سُرْعَةُ ألْبَديهَة

**صحيح أن التفكير أمر لا بد منه، والتروي ضروري، وقديماً قيل: العجلة من الشيطان. ولكن ذلك إنّما يكون في الأمور التي تحتاج إلى درس وتمحيص ولا يكون فيما لا يحتاج ذلك. وكذلك ما يحتاج إلى درس وتمحيص إنّما يُدرس ويُمحص إذا لم يفُت أوانه، أو إذا كان الظرف مواتياً للتفكير، أمّا إذا كان الظرف غير موات للتفكير، وكان التفكير يضيّع الفرصة، أو يؤدي إلى الهلاك، فإنه هنا لا ينقذ إلاّ سرعة البديهة. لذلك فإن سرعة البديهة لازمة للشعوب والأمم، والجماعات والتكتلات، للنجاح في معترك الحياة، بل إن وجودها ضروري للنجاح في معترك الحياة، وهو شرط من شروط هذا النجاح.

إن أحوال الحياة وأمورها متعددة ومتشعبة، ومسالكها مختلفة، وعرة وسهلة، ميسورة وصعبة، والوقت من ذهب، بل أغلى من الذهب، فلا بد من مراعاة الحال، والظرف، والأمر. فإذا احتاج إلى تفكير لا بد أن يُفَكر فيه، وإذا احتاج إلى سرعة البديهة فلا بد من سرعة البديهة، يُستعمل كل وضع بما يقتضيه.

ونحن لا نقول بأن كل شيء يُقضى بسرعة البديهة، فهناك أمور كثيرة لا تُقضى بسرعة البديهة، بل لا بد فيها من التفكير، ولكن كذلك هناك أمور كثيرة يضرها التفكير، وتحتاج إلى سرعة البديهة. فمثلاً التعريفات، والأحكام الشرعية، والأمور الفنية، لا تُحل جميعها إلاّ بالتفكير، ولا دخل لسرعة البديهة بها، بل لا يصح أن تدخلها. ولكن جميع المفاجآت، وجميع الأسئلة الخبيثة الصادرة عن قصد، وجميع الأمور العاجلة، كلها لا بد لها من سرعة البديهة، ولا يصح بها التفكير، بل يجب إبعاده عنها. ويُخشى إذا دخلها التفكير أن يزيدها غموضاً، أو يُبعد الفرصة عن الناس، أو يكشف حقيقة المفكر، ويصيبه الضرر من ذلك. فالحياة فيها ما لا بد فيه من التفكير، وفيها ما لا بد فيه من سرعة البديهة ولا يصح فيه التفكير، فتُسلك الحياة ويخاض معتركها بما تقتضيه الحال. وإذا كانت البلاغة هي موافقة الكلام لمقتضى الحال، فكذلك خوض معترك الحياة هو مطابقة التصرفات لمقتضى الحال: فإن كانت تقتضي تفكيراً، استُعمل التفكير، وإن كانت تقتضي سرعة البديهة اتّبعت سرعة البديهة. فكما أن التفكير لازم لمعترك الحياة بجميع أنواعه، فكذلك سرعة البديهة لازمة للحياة.

ونحن لا ننتقد التفكير، لأنه ضروري للحياة، ولكن ننتقد التفكير الآلي، وننتقد خلو الحياة من سرعة البديهة.

إن التفكير ضرورة من ضرورات الحياة، وإذا قيل إن الإنسان حيوان ناطق فذلك يعني أنه حيوان مفكر، والذي يميز الإنسان عن غيره إنّما هو التفكير، والعقل بمعناه الحقيقي إنّما يعني التفكير، والحيوان وإن كان لديه دماغ ولكنه لا يفكر، فليس لديه عقل، لأن وجود الدماغ وحده لا يكفي لوجود عملية تفكير، بل لا بد من أشياء أخرى. لذلك فإن التفكير من حيث هو إنّما هو خاصية من خواص الإنسان، فلا يمكن أن يوجد إنسان دون تفكير، أي دون عقل. فالتفكير من حيث هو لا يمكن أن ينعدم من الإنسان. لهذا فإن مهاجمة التفكير غير واردة، بل المهاجَمة منصبّة على التفكير البطيء، أي على عدم سرعة البديهة، لأن سرعة البديهة أو التفكير السريع أمر ضروري للسير في معترك الحياة، فضلاً عن النجاح في هذا المعترك.

وسرعة البديهة هذه فيها ثلاثة أمور: أحدها، تعريفها، أي ما هي؟ والثاني، واقعها عملياً، فإنه وإن كان تعريفها أو معرفة مما هي قد يُرشِد إلى واقعها عملياً، ولكنه غير الواقع. فمثلاً حين تُفاجأ بشيء يقتضي منك أن تعيّن موقفك تجاهه، فإن هذه العملية تتجلى فيها سرعة البديهة، ولكنها غير سرعة البديهة، لأن سرعة البديهة فيها هي أن تُصدر حكماً عليها بشكل سريع وخاطف، يقرر لك هذا الموقف الإجراءات التي تتخذها، أو يجب أن تتخذها تجاه هذه المفاجأة. أمّا هي فإن المفاجأة نفسها: إما مفاجأة بسؤال لم يكن يخطر بالبال أو لم يكن في الحسبان، وإما بعدوّ في مكان غير منتَظر أن يكون فيه، وإما بمشكلة لم يكن يخطر بالبال وجودها. هذه المفاجأة أو هذا الواقع هو محل عمل سرعة البديهة، وليس هو سرعة البديهة نفسها. أمّا الأمر الثالث، فهو أمثلة من الحياة عن الاثنين: عن الواقع الذي حصلت فيه سرعة البديهة، وعن سرعة البديهة نفسها. أمّا الأمثلة من الإجراءات فإنها وإن كانت مفيدة ولكنه لا ضرورة لها، لأن الإجراءات قد تختلف في الواقع الواحد، أو في سرعة البديهة في المرة الواحدة نفسها.

وما دمنا قد عرّفنا الفرق بين سرعة البديهة وبين التفكير، لا بد أن نعرف كيف نوجِد سرعة البديهة عند الناس، أي كيف نربي سرعة البديهة في الناس، ولا سيما الناس الذين لا توجد لديهم سرعة البديهة.

والجواب على ذلك هو أن الناس قسمان: أحدهما أصحاب البحث العلمي ومن هم على شاكلتهم، وأولئك هم الذين عملهم الاشتغال في التفكير، وذلك كرجال البحث العلمي، وكالسياسيين غير التقليديين. والثاني هم عامة الناس، أي غير هؤلاء سواء أكانوا متعلمين أو غيرهم. ويلحق بهم السياسيون التقليديون. فهؤلاء هم الناس في الأمّة. لأن الأمّة إما أن يكون عمل رجالها الأصلي هو التفكير، وإما أن يكون عملها الأصلي هو الأعمال المادية، ولا يخرج الناس عن هذين القسمين: وكل من القسمين يختلف وضعه عن الآخر. فلا بد أن يختلف العمل معه في إيجاد سرعة البديهة لديه أو تربية سرعة البديهة فيه، لأن من هو متعود على التفكير غير من يكون التفكير طارئاً عليه. لذلك يختلف العمل في كل منهما. أمّا الناس ومنهم السياسيون التقليديون فإن العمل لإيجاد سرعة البديهة لديهم أسهل منه لدى مَن عمله الأصلي هو التفكير، وذلك أن الناس يكون التفكير لديهم طارئاً وليس أصلياً، وبما أنهم مفكرون فطرة، أي أن الإنسان حيوان ناطق أي مفكر، فإن العمل لديهم يكفي فيه التعويد أو العادة على سرعة البديهة، فتصبح طبيعية لديهم حتى في عملهم الذي يقومون فيه.

فمثلاً النجارون والحدادون والعمال وأصحاب الحرف والمزارعون والبسطاء من الناس وأمثالهم، يجري معهم العمل في إعطائهم أمثلة يجيبون عليها من أعمالهم، ثم يتدرج الأمر معهم إلى ما هو أعقد.. وهكذا، بشكل متتابع، فإنه تصبح سرعة البديهة لديهم عادة أو طبيعية. فمثلاً يقال لهم: إذا فاجأتك مشكلة في عملك فكيف تحلها؟ فإذا أجاب عدة مرات جواباً صحيحاً، فإنه يسهُل معه بعد ذلك الانتقال إلى ما هو أعقد. وإذا أجاب جواباً واحداً صحيحاً أو خطأ ولكنه لم يكرره مرة أخرى، فإنه على أي حال يحتاج إلى الموافقة على الجواب الصحيح ليكرره، أو تصحيح الجواب الخطأ لئلا يقع فيه مرة أخرى. وهكذا يجري التكرار حتى يستقيم الأمر، ثم ينتقل معه إلى ما هو أعقد. وهذا كله أمر سهل وميسور. والقول له: إذا فاجَأَتكَ مشكلة فماذا تعمل مثلاً، لا يجب أن يكون قولاً شفوياً بل يجوز أن يكون خطياً، والمهم هو سلوك التربية عن طريق طرح الأفكار على الناس بشكل جماهيري، والبُعد عن التربية الفردية. فأي شيء ينتج عنه التربية الجماعية أو طرح الأفكار على الناس يُتّبع، سواء أكان بشكل خطي كالمنشورات والكتب والرسائل والنشرات الصغيرة وما شاكلها، أو كان بشكل شفوي كالحديث والخطابة والمحادثة والنصح والإرشاد وما شاكل ذلك. فكِلا الأمرين فيه طرح أفكار للناس، وفيه التربية الجماعية. والمهم فيه هو مادة الحديث أو مادة الكتابة، بأن تكون فكراً ثم يجري العمل على أساس هذا الفكر، ولا شك أنه لا بد أن يكون فكراً ثم يجري العمل على أساس هذا الفكر، ولا شك أنه لا بد أن يكون فكراً ليس محل نقاش بين السائل والناس، بل يكون فكراً مسلَّماً بصحته بين الجانبين، أي أن يكون مفهوماً لا مجرد فكر، لأنه ليس المراد إقناعه بالفكر بل المراد هو معرفة تصرفه وكيفية أخذه للأفكار التي يعالج بها المشاكل. فهذا التصرف، أو كيفية الأخذ هو الذي يكون محل العلاج، أي هو الذي يُعرف عنه أو به وجه الصحة ووجه الخطأ، والتكرار والوقوف ثم المساعدة على التكرار، ثم الانتقال إلى ما هو أعقد وأصعب.**

**علاج المشكلة

البطء في التفكير هو المشكلة، أو هو حقيقة المشكلة. وهذا البطء آتٍ من سيطرة الغرب على البلاد، وسيطرة أفكاره على الناس. لذلك يتبادر للذهن أن معالجة الأساس هذا هو علاج المشكلة. لكن عند إمعان النظر يلاحَظ أمران: أحدهما أن هذا تبسيط للمشكلة، والثاني أن هذا يعني الهروب من حل المشكلة، ولذلك لا بد أن يلاحَظ هذا الأساس مجرد ملاحظة عند العلاج، ولا يتوقف عليه العلاج. أمّا التبسيط للمشكلة، فذلك أن الغرب وسيطرته هي أساس البلايا كلها، ومنها بطء التفكير، فجعل العلاج ينصبّ على الأساس، يعني أن زواله يزيل البطء، وهذا وإن كان صحيحاً على الإجمال، ولكنه يحتاج إلى معاناة. فعدم ملاحظة هذه المعاناة، هو تبسيط للمشكلة، فالمشكلة هي زوال الأساس، ووجود المعاناة. ووجود المعاناة أمر ضروري حتى لو زال الأساس. فالمعاناة هي التي تؤدي إلى زوال ما تركه الأساس، وليس الأساس نفسه. لذلك فإن المعاناة هي أصل العلاج، وليست إزالة الأساس. فالمعاناة هي العلاج، سواء أكانت مع وجود الأساس باقياً وهو سيطرة الغرب، أو غير باقٍ بل زال، وإن كان زواله يسهّل المعاناة ويجعلها منتجة أكثر، فالمعاناة هي التي يجب أن تباشَر بالعلاج، والمعاناة هي التي تزيل آثار هذا الأساس، فلا بد من المعاناة أولاً وقبل كل شيء.

إذن فعلاج البطء في التفكير هو المعاناة، فلا بد من المعاناة، لأنه لا علاج بدونها. لذلك فإن العلاج الحقيقي لبطء التفكير، أي لعدم وجود سرعة البديهة، أو إيجادها، إنّما هو المعاناة. والمعاناة تنصبّ على البطء في التفكير، أمّا كيف تنصبّ هذه المعاناة، فإليك البيان:

أولاً: لا بد من عرض أشياء كثيرة على الشعب وعلى الأفراد، ليفكروا بها، ومن خلال تفكيرهم بهذه الأشياء، وبما يحدث أمامهم يمكن أن يلاحَظ البطء في التفكير، فهذه الملاحظة أو الإحساس بالبطء، تكون نقطة الابتداء بالعلاج. فلنأخذ هذه الملاحظة، أو هذا الإحساس ونقتله درساً ومعرفة، حتى نقف على حقيقته. فمثلاً طرحنا أمام الناس شيئاً ما، وليكن مستقبلهم أو واقعهم أو تاريخهم، نجدهم يحللون هذا المستقبل تحليلاً بطيئاً حتى لَيفلت من أيديهم، ويحللون كذلك واقعهم أو تاريخهم بنفس الأسلوب. مع أن تحليل المستقبل هو غير تحليل الواقع، وهو غير تحليل التاريخ، ولكن تعوّدهم على التفكير البطيء، وكونه صار طبيعة لديهم، يجعلهم يطيلون التحليل، ويفلسفون الآليات، حتى يغمض المستقبل أو الواقع أو التاريخ بدل أن يزداد وضوحاً. فهذا البطء في التفكير هو الظاهرة البارزة عليهم جميعاً. وحينئذ لا نأخذ ما طرحناه أياً كان، بل نأخذ الظاهرة العامة عليهم جميعاً، ونقبض عليها، ونمسك بتلابيبها فنهاجمها بشكل عنيف، ونبين أنها عيب من أبرز العيوب وننفرهم منها، حتى ليصح أن نقول لهم: إن العسل هو خرء الذباب. فإذا كرهوا البطء في التفكير، أي كرهوا التحليل البطيء، ظهر عليهم ميل إلى السرعة، فهذا الميل هو أول علامات الشفاء. فإذا لم يظهر هذا الميل ظهوراً بيناً علينا أن نوجده لديهم، وذلك بالإيحاء، أو المعالجات السريعة، وأثر السرعة، فيوجَد هذا الميل عند البعض إن لم يكن عند الجميع، ولكنه لا يلبث أن يكون عند الجميع. لذلك كان طرح الشيء ثم نهاجم الظاهرة البارزة، فنصل إلى الميل للسرعة، ويكون هذا هو أول بوادر النجاح. فعلاج البطء لا يأتي بالشرح والبيان، ولا بالخُطب والكتب، وإنّما يأتي بالكلمات المحدودة المتضمنة أعمالاً، أو بالأعمال نفسها. وهذه هي المعاناة، فالمعاناة هي أقوال محدودة وأعمال بارزة.

ثانياً: لا بد من متابعة هذا العرض، والإمعان في المتابعة، حتى يظهر على الناس أو على الأفراد ملل من هذه المتابعة وكأن لسان حالهم يقول كفى متابعة. ولا ينتظر حتى يقول كل الناس كفى متابعة، ولا يُكتفى بواحد أو اثنين يقولان كفى متابعة، بل يُحس أن الناس قد ملّوا المتابعة. وحينئذ يُتوقف عنها، فلا يصح أن يبقى متابَعاً حتى يمل الناس دون أن يحس أو يشعر بذلك، ولا يقطع المتابعة بمجرد أن صرّح بذلك أفراد من الأذكياء، أو فرد أو أكثر من عامة الناس، بل يجب أن يتابَع حتى يُحس أن المتابعة لم تعد تجدي، فيتوقف حينئذ عن المتابعة بمجرد إحساسه هو، لأن المفروض أن يكون إحساسه قد وُجد بناء عن واقع شامل، لا واقع أفراد من الأذكياء.

ثالثاً: أن ينوّع هذه المتابعة، بمعنى أنه قد طرح أمام الناس مستقبلهم وواقعهم وتاريخهم، فليطرح عيشهم، ورتابة هذا العيش، وكيفيته، ثم ليطرح طريقة عيشهم، والدفاع عن هذه الطريقة لو بالسيف أي بالقوة، والنظر إلى مخالف هذه الطريقة نظرة عدم تسامح وعدم تفريط، بل نظرة تصل إلى حد العداء. ثم ليطرح غير ذلك من الأشياء بشكل متنوع، على أن تكون مما فيه تفكير، لا أشياء آلية كالمغامرة والكرسي والصحن، بل أشياء تحتاج إلى تفكير.

رابعاً: أن يكون في حالة وعي عند طرح الأشياء عليها، وعلى أثرها، وعلى التفكير بها، حتى يكون تدبره هذا، أي وعيه وسيلة لصحة الأحكام التي يُصدرها، ولصحة الملاحظات التي يبديها، وحتى يكون الهجوم في محله، عند السامع، وعند المتكلم، وإذا فقد الوعي، فقد كل شيء، لأنه لا فائدة بالمتابعة، ولا بالتكرار، ولا بالتنويع، إلاّ إذا وُجد الوعي والتدبر، فالوعي والتدبر ضرورة من ضرورات العلاج.

أمّا مَن الذي يعالِج، فإنه يتبادر للذهن أنهم القادة، أو المخلِصون، أو القيّمون على الناس أو على الأفراد. لكن الواقع هو أن كل فرد من الناس يمكنه ذلك، مع الناس أو مع نفسه، إذا سار على الشروط الأربعة. لذلك فإن العلاج ليس موضوعاً لأحد معين بل هو موضوع بشكل عام، يشمل القادة والمخلِصين والقيّمين، ويشمل كل فرد من الناس، حتى لو طرح الأمر على نفسه هو، وعالج نفسه هو لكان معالِجاً، وكان كافياً. لذلك فيجب أن يُعرف تماما أن العلاج هذا ملك لكل إنسان، ويمكن أن يقوم به كل إنسان، ولو فرداً واحداً، ولو على نفسه. فالمهم هو العلاج، وليس المهم هو من الذي يعالِج.**