** قهر قمة إيفرست الجزيئية
لقد أبدى الكيميائيون بشكل خاص اهتماما جديا بالتاكسول. فبالنسبة لهم كانت الجزيئات التي تعادل من حيث الحجم والتعقيد جزيئات التاكسول التي تتألف من 112 ذرة تثير إعجابهم سواء من الناحية الجمالية أو من الناحية العلمية. فبنيته المعقدة تمثل تحديا فريدا للباحثين (من أمثالنا نحن الثلاثة) المتخصصين في اصطناع المنتجات الطبيعية. وكنا ندرك أن مهمة اصطناع التاكسول ستكون مطولة وستستغرق سنوات من العمل، وأنه خلال تقدم المشروع سنصير أكثر فهما لما يتمتع به المركب من خصوصيَّات بنيوية idiosyncrasies، وأي أقسام تلك البنية ثابت (مستقر) أو هشّ بصفة خاصة، وكيف يتفاعل الجزيء مع المواد الكيميائية الأخرى. فمن شأن هذه المعلومات أن تساعد على أن تنصبّ استفساراتنا الرئيسية بإحكام حول الوظيفة الجزيئية للتاكسول داخل جسم المصاب بالسرطان. وفي النهاية، نأمل أن يفهم العلماء بنية التاكسول وكيفية ارتباطه المحكم بالنبيبات المكروية مما يمكنهم من تصميم أنماط خاصة من الأدوية الجديدة، تتمتع بفوائد التاكسول مع تأثيرات جانبية ضارة أقل.
وفيما بين عامي 1983 و 1993 كان أكثر من 30 فريقا للبحوث يناضلون من أجل اصطناع التاكسول أو مركبات أبسط مشابهة له. ولكن ثبت أن التاكسول جزيء بالغ الصعوبة لا يسهل تركيبه، حتى بدا في بعض الأحيان جزيئا لا يُقهر. وفي بادئ الأمر تحرى العديد من الفرق البحثية الطريقة المعروفة بالاصطناع الجزئي semisynthesis في محاولاتهم. وفي هذه السيرورة (العملية) يبدأ الكيميائيون بشكل رئيسي من نقطة تقع في منتصف طريق الاصطناع تقريبا. وبدلا من ضم الكثير من الأجزاء الصغيرة بعضها إلى بعض للحصول على الناتج النهائي، فإنهم يبدؤون باستخدام مادة شديدة الشبه بالبنية المطلوبة (وهي بشكل مثالي مواد رخيصة ومتوافرة بكميات كبيرة)؛ ثم بإدخال تعديلات طفيفة على تلك الجزيئات يحصلون على المركب المطلوب، ولا يتطلب ذلك سوى عدد قليل من الخطوات فحسب.

وفرت شجرة الطقسوس الپاسيفيكي المصدر الأصلي للتاكسول وهو العامل المضاد للسرطان.
وفي بداية الثمانينات، قام أحدنا وهو بوتيه (في المركز القومي للبحوث العلمية بفرنسا) بالتعاون مع <E .A. گرين> وزملائه (في جامعة جوزيف فوريه بكرينوبل) بإنجاز أول اصطناع جزئي للتاكسول. فقد لاحظ الباحثون إمكان تجزئة التاكسول إلى قسمين: المركز المعقد في الجزيء والذي يعرف بلب التاكسان taxane core، وبنية أبسط تركيبًا تعرف بالسلسلة الجانبية side chine والتي ترتبط بلب التاكسان. وفيما كان بوتيه وزملاؤه يتفحصون الطقسوس الأوروبي (الطقسوس حامل ثمر العُلَّيْق (الباكاتي) T. baccata) بحثا عن مواد شبيهة بالتاكسول تبين لهم أن لب التاكسان يمكن أن يُعزَل من الأوراق الإبرية لهذا النبات، فوضعوا بعد ذلك تصورا لطريقة مباشرة لربط السلسلة الجانبية به. ولأن فريق العمل يحصل على لب التاكسان من الأوراق الإبرية التي تعود للنمو بعد قطافها، فقد أعطت هذه الطريقة الأمل في ألا يكون مَدَد التاكسول محدودا دائما.
وقد ثبت أن لهذا الأمل ما يبرره عندما أعلنت الشركة بريستول-مايرز سكويب عام 1993 عن توقفها عن حصد شجر الطقسوس الپاسيفيكي. فقد أقرت الشركة سيرورة تكفل الإنتاج التجاري للتاكسول؛ إذ قام كل من <I. أوجيما> (في جامعة ولاية نيويورك في ستوني بروك) و <A .R. هولتون> (في جامعة ولاية فلوريدا) ـ وبشكل مستقل عن الآخر ـ بتطوير تلك السيرورة. لقد استعمل كلاهما طريقة الاصطناع الجزئي، إلا أن السلسلة الجانبية والوسيلة التي استخدماها لربط هذه السلسلة باللب كانتا مختلفتين عن القصة (الرواية) الفرنسية.
من البداية
وفي حين أن بوتيه وگرين وباحثين آخرين قد ركَّزوا جهودهم على إنتاج التاكسول بطريقة الاصطناع الجزئي، فإن باحثين في أماكن أخرى ـ ومنهم اثنان منا، هما نيكولاو و گاي من معهد سكريپس للبحوث ـ قد استمروا في العمل بطريقة الاصطناع الكلي total synthesis. فباصطناع التاكسول من قطع بنائية بسيطة يكون بإمكاننا تعديل بنية المركب في أي موضع فيه، وبذلك يمكننا تركيب عدد من مشتقات التاكسول أو ما يُسمى التاكسويدات، التي قد يكون بعضها أرخص ثمنا وأكثر فعالية من التاكسول نفسه. وفي أوائل عام 1994 أعلنت رسميا مجموعتان، وفي وقت واحد تقريبا، عن تمكنهما من اصطناع التاكسول كليا؛ إذ نشر نيكولاو وگاي وزملاؤهما وللمرة الأولى نتائج عملهم في مجلة الطبيعة Nature، في حين أعلنت مجموعة هولتون عن نجاحها الثاني في مجلة الجمعية الكيميائية الأمريكية.
ولا بد عند القيام بأي اصطناع للتاكسول أن يؤخذ بالاعتبار التناظر المتأصّل (التناسق الصُّلبي) inherent symmetry، أو ما يُسمى الانطباقية (اليدوية) handedness، في المنتجات الطبيعية. فالمركبات التي تتمتع بهذه الخاصية ـ كما هي الحال في أيدينا ـ تماثل الواحدة الصورة المرآتية للأخرى. ونحن نشير إلى كل صورة مرآتية بأنها ممثولة (خيال) enantiomere. ولكن غالبا ما يكون بإمكان ممثولة واحدة إحداث تأثير في الجسم البشري. ومن هنا لم يكن من المستغرب أن يعتقد العلماء بأن إحدى صورتي التاكسول هي وحدها القادرة على مكافحة السرطان. ويمكن انتقاء الممثولة الصحيحة في مرحلة باكرة، وذلك بالبدء بالمواد الكيميائية ذات التركيب (الهيئة) المناسب، والمحافظة على هذا التوجه في كل مرحلة من مراحل الاصطناع. ومع ذلك، فإن أسلوب العمل هذا يقيد اختيارنا للمواد البادئة، وبالتالي يحد من حرية الحركة في الاصطناع. ولتجنب مثل هذه القيود وللمحافظة على حرية الاختيار في تركيب كلتا الممثولتين، لجأ فريقنا في معهد سكريپس إلى تقنية تعرف بالمَيْز resolution تتيح لنا التمييز بين الممثولتين، وعندها صرنا أحرارا في العمل بمزيج من الممثولتين، وفي انتقاء التركيب المناسب قُبَيْل نهاية الاصطناع.
وكتجديد إضافي لكفاءة الطريقة التي نتبعها، قمنا بتجميع (تركيب) التاكسول مستخدمين ما يُسمى الاصطناع بالالتقاء (الاصطناع المتقارب) convergent synthesis. وباستخدام هذه الطريقة يبدأ الباحث بالعديد من القطع الصغيرة ثم يربط بعضها ببعض للحصول على المنتج المطلوب. وبالمقابل، يتضمن الاصطناع الخطي linear تعديلا تسلسليا لمركب بدئي وحيد. ويُمكِّن الاصطناع بالالتقاء من إدخال وحدات بنائية مختلفة في أي مرحلة من السيرورة بسهولة تامة، في حين يكون انتقاء الوحدات البنائية أكثر تعقيدا في الاصطناع الخطي. وبهذا، صار بمقدورنا إجراء تغييرات صغيرة ومنهجية في اللب المركزي أو في السلسلة الجانبية للتاكسول.
ويلجأ الكيميائيون لإجراء مثل هذه التغييرات على بنية المركب بشكل روتيني لتقييم الكيفية التي تؤثر من خلالها البنية الجزيئية للدواء في فعاليته. فعلى سبيل المثال، لنتصور أن لدينا دواء افتراضيا وأن الاستعاضة عن زمرة الهيدروكسيل (HO-) بذرَّة الهيدروجين تقلّل من فعالية الدواء إلى حد كبير، فإننا نفترض عندئذ أن زمرة (مجموعة) الهيدروكسيل تؤثر مباشرة في تفاعل هذه المادة الكيميائية مع الجسم. واعتمادا على تلك المعلومة يكون بإمكاننا ـ نحن الباحثين ـ صنع جزيئات جديدة، وذلك بتغيير أو بحذف القطع التي إما أنها لا تؤثر في فعاليته أو أنها تسبب تأثيرات جانبية ضارة؛ أو ربما يعدل الباحثون القطع التي تقلل من فعالية الدواء أو يحذفونها بغرض تحسين ذلك الدواء.
فمثلا أنتج بوتيه وزملاؤه أول مركب جدير بالذكر من التاكسويدات وأطلقوا عليه اسم تاكسوتير Taxotere. ويختلف تركيب التاكسوتير عن تركيب التاكسول في موضعين، ولكن ولحسن الحظ فإن التاكسويد يقاوم نمو الأورام أيضا. ويستخدم الأطباء في اليابان وفي أوروبا التاكسوتير بشكل شائع علاجا لسرطانات الثدي والمبيض. وفي أواخر عام 1995 صادقت الإدارة الأمريكية للأغذية والأدوية على استخدام التاكسوتير لدى المصابات بسرطان الثدي النقيلي أو المُعَنِّد (المقاوم) على المعالجة الدوائية. ويبدو أن هناك فروقا دقيقة بين قدرتي التاكسوتير والتاكسول على معالجة أنواع معينة من السرطان. وسيتيح استخدامهما على نطاق واسع في التجارب السريرية للعلماء تحديد المميزات التي ربما يمتاز بها أحدهما عن الآخر.
وقدَّم نيكولا و گاي وزملاؤهما (في معهد سكريپس) صنفين مهمين من مشتقات التاكسول، قد ينتج منهما مستحضرات دوائية مهمة في يوم ما. فقد بسَّطوا أولا بنية التاكسول وأنتجوا (تاكسويد) يتسم بأنه أسهل اصطناعا من التاكسول نفسه، ولكنه ـ في التجارب الأولية ـ مازال قادرا على قتل بعض أنواع الخلايا السرطانية. وثانيا، فقد طورت المجموعة صنفا من التاكسويدات تختلف بنيته اختلافا طفيفا فيما يبدو أنه تلك المنطقة من التاكسول التي ترتبط بالنبيبات المكروية. ويستمر العلماء في جهودهم لتحسين فعالية التاكسول بإصلاح موضع الارتباط هذا، وبذلك يجعلون التاكسول أكثر كفاءة في الارتباط بالنبيبات المكروية وفي منع انقسام الخلايا.
تحسين التاكسول
وقد كنا نحن الثلاثة نتابع المحاولة لتجاوز أحد أهم العوائق الدوائية للتاكسول وهو عدم إمكانية إذابته في الماء: وهذه الخاصية تجعل إعطاء الدواء للمرضى أمرا صعبا ومعقدا. ويعطي الأطباء حاليا التاكسول بالحقن داخل الوريد على مدى ساعات عديدة. وقد سبب الوسط السائل المستخدم في هذه السيرورة، وهو كريموفور Cremophor El ، مضاعفات لدى بعض المرضى. وربما يكون المركب الذواب في الماء أسهل كثيرا في تداوله. هناك مركب من التاكسويدات التي طورها المعهد سكريپس يذوب في الماء وربما تكون تأثيراته الجانبية أقل.
وتتيح لنا التاكسويدات الأخرى المنْتَجة في المختبر (المخبر) إجراء فحص دقيق وبتفصيل أكبر للكيفية التي يرتبط بها التاكسول بالنبيبات المكروية. ولأن التاكسول نفسه مقاوم بشدة للذوبان، فقد حلل الباحثون ـ وبطريقة نموذجية ـ بنيته البلورية؛ أي الصلبة. ولسوء الحظ فإن الشكل الصلب لجزيء ما لا يعكس دائما وبدقة الطريقةَ التي يكون عليها ذلك المركب في البيئة المائعة للخلية. وبمراقبة الكيفية التي ترتبط بها التاكسويدات الذوّابة بالنبيبات المكروية، يمكننا إدراك أي قِطَع جزيئات التاكسويدات هي الأكثر احتمالا لأن تتفاعل مع الخلايا. ومن الواضح أننا إذا أردنا أن نعالج بنية التاكسول بهدف تحسين فعاليته فإننا نحتاج إلى معرفة كيفية حدوث هذا الارتباط ومكانه. وقد يصير بمقدورنا تعزيز قدرته على أن يعلق بالنبيبات المكروية وبالتالي على قتل الخلايا. وعلى أقل تقدير نحن لا نرغب في تغيير موضع الارتباط بشكل يُنقص من فعالية التاكسول.
من الواضح أن قصة التاكسول لم تكتمل بعد، لكنه في مجال اكتشاف أدوية جديدة فإن من النادر أن يصرخ المرء قائلا “وجدتها!” Eureka. وبدلا من ذلك قد تستغرق تلك العملية سنوات من البحوث المفصلة لتعيين كيف يعمل الدواء وكيف يمكن أن نحسِّن فاعليته. وبالنسبة للتاكسول، فقد حقق العلماء تقدما ملحوظا، ليس فقط بمعرفة طريقة إنتاج كميات كبيرة من المادة الدوائية النادرة أصلا، ولكن بإيجاد تطبيقات جديدة لاستخدامه في معالجة السرطان. وفضلا عن ذلك فقد تحولنا الآن إلى تحد جديد، وهو إصلاح بنية التاكسول إلى أن نجد دواءً أرخص ثمنا وأكثر فاعلية.
وللبحث بقية**





