سقوط أمريكا — موضوع مستورد

**الشرح غير اليسير

لسقوط دولة الروم العسير**

عندما نقرب المجهر قليلا لمحاولة شرح سبب أو أسباب سقوط الإمبراطورية الرومانية لنرى مدى توافق العوامل أعلاه لتكوّن قاعدة عامة لفهم إنهيار الدول وزوالها (على صعوبة هذه المسألة كما اتفق معظم المحللين)، سنجد أن مؤرخين معاصرين وقدماء حاولوا تقديم تفسيرات عقلانية لمسألة سقوط دولة الروم، لعل من أبرزهم المؤرخ الإنجليزي إدوارد جيبون عبر كتابه الذي ألفه عام 1776 بعنوان The Decline Of The Roman Empire وقد أسهب المؤرخ الإنجليزي الشهير أرنولد توينبي بشرح الأسباب من منظوره الخاص، وسبقه بذلك بزمن طويل المؤرخ الروماني فيجيتيوس الذي عايش أواخر عمر هذه الإمبراطورية الشاسعة. والملخص الزمني الذي سأقدمه لهذه الأسباب ليس إلا عرضا لعملية استغرقت قرونا عديدة، وهو كالتالي (نقلا عن موسوعة الويكيبيديا):

*** القرن الثالث ميلادي:**

  • أزمة الاضطرابات السياسية وفراغ السلطة وانقسام الامبراطورية لعدة أجزاء (234-284 م)

  • حكم الإمبراطور دقلديانوس (284- 305 م) الذي حاول فرض إصلاحات سياسية واقتصادية جوهرية، ظلت موجودة لقرون تالية.

*** القرن الرابع ميلادي:**

  • حكم الإمبراطور قسطنطين الأول (306-337 م) الذي بنى العاصمة الأخرى القسطنطينية، وتحول إلى المسيحية وعمل على التشريع من خلالها، تاركا وراءه تاريخ الرومان المبني على الوثنية وعبادة الأصنام.

  • الحرب الأولى مع قبائل القوط الغربيين (376- 382 م) والتي وصلت ذروتها بمعركة أدرنة عام 378 حيث هزم بها الجيش الروماني الضخم وتدمر ثلثيه وقتل إمبراطور الروم فالنس بالمعركة. وكان القوط قد هاجروا من موطنهم فرارا من غزو قبائل الهون. وسمح فالنس للقوط بالاستقرار بحدود الإمبراطورية إلا إنهم ما لبثوا أن تمردوا وثاروا بسبب سوء معاملة حكام المقاطعات لهم.

  • حكم الإمبراطور ثيودوسيوس (379-395 م) وهو آخر إمبراطور تتوحد بحكمه الامبراطورية بشطريها الشرقي والغربي، وقد كرس هذا الإمبراطور تبني المسيحية التي اعتمدت في مؤتمر نيقية الأول دينا للدولة، وعمل على إلغاء جميع المظاهر الوثنية السابقة.

*** القرن الخامس ميلادي:**

  • فقدان السيطرة على شبه جزيرة الغال وشمال أفريقيا وضياعها كليا من الإمبراطورية بعد عبور مجموعة من القبائل الجرمانية (الوندل والسويبيون والآلان) نهر الراين عام 406 الذي يعتبر الحد الطبيعي الفاصل بين الروم والقبائل الجرمانية.

  • اندلاع الحرب الثانية مع القوط الغربيين بقيادة ألاريك الذي اجتاح اليونان ثم غزا إيطاليا ونجم عن ذلك نهب روما (410)، ثم خروجهم منها وتأسيسهم لمملكة القوط الغربيين في جنوب أسبانيا.

  • قيام الإمبراطورية الهونية بقيادة أتيلا ثم بليدا (434- 453 م)، ثم إغارتهم على البلقان وبلاد الغال وإيطاليا وتهديدهم بالتالي لكل من روما والقسطنطينية.

  • اجتياح روما ونهبها للمرة الثانية عام 455 م وهذه المرة على يد قبيلة الوندل الجرمانية.

  • فشل الهجمات المعاكسة للرومان على الوندل (461-468 م): خطط الإمبراطور الروماني الغربي ماجوريانوس بشن حملات بحرية ضد قبيلة الوندل لاستعادة شمال أفريقيا، لكن هذا الخبر وصل لمسامع الوندل فشنوا هجوما مباغتا على الأسطول الروماني ودمروه. ثم لاقت الحملة البحرية الثانية التي أرسلها كل من الأمبراطور البيزنطي ليو الأول والروماني الغربي أنتيموس عام 468 نفس المصير.

  • خلع آخر إمبراطورين للرومانية الغربية جوليوس نيبوس ورومولوس أوغسطس (475- 480 م): وتتلخص المسألة بأن أوريستس قائد الجيش الروماني الغربي خلع نيبوس الذي عينه البيزنطيون، ونصب بدلا منه ابنه الصغير أوغسطس إمبراطورا. إلا إن نيبوس الذي فر هاربا إلى دالماتيا (كرواتيا حاليا) عين الجرماني أودواكور قائدا لجنده وأعطاه الضوء الأخضر لاجتياح إيطاليا، فقتل أوريستس وخلع ابنه أوغسطس من العرش ونصب نفسه حاكما على إيطاليا عام 476 وطلب من إمبراطور بيزنطة زينو أن يكون إمبراطورا للإمبراطوريتين معا لكي يشرعن منصبه كحاكم مفوض منه، فوافقه على ذلك وتجاهل بنفس الوقت مطالبات نيبوس الذي سرعان ما قتله جنده عام 480، فانتهى بذلك أي وجود للإمبراطورية الرومانية الغربية التي لم تعمر سوى 180 سنة تقريبا.

  • تأسيس مملكة القوط الشرقيين في إيطاليا عام 493 م: ارتفعت شعبية أودواكور كحاكم في إيطاليا، فهال ذلك زينو الإمبراطور البيزنطي الذي حرض عليه القوط مطالبا إياهم بإزاحته عن الحكم. ففعل القوط ذلك، لكنهم بدلا من أن يعيدوها للحكم البيزنطي أسسوا مملكة مستقلة لهم في إيطاليا وعينوا ثيودوريك ملكا. فضاعت بذلك كل الصلات التي تربط إيطاليا عن بيزنطة التي ورثت الإمبراطورية الرومانية البائدة.

إلا إن هذا العرض لا يبين من الأعماق مدى قوة وصلابة هذه الإمبراطورية الحقيقية. فقد أظهرت خلال فتراتها تماسكا قويا، لكنه ظاهري، بوجود الجيش الجرار والقوة الاقتصادية الكبيرة والكثافة السكانية التي تمكنها من تحريك عجلة الانتاج وإعادة توليدها باستمرار. لكن هذه العوامل القوية الظاهرية تخفي وراءها عناصر ضعف واضمحلال خطيرة. يؤكد المؤرخ المعروف أرنولد توينبي أن سقوط هذه الإمبراطورية قد بدأ منذ وقت طويل قبل إنهيارها ويجزم أن تحولها من الشكل الجمهوري إلى الملكي قد أدى إلى تفسخ مؤسساتها واهتراء أجهزتها. ولم يكن بالإمكان -حسب منظور توينبي- أن تستمر هذه الدولة أكثر من الفترة التي بقيت بها دون عمليات إصلاح جذرية وشاملة وهو ما لم يتمكن من إجرائه أي من أباطرتها المعروفين، بمن فيهم من يطلق عليهم “الأباطرة الخمسة الصالحين” وهم بالترتيب نيرفا وتراجانوس وهادريانوس وأنطونيوس بايوس ثم أخيرا ماركوس أوريليوس الذي يظهر بالعمل المذكور أعلاه. “فهذه الامبراطورية الشاسعة لم يكن لها نظام خزانة أو مالية معتمد بل اعتمدت ميزانياتها على نهب المستعمرات والأراضي المفتوحة والضرائب الباهظة على البسطاء والمزارعين وهو ما ولد الحنق والغضب بنفوسهم وجعلهم يكفون عن الانتاج ودعاهم كذلك للتمرد والثورة ضد روما أحيانا، وبالتالي فإن التكلفة الكاملة للآلة العسكرية تحملها المواطنون، والاقتصاد الذي يعتمد على الرقيق سيضعف من القوة الشرائية للطبقة الوسطى، ورغم هذا استمر الإنفاق ببذخ على الطبقة الحاكمة وحاشيتهم. وبسبب الفشل الاقتصادي الحتمي فإن التصنيع العسكري للجيش الروماني أصبح ضعيفا ومكشوفا للأعداء بسبب عدم تطوره ومواكبته لمتطلبات العصر” حسب توينبي.

متى ستسقط أمريكا؟!

من طريف القول إن البعض قد يتساءل عن كيفية السقوط المستقبلي للإمبراطورية الحالية التي تسود العالم، الولايات المتحدة الأمريكية. ولا أظن أن مسألة سقوطها، مهما اقترب أو ابتعد زمانه، سيخرج عن هذه القاعدة العامة التي تنطبق على جميع الدول والقوى العظمى في العالم. فغياب العدالة الاجتماعية وتطويع القانون لخدمة علية القوم وكبارهم والتغول على العالم وعدم احترام ثقافاتهم وأعراقهم، سيؤدي بالنهاية بهذه الولايات المتحدة إلى الوقوع بما وقعت به تلك الدول الساقطة وإلى الانهيار الحتمي، مع ترجيحي بأن تكون الأسباب المباشرة لسقوطها داخلية بالدرجة الأولى، فمن المتعارف عليه أن الخطر والتهديد الخارجي سيوحد من الجبهة الداخلية. ولعل حكام أمريكا أدركوا هذه اللعبة منذ البداية، فلا تكاد تمضي بضعة سنوات إلا وترى حربا مفتعلة قد شنتها الولايات المتحدة مثل غزوها وحربها على الفليبين 1899-1902، وكذلك دخولها غير المبرر للحرب العالمية الأولى عام 1917، ثم تحرشاتها باليابان ما أدى إلى وقوع النزاع العالمي بينهما وانتهائه بالضربة الكارثية الذرية لهيروشيما وناجازاكي عام 1945، ثم تورطها بالحرب الكورية 1950، وغزوها الفاضح لفييتنام تحت شعار منع الشيوعية بدءا من 1956 وحتى 1975، ثم غزو لبنان عام 1982 وشبه جزيرة غرانادا عام 1983، وقصف ليبيا عام 1986، فغزو بنما عام 1989 والقبض على رئيسها مانويل نورييغا الذي لا يزال سجينا حتى الآن. على أن أمريكا التي يعتبرها الكثيرون شرطي العالم خاضت حروبا قد يراها البعض محقة ولها ما يبررها، مثل وقوفها بوجه الخطر النازي والفاشي في أوروبا بالحرب العالمية الثانية، وكذلك خوضها لحرب الخليج عام 1991 وتحرير الكويت. ولكن أيا كان سبب خوضها لكل هذه الحروب وما تلاها وبغض النظر عن مدى أحقيتها من عدمه، فإن من الواضح للعيان أن هذه القوة العظمى لا تنفك عن شن الحروب، ربما لشعورها أن هذا العامل قد يكون هو السبب الوحيد لتوحد البلاد داخليا. فمن يطلع على أحوال الشعوب الأمريكية فسيلحظ عدم وجود رابط يجمعها أو عناصر ثقافية أو عرقية أو تاريخية أو دينية توحدها على الإطلاق. ومن صحيح القول إن المثل التي قامت عليها البلاد (الحرية والعدالة والمساواة) وكذلك بناء على ما يطلق عليه “الحلم الأمريكي” American Dream والبناء الذاتي لمستقبل الفرد، هي مثل وقيم جميلة ورائعة يتمناها كل إنسان بهذا العالم، إلا إن هذا الحلم قد انقلب إلى كابوس يقض مضاجع أهل هذه البلاد، فهم قد بلغوا بمثلهم وقيمهم نقطة الاحتكاك بالواقع فكانت النتيجة اصطداما مريرا مع الديموغرافيا الأمريكية من خلال الإبادة المنظمة للسكان الأصليين وهي القبائل التي أطلقوا عليها تهكما “الهنود الحمر”، واصطدم الأمريكيون مع أنفسهم بعد أن شعروا أن قيمهم التي نص عليها دستورهم المكتوب ما هي إلا حبر على ورق، فخاضوا حربهم الأهلية المريرة (1861-1865) والتي كلفت مئات الآلاف من القتلى والجرحى والمهجرين. ولا يزال كثير منهم، -لا سيما المواطنين السود-، يشعرون بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية وقد اتضح ذلك بعد أن رأوا الإهمال الحكومي لمناطقهم الفقيرة عند اجتياح إعصار كاترينا عام 2005 الذي كشف المستور وعرى المحظور، رغم محاولات إدارة بوش الابن يومها الظهور بمظهر المتعاطف والمتباكي على الضحايا. ورغم إن الأمريكيين ينفون عن أنفسهم بشدة وصفهم بـ"أمة حرب"، إلا إن أفعال حكوماتهم وسلوكياتها لا تشير إلا إلى هذه الصفة، وهو ما يجعل سخط العالم دائم التوجيه لهم. وقد سرت الكثير من الأقاويل مؤخرا عن رغبة بعض الولايات الأمريكية بالاستقلال التام عن الحكومة الفيدرالية في واشنطن، وهذا الجانب غير مستبعد تماما رغم صعوبة تطبيقه أو الإشارة له بوضوح حاليا. ولكن القاريء لأحوال الكثير من الولايات الأمريكية سيدرك أن المستقبل سيحمل العديد من الأنباء غير السارة لهذه الدولة العظمى، وقد يكون هذا المستقبل قريبا.

نماذج من سقوط دول إسلامية عظمى

إن أردنا الاستشهاد بمثال معين سنرى أن مسألة سقوط الدولة والخلافة العباسية نموذجا يستحق التأمل، فهل الغزو المغولي هو السبب الوحيد لسقوط هذه الخلافة وزوالها من الوجود؟ هنالك من ينفي ذلك عبر أدلة عديدة، فقد أكد كثير من المؤرخين أن بوادر سقوطها ظهرت قبل ذلك بفترة طويلة، ولعل من المفارقة أن ملمحا لذلك ظهر بمناسبة تدعو للبهجة، ألا وهي انتصار المسلمين بقيادة الناصر صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين وانهيار مملكة بيت المقدس الصليبية بعد معركة حطين عام 1187م، فكل المسلمين قد استبشروا خيرا بهذا الانتصار المبين، إلا إن الخليفة العباسي في بغداد “المستضيء بأمر الله” لم يقابل هذا الأمر إلا بالفتور وإن سعد الناس بخبر هذا الانتصار أمامه شعر بالنفور، ومن الثابت تاريخيا أن العباسيين لم يدعموا جهود صلاح الدين بما لديهم من مال وجند اللهم بالدعاء وهو ما لا يسمن ولا يغني من جوع، وهنا بدأ الناس يدركون أن الدولة العباسية لم تعد لها قيمة معنوية، فضلا عن سقوط قيمتها المادية كقوة فعلية، بعد أن تخلت عن أهم أركانها التي تأسست عليها كقوة عظمى بالعصور الوسطى ألا وهو الجهاد في سبيل الله. ولم يكن هجوم المغول الوحشي والبربري سوى تحصيل حاصل لدولة سقطت بالفعل في أعين رعاياها ومواطنيها.

ويمكننا القياس على ذلك بمسألة سقوط الدولة العثمانية التي انهارت داخليا من الفساد والإفساد، رغم محاولات السلطان عبد الحميد الثاني المتأخرة بالإصلاح، قبل أن ينقض عليها الحلفاء من كل حدب وصوب بالحرب العالمية الأولى. ورغم أن وجود الإمبراطورية العثمانية كان أمرا عظيما للأمة الإسلامية التي تحصنت حدودها وقوت شوكتها بعد قيام هذه الدولة على أنقاض عاصمة البيزنطيين القسطنطينية وتحولها إلى عاصمة إسلامية للأبد (إسلامبول أو إسطنبول)، إلا إن المتأمل عن قرب لأحوال هذه الدولة لا يملك إلا أن يشعر بالدهشة والاستغراب من عدة أمور جرت بها. فقد كانت الإنكشارية -وهم صفوة الجيش العثماني ورأس حربته القاتل- سببا رئيسا بالانهيار السياسي والعسكري للدولة رغم أنها قامت على أكتافهم بالبداية. فأصبحوا يتحكمون بمن يطلق عليهم “السلاطين التنابلة” في إشارة إلى مرحلة ضعف الحكام، بعد أن كانت الانكشارية ذراعا قويا بيد السلاطين العشر العظام الأوائل بدءا من عثمان بن أرطغرل وحتى سليمان القانوني. ثم إن بعض المؤرخين يعتبرون أن السلاطين العثمانيين هم أول من شرع قانونا يجيز قتل وذبح أخوتهم عند توليهم العرش السلطاني حتى لو كانوا رضعا أو أطفالا صغارا، وهو ما لا يرتضيه شرع ولا منطق. وبعهد السلاطين التنابلة ازداد نفوذ المحظيات والجواري “الحريم” بالبلاط السلطاني ومعظمهن من الأوروبيات المسيحيات أو اليهوديات، ولم تكن قصة السلطان سليمان القانوني المأساوية وقتله لابنائه من خلال مكائد زوجته روكسلان إلا مؤشرا على بدء التدهور الداخلي والقلاقل الشديدة التي أدت لاضعاف الباب العالي بعد ذلك شيئا فشيئا، واستغلت القوى الأوروبية هذا الأمر أبشع استغلال من خلال اتباع الدبلوماسية الناعمة بالبداية ثم عبر الإجهاز على الدولة ومناطقها بالنهاية، وهو ما أدى إلى انكشاف الغطاء عن الوطن العربي فأصبح لقمة سائغة للقوى الاستعمارية الإمبريالية منذ بداية القرن التاسع عشر، وهو ما أوصلنا للوضع الحالي باحتلال فلسطين على يد القوى المهيمنة بالعالم وأداتها الكيان الصهيوني. وهذا المسار التدريجي نحو الضعف والاضمحلال والسقوط، عند دراسته بتمعن، نراه ينطبق كذلك على سقوط الإمبراطوريات الأخرى كالروسية القيصرية والنمساوية-المجرية وغيرها الكثير ممن طواها الزمن.

متى تسقط الدول؟

(( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا )) الإسراء - 16

يقدم لنا الباري عز وجل قاعدة سرمدية بأبرز أسباب سقوط الدول كبيرها وصغيرها بلا تمييز. فالفساد والفسق والظلم والخروج عن جادة الحق وتغليب الشهوات والمصالح الخاصة والضيقة، وهي من علامات تفسخ وانحلال الدول واهترائها، لا تنحصر بمكان واحد أو زمان واحد، بل قاعدة تنطبق على دولة أو أمة في الأرض. ولكن كيف نتلمس واقع هذا الأمر على الأرض ومجريات الأحداث؟ لا شك أن الثورات العربية تهدف إلى إسقاط أنظمة فشلت في إقامة مؤسسات “الدولة”، فإذا ما افترضنا -حسبما يؤكد الصحافي المعروف الأستاذ محمد حسنين هيكل- أنه “لا وجود بأي قطر عربي لفكر الدولة ومؤسساتها وأجهزتها” فكيف نتصور مدى منطقية الهلع الجاري حاليا حول مقولة “سقوط الدولة” التي يرددها البعض بعد ثورات الربيع العربي! بمعنى أنه هل توجد دولة بالمقام الأول لكي نخشى من سقوطها؟ لا أحاول أن أتبنى هنا المفهوم الفلسفي “الفوضوية” Anarchism كما يتبناه المفكر والعالم اللغوي نعوم تشومسكي فالأمر مختلف، فتشومسكي يزعم بشكل عام “بأن الدولة هي من أهم عوامل تعطيل تقدم الشعوب والحضارات” وهو يبني موقفه واقعيا على سلوكيات الحكومة الأمريكية داخليا وخارجيا، وهو يعارض وجود كيان لا يمكن أن يطلق عليه إلا إنه يحمل مقومات الدولة وأركانها بأفضل ما وصلت إليه متطلبات الحدود الدنيا من حياة الإنسان مهما اختلفنا حولها، وهي الولايات المتحدة الأمريكية. بينما في الجانب الآخر، فإنه لا يمكن وصف أحدهم كمؤمن بالفكر الفوضوي طالما أن الفوضى سائدة بالفعل سياسيا وثقافيا واجتماعيا في هذه المنطقة. لكن المخاوف الكثيرة التي تسود الأقطار العربية من أن بعضها معرض لمؤامرات ومكائد خارجية ستجعلها تتفتت وبالتالي تسقط، وإن قطرا آخر يتربص به طرف ثالث (خفي) يعمل على انهيار إركانه ومن ثم سقوطه كدولة، ونموذج ثالث يزعم أن الاستقرار أمر حاسم لضمان بقاء الدولة وعدم سقوطها، كل هذه المخاوف والأقاويل قد يكون لها بعض ما يبررها، إن كانت صادقة وتحرص على “الدولة” -إن كان هناك بالوطن العربي قطر يمكن أن يطلق عليه أنه يحمل مقومات “الدولة”- ولكن هل هناك حدث بعينه مهما كان فظيعا وبشعا يؤدي لسقوط دولة ما أو انهيارها انهيارا تاما لا قيام بعده؟ لقد زعم كثير من المؤرخين والمحللين أنه لا يمكن لمثل هذا الحدث أن يكون سببا مباشرا لسقوط دولة معينة، وهذا بالفعل ما رأيناه قد تجسد بسقوط دول وإمبراطوريات عظمى عاشت مئات السنين.

يقدم فيلم The Fall Of The Roman Empire منظورا دراميا لحدث تاريخي معين وهو ما قد يضطره لتحويره أو اختصاره جزئيا بما لا يتعارض مع سريان الأحداث الجارية بتلك الفترة، ومن الممكن أن ينتقل هذا التحوير إلى الشخصيات التاريخية المعالجة كالتركيز على نقطة معينة لم يتوقف التاريخ عندها كثيرا لعدم تأثيرها على السياق العام للأحداث، مثل نقطة الشك في أبوة الإمبراطور ماركوس أوريليوس لابنه الإمبراطور كومودوس وتصويرها على أنها الدافع النفسي للسلوكيات الغريبة التي اتخذها الأخير. ومثال آخر يتمثل بشخصية كلياندر حاجب الإمبراطور كومودوس وتصويره على أنه كاهن وثني ينجم للمستقبل وأنه أعمى كذلك، وهي من الأمور المتخيلة دراميا. لكن هذه الأمثلة وغيرها لم تؤثر تأثيرا بالغا (برأيي) على متانة النقل التاريخي لذلك الحدث وتلك الفترة بفيلم سقوط الإمبراطورية الرومانية. إلا إننا إذا ما انتقلنا لدراسة أسلوب ريدلي سكوت بالنقل التاريخي حسب منظوراته الدرامية، فإننا نجده بفيلم “المصارع” يقوم على تحوير ما هو محور أصلا والابتداع بما هو مبتدع سلفا، فهو لا يتجرأ بدراسة تلك المرحلة التاريخية والخروج منها بمنظور درامي معين حتى لو حور به أو زيف، بل لجأ لما هو أسهل وهو إعمال تحويره على عمل درامي بالأصل. وعند المقارنة بين العملين، لا ينكر المتفرج أن عمل سكوت قد أعطى بعدا إنسانيا لعمله من خلال ابتداع شخصية خيالية بتلك الفترة وهي “ماكسيموس” ورغبته بالانتقام من الإمبراطور (الحقيقي) كومودوس، رغم أن الأخير قتله مصارع فعلا خنقا بعد فشل محاولة تسميمه إثر مؤامرة من زوجته وبعض من قادته، إلا إن هذا التغيير والتحوير قد يفسد القراءة التاريخية للحدث أمام الأجيال التي قد لا تقرأ هذه الأحداث بتطوراتها المثبتة تاريخيا، وهو ما قد يدخلنا بدائرة الكذب على التاريخ وتزييفه. ولعل السيد ريدلي سكوت أعاد الكرة بهذا المنظور من خلال عمله التالي “مملكة السماء” Kingdom Of Heaven عام 2005، حيث بنى منظوره على مجموعة من الخيالات الدرامية التي أسقطته بالنهاية بحلقة التزييف لأغراض مشبوهة، حيث إنه جعل من شخصية باليان إبلين بطولية ودافعت عن المعتصمين بقلعة القدس ضد هجوم صلاح الدين الأيوبي لفتح المدينة ولم يذهب (أي باليان) مع الجيش الصليبي لمعركة حطين، بينما الحقيقة المثبتة أن هذا المنظور ليس سوى مجموعة من الأوهام والخيالات التي تعد من الكذب السافر، ومن يقرأ سيرة باليان الحقيقية سيكتشف ذلك بسهولة. المهم هنا أن ما يسمى “المنظور الدرامي” لا يجب أن يتعامل مع الوقائع التاريخية على أنها قابلة للتحوير المطلق والتزييف والخداع وإلا فإن وظيفة السينما ستنتقل من الإمتاع البصري إلى التغييب العقلي. ورغم أن هذا الأمر قد لا ينطلي على القاريء المثقف، إلا إنه قد يزيف التاريخ على آلاف مؤلفة من المشاهدين الذين قد يصدقون مثل هذه التحويرات الدرامية المبتدعة. وأود هنا أن أتساءل، ألا يرى صناع السينما ما يكفي الدراما والمآسي بالتاريخ لكي يصنعوا به أعمالهم؟ وأجزم أن القاريء للتاريخ سيشعر بكل الآلام والجروح والمآسي التي وقعت لشخصياته، وهو واقع أغرب من الخيال كثيرا.

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

أحييكم أيها الأخوة والأخوات، وأقدم لكم عملا تاريخيا نطرح من خلاله ما نستلهمه من دروس وعبر تتكرر على مدار الأزمنة والعصور لتجعل من مقولة “التاريخ يكرر نفسه” ماثلة للعيان لمن يرى ويتدبر بتحولات الدهور والدول وتشكلاتهما. والدرس الذي بين أيدينا هو سقوط الإمبراطورية الرومانية. وليس من السهل تقديم تفسير أو تحليل جامع مانع لسقوط هذه الإمبراطورية التي تسيدت العالم القديم قرونا طويلة، ولكن النظر لهذه العملية نظرة التأمل والدراسة ستعمل على تقريب الصورة لكيفية سقوط الدول والإمبراطوريات العظمى. وسأنتهز فرصة تقديم ترجمة العمل الكلاسيكي “سقوط الإمبراطورية الرومانية” لطرح هذه المسألة ومدى انعكاسها على الواقع المعاصر سواء عربيا أو دوليا. ولعل هذا الموضوع ليس إلا محاولة اجتهادية للنظر إلى هذا الموضوع الذي قد يشوبه النقص أو الخلل، ولكني أجزم أن مشاركات الأساتذة الكرام ستثريه وتجعله متوازنا عبر طرح قراءاتهم وتجاربهم ومخزون ثقافتهم.

لا بد أن نتحدث في البداية عن عملنا السينمائي الكلاسيكي الذي نتناوله اليوم، فهو من الأعمال الضخمة والمكلفة إنتاجيا وماديا، ولا يعتمد على الخدع الصورية (الجرافيكس) كما هي حالة معظم الأعمال الحديثة، إنما هو تجسيد ملموس وتسخير لجموع وحشود كبيرة من المجاميع وتماثيل الرومان وأصنامهم الضخمة وكذلك تشكيلات الفيالق الرومانية المنظمة بكل ما تحتويه من خيول أنيقة ودروع متراصة وعربات خيول غاية بالمرونة والقوة، والفيلم باختصار يجعل المشاهد يعيش الجو الروماني بكل ما تحتويه الكلمة من معنى. أنتج هذا العمل عام 1964، وأخرجه أنطوني مان ومن بطولة كوكبة من أشهر النجوم العالميين والأمريكيين من بينهم صوفيا لورين وستيفن بويد وأليك جينيس وكريستوفر بلامر وعمر الشريف وميل فيرير. وقد بني الفيلم على منظور درامي لتطور تاريخي مدروس أشرف عليه المؤرخ المعروف ويل ديورانت صاحب الكتابين الضخمين “قصة الحضارة” الذي نشره ما بين عامي 1935 و1975، و"قصة الفلسفة" عام 1925 . لن أتحدث عن قصة العمل بحد ذاته فهذه أتركها للمشاهدين، ولكن ما أثار انتباهي هو أن فكرة هذا الفيلم اقتبسها المخرج البريطاني المعروف ريدلي سكوت بفيلمه الشهير Gladiator عام 2000 ليحورها ويحرفها وليخرج لنا عملا غريبا وعجيبا. ولي هنا وقفة للمقارنة.

وهنا نلاحظ أن الله تعالى تحدث عن المترفين (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا) أي النخبة القليلة من الأغنياء التي تتحكم بمصادر الثروة في البلاد، هي التي تكون سبباً في الهلاك ولكن بعد الظلم والفساد وأكل أموال الناس وخلق فجوة هائلة بين الغني والفقير.. أي أن الهلاك والدمار له شرطان وجود قلة قليلة تملك معظم الثروة ووجود الظلم والفساد.. هذان الشرطان هما سبب انهيار الحضارات.. هذا ما قرره القرآن في القرن السابع .. وهذا ما وجده العلماء عام 2014 !!!

ولذلك فإن القرآن الكريم يذكرنا دائماً بهلاك الأمم من قبلنا وأن هذا الهلاك هو معجزة وآية من آيات الله ينبغي على كل من لديه عقل أن يتفكر فيها.. قال تعالى: (أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى) [طه: 128]… تأملوا كيف يذكرنا القرآن بمصير من سبقنا لنأخذ العبرة.. وهو تذكير للحاكم والمحكوم أن يتقي الله تعالى وينظر لمصير من سبقه من الجبابرة.. ولكن المسألة تحتاج لعقل حكيم.

كذلك يقول تعالى مؤكداً أن الترف الزائد وإنفاق المال بشكل جنوني على أشياء تافهة كما يحدث اليوم في الولايات المتحدة سوف يؤدي للانهيار: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) [القصص: 58]… آيات كثيرة جداً تتحدث عن هلاك الأمم والحضارات من قبلنا، وكأن الله تعالى يريد أن يرسل لعباده رسالة خفية يريدهم أن يبقوا في حالة تذكر لمشاهد الانهيار… وهذا يؤثر في نفس الإنسان ويجعله في حالة خوف من المعصية وتذكر لله تعالى..

علماء النفس يؤكدون أن الإنسان عندما يخاف من شيء فإن دماغه يرسم صورة قبيحة لهذا الشيء مما يؤدي تدريجياً إلى الامتناع عن فعله.. ولذلك يضعون على علب السجائر بعض الصور المرعبة لسرطان الرئة والفم واللسان… مما يثير في نفس المدخن الخوف من التدخين ويمكن أن يكون سبباً في الإقلاع عنه.

وهذا ما يفعله القرآن حيث نجد الكثير من الآيات تذكرنا بمصير الأمم من قبلنا والتي أهلكها الله تعالى بذنوبها وبسبب إفسادها في الأرض وظلم الناس… وهذا من إعجاز القرآن أيضاً، فالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم لم يكن لديه هذه العلوم النفسية ولم تكن مكتشفة أصلاً، حتى يستخدمها في القرآن.. وهذا يدل على أن القرآن ليس من تأليف بشر بل هو كرم رب البشر سبحانه وتعالى.

وإليكم بعض الآيات وهي كثيرة وجميعها تذكرنا بالأمم الهالكة من قبلنا.. قال تعالى: (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ) [السجدة: 26]. ويقول أيضاً: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ) [يس: 31]…

كذلك فإن الترف والغنى الفاحش والإسراف … كل هذه عوامل تسرع عملية السقوط والانهيار، قال تعالى: (ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ) [الأنبياء: 9]… دققوا معي في قوله تعالى: (وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ) كإشارة إلى خطورة الإسراف في المال كما يحدث في كثير من الدول حيث ينفقون المليارات على مشاريع من أجل الرفاهية والمتعة وإشباع رغبة الأغنياء.. وتجد في الجانب الآخر من يموت جوعاً..

ملاحظة مهمة:

صدرت الكثير من الأبحاث التي تتنبأ بنهاية أمريكا وحددت تاريخاً لذلك، ونود أن ننبه الإخوة القراء أن كل التواريخ المحددة لا تقوم على أساس علمي، أي حتى هذه اللحظة لم ينجح الباحثون في تحديد نهاية أي حضارة بشكل دقيق.

ولكن يمكن القول بأن الحضارة الأمريكية مثلاً سوف تنهار خلال عشرات السنين القادمة.. وقد يحتاج الأمر إلى بعض العوامل لتسريع عملية الانهيار مثل كارثة كونية (نيزك يضرب قارة أمريكا مثلاً) أو كارثة طبيعية (موجات تسونامي أو زلازل..) أو كارثة مناخية (مثل الجفاف أو عصر جليدي مفاجئ… أو غير ذلك)…

وهكذا دعونا نتساءل..

لو كان القرآن الكريم من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم ? كما يدعي بعض المشككين ? فلماذا يذكرنا دائماً بانهيار الأمم من قبلنا بل ويطلب منا أن نتأمل ونتفكر في طريقة إهلاك هذه الأمم بعد فسادهم وظلمهم؟ إنه يعني أن هذا النبي الرحيم يريد لنا الخير والنجاة من عذاب الله، إذاً هو صادق في دعوته لله تعالى، وأنه لم يأت بشيء من تلقاء نفسه.. وهذا دليل منطقي على أن القرآن كلام الله تعالى وليس من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم.

ــــــــــــ

**بقلم عبد الدائم الكحيل

www.kaheel7.com/ar

المراجع**

Nasa-funded study: industrial civilisation headed for ‘irreversible collapse’? - www.theguardian.com

إن التوزيع غير العادل للثروة بين أفراد المجتمع يؤدي لفارق كبير بين قلة من الأغنياء تتحكم في مصادر الثروات وبين عدد كبير من عامة الناس لا يكادون يملكون شيئاً.. فتحدث المجاعات وتدمر المجتمع بكامله ويحدث الانهيار فيقضي على الفقير ويتبعه الغني… أي الكل هالك لن ينجو إلا القلة القليلة…

لقد انهارت الحضارة الرمانية وحضارة المايا بسبب تركز الثروة في يد النخبة القليلة التي كانت غافلة عن المصير الأسود الذي ينتظرها. ولكن يمكن إنقاذ أي حضارة من الانهيار بإجراء بسيط جداً وهو أن يتبرع الغني بشيء من ماله للفقراء… واتباع أنظمة تؤدي لعدم الاستغلال والاحتكار ..

وكذلك إلغاء الكثير من الظواهر الضارة مثل الربا والربح الفاحش والغش وأكل مال الآخرين بغير الحق … وتنبيه الشركات ورجال الأعمال والحكومات لخطورة الاستمرار في سياسة التوزيع غير العادل للثروة… وهذا سيعيد بناء المجتمع على أسس عادلة تؤدي لتفادي كارثة الانهيار.

صورة لموت نجم… هكذا يبدو من بعيد بعد انهياره، حيث لا يمكن لأي نجم أن ينجو من هذا المصير!! ويؤكد العلماء أن النظام على الأرض يشبه النظام في الكون، فكما أن النجوم تنهار كذلك الحضارات تنهار بنفس الطريقة.. الأعاصير تدمر المناطق الآمنة بشكل مفاجئ كذلك السقوط المفاجئ للأمم يمكن أن يحدث بشكل مفاجئ نتيجة الظلم. مصدر الصورة NASA

لقد أقسم الله تعالى بظاهرة انهيار النجوم أن النبي صلى الله عليه وسلم على حق، قال تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى) [النجم: 1-2]، وبالمقابل أخبرنا أن كل من يعصي الله تعالى سوف ينهار ويهوي، قال تعالى: (وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى) [طه: 81]، وتأملوا معي كلمة (هَوَى) التي وردت في كلتا الحالتين.. وهذه إشارة إلى التشابه بين عالم النجوم وعالم البشر، فالكل له نهاية حتمية.

لقد طبق الباحثون نموذج HANDY على الولايات المتحدة الأمريكية ولاحظوا وجود خلل كبير في توزيع الثروة واستهلاك الخيرات وطريقة قيادة المجتمع وتوقعوا بأن انهياراً ما سيحدث وأنه لا يمكن تفاديه إن لم تتم معالجة الخلل الأساسي في الحضارة.

كيف أخبر القرآن عن ذلك؟

كثيرة هي الآيات التي أخبرت عن أمم وحضارات أهلكها الله تعالى بسبب الفساد والظلم والانحراف عن طريق الله تعالى.. يقول تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ) [الأنعام: 6].

لقد أكد القرآن قبل أكثر من أربعة عشر قرناً أن سبب الهلاك هو الظلم وأن انهيار الأمم لا يحدث إلا كنتيجة للظلم، قال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) [هود: 117]… إذاً مقياس بقاء الأمم هو الإصلاح، فالإصلاح هو الوسيلة المثلى للحفاظ على الحضارة.. وإن أي نظام يعتمد منهج الإصلاح سوف يستمر طويلاً، بعكس الأنظمة التي تعتمد الظلم والاستبداد حيث تهوي بشكل مفاجئ في الغالب.

هناك آية عظيمة تؤكد إمكانية التنبؤ بزوال الأمم وأن هناك قانوناً رياضياً يمكن من خلاله معرفة مدة كل أمة على الأرض.. ومع أن هذا القانون موجود ولكننا نجهله حتى الآن.. يقول تعالى: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ) [الحجر: 4-5].

أي لكل أمة من الأمم وقت محدد لا يمكنها أن تتفاداه… هذه الآية طرحت فكرة موت الحضارات، وهذه الفكرة جديدة لم تكن معروفة من قبل، حيث اعتبر القرآن أن لكل أمة أجلاً تماماً كما أنه لكل إنسان أجل محدد يموت بعده…

دائماً وكما تقول الدراسة العلمية أن سبب هلاك الأمم هو القلة القليلة التي تمتلك المال والثروة وتتركز فيها معظم ثروة البلاد.. ولذلك فإن هذا الخلل وعدم التوازن سيؤدي في النهاية للانهيار… والعجيب أن القرآن أشار إلى هذه الحقيقة بشكل مذهل في قوله تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) [الإسراء: 16-17].

القانون الإلهي

القرآن الكريم هو مجموعة من القوانين التي أودعها الله في كتابه لتنظم حياة البشر وتصل بهم إلى السعادة في الدنيا والآخرة.. ولذلك كانت هذه القوانين قائمة على مجموعة من الأسس أهمها العدل.. وعندما ينتشر الظلم لابد أن يؤدي ذلك إلى انهيار الحضارة.

هذا القانون الإلهي لخصه لنا القرآن في كلمات رائعة يقول تعالى: (وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا) [الإسراء: 58]. فهذه الآية تؤكد أن كل الحضارات سوف يتم تدميرها أو تعذيبها يوماً ما… والقرية هنا لا تعني القرية الصغيرة بل تعني الدولة أو المملكة أو الكيان الواحد أو الأمة الواحدة.

وتأملوا معي عبارة (كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا) أي أن الله تعالى سطر هذا القانون في اللوح المحفوظ الذي لا يتبدل .. وبالتالي انهيار أي حضارة هو أمر مؤكد تثبته الأحداث التاريخية فلا نعرف حضارة استمرت لما لا نهاية… بل كل حضارة تنشأ وتنمو وتتطور ومن ثم تبدأ بالانهيار تدريجياً مهما كانت تتمتع بالقوة والعلم.

ولكن ما هو مقياس الانهيار، ومتى تنهار الحضارة وما هو السبب الرئيسي… إنه الظلم! هذا هو المقياس الذي نستطيع أن نتنبأ بواسطته بانهيار الحضارة، من خلال قياس مستوى الظلم فيها.. وربما رأينا في العصر الحديث دولاً تنهار بسبب الظلم الذي انتشر فيها بين الناس (ظلم الغني للفقير، وظلم القوي للضعيف…)..

والذي يؤكد لنا ذلك قول الله تعالى: (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا) [الكهف: 59]. تأملوا معي كيف ربط الله بين الهلاك والظلم.. بل حدد موعداً للهلاك، وفي هذا إشارة علمية إلى إمكانية التنبؤ بزوال حضارة ما أو دولة ما بشكل علمي ورقمي.

الدراسة العلمية

الحقيقة هذه الفكرة التي طرحها القرآن قبل أكثر من 1400 سنة التقطتها وكالة الفضاء الأمريكية ناسا (عن قصد أو غير قصد) وبنت عليها دراسة علمية جديدة ونشرت جريدة الغارديان theguardian ملخصاً عنها بتاريخ 14 مارس / آذار عام 2014.. وكان هدف الدراسة محاولة التنبؤ بنهاية الحضارة الأمريكية وأسباب هذا الانهيار المحتمل وإمكانية تلافيه.

هذه هي المرة الأولى التي تدعم فيها وكالة ناسا مثل هذا النوع من الدراسة حيث تمتزج قوانين الرياضيات مع تاريخ البشرية لاكتشاف سر انهيار الأمم.. والمفاجأة أن أمريكا سوف تنهار خلال العقود القادمة كما صرح عالم الرياضيات Safa Motesharrei من مركز US National Science Foundation-supported National Socio-Environmental Synthesis Center حيث يؤكد الباحث أن دورة انهيار الأمم تتكرر تماماً مثل دورة المناخ على الأرض ولا يمكن إيقافها!!

المذهل أن وكالة ناسا NASA المتخصصة بلعوم الفضاء هي من قامت بالدراسة واستخدمت لغة الأرقام كما قام فريق البحث (في مركز Nasa’s Goddard Space Flight Center) بصنع نماذج للأمم الهالكة مثل الحضارة الرومانية، وتبين أن انهيار الأمم هو أمر حتمي ينطبق على كافة الحضارات عبر التاريخ، تماماً مثل موت النجوم!

فجميع النجوم تنشأ وتتطور ومن ثم تنهار وتموت.. كذلك الحضارات تنشأ وتتطور ومن ثم تنهار وتموت… وكأن هناك تناغماً بين ما يجري في السماء وما يجري على الأرض. ويقول العلماء في هذه الدراسة:

لابد للحضارة الأمريكية أن تنهار خلال العقود القامة وذلك بسبب التوزيع غير العادل للثروة، وعدم كفاية الموارد الطبيعية، فقد دلت الدراسة الإحصائية أن جميع الحضارات تتعرض للظهور والانهيار الحاد وفق دورة منتظمة عبر آلاف السنين.

اعتمدت الدراسة نموذج هاندي ‘Human And Nature DYnamical’ model اختصاراً (HANDY) ، ولاحظت الدراسة أن جميع الحضارات السابقة مثل الحضارة الرومانية وحضارات كثيرة نشأت في العراق والشام واليونان والهند والصين… جميعها كانت تبدو مزدهرة جداً، ولكنها في الواقع كانت هشة وسقطت بسهولة وسرعة غير متوقعة.

8- مضاعفة ميزانية الدفاع خلال السنوات العشر مما شكل ضغطا علي الميزانية العامة للولايات المتحدة، فقد كانت مخصصات البنتاجون نحو 432 مليار دولار في عام 2001 ارتفعت الي 696,3 مليار دولارا في عام 2008، وبلغت 720 مليار دولار لعام 2011.

9- أكدت وزارة التجارة الامريكية تراجع النمو في الناتج المحلي الاجمالي وتراجع الطلب علي المنتجات الامريكية -غير الدفاعية- في الاسواق العالمية عكس كل الوعود التي اعلنتها الحكومة وهذا التباطؤ يقرب البلاد من الافلاس.

10- اهتزاز أسواق الأسهم الأمريكية وفقدان الثقة بها وهروب الاستثمارات الخارجية من البلاد. حيث تسببت أزمة الائتمان الأمريكي في غياب الثقة الدولية في أسواق المال الأمريكية وهروب الاستثمارات الأجنبية.

11- إغلاق عشرات الآلاف من المصانع والشركات الأمريكية وتسريح العاملين فيها. قالت قاعدة بيانات لإحصاءات الإفلاس الأمريكية التي يستخدمها المحامون والبنوك ان 6502 شركة رفعت دعاوى للحماية من الدائنين بموجب قوانين الافلاس في يناير 2010 مقارنة مع 6055 شركة في يناير 2009.

12- إفلاس أكثر من 150 بنك في أمريكا و لازال اكثر من 500 بنك علي شفا الإفلاس. وسقوط البنوك يقود البلاد الي الشلل التام في كل المجالات الاقتصادية.

13- تراجع الدولار أمام العملات الرئيسية الأخرى، وتدهورت قيمه الدولار أمام اليورو واليوان الصيني إلي أقصى حد. وهذا التخفيض المستمر لقيمه الدولار يفقد الثقة فى الاستثمارات على الدولار وخصوصا الاستثمار فى السندات الحكومية الأمريكية والاستثمار في أسواق المال الأمريكية.

14- تخلص المستثمرين من الدولار بشراء الذهب كمخزن للقيمة مما يفقد الدولار قيمته العالمية كمخزن للقيمة الأمر الذي ترتب عليه ارتفاع أسعار الذهب الي مستويات قياسية.

15- فى قائمة نيوزويك عن أفضل مائة دولة فى العالم تراجعت أمريكا عن موقعها الأول في 2000 الي رقم 11 هذا العام 2010.

الاتجاه نحو الفقر

16- ارتفعت معدلات الفقر في الولايات المتحدة الي أعلي مستوى لها في نصف قرن، حيث تجاوز عدد الفقراء في العام الماضي (43.6 مليون) مواطن أمريكي، وأكد مكتب الاحصاء الامريكي أن معدلات الفقر ارتفعت الي نسبة 14.6% من إجمالي السكان في عام 2009 مقارنة بنسبة 13.2% عام 2008 لتبلغ أعلي مستوي لها منذ بداية إحصاء الفقراء في عام 1959.

17- ارتفع عدد سكان الولايات المتحدة المحرومين من التأمين الصحي من 46.3 مليون في عام 2008 الي 50.7 مليون في 2009 ما يعني 16.7% من مجموع السكان.

18- عشرة ملايين أمريكي يتلقون حالياً التأمين ضد البطالة، وهو ما يقارب أربعة أضعاف عددهم العام 2007.

19- أكثر من واحد وأربعين مليون أمريكي على قائمة كوبونات الطعام، وارتفع عدد الأمريكيين الذين التحقوا ببرنامج كوبونات الطعام بنسبة مذهلة خلال الفترة من ديسمبر/ كانون أول العام 2007 لغاية يونيو/ تموز العام 2010 إلى حدود 55%.

20- تخلفت أكثر من ستة ملايين أسرة أمريكية عن سداد أقساط القروض لمدة 60 يوما أو أكثر، وفقا لبيانات شهر فبراير 2010 التي أعدها فريق الرقابة المكلف من مجلس الشيوخ الامريكي بمتابعة برامج وزارة الخزانة.

21- تتزايد نسبة البطالة في الولايات المتحدة بسبب تراجع معدلات النمو والإقفال المتزايد للمصانع، وانتقال بعض الصناعات إلى دول آسيوية، إلى جانب إغراق أسواق الولايات المتحدة المفتوحة بالبضائع الصينية الرخيصة. كانت نسبة البطالة 3.9 بالمائة في عام 2000 . وأعلنت وزارة العمل أن معدل البطالة ارتفع إلى 9.6 بالمئة. وحاليا يبلغ إجمالي عدد العاطلين عن العمل في الولايات المتحدة نحو 15 مليون عامل، منهم 6.2 مليون عامل في حالة بطالة طويلة الأمد (أكثر من 26 أسبوعا)، أي أن أكثر من 40 في المائة من العاطلين يقضون أكثر من ستة أشهر في البحث عن العمل، بينما يقضي نحو 21 في المائة منهم أكثر من سنة في حالة بطالة.

22- تراجع التعليم في أمريكا وباعتراف الرئيس الأمريكي أوباما، خاصة التعليم العالي حيث قال إن"نسبة الحاصلين على هذا القدر من التعليم بين مواطنينا تتجاوز بالكاد 50%. كما أن نسبة المتسربين من التعليم الثانوي لدينا تعتبر من أعلى مستويات التسرب في الدول الصناعية. وفي الوقت نفسه، فإن نصف الطلاب الذين يبدأون الدراسة الجامعية لا يستكملونها على الإطلاق".

هذه أبرز المؤشرات التي تؤكد أن الولايات المتحدة تسير نحو الانهيار السريع، وهنا يحضرني التحذير الذي أطلقه الخبير الاقتصادي الأمريكي نيال فيرغسون الأستاذ بجامعة هارفارد وكاتب المقال الأسبوعي الشهير في صحيفة «لوس أنجيليس تايمز»- صاحب كتاب: الإمبراطورية- صعود وزوال النظام العالمي البريطاني والدروس للقوى العالمية. لقد تنبأ بـ " الإنهيار المفاجئ للإمبراطورية الأمريكية خلال العامين المقبلين".

أمريكا ستسقط كما سقط غيرها من إمبراطوريات، وستطوى صفحتها، ولن تقوم لها قائمة، بل لن يبكي عليها أحد بسبب كم الجرائم التي ارتكبتها ضد الانسانية.
ألمصدر: مدونة أبو حمزة سيد فكري بباوي

المؤشرات الاقتصادية للانهيار الوشيك

في حلبة مصارعة الثيران لا يستطيع المصارع ضعيف البنية الانتصار علي الثور الضخم الهائج في بداية الجولة، وإن وقف أمامه فهو مقتول لا محالة، ولكن النزيف المستمر بسبب السهام الصغيرة يجعل هذا الثور بقرونه الطويلة يخر راكعا في النهاية ثم يموت.

ما حدث مع أمريكا أنها اعتادت علي الدخول في حروب سريعة، وتحقيق انتصارات في وقت أقل علي أعداء دب فيهم الضعف. حدث هذا في الحربين العالميتين، فأدمنت الحروب وشن العمليات العسكرية الإستعراضية. ولم تؤثر الحروب في قوتها الاقتصادية لانتهائها في فترات قصيرة وكان لديها فوائض مالية ضخمة تمول الجهد العسكري.

الجديد في حروبها الأخيرة انها فوجئت برد فعل غير متوقع وبمقاومة أفقدتها هيبتها وأحرجتها أمام أصدقائها من دول الغرب التي تورطت معها، ولم يستسلم الشعبان العراقي والافغاني وفشلت أمريكا والغرب في الحربين، فبدأت ادارة جورج بوش تستنزف الاقتصاد الأمريكي لتمويل الحرب، وزادت عمليات الاقتراض والاستدانة والضغط علي الميزانية، ومع طول أمد الحرب ترنح الاقتصاد الأمريكي وفجأة انهارت القلعة علي رأس بوش حتي أجبرته علي الخروج الذليل من منصب الرئاسة.

الشعب الأمريكي الذي أيد الحرب في البداية انقلب علي قادته وراح بعيدا، وانتخب أوباما كأول رجل أسود رئيسا للبلاد عسي أن يسحب الجيش من الخارج ويوقف الانهيار، ولكن أوباما جاء بعد الخراب، وبعد فوات الأوان.

ولم يعد أمام الرئيس الجديد ما يفعله غير الطمع في فترة ثانية، فلم يجد إلا التقرب إلى الفقراء بعلاجهم وتوظيفهم وإعفائهم من الضرائب حتي لو كان ذلك بتعميق العجز في الميزانية.

من يتابع الوضع الاقتصادي في الولايات المتحدة يجد أن استعادة أمريكا لعافيتها مجرد سراب وأضغاث أحلام، وأن اقترابها من الإفلاس قاب قوسين أو أدني. وأن الانهيار بات وشيكا جدا ربما أسرع مما نتخيل، وسنجد أنفسنا أمام هذا السقوط المفاجيء مثلما فوجئنا بانهيار الاتحاد السوفيتي فجأة.

ومن خلال متابعة تطورات الأوضاع الإقتصادية والاطلاع علي تقديرات المحللين العالميين والأمريكيين يمكن تحديد 22 دليلا يؤكد الانهيار الوشيك للولايات المتحدة الأمريكية وهي كالآتي:

1 - ارتفاع العجز في الميزانية الامريكية إلى مستويات غير مسبوقة. قال مكتب الميزانية بالكونجرس ان عجز الميزانية الأمريكية بلغ 1.342 تريليون دولار في 2010 وتوقع المكتب أيضا عجزا قدره 1.066 تريليون دولار للسنة المالية 2011 وأعلنت الموازنة التي أصدرها البيت الأبيض في فبراير الماضي، عجزاً بـ 8.53 تريليونات دولار طوال 10 سنوات، وقدّر مكتب الموازنة أنه ارتفع إلى 9.75 تريليونات دولار. وتوقع خبراء ان تتسبب موازنة عام 2011 بعجز يقارب 10 تريليونات دولار على مدى 10 سنوات.

2 - ارتفاع العجز في الميزان التجاري بسبب زيادة الاستيراد من الخارج وتراجع الصادرات الامريكية. وفقا لوزراة التجارة الأمريكية واصل العجز ارتفاعه في العام 2009 حيث بلغ 375 مليار دولار و لم يتراجع العجز هذا العام وانما واصل الارتفاع ليصل الي 334.9 مليار دولار خلال الشهور الثمانية الأولى من العام الجاري. وقالت وزارة التجارة الخارجية الأمريكية ان عجز الميزان التجاري الأمريكي نما بنسبة 8.8% خلال أغسطس2010 إلى 46.4 مليار دولار مقابل 42.6 مليار دولار خلال يوليو.

تتصدّر الصين قائمة الدول التي يميل الميزان التجاري لصالحها في مواجهة الولايات المتّحدة، وارتفع العجز التجاري مع الصين إلى مستوى قياسي عند 28 مليار دولار خلال أغسطس 2010 مقابل 20.2 مليار دولار خلال نفس الشهر عام 2009.

3 - ارتفاع الديون الأميركية العامة خلال السنوات العشر الماضية من 5.647 ترليون دولار بنسبة 58% من الناتج المحلي الاجمالي عام 2000 ، الي أكثر من 13 تريليون دولار في 2010 حسب المعطيات التي نشرتها وزارة الخزانة الأمريكية في يونيو أي حوالي 93% من إجمالي الناتج المحلي للبلاد ، ومن المتوقع أن يصل في عام 2015 الي 19.7 تريليون دولار أي 102.6% من الناتج المحلي الاجمالي، أي أن الولايات المتحدة لا محالة في طريقها إلى الإفلاس.

وفي تقرير للفريق الاقتصادي لـ “cnn” في مارس الماضي فإن هذه الأرقام الرسمية لا تتضمن بنودا مخفية ترفع حجم الديون الي أرقام فلكية، منها خسائر الشركات التي تديرها الحكومة الامريكية بعد إعلان إفلاسها وأيضا خسائر خفض الضرائب. ويؤكد الخبراء أن الدَين الأمريكي أشبه بقنبلة زمنية موقوتة يمكن أن تنفجر في أي لحظة، حيث يزداد بحوالي 1.4 مليار دولار يوميا، وبحوالي مليون دولار كل دقيقة

4- تملك الصين وحدها نحو تريليون دولار من سندات الخزينة ومن أوراق الدين الأمريكية بصفة عامة على نحو يجعلها قادرة على إسقاط الإقتصاد الأمريكي إن أرادت ذلك بالتخلص من هذه السندات في أي لحظة

5- قدر تقرير للجنة الاقتصادية المشتركة التابعة للكونغرس الأمريكي تكاليف الحربين بين عامي 2002 و2008، بما يعادل 1.6 تريليون دولار وليس كما قدرتها ادارة بوش بانها تتراوح بين 50:60 ملياردولار فقط . أما التكاليف الاقتصادية المستقبلية فستكون أكبر من ذلك بكثير، إذ تشير تقديرات التقرير إلى أن تكلفة الحربين معاً بين عامي 2003 و2017 ستصل إلى 3.5 تريليون دولار، أي أن العائلة الأمريكية الاعتيادية ستتحمل عبئاً يصل إلى 46400 دولار.

6- ارتفاع تكلفة الحرب في العراق وأفغانستان الي ( 4: 6 )تريليون دولار . أعلن ذلك جوزيف ستيغليتز العالم الإقتصادي الحائز علي جائز نوبل، وليندا بيلمز الأستاذة بجامعة هارفارد، مؤلفا كتاب “حرب الثلاثة تريليون دولار” باحتساب نفقات رعاية الجنود الجرحي .وصححا الرقم الذي صدر في كتابيهما منذ عامين بعد احصاءات جديدة اعلنها اتحاد المحاربين القدماء.

7- من واقع سجلات الكونجرس فان الحرب تكلف الولايات المتحدة شهريا 80 مليار دولار ووصلت كلفة إرسال الجنود إلى المنطقة 2.5 مليار دولار. وتتراوح تكلفة إلقاء القنابل ما بين عشرة آلاف إلى 15 ألف دولار في الساعة. وتبلغ تكلفة تشغيل حاملة الطائرات الواحدة ثلاثة ملايين دولار يوميًّا

سقوط أمريكا

ربما استطردت بعض الشيء وعلي عجل في الرد علي المزاعم التي وردت في رد القيادة المركزية الأمريكية، حتي لا تمر دون تفنيدها، لكن الموضوع الأهم الذي استنفر من وقفوا خلف الرد هو الحديث عن انهيار أمريكا وسقوطها وضياع الحلم الامبراطوري الأمريكي. يزعج القيادة الأمريكية فتح الموضوع والنقاش حوله لأنه يفضح ما يحاولون ستره وإبعاد الانظار عنه.

إن موضوع انهيار وسقوط الامبراطورية الأمريكية أصبح حديث الساعة بين المفكرين والاستراتيجيين في أمريكا ذاتها وفي كل العالم، وبكل اللغات، ومن يريد الاطلاع علي آلاف الدراسات والوثائق حول هذا الموضوع عليه أن يبحث في محرك البحث جوجل وسيري مئات الآلاف من العناوين .

بإجراء بحث سريع عن " انهيار الامبراطورية الامريكية" وجدت 186.000 عنوان وعن “سقوط الامبراطورية الامريكية” وجدت 163.000 عنوان، وبالبحث باللغة الانجليزية عن " The collapse of the American empire " وجدت 359.000 عنوان.

لقد صدر في أمريكا مؤخرا عشرات الكتب التي تتحدث عن انهيار الامبراطورية الأمريكية أبرزها كتاب (حدود القوة.. نهاية الاستثنائية الأمريكية)،الذي كتبه آندرو باسيفتش أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية بجامعة بوسطن، و كتاب "حرب الثلاثة تريليون دولار"جوزيف ستيجلتز الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد العام 2000- و ليندا بيلمز أستاذة السياسة العامة/ جامعة هارفارد.

وهذا السقوط الوشيك للامبراطورية الأمريكية والانسحاب من العالم ? وفقا لتقديرات المفكرين الاقتصاديين الغربيين سيأتي بأسرع مما نتخيل وليس كما تنبأ الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش بأنه سيكون عام 2025 ويومذاك دعا الشعب الأمريكي للفطام من النفط واستبداله بالطاقة البديلة، وقال ان الشرق الأوسط سيحكمه متمردون خارجون علي الهيمنة الأمريكية.

ولتأكيد رأيي حول الانهيار الوشيك للامبراطورية الأمريكية فانني سأركز علي مؤشرات السقوط في ثلاثة ميادين: الانهيار الاقتصادي، والانكسار العسكري، ثم الأفول السياسي والحضاري.

وفي هذا المقال سأركز علي المؤشرات الاقتصادية التي تؤكد اقتراب النهاية للامبراطورية الامريكية مثلها مثل الامبراطوريات التي سبقتها. فالعامل الاقتصادي كان سببا في سقوط ما سبق من امبراطوريات. إن الاتحاد السوفييتي عندما تفكك وانهار لم يكن ضعيفا عسكريا رغم هزيمته في أفغانستان، وانما انهار بسبب الاستنزاف المدمر للاقتصاد الروسي وتراكم الديون. نفس الأمر حدث مع الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، وحتي الإمبراطورية العثمانية سقطت بسبب عجزها الاقتصادي وكثرة ديونها.

ولا نعني بالسقوط هنا أن تعود امريكا الي القرون الوسطي، وانما ستصبح دولة عادية تعيش داخل حدودها، وقد تبقى دولة قوية مثل بريطانيا وفرنسا وروسيا ولكن ستنتهي الاطماع التوسعية والاستعمارية وتنتهي هيمنة الرجل الأبيض علي العالم.

وفي الحلقة الثانية من هذا الرد سأتناول بمشيئة الله ملامح انكسار المشروع العسكري الأمريكي الغربي في العراق وفي أفغانستان، وعجز أمريكا عن الدخول في حروب جديدة واثبات أن القوة العسكرية لم تعد تخيف بعد أن وصلت الي حدها الأقصى، وأن الأسلحة المتطورة وحدها لا تجلب النصر، و لا تحقق الأهداف الاستراتيجية.

وفي الحلقة الثالثة سأركز بإذن الله علي الانهيار السياسي والأخلاقي لأمريكا والغرب ورؤية استشرافيه لمستقبل العالم بعد انهيار أمريكا وموقع المسلمين في النظام الجديد للعالم.

ومع هذا فان التقارير الدولية ، وما ينشر في الاعلام الأمريكي والغربي يوميا عن الحالة الصحية في البلدين يدحض هذه الادعاءات، وهذه بعض الامثلة:

  • أفادت منظمة الصحة العالمية الشهر الماضي أن وباء الكوليرا تفشى في وسط أفغانستان.

  • تعد أفغانستان واحدة من أربع دول ما زال مرض شلل الأطفال متوطنا فيها رغم اختفائه من كل العالم.وشلل الأطفال من الأمراض المعدية ويمكن أن يؤدي إلى الوفاة، ويمكن أن يصيب أي شخص لم يتلق اللقاح ولا يوجد له علاج.

  • أكدت دراسة لمفوضية حقوق الانسان المستقلة في أفغانستان في عام 2008 أن ما لا يقل عن 600 ألف من أطفال الشوارع يفتقدون الحماية والرعاية بسبب اشتداد الحرب والفساد رغم تدفق أكثر من35 مليار دولار على البلاد من مانحين اجانب منذ الإطاحة بحكومة طالبان عام 2001 .

وينبغى ألا ننسى أن عدد من قتلتهم القوات الأمريكية والمتحالفة فى أفغانستان لا يقل عن مليون شخص.

وإذا تركنا أفغانستان إلى العراق سنجد ما هو أخطر بشأن الوضع الصحي بسبب الأسلحة الأمريكية التي تسببت في نشر السرطان وتشويه المواليد والأجنة في العراق ككل وفي الفلوجة علي وجه الخصوص بسبب استخدام أطنان من اليورانيوم المنضب.

وهذه بعض الأرقام التي توضح حجم المأساة:

  • كشفت الدراسات الوبائية الميدانية لعدد من المنظمات الدولية أن الفلوجة تشهد معدلات أعلى من السرطان مقارنة بنفس الحالات والمعدلات التي سببتها القنبلتين الذريتين الأمريكيتين في هيروشيما (و) ناغازاكي العام 1945.

  • قتلت القوات الأمريكية والتحالف 1.3 مليون عراقي

  • 3 مليون لاجيء خارج العراق

  • 2مليون نازح تركوا منازلهم داخل العراق

يحاول الرد أن يعطي انطباعا هو أن القوات الأمريكية تنسحب بعد أن أدت دورها في الإعمار ونشر الإصلاح في كل من العراق وأفغانستان، وأن تسليم السلطة للحكومات المحلية لتكمل المسيرة. وهذه مغالطة لا تحتاج إلى بيان، فالحكم في الدولتين فاسد، وحكومتا المالكي و كرزاي هما أفسد حكومتين في العالم، وإذا كان ثمة ميزة تجمعهما فهي أنهما زعيما مافيا، يضرب بهما المثل في الفساد.

لذا من الأرقام العجيبة التي يذكرها رد القيادة المركزية الأمريكية، ذاك المتعلق بالاقتصاد الافغاني حيث زعم أنه " سجل نموا بنسبة 100% في 2008/2009" ولا ندري كيف تحقق هذا النمو بينما تصريحات الحكومة الامريكية وعلي رأسها الرئيس باراك أوباما تصدع رؤسنا ليل نهار عن فساد كرزاي وحاشيته، ومن جهته يؤكد كرزاي فساد الأمريكيين وانهم يسرقون ثلاثة أرباع ما يصل من منح ومعونات. وفي مؤتمر المانحين الذي عقد مؤخرا في كابول تبادل الطرفان الاتهامات بسرقة المنح والمعونات الأمر الذي جعل المانحين يصلون إلى تسوية مفادها قسمة الأموال بين الجانبين المتهمين بالفساد.

ولكن من باب التوثيق فإن الشهادات الدولية وهي كثيرة تفضح هذه الانجازات المزعومة وننتقي من هذه الشهادات ما يلي:

1- أفغانستان والعراق أكثر دول العالم فساداً، وفقاً لبيانات منظمة الشفافية الدولية، مقرها برلين، في تقرير مؤشرات الفساد Corruption Perceptions Index للعام 2009 . ويغطي التقرير 180 بلداً، ذكر التقرير أن العراق جاء في المرتبة 176 وأفغانستان 179.

2- جاءت العراق وأفغانستان كأخطر بلدين في العالم وانعدام الأمن بهما في تقرير مؤشر السلام العالمي«جلوبال بيس انديكس» السنوي لهذا العام 2010 الذي اشرفت عليه «إيكونوميست إنتليجنس يونت» التابعة لمجلة الـ«إيكونوميست» البريطانية والذي يرصد مؤشر السلام في 149 دولة حيث جاءت العراق في الترتيب الأخير 149 وأفغانستان في المرتبة الـ 147.

3- أكد المقياس السنوي السادس للدول الفاشلة للعام 2010 أن افغانستان والعراق من ضمن الدول العشر الأول. يعد هذا التقرير دورية السياسة الخارجية Foreign Policy بالتعاون مع وقفية السلام Fund for Peace وهو مركز أبحاث أمريكي يهتم بالصراعات الدولية وسبل إدارتها وحلها وأسباب اندلاعها. المقياس يقوم بترتيب الدول بحسب درجة إخفاقها في أداء الوظائف المنوطة بها.

4- تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أفغانستان أصبحت أكبر دولة منتجة للمخدرات في العالم خلال السنوات الأخيرة

وإذا كان أسامة بن لادن هو المتهم فهل هذا يعطي أمريكا حق غزو أفغانستان وتدمير البلاد بدون تحقيق أو محاكمة؟ فلماذا لم يعقدوا محاكمة خاصة لأسامة بن لادن إذا علمنا أن هناك روايات أخري تغير مسار الاتهام؟

ثانيا: يزعم الرد أن " حضور الولايات المتحدة في هذين البلدين كان مقتصرا علي استهداف المتطرفين" ونحن نسأل: هل تفرق الصواريخ والقنابل العمياء بين متطرف وغير متطرف؟ وهل القنبلة التي وصفت بـ"السجادة" [؟!] التي تقتل كل كائن حي في دائرة قطرها نصف متر تنتقي المتطرفين دون غيرهم؟ وهل القصف الذي يتم بالطائرات بدون طيار يفرق بين الضحايا؟

فإذا كنتم تقصدون بالمتطرفين حركة طالبان والقاعدة، فهل كل من تقتلون في أفغانستان من المتطرفين؟ أم أنكم أبدتم المدنيين الأفغان كما تؤكد وثائق ويكيليكس تشهد علي هذه الجرائم.

أين هؤلاء المتطرفين في العراق؟ لقد قتلتم أكثر من مليون عراقي وعذبتم مئات الآلاف وارتكبتم فظائع ضد المواطنين المدنيين، وعذبتم المعتقلين، رجالا ونساء بأبشع الوسائل، وسجن أبي غريب شاهد علي هذه المأساة الإنسانية.. وكذلك سجن جوانتنامو.

إن العجز عن تبرير غزو العراق جعل كاتب الرد يركز علي أفغانستان ويستفيض في سرد إنجازات وهمية، ويمر علي العراق مرورا سريعا.

ثالثا: يزعم الرد أن “انسحاب الولايات المتحدة من العراق كان مبنيا علي أساس اتفاقية أمنية تم توقيعها مع العراق” وزعم صاحب الرد حسب تعبيره أن “تحويل المهام الأمنية إلى العراقيين والتزامنا بهذا الشق يعد دلالة علي نجاحنا علي قهر المتطرفين” أي أن انسحاب القوات الأمريكية ليس بسبب ضربات المقاومة وانكسار الجيش الأمريكي، وهذا الكلام يفتقد المنطق ومعطيات الواقع علي الأرض، فهذه الاتفاقية أبرمت كمخرج يحفظ ماء الوجه للقوات الأمريكية، وقرار الانسحاب اتخذ في عهد بوش، قبل أوباما، بعد أن تحول العراق إلى مقبرة للجيش الأمريكي وتدمير ثلثي العتاد الأمريكي علي أيدي المقاومة العراقية.

رابعا: يتناقض الرد عندما يتحدث عن أفغانستان ويشير إلى زيادة عدد القوات الأمريكية، ومضاعفة الجهود لتدريب القوات الافغانية- من باب الفخر- ويزعم أن ألمانيا وانجلترا وجمهورية التشيك قد أعلنوا عن زيادة أعداد قواتهم ? وهذا غير صحيح - في الوقت الذي يؤكد فيه الرد خطة الانسحاب التي أشرنا إليها حيث يقول :" إن الرئيس أوباما أعلن " في أكثر من مناسبة أن بداية نقل المهام الأمنية إلى القوات الافغانية ستتم في منتصف 2011" واعتبر الرد أن هذا إشارة تدل علي النجاح وليس العكس!!

لا أدري كيف يكون الهروب نجاحا؟ وما هذا التناقض؟

إن إرسال المزيد من القوات، والحديث عن الإنسحاب في نفس الوقت يكشف حالة التخبط والإرتباك الناتج عن خسائر حقيقية لا يمكن تجاهلها.

خامسا: من المغالطات التي وردت في رد القيادة المركزية الأمريكية ما يوحي بأن الجيش الأمريكي غادر الولايات المتحدة وتحمل التضحيات لتعمير العراق وأفغانستان! حيث يتحدث عن " إنجاز العديد من المشاريع الإعمارية في العراق وإفغانستان كالمدارس والمستشفيات ومحطات الكهرباء والطرق و… التي ساعدت علي تحسين الظروف المعيشية لمواطني هذين البلدين. وبالطبع هذا الكلام لا يحتاج الي تعليق، فالعراق تحول إلى خراب والفضائيات تنقل بالصوت والصورة هذه المأساة والمعاناة، أما أفغانستان التي يزعم الرد أن الخدمات الصحية بها أصبحت متوفرة لأكثر من 83% من الشعب الافغاني مقارنة بـ 8% عام 2002م" يكذبه أن القوات الأمريكية والتابعة للناتو لا تسيطر إلا علي أقل من 20% من الأراضي الأفغانية وبمعني أدق مراكز المدن، وعكست نتيجة الانتخابات الأخيرة انها أجريت في 20% ولم يشارك فيها سوي 10% من الشعب، فكيف يتم تقديم الخدمات الي 83% من الشعب الافغاني.

وقد ذكرت صحيفة إندبندنت البريطانية أن إقالة الجنرال ستانلي ماكريستال قائد قوات حلف شمال الأطلسي والقوات الأميركية السابق بأفغانستان الجنرال ستانلي ماكريستال جاءت نتيجة تقييم سلبي للحملة العسكرية في أفغانستان قدمه لوزراء دفاع الحلف قبل أيام من إقالته.

ماكريستال أصدر تقييما هاما للحرب على ما وصفه بتمرد مرن ومتنام، واستبعد تحقيق أي تقدم خلال الأشهر القليلة المقبلة. وفي تفاصيل التقييم الذي قدمه ماكريستال، فإن خمس مناطق أفغانية فقط من أصل 116 صنفت على أنها “آمنة”، في حين أن الباقي يعاني من درجات متفاوتة من انعدام الأمن، وجاءت أربعون منطقة تحت تصنيف “خطير” أو “غير آمن”. أي أن أكثر من نصف مليون جندي غربي وافغاني موالي للاحتلال يحكمون فقط 5 مناطق وطالبان تحكم بشكل أو بآخر 111 منطقة فكيف تستطيع القوات الأمريكية تقديم الخدمات لـ 83% من الشعب الأفغاني.

وزعم الرد أن الجيش الأمريكي قدم “الرعاية الصحية مما ساهم في تخفيض معدل الوفيات بين الأطفال حديثي الولادة ودون سن الخامسة، وحماية أرواح85000 طفل عام 2008 فقط،” ولا ندري هل تقديم مثل هذه البرامج من خلال الونيسيف يحتاج الي اكثر من 150 ألف جندي في هذه البلاد؟!

عندما قلت إن أمريكا ماتت، كنت أعني ما أقول. فهذه الدولة المحاربة تعيش الآن لحظة النهاية والسقوط ، فهي كثور مذبوح يصدر خوارا بصوت مزعج، ويضرب بساقيه وقدميه يمينا وشمالا ضربات يائسة، لإرعاب من حوله. ربما من يقتربون منه وعلي أبصارهم غشاوة يشعرون بقوة اهتزاز ضرباته لكن من يقف علي مسافة بعيدة منه يرى نهايته القريبة ويرى أن الموت مسألة وقت.

وعندما كتبت مقالي السابق بعنوان “أمريكا ماتت فلا تكونوا كجن سليمان” كنت أكشف لأمتي عن حقيقة، ربما تغيب عن البعض بسبب التضليل الإعلامي والضباب والضجيج المفتعل لإبعاد الأنظار عن الأفول الأمريكي ونهاية امبراطورية الشر الأمريكية.

أردت أن أبشر أبناء الأمة - بناء علي حقائق ومعلومات وليس عواطف وأمنيات - بأن الكابوس الجاثم علي صدورنا ينقشع أمام أعيننا ويحتاج أن ننظر بعيوننا وعقولنا لنتأكد وليس بعيون غيرنا، لأن البعض تعود علي أن يصدق ما يقوله الآخرون واعتاد علي تصديق الكذب الذي نراه ونسمعه ونقرأه كل يوم.

ورغم أن مقالي كان بمثابة طلقة تبدد الصمت الذي يغلف سقوط الصنم، وذكرت فيه رؤوس عناوين، فإن رسالتي وصلت الي الطرف الآخر بأسرع مما توقعت، وضربت علي الجرح النازف، وأصابت كبد الحقيقة.

وفوجئت برد القيادة المركزية الأمريكية علي مقالي وهو أمر نادر الحدوث، و يبدو أن القوم لم يتحملوا أن يضع أحد يده علي الحقيقة الصادمة لهم، لأن فتح هذا الباب يعجل بحالة التمرد بالمنطقة علي الهيمنة الأمريكية، وإجبار المحتل الأمريكي علي الرحيل من بلادنا وسحب ما تبقى من الأذرع الطويلة النازفة في العالم الإسلامي لتنكفئ أمريكا علي نفسها وتلملم جراحها وتتقوقع حول نفسها خلف المحيط، ترعي مصالح أبنائها وتهتم بتوفير التعليم والصحة لمواطنيها.

فأمريكا لا يطول عمرها إلا بما يقدمه لها حكام العرب والمسلمين من حليب ودم، ولولا الخدم الذين تنكروا لأمتهم ما استمر هذا العلو الأمريكي والصهيوني الي اليوم، ولكن لحكمة أرادها الله أن تبقي أمريكا كي تسقط بأيدي الشعوب المستضعفة في العراق وفي أفغانستان.

إن أفغانستان أفقر دولة إسلامية التي أسقطت الإتحاد السوفيتي هي هي التي تهزم أمريكا اليوم في هلمند وقندهار وتقضي علي الهيبة العسكرية الأمريكية بعد تكسير عظام هذا الجيش في الفلوجة والأنبار بأيدي شعب يعاني من الحصار لأكثر من عقد من الزمن، ليكون الانكسار العسكري هو المشهد الأخير لسقوط هذه الإمبراطورية.

وبالعودة إلى رد القيادة المركزية الأمريكية يمكن تقسيمه إلى قسمين: الأول يكرر الادعاءات عن إعمار الدولتين المحتلتين وعن الدور الإنساني للقوات الغازية في تقديم العون والعلاج وإقامة نظم حكم رشيدة!! وكأن هذه الجيوش وهذه الأسلحة جاءت لتكريم المسلمين وليس قتلهم .

والقسم الثاني من الرد يحاول إثبات إن أمريكا لم تمت وأنها بخير وعافية.

ولأن الرد يأخذنا بعيدا عن صلب الموضوع ويغرقنا في أرقام زائفة ومعلومات مغلوطة فإنني سأحاول أن أحيط بما ورد قدر الإمكان، مع التركيز علي صلب القضية.

وجهة نظر القيادة المركزية الأمريكية لا تقنع أحدا في العالم الإسلامي، وهي ترديد لأقاويل إدارة بوش السابقة، وما ورد من تبريرات وأرقام لا تسمن ولا تغني من جوع، وهي تؤكد أن القيادة الأمريكية تعيش في واد والعالم كله في واد آخر.

أولا: جاء في الرد أن “هذه الحروب لم تكن خيارنا. وأن الولايات المتحدة اضطرت للدفاع عن النفس” وهذه مغالطة كبيرة… وهي تخالف رأي الرئيس الأمريكي باراك أوباما نفسه الذي فرق بين حرب أفغانستان وحرب العراق، ووصفها بأنها " حرب غبية. حرب متسرعة. حرب قائمة لا على المنطق، بل على العواطف، حرب قائمة لا على المبادئ، بل على الدوافع السياسية"..

وبسبب موقفه من هذه الحرب انتخبه الشعب الأمريكي ولعن جورج دبليو بوش. بل إن الرئيس السابق لم يستطع أن يدافع عن خياره بشن الحرب ولم يظهر مع زميله المرشح الجمهوري جون ماكين حتى لا يؤثر عليه سلبا في المعركة الانتخابية. فإذا كانت الحرب ضد أفغانستان اضطرارا كما رأي صقور الإدارة لأنها تستضيف أسامة بن لادن فلماذا تم غزو العراق؟ هل كان صدام حسين مرتبطا بالقاعدة؟ وهل كان له دور في ضرب مبني التجارة؟ وأين هي أسلحة الدمار الشامل التي اتخذوها ذريعة للغزو؟ هنا يجب الإشارة إلى مشروع القرن الأمريكي للهيمنة على العالم… فهناك مشروع وخطة مسبّقة للغزو.. وليس فى الأمر صدفة.. وكل كلام عن أسباب أخرى إنما هو تبرير زائف

** موضوع 11
خبر وتعليق
‏امريكا رأس الارهاب
**

ثيودور روزفلت رئيس امريكا الـ26**

ثيودور روزفلت رئيس امريكا الـ26
قال معبرًا عن مذبحة جرت للهنود الحمر: كانت عملا أخلاقيا، لأن إبادة الأعراق المنحطة ضرورة»

ومن جانب آخر فقد تعرض الاقتصاد الأمريكي الذي يمثل رمز قوتها وسيطرتها على العالم، تعرض هو أيضا لضربات موجعة وقاتلة ابتداء من ارتفاع المديونية الأمريكية إلى مستويات خيالية، وصل المعلن عنه إلى 19 ترليون دولار، مرورا بالهجرة الجماعية للشركات الأمريكية العملاقة إلى خارج البلاد بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج داخليا، إضافة إلى فضيحة أزمة الرهن العقاري التي أخرجت ملايين الأمريكيين من بيوتهم وجردتهم من أموالهم، والإعلانات المستمرة لإفلاس الشركات والبنوك الأمريكية الكبرى وعلى رأسها بنك “ليمان برذرز”. ومثال بسيط على مؤشرات ضعف الاقتصاد الأمريكي، فإن هناك ما يقارب خمسةَ آلاف جسر في الولايات المتحدة بحاجة للصيانة، إضافةً لكثير من الطرقات والمرافق العامة، والدولة عاجزةٌ عن صيانتها للكُلْفة العالية. وأضف إلى الانهيار الاقتصادي، الانهيار الإنساني والأخلاقي داخل الولايات المتحدة؛ فالعنصرية متفشية فيها بشكل عام، وخصوصًا بين بيض وسود البشرة. كما وصل الانهيار الأخلاقي عندهم إلى ما وصل إليه، ولا أدلّ على ذلك مما تمّ تشريعه مؤخرا من إباحة زواج المثليين والشواذ. أما بالنسبة للعنف المفرط، فهذه بعض الإحصائيات التي تظهر مدى التخلخل القيمي والمجتمعي عندهم:
كل 17 دقيقة يُقتل أمريكيٌ بالسلاح.

من كل ألف أمريكي يوجد تسعة في السجون.

100 ألف أمريكي يتعرضون للضرب بالرصاص سنويًا. 289 شخصًا في المعدل يتعرضون لإطلاق النار يوميًا.

53 شخصًا ينتحرون يوميًا.

ومن المؤشرات المهمة في ملاحظة الانحدار المستمر لأمريكا، هو أن الناظر إلى واقع أمريكا بين الأمس واليوم يجد الفارق كبيرًا والبَون شاسعًا، فحيث كانت ترسم المخططات، وسياستها الدولية تنفذ بدقة وتتحرك بتحرك السيد المطاع. فقد دخلت أمريكا في مرحلة ما يمكن تسميته بـ"سياسة رد الفعل"، أي السياسة غير الممنهجة والمدروسة مسبقًا، فظهر تخبط أمريكا سواء على الصعيد الداخلي الأمريكي اقتصاديا، أو على الصعيد الخارجي سياسيًا، وبرز ذلك في قضايا كثيرة كان من أهمها داخليًا قضية التأمين الصحي أي “أوباما - كير”، أما خارجيًا فلا يحتاج الإنسان إلّا لتتبع المشهد في الثورة الشامية وقرارات أوباما وخطوطه الحمراء، وفشل المبعوثين الأمميين الواحد تلو الآخر، ومؤتمرات جنيف ذات الرعاية الأمريكية، وغرف العمليات في تركيا والأردن، والفشل في إيجاد البديل، وعليه فالسياسة الأمريكية تترنح وهي آيلة للسقوط. أما العامل الثاني من عوامل انهيار الإمبراطورية الأمريكية، فهو سنّة الله في خلقه. فالدول الاستعمارية لا بد لها من نهاية، والظلم عاقبته عبر التاريخ وخيمة، وصدق الله العظيم حيث يقول:(وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ * ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) [يونس: 14]

وخلاصة القول،إنّ هناك فرقا بين انهيار الدولة حسابيا وعلى الأوراق وبين الإعلان الرسمي لهذا الانهيار وإصدار شهادة الوفاة. فالدولة العثمانية مثلا، سقطت حسابيا وعمليا عام 1918 إلّا أنّ إعلان السقوط الرسمي وإلغاء نظام الخلافة استغرق 6 سنوات وذلك عام 1924. وواقع أمريكا اليوم، هو أنها هي الرجل المريض، بل وشديد المرض، وأنها إلى زوال حتمي ووشيك، وهذا يتطلب منا أن نداوم على الأعمال السياسة التي تظهر مرضها وتكشف زيف وفساد فكرتها وخطورتها على البشرية للعالم أجمع، وأن نغذّ الخطى نحو إيجاد النظام البديل، بل الأصيل المتمثل بنظام الخلافة الرباني والذي سيوجه الضربة القاضية لأمريكا وكل الأنظمة الفاسدة التي أدخلت العالم أجمع في دوامة البؤس والشقاء. ويسألونك متى هو قل عسى أن يكون قريبا.
وصدق الله العظيم حيث قال: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ).

ألمصدر :

ماذا عن مستقبل القوة الأمريكية؟

ضمن هذا الإطار العام لمرحلة إعادة التفكير في الاستراتيجية الأمريكية ،يمكننا أن نتساءل: هل حان الوقت لنتحدث عن مسار جديد لمستقبل القوة الأمريكية؟

صحيح أن القرن الحادي والعشرين بدأ مع توزيع غير متكافئ لموارد الطاقة ،حيث تمثل الولايات المتحدة نحو ربع الناتج الاقتصادي في العالم بـ 5% من نسبة سكانه ،كما أنها مسؤولة عن ما يقرب من نصف النفقات العسكرية العالمية ،وتمتلك أكثر الموارد الثقافية والتعليمية. كل هذا لا يزال صحيحا ،لكن النقاش بدأ يحتد بصورة واضحة حول مستقبل القوة الأميركية. وقد فسر كثير من المراقبين أن الأزمة المالية العالمية عام 2008 هي بداية تراجع القوة الأميركية ،بل أن ?مجلس الاستخبارات الوطني? الأمريكي توقع أنه في عام 2025 ستتضاءل الهيمنة الأمريكية في العالم مع بقائها قوة بارزة.

والحقيقة أن في التاريخ البشري هناك العديد من الأمثلة عن صعود وسقوط الأمم والإمبراطوريات ،فقد بقيت روما مهيمنة لأكثر من ثلاثة قرون وهي في ذروة قوتها ،لكنها انهارت في الأخير وذابت كرجل الثلج ،بعدما استفادت من جيوشها الضخمة ،مثلما استفادت أسبانيا في القرن السادس عشر من سيطرتها على المستعمرات وسبائك الذهب ،وهولندا في القرن السابع من التجارة والتمويل، وفرنسا في القرن الثامن عشر من تعداد سكانها الكبير و جيوشها ،والمملكة المتحدة في القرن التاسع عشر من قوة تفوقها في الثورة الصناعية وبحريتها أيضا.

ويرى جوزيف س. ناي في مقال له بمجلة ?فورين أفيرز? بعنوان ?مستقبل القوة الأمريكية? أن البعض يعتقدون أن الولايات المتحدة تعاني من ?التوسع الإمبراطوري المفرط?، ولكن حتى الآن، فإن الحقائق لا تناسب هذه النظرية ،مشيرا إلى ما أسماه ?حموضة السياسة الأمريكية الحالية?،التي ستُفقد واشنطن القدرة على التأثير في الأحداث العالمية بسبب المعارك المحلية على الثقافة، وانهيار مؤسساتها السياسية، والركود الاقتصادي.

تغير مفهوم القوة

وفي العموم فإن علامة هذا القرن هي دون شك الثورة المتنامية والمبهرة في مجال تكنولوجيا المعلومات و العولمة ،وهي ثورة جعلت أمريكا ترهن نسبة كبيرة من قواتها وتتخلى عن بعض أسلحتها حتى تتجنب بعض المزالق.

ويبدو أن مفتاح النجاح الاقتصادي في عصر المعلومات هو نجاح السياسة التعليمية في تدريب القوى العاملة تعليما جيدا. والظاهر أن الولايات المتحدة تبدو في صحة جيدة من هذه الناحية فهي تنفق على التعليم العالي كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي ضعف ما تنفقه فرنسا و ألمانيا و اليابان وبريطانيا. وفي 2009 شملت قائمة ?التايمز? للتعليم العالي لأحسن الجامعات في العالم (ومقرها لندن) ست جامعات أمريكية من أصل عشرة ،وفي دراسة أعدتها جامعة شنغهاي سنة 2010 وضعت 17 جامعة أمريكية ? وليس الصينية ? بين أفضل 20 جامعة في العالم ،فضلا عن أن الأميركيين هم الأكثر حصولا على جوائز نوبل ونشر البحوث العلمية المتخصصة في أشهر المجلات وذلك ثلاث مرات أكثر من الصين ومن في أي بلد آخر. ويرى باحثون أن ثقافة الولايات المتحدة القائمة على الانفتاح والابتكار سوف تبقيها مركزا للعالم حتى ولو فقدت جزءا من قوتها أو قوتها كاملة ،وأن إنجازاتها العلمية تعزز توجهها الاقتصادي الصحيح كما تدعم قوتها الناعمة ،وهو المفهوم الذي صاغه جوزيف ناي في كتابه ?مُقدرة للقيادة: الطبيعة المتغيرة للقوة الأميركية? ،وأصبح المصطلح يستخدم حاليا على نطاق واسع في الشؤون الدولية من قبل المحللين والسياسيين.

وبالتالي فإن الحديث عن القوة ?كحالة تقليدية? هي مبالغة مضللة ،وفي الغالب قد لا تؤدي إلى نتائج مرضية ،السؤال هو كم يجب على الولايات المتحدة أن تنفق على الدفاع والسياسة الخارجية لتحافظ على استراتيجيتها. البعض يرى أن أمريكا ليس لديها خيار سوى تقليص النفقات في هذه المجالات ،وهذا ليس هو الحال. ومع ذلك هناك احتمال معقول أنها ستبقى الدولة الأقوى في العقود القادمة.

القوة هي القدرة على تحقيق النتائج التي نريدها ،ومشكلة القوة الأميركية في القرن الحادي والعشرين، ليست في التراجع فقط وإنما في إدراكها أن حتى أكبر بلد في العالم لا يمكن أن يحقق النتائج التي يريدها دون مساعدة من الآخرين.

بعض التقديرات تقول أنه من غير المحتمل أن نرى عالم ما بعد أميركا خلال العقود المقبلة، إلا أن الولايات المتحدة بحاجة إلى استراتيجية ?قوة ذكية? تجمع بين مواردها و مستويات إنفاقها ،والتي تؤكد في الأخير التحالفات والشبكات التي تستجيب إلى السياق العالمي الجديد لعصر المعلومات.

معظم ? إن لم نقل كل ? التنبؤات تشير إلى تفوق للصين والهند واليابان وحتى البرازيل على الولايات المتحدة في العقود المقبلة ،لكن التهديد الأكبر على قوة أمريكا قد لا يأتي من ?دولة? وإنما من ?جهات فاعلة من غير الدول? ،وإذا كانت الحكمة التقليدية تقول أن الدولة التي لديها أكبر جيش تسود ،ففي عصر المعلومات وانتشار القدرات التكنولوجية الخارقة ،تنهار عقيدة الجيوش الضخمة تماما ،وعلى العالم أن يستعد للحرب المقبلة.. حرب ستكون سينمائية ،ولكن على أرض الواقع.

المصدر :

خيارات بديلة
منذ نهاية الحرب الباردة أحدثت الولايات المتحدة مجموعة واسعة من التغييرات والمطالب على جيوشها في صورة تخفيضات في مستويات الإنفاق والقوة الشاملة، مع الحفاظ على مجموعة من الالتزامات في أوروبا والشرق الأوسط. وينظر المؤرخون إلى هذه الفترة بأنها واحدة من الفترات التي اتبعت فيها الولايات المتحدة استراتيجية شاملة موسعة وقليلة التكلفة نسبيا. لكن صدمة تفجيرات 11 سبتمبر جلبت نموا كبيرا في مستوى الإنفاق على المهمات الدفاعية وزادت من الالتزامات خارج الحدود أهمها اثنان من الحروب الطويلة والمكلفة في أفغانستان والعراق. وهو الأمر الذي أدى إلى نمو الإنفاق على العسكريين بمعدل سنوي متوسط قدره 3.2 % من عام 2000 إلى 2012. ومن خلال النداءات والدعوات المتكرة إلى ضرورة ?بناء الأمة الأمريكية في الداخل? كانت إدارة الرئيس أوباما مرغمة على قطع وعود للشعب الأمريكي لوضع حد للحرب في العراق وخفض مستويات القوات في أفغانستان ومن ثم ?الانسحاب?. وقد شكلت هذه الفترة إعادة التفكير ? حتى لا نقول إعادة النظر- في الاستراتيجية الأمريكية والحد من التدخلات المباشرة وقد ظهر ذلك في مواجهة القضايا والأزمات التالية:

? انضمام الإدارة الأمريكية إلى الجهود الرامية إلى إسقاط نظام العقيد القذافي في ليبيا من دون وضع قوة لتحقيق ذلك.

? المشاركة في عمليات الإطاحة بنظام بشار الأسد في سوريا مع رفض الزج بالقوات البرية في المعركة.

? دعم الانتفاضات الشعبية في البلدان العربية أو ما عرف فيما بعد بـ ?الربيع العربي?مع تحاشى أي تورط مباشر في الأزمات التي نشبت في المنطقة.خيارات لتحجيم ميزانية الدفاع
في الآونة الأخيرة ،بدأت العديد من المؤسسات البحثية المتخصصة المرتبطة بصناع القرار في الإدارة الأمريكية في عملية البحث عن أفضل السياسات لتجاوز في مأزق اختلال التوازن بين الانفاق العسكري والمتطلبات الاستراتيجية ،على مؤسسة ?راند? الشهيرة ،التي وضعت خيارات لتحجيم ميزانية الدفاع بما يتناسب مع الوضع العسكرية والاقتصادي للبلد ،حيث قدمت أربعة مستويات بديلة من الإنفاق على الدفاع موضحة أنواع القوات والقدرات التي يمكن للولايات المتحدة الحفاظ عليها وفقا لأحكام قانون الميزانية. ووجدت هذه الخيارات أنه في عام 2024 ،من المتوقع أن تكون قوات البند الأول والثاني (جدول سيناريوهات التمويل ومستوى الميزانية) على قدم المساواة لتشكل حوالي2.3 % من الناتج المحلي في حين تصل 2.7% في البند الرابع. وهذا كله يقع ضمن مخاوف أن تصبح القوات الأمريكية متخلفة القدرات مقارنة بخصومها الصينيين والروس الذين يفترض أنهما سيحققان تقدما في هذا المجال.

** الموضوع العاشر

أمريكا… الرجل المريض

** بقلم: عبد الرحمن السقفي**

ألمصدر :