حمل الدعوة - واجبات وصفات

**أما كيف يتعامل الإنسان مع هذه الآيات وتلك للوصول إلى الإيمان بوجود الخالق القدير فكما يلي :

إن الله سبحانه عندما يتحدث عن التعامل مع آيات القرآن نجده يستعمل لفظة التدبّر ، ولكنه يستعمل لفظة التفكّر عند الحديث عن التعامل مع آيات الكون ، فلماذا ، وما هو الفارق بين اللفظتين ؟

لنستمع إليه سبحانه يقول في سورة النساء : { أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } ، ويقول في سورة محمد : { أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها } ، ويقول في سورة المؤمنون : { أفلم يدَّبَّروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين } ويقول في سورة ص : { كتابٌ أنزلناه إليك مبارك ليدَّبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب } ، فقد استعمل لفظة التدبّر مع آيات القرآن ، ولم يستعمل جلّ وعلا أية لفظة أخرى بديلة أو مرادفة .

ولنستمع الآن إلى خطاب الله سبحانه للبشر عندما يطلب منهم التعامل مع آيات الكون ، قال تعالى في سورة البقرة : { أيودّ أحدكم أن تكون له جنّة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكِبَرُ وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون } ، وقال سبحانه في سورة آل عمران : { إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب *الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار } ، وقال جلّ جلاله في سورة يونس : { إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازّيّنت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرُنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تَغْنَ بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون } وقال تعالى في سورة الرعد : { وهو الذي مدّ الأرض وجعل فيها رواسي وأنهاراً ومن كل الثمراتِ جعل فيها زوجين اثنين يُغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقومٍ يتفكرون } ، وقال العليّ القدير في سورة النحل : { هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شَراب ومنه شَجر فيه تُسيمون = ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } وقال تعالى في سورة النحل أيضاً : { وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون * ثم كلي من كل الثمرات فاسلُكي سُبُل ربك ذُلَلاً يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } وقال سبحانه في سورة الروم : { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } وقال جلّ جلاله في سورة الزمر : { الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمّى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون …} الخ ، فقد استعمل سبحانه لفظة التفكّر مع آيات الكون ، فلماذا هذا التمايز ، وما معنى التدبر والتفكّر ؟

التدبر لغة : النظر في العواقب ، والنظر في أول الشيء وآخره ، أُخذ هذا اللفظ من كلمة الدُّبُر وهي المؤخرة ، وعلى هذا فإن التدبّر يعني النظر في الشيء كله أوله وآخره حتى يأتي على آخره أي دُبُره ، فلا يكون النظر في أول الشيء أو النظر في أوله ووسطه فقط تدبراً ، ولا يكون النظر في أي شيء تدبراً إلا إذا أتى على جميع الشيء حتى يصل إلى آخره ، هذا هو معنى التدبر ، وبمعنى آخر فإن التدبر يعني النظر الشامل الكامل في الشيء ، وبمعنى ثالث فإن التدبر يعني نظر البحث والاستقصاء ، أي النظر في أدناه وأقصاه ، فعندما يخاطب الله سبحانه البشر بأن يتدبروا القرآن الكريم ، فإنه يطلب منهم أن ينظروا في آياته نظر بحث واستقصاء ، أي نظراً يأتي على أولها وآخرها ، وحيث أن المقصود من هذا الطلب هو الوصول إلى الإيمان بوجود الخالق القدير ، فإن الإيمان هذا يحتاج من الإنسان لأن ينظر في آيات الله التنزيلية كلها ، وهذا المعنى يظهر بوضوح في قوله تعالى في سورة النساء : { أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } ، فمن نظر في الآيات كلها ، وهي كثيرة ، فلم يجد في صياغتها وأسلوبها أي اختلاف في قوة الصياغة وسموّ التعبير وروعة الأسلوب عكس ما يحصل في كتابات البشر الطويلة ، فإن الإنسان لا بد من أن يجد فيها قوة هنا وضعفاً هناك ، وسُمُوّاً هنا وهبوطاً هناك ، وروعة هنا وضحالة هناك ، فلما لم يجد التالي لآيات القرآن الكثيرة أي ضعف ولا هبوط ولا ضحالة أيقن أن هذه الآيات هي فعلاً من عند خالق قدير وليس من عند البشر ، ولا يستقيم هذا الأمر إلا بالنظر في جميع الآيات ، إذ لو نظر في نصف الآيات أو ربعها فلم يجد ضعفاً ولا هبوطاً ولا ضحالة فإن الحجة عليه لا تقوم ، إذ ربما كان الضعف والهبوط والضحالة في القسم الباقي ، فلكي تقطع حجة المحتجين أمر الله سبحانه الناس أن يتدبروا الآيات ، أي ينظروا فيها كلها ، أي يستقصوا النظر كاملاً ، هذه هي الحكمة وهذا هو القصد من استعمال لفظ التدبّر مع آيات القرآن ، ولو استعمل لفظ النظر أو التلاوة أو القراءة هنا لما قامت الحجة ، ولما انقطعت التَعِلّة ، فحتى تكون جمل القرآن آيات ، أي علامات على وجود الخالق القدير لا بد من استعراضها بالكامل ، والتيقن عندها من أنها فعلاً آيات ربانية وليست جملاً من صياغة البشر .

هذا المعنى غير مطلوب عند النظر في الآيات الكونية ، ولو جاء استعمال لفظة التدبّر معها لما استطاعه الإنسان ، وبالتالي لما قامت الحجة ، ولبقيتِ التعلّة ، فسبحان العليم الحكيم .

إن آيات الكون الكثيرة كثرة لا يحيط بها عقل الإنسان ، ففي تركيب الإنسان نفسه الآلاف من الآيات ، وفي تركيب الحيوان كذلك ، وقُلْ مثلَ ذلك في تركيب النبات ، وفي تركيب الهواء ، وفي السماء والشموس ، وفي ما خلق الله في هذا الكون الذي لا يستطيع الإنسان الإحاطة به ، فإن فيه آلاف آلاف الآلاف من الآيات والعلامات والعوالم ، فلو كانت الحجة تقوم فقط عند نظر الاستقصاء في هذه المخلوقات لما قامت لعجز الإنسان عن ذلك ، والله سبحانه لا يخاطب العقول بما تعجز عنه ، فلما كانت آيات الكون من الكثرة بحيث يستحيل الإحاطة بها لم يطلب سبحانه من الإنسان أن يتدبرها ، أي ينظر فيها كلها .

أما ما جاء في خطاب الله سبحانه للبشر من كلمات أخرى غير كلمة التفكّر عند الطلب منهم التعامل مع آيات الكون كما ورد في قوله تعالى في سورة النحل مثلاً : { وما ذرأ لكم في الأرض مختلفاً ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذَّكَّرون } وكما في قوله تعالى في نفس السورة مثلاً : { ألم يروا إلى الطير مسخرات في جوّ السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } وكما في قوله تعالى في سورة الأعراف مثلاً : { والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نَكِداً كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون } وكما في قوله تعالى في سورة الرعد مثلاً : { الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخّر الشمس والقمر كلٌّ يجري لأجل مسمّى يدبّر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون } وكما في قوله تعالى في نفس السورة مثلاً : { وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأُكُل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } ، فاستعمل يذّكّرون ويؤمنون ويشكرون ويوقنون ويعقلون ، فإن هذه الكلمات ليست بديلة وليست حالّة محل كلمة التفكر مطلقاً ، وإنما هي ثمار للتفكّر ونتاج له ليس غير ، فمن تفكر في الآيات الكونية حصلت لديه الذكرى والإيمان والشكر واليقين والعقل أي الإدراك ، فالتفكر هو الأداة ، وما سواه ناتج عنه حاصل بسببه .

قد يقول قائل إن الإيمان والشكر واليقين والعقل بمعنى الإدراك أمورٌ مدركة بأنها نتاج التفكّر ، ولكن الذكرى ما تفسيرها في هذا المقام وما معنى قوله تعالى في سورة النحل : { … إن في ذلك لآية لقوم يذّكّرون } ، وقوله سبحانه في سورة غافر : { هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقاً وما يتذكر إلاّ مَن ينيب } وغيرهما من الآيات في هذا الموضوع ؟ والجواب على ذلك أن التذكر لا يكون إلا عند وجود أمرٍ سابق للفعل وإلا فلا تذكّر ، وهنا يوجد أمر سابق وهو الإيمان بوجود الله لدى كل إنسان عند بدء خلق الإنسان ، فعندما ينظر الإنسان في الآيات الكونية ويتفكر فيها يتذكّر إيمانه بالله سبحانه الذي كان لديه عند بدء خلقه ، ولولا أن كل إنسان كان عند بدء خلقه مؤمناً بوجود الله لما تصوّرنا معنى التّذكّر عند التفكر في الآيات الكونية ، والدليل على هذا قوله تعالى في سورة الأعراف : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين r أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون } ، فهذه الآية تدل على ما نقول ، ولقد روى أحمد والنسائي وابن جرير الطبري والحاكم وصحّحه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان يعني عرفه ، فأخرج من صُلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلاً قال ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكناذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون " ، هذا هو معنى التذكر إذاً ، وهو كما قلنا نتاج للتفكّر وليس بديلاً عنه .**

**موقع حامل الدعوة

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الله سبحانه قد اقتضت حكمته أن ينعم على مخلوقاته بأن خلقها بعد أن لم تكن ، واقتضت حكمته أن يختص من بين جميع مخلوقاته من اختصّهم من البشر بنعمة الإسلام ، واقتضت حكمته أن يختص من المسلمين الخاصة منهم بنعمة حمل الدعوة إليه ، وهم أنبياؤه ورسله ومن نهج نهجهم وعمل عملهم من أتباعهم ، فلئن وجب على جميع المخلوقات حمد الله على نعمة الخلق ، فإن على المسلمين واجب حمد الله على نعمة الخلق ، وواجب حمده على نعمة الإسلام ، وإن على حَمَلة الدعوة واجب حمد الله على نعمة الخلق ، وواجب حمده على نعمة الإسلام ، وواجب حمده على نعمة حمل الدعوة .

فالحمد لله ، ثم الحمد لله ، ثم الحمد لله .

إن الله سبحانه كان وليس معه شيء ، وكان وليس قبله شيء ، فكان هو الحقيقة ، وكان هو الحق ، ثم كانت إرادته أن يخلق بالحق هذا الكون البديع من أرض وشمس ونجوم وكواكب ، وما شاء الله مما ندرك ومما لا ندرك ، وسيّر هذه الأجرام وما فيها وما عليها بأنظمة وقوانين ثابتةٍ غايةً في الدقة والإتقان ، وقد خلق كل ذلك بالحق ، قال تعالى في سورة الأنعام : { وهو الذي خلق السمواتِ والأرضَ بالحقّ …} وقال سبحانه في سورة إبراهيم : { أَلمْ تَرَ أنَّ اللهَ خلق السمواتِ والأرضَ بالحقّ …} وقال جلّ جلاله في سورة الحِجْر : { وما خلقنا السمواتِ والأرضَ وما بينهما إلاّ بالحق …} ، وكرر سبحانه هذا الأمر في العديد من الآيات ، ونفى عن هذا الخلق البديع البطلان ، فقال تعالى في سورة آل عمران : { الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً …} وقال سبحانه في سورة ص : { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظَنُّ الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار } .

وهذا الكون المخلوق بالحق كل ما فيه قانت لخالقه منقاد إليه يُسبّح له ، قال تعالى في سورة البقرة : { وقالوا اتخذَ اللهُ ولداً سبحانه بل له ما في السموات والأرض كلٌّ له قانتون } وقال سبحانه في سورة الإسراء : { تسبح له السموات السّبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليماً غفوراً } وقال جل جلاله في سورة فصلت : { ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائْتِيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين } .

فالأجرام في السماء ، والجبال والبحار والأنهار والصحاري والحيوان والشجر والهواء وسائر أجزاء الأرض كلها تسبّح لله وتسجد له وتنقاد إليه ، وتطيعه ، فهي تسير في موكب كوني واحد متجانس تجمعه طاعة الخالق الحق ، وهذا الموكب الكوني الواحد قد خلق بالحق ، ويسير بالحق ، ليصل إلى يوم الحق ، إلى الحاقّة ، فالحاقة هي خط الوصول لموكب الحق البديع .

إن الخالق الحق قد ميّز الإنسان وكذلك الجانّ بأن حباه العقل ، فهو بالعقل قد تفرّد على سائر المخلوقات ، وهذا التفرّد لم يخلقه الله عبثاً ولا باطلاً ، وإنما خلقه بالحق لأمر عظيم وجليل ، وهو تهيئة الإنسان لتلقي التكليف الإلهي دون مخلوقات الله ، وجعل العقل مناط التكليف ، وجعله قادراً على إدراك التكليف هذا ، والقيام بتبعاته ، سيّما وأنّ في هذا العقل صفة الاعتزاز بالذات ، ولهذا فإنه عندما عُرض عليه التكليف كما عرض على سائر المخلوقات لم يتوان في القبول منطلقاً من اعتزازه وثقته بنفسه وبقدرته ، فقبل التكليف ، واستعد لتحمل تبعاته ، قال تعالى في سورة الأحزاب : { إنّا عرضنا الأمانةَ على السموات والأرض والجبال فَأبينَ أن يحملنها وأشفقنَ منها وحملها الإنسانُ إنه كان ظلوماً جهولاً } . ولولا اعتزاز العقل وثقته بنفسه وبقدرته لأحجم عن القبول ، ولأدخل نفسه في موكب الكون السائر بطاعة الله والانقياد له دون هذا التكليف ، ولكن الله علام الغيوب ، وقد خلق العقل وخلق قدراته وشاء له أن يقبل التكليف ، قد خلقه على حالة تمكنه من حمل هذا العبء إن هو أراد فانطلق من قاعدة الانقياد والطاعة لله ، فإن هو فعل ذلك بقي في موكب الحق ، بل واستحق أن يتسنّم الذروة فيه ، وإلاّ خرج عنه إلى غضب الله وعقابه .

إن هذا العقل منه من انطلق من قاعدة الانقياد والطاعة لله ، فعندما عُرض عليه الإسلام قبله واستسلم إلى الله بالطاعة ، فكان عقلاً مستنيراً واعياً مدركاً لمسؤولياته ، ناهضاً لتحمل تبعات ما قَبِله ، هذا العقل هو عقل الإنسان المسلم ، وهو بهذا القبول قد بقي ضمن موكب الكون الحق ، بل كان رائداً فيه . ومن العقل من أعماه الاعتزاز والثقة بالنفس وبقدرته فلم ينطلق من قاعدة الانقياد والطاعة لله ، وإنما استكبر وتطاول ، وجمح به الغرور ، وهذا العقل هو عقل الإنسان الكافر ، فخرج هذا الكافر باستكباره وتطاوله وجموحه على موكب الكون إلى غضب الله وعقابه . فالأرض وما فيها وما عليها ، والشمس وضوؤها ، والقمر ونوره ، وسائر الأجرام التي نعرفها وندركها والتي قصرت عقولنا عن معرفتها وإدراكها كلها تسير معاً في موكب كوني خاضع مطيع ، في مقدمته العقل والإنسان المسلم ، ولم يتخلف عنه سوى العقل والإنسان الكافر ، فهو وحده النشاز في هذا النسق الكوني البديع ، قال تعالى في سورة الحج : { ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوابّ وكثير من الناس ، وكثير حقّ عليه العذاب ومن يُهِنِ اللهُ فما له من مُكْرِم إن الله يفعل ما يشاء } وقال سبحانه في سورة الروم : { أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمّى وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون } فقوله جل جلاله : { وكثير حق عليه العذاب } ، وقوله : { وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون } ، يدل كلاهما على مفارقة الكفار المعذَّبين لهذا الكوكب الكوني ، هذه المفارقة والمباينة وصفها رب العزة بأقبح وصف وأرذله بقوله في سورة التوبة : { إنما المشركون نجس …} ولم يرد في الآيات القرآنية ذكر النجاسة إلا مرة واحدة فحسب هي هذه المرة ، أطلقها سبحانه على الكفار المشركين ، وحيث أن الكون مخلوق على الطهارة ، فإن وصف الكفار بالنجاسة لأبلغ دلالة على مغايرتهم لما عليه هذا الكون ، وخروجهم على خطه ومنهاجه مما يستوجب نبذهم تماماً كما تنبذ النجاسات ، فالكفار من الإنس ومثلهم من الجن هم حالة النشوز في هذا الكون .

إن الله سبحانه الذي اقتضت حكمته أن يفاضل بين مخلوقاته قد فضّل الإنسان على سائر المخلوقات ، بل إنه قد جعل مخلوقاته في الأرض والسموات مسخّرة لهذا الإنسان الكريم ، قال تعالى في سورة لقمان : { ألم تروْا أن الله سخّر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة …} وقال سبحانه في سورة الجاثية : { وسخّر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } ، فالموكب الكوني الحق تسير فيه مخلوقات الله بالحق ما عدا الكفار ، في مقدمته وعلى القمة فيه جماعة المسلمين .

هذا هو موقع الإنسان المسلم في هذا الموكب العظيم ، فأين هو موقع حامل الدعوة فيه ؟

إن الحق سبحانه قد فضّل أنبياءه ورسله على سائر الناس فضلاً عن سائر المخلوقات ، فقال في سورة الأنعام : { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم * ووهبنا له إسحق ويعقوب كلاًّ هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كلّ من الصالحين * وإسماعيلَ واليسع ويونس ولوطاً وكلاً فضلنا على العالمين } ، وكما فضّل الله سبحانه الأنبياء والرسل على العالمين كلهم ، فقد فاضل سبحانه بينهم ، فجعل بعضهم أفضل من بعض ، قال تعالى في سورة البقرة : { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم اللهُ ورَفَعَ بعضَهم درجات …} وقال سبحانه في سورة الإسراء : { ورَبُّكَ أعلم بمن في السموات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبوراً } .

ونجده سبحانه قد فاضل بين أتباع الأنبياء والمرسلين وأممهم ، فجعل أمة محمّد rأفضل الأمم ، قال تعالى في سورة آل عمران : { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله …} .

واستمرت سنة التفاضل لتطال المسلمين أنفسهم ، فنجده سبحانه قد فضّل المجاهدين على القاعدين فقال في سورة النساء : { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غيرُ أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلاً وعد الله الحسنى وفضّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً * درجاتٍ منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفوراً رحيماً } .

وفضل سبحانه المنفقين والمقاتلين قبل فتح مكة على أقرانهم ممن كانوا بعدهم فقال في سورة الحديد : { … لا يستوي منكم من أنفق من قَبْلِ الفتح وقاتل ، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بَعْدُ وقاتلوا ، وكَلا وَعَدَ اللهُ الحسنى واللهُ بما تعلمون خبير } ، وفضل جلّ جلاله الأتقياء على من سواهم ، فقال في سورة الحجرات : { … إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير } ، فليس كل مسلم في منزلة الآخر ، ولا في درجته ، ولهذا خلق الله الجنة درجات لعباده المؤمنين ، فقال تعالى في سورة آل عمران : { هم درجات عند الله والله بصير بما يعلمون } وقال سبحانه في سورة الأنفال : { أولئك هم المؤمنون حقاً لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم } ، وقد جاء في الحديث النبوي أن الجنة مائة درجة أعلاها الفردوس ، فعن أبي هريرة قال : فالرسول الله صلى الله عليه وسلم: { … إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة أُراه فوقه عرش الرحمن } رواه البخاري والترمذي وابن حبان ، وهذا يعني أن التفاضل في الآخرة أكبر منه في الدنيا ، لأن التفاضل في الدنيا لا يبلغ هذا المقدار ، يؤكده قوله سبحانه في سورة الإسراء : { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ولَلآخرةُ أكبرُ درجاتٍ وأكبر تفضيلاً } .

فما دام التفاضل هو سنة الله الثابتة في مخلوقاته ، فإن المسلم مدعوّ إلى العمل والعمل في طاعة الله حتى يصعد ويصعد في درجات الجنة ليقترب من عرش الرحمن بدخول الفردوس " …الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة أُراه فوقه عرش الرحمن " هذا الاقتراب هو ما ينبغي على المسلم السعي إليه بمثابرة وقوة والحرص على نواله ، وقد نزل الأمرُ بالاقتراب في أول سورة أنزلت على رسول الله rقال تعالى في سورة العلق : { كلا لا تطعه واسجد واقترب } ، ووصف الحق سبحانه السابقين بأنهم المقربون ، فقال في سورة الواقعة : { والسابقون السابقون أولئك المقربون } .

إن أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام قد فَضَلوا الناس جميعاً ، ومن ثَمّ فَضَلوا المخلوقات كلها على تفاضل فيما بينهم ، فكانوا في مقدمة الموكب الكوني الحق ، وكانوا السابقين فيه ، وما ذاك إلا لقيامهم بنشر الهدى وتبليغ الشرائع وحمل الدعوة إلى الله ، فكان عملهم هذا أفضل عمل وأكرم عمل يناط بمخلوق على الإطلاق ، فإن اقتدى مسلم بهم وقام بما قاموا به أي قام بنشر الهدى وتعليم الشرائع وحمل الدعوة فإنه ولا شك سيقترب من منزلتهم في الجنة وإن بقيت لهم المنزلة العليا والمرتبة الفضلى بسبب فضيلة الاصطفاء وتلقي الوحي ، فعمل حامل الدعوة مقارب لعمل الأنبياء والمرسلين ، وكلام حامل الدعوة من كلامهم ، وهو أفضل الكلام وأحسنه ، قال تعالى في سورة فصّلت : { ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين } .

فأنبياء الله ورسله هم في مقدمة الموكب الحق يليهم العاملون بعملهم وهم حَمَلَةُ الدعوة ، ثُم يتتابع المسلمون خلفهم كلٌّ حسب درجته في الفضل والصلاح .

نخلص من كل ذلك إلى أن الكون كله وقد خلقه الحق بالحق ، وسيره سبحانه بالحق ، وأمر الأنبياء والمرسلين بدعوة الحق ، وجعل التفاضل بالحق والالتزام بالحق ، فإن كل مسلم ومؤمن وأخص منهم حملة الدعوة يجب أن يتمسكوا بالحق قولاً وعملاً ، وأن يلتزموا بالحق في مواقفهم فلا يحيدوا عنه مقدار شعرة ، وإلا تقلقل موقعهم في موكب الحق ، فهم بالحق يثبتون ، وبالحق يتقدمون ، وعلى الحق يعتمدون ، وهذا هو السبيل القويم والمنهاج المستقيم الذي جاءت به رسل الله سبحانه ، قال تعالى في سورة الأعراف : { … لقد جاءت رُسُل ربنا بالحق } وهو السبيل نفسه والمنهاج نفسه المطلوب من المسلمين العاملين المخلصين الداعين إلى الله ، قال تعالى في سورة الأعراف : { وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } .

فليحذر حامل الدعوة من الالتفات إلى الاغراءات ، والركون إلى العروض الباطلة التي تعرض عليهم من الأعداء أو الخصوم أو الجهلة يحاولون بها صرفهم عن قول الحق ، وعن التمسك بالحق ، وعن الالتزام بدعوة الحق .**

حمل الدعوة
واجبات وصفات
محمود عبد اللطيف عويضة
المقدمة
الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء والمرسلين ، وبعد :
فإن الله سبحانه قد اصطفى الأنبياء والرسل من بني آدم . وفضلهم على الناس أجمعين ، وكلفهم سبحانه بتبليغ الشرائع ونشر الهدى ، فكان تبليغ الشرائع ونشر الهدى هو عمل الأنبياء والمرسلين ووظيفتهم ، من أجله كان الاصطفاء ، وبه كان الفضل . فتبليغ الشرائع ونشر الهدى هو أفضل عمل وأكرمه على الإطلاق ، فإن نهض مسلم بمثل هذا العمل اقتداءً بهم وامتثالاً لأمرهم ، أي حمل الدعوة من بعدهم ، فقد قام بأفضل عمل وأكرم عمل يمكن أن يقوم به ويتولاه وإن هو لم يبلغ منزلة الأنبياء والرسل بسبب سبقهم له باصطفاء الله لهم وإنزال وحيه عليهم .
إن الله سبحانه كلما أراد تكليف إنسان بتبليغ الشريعة عنه ونشر هُداه بين الناس اصطفاه وفضّله وهيّأه وحباه بالفضائل والمكرمات ليُنزل عليه وحيه بالشريعة وقد اكتملت خصاله وسجاياه ، فتطابق الوعاء في الفضل والخير مع ما سكب فيه ، وتجانست الشريعة مع صاحبها والهُدى مع عَلَمه ، فكان التوافق بين الاثنين لازماً والتجانس بينهما واجباً ، فمن نهض من المسلمين بمثل عمل الأنبياء والمرسلين فإن عليه أن يجعل من نفسه مثالاً للفضل والكرم والخير ، يتمثل فيه الإسلام في أفكاره وأحكامه وما يدعو إليه من صفات وأخلاق حسنة فاضلة ، وإلا لم يصلح للقيام بهذا العمل ، وإن قام به لم ينجح فيه ولم يجر الخيرُ على يديه ، وذلك لانعدام التوافق بين الاثنين ، ولعدم وجود التجانس بينهما . وهما أمران لازمان وواجبان ، فحامل الدعوة ينبغي أن يعلم أنه إن لم يهيىء نفسه لتجسيد الإسلام فيه أفكاراً وأحكاماً وصفات فلن يصلح لحمل الدعوة ، بل لن يكون بحقٍّ حامل دعوة وإن هو حاول أو ادّعى ، فالدعوة رأس الخير والفضل في حياة الناس ، لا يحملها بحقٍّ إلا إنسان تحلى برأس الخير وقمة الفضل قولاً وفعلاً وصفات ، وقد ذكرنا في هذا الكتاب ما إن تمسّك به حامل الدعوة فقد تهيأ بالفعل لحمل الدعوة . وكان صالحاً له وناجحاً فيه ، يرجو من ربه النصر والتمكين في الأرض ، ودخول الفردوس في الآخرة مع النبيين والصّدّيقين .
وقد اخترنا أن تكون موضوعات الكتاب مدعّمة بالأدلة ، وموجزة في العبارة لتكون أبلغ في التأثير ، وأجدر بالشباب أن يأخذوها فتتمثل فيهم ، فمن وقف عندها فقد اكتفى ، ومن طلب المزيد فالباب مشرع أمامه ، والله يختص برحمته وفضله من يشاء .
وقد استدللنا بما صح عندنا وحسُن من الأحاديث ، ولم نستدلّ بحديث واحد علمنا أنه ضعيف أو موضوع ، وحسبنا أننا بذلنا الوسع في ذلك ، فإن كان قد تحقق ما قصدناه فلله الحمد والشكر ، وإن خفي علينا شيء منه فندعو الله لنا بالمغفرة والصفح ، وقد أثبتنا لفظ الحديث لراويه إن كان واحداً ، فإن كان الرواة اثنين فأكثر فلفظ الحديث للراوي المذكور أولاً ، وَمَن بعده من الرواة يوافقون في اللفظ أو يخالفون فيه كثيراً أو قليلاً دون أن يخرجوا بما رووْا عن مضمون اللفظ المثبت .
أسأل الله سبحانه أن يلقى هذا الكتاب من الشباب ومن الناس قبولاً حسناً ، وأن يقرأوه بأناةٍ ورويّة قصد العلم والعمل معاً ، حتى يتمثلوا بما فيه ، ويكونوا مؤمنين صادقين ، وحَمَلة دعوة مخلصين ، آمين .

17 من شَوال 1416
7 / 3 / 1996
محمود عبد اللطيف عويضة

مؤلف الكتاب الشيخ محمود عبد اللطيف عويضة (أبو اياس )الأول يمين الصورة

مؤلف الكتاب في محيط مسجد الصخرة المشرفة في 28 أغسطس عام 2013 م