أجوبة أسئلة في النظام الإجتماعي

أجوبة أسئلة في النظام الإجتماعي**
01 فهرس
02 عورة من بلغت المحيض
05 الاختلاط
09 حكم زواج المسلمة بغير المسلم
11 حول موضع عورة المرأة على المرأة
12 حول التبرج والعورة
13 هل صوت المرأة عورة؟
14 توضيـح معنـى التبـرج
15 ولاية للكافر على المسلمة
16 جواز أن يطلب الخاطب من المخطوبة الكشف هنم شيء من الجسم
17 دخول السينما لمشاهدة الأفلام العادية
18 هل يجوز للمرأة دون محرم ركوب سيارة خاصة إذا كان السائق من معارف أهلها؟
19 حول التبرج والزينة
20 مسافة البريد
21 الركوب مع معلم السواقة لتعلُّم السواقة إذا كانت وحدها دون محرم
22 نظر الخاطب
23 حكم المهر وشروط عقد الزواج
24 نقل البويضة الى رحم امرأة اخرى
25 ولاية الكافر في عقد النكاح
26 ألنظر إلى المرأة في حالة الخطبة
27 ركوب المرأة سيارة خاصة دون محرم
28 ألتبرج
29 سفر المرأة بدون محرم
30 ألمرأة ومعلم السواقة
31 عورة المرأة على المرأة
32 حول التوائم الملتصقة
33 حكم صلاة المرأة في البنطال في بيتها وخارج بيتها.
33 ب هل يجوز للمرأة الصلاة والخروج من بيتها بالباروكة؟
34 1- حول الحكم القضائي 2- بر الوالدين
35 حول لبس الباروكة
36 رفع الصوت على الوالدين
37 كشف المرأة حجابها عن عم الأب وخال الأم
38 اللباس الشرعي للمرأة
39 أجوبة أسئلة متعلقة بلباس المرأة
40 تحديد جنس الاجنة
41 رفض الأب لعمل قُدِّم لابنته
42 سَتر القدمين
43 حول الزواج وشأنه
44 أحكام متعلقة بستر القدمين
45 توضيح معنى التبرج
46 حول اللباس الشرعي للمرأة في الحياة العامة والحياة الخاصة
47 توريث ذوي الأرحام
48 سفر المرأة
49 صالات الأفراح
50 طلاق المرأة من زوجها
51 الطلاق المضاف والتفريق بين الزوجين بسبب الحبس
52 خسر البيع( لمن يظنّ أوربا جمعية خيرية للآجئين ألسوريين )
53 حول التواصل بين الرجال والنساء عبر الإنترنت
54 حول نظرة الإنسان لغريزة النوع
55 توريث ذوي الأرحام
56 حول عمليات العقم الدائم
57 المرأة وتولي القضاء
58 قدما المرأة عورة
59 رفع الصوت على الوالدين
60 اللباس الشرعي للمرأة في الحياة العامة والحياة الخاصة
61 موانع الإرث
62 دخول العريس صالة النساء
63 اللباس الشرعي للمرأة في الحياة العامة و الحياة الخاصة
64 اللباس الشرعي الذي أوجبه الإسلام على المرأة في الحياة العامة

ألمرأة ومعلم السواقة

ألسؤال : هل يجوز للمرأة أن تركب مع معلم السواقة لتعلُّم السواقة إذا كانت وحدها دون محرم أو زوج على اعتبار أن سيارة تعليم السواقة هي سيارة عامة وليست سيارةً خاصةً حتى تحتاج محرماً؟ ثم هل يأثم معلم السواقة في تعليمه السواقة لامرأة جاءته دون محرم أو زوج؟

الجواب

صحيح أن سيارة تعليم السواقة هي سيارة عامة وليست خاصةً، ولكن الواجب هنا وجود الزوج أو المحرم مع المرأة، فإن لم تفعل أثمت، وكذلك يأثم معلم السواقة إن عَلَّمَها في السيارة دون محرم.

وبيان ذلك كما يلي:

1 - إن الله سبحانه أجاز للمرأة أموراً في الحياة العامة: (على الوجوب أو الندب أو الإباحة)، وبالتالي فللمرأة أن تؤديها في الحياة العامة على وجهها.

وهذه الأمور قسمان:

القسم الأول لا يقتضي أداؤه اجتماع الرجال والنساء معاً أو وجود خلطة بينهما، والخلطة هي (المجاورة والحديث معاً).

مثلاً: السير في الشارع، الذهاب للمسجد، الذهاب للنزهة، إلى حديقة عامة … وأمثالها. فهذه لا يجوز للمرأة الخلطة مع الرجال في أدائها لأن الأصل هو الانفصال كما جاء في الأحكام المتعلقة بالرجال والنساء في الإسلام، وما دام أداء ما أجازه الشرع للمراة لا يقتضي الخلطة والاجتماع لأجله فإن الحكم يبقى على أصله، أي تسير المراة في الشارع وإلى المسجد أو إلى أهلها أو إلى الحديقة … مشياً أو ركباً (دون المسافة التي تقتضي محرماً)، تؤدي ذلك دون خلطة مع الرجال الأجانب أي دون المجاورة والحديث معاً، فتركب في الباص دون الحديث مع الرجل الأجنبي بجانبها، وتدخل الحديقة وتسير فيها دون خلطة … ومثل هذه الحالات العامة ليس بالضرورة أن يكون مع المرأة محرم، وكذلك ليس بالضرورة أن تكون ممراتٌ في الحديقة للنساء وممراتٌ أخرى للرجال، أو شوارع في المدينة للرجال وشوارع أخرى للنساء … بل هي ممرات وشوارع واحدة يسيرون فيها ولكن دون خلطة بالمعنى السابق المذكور.

وهكذا جميع الأمور التي أجازها الشرع للمرأة ولا يقتضي أداؤها اجتماع الرجال والنساء.

والقسم الثاني يقتضي أداؤه اجتماعَ الرجال والنساء لغرض يجتمعون لأجله.

مثلاً: البيع والشراء، الإجارة، التطبيب والتمريض، بعض أنواع التعلم والتعليم، المحاضرات العلمية العامة، تنمية المال بالزراعة أو الصناعة … ففي هذه الحالات تكون لهذه الحياة أحكام خاصة تنظم هذا الاجتماع في حدود الشرع.

فالصلاة جماعة في المسجد يقتضي أداؤها اجتماع الرجال والنساء، لذلك وجد لها حكم خاص بأن تنفصل الصفوف، فالرجال أولاً ثم النساء، ولكن دون ضرورة وجود المحرم بين المصلين.

والحج يقتضي أداؤه اجتماع الرجال والنساء دون فصل للصفوف، ولذلك كانت أحكام الحج المعروفة للرجال والنساء.

والتطبيب والتمريض يقتضي أداؤهما، في حالات معينة، اجتماعَ الرجال والنساء، لذلك كان لهما حكم خاص جاز معه ؤية مكان المرض ولو كان من العورة.

وهكذا …

2 - وتعليمُ السواقة يقتضي وجودَ الرجال والنساء للتعليم إذا كان لا يتأتى وجود معلمات سواقة للنساء ومعلمي سواقة للرجال، لذلك تُلتمس لهذه الحالة أحكامها الخاصة.

وبدراسة واقع تعليم السواقة يتبين ما يلي:

  • واقع تعليم السواقة في السيارة هو محصور بالمعلم والمتعلمة، فالغرض هو تعليم السواقة لفرد وليس لجماعة، فالغرض الخاص لاجتماع الرجال والنساء لأجله هو محصور بهما وليس كالمسجد أو المحاضرة العامة حيث إن الغرض الذي يجتمعون لأجله يشمل أعداداً كثيرةً، فالخلوة منتفية، والمشكلة هي في صفوف الرجال والنساء، ولذلك جاءت الأدلة بفصل الصفوف دون التعرض للخلوة أو للمحرم.

وأما في حالة تعلم السواقة في السيارة، فإنَّ الغرض الجامع للرجال والنساء متعلق باثنين: معلم السواقة والمتعلمة، ولهذا فإنَّ مظـنـة الخلوة واقعة حسب متطلبات السير لتعليم السواقة في طرق مختلفة، بالإضافة إلى حدوث الخلطة أي لاجتماع المتجاور والحديث أثناء تعليم السواقة. ولذلك يجب أن تقطع الخلوة وتحصر الخلطة في موضوع تعليم السواقة، ويكون ذلك بمحرم لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم» أخرجه مسلم. لهذا فإن الواجب وجود زوج المتعلمة أو محرمها أثناء ركوب السيارة لتعليم السواقة. وكل ذلك إذا لم ينيسر وجود امرأة تعلم السواقة للنساء، فإن لم يتيسر كان ما ذكرناه أعلاه.

والخلاصة أنه يجوز للمرأة ركوب سيارة تعليم السواقة مع معلم السواقة، على أن يكون معها في السيارة زوجها أو محرم لها، وإن لم يكن المحرم موجوداً فقد أثمت، وأثم معلم السواقة الذي يعلمها دون وجود محرم أو زوج.

مع ملاحظة أن المراة في الحياة العامة، في كل حالاتها، يجب أن تكون مستورة العورة باللباس الشرعي أي الجلباب والخمار وفق حدود الشرع.

18 من رمضان 1427هـ ألموافق 10/10/2006م

**توريث ذوي الأرحام

السؤال من : Yuce ulfa **

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بعد التحية، يا شيخنا الجليل حفظك الله و رعاك، ورد في كتاب الأموال في دولة الخلافة في الباب “مال من لا وارث له” ص. 118ما يلي: “كل مال، منقولا كان، أو غير منقول، مات عنه أربابه، ولم يستحقّه وارث بفرض، ولا تعصيب، بأن يكون الشخص قد مات، ولم يكن له ورثة، من زوجة، أو أولاد، أو آباء، أو أمهات، أو إخوة، أو أخوات، أو عصبات، فإن هذا المال ينتقل إلى بيت المال ميراثا.” السؤال هو: هل هذا يعني ان الحزب يتبنى عدم توريث ذوي الأرحام عند عدم ذوي الفروض و عدم العصبات؟ اي إذا مات شخص ولا يوجد وارثه من ذوي الفروض و لا العصبات، ولكن يوجد قرباته من ذوي الأرحامه، في هذه الحالة هل ينتقل مال تَرِكَتِهِ إلى بيت المال ميراثا ولا يستحقّ ذوي الأرحامه شيئا من تركته؟ وإذا كان، وكيف بما روي عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، أَنَّ رَجُلًا رَمَى رَجُلًا بِسَهْمٍ، فَقَتَلَهُ، وَلَمْ يَتْرُكْ إلَّا خَالًا، فَكَتَبَ فِيهِ أَبُو عُبَيْدَةَ إلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ « اللَّهُ وَرَسُولُهُ مَوْلَى مَنْ لاَ مَوْلَى لَهُ وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لاَ وَارِثَ لَهُ » (رواه الترمذي و النسائي و ابن ماحه و أحمد و ابن حبان) وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، وصححه ابن حبان. قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. و روى المقدام بن معديكرب، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال «مَنْ تَرَكَ كَلاً فَإِلَيَّ (وَرُبَمَا قَالَ: إِلَى اللهِ وِإِلَى رَسُوْلِهِ) وَمَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ وَأَنَا وَارِثٌ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ أَعْقِلُ لَهُ وَأَرِثُهُ وَالْخَالُ وَارِثٌ مَنْ لاَ وَارِثَ لَهُ يَعْقِلُ عَنْهُ وَيَرِثُهُ» (رواه أحمد و أبو داود و ابن ماحه و الطحاوي و ابن حبان و الحاكم و البيحقي و ابن الجارود) و روى أبو عاصم عن أبن جريج عن عمرو بن مسلم عن طاوس عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه و سلم «اَلْخَالُ وَارِثٌ مَنْ لاَ وَارِثً لَهُ» (رواه الترمذي و الدارقطني) قال الترمذي :وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ هذه الأحاديث تثبط أن الخال وارث، و الخال من ذوي الأرحام، و عليه فإن هاذه الأحاديث تدل توريث ذوي الأرحام. و روي عن واسع بن حبان قال : توفى ثابت بن الدحداحة ولم يدع وارثا ولا عصبة فرفع شأنه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأل عنه عاصم بن عدى هل ترك من أحد فقال يا رسول الله ما ترك أحدا فدفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماله إلى ابن أخته أبى لبابة بن عبد المنذر (قال السيوطي في جامع الحديث: سعيد بن منصور وسنده صحيح) و روي عن واسع بن حبان قال توفي ثابت بن الدحداحة وكان رجلا أتيا في بني أنيف أو في بني العجلان فقال النبي صلى الله عليه و سلم هل له من وارث فلم يجدوا له وارثا قال فدفع النبي صلى الله عليه و سلم ميراثه إلى بن أخته أبي لبابة بن عبد المنذر (مصنف عبد الرزاق) أشكرك كثيرا على اهتمامك و جوابك يا شيخنا الجليل، و جزاك الله خيرا، وجعل الله النصر و التمكين على يديك آمين. و معذرة عن طوال السؤال. أختك أم فقيه عبد الرحمن) انتهى.

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته:

قبل الإجابة على هذا السؤال يحسن أن نبين ما يلي:

ينقسم من لهم صلة قرابة بالميت في علم المواريث إلى ثلاثة أقسام:

1- أصحاب الفروض وهم الذين لهم أنصبة مقدرة من الميراث نص عليها #‏الشرع.

2- العصبات وهم الذين ليس لهم أنصبة وفروض مقدرة من الميراث ولكن الشرع نص عليهم بأخذ ما يبقى من #‏الميراث.

3- ذوو الأرحام وهم سائر الأقارب الذين ليسوا أصحاب فروض ولا عصبات، وهم عشرة أصناف: الخال والخالة، والجد لأم، وولد البنت وولد الأخت، وبنت الأخ، وبنت العم، والعمة، والعم لأم، وابن الأخ لأم ومن أدلى بأحد منهم.

ولا خلاف بين #‏المسلمين في أن أصحاب الفروض والعصبات يرثون لورود أدلة واضحة في ذلك، فآيات المواريث والأحاديث الصحيحة، أدلة واضحة على كونهم يرثون… وأما ذوو الأرحام فقد وقع خلاف في توريثهم في عهد الصحابة والتابعين والفقهاء من بعد…

فممن قال بتوريثهم من الصحابة علي وابن مسعود وابن عباس في أشهر الروايات عنه… ومن التابعين شريح والحسن البصري…

وممن قال بعدم توريثهم من الصحابة زيد بن ثابت وابن عباس في رواية عنه… ومن #‏التابعين سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير…

وذهب الشافعي إلى أنه لا ميراث لهم وأن بيت المال أولى منهم… وقال أبو حنيفة: ذوو الأرحام أولى بالميراث من بيت المال…

وهكذا فإن المسألة خلافية، وإني أجيبك وفق الراجح لدينا:

1- نعم إن الحزب يتبني الرأي القائل بعدم توريث ذوي الأرحام عند انعدام أصحاب الفروض والعصبات، ويظهر ذلك من النص الذي نقلته السائلة من كتاب الأموال في دولة الخلافة، وأوضح منه هو ما جاء في النظام الاجتماعي تحت عنوان: “صلة الأرحام” من قوله:

(وقد جعل الإسلام الأقارب قسمين أحدهما الأقارب الذين يمكن أن يرثوا الشخص إذا مات.

والثاني أولو الأرحام. أما الذين لهم حق الإرث فهم أصحاب الفروض والعصبات، أما ذوو الأرحام فهم غير هؤلاء، وهم من لا سهم لهم في الميراث وليسوا بعصبة.

وهم عشرة أصناف:

الخال والخالة، والجد لأم، وولد البنت وولد الأخت، وبنت الأخ، وبنت العم، والعمة، والعم لأم، وابن الأخ لأم ومن أدلى بأحد منهم. وهؤلاء لم يجعل الله لهم نصيباً في ميراث الشخص مطلقاً.) انتهى،

فنحن نتبنى هذا الرأي لرجحان أدلته عندنا.

2- فإذا مات شخص وليس له وارث من أصحاب الفروض والعصبات، فإن ميراثه مستحق لبيت مال المسلمين، أي أن بيت مال المسلمين هو وارثه، والدليل على ذلك:

  • أخرج الحاكم في المستدرك وقال هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ: عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْهَوْزَنِيِّ، عَنِ الْمِقْدَامِ الْكِنْدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَا مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ أَرِثُ مَالَهُ …»

  • وأخرج ابن حبان في صحيحه عن رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْهَوْزَنِيِّ، عَنِ الْمِقْدَامِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيْنَا، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَأَنَا وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ…».

-وأخرج ابن ماجه في سننه عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْهَوْزَنِيِّ، عَنِ الْمِقْدَامِ الشَّامِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَا وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، أَعْقِلُ عَنْهُ وَأَرِثُهُ…»

فهذه الأحاديث صريحة، وواضحة الدلالة، في أن الشخص إذا مات وليس له وارث، فإن وارثه يكون هو الرسول ï·؛، لأنّه ولي المؤمنين كافة، ومولى من لا مولى له، ومن بعده انتقلت الولاية إلى الخليفة، وأصبح #‏الخليفة هو ولي #‏المؤمنين كافة، ومولى من لا مولى له، ووارث من لا وارث له، ووراثة الخليفة لا تكون لنفسه، وإنّما لبيت مال المسلمين، وبذلك يتحول ميراث من لا وارث له، من الأملاك الخاصة، إلى ملكية الدولة، ويوضع في بيت المال، في ديوان الفيء والخراج، ويتصرف فيه الخليفة وفق ما يراه في مصالح المسلمين.

3- أما لماذا يتبنى الحزب أن ذوي الأرحام لا يرثون، فذلك لأن أدلة الميراث من الكتاب والسنة جاءت مفصلة ومبيِّنة أحكام الميراث ومستحقيه وهم:

  • أصحاب الفروض، ومن هذه الأدلة

قوله تعالى :ï´؟يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْن…)

وقوله تعالى: (ولكم نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ…ï´¾

  • والعصبات، ومن هذه الأدلة قوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري ومسلم عن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قال النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» أي لأقرب وارث من العصبات، جاء في فتح الباري (قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْمَعْنَى أَقْرَبُ رجل من الْعصبَة ، وَقَالَ بن بَطَّالٍ الْمُرَادُ بِأَوْلَى رَجُلٍ أَنَّ الرِّجَالَ مِنَ الْعَصَبَةِ بَعْدَ أَهْلِ الْفُرُوضِ إِذَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْمَيِّتِ اسْتَحَقَّ دُونَ مَنْ هُوَ أَبْعَدُ فَإِنِ اسْتَوَوْا اشْتَرَكُوا…)

ولم ترد أدلة تجعل لذوي الأرحام نصيباً من الميراث، وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في الحديث الذي رواه الترمذي عن أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ: «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ أَعْطَى لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ »، وهذا الحديث في خطبة حجة الوداع، وهي من آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته، وهو في موضوع الإرث، ومنه يتبين أن مستحقي الميراث هم من جعل الله سبحانه لهم حقوقاً في الميراث وفق ما جاء في كتاب الله تبارك وتعالى وما جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أصحاب الفروض والعصبات، ولا يدخل فيهم ذوو #‏الأرحام حيث لم يجعل الله سبحانه لهم نصيباً من الميراث.

4- أما ما جاء في السؤال من روايات بأن ذوي الأرحام لهم حق في الميراث، فهي ليست كذلك، وسنستعرضها كما يلي:

أ‌- روى الترمذي في سننه عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: كَتَبَ مَعِي عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اللَّهُ وَرَسُولُهُ مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ، وَالخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ»…لكن هناك رواية أخرى تبين العلة، فقد روى أبو داود في سننه عَنِ الْمِقْدَامِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيَّ» وَرُبَّمَا قَالَ: «إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَأَنَا وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، أَعْقِلُ لَهُ وَأَرِثُهُ، وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، يَعْقِلُ عَنْهُ وَيَرِثُهُ»، وبالجمع بين الحديثين يتبين أن الخال المقصود هنا هو الذي «يعقل عنه» أي يكون من عاقلته

(والعاقلة هم العصبات فقط، وأما غيرهم من الإخوة من الأم وسائر ذوي الأرحام والزوج وكل من عدا العصبات فإنهم ليسوا من العاقلة. والعاقلة هم عصبة الرجل، وهم أخوته وأعمامه وأولادهم وأن سفلوا… وهم الذين يدفعون دية القتل الخطأ حيث تدفعها العاقلة وحدها، وعاقلة الرجل هم عشيرته: إخوته وأعمامه وأولاد عمه حتى الجد الثالث…) العقوبات - باب لمن تدفع الدية.

وعليه فإن الخال المقصود في الحديث هو الذي يكون من العصبة كأن يتزوج رجل من ابنة عمه فيكون خال ولده ابن عمه أي من العصبة وليس فقط من ذوي الأرحام، أي أن الحديث يدل على أن من مات ولم يكن له ورثة من أصحاب الفروض وكان له خال من عصبته فإنه يرث، وأنْ تَرِثَ العصبةُ في هذه الحالة فلا خلاف.

ب- جاء في سنن سعيد بن منصور وفي كنز العمال عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان قال: «توفى ثابت بن الدحداحة ولم يدع وارثا ولا عصبة فرفع شأنه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأل عنه عاصم بن عدى هل ترك من أحد فقال يا رسول الله ما ترك أحدا فدفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماله إلى ابن أخته أبى لبابة بن عبد المنذر» وقال عنه السيوطي في جامع الحديث “سنده صحيح”، فواضح من هذه الرواية أن ثابت بن الدحداحة لم يدع وارثاً ولا عصبة، أي لم يترك مستحقاً للميراث، وأن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي دفع ماله إلى ابن أخته لا أنه أعطاه حقاً في الميراث، أي تصرف صلى الله عليه وسلم بوصفه إماماً فأعطى المال ابن أخته بما جُعل له صلى الله عليه وسلم من حق التصرف بهذا المال، فهذا الحديث دليل على أن ذوي الأرحام ليسوا أصحاب حق في الميراث وليس دليلاً على أنهم يرثون. وهذا واضح في أول الرواية: (ولم يدع وارثا ولا عصبة).

ويؤكد ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل عن ميراث العمة والخالة، فقال صلى الله عليه وسلم (لا ميراث لهما)، والحديث بتمامه: أخرج الحاكم في المستدرك على الصحيحين وقال هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ تَرَكَ عَمَّتَهُ وَخَالَتَهُ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُمَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ رَجُلٌ تَرَكَ عَمَّتَهُ وَخَالَتَهُ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُمَا» ثُمَّ قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ؟» قَالَ: هَا أَنَا ذَا، قَالَ: «لَا مِيرَاثَ لَهُمَا» والعمة والخالة من أولي الأرحام ومع ذلك فلم يجعلهما الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل الميراث.

ج- لكن حديث أبي لبابة يرشد إلى أن الميت إن لم يكن له ورثة من أصحاب الفروض ولا من العصبات فيعطي الخليفة لذوي الأرحام من تركة الميت، كلها أو بعضها، أي ليس فرضاً أن توضع كلها في بيت المال إن كان للميت ذوو رحم. وهذا لا يتعارض مع قولنا في الأموال من أن مال الميت يكون في بيت المال إن لم يكن للميت ورثة من أصحاب #‏الفروض أو العصبات، وذلك لأن الخليفة هو الذي يتصرف بهذه #‏الأموال وفق ما يراه من مصلحة للمسلمين، فله أن يعطي من تركة الميت لأرحامه إن لم يكن له ورثة من أصحاب الفروض والعصبات. فإذا انعدم بيت مال المسلمين لعدم وجود الخليفة، فإن مال الميت الذي لا ورثة له من أصحاب الفروض والعصبات، هذا المال يدفع إلى ذوي أرحامه، فهم أولى بماله من غيرهم عند فقد الإمام.

هذا هو الراجح في مسألة توريث ذوي الأرحام، والله أعلم وأحكم.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

20 من رمضان 1436 هـ

2015/07/07م

توضيـح معنـى التبـرج

**ألسؤال:

بسم الله الرحمان الرحيم شيخنا الفاضل السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

لقد قرأت ما كتبت عن لباس البنطال امام الاقارب وانه غير شرعي ولكنك لم ترفق معه دليل .. غير انك قلت انه من التبرج وكما تعلمنا ان معنى التبرج هو كل ما يلفت النظر وقد تختلف نظرة المجتمع للتبرج من بلد الى اخر فالبنطال كما اعلم في حياتنا الاجتماعية الخاصة بين الاقارب يكون شيء غير ملفت لان الجميع في الحياة الخاصة يلبسون اللباس قميص طويل وبنطال فهو يكون غير ملفت لان الجميع مثلنا والمجتمع الذي نعيش فية هو الذي يحدد نظرته للباس اذا كان فيه تبرج ام لا اي ملفت للنظر ام لا .. .. فارجو منك التوضيح .. وجزيت خيرا ونصرك الله وايدك باهل نصرته) انتهى.**

الجواب

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

إن التبرج في اللغة هو إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال

جاء في لسان العرب:

(والتَّبَرُّجُ: إِظهار الزِّينَةِ لِلنَّاسِ الأَجانب، وَهُوَ الْمَذْمُومُ، فأَما لِلزَّوْجِ فَلَا) وجاء في القاموس المحيط: (وتَبَرَّجَتْ: أظْهَرَتْ زِينَتَها لِلرِّجالِ.)، وجاء في مختار الصحاح: (وَ (التَّبَرُّجُ) إِظْهَارُ الْمَرْأَةِ زِينَتَهَا وَمَحَاسِنَهَا لِلرِّجَالِ.)…

وجاء في مقاييس اللغة:

((بَرَجَ) الْبَاءُ وَالرَّاءُ وَالْجِيمُ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا الْبُرُوزُ وَالظُّهُورُ…، وَمِنْهُ التَّبَرُّجُ، وَهُوَ إِظْهَارُ الْمَرْأَةِ مَحَاسِنَهَا.)) ويفهم من كلمة “إظهار” وكلمة “البروز والظهور” أن تكون الزينة لافتة للنظر كأنها تتجلى للرجال، والمعنى الشرعي لا يختلف عن ذلك، فقد قال سبحانه ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾، فلا تحرك المرأة رجلها بشدة على الأرض وهي تسير لكي يصدر صوت من الخلخال فيعرف الرجل أن المرأة تلبس زينة على ساقها تحت الثياب، وكل هذا يعني أن التبرج لغة وشرعاً هو الزينة اللافتة للنظر.

وبتطبيق هذا المعنى على لبس البنطلون في الحياة الخاصة أمام الأقارب غير المحارم عندما يأتون للبيوت صلة للرحم كالسلام على قريباتهم في الحالات التي يقرها الشرع مثل الأعياد… فإذا كان هذا اللبس دون قميص طويل فوقه يغطي انفراج البنطال فوق الفخذين، فإنه يكون لافتاً للنظر، فالمرأة وهي تلبس بنطلون وانفراج أعلاه فوق الفخذين ظاهر فإنها تلفت النظر. أما إن كان القميص يغطي الانفراج الأعلى من البنطلون فوق الفخذين ونحو ذلك فلا يلفت النظر عادة إلا في حالات غير معتادة…

وليس بالضرورة أن يأتي نص يذكر فيه أن لبس البنطلون في الحياة الخاصة أمام الأقارب غير المحارم هو تبرج، بل إن الأدلة أعلاه ذكرت واقع التبرج ما هو وينطبق هذا على البنطلون والبلوزة دون قميص يغطي انفراج البنطلون فوق الفخذين ونحو ذلك

ولهذا جاء في جواب السؤال ما يلي:

(ولبس البنطلون هو من التبرج لذلك لا يجوز الظهور بالبنطلون على الأقارب غير المحارم عندما يأتون لصلة الرحم أو التهنئة بالعيد…) انتهى.

فالجواب كان عن لبس البنطلون والبلوزة، أي الظاهر غير المغطى بقميص.

وقد التبس هذا الجواب على بعض الأخوات فسألت بعضهن عن الموضوع للتوضيح فأرسلت الجواب التالي:

(إن ما نشر على موقع الجامعة حول لبس البنطلون في البيت أمام الأقارب غير المحارم، وأنه يعتبر تبرجاً فلا يجوز أمامهم… هذا الجواب هو إذا كان البنطلون مكشوفاً، أي بنطلون وبلوزة، فالبنطلون ظاهر، ففي هذه الحالة يعتبر تبرجاً، فلا يجوز لبسه في البيت أمام الأقارب غير المحارم عند زيارتهم للبيت لصلة الرحم في الأعياد مثلاً، أما إذا كان فوقه تنورة غير لافتة للنظر تغطيه أو تغطي جزءاً كبيراً منه… فلا يكون تبرجاً في بيتها أمام الأقارب غير المحارم عند زيارتهم للبيت صلةً للرحم في الأعياد مثلاً…) انتهى

وواضح من السؤال أن صاحبه لم يطلع على هذا الجواب.

وبطبيعة الحال فالجواب هو في البيوت، وليس في الحياة العامة، لأن لبس الحياة العامة معروف حيث يجب أن يتحقق فيه ثلاثة أمور:

ستر العورة، عدم التبرج، ولبس الجلباب الشرعي

وقد سبق أن فصَّلنا هذا في أجوبة أخرى.

منقول

هل يجوز للمرأة أن تركب مع معلم السواقة لتعلُّم السواقة إذا كانت وحدها دون محرم أو زوج على اعتبار أن سيارة تعليم السواقة هي سيارة عامة وليست سيارةً خاصةً حتى تحتاج محرماً؟ ثم هل يأثم معلم السواقة في تعليمه السواقة لامرأة جاءته دون محرم أو زوج؟
الجواب
صحيح أن سيارة تعليم السواقة هي سيارة عامة وليست خاصةً، ولكن الواجب هنا وجود الزوج أو المحرم مع المرأة، فإن لم تفعل أثمت، وكذلك يأثم معلم السواقة إن عَلَّمَها في السيارة دون محرم.
وبيان ذلك كما يلي:

1 - إن الله سبحانه أجاز للمرأة أموراً في الحياة العامة: (على الوجوب أو الندب أو الإباحة)، وبالتالي فللمرأة أن تؤديها في الحياة العامة على وجهها.

وهذه الأمور قسمان:
القسم الأول لا يقتضي أداؤه اجتماع الرجال والنساء معاً أو وجود خلطة بينهما، والخلطة هي (المجاورة والحديث معاً).
مثلاً: السير في الشارع، الذهاب للمسجد، الذهاب للنزهة، إلى حديقة عامة … وأمثالها. فهذه لا يجوز للمرأة الخلطة مع الرجال في أدائها لأن الأصل هو الانفصال كما جاء في الأحكام المتعلقة بالرجال والنساء في الإسلام، وما دام أداء ما أجازه الشرع للمراة لا يقتضي الخلطة والاجتماع لأجله فإن الحكم يبقى على أصله، أي تسير المراة في الشارع وإلى المسجد أو إلى أهلها أو إلى الحديقة … مشياً أو ركباً (دون المسافة التي تقتضي محرماً)، تؤدي ذلك دون خلطة مع الرجال الأجانب أي دون المجاورة والحديث معاً، فتركب في الباص دون الحديث مع الرجل الأجنبي بجانبها، وتدخل الحديقة وتسير فيها دون خلطة … ومثل هذه الحالات العامة ليس بالضرورة أن يكون مع المرأة محرم، وكذلك ليس بالضرورة أن تكون ممراتٌ في الحديقة للنساء وممراتٌ أخرى للرجال، أو شوارع في المدينة للرجال وشوارع أخرى للنساء … بل هي ممرات وشوارع واحدة يسيرون فيها ولكن دون خلطة بالمعنى السابق المذكور.
وهكذا جميع الأمور التي أجازها الشرع للمرأة ولا يقتضي أداؤها اجتماع الرجال والنساء.

والقسم الثاني يقتضي أداؤه اجتماعَ الرجال والنساء لغرض يجتمعون لأجله.
مثلاً: البيع والشراء، الإجارة، التطبيب والتمريض، بعض أنواع التعلم والتعليم، المحاضرات العلمية العامة، تنمية المال بالزراعة أو الصناعة … ففي هذه الحالات تكون لهذه الحياة أحكام خاصة تنظم هذا الاجتماع في حدود الشرع.

فالصلاة جماعة في المسجد يقتضي أداؤها اجتماع الرجال والنساء، لذلك وجد لها حكم خاص بأن تنفصل الصفوف، فالرجال أولاً ثم النساء، ولكن دون ضرورة وجود المحرم بين المصلين.

والحج يقتضي أداؤه اجتماع الرجال والنساء دون فصل للصفوف، ولذلك كانت أحكام الحج المعروفة للرجال والنساء.
والتطبيب والتمريض يقتضي أداؤهما، في حالات معينة، اجتماعَ الرجال والنساء، لذلك كان لهما حكم خاص جاز معه ؤية مكان المرض ولو كان من العورة.
وهكذا …

2 - وتعليمُ السواقة يقتضي وجودَ الرجال والنساء للتعليم إذا كان لا يتأتى وجود معلمات سواقة للنساء ومعلمي سواقة للرجال، لذلك تُلتمس لهذه الحالة أحكامها الخاصة.

وبدراسة واقع تعليم السواقة يتبين ما يلي:

  • واقع تعليم السواقة في السيارة هو محصور بالمعلم والمتعلمة، فالغرض هو تعليم السواقة لفرد وليس لجماعة، فالغرض الخاص لاجتماع الرجال والنساء لأجله هو محصور بهما وليس كالمسجد أو المحاضرة العامة حيث إن الغرض الذي يجتمعون لأجله يشمل أعداداً كثيرةً، فالخلوة منتفية، والمشكلة هي في صفوف الرجال والنساء، ولذلك جاءت الأدلة بفصل الصفوف دون التعرض للخلوة أو للمحرم.

وأما في حالة تعلم السواقة في السيارة، فإنَّ الغرض الجامع للرجال والنساء متعلق باثنين: معلم السواقة والمتعلمة، ولهذا فإنَّ مظـنـة الخلوة واقعة حسب متطلبات السير لتعليم السواقة في طرق مختلفة، بالإضافة إلى حدوث الخلطة أي لاجتماع المتجاور والحديث أثناء تعليم السواقة. ولذلك يجب أن تقطع الخلوة وتحصر الخلطة في موضوع تعليم السواقة، ويكون ذلك بمحرم لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم» أخرجه مسلم. لهذا فإن الواجب وجود زوج المتعلمة أو محرمها أثناء ركوب السيارة لتعليم السواقة. وكل ذلك إذا لم ينيسر وجود امرأة تعلم السواقة للنساء، فإن لم يتيسر كان ما ذكرناه أعلاه.

**والخلاصة:**أنه يجوز للمرأة ركوب سيارة تعليم السواقة مع معلم السواقة، على أن يكون معها في السيارة زوجها أو محرم لها، وإن لم يكن المحرم موجوداً فقد أثمت، وأثم معلم السواقة الذي يعلمها دون وجود محرم أو زوج.

مع ملاحظة أن المراة في الحياة العامة، في كل حالاتها، يجب أن تكون مستورة العورة باللباس الشرعي أي الجلباب والخمار وفق حدود الشرع.
18 من رمضان 1427هـ
منقوووووول

**أما أهل الكتاب‎ ‎فيجمع بينهم وبين المسلمين اعتقاد وجود الله، وانفراده بالخلق والإيمان بالأنبياء،‎ ‎‎ويفرق ‏بيننا وبين النصارى الاعتقاد ببنوة عيسى من طرفهم وعدم اعتقادنا ذلك،‏‎ ‎وإيماننا برسالة محمد ‏عليه أفضل ‏الصلاة والسلام وعدم إيمانهم بذلك، ويفرق بيننا‎ ‎وبين اليهود عدم إيمانهم بمحمد صلى الله ‏عليه وسلم وعدم ‏تصديقهم بنبوة عيسى عليه‎ السلام، فأباح الله للمسلم أن يتزوج الكتابية، ولم يبح تزويج ‏المسلمة من الكتابي‎ ‎اعتدادا بقوة تأثير الرجل على امرأته، فالمسلم يؤمن بأنبياء الكتابية وبصحة دينها‎ ‎قبل ‏النسخ، فيوشك أن يكون ‏ذلك جالبا إياه إلى الإسلام لأنها أضعف منه جانبا‎‏. ‏

وأما الكافر فهو لا يؤمن بدين المسلمة ولا برسولها فيوشك أن يجرها إلى دينه‎ ‎لذلك السبب، وهذا ‏كان ‏يجيب به شيخنا الأستاذ سالم أبو حاجب عن وجه إباحة تزوج‎ ‎المسلم الكتابية ومنع تزوج الكتابي ‏المسلمة‎( ‎سماحة الأستاذ الإمام محمد الطاهر‎ ‎ابن عاشور، التحرير والتنوير: 2/ 342 ? 343 بتصرف‏‎‏).

وما سقناه من‎ ‎نصوص عن فقهاء المذاهب الإسلامية يتضح منع زواج المسلمة بغير المسلم، دل على ‏‏ذلك‎‏: ‏

1- ‏‎ ‎ظواهر القرآن الكريم كقوله تعالى {‏‎وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ}‏‎ ‎الآية، وكقوله جل جلاله{‏‎يَا أَيُّهَا ‏‏الَّذِينَ آمَنُوا إذا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ‎ ‎فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنَّ عَلِمْتُمُوهُنَّ‎ ‎مُؤْمِنَاتٍ فَلَا ‏‏تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا‎ ‎هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}.‏‎‏ ‏

2- ‏‎ ‎ظواهر من الآثار عن الصحابة والتابعين‎ ? ‎رضوان الله عليهم أجمعين‎‏.

‏3- ‏‎ ‎القياس كما جاء فيما نقلناه عن سماحة الأستاذ‎ ‎الإمام محمد الطاهر ابن عاشور ? رحمه الله- ‏‏ولعله يعني قياس الكتابي على المشرك في‎ ‎حرمة تزوج المسلمة به‎‏. ‏

4- ‏‎ ‎إجماع فقهاء الإسلام من لدن انتقاله صلوات الله‎ ‎وسلامه عليه إلى الرفيق الأعلى إلى يوم ‏الناس ‏هذا ، وهو أظهر الأدلة وأقواها، إما‎ ‎الاستناد إلى تضافر الأدلة الشرعية، وإما إلى دليل تلقاه ‏الصحابة من ‏النبي صلى الله‎ ‎عليه وسلم وتواتر بينهم إذ الاجتماع لا يحصل إلا بذلك‎‏. ‏

5- ‏‎ ‎ما يمكن أن نسميه‎ ‎بالدليل العقلي، والذي نقله سماحة الأستاذ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور ‏عن ‏شيخه‎ ‎الأستاذ سالم أبي حاجب رحمهما الله‎‏. ‏

وانطلاقًا من كل ذلك نجيب بعدم حلية زواج‎ ‎المسلمة بغير المسلم ولو رجت إسلامه بعد الزواج‎‏. ‏

وأما دعوى مسلمات كثيرات عدم‎ ‎توفر الأكفاء من المسلمين في غالب الأحيان وتوافر الأكفاء في ‏‏غيرهم فمردودة إذ لا‎ ‎كفاءة بحال من الأحوال بين مسلمة وكافر ولو أعجبها لما سقناه من الأدلة السابقة،‏‎ ‎‎ولأن ‏الكفاءة قائمة بالقرآن والسنة بين المسلمين والمسلمات، وليعلم هؤلاء النسبة أن‎ ‎مسلما ذا دين خير ‏من كافر ‏ولو أعجبهن، قال تعالى‎‏{‏‎إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ‎}، والأخوة تقتضي‎ ‎المساواة‎ ‎بين الإخوة ما لم يقم مانع ‏شرعي ‏يمنعها، وقال تعالى‎‏{‏‎وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ‎‏}‏‎ ‎وقال‎ ‎تعالى‎‏{فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ‏أَنِّي لَا ‏أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ‎ ‎ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ‎‏}. ‏ ‎‏

وقال صلى الله‎ ‎عليه وسلم‎:‎‏ ‎"إذا جاءكم من ترضون‎ ‎دينه وخلقه فأنكحوه، وإلا تكن فتنة في الأرض ‏‏وفساد كبير‎"‏‎، قالوا: وإن كان‎ ‎فيه؟ (أي فقر وقلة مثلا) فقال صلى الله عليه وسلم‎‏: "إذا جاءكم من ‏ترضون"‎ ‎الحديث ثلاث مرات‎ (ابن تيمية الجد، منتقى الأخبار مع نيل الأوطار، كتاب‎ ‎النكاح، باب ما جاء في ‏الكفاءة ‏في النكاح، 6/ 261‏‎). ‎وقال صلى الله عليه‎ ‎وسلم: "‎إن آل بني فلان ليسوا‎ ‎بأوليائي إن أوليائي ‏المتقون حيث ‏كانوا وأين كانوا‎"‏‎ ‎(ابن قيم‎ الجوزية: زاد المعاد في هدي خير العباد، حكمه صلى الله عليه ‏وسلم في الكفاءة ‏في‎ ‎النكاح: 4/ 22‏‎)، ‎وزوج النبي زينب بنت جحش من‎ ‎زيد بن حارثة‎ ‎مولاه‎ (‎زاد المعاد)،‎ ‎وقد ‏قال تعالى‎‏ {‏‎وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ‎}‏‎ إذن‎ فالكافر في الدين بهذا المفهوم أعني الطاعة ‏والإدعاء لأوامر الله، ‏واجتناب لنواهيه‎ ‎سرا وعلانية مجمع عليها بين فقهاء الإسلام أيضا‎‏.

وقول هؤلاء النسوة: إنهن إن‎ ‎لم يتزوجن بأكفاء غير مسلمين يتعرضن إلى الانحراف أو يعشن في ‏‏وضع حرج هو من نزغ‎ ‎الشيطان ومن رواسب الجاهلية، فعليهن أن يبرأن إلى الله من خواطر ولَّدَهَا الهوى‎ ‎‎ورباها الكبرياء وأن يدرسنّ بإمعان سيرة النساء الصحابيات، وأن يتزودن لحسن الأسوة‏‎ ‎بما ثبت عن الله ‏‏ورسوله في النسوة حتى يكنَّ على بصيرة من الأمر والله الموفق‎ ‎للجميع‎‏. ‏ ‎‏**

طالب عوض الله كتب:
**بسم الله الرّحمن الرّحيم

حكم زواج المسلمة بغير المسلم

السؤال:

ما حكم زواج المسلمة بغير المسلم، خاصة إذا طمعت في إسلامه بعد الزواج‎ ‎حيث تدعي مسلمات ‏‏كثيرات أنه لا يتوفر لهن الأكفاء من المسلمين في غالب الأحيان إذ‎ ‎إنهن مهددات بالانحراف، أو يعشن في ‏‏وضع شديد الحرج؟‎‏

**

**الجواب:

للشيخ محيي الدين قادي‎ (عضو مجمع الفقه الإسلامي) ‎

وفي الجواب عن هذا السؤال‎ ‎أفيد بأن زواج المسلمة بغير المسلم محظور لا يجوز بحال من الأحوال ‏‏عند فقهاء‎ ‎الإسلام‎‏. ‏

جاء في المذهب الحنفي أن زواج المسلمة بغير المسلم لا يجوز لقوله‎ ‎تعالى{وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ ‏حَتَّى ‏يُؤْمِنُواْ‎}‏‎ ‎لأن في إنكاح المؤمنة‎ ‎الكافر خوف وقوع في الكفر؛ لأن الزوج يدعوها إلى دينه، والنساء ‏في ‏العادات يتبعن‎ ‎الرجال فيما يؤثرون من الأفعال ويقلدنهم في الدين‎‏. ‏

وقد أشار القرآن إلى ذلك في‎ ‎آخر الآية الكريمة السالفة الذكر بقوله تعالى{أُوْلَـئِكَ يَدْعُونَ إلى النَّارِ}‏‎ ‎‎لأنهن يدعون المؤمنات إلى الكفر،‎ ‎والدعاء إلى الكفر دعاء إلى النار، لأن الكفر يوجب النار فكان نكاح ‏الكافر ‏المسلمة‎ ‎سببا داعيا إلى الحرام فكان حراما‎‏. ‏

والنص وإن ورد في المشركين لكن العلة وهي‎ ‎الدعاء إلى النار تعم الكفرة أجمعين، فيعم الحكم ‏بعموم ‏العلة، فلا يجوز إنكاح‏‎ ‎المسلمة الكتابي كما لا يجوز إنكاحها الوثني والمجوسي؛ لأن الشرع قطع ‏ولاية‎ ‎الكافرين عن المؤمنين بقوله تعالى{وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}‏‎ ‎فلو‎ ‎جاز إنكاح ‏الكافر ‏المؤمنة لثبت له عليها سبيل، وهذا لا يجوز (الكاساني، البدائع‎: ‎‏2‏‎/ ‎‏271‏‎ ? ‎‏272‏‎ ‎بتصرف‎‏). ‏

وجاء في المذهب المالكي أن زواج المسلمة بغير المسلم‎ ‎لا يجوز البتة، وقد أخذ‎ ‎ابن القاسم‎ ‎الحكم بعدم ‏‏زواج المسلمة من غير‎ ‎المسلم من قول‎ ‎مالك‎ ‎في ذمي اشترى أمة مسلمة ووطئها: أن يقدم إلى أهل‎ ‎الذمة ‏في ‏ذلك أشد التقدم ويعاقبوا على ذلك ويضربوا بعد التقدم‎ (سحنون،‎ ‎المدونة: 2/ 297‏‎‏). فإذا كان هذا في وطء الكافر الأمة المسلمة فمن باب أولى‎ ‎نكاحه الحرة المسلمة عند مالك‎‏.

وقد أورد‎ ‎سحنون‎ ‎فيها عدة‎ ‎آثار مع الصحابة والتابعين تمنع زواج المسلمة بغير المسلم بكل وضوح، ‏‏وها هي ذي تلكم‎ ‎الآثار‎‏:

1- ‏‎ ‎روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه كتب يقول: إن المسلم ينكح‎ ‎النصرانية، ولا ينكح ‏‏النصراني المسلمة‎‏. ‏

2- ‏‎ ‎وروي عن الإمام‎ ‎علي‎ ‎كرم‎ ‎الله وجهه أنه قال: لا ينكح اليهودي المسلمة ولا النصراني ‏المسلمة‎‏. ‏

3- ‏‎ ‎وروي عن‎ ‎ربيعة شيخ‎ ‎مالك بن أنس‎ ‎وأحد فقهاء التابعين أنه قال: لا يجوز‎ ‎للنصراني أن ينكح ‏‏الحرة المسلمة‎‏. ‏

وعنه أيضا أنه قال في نصراني أنكحه قوم، وهو‏‎ ‎يخبرهم أنه مسلم فلما خشي أن يطلع عليه أسلم ‏وقد ‏بنى بها. قال: يفرق بينهما وإن رضي‎ ‎أهل المرأة؛ لأن نكاحه كان لا يحل، وكان لها الصداق ثم إن ‏رجع إلى ‏الكفر بعد إسلامه‎ ضربت عنقه‎‏. ‏

4- ‏‎ ‎روي عن مخرمة بن بكير عن أبيه قال: سمعت عبد الله بن أبي سلمة‎ ‎يسأل: هل يصح للمسلمة ‏أن ‏تنكح النصراني؟ قال: لا‎‏. ‏

قال بكيري: وقال ذلك‎ ‎قسيط‎ ‎والقاسم بن محمد‎، قال: ولا يهودي،‎ ‎وسليمان‎ ‎بن يسار‎ ‎وأبو سلمة بن ‏عبد ‏الرحمن‎، قالوا: فإن فعل ذلك فرق بينهما‎ ‎السلطان‎ ‎(المدونة: 296- 298 بتصرف‏‎‏).‏ وهكذا في المذهبين: الشافعي‏‎ ‎والحنبلي قال في المغني:‎ ‎والإجماع‎ ‎منعقد على تحريم تزوج المسلمات‎ ‎للكفار‎ ‎‎(ابن ‏قدامة: المغني: 6/ 617‏‎‏).

والإجماع‎ ‎كما قال سماحة الأستاذ الإمام محمد الطاهر بن عاشور ?رحمه الله- إما مستند إلى‏‎ ‎دليل ‏تلقاه ‏الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم وتواتر بينهم، وإما مستند إلى‏‎ ‎تضافر الأدلة الشرعية كقوله ‏تعالى{فَلَا ‏تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ‎ ‎يَحِلُّونَ لَهُنَّ}‏‎ ‎فعلق النهي على الكفر وهو أعم من ‏الشرك وكقوله‎ ‎تعالى{أُوْلَـئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ}‏‎ ‎في الآية الآنفة الذكر، والإشارة‎ ‎إلى المشركين والمشركات ‏إلا لا وجه ‏لتخصيصه بالمشركين خاصة لصلوحيته للعود إلى‎ ‎الجميع، وهي تعليل للنهي عن نكاح ‏المشركات، وإنكاح ‏المشركين، والدعاء إلى النار‎ ‎معناه الدعاء إلى أسباب الدخول إلى النار لأن ما هم عليه ‏يجر إلى النار من ‏غير علم‎‏. ‏

ولما كانت رابطة الزواج رابطة اتصال ومعاشرة نهي عن وقوعها ممن يدعون إلى النار‎ ‎خشية أن ‏‏تؤثر تلك الدعوة في النفس فإن بين الزوجين مودة وإلفا يبعثان على إرضاء‎ ‎أشدهما للآخر، ولما كانت هذه ‏‏الدعوة من المشركين شديدة لأنهم لا يوحدون الله، ولا‎ ‎يؤمنون بالرسل كان البون بينهم وبين المسلمين في ‏‏الدين بعيدا جدا، لا يجمعهم شيء‎ يتفقون عليه فلم يبح الله مخالطتهم بالتزوج من كلا الجانبين‎‏. ‏

2**

**3. دفع شبهات

ذكر السائل بعض الاعتراضات على مفهوم الاختلاط وقال إنها وجيهة، وهذا بيانها:

أولا: قصة موسى عليه السلام:

قال تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ (26)} (القصص).

هذه القصة تدل على ما قررناه وهو أن الفصل بين الرجال والنساء هو الأصل، ولا يجوز اجتماعهما إلا لحاجة يقرّها الشرع. فموسى عليه السلام رأى في المرأتين ضعفا، {قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}، فتقدّم لمدّ يد المساعدة ونصرة الضعيف المحتاج للعون، وهذه حاجة يقرّها الشرع أي مد يد العون للضعيف من النساء أو الرجال. ثم إنّ موسى عليه السلام لم يتحدث مع المرأتين إلا فيما يخصّ الحاجة، وبعد أن سقى لهما انصرف عنهما. وأما ما يدلّ على أن موسى كان يقول بالفصل كأصل ما أخرجه الحاكم في المستدرك (قال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تفسير هذه الآية:{فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} قال: كانت تجيء وهي خراجة ولاجة واضعة يدها على وجهها، فقام معها موسى وقال لها: امشي خلفي وانعتي لي الطريق وأنا أمشي أمامك، فإنا لا ننظر في أدبار النساء. ثم قالت: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ} لما رأته من قوته ولقوله لها ما قال…". وهذا الموقوف له حكم المرفوع، وهو يدلّ على أن موسى عليه السلام يرى أن الأصل الفصل، وأن الاجتماع لا يكون إلا لحاجة، لذلك مشى أمام المرأة، ولم يمش معها أو بجانبها، ولم يتكلم معها، وتكلمت هي معه في حدود اللازم وهو نعت الطريق. ولو كان موسى عليه السلام يرى جواز اللقاء والمشاركة بشرط عدم الخلوة وغض البصر لمشى بجانبها ولتحدث معها، إلا أنه عليه السلام لم يفعل بل مشى أمامها ولم يتكلم معها، فكان بحقّ {الأمين}.

ثانيا: قصة مريم:

قال تعالى:{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)} (آل عمران).

وهذه القصة لا حجة فيها على جواز الاختلاط وعدم الفصل؛ لأنّ زكريا عليه السلام، وهو زوج خالة مريم أو قريبتها كان كافلا لها، وقد تولى تربيتها ورعايتها منذ صغرها، فهو يجوز له أن يتكلم معها ويختلط بها نظرا لهذا الرابط بينهما. والحاصل، إن قلنا بأن زكريا كان يدخل على مريم وهي في المحراب مع زوجته أو غيرها، فلا إشكال في هذا؛ لأنّه كفيل لها ويقوم على رعايتها وتربيتها. أما إن قلنا، وهو الأصح، إن زكريا كان يدخل على مريم المحراب بمفرده؛ فهذا لا يجوز في ديننا لأنه خلوة. ومن المعلوم أن الذين يقولون بشرع من قبلنا يقولون أيضا: “هو شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما ينسخه”، وقد ورد في شرعنا ما ينسخه. عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إياكم والدخول على النساء. فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت” (متفق عليه). وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم…” (متفق عليه). لذلك فالاستدلال بهذه القصة في هذا السياق غير دقيق.

4**

**? وقال ابن القيم رحمه الله: “ومن ذلك أن ولي الأمر يجب عليه أن يمنع اختلاط الرجال بالنساء في الأسواق والفرج ومجامع الرجال…”.(2)

? وقال ابن حجر العسقلاني رحمه الله: “ونقل النووي في شرح المهذب أنه لا خلاف في هذه المسألة بين العلماء والسبب فيه ما تقدم ولأن الجنازة لا بد أن يشيعها الرجال فلو حملها النساء لكان ذلك ذريعة إلى اختلاطهن بالرجال فيفضي إلى الفتنة…”.(3)

? وقال بدر الدين العيني رحمه الله: “هذا باب في بيان حمل الرجال الجنازة دون حمل النساء إياها… لأنّ الرجال أقوى لذلك والنساء ضعيفات ومظنة للانكشاف غالبا، خصوصا إذا باشرن الحمل، ولأنهن إذا حملنها مع وجود الرجال لوقع اختلاطهن بالرجال وهو محل الفتنة ومظنة الفساد فإن قلت إذا لم يوجد رجال قلت الضرورات مستثناة في الشرع”.(4)

? وقال ابن عابدين رحمه الله: “مطلب في زيارة القبور… قال ابن حجر في فتاويه: ولا تترك لما يحصل عندها من منكرات ومفاسد كاختلاط الرجال بالنساء وغير ذلك؛ لأن القربات لا تترك لمثل ذلك بل على الإنسان فعلها وإنكار البدع بل وإزالتها إن أمكن…”.(5) وقال: “…وقد مرّ في كتاب الشهادات مما تردّ به الشهادة الخروج لفرجة قدوم أمير أي لما تشتمل عليه من المنكرات ومن اختلاط النساء بالرجال…”.(6)

? وقال الخطيب الشربيني رحمه الله: “(وإذا صلى وراءهم نساء مكثوا) أي مكث الإمام بعد سلامه ومكث معه الرجال قدرا يسيرا يذكرون الله تعالى (حتى ينصرفن) ويسن لهن أن ينصرفن عقب سلامه للإتباع في ذلك رواه البخاري؛ ولأنّ الاختلاط بهن مظنة الفساد”.(7)

فكلمة الاختلاط إذن ضمن سياق العلاقة بين الرجل والمرأة وردت على لسان العلماء ووجدت في كتب الفقه، فهي أصيلة وليست دخيلة. ولكن هل نوافق على كلّ ما قرّره العلماء من أحكام مبنية على فهمهم لكلمة لاختلاط، وهل كل اجتماع بين الرجل والمرأة يصدق عليه واقع الاختلاط؟ هذه مسألة أخرى لا تعلّق لها بسياق بحثنا هنا وهو إثبات ورود الكلمة إجمالا وفق المعنى المتبادر إلى الذهن حين استعمالها.

  1. محل النزاع

رغم أننا أثبتنا أن كلمة الاختلاط أصيلة وليست دخيلة، إلا أننا لم نجعلها محور البحث وأساس النزاع. وقد حرّرنا محل النزاع بقولنا في المقال السابق: “والمسألة التي نحن بصدد تحرير مفهومها هي مسألة العلاقة بين الجنسين أي بين الرجال والنساء. والذي يعنينا منها بغض النظر عن المصطلح المعبّر عنها هو حكمها أي ما حكم العلاقة بين الرجال (الأجانب) والنساء؟ وهل يجوز اجتماعهما أم يحرم ويجب الفصل بينهما؟”.

فالقضية لا تتعلق بالكلمة والمبنى بقدر ما تتعلق بالمفهوم والمعنى؛ إذ لسنا ممن يركّزون على الشكليات ويجعلون المباني أساس النزاع دون المعاني. ولو سلمنا جدلا أن كلمة الاختلاط دخيلة ولا وجود لها في المعجم الإسلامي، فإن هذا لا يغير من واقع النزاع شيئا؛ لأنّ جوهر البحث منصب على العلاقة بين الجنسين، هل الأصل فيها الفصل أم لا؟ والذي نقول به هو أن الفصل بين الرجال والنساء هو الأصل، ولا يجوز اجتماعهما إلا لحاجة يقرّها الشرع.

3**

**جواب سؤال حول عورة من بلغت المحيض

**[**4. أقوال بعض العلماء في الحديث:

· قال البيهقي (في السنن الكبرى) بعد أن ذكر الحديث: “مع هذا المرسل قول من مضى من الصحابة رضي الله تعالى عنهم في بيان ما أباح الله من الزينة الظاهرة، فصار القول بذلك قويا وبالله التوفيق”.

· وقال ابن حجر في (تلخيص الحبير): روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأسماء بنت أبي بكر إن المرأة إذا بلغت المحيض لا يصلح أن يرى منها إلا هذا وأشار إلى الوجه والكفين أبو داود من حديث خالد بن دريك عن عائشة أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال فذكره وقد أعله أبو داود بالانقطاع وقال إن خالد بن دريك لم يدرك عائشة ورواه في المراسيل من حديث هشام عن قتادة مرسلا لم يذكر خالدا ولا عائشة وتفرد سعيد بن بشير وفيه مقال عن قتادة بذكر خالد فيه وقال بن عدي إن سعيد بن بشير قال فيه مرة عن أم سلمة بدل عائشة ورجح أبو حاتم أنه عن قتادة عن خالد بن دريك أن عائشة مرسل وله شاهد أخرجه البيهقي من طريق ابن لهيعة عن عياض بن عبد الله سمع إبراهيم بن عبيد بن رفاعة عن أبيه أظنه عن أسماء بنت عميس أنها قالت دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة وعندها أختها عليها ثياب شامية الحديث".

· وقال الشيخ الألباني في (صحيح الترغيب والترهيب): “حسن لغيره”.

  1. من شواهد الحديث:

· أخرج أبو داود (في المراسيل 413): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا ابْنُ دَاوُدَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : “إِنَّ الْجَارِيَةَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلَّا وَجْهُهَا وَيَدَاهَا إِلَى الْمَفْصِلِ”. وهذا مرسل صحيح.

· وأخرج: الطبراني (في الأوسط8394) والبيهقي (في الكبرى13275): عن موسى بن سهل عن محمد بن رمح حدثنا ابن لهيعة عن عياض بن عبد الله أنه سمع إبراهيم بن عبيد بن رفاعة يخبر عن أمه عن أسماء بنت عميس أنها قالت: “دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة وعندها أختها أسماء وعليها ثياب شامية واسعة الأكمة فلما نظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فخرج فقالت لها عائشة تنحي فقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرا كرهه فتنحت فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عائشة لم قام فقال أو لم تري إلى هيئتها إنه ليس للمرأة المسلمة أن يبدو منها إلا هكذا وأخذ بكميه فغطى بهما كفيه حتى لم يبد من كفيه إلا أصابعه ونصب كفيه على صدغيه حتى لم يبد إلا وجهه”. قال الهيثمي (في المجمع): “رواه الطبراني في الكبير والأوسط إلا أنه قال: " ثياب شامية” بدل: “سابغة”، وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وبقية رجاله رجال الصحيح". وهذا مسند صالح للاعتبار.

· وأخرج البيهقي (في الكبرى) في تفسير قوله تعالى {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} عن عائشة رضي الله عنها قالت: “ما ظهر منها الوجه والكفان”. وبمثل قولها قال ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما.

  1. خلاصة القول: الحديث حسن يحتج به، وقد عمل به عامة الفقهاء وقبله أكثر العلماء. والله أعلم.**

**جواب سؤال حول عورة من بلغت المحيض /2

**[**وأما الجواب عن سؤالك فيحتاج منا التفصيل التالي:

  1. أخرج الحديث محل النزاع أبو داود في سننه (3636) قال: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ كَعْبٍ الْأَنْطَاكِيُّ، وَمُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خَالِدٍ قَالَ: يَعْقُوبُ ابْنُ دُرَيْكٍ: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهَا ثِيَابٌ رِقَاقٌ فَأَعْرَضَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: “يَا أَسْمَاءُ، إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتِ الْمَحِيضَ لَمْ تَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلَّا هَذَا وَهَذَا”، وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: “هَذَا مُرْسَلٌ، خَالِدُ بْنُ دُرَيْكٍ لَمْ يُدْرِكْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا”. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (2997و12642) والشعب (7548) ومعرفة السنن والآثار (1051) وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (2672).

  2. معنى قول أبي داود: “هذا مرسل، خالد بن دريك لم يدرك عائشة”:

اعلم، أن المرسل عند جمهور الفقهاء والأصوليين وبعض المحدثين هو ما انقطع إسناده على أي وجه كان، وأما عند جمهور المحدثين فالمرسل هو ما سقط من آخره من بعد التابعي أو ما سقط منه الصحابي؛ وعليه فإن المرسل قد يعني عند بعض العلماء المنقطع أو المعضل.

والمراد من قول أبي داود “هذا مرسل” أي منقطع، بدليل قوله فيما بعد: “خالد بن دريك لم يدرك عائشة”. فلم يرد أبو داود رحمه الله من قوله: “هذا مرسل” ما سقط منه الصحابي؛ وأنّى له ذلك وقد رواه عن الصحابي وهو عائشة رضي الله عنها.

لذلك فإن الدكتور الصادق كشريد لم يكن دقيقا تمام الدقة حين تعرض إلى نقد هذا الحديث، فهو لم يخرّجه التخريج اللائق ببحثه، ولم يدقّق في المصطلح الذي استعمله بعض العلماء في وصفه.

  1. قال الدكتور الصادق كشريد: “نعم! إن مالكا وأبا حنيفة وغيرهما احتجوا بالمراسيل، وذلك من طرق معينة كأن يكون مرسل صحابي أو لكبار التابعين كالحسن وابن المسيب وغيرهما.. وهذا لا يطابق هذه الحال”.

وقوله هذا غير دقيق. ذلك، أن المشهور عن مالك وأبي حنيفة رضي الله عنهما قبولهما للمرسل دون القيود التي ذكرها الدكتور.

قال ابن عبد البر (في التمهيد): “وأصل مذهب مالك رحمه الله والذي عليه جماعة أصحابنا المالكيين أن مرسل الثقة تجب به الحجة ويلزم به العمل كما يجب بالمسند سواء”. وقال: “وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنهم يقبلون المرسل ولا يردونه إلا بما يردون به المسند من التأويل والاعتلال على أصولهم في ذلك”.

وقال ابن حجر (في النزهة): “…فإن عرف من عادة التابعي أنه لا يرسل إلا عن ثقة؛ فذهب جمهور المحدّثين إلى التوقف لبقاء الاحتمال وهو أحد قولي أحمد. وثانيهما وهو قول المالكيين والكوفيين يقبل مطلقا”.

وقال القاسمي (في القواعد): “وأما المذهب الثاني وهو من قال (المرسل حجة مطلقاً) فقد نقل عن مالك وأبي حنيفة وأحمد في رواية حكاها النووي وابن القيم وابن كثير وغيرهم وحكاه النووي أيضا في شرح المهذب عن كثيرين من الفقهاء أو أكثرهم… وفي التدريب عن ابن جرير قال (أجمع التابعون بأسرهم على قبول المرسل ولم يأت عنهم إنكاره ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المئتين قال ابن عبد البر كأنه يعنى أن الشافعي أول من رده) انتهى وقال السخاوي في فتح المغيث (قال أبو داود في رسالته وأما المراسيل فقد كان أكثر العلماء يحتجون بها فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك والأوزاعي حتى جاء الشافعي رحمه الله فتكلم في ذلك وتابعه عليه أحمد وغيره)”.

إذن، القول بقبول المرسل بشرط أن يكون من مراسيل كبار التابعين هو قول الشافعي رحمه الله تعالى. قال الحافظ ابن حجر (في النكت على ابن الصلاح): رابعها: قبول مراسيل الصحابة وكبار التابعين. ويقال: أنه مذهب أكثر المتقدمين. وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه لكن شرط في مرسل كبار التابعين أن يعتضد بأحد الأوجه المشهورة. خامسها: كالرابع لكن من غير قيد بالكبار وهو قول مالك وأصحابه وإحدى الروايتين عن أحمد".

3**

طالب عوض الله كتب:
**موانع الإرث

السؤال :

ورد في بعض الكتب الفقهية المعتبرة : وأما بالنسبة لدار الحرب فكل من لا يحمل التابعية الإسلامية فهو أجنبي سواء أكان مسلماً أم غير مسلم، ويعامل معاملة الحربي حكماً سوى أن المسلم لا يستباح دمه ولا ماله. أما الأحكام المتعلقة بالمال وسائر الأحكام فيعامل كغير المسلم سواء بسواء فلا يستحق النفقة ولا يرث أحداً من رعايا الدولة ولا يورث.

والسؤال: هل الدار من موانع الإرث فهي كالقتل والرق واختلاف الدين فلو فرضنا أن رجلاً مسلماً عاش في دار الكفر وله أب مسلم في دار الإسلام وتوفي والده فما هو الدليل على عدم توريثه وهل استحق هذا المال أم لم يستحقه بناءً على قول الرسول صلى الله عليه وسلم : " إن الله أعطى كل ذي حق حقه".**

**الجواب

المانع: ما يلزم من وجوده العدم…

وموانع الإرث المتفق عليها بين الأئمة الأربعة ثلاثة: الرق، والقتل، واختلاف الدين، واختلفوا في أمور أخرى منها الردة، واختلاف الدارين… وكل هذه فيها تفاصيل…

ونحن نأخذ باختلاف الدار كمانع للإرث، أي الذي يعيش في دار الكفر لا يتوارث مع من يعيش في دار الإسلام، بمعنى المقيم الأصلي أي ما يسمونه الآن المواطن، وليس الذاهب لغرض ثم يعود… ولا اختلاف الدولتين القائمتين في بلاد المسلمين اليوم حيث لا توجد دار إسلام كالعراق وسوريا… لأن الأصل في بلاد المسلمين أن تكون داراً واحدة، ففي هذه الحالات لا يمنع التوارث.

وأما اختلاف الدار الذي يمنع التوارث فهو في حالة أن تكون هناك دار إسلام ودار حرب، ولا يهاجر المسلم من دار الحرب إلى دار الإسلام بل يبقى “مواطناً” في دار الحرب، ففي هذه الحالة يكون اختلاف الدارين من موانع الأرث، فقد نفى الله تعالى الولاية بين من هاجر ومن لم يهاجر فقال:ï´؟ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ ï´¾، فإذا وجدت دار الإسلام ولم يهاجر لها المقيم في دار الحرب بل بقي يحمل تابعية الدولة المحاربة، فهذا ينطبق عليه الحكم، أي يكون بقاؤه في دار الحرب دون الهجرة إلى دار الإسلام، يكون مانعاً من الإرث، إلا إذا كان بقاؤه في دار الحرب لسبب مشروع كما جاء في الشخصية الجزء الثاني باب “الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام” وبخاصة ما ورد فيه "…إلا أن الذي يستطيع إظهار دينه والقيام بأحكام الشرع المطلوبة إذا كان يملك القدرة على تحويل دار الكفر التي يسكنها إلى دار إسلام، فإنه يحرم عليه في هذه الحالة أن يهاجر من دار الكفر إلى دار الإسلام، سواء أكان يملك القدرة بذاته أم بتكتله مع المسلمين الذين في بلاده، أم بالاستعانة بمسلمين من خارج بلاده، أم بالتعاون مع الدولة الإسلامية، أم بأية وسيلة من الوسائل، فإنه يجب عليه أن يعمل لجعل دار الكفر دار إسلام، وتحرم عليه حينئذ الهجرة منها."انتهى. فهؤلاء وأمثالهم بقاؤهم أمر مشروع… لا يؤثر في التوارث.

ا… وعليه فإنه إن كانت هناك دار إسلام، فإن الاستيطان في دار الكفر لمن وجبت عليه الهجرة هو حرام. وفوق ذلك فإن الاستيطان في دار الكفر يجعل المسلم من أهل دار الكفر، فتطبق عليه أحكام دار الكفر من حيث العلاقات بالدولة الإسلامية، ومن حيث العلاقات بغيره من الأفراد. فلا يقام عليه الحد، “ما دام مقيماً في دار لكفر لأنه ليس تحت سلطان المسلمين”، ولا تستوفى منه الزكاة، ولا يرث غيره ممن هو في دار الإسلام، ولا تجب له النفقة على من هو في دار الإسلام ممن تجب عليه له لو كان في دار الإسلام، لأن أهل دار الكفر لا تطبق عليهم أحكام الشرع، فليس لهم ما للمسلمين وليس عليهم ما على المسلمين فلا تشملهم الأحكام. والدليل على ذلك هو أن المسلمين لا يطلبون ممن في دار الكفر الإسلامَ فحسب، بل كذلك أن يدخلوا تحت سلطان الإسلام. فقد روى سليمان بن بريدة عن أبيه قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْراً، ثُمَّ قَالَ: اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلاَ تَغُلُّوا وَلاَ تَغْدِرُوا وَلاَ تَمْثُلُوا وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيداً، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ أَوْ خِلالٍ، فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ…» رواه مسلم، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ» رواه مسلم، فهذا نص يشترط التحول ليكون لهم ما لنا وعليهم ما علينا، أي لتشملهم الأحكام…)

انتهى**

فاختلاف الدار على النحو الذي بيّناه يمنع التوارث.

**ألتبرج **

ألسؤأل : أعرف أن التبرج هو الزينة التي تلفت النظر، وعليه فإذا كان الخمار صغيراً وظهر شيء من شعر المرأة أو عنقها، هل تكون متبرجة؟ علماً أن هذا الجزء الصغير الظاهر من شعرها أو عنقها لا يلفت النظر، حيث إن كثيراً من النساء حاسرات الرأس بشكل معتاد في الشارع وأصبح ذلك لا يلفت النظر؟

الجواب

التبرج: هو إبداء الزينة بشكل لافت للنظر دون انكشاف العورة. وهذا القيد دون انكشاف العورة وُضع لأن الزينة مع انكشاف العورة حرام سواء لفتت النظر أم لَم تلفت.

فالموضوع هو في غير انكشاف العورة كأن تتزين على وجهها أو أصابعها أو تتزين بخمارها أو جلبابها، أو تتزين على ساقها تحت جلبابها كاللاتي يلبسن الخلخال … فكل هذه الزينة إذا كانت غير معتادة في الوسط الذي تتحرك فيه المرأة بحيث إن إبداء هذه الزينة يلفت النظر، فإنه يسمى (تبرجاً) وهو حرام.

فلو تزينت المرأة على أصابعها في قرية مثلاً لَم تعتد رؤية أصابع المرأة هكذا، فإن هذه الزينة على أظافرها تلفت النظر وتكون تبرجاً وهي حرام حتى وإن كان الكف ليس عورةً.

ولو ضربت بقدميها الأرض بحيث يسمع صوت لخلخالها فتلفت النظر إلى زينتها على ساقها حتى وإن كان ساقها مستوراً، فإن هذا تبرج وهو حرام.

ولو لبست خماراً، غريباً غير معتاد، مزركشاً زركشةً فاقعةً تلفت النظر إليها، فيكون تبرجاً وهو حرام حتى وإن كان شعرها مستوراً.

ولو لبست جلباباً مرسوماً على صدره رسوم تلفت النظر، فإن ذلك يكون تبرجاً، وهو حرام حتى وإن كانت تلبس لباساً شرعياً.

وهكذا كل زينة دون انكشاف العورة تلفت النظر فهي تبرج وهي حرام أما الزينة مع انكشاف العورة فهي حرام لفتت النظر أم لَم تلفت.

والدليل على ذلك {ولا يضربن بأرجلهن ليُعْلَم ما يخفين من زينتهن} فقد حرِّمت حركة المراة لتلفت النظر إلى خلخالها علماً بأن عورتها مستورة. فكان كل زينة تلفت النظر (دون انكشاف العورة) تبرجاً وهو حرام.

والخلاصة: إن الزينة اللافتة للنظر (دون انكشاف العورة) هي تبرج وهي حرام. والزينة مع انكشاف العورة حرام سواء ألفتت النظر أم لَم تلفت. وطبعاً انكشاف العورة حرام.

لذلك فأية زينة في المباح لافتة للنظر، كما وضحناه، تكون تبرجاً، وهو حرام. ويُعرف ذلك حسب ظروف وواقع الوسط الذي تعيش فيه المرأة، وعادةً لا تشكل معرفة ذلك معضلةً، فالناس، المرأة والرجل، يقدِّرون ذلك ويعرفونه.

هذا هو التبرج حيث لفتُ النظر هو الفيصل للحكم على كون الزينة في هذا المباح تبرجاً أو غير تبرج. أما الزينة في العورة مع انكشاف العورة فهذه ليس مكانها في التبرج، بل مكانها حكم العورة وأدلتها واضحة فيحرم على المرأة كشف أي جزء من عورتها سواء أكان لافتاً للنظر أم غير لافت: يقول الله سبحانه {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن … الآية} و(ما ظهر منها) أي الوجه والكفان كما فسرها ابن عباس رضي الله عنهما، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم «إن الجارية إذا حاضت لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها ويداها إلى المفصل» أخرجه أ. داود، فعير الوجه والكفين يحرم على المرأة أن تكشفه لغير الزوج والمحارم وفق الأدلة.

لذلك فإن الواجب هو لبس الخمار الكافي لغطاء الشعر والعنق ولويه على الصدر بحيث لا يظهر إلا الوجه والكفان. يقول تعالى {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} أي تلوي الخمار على (الجيب) وهو فتحة القميص حتى لا يظهر العنق، فيكون غطاء لكل من الرأس والأذن والعنق إلا الوجه والكفين فيجوز أن يظهرا من جسمها.

ركوب المرأة سيارة خاصة دون محرم

ألسؤال:هل يجوز للمرأة دون محرم ركوب سيارة خاصة إذا كان السائق من معارف أهلها؟

الجواب:

1 - السيارة الخاصة حكمها حكم البيت لأنها تحتاج إلى إذن للدخول (للركوب).

2 - لذلك لا يجوز أن يوجد فيها مع المرأة إلا محارمها أو زوجها، كما هو في البيت.

3 - ولا يستثنى من ذلك إلا ما استثناه النص في البيوت مثل صلة الأرحام للأقارب سواء أكانوا محرماً مثل العم، أو من غير المحارم دون خلوة مثل ابن العم، فيجوز الزيارة لأرحامهم صلةً للرحم في العيد مثلاً أو نحو ذلك، لورود النصوص العامة في صلة الرحم: وجوب الصلة للمحارم، ونَدْب الصلة للأرحام غير المحارم دون خلوة.

  • وأية حالة أخرى إذا وجد لها نص يجيز اجتماع الرجال والنساء في البيت.

4 - وقد ورد استثناء آخر في وسيلة النقل الخاصة (التي هي كالبيت لحاجتها إلى الإذن) وهي جواز ركوب المرأة فيها مع سائقها إن كان يدلي لها برحم، على أن لا تكون خلوة، بل في السيارة غيرها من معارفها أو معارف السائق، سواء أكانوا محارم لها أم لا.

ودليل هذا الاستثناء هو الحديث الذي روته أسماء رضي الله عنها وأخرجه البخاري من طريق أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ: «تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ … وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى رَأْسِي وَهِيَ مِنِّي عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ فَجِئْتُ يَوْمًا وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِي فَلَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَدَعَانِي ثُمَّ قَالَ إِخْ إِخْ لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسِيرَ مَعَ الرِّجَالِ وَذَكَرْتُ الزُّبَيْرَ وَغَيْرَتَهُ وَكَانَ أَغْيَرَ النَّاسِ فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنِّي قَدْ اسْتَحْيَيْتُ فَمَضَى …». والفرسخ نحو ثلاثة أميال أي نحو 5.5 كيلومتر.

ويفهم منه:

أن الرسول صلى الله عليه وسلم أجاز لأسماء أن تركب خلفه على راحلة الرسول صلى الله عليه وسلم وهي راحلة خاصة وليست للنقل العام.

وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يسير مع عدد من الصحابة رضوان الله عليهم في قافلة، يسيرون معاً.

وواضح منه أن السفر كان قاصداً أي ليس طويلاً يوجب المحرم.

وأن الرسول صلى الله عليه وسلم توقف لها ليركبها لأنها تدلي له عليه الصلاة والسلام برحم فهي أخت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وتَوَقُّفُ الرسول صلى الله عليه وسلم لها يفهم منه المعرفة المستغرقة للمرأة فهي تدلي له برحم، ويدخل في حكمها المرأة التي أهلها يتحقق فيهم الصداقة لصاحب الراحلة أو السيارة الخاصة استئناساً بالآية الكريمة التي أدخلت الصديق مع الأرحام في موضوع الأكل من البيوت (الحياة الخاصة) قال تعالى: {… أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ}.

والصديق هو الذي تتحقق فيه الصداقة أي المودة والألفة.

والخلاصة: يجوز للمرأة أن تركب في السيارة الخاصة إذا كانت تدلي للسائق برحم أو أهلها في حكم الصداقة الحقة للسائق، وأن لا تكون خلوة، أي أن يكون مع السائق آخرون غيرها من (معارفها أو معارف السائق) المأمون جانبهم لأن الذين كانوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم هم من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم ، مع ملاحظة أنه إذا كان مع السائق في السيارة واحد فقط من معارفها أو معارفه فلا بد أن يكون محرماً لها، إلا أن يكون أكثر من واحد من معارفها أو معارفه المأمونين، وذلك جمعاً بين الأدلة: فالرسول صلى الله عليه وسلم في حديث أسماء كان معه نفر من الأنصار أي أكثر من واحد وليس منهم محارم لأسماء، لكن في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم بقطع الخلوة بواحِد اشترط أن يكون محرماً حيث يقول صلى الله عليه وسلم: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم» أخرجه مسلم. وعليه فإذا كانت هناك حالة تجيز وجود الرجل مع المرأة في السيارة الخاصة كأن تدلي له برحم أو يكون صديقاً لأهلها، فإن قطع الخلوة يكون إما بأكثر من واحد من معارف السائق ومعارفها المأمونين، وإما بواحد محرم لها. وأن يكون سفراً قاصداً أي ليس طويلاً يوجب المحرم.

هذا بالنسبة لقطع الخلوة بين صاحب السيارة الخاصة والمرأة الأجنبية عنه - التي تدلي له برحم أو أهلها في حكم الصديق - بوجود الرجال في السيارة معهما: فإن كان رجل واحد فلا بد أن يكون محرماً أو يكون أكثر من واحد من معارفها أو معارفه المأمونين كما هو موضح في الجواب وفق الأدلة.

أما قطع الخلوة بوجود نساء مع الرجل والمرأة الأجنبية عنه فهو أمر مبحوث في كتب الفقهاء سابقاً، وللسائل أن يتبع أياً من المجتهدين السابقين في هذه المسألة، فهو يجزئه.

وللعلم فإن من الفقهاء من يجيز قطع الخلوة مع المرأة الأجنبية بوجود امرأة أخرى معها من محارم الرجل أو من أزواجه، بل إن بعضهم يقول بقطع خلوة الرجل بامرأة أجنبية إذا كانت معها امرأة أخرى ثقة، ويعلل النووي صاحب المجموع ذلك بقوله «لعدم المفسدة غالباً لأن النساء يستحين من بعضهن بعضاً في ذلك) وهناك أقوال أخرى …

ألنظر إلى المرأة في حالة الخطبة

ألسؤال :أراد شاب خطبة فتاة، فهل يجوز له أن يطلب منها أن تكشف له عن شيء من عورتها مثل أن تكشف عن شعرها أو ساقها، وهل يجوز لها أن تجيبه إلى ذلك، على اعتبار أن للخاطب أن ينظر لمن يريد خطبتها زيادةً على غير الخاطب، أي زيادةً على الوجه والكفين حيث هما مباحان؟

الجواب

إذا عزم شاب على خطبة فتاة، فإن له أن ينظر إليها، وإن استطاع أن يرى غير الوجه والكفين فليس حراماً عليه، ولكن دون علمها، كما ورد في الحديث:

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل» أخرجه أبو داود وحسنه ابن حجر.

يقول جابر راوي الحديث (فخطبت امرأةً فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها). وكذلك أخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم.

وورود (فإن استطاع أن ينظر …) في منطوق الحديث يدل على أن المنظور هو غير المباح (أي غير الوجه والكفين) لأن المباح مكشوف للخاطب وغيره، والنظر للمباح لا يناسبه لفظ (فإن استطاع) وكذلك فقول جابر رضي الله عنه (فكنت أتخبأ لها) كذلك يدل على أن المنظور غير المباح من المرأة.

وفي الوقت نفسه فإن دلالة هذين اللفظين: (فإن استطاع) وتعقيب الصحابي على ذلك بقوله (فكنتُ أتخبأ لها) يدل على أن النظر إلى ما يزيد عن الوجه والكفين هو دون علم المرأة.

أما إذا كان بعلمها أي بإذنها أو إذن وليها فلا يجوز أن تكشف للخاطب إلا المباح فقط أي الوجه والكفين لأن نصوص ستر العورة بالنسبة للمرأة لم تخصَّص في غير الخاطب، مثل قوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ … الآية} و{ما ظهر منها} أي الوجه والكفان كما قال ابن عباس رضي الله عنهما ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الجارية إذا حاضت لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها ويداها إلى المفصل» … ولم يرد تخصيص لها في غير الخاطب بل المرأة تستر عورتها أمام كل رجل أجنبي عنها، الخاطب وغير الخاطب.

إن الذي ورد هو تخصيص تحريم نظر الرجل لعورة المرأة في غير الخاطب. فالآية: {قل للمؤمنين يغضُّوا من أبصارهم ..}، والحديث الذي أخرجه مسلم «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري» أي إذا التفت فوقع نظره على عورة فجأة فعليه صرف بصره. والحديث الذي أخرجه البخاري «كان الفضل رديف النبي صلى الله عليه وسلم فجاءت امرأة من خثعم فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر» وفي رواية النسائي «فأخذ الفضل بن عباس يلتفت إليها وكانت امرأةً حسناء وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم فحول وجهه من الشق الآخر» أي أن الرسول منع الفضل من النظر إلى وجه المرأة لأنه كان نظراً بشهوة …

كل هذه الأحاديث خُصصت في غير الخاطب ما دام حديث جابر أجاز للخاطب أن ينظر إلى الوجه والكفين وغير الوجه والكفين .. بما يدعوه للنكاح.

مما سبق يتبين أنه لم يرد أي نص يجيز للمرأة أن تكشف شيئاً من عورتها للخاطب، فهو لم يُستثنَ من نصوص تحريم كشف المرأة عورتها للرجال الأجانب، إنما الذي استُثني هو جواز نظر الخاطب إلى شيء من عورة مَن يريد خطبتها، إن استطاع، كأن يختبئ لها أي دون علمها.

ولذلك فإن استطاع أن ينظر الخاطب إلى غير المباح من عورة المرأة دون علمها فله ذلك، أما أن تكشف هي له غير الوجه والكفين سواء أكان ذلك بموافقة أبيها أم بغير موافقته فلا يجوز.

والخلاصة: أنه يجوز للخاطب أن يرى المباح من المرأة التي يريد خطبتها، أي الوجه والكفين، وذلك بدون إذنها كأن يراها في الشارع، أو بإذنها (وبإذن وليها) كأن يذهب إلى بيتها لخطبتها فيطلب من وليها أن يراها فللولي أن يحضرها بحضور وليها وخاطبها، فتحضر (ضيافةً) مثلاً وتجلس وينظر الخاطب إلى وجهها وكفيها. أي أن للخاطب أن ينظر إلى المباح (الوجه والكفين) بعلمها ويدون علمها أي بإذنها وبدون إذنها.

أما نظر الخاطب إلى غير الوجه والكفين فلا يصح أن يكون لا بإذنها ولا بإذن وليها بل إن كشف المرأة عورتها هو حرام على الخاطب وغير الخاطب، لكن يجوز للخاطب أن يرى غير الوجه والكفين إن استطاع أي دون علمها (دون إذنها) كأن يختبئ لها كما ورد في الحديث.

وكل هذا في النظر، فهو المستثنى للخاطب. وأما غير هذه من الأحكام الشرعية، كتحريم الخلوة مثلاً فهي لم تُستثنَ بل هي حرام لكل أجنبي عنها سواء أكان خاطباً أم غير خاطب.

بسم الله الرحمن الرحيم

**حكم المهر وشروط عقد الزواج **

السؤال : في كتاب النظام الاجتماعي صفحة 121 ذُكرت شروط الانعقاد للزواج التي إذا لم تستوف يبطل عقد الزواج، وذُكرت في صفحة 122 شروط الصحة للزواج التي إذا لم تستوف يفسد عقد الزواج، ولكنني لم أجد مذكوراً فيهما “المهر”، فإذا لم يكن لا شرط انعقاد ولا شرط صحة، أي أن عقد الزواج صحيح دون مهر، إذن ما موقع المهر من عقد الزواج؟

الجواب

بالنسبة للمهر، نعم هو ليس شرط انعقاد ولا صحة، أي أن عقد الزواج إذا استوفى شروط انعقاده وشروط صحته فهو صحيح ولو لم يسمَّ المهر. غير أن الأحكام الشرعية نوعان:

أحكام وضع، ومنها الشرط والسبب…، وأحكام تكليف ومنها الحرام والواجب… وأحكام المسائل الشرعية، لا تخرج عن هذين، فقد يكون حكمها داخلاً في أحكام التكليف، فيكون فرضاً "واجباً"أو مندوباً أو مباحاً أو مكروهاً أو حراماً، وقد يكون حكمها داخلاً في أحكام الوضع، فيكون صحيحاً أو باطلاً أو فاسداً أو شرطاً أو سبباً أو مانعاً… وهكذا.

وبدراسة موضوع المهر يتبيّن أنه واقع في حكم التكليف، فهو فرض واجب على الزوج للزوجة، فإن سُمِّي فهو كما سُمِّي، وإن لم يُسمَّ، فيجب مهر المثل.

أما لماذا هو واجب، فلما أخرجه البخاري من طريق سهل بن سعد: «… فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم زَوِّجْنِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَعِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ قَالَ مَا عِنْدِي مِنْ شَيْءٍ قَالَ وَلَا خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ قَالَ وَلَا خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ وَلَكِنْ أَشُقُّ بُرْدَتِي هَذِهِ فَأُعْطِيهَا النِّصْفَ وَآخُذُ النِّصْفَ قَالَ لَا هَلْ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ قَالَ نَعَمْ قَالَ اذْهَبْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ». وأخرج نحوه النسائي في سننه الكبرى وجاء في روايته: «…وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي قَالَ سَهْلٌ مَا لَهُ رِدَاءٌ فَلَهَا نِصْفُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ..».

فالرسول صلى الله عليه وسلم قد طلب من الرجل الذي أراد أن يزوجه الرسول إحدى النساء أن يدفع مهراً ولو خاتماً من حديد، فلما لم يستطع، حيث لم يكن يملك شيئاً إلا إزاره، فعرض أن يشق إزاره قسمين ويعطي نصفه مهراً للزوجة، فلما لم يكن الإزار يكفي لستر عورة الزوج والزوجة، طلب منه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعلِّمها ما معه من القرآن، ويكون أجر تعليمه لها هو مهرها، وكل ذلك قرائن جازمة على وجوب المهر.

وأما أن لها مهر أمثالها إن لم يُسمَّ، فلما أخرجه الترمذي من طريق عبد الله بن مسعود، وقال حديث حسن صحيح: « أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا لَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا الْمِيرَاثُ فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ فَقَالَ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ امْرَأَةٍ مِنَّا مِثْلَ الَّذِي قَضَيْتَ فَفَرِحَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ» وأخرج نحوه أبو داود في سننه.

فهذه امرأة تزوجت ولم يسمّ لها مهر، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن لها مهر مثل نسائها.

وعليه فإنه وإن كان المهر ليس شرط انعقاد، ولا هو شرط صحة، إلا أنه فرض واجب للزوجة في ذمة زوجها، يجب دفعه لها، ويأثم إن لم يدفعه، والدولة الإسلامية تأخذه منه للزوجة جبراً كأي حق من الحقوق الواجبة عليه، وتعاقبه تعزيراً إذا ماطل وهو قادر، من أجل مضايقة الزوجة أو لأكل شيءٍ من حقها.

والخلاصة: أن المهر ليس شرطاً ولكنه فرضٌ على الزوج للزوجة، أي هو واقع في أحكام التكليف وليس في أحكام الوضع.

نظر الخاطب

**السؤال: ورد في النظام الإجتماعي في باب “النظر إلى المرأة” ما يلي:

" من أراد أن يتزوج امرأة فله أن ينظر إليها من غير أن يخلو بها، فقد روى جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا خَطَبَ أحدُكُمُ المرأةَ فإن استطاعَ أن يَنظُرَ إلى ما يَدْعوه إلى نكاحِها فَلْيَفْعلْ…» أخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم.

وقد ورد في آخر صفحة 42 وأول صفحة 43 ما يلي:

" أي يجب على المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم إلا الخاطبين فإن لهم عدم غض البصر لينظروا إلى من يريدون خطبتها من النساء."

فما المقصود بالخاطب ؟ هل هو بعد خطبتها أو قبل أن يخطبها ؟ وإن كان قبل أن يخطبها فهل هو من ينظر إلى هذه وتلك ليستقر رأيه على واحدة أو هو من يعزم على خطبة امرأة معينة ؟**

الجواب

في اللغة إذا اقترنت “إذا” بالفعل الماضي، فإنها تعني القيام بالفعل، وكذلك تعني ما هو في حكم القيام، أي على وشك القيام أو أثناء القيام.

أي أنها تعني كليهما: القيام بالفعل، فعلاً أو حكماً، إلا إذا وردت قرينة بأحدهما فتتعين به.

فمثلاً الآية الكريمة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ…}، فإن “إذا قمتم” تعني إذا أردت القيام للصلاة، فاذهب وتوضأ، ولا تعني إذا أديت الصلاة فعلا فاذهب وتوضأ، لأن الوضوء سابق للصلاة.

وهكذا “إذا خطب أحدكم”، فهي تشمل إذا خطب فعلاً، أو حكماً بمعنى إذا أراد القيام بالخطبة.

غير أن دخول إرادة القيام بالفعل في حكم القيام بالفعل يشترط فيه أن يكون مريدُ الفعلِ جاداً في القيام بالفعل، وإلا فلا يشمله المعنى، ولذلك اشترط جمهور الفقهاء " المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة " لمشروعيّة نظر الخاطب أن يكون النّاظر إلى المرأة مريداً نكاحها، وأن يرجو الإجابة رجاءً ظاهراً، أو يعلم أنّه يجاب إلى نكاحها، أو يغلب على ظنّه الإجابة. واكتفى الحنفيّة باشتراط إرادة نكاحها دون اشتراط الأمور الأخرى.

**والخلاصة:**هي أن الذي يجوز له النظر هو الخاطب فعلاً أو حكماً، ومعنى “حكماً” أن يكون جاداً في خطبة المرأة للزواج منها، وليس لمجرد النظر من واحدة إلى أخرى ليستقر على واحدة، وذلك لأن “إذا خطب” يعني، كما وضحنا، الرجل المتوجه فعلاً أو حكماً لخطبة امرأة يقصدها، وليس لتقليب النظر دون الجد في الخطبة فعلاً أو حكماً. وهذا الأمر يعلم الله سبحانه حقيقته ولا تخفى عليه خافية، فإن لم يكن النظر للخطبة فعلاً أو حكماً، فإنه سيسأل عنه يوم القيامة، والله شديد العقاب.

9 ربيع الثاني 1430 هـ ألموافق 4/4/2009

قرأت حديثاً لأبي داود يقول فيه: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر بريداً إلا معها ذو محرم» فكيف أخذنا بالحديث الآخر «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا معها ذو محرم» علماً بأن مسافة البريد قد تقطع بأقل من يوم؟

**الجواب :**جاء في البخاري ومسلم من طريق ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم».
وهو نهي عن سفر المرأة - مطلق سفر - إلا مع ذي محرم.
وقد ورد تقييد لهذا السفر بثلاثة أيام، يومين، يوم وليلة، ليلة:

  • روى البخاري من طريق ابن عمر (ثلاثة أيام)، وروى من طريق أبي سعيد الخدري (يومين) وروى البخاري من طريق أبي هريرة (يوم وليلة)، وروى من طريق أبن عباس وابن عمر (يوم وليلة).

  • روى مسلم من طريق ابن عمر (ثلاثاً، فوق ثلاث)، وروى من طريق أبي سعيد الخدري (يومين، ثلاثاً، فوق ثلاث) وروى مسلم من طريق أبي هريرة، ابن عباس، ابن عمر (يوم وليلة).

  • وروى الترمذي من طريق أبي سعيد الخدري (ثلاثة أيام فصاعداً)، وروى من طريق أبي هريرة (يوم وليلة).

  • وروى ابن ماجه من طريق أبي سعيد (ثلاثاً فصاعداً).

  • وروى أحمد من طريق ابن عمر (ثلاثاً)، ومن طريق عبد الله بن عمر (مسيرة ثلاث) ومن طريق أبي هريرة (ثلاثة أيام، مسيرة يوم تام)، ومن طريق أبي سعيد (ثلاثة أيام، يومين، ثلاثاً، فوق يومين، يومين).

  • وروى الدارمي من طريق أبي سعيد (ثلاثة أيام فصاعداً).

  • وروى أبو داود من طريق أبي هريرة (ليلة)، (يوماً وليلة).

ثم نقل حديثاً من طريق أبي هريرة (بريداً).
أي أن التقييد للسفر ورد في رواية البخاري ومسلم والترمذي وأحمد والدارمي وأبو داود بالزمن (ثلاثة ايام أو ثلاثة ليالٍ، يومين، يوم وليلة، ليلة).

آية 41، وواضـح من الآيتين أن (ليالٍ) هي (أيام). وتقول العرب (كتبته لكذا ليلة خلت من شهر كذا) أي لعدد أيام كذا.قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً مريم 10، وفي آل عمران قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سوياًوبحمل المطلق على المقيد، وبالجمع بين الأدلة يكون الحكم الشرعي أن لا تسافر المسيرة الأقل إلا مع ذي محرم، أي لا تسافر مسيرة ليلة، لأن عدم المسير ليلةً يحقق عدم المسير يومين، ثلاثة … وفي اللغة يطلق العرب الليلة على اليوم كاملاً أي على نهار وليلة، قال تعالى:

وبالتالي فالتحريم هو أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع زوج أو ذي محرم، وهذا ما أخذنا به.

تبقى رواية أبي داود المقيَّدة بالمسافة (بريد)، والبريد أربعة فراسخ، أي نحو (22 كم) والملاحظ حول هذه الرواية ما يلي:
1 - أنها تقيد السفر بالمسافة وهذا يعني أن الزمن لا قيمة له، فهي تحتاج محرماً إذا سافرت (22) كم سواء قطعتها في يوم أو يومين …
وأما الأحاديث الأخرى فتقييد بالزمن أي يوم وليلة سواء قطعت فيهما مائة كم أو مئات …
أي أن إعمال حديث المسافة يلغي الزمن، وإعمال حديث الزمن يلغي المسافة، فهنا تعارض، وعند التعارض يُعمَد إلى الترجيح، وواضح أن أحاديث البخاري ومسلم وباقي الصحاح حتى إن أبا داود نفسه يروي معظم رواياته بالزمن، كل هذه أرجح من رواية أبي داود الوحيدة التي فيها (بريد).

2 - رواية أبي داود بالبريد هي كما يلي:
: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر بريداً إلا معها ذو محرم».(حدثنا يوسف بن موسى عن جرير عن سهيل عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله
وأبو داود نفسه ينقل عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة أربعة أحاديث يقول فيها يوماً وليلة.
وكذلك أبو داود نفسه ينقل عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة حديثين في الأول يقول (ليلة)، وفي الثاني يقول (يوماً وليلة).
فكل روايات أبي داود من طريق سعيد بن أبي سعيد (تارة عن أبيه وأخرى مباشرة) عن أبي هريرة يذكر التقييد بالزمن (يوماً وليلة). علماً بأن أحمد روى الحديث بالطريق نفسه عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة وذكر (يوم تام):
ورواية واحدة لأبي داود من الطريق نفسه: سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة بريداً.
وهذه الروايات ترجح أن أبا هريرة حدث سعيداً بن أبي سعيد (أو أبيه) حدثه يوماً وليلة، ولم يحدثه بريداً.
وبالتالي فالراجح هو ما ذكرناه في النظام الاجتماعي (يوماً وليلة) أي «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم».

وكما ترى فنحن نقول الراجح ولا نقول رأينا مقطوع به، هذه واحدة. والثانية إننا نقول بجواز أن تسافر أقل من يوم وليلة دون محرم ولا نقول بالوجوب، لذلك فإذا أرادت المرأة أن لا تسافر مسيرة نصف نهار إلا مع ذي محرم فلها ذلك، المهم أن لا تسافر مسيرة يوم وليلة وإلا ومعها محرم.
منقول

حول لبس الباروكة

السؤال:جزاكم الله خيرا ونفعنا من علمكم، لكن هناك جانب من السؤال لم يجب عليه حبذا لو تداركتموه - شيخنا - ألا وهو (وما هو حكمها بالكلية؟) بمعني لو كانت المرأة في بيتها هل يجوز لها لبس الباروكة أم أنها تأخذ حكم الواصلة والمستوصلة؟

الجواب:وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

لقد سبق أن أجبنا جواباً على هذه المسألة ونشرناه على الصفحة

بأنه لا يجوز لبس الباروكة والخروج بها لأنها تبرج، وقلنا إن لباس الحياة العامة يشترط فيه هذه الثلاثة معاً: (ستر العورة، عدم التبرج، لبس الجلباب)، ولبس الباروكة هو تبرج، فلا يجوز الخروج بها إلا إذا كان الخمار يغطيها تماماً.

فإذا كنت تقصد بكلمة “الكلية” أن تذهب المرأة إلى الكلية الجامعية بالباروكة فلا يجوز، أما داخل بيتها فيجوز أن تلبسها على أن لا يراها في البيت إلا محارمها وزوجها، أما أخو زوجها فلا يجوز أن يرى الباروكة على رأسها.

أما هل الباروكة هي بمعنى الواصلة والمستوصلة، فالأمر ليس كذلك، لأن الواصلة هي التي تصل شعرها بشعر آخر ليستطيل شعرها به، وليس أن تلبس باروكة فوق شعرها، بل تربط شعراً آخر بشعرها ليظهر طويلاً، وهذا حرام في أي مكان تكون فيه المرأة، حتى في بيتها بناء على الحديث الذي أخرجه البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الوَاصِلَةَ وَالمُسْتَوْصِلَةَ…».

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

19 من شـعبان 1434 ألموافق 2013-06-28

منقول

**1- حول الحكم القضائي

2- بر الوالدين**

**السؤال:بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ورد في كتاب الدولة الإسلامية بالصفحة 140: “فكلّ من يحمل تابعية الدولة يتمتع بالحقوق التي قررها الشرع له، سواء أكان مسلما أم غير مسلم، وكل من لا يحمل التابعية يحرم من هذه الحقوق ولو كان مسلما، فلو أنّ رجلا مسلما له أمّ نصرانية تحمل التابعية الإسلامية، وله أب مسلم لا يحمل التابعية الإسلامية، فإنّ أمّه تستحق النفقة منه ولا يستحقها أبوه، فلو طلبت أمّه نفقة منه حكم لها القاضي بالنفقة لأنّها تحمل التابعية، أما لو طلب أبوه منه نفقة لا يحكم له القاضي بالنفقة ويردّ دعواه”.

والسؤال هنا هو: بغض النظر عن كون الشخص مسلما أو غير مسلم، وبغض النظر عن كونه يحمل التابعية للدولة الإسلامية أو لا يحملها، أليس الواجب أن يبرّ الإنسان والديه؟ ويُخفض لهما جناح الذّل من الرحمة… وإذا ارتكب هذا المسلم مخالفات وتعدّى على حدود أفراد خارج سلطان الدولة، وهم أجانب لا يحملون التابعية، وفرّ داخل الدولة الإسلامية، ثمّ جاء هؤلاء يشتكون، فهل يردّ القاضي دعواهم بحجة أنّهم لا يحملون التابعية؟ نرجو توضيح وتفصيل ذلك وجزاكم الله عنّا كلّ خير، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.)**

الجواب:وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

إن هناك أمرين منفصلين عن بعضهما: الحكم القضائي، وبر الوالدين:

أما الأول، فإن الذي يعيش في دار الحرب ويحمل تابعيتهم فلا تقبل دعواه لأخذ نفقة من أرحامه أو أقاربه في دار الإسلام، وذلك لأن اختلاف الدار يصرف الحقوق المالية عن الوجوب. فالحقوق المالية لا تكون لمن هم في دار الحرب، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الذي أخرجه مسلم عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْراً، ثُمَّ قَالَ… ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلاَّ أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ…». وقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث: «وَلا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ» يعني أن امتناعهم عن التحول مُسقطٌ لحقهم في الفيء والغنيمة، وتقاس على الفيء والغنيمة سائر الأموال، أي سقطت حقوقهم المالية المتعلقة بالمال. فيكون المسلم الذي يرفض التحول إلى دار المهاجرين في حال وجودها وفق الأحكام الشرعية للهجرة، ويبقى حاملاً لتابعية الدولة الكافرة، يكون هذا المسلم بالنسبة لحكم المال كغير المسلمين من حيث حرمانه من حقوقه فيه أي الحقوق المالية، فليس له ما للمسلمين وليس عليه ما على المسلمين، وهذا يعني عدم تطبيق الأحكام المالية عليه لأنه لم يتحول إلى دار المهاجرين… ولذلك فإن دعوى الوالد الذي في دار الحرب على ابنه في دار الإسلام إذا كانت الدعوى في حق مالي كالنفقة، فإن هذه الدعوى لا تُقبل لأن اختلاف الدار منع وجوب الحقوق المالية. هذا عن الأمر الأول أي الحكم القضائي في الحقوق المالية.

وأما الثاني، وهو بر الوالدين، فهذا أمر آخر، فلا يحول اختلاف الدار دون بر الوالدين وصلتهم، ودليل ذلك قوله سبحانه (( وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا ))، وما أخرجه البخاري عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قُلْتُ: وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: «نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ».

أما سؤالك عن الاعتداءات والجنايات وأمثالها فلها أحكام أخرى، ولا يحول دون ذلك اختلاف الدار، بل يفصل فيها وفق الأحكام الشرعية الخاصة بذلك مع الأخذ في الاعتبار حالة الحرب الفعلية أو الحكمية، أو الدول المعاهدة… إلخ.

فمثلاً الآية الكريمة (( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا )) فترى أن المسلم لو قتل مسلماً خطأ في دار الحرب الفعلية، أي من ((قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ))، فله حكم ((فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ))، ولو قتل مسلماً في دار حرب معاهِدة أي من ((قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ))، فله حكم ((فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ))، فالحقوق المالية تختلف عن الأمور الأخرى، بل إن الحقوق المالية تختلف أحياناً في الدار نفسها، فمثلاً لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم حتى وإن كان الكافر والمسلم في دار الإسلام. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «وَلاَ يَرِثُ الْقَاتِلُ شَيْئاً» أخرجه أبو داود. ويقول صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَرِثُ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ، وَلاَ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ» أخرجه أحمد.

والخلاصة أن المسلم الذي يعيش في دار الحرب ويحمل تابعيتها، ويرفض التحول إلى دار الإسلام في حال وجودها، فلا تقبل دعواه في الحقوق المالية على ابنه الذي يعيش في دار الإسلام، وهذا بخلاف بر الوالدين وصلتهما، فيبر الولد المسلم والديه الكافرين ويحسن إليهما إلا إن جاهداه ليشرك بالله سبحانه، وما يتعلق بذلك كأن يكون الوالد يقاتل في جيش المحاربين الفعليين فله أحكام شرعية أخرى…

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

17 شعبان 1434هـ ألموافق 2013-06-26

منقول