يوسعون الأفكار الوافدة ضرباً ونقضاً وتشويهاً.
كل ذلك يحتم علينا أن نضبط المصطلح الدال على نمط العيش و هوية المجتمع، فنميز بينه وبين ما يدل على مجموعة الأشكال والوسائل المادية المحسوسة المستعملة في شؤون الحياة، والتي هي عامة لجميع الشعوب والمجتمعات. وبالتالي فإننا نخصص كلمة الحضارة للدلالة على ما يميز المجتمع فيجعل له طريقة خاصة في العيش، ونجعل كلمة المدنية دالة على الوسائل والأشكال المادية المستعملة في شؤون الحياة. وبالرجوع إلى واقع المجتمعات وما يجعلها مجتمعات ذات لون معين ونمط خاص في العيش، نجد أن مجموعة المفاهيم التي يعتنقها مجتمع ما عن الحياة هي التي تعطيه هويته وشخصيته وتجعل له طرازاً خاصاً في العيش. إذ إن تلك المفاهيم هي التي تكيف علاقات الناس فيما بينهم في المجتمع، وما المجتمع إلا ناس قامت بينهم علاقات دائمية، وطبيعة هذه العلاقات في المجتمع هي التي تعطيه هويته وشخصيته( ). وبناء عليه يمكن تعريف الحضارة بأنها “مجموعة المفاهيم عن الحياة”.
ونحن المسلمين أحوج ما نكون إلى ذلك التفريق بين الحضارة والمدنية. ذلك أن الإسلام جعل من الأمة الإسلامية أمة متميزة تحيا حياة ذات نمط خاص يتفرد كل التفرد عن سائر أنماط الحياة في المجتمعات البشرية. وما ذلك إلا لأن المجتمع الإسلامي قام على أساس عقيدة مصدرها الوحي الإلهي، انبثق عن هذه العقيدة نظام متماسك وانبنت عليها أفكار شاملة ونجمت عنها مشاعر، فصاغت علاقات الناس في المجتمع الإسلامي. فكانت الحضارة الإسلامية التي تجلت في ذلك المجتمع الإسلامي حضارة متفردة متميزة تتعالى كل التعالي على سائر الحضارات البشرية.
وإذا لم يكن ذلك المصطلح موجوداً في عصور النهضة الإسلامية، فإن المسلمين فرقوا عملياً بين ما يجوز لهم أخذه من الشعوب والأمم الأخرى من وسائل وأشكال، وما يحرم عليهم أخذه مما هو مفاهيم عن الحياة، من عقائد وفلسفات وتشريعات وأنظمة وغيرها.
أما في عصرنا هذا، فمع شيوع اصطلاح الحضارة ومقولات التفاعل الحضاري و التبادل الثقافي، وإزاء الغزو الحضاري والثقافي الوافد من الغرب إلى البلاد الإسلامية، فإنه لا بد من إعطاء رأي الإسلام بوضوح فيما يجوز قبوله وما لا يجوز قبوله، مما يفد إلينا من الأمم والشعوب والدول الأخرى.
فنقول، أما الحضارة فإنه لا يجوز أخذها من أي أمة من الأمم ولا من أي مجتمع من المجتمعات، ذلك أن حضارة المسلمين هي مجموعة المفاهيم الإسلامية عن الحياة، وهذه المفاهيم إمّا منبثقة من أفكار الإسلام أو مبنيّة عليها. وبما أن الإسلام هو دين الله الموحى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يقبل التداخل مع غيره من المذاهب والأنظمة والمبادئ، ويتسامى عن الاقتباس من أي حضارة أخرى. والناظر في التاريخ الإسلامي يلمس بجلاء أن الحضارة الإسلامية كانت بريئة من كل ما سواها من الحضارات الإنسانية. إذ لا يجوز للمسلمين أن يقتبسوا العقائد والفلسفات ولا الأنظمة والتشريعات. قال الله تعالى { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم }( 2)، وقال سبحانه : { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون }( 3)، وقال عز وجل: { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً }(4 ). وقال رسول الله r “إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة”( 5)، وقال عليه الصلاة والسلام : “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد”( 6)، وقال عليه الصلاة والسلام : “تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك”(7 )، وقال في معرض التبكيت والذم : " لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لاتـبـعتموهـم" قيل : " يا رسول الله، اليهود والنصارى ؟" قال : “فمن ؟!”( 8).
**وبناء عليه، لا يجوز أخذ الفلسفات والعقائد من الكفار لتبنيها والاستفادة منها،**وإن جازت دراستها للرد عليها ومجادلة أصحابها. ولا يجوز كذلك أخذ المبادئ من لبرالية وماركسية، ولا أخذ أنظمة الحكم من ديمقراطية وجمهورية وملكية ودكتاتورية وكنفدرالية وغيرها، ولا أخذ أنظمة الاقتصاد من رأسمالية واشتراكية وغيرها، ولا يجوز أخذ وجهات النظر عن الحياة كالحرية والإباحية والوجودية والارتقائية الماركسية أو الهيغلية أو غيرها. ذلك أن كل هذه هي مفاهيم عن الحياة والكون والإنسان أنتجتها عقول المشرعين الذين رسموا للناس حضارات تتنافى مع الحضارة التي يرضاها الله تعالى لعباده.
أما المدنيّة، وهي “مجموعة الأشكال والوسائل المادية المستخدمة في شؤون الحياة”، **فهذه يجوز أخذها والاستفادة منها، ما دامت غير ناجمة عن حضارة غير الحضارة الإسلامية، أو ما لم تكن متعارضة مع الحضارة الإسلامية.**فهي تكون في هذه الحالة نتاجاً بشرياً حيادياً غير معبر عن وجهة نظر ولا طريقة عيش ولا عن حضارة من الحضارات. وذلك كما أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم أسلوب حفر الخندق من الفرس حين أبلغه إياه سلمان الفارسي رضي الله عنه في غزوة الأحزاب، وكما أخذ عمر بن الخطاب أسلوب الدواوين من الفرس أيضاً، وهي شكل من أشكال المحاسبة المالية وإدارة الأعمال، وكما استفاد المسلمون على مر عصور نهضتهم من العلوم والإنجازات المادية التي أبدعتها الشعوب السالفة والمعاصرة لهم، إذ إن هذه الأشياء تنطبق عليها القاعدة الشرعية “الأصل في الأشياء الإباحة”. وبناء عليه يجوز للمسلمين اليوم أن يأخذوا أو يقتبسوا من أي شعب من الشعوب الإبداعات المادية من عسكرية ومدنية وصناعية وغيرها، كالطائرة والسيارة والآلة العسكرية ومعدات الطب والهندسة والمختبرات والنظريات العلمية. بل ربما وجب ذلك في بعض الأحيان، وذلك حين تكون تلك الوسائل من أسباب القوة لقوله تعالى : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة }( 9)، أو حين تكون تلك الأشكال والوسائل مما لا يتم الواجب إلا به. فإذا كان تصريف الأعمال في مؤسسات الدولة يقتضي العمل بأنظمة إدارة الأعمال وإدخال أجهزة “الكمبيوتر”، وإذا كانت رعاية شؤون الناس تقتضي من الدولة تنظيم السير والبناء والأسواق بأساليب حديثة، فلا بأس في استفادة تلك الأساليب من أي دولة من الدول. ذلك أن كل هذه الأشكال والوسائل المدنية لا ترتبط بحضارة من الحضارات.
أما إن كانت تلك الوسائل والأشكال ناجمة عن حضارة غير الإسلام ومتعارضة مع الحضارة الإسلامية، فإنها في هذه الحالة تأخذ حكم الحضارة، فلا يجوز للمسلمين أخذها والانتفاع بها. مثال ذلك أن صورة امرأة عارية هي في الغرب شكل مدني، ولكن هذا الشكل المدني يرتبط بالحضارة الغربية التي أنتجت الانحلال والفساد الخلقي باسم الحرية بجميع أشكالها. فهذا الشكل المدني مما لا يجوز للمسلمين أخذه لأنه يتعارض مع الإسلام وحضارته التي تعُدّ المرأة عرضاً يجب أن يصان. وكذلك مصانع الخمور وآلات قتل الذبائح المخالفة للطريقة الشرعية، وأسواق البورصة القائمة على العقود الربوية وما شاكلها. فهذه كلها أشكال ووسائل أنتجتها حضارة غير الحضارة الإسلامية، وتتعارض مع الإسلام فلا يجوز أخذها.
ويأخذ حكم الوسائل والأشكال المدنية، كل الفنون والأزياء، فإن كانت ترتبط بوجهة نظر أو حضارة أو دين غير الإسلام، فلا يجوز للمسلمين أخذها. فلا يجوز لهم ارتداء أزياء الرهبان والراهبات والكهّان ومن شاكلهم، إذ لا يجوز التشبه بالكفار.
وخلاصة الكلام، أن الحضارة هي “مجموعة المفاهيم عن الحياة” فلا يجوز للمسلمين أخذها أو أخذ شيء منها من غير الإسلام، لأن إسلامهم أعطاهم حضارة كاملة متميزة. وأما المدنية - وهي مجموعة الأشكال والوسائل المادية المستعملة في شؤون الحياة - فإنها عامة لجميع البشر والمجتمعات، ويجوز للمسلمين أخذها ما لم تتعارض مع الإسلام وحضارته.
(1) راجع في هذا الكتاب “المجتمع ونهضته”.
(2) سورة المائدة - الآية 16
(3) سورة الأعراف - الآية 3
(4)سورة المائدة - الآية 3
(5)رواه مسلم - كتاب الجمعة - الحديث 43
(6) رواه مسلم - كتاب الأقضية - الحديث 17
(7)رواه أحمد - 4/126
(8) رواه مسلم - كتاب العلم - الحديث 6
(9)سورة الأنفال - الآية 60
وبهذه القاعدة الفكرية، وما انبنى عليها من أفكار وأحكام وأنظمة، استطاعوا أن يحدثوا ذلك الانقلاب الشامل في جزيرة العرب لتتحول من الوثنية المنحطة إلى الإسلام الصرف النقي الصافي، الذي ودع عليه الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين قائلاً : "تركتكم على المَحَجَّة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك "( 13). وبها أيضاً انطلقوا خارج الجزيرة العربية فاتحين العالم، ليواجهوا أمماً تحمل في أذهانها وضمائرها ثقافات عريقة وحضارات مزدهرة، فما كان من هؤلاء إلا أن ألقوا سلاحهم وهجروا قواعدهم الفكرية مقبلين على عقيدة الإسلام التي انهارت أمامها كل الحضارات والثقافات، ولم يصمد أمام قوتها فكر ولا دين.
ذلك أن هؤلاء المسلمين الأوائل حين واجهوا الثقافات والحضارات الأخرى، عمدوا إلى قواعدها الفكرية فنسفوها من أساسها. وميزوا بين ما يتعارض مع قاعدتهم الفكرية من تلك المعارف فردّوه ورفضوه، بل ونفوه من أذهان أصحابه، وبين ما يتوافق معها من المعارف فأخذوه واستفادوا منه وأسهموا في إثرائه وإنمائه. فإنهم في الوقت الذي أخذوا فيه علوم الطب والفيزياء والكيمياء والهندسة والحساب والفلك وعلوم الإدارة والفنون العسكرية والحربية والملاحية وغيرها من العلوم والأشكال المدنية وجعلوها من أسباب قوتهم، لم يفكروا في اقتباس العقائد والأديان والأنظمة والتشريع والإديولوجيات. وإنه وإن وجد بعض الناس ممن تأثروا بالفلسفة اليونانية وعُرفوا زوراً باسم الفلاسفة المسلمين، أو ممن تأثروا بالفلسفة الهندية أو بالفكر الفارسي، إلا أن هؤلاء كانوا قلة عزلهم المجتمع الإسلامي ولم يعبّروا عن التيار الفكري للأمة الإسلامية آنذاك.
ولكن حين حلت بالمسلمين عصور انحطاطهم بدأوا يغفلون عن تلك الميزة التي تميزت بها عقيدتهم من كونها قاعدة فكرية، فبدأوا يتقبلون الأفكار والآراء والمذاهب التي تتعارض معها وتنافيها. فرأينا أناساً كثراً من المسلمين يتكلمون في الفلسفة ويجرون وراءها رغم كونها تتعارض من حيث الأساس مع طريقة التفكير الصحيحة التي جاء بها الإسلام والتي طرح عقيدته من خلالها، ورغم كونها تحوي أفكاراً تتعارض مع العقيدة الإسلامية من حيث الأساس، وربما أوصل بعضها إلى الكفر.
ورأينا أناساً من المسلمين يتغنون بالآداب الجاهلية ثم الأوربيّة غافلين أو متغافلين عن معارضتها لوجهة النظر الإسلامية.
وعلوم النفس والاجتماع والتربية التي يظهر فسادها، أصبحت تؤخذ وتدرس بكل راحة ضمير، بل وتدرس أحياناً في المعاهد الشرعية على الرغم مما فيها من أفكار فاسدة ومخالفة للإسلام علاوة على فساد منهجها.
وأصبح الدارسون للتاريخ ينجرفون مع علماء الغرب وفلاسفته في نظرتهم للتاريخ وفي تفسيرهم لحركة التاريخ، ويطبقون على تاريخهم الإسلامي النظريات التي ورّدها لهم الغرب، كأن يقولوا إن الحضارة الإسلامية هي امتداد للحضارات السالفة من جاهلية وهندية ويونانية ورومانية وفارسية. بل وربما وجدت بعض المتدينين من الباحثين والمؤرخين ينساقون مع النظرية التي ابتكرها بعض من يسمون بعلماء “الأنتروبولوجيا” من الغربيين والتي تدعي بأن الإنسان لم يكن في الأصل مفكراً، وبالتالي لم يكن هناك ما يميزه عن البهائم، وربما كان قرداً. وهي النظرية التي تتوافق مع نظرية داروين عن النشوء والارتقاء، والتي استساغ بعض الدارسين لعلم الأحياء (البيولوجيا) من المسلمين القول بها مع معارضتها لعقيدة الإسلام من حيث الأساس.
أما الدارسون لما يسمى بالعلوم السياسية، فلم يفرقوا بين ما يتعارض مع قاعدتهم الفكرية من تلك المعارف وما لا يتعارض معها، أي لم يفرقوا بين الفكر السياسي وأنظمته من جهة - والتي يحرم الإسلام أخذها من غير الشرع - والأنظمة والقوانين الإدارية من جهة أخرى والتي يجوز أخذها كما أخذ عمر بن الخطاب رضي الله عنه نظام الدواوين. وباتوا يأخذون الأفكار والأنظمة السياسية من الشرق والغرب، بل ويصلون إلى حد إلصاقها بالإسلام، كأن يقولوا بأن الإسلام ديمقراطي أو اشتراكي أو بأن نظامه نظام حر أو لبرالي أو ما شاكل ذلك.
ومثلهم الدارسون للاقتصاد، فإنهم لم يعودوا يفرقون بين الأنظمة الاقتصادية التي يحرّم الإسلام أخذها من غير الشرع وبين علم الاقتصاد الذي يبحث في وسائل تنمية الثروة الأهلية وحل الأزمات الاقتصادية وما شاكل ذلك، والتي يجوز أخذها بشرط عدم مخالفة الأحكام الشرعية. وراحوا يفاضلون بين النظام الاشتراكي والرأسمالي ليقرروا ما هو النظام الأصلح، غافلين عن أنهم يملكون أعظم نظام اقتصادي في العالم.
أما من حيث التشريع والقوانين، فقد أصبح كثير من المسلمين يستسيغون التحاكم إلى المحاكم التي تفصل خصوماتهم بالتشريعات والقوانين الوضعية التي لم تنبثق عن العقيدة الإسلامية، وأصبحوا يقبلون بأن يرعى الحكام شؤونهم بتلك التشريعات والقوانين.
هذه نماذج قليلة جداً من التخبط الفكري الذي تعانيه الأمة الإسلامية نتيجة تغييب العقيدة الإسلامية كقاعدة فكرية من الحياة، فليس غريباً مع حال كهذه أن نرى المسلمين في هذه الحالة من الانحطاط والتردي، فقد فقدوا هويتهم وشخصيتهم ومميزاتهم الحضارية، فأنّى لهم أن يدّعوا النهضة مع كل هذه المقَاتل ؟! فلا سبيل للمسلمين اليوم، من أجل العودة إلى سابق عزهم وقوتهم ونهضتهم، إلا باعتماد العقيدة الإسلامية قاعدةً فكرية يبنون عليها من جديد صرحهم الفكري والحضاري.
**(1) سورة النساء - الآيتان 174-175
(2) سورة البقرة - الآية 208
(3)سورة العلق - الآية 1
(4) سورة الأنعام - الآية 122
(5)سورة النحل - الآية 89
(6)سورة إبراهيم - الآيتان 24-25
(7) راجع تفسير القرطبي، الجامع لأحكام القرآن - الجزء التاسع- ص 359
(8)المرجع السابق، جـ9- ص359
(9) سورة إبراهيم - الآية 27
(10) سورة التغابن - الآية 11
(11)سورة الحج - الآية 46
(12)سورة البقرة - الآية 282
(13)رواه الإمام أحمد في مسنده - 4/126.**
إن ثبات المبدئيين على ذلك النهج وتلك المواقف، أدى إلى اضطهادهم وظلمهم ومواجهتهم بالقتل والتشريد والسجن وقطع الأرزاق وترويج الدعاوات الإعلامية لتشويه صورتهم أمام أعين الناس، مما جعل المجتمع يتجمد في وجههم بعض الأحيان، وذلك إزاء الإرهاب المادي والإعلامي الذي يمارس ضد الدعاة ومن يلتف حولهم ويؤيدهم.
إلا أن كل ذلك لم يثن الذين يعتنقون أعظم عقيدة ويحلمون بجنات عرضها السماوات والأرض عن دعوتهم التي نذروا حياتهم لها، وتحملوا الأهوال لأجلها، ورأوا أن القضية قضية حياة أو موت واتخذوا إزاءها إجراء الحياة والموت. فهم يتذكرون دائماً قول الله تعالى: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين ءامنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب }(31 ).
وما أشبه ذلك بما حصل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن يؤيدهم ويحميهم. فقد حاصرت قريش آل هاشم، لأجل أنهم دافعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاربت كل من يعين أو ينصر دعوة الحق أو يصغي إلى كلمة الإسلام. فتجمد المجتمع في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقف الناس موقف المراقب والمترقب الذي ينتظر ما ستؤول إليه الأمور. إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صبر على دعوته ودأب يبحث عن مجال آخر للدعوة، حتى أكرمه الله سبحانه وتعالى بإيمان أهل المدينة وتحقق بذلك نصر الله تعالى لرسوله الكريم.
وها هم الدعاة المبدئيون في أيامنا هذه، لما صبروا على دعوتهم رأينا أبواب التوفيق تفتّح لهم من جديد، وسرعان ما عادت الأمة لتحتضن أبناءها المخلصين الواعين الذين ثبتوا على مبدئهم ودعوتهم. وهاهم يصبحون أمل الناس في التغيير، وها هي الخلافة أصبحت على كل لسان، وها هي بشائر النصر تلوح في الأفق وتبشر بمجد جديد تكون فيه كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، ويكون الإسلام الصافي النقي هو الذي يحكم حياة الناس ويعلي شأنها، حيث لا وجود بإذن الله تعالى لآثار التخلف والظلام، ولا صوت يعلو لغير المخلصين الواعين من أبناء هذه الأمة.
إن مزيداً من الجهود في طريق الدعوة، وعلى الخط الذي رسمه المبدأ من أجل استئناف الحياة الإسلامية، من شأنها أن تبشر بولادة نهضة راشدة جديدة تعيد للحضارة الإسلامية حياتها وللأمة كرامتها وعزّها وللمجتمع هويته وللأرض منارتها.
إنه نداء لكم يا خير أمة أخرجت للناس، نداء لكم يا من ناداهم الله بقوله: { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون }(32 ).
**(1) سورة يس - الآية (50).
(2)سورة الذاريات - الآية - 52).
(3) سورة القمر - الآيتان (9 - 10).
(4) سورة القمر - الآيات (23حتى 26).
(5)سورة الرعد - الآية (17),
سورة الإسراء - الآيات (73 - 75).
سورة الإسراء - الآية (81).
سورة الأنبياء - الآية (18).
سورة الأنبياء - الآية (98).
(10)سورة النجم - الآيات (18 - 23).
(11)سورة البقرة - الآية (8).
(12)سورة اللهب - الآيات (1 - 3).
(13)سورة القلم - الآيات (10 - 16).
(14)سورة المطففين - الآيات (1 - 5).
(15) سورة الكافرون.
(16)سيرة ابن هشام - مبادأة رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه، وما كان منهم.
(17) سورة الممتحنة - الآية (4).
(18) سورة يوسف - الآية (108).
(19)سورة محمد - الآية (7).
(20)جريدة الشرق الأوسط - حلقات في 5و 6 و7 و9 شباط 1990م.
(21)مجلة العالم - العدد 123 - 21 حزيران 1986.
(22) راشد الغنوشي - الحريات العامة في الدولة الإسلامية - ص 129.
(23)رواه البخاري - كتاب المغازي - 4163.
(24) راشد الغنوشي - الحريات العامة في الدولة الإسلامية - ص 48-49-50.
(25) صحيح البخاري - رقم الحديث 3017.
(26) أنظر: أحمد المحمود - الدعوة إلى الإسلام - من ص 308 إلى ص 315.
(27)رواه مسلم - كتاب الأقضية - (17).
(28)رواه البيهقي - راجع أيضاً : مشكاة المصابيح، لمحمد التبريزي، كتاب العلم، الحديث 248.
(29)رواه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: رواه الطبري.
(30)سورة الجاثية - الآية 18.
(31)سورة البقرة - الآية (214).
(32)سورة الأنفال - الآية (24).**
**المصادر والمراجع
الواردة أسماؤها في هوامش الكتاب**
? الإسلام كبديل - مراد هوفمان - ترجمة د. غريب محمد غريب - الطبعة الأولى - مجلة النور الكويتية ومؤسسة بافاريا.
? الإسلام على مفترق الطرق - محمد أسد - ترجمة د. عمر فروخ - 1987 - دار العلم للملايين، بيروت.
? الإسلام والتحدي الحضاري - بأقلام عشرة من علماء الإسلام - دار الكاتب العربي، بيروت - 1992م 1412 هـ.
? أعلام الفكر السياسي - إعداد موريس كرانستون - الطبعة الثالثة 1991 - دار النهار للنشر، بيروت.
? بهجة المعرفة - موسوعة علمية مصورة - الشركة العامة للنشر والتوزيع والإعلان.
? التفسير الإسلامي للتاريخ - عماد الدين خليل - الطبعة الخامسة 1991 - دار العلم للملايين.
? تلبيس إبليس - الحافظ الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي البغدادي، المتوفى 597 هـ- تحقيق عصام فارس الحرستاني - المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى 1414 هـ - 1994م.
? جامع بيان العلم وفضله - الإمام أبو عمر يوسف بن عبد البر القرطبي المتوفى سنة 462 هـ - إدارة الطباعة الجيزية، مصر - د.ت.
? الجامع لأحكام القرآن - أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي - دار الكتاب العربي، بيروت - د.ت.
? الحريات العامة في الدولة الإسلامية - راشد الغنوشي - مركز دراسات الوحدة العربية بيروت - 1993.
? الدعوة إلى الإسلام - أحمد المحمود - الطبعة الأولى - 1415هـ، 1995م - دار الأمة، بيروت.
? الدولة الإسلامية - تقي الدين النبهاني - الطبعة الخامسة 1994 - دار الأمة، بيروت.
? سنن الدارمي - الإمام عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي السمرقندي (ت 255 هـ).
? السيرة النبوية - ابن هشام (المتوفى سنة 213 أو 218 هـ) - تعليق وتخريج: د. عمر عبد السلام تدمري - دار الكتاب العربي - الطبعة الرابعة 1993.
? الشخصية الإسلامية، الجزء الأول - تقي الدين النبهاني - الطبعة الرابعة 1994 م - دار الأمة، بيروت.
? صحيح البخاري - للإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري المتوفى سنة 256 هـ.
? صحيح مسلم - للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري المتوفى سنة 261 هـ.
? العقد الاجتماعي - جان جاك روسّو - ترجمة ذوقان قرقوط - دار القلم، بيروت.
? قصة الحضارة - ول ديورانت - ترجمة مجموعة من الكتّاب - دار الجيل، بيروت.
? مجمع الزوائد ومنبع الفوائد - للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي (المتوفى سنة 807 هـ) مؤسسة المعارف، بيروت 1406 هـ - 1986م.
? مختار الصحاح - محمد بن أبي بكر الرازي - مكتبة لبنان - 1992.
? مسند الإمام أحمد - الإمام أحمد بن حنبل (المتوفى سنة 241 هـ) - مراجعة صدقي العطار - دار الفكر، بيروت 1994م.
? الموسوعة الفلسفية - وضع لجنة من العلماء والأكاديميين السوفياتيين، بإشراف م. روزنتال و ب. يودين - ترجمة سمير كرم - دار الطليعة، بيروت - 1987.
? النظام الاقتصادي في الإسلام - تقي الدين النبهاني - الطبعة الرابعة 1990 - دار الأمة، بيروت.
? نهاية التاريخ والإنسان الأخير - تأليف فرانسيس فوكوياما - مترجم بإشراف مطاع صفدي - مركز الإنماء القومي، بيروت 1993.
? الوعي (مجلة) - جامعية فكرية ثقافية - تصدر عن ثلة من الشباب الجامعي المسلم في لبنان.

**قَد خَلَتْ مِن قَبلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرضِ فانْظُرُوا كَيفَ كانَ عاقِبةُ المُكَذِّبين * هذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدَىً وّمَوْعِظَةٌ لِلمُتّقين * ولا تَهِنُوا ولا تحزَنوا وأنتُمُ الأعلَونَ إنْ كُنتُم مُؤمِنِين * إنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَد مَسَّ القَومَ قَرحٌ مِثْلُهُ، وَتِلكَ الأيامُ نُداوِلُها بَينَ النَّاسِ وَلِيعلَمَ اللهُ الّذِينَ ءامَنُوا وَيتّخِذَ مِنكُم شُهَداءَ، واللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمين * وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الذِينَ ءامَنُوا وَيَمْحَقَ الكافِرين.
آل عمران 137-141**
** القسم الثالث
المجتمع الإسلامي**
**قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله،
ينفون عنه تخريف الغالين
وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين** (1)
(1) رواه البيهقي
أما لو أردنا أن نتصور ما سيكون حال هذه الدعوة إذا انتشرت بادىء أمرها في المجتمعات الرومانية أو الفارسية أو الهندية مثلاً، فبإمكاننا أن نستحضر في ذهننا الصورة التي أحاطت بالدين النصراني حين انتشر في الإمبراطورية الرومانية حيث أصبح مزيجاً من المسيحية والوثنية والفلسفات اليونانية والهندية وغيرها. وكذلك يمكننا استحضار صورة الفِرَق المبتدعة التي انسلخت عن الإسلام بعد انتشاره خارج الجزيرة العربية والتي ما كانت بدعها في حقيقة الأمر إلا اقتباساً للأفكار الوثنية والفلسفية الغابرة ومحاولة نَسبها إلى الإسلام زوراً وبهتاناً.
وهكذا كان العرب أهلاً لأن يكونوا النواة الأولى التي تتجسد فيها الحضارة الإسلامية نقية صافية مبلورة واضحة خالية من أي لبس أو لوث أو دخل أو دخن.
فما مدى استمرار ذلك النقاء في الفكر الإسلامي من بعد محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
إن الناظر في تاريخ الفكر الإسلامي منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومروراً بعدة قرون من بعده، يجد أن الأمة الإسلامية حافظت على نقاء فكرها إلى حد بعيد، ولم توجد أمة انضبطت في تفكيرها وحافظت على هويتها واستقامت في سيرها وفق وجهة نظرها وقيادتها الفكرية كما كان حال الأمة الإسلامية. فالعقيدة الإسلامية كانت القاعدة الفكرية التي يبني المسلمون عليها أفكارهم. ونصوص الوحي - وهي القرآن والسنة - كانت المصدر لأنظمة الحياة والدولة. وكانت الأمة حريصة على عدم الأخذ من أي فكر أو حضارة غير الإسلام ذلك أن كل ما سوى الإسلام في نظرها هو كفر، لأنه ليس بعد الحق سوى الضلال.
إلا أن هذا الواقع لم يستمر كما يجب، فقد وصلنا إلى حالة لم يعد معها الفكر الإسلامي واضحاً في أذهان المسلمين، ولم يعد نقياً حتى في أذهان العلماء ومدرسي الشريعة وطلابها، حيث دخلت لوثات كثيرة إلى الأذهان، وأصبح كثير من الأفكار ينسب إلى الإسلام وهو منها براء.
فما أسباب هذا التلوث؟ ومتى بدأ؟ وما هو الطريق للتخلص منه وإعادة النقاء إلى فهم المسلمين للإسلام؟
من البدهي أن تأثر الشعوب بعضها بأفكار بعض يكون نتيجة للاحتكاك الفكري بين تلك الشعوب. هذا الاحتكاك قد يؤدي إلى انهزام فكر وانتصار فكر، وقد يؤدي إلى تأثر فكر بالآخر، وقد يؤدي إلى تأثر الفكرين كل واحد منهما بالآخر.
والتاريخ يرينا أن الفكر الإسلامي منذ أن احتك بغيره من الأفكار، لم يصمد أمامه فكر مطلقاً، مادام قد تسنى له من يفهمه حق فهمه ويحمله بالتالي على أحسن وجه. أما حين أصبح فاقداً للحَمَلَة الواعين الفاهمين، فقد سنحت الفرصة لغيره من الأفكار بالانتصار، لا عليه، وإنما على المسلمين.
لقد تعرض الفكر الإسلامي لكثير من الضغوط والعوامل التي من شأنها أن تؤدي إلى تلويثه وتشويهه أو ربما تحريفه لولا أن الله تعالى تكفل بحفظه وهو القائل: { إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون }(3 ). فما هي تلك الضغوط والعوامل وما مدى تأثيرها على الثقافة الإسلامية؟
مع ظهور الإسلام وخلال المرحلة المكية، خاض الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم، الصراع الفكري إلى جانب الكفاح السياسي، في الوقت الذي يعلو فيه الكفر والكفار في المجتمع. ويمكن أن توصف تلك المرحلة بحق بأنها مرحلة ملحمية حيث كانت تقع على عاتق الرسول مهمة من أصعب المهمات. فهو يقف أعزل مستضعفاً أمام صناديد الكفار، ويواجههم بدينه، ويعيب عليهم آلهتهم، ويسفه أحلامهم، ويحقّر تراث آبائهم، ويطرح دعوته متحدياً سافراً لا يداهن ولا يداجي ولا تلين له قناة. فيعمد الكفار إلى ما يملكون من قوة وأسباب ووسائل يستخدمونها إما للترهيب أو الترغيب. فتارة يعرضون عليه المال والجاه والنساء والملك، وتارة يساومونه فيعرضون عليه أن يعبدوا إلهه مقابل أن يعبد آلهتهم هو أيضاً، أو على الأقل أن يكف عن سبها وتحقيرها. فإذا فشلت أساليب الترغيب هذه عمدوا إلى وسائل الترهيب من قتل للصحابة وتعذيب لهم وتشريد ومقاطعة اقتصادية واجتماعية وسياسية وغير ذلك. فهل نجحت تلك الضغوط في التأثير على الدعوة وهل كان لها أثر في الفكر الإسلامي؟
إن لنا أن نتصور - لو لم يكن رسول الله هو حامل الدعوة - أن حَمَلَة الدعوة قد يتنازلون عن بعض أفكارهم ومواقفهم ويداهنون أعداءهم ويسايرونهم حتى يخفّفوا من نقمة المجتمع والحكام، وحتى يستميلوا إليهم أتباعاً لدينهم بعد إجراء التعديلات عليه على نحو يوافق عقليات الناس وأمزجتهم، كما يفعل كثير من أصحاب الدعوات. وعلى الرغم من أن الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم لا يتصور منه ذلك، إلا أن القرآن الكريم يحذره من الوقوع في تلك الحبائل الشيطانية التي يحيكها صناديد قريش، لاسيما المداهنة والمسايرة والتملق. فيقول تعالى: { فلا تطع المكذبين * ودّوا لو تدهن فيدهنون }(4 ). وبعض الآيات تصرح بأن الكفار كادوا أن يصرفوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن بعض الإسلام لولا تثبيت الله تعالى له، حين قال تعالى: { وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً * ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً * إذاً لأذقناك ضِعف الحياة وضِعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً }( 5). قال القرطبي في تفسير هذه الآيات: “هو قول أكابر قريش للنبي صلى الله عليه وسلم : أطرد عنا هؤلاء السقاط والموالي حتى نجلس معك ونسمع منك، فهمّ بذلك حتى نهي عنه. وقال قتادة: ذكر لنا أن قريشاً خلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة إلى الصبح يكلمونه ويفخّمونه ويسوّدونه ويقاربونه، فقالوا: إنك تأتي بشيء لا يأتي به أحد من الناس، وأنت سيدنا يا سيدنا، وما زالوا به حتى كاد يقاربهم في بعض ما يريدون، ثم عصمه الله من ذلك، وأنزل الله تعالى هذه الآية… ولما نزلت هذه الأية {ولولا أن ثبتناك…} الآية، قال عليه السلام: اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين… وقال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوماً، ولكن هذا تعريف للأمة لئلا يركن أحد منهم إلى المشركين في شيء من أحكام الله تعالى وشرائعه”.
وهكذا، فإن هذه الأجواء التي عاشها الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام في مكة، جلبت الكثير من الضغوط المادية على حملة الدعوة، إلا أننا رأينا أن هذه الضغوط لم يكن لها أي تأثير على الدعوة ولا على الفكر الإسلامي، فهي حقبة النبوة، وقائد الدعوة هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنّى للكفر أن يفلح في ذلك. وقد تخطى الرسول صلى الله عليه وسلم تلك المرحلة وأصبح للإسلام دار ودولة تحكم بما أنزل الله تعالى. وزالت تلك الضغوط عن حملة الدعوة بعد أن تخلصوا من طغيان الكفار، وأصبحوا حكام مجتمعهم في المدينة المنورة، حيث وُضع الإسلام موضع التنفيذ والتطبيق. ولم تمض عشر سنين إلا وقد انتشر الإسلام في الجزيرة العربية كلها على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطبق الإسلام فيها نقياً صافياً، وعلى أحسن وجه.
ألمُقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
منذ نشوء الأمة الإسلامية، وقيام مجتمعها ودولتها، في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عاشت الأمة الإسلامية قروناً متطاولة، وهي لا ترى أمة ولا دولة تدانيها في حضارتها ونهضتها وقوتها وعزتها.
في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قامت دولة الإسلام في الجزيرة العربية، وتاخمت بلاد أعظم إمبراطوريتين في ذلك التاريخ: إمبراطورية فارس وإمبراطورية الروم البيزنطيين، واحتَكت بهما منذ أول عهدها.
وفي عهد الخلفاء الراشدين تنطلق جحافل المجاهدين، تحمل الإسلام رسالة إلى العالم خارج جزيرة العرب، لتحول البلاد من ديار كفر إلى دار إسلام.
فتنهار تحت أقدامهم إمبراطورية فارس، بعد عُمر دام قروناً من التاريخ القديم. وتندحر إمبراطورية الروم عن بلاد الشام وشمال إفريقية، مخلية الساحة أمام الحضارة الإسلامية كي ترفع شأن أمم تاقت إلى الرحمة منذ مئات السنين.
ثم في عهد الخلفاء الأمويين، تستمر دولة الإسلام في التوسع، مخترقة في الشرق هضاب آسيا وسهوبها عابرة أنهارها، حتى تصل إلى مشارف سور الصين وتخوم الهند. وتستمر جحافل الغازين في المضي غرباً حتى تصل إلى شواطئ المحيط الأطلسي، ثم لتعبر مضيق جبل طارق متوغلة في الأندلس لتتاخم الحدود الجنوبية لفرنسا.
وبعد ذلك، في عهد الخلفاء العباسيين تتكرس الفتوحات الإسلامية وتستمر في التوسع ولو على نحو أقل نسبياً. ويكون ذلك العصر عصر ازدهار الثقافة الإسلامية والمذاهب الفقهية والمدارس الفكرية، وقيام عظيم العمران وروائع المدنية وعجائب العلوم والاكتشافات، ليصبح المجتمع الإسلامي منارة الأرض وجنة الدنيا الساحرة في نظر سائر الشعوب.
وفي القرن الخامس الهجري، يفتح الله تعالى على المسلمين بلاداً جديدة، أهمها بلاد الأناضول (آسية الصغرى)، حيث يطهّر المجاهدون “السلاجقة” تلك البلاد من بقايا النفوذ البيزنطي ويدحرون الروم حتى يتاخموا حدود عاصمتهم القسطنطينية.
إلا أن نهاية ذلك القرن تحل لتحمل معها عاقبة تشرذم المسلمين وتفكك خلافتهم إلى إمارات وسلطنات متناحرة. فيسلط الله تعالى جحافل الحملات الصليبية التي انطلقت من الغرب الأوربّي الغارق في ظلمات العصور الوسطى وهمجيتها، فتشق طريقها عابرة آسية الصغرى، لتحتل السواحل الشامية كلها وصولاً إلى أرض المسجد الأقصى، حيث تحصد مجازر هؤلاء المتوحشين عشرات الألوف من المسلمين ذبحاً في المسجد الأقصى. فتُحشد جيوش المسلمين بعد تلك الصاعقة المدمرة الغادرة من أجل تحرير البلاد والمقدسات والثأر للمسلمين وكرامتهم.
ولا يكاد المسلمون يحررون بلاد الشام على يد مجاهدين أبطال أمثال صلاح الدين والظاهر بيبرس، حتى تداهمهم، من ناحية الشرق هذه الكرة، غزوات أشد همجية وأعظم دماراً، تهلك الحرث والنسل وتأكل الأخضر واليابس وتذبح الملايين من النساء والولدان والشيوخ فضلاً عن الرجال: إنها غزوات التتار والمغول الذين عاثوا في الأرض خراباً ودماراً، حتى اقتحموا على المسلمين عاصمة خلافتهم بغداد سنة 656 هـ، وذبحوا أهلها، وقتلوا آخر خليفة بغدادي وفقأوا عينيه. ودمروا أعظم مكتبة عرفها التاريخ، ورموا كتبها في دجلة، فجعلوا منها معبراً بين ضفتيه، واصطبغ نهر دجلة بمداد الكتب، وطُوي تراث من الصفحات التي سودتها … بل أضاءتها أقلام النساخ، بأفكار العباقرة وثمرات المجتهدين وتجليات الشعراء وبلاغة الأدباء وفصاحة العرب … لتُفتح صفحات مظلمة من تاريخ الأمة الإسلامية، حيث تصبح بلاد فارس والشام والعراق مرتعاً للمجرمين الكفرة والمتوحشين ظمأى الدماء أكلة لحوم البشر … إنها حقاً صفحات مظلمة … حقبة انحطاط مخيف وتراجع عجيب، من أمة دان لها الشرق والغرب خمسة قرون.
إلا أن الناظر للتاريخ، المتعمق في صفحاته، المستنير بأحداثه، حين يحكم على المجتمع الإسلامي في ذلك العصر بالانحطاط، فإنه لا يحكم بذلك مقارنة مع سائر المجتمعات والدول ولا قياساً عليها. بل هي مقارنة مع سابق عهد المسلمين وقياس عليه. ذلك أنه، على ما أصاب المسلمين من ضعف وهزيمة، لم تكن توجد على وجه الأرض أمة تدانيهم في حضارتهم ورقيّهم وتقدمهم، وأن أعداء المسلمين الذين أذلوهم وسفكوا دماءهم ما تغلبوا عليهم برقي ولا رفعة حضارية. وإنما هي موجات من الغزوات الهمجية التي عرف التاريخ العديد من أمثلتها، تفور وتثور في فجاءة من الزمان، لتقتحم على الشعوب الغافلة عن عوامل ضعفها بلادَها على حين غرّة، ولتفسد في الأرض كما أفسدت يأجوج ومأجوج زمن ذي القرنين. ولكنها لا تلبث أن تنطفئ جذوتها وتنكسر شوكتها، بعد أن دمغ التاريخ وصمة عار في جبينها … بل على قفاها.
فها هي جحافل الصليبيين تعود إلى ديارها تجر أذيال الخيبة والعار، رغم استقرارها في بعض بلاد الإسلام ما يداني القرنين من السنين، وقد تأثرت بالحضارة الإسلامية وعادات المسلمين، وتنعمت ببعض مدنيّتهم. وها هي جحافل المغول تتهاوى أمام ضربات جيش المماليك الذي استجمع قواه في مصر، ليدحر هؤلاء المعتدين ويعيدهم من حيث أتوا ولكن، مع فرق مهم بين مجيئهم ونكوصهم، فقد انطلقوا من ديارهم مشركين وثنيين، وعادوا إلى ديارهم وهم يدخلون في دين الله أفواجاً، ويعتنقون عقيدة ضحاياهم ويدينون بدينهم.
وهكذا … عاد المسلمون ليستأنفوا سابق مجدهم وعزهم، فتولى المماليك حماية بيضة المسلمين والذود عن حرماتهم ومقدساتهم في بلاد مصر والشام والعراق والجزيرة العربية وشمال إفريقية. وفي الأناضول قامت قبيلة بني عثمان لتحمل الراية عن أسلافها السلاجقة، وليطهر مجاهدوها أرض الأناضول نهائياً من فلول البيزنطيين، بل ليقتحموا بعد ذلك على البيزنطيين أراضيهم داخل القارة الأوربّية، وليقرروا سنة 1453 م نهاية عهد الإمبراطورية البيزنطية، محققين وعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بفتح عاصمة “هرقل” القسطنطينية التي بقيت، مئات السنين، القلب النابض لتلك الإمبراطورية العاتية، ولتتحول إلى مدينة الإسلام “إسلامبول” بل لتتحول سنة 923 هـ إلى عاصمة الخلافة الإسلامية، في ظل الخلفاء العثمانيين.
مضت سنون طوال بعدها، وجيوش المسلمين تهدد ممالك أوربا ودولها. فقد وصل مجاهدو الخلافة العثمانية مقتحمين ديار أوربا الشرقية إلى أسوار فيينا عاصمة الإمبراطورية الرومانية المقدسة، مهددين بذلك أوربا اللاتينية والجرمانية بأسرها. ونشأت آنذاك لدى الغربيين “المسألة الشرقية”، ألا وهي: كيف السبيل إلى التخلص من الخطر الإسلامي؟ ولم يكن من خيار آنذاك إلا استرضاء الخلفاء العثمانيين، والحرص على العلاقات السلمية فيما بينهم وبين المسلمين.
إلا أن هذا السلم كان فرصة للغرب، كي ينعم النظر في أحواله ومجتمعه ودولته، وفي الأسس الحضارية التي تقوم عليها حياته. لقد أدرك أن الفارق الجوهري بين مجتمعه والمجتمع الإسلامي، إنما يكمن في الحضارتين اللتين تصوغان كلاً من هذين المجتمعين، وأن الصراع الحقيقي إنما هو الصراع الحضاري وليس العسكري. واكتشف أن الحضارة التي عاش في كنفها خلال العصور الوسطى هي من الانحطاط، بحيث لم تكن يوماً مؤهلة لأن تواجه حضارة قوية الأركان شامخة البنيان، هي الحضارة الإسلامية.
وهكذا كانت القرون التي تلت سقوط الإمبراطورية البيزنطية والتي يطلق عليها المؤرخون الغربيون اسم “التاريخ الحديث”، مرحلة المخاضات الفكرية والثقافية والحضارية العسيرة، التي أسفرت مع نهاية القرن الثامن عشر الميلادي عن ولادة الحضارة الغربية المعاصرة، التي قامت على أسس من العلمانية واللبرالية الرأسمالية.
تلك الفسحة التاريخية التي أتاحت للغرب أن يتأمل في أحواله وهويته الحضارية وأسس مجتمعه، كانت مترافقة مع تحجر في التفكير أطبق على أذهان المسلمين، بحيث انعدمت الحيوية الفكرية في المجتمع الإسلامي، وعاش المسلمون على تراث الماضين من الفقهاء وعلماء الإسلام، معتزّين بدينهم ونظامهم ونمط عيشهم وهيبة دولتهم وقوة جيشهم، ولا يرون حولهم أمة أو دولة تضاهيهم بحضارتها أو قوتها ولا يفطنون إلى عوامل الانحطاط والتخلف التي دبّت في كيانهم. وخلال القرن التاسع عشر الميلادي، أضيف إلى ذلك الفارق فارق جديد، ألا وهو فارق القوة العسكرية.
ففي ذلك القرن تعاظمت قوة الدول القومية في أوربا، وترافق ذلك مع قيام الثورة الصناعية التي تحولت قوة مادية تمدّ الجيوش الأوربية بأنواع الأسلحة الجديدة ووسائل النقل البرية والبحرية التي كانت عوناً لها على التوسع الاستعماري في بلاد العالم، ومنها بلاد المسلمين. بينما كانت قوة الدولة العثمانية في تراجع وهبوط سريع، وكان الفساد الإداري قد عم مؤسساتها والأزمات الاقتصادية تفت من عضدها.
فإذا بغارات الغزو العسكري تترافق مع غارات الغزو الفكري. الأولى تقضم بلاد المسلمين الواحد تلو الآخر وتمرّغ أنوف المسلمين في التراب، والثانية تربك المثقفين وأصحاب الرأي بين المسلمين، وتصيب المجتمع بحالة من الضياع والحيرة. ولم تنته الحرب العالمية الأولى بداية هذا القرن إلا وقد أسفرت عن أعظم نكبة ألمت بالمسلمين خلال تاريخهم الطويل. هذه النكبة لم تكن مجرد هزيمة عسكرية، ولا ضياع أراضٍ شاسعة من ديار الإسلام، ولا إزهاق الألوف من أرواح المسلمين، بل هي أبعد من ذلك بكثير. إنها ضياع لهوية المسلمين، وسقوط لكيانهم المعنوي والمادي، وتَوارٍ للحضارة الإسلامية، وتقويض للمجتمع الإسلامي.
لقد عاش المسلمون في ماضي تاريخهم حقباتٍ من انحطاط وهزيمة وضعف ولكنهم، بكل تأكيد، لم يعيشوا أسوأ من هذه الحقبة، ولم يذوقوا يوماً مرارة الذل التي ذاقوها في هذا القرن، حتى انطبق عليهم، إلى أبعد الحدود، حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها” قيل: " يا رسول الله، أمن قلة بنا يومئذ؟" قال: " أنتم يومئذ كثير، ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل ينتزع المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم الوهن" قال: “قلنا وما الوهن؟” قال: “حب الدنيا وكراهية الموت”(1 ).
وهكذا، لم يعد يماري عاقل في أن الأمة الإسلامية تعيش حالة انحطاط بكل ما تحمل الكلمة من أبعاد، وإن اختلف القائلون في المدى النسبي لذلك الانحطاط. وبالتالي أصبحت أطروحات النهضة والرقي والتغيير والإصلاح والبناء والهدم وإعادة البناء … من أهم الأطروحات التي شغلت أذهان المثقفين والمفكرين والكتّاب من أبناء المجتمع، فاستهلكت جهودهم وفرّغت أقلامهم واستأثرت بمجالسهم وأحاديثهم، سواء أكانوا مخلصين أو عملاء، واعين أو تائهين ضائعين.
وكان من الواضح أن التأثير الثقافي والفكري والحضاري الذي كرسه الغزو السياسي الغربي للعالم الإسلامي، كان له النصيب الأكبر في توجيه تلك الأطروحات والجهود. وكان وصول أناس صُنعوا على عين الحضارة الغربية وسياسة دولها إلى سدة الحكم، عاملاً في قيام المؤسسات التربوية والتعليمية والإعلامية والثقافية والتوجيهية، الرسمية منها وغير الرسمية، على أساس الحضارة الغربية. فكانت معظم الأطروحات التي ناقشت مسألة النهضة والارتقاء ووضعت لها التعاريف والفلسفات والأسس والتفاصيل، متأثرة بشكل أو بآخر بالحضارة الغربية بشكل كامل، بوصفها “الحضارة الإنسانية المعاصرة” وغاية ما وصلت إليه البشرية في مسيرة الارتقاء، إلى أطروحات تدعو إلى اقتباس “محاسن” تلك الحضارة من أجل " هضمها وإخراجها حضارة متميزة تتوافق مع هويتنا الحضارية"، وإلى أخرى تدعو إلى تلاقح الحضارات وتفاعلها من أجل مزيد من الارتقاء … إلى ما هنالك من آراء ومقولات.
إلا أن الأطروحات الأشد خطورة، كانت تلك التي دأبت على دراسة الإسلام وفهمه - ومن ثم إبرازه - على نحو يتوافق مع الحضارة الغربية، أو يتكامل معها، أو على الأقل لا يتعارض معها. الأمر الذي أنذر بخطر تحول الإسلام إلى مجرد تراث حضاري تاريخي غابر، والاستبقاء عليه ديناً كهنوتياً روحياً قابلاً للتعايش مع أية حضارة تفرض هيبتها وسلطانها على الساحة الدولية، ولا سيما حضارة تفصل الدين عن الحياة والمجتمع والدولة.
لذلك كان لا بد من إعادة النظر ملياً، في مسألة النهضة وفلسفتها والأساس الذي تقوم عليه، وما هي صلة الإسلام بتلك الفلسفة، وما هو البنيان الحضاري الذي يقدمه الإسلام من أجل بنائه على ذلك الأساس، وأين موقع الأمة الإسلامية اليوم من حضارة الإسلام ونظامه وطريقة عيشه، بعيداً عن تأثير الحضارة الغربية وضغط الواقع المعاصر، وأهواء السوقة من حملة الدعوات ومروجي الأفكار والسلع الثقافية الاستهلاكية المستوردة من هنا أو هناك. وذلك من أجل قيام عمل حركي إيجابي وفعال، للتغيير ودفع المجتمع قدماً نحو النهوض والارتقاء، اهتداء بما أنزل الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وصدق الله العظيم الذي قال:
{ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتّبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم }(2 ).
(1) رواه أبو داود وأحمد. واللفظ للإمام أحمد. أنظر: المسند، الحديث رقم 2246.
(2) سورة المائدة - الآيتان 15 و 16.
**طرابلس الشام 3 ربيع الأول 1416 هـ..
31 تــمــوز 1995 م.
أحمد القصص**
**ألقسم الأول
فلسفة ألنهضة**
إلإسلام ألمبدأ
إن الإنسان بطبعه وفطرته يبحث عن السعادة والرقي والرَّفاهَةِ، ويسعى إلى حياة كريمة يتجلى فيها ارتفاعه وعلوه فوق سائر المخلوقات.
ولقد بحث الإنسان منذ القدم عن السبيل لتحقيق هذا الرقي والرَّفاهِيَةِ من أجل الوصول إلى السعادة، فشرع المفكرون والفلاسفة والمشرعون بوضع النظريات والعقائد والإديولوجيات من أجل ذلك الهدف، وسار الناس وراء هؤلاء على اختلاف اتجاهاتهم ونظرياتهم وفلسفاتهم. ولكن، هل حقق جميع هؤلاء غايتهم وأملهم المنشود ؟ الجواب بالطبع … لا.
ذلك أن هؤلاء لم يدركوا الطريق إلى النهضة الصحيحة، وبالتالي إلى السعادة.
إذا أراد الإنسان أن يحصل على النهضة الصحيحة وبالتالي على السعادة عليه أن يحصل على السلوك البشري السويّ. فسلوك الإنسان هو السبب في أن يؤدي بصاحبه إلى النهضة أو إلى الانحطاط. فما هو السلوك ؟
إن السلوك هو مجموع ما يقوم به الإنسان من أعمال في حياته ومجتمعه. وهذه الأعمال مردّها جمعيها في حقيقة الأمر إلى تلك الطاقة الحيوية التي يتمتع بها الإنسان.
الطاقة الحيوية في الإنسان هي التي تدفعه إلى القيام بالأعمال التي نشاهده يقوم بها. وهذه الطاقة الحيوية، هي مجموع ما لدى الإنسان من حاجات عضوية وغرائز، والتي يشعر الإنسان بالحاجة إلى إشباعها. فهو يريد أن يأكل ويشرب، ويريد أن يلبس وأن يمتلك وأن يدافع عن نفسه ويريد أن يقدّس ويبجّل … وغير ذلك من الحاجات التي نراه يسعى لإشباعها، { زُيِّن للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا…}(1 ).
وقد وجد الإنسان أن وسائل إشباع هذه الحاجات والرغبات موجودة في الأشياء التي حوله والتي سُخّرت له، فاندفع ليحصل منها على ما يحتاجه ويريده. وهنا وجد نفسه أمام مشكلة :
ما هي طريقة الانتفاع بالأشياء التي حوله ؟ أي ما هي طريقة إشباع حاجاته وغرائزه ؟ فالانتفاع بتلك الأشياء، وإشباع الحاجات والغرائز لدى الإنسان ليس عملية آلية وتلقائية كما هو شأن البهيمة، وإنما لدى الإنسان ذهن يضع أمامه الكثير من الخيارات والسبل للانتفاع والإشباع.
فإذا اختار الإنسان كيفية معينة للانتفاع بالأشياء وطريقة معينة لإشباع حاجاته وغرائزه فإنه يكون قد اختار سلوكاً معيناً، فهذا هو السلوك. إنه تلك الكيفية التي اعتمدها في إشباع رغباته وتلك القواعد التي تتحكم بتصرفاته وأفعاله وردود الأفعال التي تصدر عنه، ومواقفه إزاء الأشياء والأحداث التي يعاينها، وطريقة علاجه للمشاكل التي تعترضه في حياته.
والآن بعد أن عرفنا السلوك، نأتي إلى البحث الجوهري. ما هو السلوك السوي المؤدي إلى النهضة الصحيحة، وبالتالي إلى السعادة ؟ والإجابة تبدأ بما يلي :
إذا أردنا العثور على السلوك السوي، فلا بد لنا من الحصول على الفكر الصحيح، ذلك أن سلوك الإنسان مرتبط بمفاهيمه، وهو يكيّف سلوكه في الحياة بحسب مفاهيمه عن الأشياء. فسلوك الإنسان كما قررنا هو مجموع علاقاته مع الأشياء والناس من حوله، ومفهوم الإنسان عن تلك الأشياء هو الذي يعين له موقفه منها. فمفاهيم الإنسان عن شخص يحبه تكيف سلوكه نحوه، على النقيض من سلوكه مع شخص يبغضه وعنده مفاهيم الكراهية عنه، وعلى خلاف سلوكه مع شخص لا يعرفه ولا يوجد لديه أي مفهوم عنه. لذلك إذا أردنا أن نرتقي بسلوك الإنسان فلا بد من أن نوجد له المفاهيم الصحيحة أولاً، { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم }(2 ).
إلا أنه لا يتأتى وجود هذه المفاهيم عن الأشياء، إلا إذا كانت مستندة إلى الفكر عن الحياة الدنيا، أي كانت نابعة من وجهة نظر عن الحياة الدنيا، توضح للإنسان معنى وجوده في هذه الحياة والغاية منها. فإن هو حدد لنفسه الغرض من وجوده في هذه الدنيا وماهي المهمة التي تفرضها عليه تلك الغاية استطاع أن ينظر من خلالها نظرة ثابتة إلى الأشياء، فيكيف سلوكه تجاهها على نحو يجعله منسجماً مع نفسه.
والفكر عن الحياة الدنيا أيضاً، لا يتركز تركزاً منتجاً إلا بعد أن يوجد الفكر عن الكون والإنسان والحياة وعما قبل الحياة الدنيا وعما بعدها، وعن علاقتها بما قبلها وما بعدها، وذلك بإعطاء الفكرة الكلية عما وراء هذا الكون والإنسان والحياة، لأنها القاعدة الفكرية التي تُبنى عليها جميع الأفكار عن الحياة. ذلك أن الإنسان يشعر ويدرك أن الحياة هي حلقة ضمن سلسلة متصلة الحلقات، وبالتالي فهي جزء من كل، لذلك كان إعطاء الفكرة الكلية عن هذه الأشياء هو حل العقدة الكبرى عند الإنسان، والتي ما زالت تلح عليه منذ أن وجد على وجه الأرض، ولا زالت تقلقه مالم يحلّها. ومتى حلت هذه العقدة الكبرى حلت باقي العقد، لأنها جزئية بالنسبة لها أو فروع عنها.
فإذا ما حصل الإنسان على هذا الحل فإنه يكون قد حصل على العقيدة، وعلى القاعدة الفكرية التي يبنى عليها كل فكر فرعي عن السلوك في الحياة وعن أنظمة الحياة. وبعبارة أخرى يكون قد حصل على “المبدأ”.
فالمبدأ في اصطلاح الناس جميعاً هو الفكر الأساسي الذي تبنى عليه أفكار. ولا يصح أن يسمى الفكر مبدأ إلا إذا كان فكراً أساسياً تنبثق عنه كل الأفكار عن الحياة. والفكر الأساسي هو الذي لا يوجد قبله فكر مطلقاً. وهذا الفكر الأساسي محصور في الفكرة الكلية عن الكون والإنسان والحياة ولا يوجد غيرها فكر أساسي، لأن هذا الفكر هو الأساس في الحياة.
وإن هذا المبدأ كفيل بأن ينهض بالإنسان، إلا أنه لا ينهض به النهضة الصحيحة إلا إذا كان حلاً صحيحاً يوافق فطرة الإنسان، ويقنع العقل، فيملأ القلب طمأنينة.
والمبدأ لا بد أن ينشأ في ذهن شخص، إما بوحي الله له به وأمره بتبليغه، وإما بعبقرية تشرق في ذلك الشخص. أما المبدأ الذي ينشأ في ذهن إنسان بوحي الله له به، فهو المبدأ الصحيح، لأنه من خالق الكون والإنسان والحياة، وهو الله تعالى، فهو مبدأ قطعي الصحة. وأما المبدأ الذي ينشأ في ذهن شخص بعبقرية تشرق فيه فهو مبدأ باطل، لأنه ناشىء من عقل محدود يعجز عن الإحاطة بالوجود، ولأن فهم الإنسان للتنظيم عرضة للتفاوت والاختلاف والتناقض والتأثر بالبيئة التي يعيش فيها، مما ينتج النظام المتناقض المؤدي إلى شقاء الإنسان، لذلك كان المبدأ الذي ينشأ في ذهن شخص باطلاً في عقيدته وفي نظامه الذي ينبثق عنها، { اتَّبِعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء }( 3).
من هنا كان الإسلام هو المبدأ الوحيد الصحيح في الدنيا، فالإسلام الذي أوحاه الله تبارك وتعالى إلى نبيه محمد وختم به الرسالات عمد إلى العقدة الكبرى فحلها للإنسان حلاً يوافق الفطرة ويملأ العقل قناعة والقلب طمأنينة.
فلقد بيّن الإسلام أن وراء الكون والحياة والإنسان خالقاً خلقها هو الله تعالى، ولذلك كان أساسه الاعتقاد بوجود الله تعالى. والإيمان بالله يجب أن يقترن بالإيمان بنبوة محمد ورسالته، وبأن القرآن الكريم كلام الله، فيجب الإيمان بكل ما جاء به. ولهذا كانت العقيدة الإسلامية تقضي بأنه يوجد قبل الحياة ما يجب الإيمان به، وهو الله تعالى، وتقضي بالإيمان بما بعد الحياة وهو يوم القيامة، وبأن الإنسان في هذه الحياة الدنيا مقيد بأوامر الله ونواهيه، وهذه هي صلة الحياة الدنيا بما قبلها، ومقيد بالمحاسبة على اتباع هذه الأوامر واجتناب هذه النواهي، وهذه هي صلة الحياة الدنيا بما بعدها. ولذلك كان حتماً على المسلم أن يدرك صلته بالله تعالى حين القيام بالأعمال - أي في سلوكه - فيسيّر أعماله بأوامر الله ونواهيه.
ومن أجل أن يسيّر الإنسان أعماله وفق أوامر الله ونواهيه، وحتى تكون العقيدة الإسلامية قاعدة فكرية لمفاهيمه، جعل الله تعالى الشريعة الإسلامية شريعة شاملة لكل نواحي الحياة، تنظم سلوك الإنسان كله، وتعالج جميع مشاكله وتنتظم جميع أفعاله. فأعطى حكماً شرعياً لكل فعل من أفعال العباد، فإن أي فعل من أفعال العباد ينطبق عليه أحد الأحكام الشرعية الخمسة وهي : الوجوب والتحريم والندب والكراهية والإباحة. قال تعالى : { ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء }(4 ).
ومن مجموع تلك الأحكام الشرعية تكونت أنظمة الحياة. فعلاوة على أحكام العبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات، شرع لنا الإسلام أنظمة للحياة والمجتمع والدولة، بما في ذلك سياستها الداخلية، من نظام للحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم، وكذلك سياستها الخارجية من أحكام الجهاد والمعاهدات والحرب والسلم وغيرها. قال عز وجل : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً }( 5).
وبذلك كان الإسلام المبدأ الوحيد الكفيل بإنهاض البشرية النهضة الصحيحة وإيصالها إلى السعادة الحقيقية. وإن التاريخ خير شاهد على هذه الحقيقة العظيمة. فالقرون التي شهدت تطبيق الإسلام بشكله الصحيح شهدت أعظم نهضة عرفها النوع الإنساني. وإذا أراد البشر اليوم ? وعلى رأسهم المسلمون - أن ينعموا بنهضة تعلي الإنسان وتكرمه وتوصله إلى السعادة، فعليهم أن يعيدوا المبدأ الإسلامي إلى معترك الحياة من خلال تطبيقه في المجتمع والدولة. عندها سيخرجون من دياجير الظلم والظلمات إلى رحابة النور والعدل. وصدق الله العظيم إذ قال : { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات }( 6).
**(1)سورة الزخرف - الآية 32
(2) سورة الرعد - الآية 11
(3) سورة الأعراف - الآية 3
(4) سورة النحل - الآية 89
(5)سورة المائدة - الآية 3
(6)سورة البقرة - الآية 257**
لا إلــه إلا الله مـحمـد رسـول الله
القاعدة الفكرية للمسلمين
قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً * فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً }( 1).
إن الإنسان الراقي، هو ذلك الإنسان الذي يتخذ لفكره قاعدة معينة يسير وفقها وتعيّن له وجهة نظره في الحياة وتجعل من أفكاره بنياناً متكاملاً ونسقاً متناغماً، فلا تتضارب أفكاره ولا تتناقض ولا يأكل بعضها بعضاً، مما يجعل منه شخصية متميزة ذات لون معين واتجاه ثابت وموقف حازم ورأي واضح.
أما الإنسان الذي لا يملك تلك القاعدة الفكرية فإنه يحمل مزيجاً من الأفكار غير متجانس ولا متكامل، وإنما هو مزيج من المتناقضات والمتنافرات. فكل فكرة تضرب الأخرى وكل رأي يأكل الآخر. وهذا الإنسان لا يثق بفكرة يحملها، ولا يجزم برأي يصدره،ولا يثبت على موقف يتخذه،وأفكاره هي دائماً في مهب الريح، عرضة لأن تتطاير مع أية نسمة تمر بها. وهذا ما يجعل منه شخصية مضطربة متلونة ضعيفة، إنها الشخصية “المنخفضة”.
لذلك أراد الله عز وجل لعقيدة المسلمين أن تكون أساساً لتفكير المسلم كله وسلوكه كافة. قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة }(2 ). فالعقيدة الإسلامية ليست كسائر العقائد الدينية، تتناول جزءاً من تفكير الإنسان وتلقي بظلالها فقط على كمية محدودة من أفكاره. بل هي العقيدة التي لا يتأتى لمسلم يعتنقها ويفهمها حق فهمها إلا أن يبني كل أفكاره وثقافته وآرائه عليها، وأن لا يحمل أي رأي أو فهم يناقضها، وهذا ما يجعل من العقيدة الإسلامية قاعدة فكرية. وهكذا نفهم أول آية نزلت على رسول الله r : { إقرأ باسم ربك الذي خلق }( 3).
ومن هنا وجب على المسلم أن يستحضر عقيدته وما تحويه وتقتضيه من أفكار، حين يستمع لأي فكر، وحين يقرأ أي بحث، وحين يرى أي حدث ويسمع أي خبر. وبذلك فإن ذهنه لن يتقبل أي مفهوم يتعارض مع عقيدته التي يحملها.
فالعقيدة الإسلامية هي الجواب الجازم على الأسئلة الأساسية التي تشكل العقدة الكبرى لدى الإنسان. إنها الإجابة القاطعة عن أصل الإنسان والكون والحياة وعن مآلها، وهي التي تفسر للإنسان معنى وجوده والغاية التي يحيا من أجلها. وبذلك كانت جديرة بأن تكون الأساس لكل ثقافة الإنسان والسراج الذي ينير له طريقه في حياته الدنيا، قال تعالى : { أوَ من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها }( 4). ولأن العقيدة الإسلامية هي العقيدة الصحيحة الحقة التي أوحاها الله تعالى إلى كل أنبيائه، كانت كفيلة بأن تعطي الإنسان موقفاً من كل فكر ورأي وحدث، قال تعالى : { ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء }(5 ).
انظر إلى هاتين الآيتين الكريمتين، وهما تبينان هذه السمة الجوهرية للعقيدة الإسلامية.
{ ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء * تؤتي أُكُلَها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون }( 6).
إن الكلمة الطيبة التي تذكرها الآية الكريمة كما فسرها أغلب المفسرين هي العقيدة الإسلامية، قال ابن عباس : “الكلـمــة الـطــيــبة لا إلـه إلا الله”، وقال مجاهد وابن جريج : “الكلمة الطيبة الإيمان”(7 ). فالله تعالى يشبه الإسلام بالشجرة الطيبة الطاهرة، فكما أن أصل تلك الشجرة ثابت في الأرض مكين قوي، كذلك الإسلام فإن عقيدته هي أصل مقطوع به جازم يقيني، صالح لأن يكون أساساً لكل فروعه من أحكام وأفكار وآراء ووجهة نظر. وكما هي تلك الشجرة التي ذكرتها الآية والتي تذكر الآثارُ النبوية أنها النخلة(8 ) تؤتي أُكُلها كل حين، فلا تعرى من الورق، ويأكل الإنسان من ثمرها على مدار السنة بلحاً ورطباً وتمراً، كما هي تلك الشجرة فكذلك الإسلام، يؤتي أكله كل حين بإذن الله تعالى، فلا يعجز عن إمداد المسلم وإسعافه بالموقف اللازم إزاء أي فكر أو رأي أو حدث من الأحداث.
ثم بعد ذلك يأتي قوله تعالى : { يثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة…}(9 )، فتؤكد هذه الآية المعنى ذاته. فالقول الثابت كما يقول ابن عباس هو “لا إله إلا الله”. فالعقيدة الإسلامية هي التي تجعل من المسلم إنساناً ثابتاً وطيداً أمام كل استحقاقات الحياة.
وتأمّلْ في قوله تعالى : { ومن يؤمن بالله يَهْدِ قلبه والله بكل شيء عليم }( 10). فالله عز وجل يخـبرنا فـي هذه الآيــة الكريمة أن الإيمان به -وبالتالي الإيمان بما أوجب من العقائد- هو الذي يهدي قلب الإنسان. والقلب حين يرد ذكره في القرآن الكريم فإنه يراد به غالباً العقل، قال تعالى : { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها }( 11). وبذلك يكون الإيمان بالله مرشداً للعقل موجهاً له في كل ما يعترض الإنسان في حياته، ولذلك ختم الله تعالى الآية بقوله : { والله بكل شيء عليم }، أي إن الله هو الذي يعلم كل شيء وهو القادر على أن يعلم الإنسان ما يلزمه في حياته، كما في قوله تعالى: { واتّقوا الله ويُعَلِّمُكم الله }( 12).
هذه هي أهم سمة ميّزت المسلمين الذين حملوا الإسلام في صدر التاريخ الإسلامي. فأولئك الصحابة الذين كانوا في الجاهلية يحملون عقائد الكفر ويعبدون الأوثان ويقارفون الفواحش ويئدون البنات ويحيوْن حياة الانحطاط والتخلف ويتخلقون بأخلاق القبلية العصبية الجاهلية، أولئك تحولوا بمجرد أن أصبحت العقيدة الإسلامية قاعدة تفكيرهم إلى أناس آخرين، وكأن تلك الأبدان أصبحت تحوي في داخلها نفوساً أخرى غير تلك التي كانت تحويها. فإذا الرجل منهم يصبح شخصية متميزة ترفض كل عقائد الجاهلية وتأنف عاداتها الهابطة وتزدري مفاهيمها وتقاليدها البالية العفنة. وإذا بتلك القاعدة الفكرية الجديدة تنير لهم طريق الرشاد وتكشف لهم الأشياء على حقيقتها والناس على قدرهم، وتملأ عقولهم بثقافة عظيمة هي بمثابة البنيان الشامخ والصرح العظيم الذي قام على الأساس المتين، حتى اصبح الواحد منهم يوصف بحق بأن سلوكه القرآن.
النهضة الصحيحة والنهضة الخاطئة
إذا كان معظم المفكرين والمؤرخين والفلاسفة الغربيين يقفون عند حد البحث عن النهضة وأسبابها وتفسيرها، فمن الخطأ أن نتابعهم على ذلك. فها هو التاريخ قد أعطانا نماذج عدة من النهضات. ولم تكن كل نهضة كالأخرى، وإنما هناك اختلاف جوهري عميق، بل وأساسي بين نهضة وأخرى. فليس من الصواب أن يكتفي الإنسان بالبحث عن مطلق نهضة، بل عليه أن يبحث عن تلك النهضة التي تؤدي إلى هناء الإنسان أي إلى طمأنينته الدائمة. وبعبارة أخرى: ما دام هناك نهضة صحيحة وأخرى فاسدة، فهذا يعني أن على الإنسان أن يتحرى تلك الصحيحة.
إذا كان المبدأ - بعقيدته ونظامه - هو سر النهضة، فهذا يعني أن النهضة الصحيحة منبعها المبدأ الصحيح. والمبدأ الصحيح هو ذلك الذي يقوم على العقيدة الصحيحة التي تقنع العقل وتوافق الفطرة الإنسانية فتملأ القلب طمأنينة. وهذه العقيدة من شأنها أن تعطي الإجابة الصادقة والفكرة الصائبة عن الكون والإنسان والحياة. وهذا المبدأ هو القابل للتطبيق في أي زمان وأي مكان، وهو الكفيل للإنسان بالنهضة الصحيحة.
أما المبدأ الذي يقوم على عقيدة خاطئة، فإنه لا يكون قابلاً للتطبيق، إلا بقدر ما يجد في المجتمع من ظروف وأوضاع مواتية ومتناغمة مع طرحه وتوجهه، وغالباً ما تكون قابليته للتطبيق آتية من كونه هو بحد ذاته رد فعل على أوضاع أو أزمات تفاقمت في مجتمع ما، كما هو شأن المبدأ اللبرالي. ثم سرعان ما يكتشف القائمون عليه عدم قابليته للاستمرار مطبقاً بعد أن يكتشف المجتمع مخالفته لعقولهم وتنافره مع فطرتهم، وسرعان ما يرتكس ذلك المجتمع من جديد في ظل نظام كان هو نفسه السبب في نهضته فيما مضى من الزمان. وأقرب مثال إلينا هو المبدأ الشيوعي.
فقد أحدث ذلك المبدأ نهضة لم تستطع الاستمرار أكثر من عدة عقود لشدة ما بلغ من الفساد. ذلك أن عقيدته صادمت فطرة الإنسان وعقله حين نفت وجود الخالق سبحانه، فقالت “لا إله والحياة مادة”. فالفطرة الإنسانية تنزع بطبيعتها إلى عبادة الخالق المدبر، والعقل يقطع ويجزم بأن الكون والإنسان والحياة كلها مخلوقة لخالق، وذلك لما يظهر فيها من محدودية وعجز ولما يتجلى فيها من آثار الإبداع والإتقان التي تدل على مبدع حكيم أحسن خلقها. وبالتالي انبثق عن هذه العقيدة نظام عفن فاسد هو النظام الاشتراكي، رفع الإنسان لحظة من عمر التاريخ ليودي به إلى الهاوية ولم يتزحزح عن صدره إلا وقد أرداه صريعاً خائر القوى لا يقدر على شيء.
أما المبدأ اللبرالي الرأسمالي الذي ظهر كانسلاخ عن أوضاع العصور الوسطى في أوربا، فهو أيضاً مبدأ خاطىء. ذلك أن عقيدته - عقيدة فصل الدين عن الحياة - ليست عقيدة روحية. فهي بعد أن اعترفت بأن الإنسان مخلوق لخالق - علماً أنها لا تجزم بذلك - فصلت ذلك الإنسان عن خالقه وقالت له:" إن الخالق خلقك على هذه الأرض ثم تخلى عنك وتركك لتدبر أمرك كيفما شئت"(1 ). فخالفت بذلك فطرة الإنسان الذي يرى نفسه عاجزاً قاصراً محدوداً، ويرى خالقه مدبر أمره وحياته كلها.
وإذا كانت تلك العقيدة - التي هي أصل المبدأ - فاسدة خاطئة فمن الطبيعي أن تكون الأنظمة التي انبثقت عنها فاسدة، والحضارة التي قامت عليها منحرفة.
أما الإسلام، فهو مبدأ مقنع للعقل وموافق للفطرة. ذلك أن عقيدته التي أوحاها الله تعالى إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أعطت الفكرة الكلية الصحيحة عن الكون والإنسان والحياة حين قررت أنها جميعها مخلوقة لخالق، وعما قبل الحياة الدنيا وهو الله تعالى، وعما بعدها وهو يوم القيامة، وحددت علاقة الإنسان بخالقه، وهي وجوب الانقياد لأوامره ونواهيه وتسيير الحياة بالنظام الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وربطت الإنسان وهو يعيش على هذه الأرض بيوم القيامة وما بعده وذلك بأن وعدته بالجنة إن هو فوّض أمره لخالقه سبحانه وانقاد لأوامره ونواهيه، وتوعدته بالنار إن هو خالف وتمرد وعصى. يصف الله تعالى لنا رحلة الإنسان منذ نزوله إلى الأرض وحتى خروجه منها يوم الحساب قائلاً:
{ قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }(2 ).
وبذلك كانت هذه العقيدة مقنعة لعقل الإنسان الذي يخاطبه القرآن الكريم قائلاً :{ أفي الله شك فاطر السموات والأرض }( 3). وكذلك كانت هذه العقيدة موافقة لفطرة الإنسان التي تنزع إلى عبادة الخالق المدبر، والتي تكلم عنها القرآن الكريم قائلاً: { فأقم وجهك للدين حنيفاً فِطْرَتَ الله التي فطرَ الناس عليها لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون }( 4).
وهكذا كانت هذه العقيدة عقيدة روحية(5 )، فلا تعارض في الإسلام بين المادة والروح أو الناحية الروحية. فإذا كانت الروح هي إدراك الصلة بالله تعالى، فإن الإسلام يكون قد ربط بين المادة والروح حين أمر الإنسان بأن يسيّر أعماله المادية بأوامر الله ونواهيه، فيدرك صلته بالله تعالى حين القيام بالأعمال، فيجمع بين عمارة الدنيا ورضوان الله تعالى. وفي الوقت نفسه كانت هذه العقيدة عقيدة سياسية بما انبثق عنها من نظام للإنسان في حياته ومجتمعه ودولته.
هكذا ندرك الفرق بين الظواهر النهضوية في التاريخ. وهذا ما يجعلنا نقف عند التفسير الحقيقي لتميّز النهضة الإسلامية عن كل ما سواها من النهضات تميّزاً كلياً. وإذا كان لا بد لنا من عرض مقارنة بين النهضة الإسلامية وغيرها، فمن الخطأ أن تكون بينها وبين حضارة العصور الوسطى الأوربية، ذلك لأن العصور الوسطى الأوربية باعتراف الجميع لم تكن عصور نهضة وإنما كانت عصور انحطاط. إذن فلتكن المقارنة بين نهضة الحضارة الإسلامية ونهضة الحضارة الغربية المعاصرة التي تهيمن على العالم اليوم.
**(1)راجع: بهجة المعرفة- المجموعة الثانية - ج 4 - ص 359.
(2) سورة البقرة - الآيتان 38 - 39.
(3)سورة إبراهيم - الآية 10.
(4)سورة الروم - الآية 30.
(5) أنظر موضوع “الروح والناحية الروحية” في هذا الكتاب.**