**الشرح غير اليسير
لسقوط دولة الروم العسير**
عندما نقرب المجهر قليلا لمحاولة شرح سبب أو أسباب سقوط الإمبراطورية الرومانية لنرى مدى توافق العوامل أعلاه لتكوّن قاعدة عامة لفهم إنهيار الدول وزوالها (على صعوبة هذه المسألة كما اتفق معظم المحللين)، سنجد أن مؤرخين معاصرين وقدماء حاولوا تقديم تفسيرات عقلانية لمسألة سقوط دولة الروم، لعل من أبرزهم المؤرخ الإنجليزي إدوارد جيبون عبر كتابه الذي ألفه عام 1776 بعنوان The Decline Of The Roman Empire وقد أسهب المؤرخ الإنجليزي الشهير أرنولد توينبي بشرح الأسباب من منظوره الخاص، وسبقه بذلك بزمن طويل المؤرخ الروماني فيجيتيوس الذي عايش أواخر عمر هذه الإمبراطورية الشاسعة. والملخص الزمني الذي سأقدمه لهذه الأسباب ليس إلا عرضا لعملية استغرقت قرونا عديدة، وهو كالتالي (نقلا عن موسوعة الويكيبيديا):
*** القرن الثالث ميلادي:**
-
أزمة الاضطرابات السياسية وفراغ السلطة وانقسام الامبراطورية لعدة أجزاء (234-284 م)
-
حكم الإمبراطور دقلديانوس (284- 305 م) الذي حاول فرض إصلاحات سياسية واقتصادية جوهرية، ظلت موجودة لقرون تالية.
*** القرن الرابع ميلادي:**
-
حكم الإمبراطور قسطنطين الأول (306-337 م) الذي بنى العاصمة الأخرى القسطنطينية، وتحول إلى المسيحية وعمل على التشريع من خلالها، تاركا وراءه تاريخ الرومان المبني على الوثنية وعبادة الأصنام.
-
الحرب الأولى مع قبائل القوط الغربيين (376- 382 م) والتي وصلت ذروتها بمعركة أدرنة عام 378 حيث هزم بها الجيش الروماني الضخم وتدمر ثلثيه وقتل إمبراطور الروم فالنس بالمعركة. وكان القوط قد هاجروا من موطنهم فرارا من غزو قبائل الهون. وسمح فالنس للقوط بالاستقرار بحدود الإمبراطورية إلا إنهم ما لبثوا أن تمردوا وثاروا بسبب سوء معاملة حكام المقاطعات لهم.
-
حكم الإمبراطور ثيودوسيوس (379-395 م) وهو آخر إمبراطور تتوحد بحكمه الامبراطورية بشطريها الشرقي والغربي، وقد كرس هذا الإمبراطور تبني المسيحية التي اعتمدت في مؤتمر نيقية الأول دينا للدولة، وعمل على إلغاء جميع المظاهر الوثنية السابقة.
*** القرن الخامس ميلادي:**
-
فقدان السيطرة على شبه جزيرة الغال وشمال أفريقيا وضياعها كليا من الإمبراطورية بعد عبور مجموعة من القبائل الجرمانية (الوندل والسويبيون والآلان) نهر الراين عام 406 الذي يعتبر الحد الطبيعي الفاصل بين الروم والقبائل الجرمانية.
-
اندلاع الحرب الثانية مع القوط الغربيين بقيادة ألاريك الذي اجتاح اليونان ثم غزا إيطاليا ونجم عن ذلك نهب روما (410)، ثم خروجهم منها وتأسيسهم لمملكة القوط الغربيين في جنوب أسبانيا.
-
قيام الإمبراطورية الهونية بقيادة أتيلا ثم بليدا (434- 453 م)، ثم إغارتهم على البلقان وبلاد الغال وإيطاليا وتهديدهم بالتالي لكل من روما والقسطنطينية.
-
اجتياح روما ونهبها للمرة الثانية عام 455 م وهذه المرة على يد قبيلة الوندل الجرمانية.
-
فشل الهجمات المعاكسة للرومان على الوندل (461-468 م): خطط الإمبراطور الروماني الغربي ماجوريانوس بشن حملات بحرية ضد قبيلة الوندل لاستعادة شمال أفريقيا، لكن هذا الخبر وصل لمسامع الوندل فشنوا هجوما مباغتا على الأسطول الروماني ودمروه. ثم لاقت الحملة البحرية الثانية التي أرسلها كل من الأمبراطور البيزنطي ليو الأول والروماني الغربي أنتيموس عام 468 نفس المصير.
-
خلع آخر إمبراطورين للرومانية الغربية جوليوس نيبوس ورومولوس أوغسطس (475- 480 م): وتتلخص المسألة بأن أوريستس قائد الجيش الروماني الغربي خلع نيبوس الذي عينه البيزنطيون، ونصب بدلا منه ابنه الصغير أوغسطس إمبراطورا. إلا إن نيبوس الذي فر هاربا إلى دالماتيا (كرواتيا حاليا) عين الجرماني أودواكور قائدا لجنده وأعطاه الضوء الأخضر لاجتياح إيطاليا، فقتل أوريستس وخلع ابنه أوغسطس من العرش ونصب نفسه حاكما على إيطاليا عام 476 وطلب من إمبراطور بيزنطة زينو أن يكون إمبراطورا للإمبراطوريتين معا لكي يشرعن منصبه كحاكم مفوض منه، فوافقه على ذلك وتجاهل بنفس الوقت مطالبات نيبوس الذي سرعان ما قتله جنده عام 480، فانتهى بذلك أي وجود للإمبراطورية الرومانية الغربية التي لم تعمر سوى 180 سنة تقريبا.
-
تأسيس مملكة القوط الشرقيين في إيطاليا عام 493 م: ارتفعت شعبية أودواكور كحاكم في إيطاليا، فهال ذلك زينو الإمبراطور البيزنطي الذي حرض عليه القوط مطالبا إياهم بإزاحته عن الحكم. ففعل القوط ذلك، لكنهم بدلا من أن يعيدوها للحكم البيزنطي أسسوا مملكة مستقلة لهم في إيطاليا وعينوا ثيودوريك ملكا. فضاعت بذلك كل الصلات التي تربط إيطاليا عن بيزنطة التي ورثت الإمبراطورية الرومانية البائدة.
إلا إن هذا العرض لا يبين من الأعماق مدى قوة وصلابة هذه الإمبراطورية الحقيقية. فقد أظهرت خلال فتراتها تماسكا قويا، لكنه ظاهري، بوجود الجيش الجرار والقوة الاقتصادية الكبيرة والكثافة السكانية التي تمكنها من تحريك عجلة الانتاج وإعادة توليدها باستمرار. لكن هذه العوامل القوية الظاهرية تخفي وراءها عناصر ضعف واضمحلال خطيرة. يؤكد المؤرخ المعروف أرنولد توينبي أن سقوط هذه الإمبراطورية قد بدأ منذ وقت طويل قبل إنهيارها ويجزم أن تحولها من الشكل الجمهوري إلى الملكي قد أدى إلى تفسخ مؤسساتها واهتراء أجهزتها. ولم يكن بالإمكان -حسب منظور توينبي- أن تستمر هذه الدولة أكثر من الفترة التي بقيت بها دون عمليات إصلاح جذرية وشاملة وهو ما لم يتمكن من إجرائه أي من أباطرتها المعروفين، بمن فيهم من يطلق عليهم “الأباطرة الخمسة الصالحين” وهم بالترتيب نيرفا وتراجانوس وهادريانوس وأنطونيوس بايوس ثم أخيرا ماركوس أوريليوس الذي يظهر بالعمل المذكور أعلاه. “فهذه الامبراطورية الشاسعة لم يكن لها نظام خزانة أو مالية معتمد بل اعتمدت ميزانياتها على نهب المستعمرات والأراضي المفتوحة والضرائب الباهظة على البسطاء والمزارعين وهو ما ولد الحنق والغضب بنفوسهم وجعلهم يكفون عن الانتاج ودعاهم كذلك للتمرد والثورة ضد روما أحيانا، وبالتالي فإن التكلفة الكاملة للآلة العسكرية تحملها المواطنون، والاقتصاد الذي يعتمد على الرقيق سيضعف من القوة الشرائية للطبقة الوسطى، ورغم هذا استمر الإنفاق ببذخ على الطبقة الحاكمة وحاشيتهم. وبسبب الفشل الاقتصادي الحتمي فإن التصنيع العسكري للجيش الروماني أصبح ضعيفا ومكشوفا للأعداء بسبب عدم تطوره ومواكبته لمتطلبات العصر” حسب توينبي.






