**أما كيف يتعامل الإنسان مع هذه الآيات وتلك للوصول إلى الإيمان بوجود الخالق القدير فكما يلي :
إن الله سبحانه عندما يتحدث عن التعامل مع آيات القرآن نجده يستعمل لفظة التدبّر ، ولكنه يستعمل لفظة التفكّر عند الحديث عن التعامل مع آيات الكون ، فلماذا ، وما هو الفارق بين اللفظتين ؟
لنستمع إليه سبحانه يقول في سورة النساء : { أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } ، ويقول في سورة محمد : { أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها } ، ويقول في سورة المؤمنون : { أفلم يدَّبَّروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين } ويقول في سورة ص : { كتابٌ أنزلناه إليك مبارك ليدَّبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب } ، فقد استعمل لفظة التدبّر مع آيات القرآن ، ولم يستعمل جلّ وعلا أية لفظة أخرى بديلة أو مرادفة .
ولنستمع الآن إلى خطاب الله سبحانه للبشر عندما يطلب منهم التعامل مع آيات الكون ، قال تعالى في سورة البقرة : { أيودّ أحدكم أن تكون له جنّة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكِبَرُ وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون } ، وقال سبحانه في سورة آل عمران : { إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب *الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار } ، وقال جلّ جلاله في سورة يونس : { إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازّيّنت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرُنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تَغْنَ بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون } وقال تعالى في سورة الرعد : { وهو الذي مدّ الأرض وجعل فيها رواسي وأنهاراً ومن كل الثمراتِ جعل فيها زوجين اثنين يُغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقومٍ يتفكرون } ، وقال العليّ القدير في سورة النحل : { هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شَراب ومنه شَجر فيه تُسيمون = ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } وقال تعالى في سورة النحل أيضاً : { وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون * ثم كلي من كل الثمرات فاسلُكي سُبُل ربك ذُلَلاً يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون } وقال سبحانه في سورة الروم : { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } وقال جلّ جلاله في سورة الزمر : { الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمّى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون …} الخ ، فقد استعمل سبحانه لفظة التفكّر مع آيات الكون ، فلماذا هذا التمايز ، وما معنى التدبر والتفكّر ؟
التدبر لغة : النظر في العواقب ، والنظر في أول الشيء وآخره ، أُخذ هذا اللفظ من كلمة الدُّبُر وهي المؤخرة ، وعلى هذا فإن التدبّر يعني النظر في الشيء كله أوله وآخره حتى يأتي على آخره أي دُبُره ، فلا يكون النظر في أول الشيء أو النظر في أوله ووسطه فقط تدبراً ، ولا يكون النظر في أي شيء تدبراً إلا إذا أتى على جميع الشيء حتى يصل إلى آخره ، هذا هو معنى التدبر ، وبمعنى آخر فإن التدبر يعني النظر الشامل الكامل في الشيء ، وبمعنى ثالث فإن التدبر يعني نظر البحث والاستقصاء ، أي النظر في أدناه وأقصاه ، فعندما يخاطب الله سبحانه البشر بأن يتدبروا القرآن الكريم ، فإنه يطلب منهم أن ينظروا في آياته نظر بحث واستقصاء ، أي نظراً يأتي على أولها وآخرها ، وحيث أن المقصود من هذا الطلب هو الوصول إلى الإيمان بوجود الخالق القدير ، فإن الإيمان هذا يحتاج من الإنسان لأن ينظر في آيات الله التنزيلية كلها ، وهذا المعنى يظهر بوضوح في قوله تعالى في سورة النساء : { أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً } ، فمن نظر في الآيات كلها ، وهي كثيرة ، فلم يجد في صياغتها وأسلوبها أي اختلاف في قوة الصياغة وسموّ التعبير وروعة الأسلوب عكس ما يحصل في كتابات البشر الطويلة ، فإن الإنسان لا بد من أن يجد فيها قوة هنا وضعفاً هناك ، وسُمُوّاً هنا وهبوطاً هناك ، وروعة هنا وضحالة هناك ، فلما لم يجد التالي لآيات القرآن الكثيرة أي ضعف ولا هبوط ولا ضحالة أيقن أن هذه الآيات هي فعلاً من عند خالق قدير وليس من عند البشر ، ولا يستقيم هذا الأمر إلا بالنظر في جميع الآيات ، إذ لو نظر في نصف الآيات أو ربعها فلم يجد ضعفاً ولا هبوطاً ولا ضحالة فإن الحجة عليه لا تقوم ، إذ ربما كان الضعف والهبوط والضحالة في القسم الباقي ، فلكي تقطع حجة المحتجين أمر الله سبحانه الناس أن يتدبروا الآيات ، أي ينظروا فيها كلها ، أي يستقصوا النظر كاملاً ، هذه هي الحكمة وهذا هو القصد من استعمال لفظ التدبّر مع آيات القرآن ، ولو استعمل لفظ النظر أو التلاوة أو القراءة هنا لما قامت الحجة ، ولما انقطعت التَعِلّة ، فحتى تكون جمل القرآن آيات ، أي علامات على وجود الخالق القدير لا بد من استعراضها بالكامل ، والتيقن عندها من أنها فعلاً آيات ربانية وليست جملاً من صياغة البشر .
هذا المعنى غير مطلوب عند النظر في الآيات الكونية ، ولو جاء استعمال لفظة التدبّر معها لما استطاعه الإنسان ، وبالتالي لما قامت الحجة ، ولبقيتِ التعلّة ، فسبحان العليم الحكيم .
إن آيات الكون الكثيرة كثرة لا يحيط بها عقل الإنسان ، ففي تركيب الإنسان نفسه الآلاف من الآيات ، وفي تركيب الحيوان كذلك ، وقُلْ مثلَ ذلك في تركيب النبات ، وفي تركيب الهواء ، وفي السماء والشموس ، وفي ما خلق الله في هذا الكون الذي لا يستطيع الإنسان الإحاطة به ، فإن فيه آلاف آلاف الآلاف من الآيات والعلامات والعوالم ، فلو كانت الحجة تقوم فقط عند نظر الاستقصاء في هذه المخلوقات لما قامت لعجز الإنسان عن ذلك ، والله سبحانه لا يخاطب العقول بما تعجز عنه ، فلما كانت آيات الكون من الكثرة بحيث يستحيل الإحاطة بها لم يطلب سبحانه من الإنسان أن يتدبرها ، أي ينظر فيها كلها .
أما ما جاء في خطاب الله سبحانه للبشر من كلمات أخرى غير كلمة التفكّر عند الطلب منهم التعامل مع آيات الكون كما ورد في قوله تعالى في سورة النحل مثلاً : { وما ذرأ لكم في الأرض مختلفاً ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذَّكَّرون } وكما في قوله تعالى في نفس السورة مثلاً : { ألم يروا إلى الطير مسخرات في جوّ السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } وكما في قوله تعالى في سورة الأعراف مثلاً : { والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نَكِداً كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون } وكما في قوله تعالى في سورة الرعد مثلاً : { الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخّر الشمس والقمر كلٌّ يجري لأجل مسمّى يدبّر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون } وكما في قوله تعالى في نفس السورة مثلاً : { وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأُكُل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } ، فاستعمل يذّكّرون ويؤمنون ويشكرون ويوقنون ويعقلون ، فإن هذه الكلمات ليست بديلة وليست حالّة محل كلمة التفكر مطلقاً ، وإنما هي ثمار للتفكّر ونتاج له ليس غير ، فمن تفكر في الآيات الكونية حصلت لديه الذكرى والإيمان والشكر واليقين والعقل أي الإدراك ، فالتفكر هو الأداة ، وما سواه ناتج عنه حاصل بسببه .
قد يقول قائل إن الإيمان والشكر واليقين والعقل بمعنى الإدراك أمورٌ مدركة بأنها نتاج التفكّر ، ولكن الذكرى ما تفسيرها في هذا المقام وما معنى قوله تعالى في سورة النحل : { … إن في ذلك لآية لقوم يذّكّرون } ، وقوله سبحانه في سورة غافر : { هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقاً وما يتذكر إلاّ مَن ينيب } وغيرهما من الآيات في هذا الموضوع ؟ والجواب على ذلك أن التذكر لا يكون إلا عند وجود أمرٍ سابق للفعل وإلا فلا تذكّر ، وهنا يوجد أمر سابق وهو الإيمان بوجود الله لدى كل إنسان عند بدء خلق الإنسان ، فعندما ينظر الإنسان في الآيات الكونية ويتفكر فيها يتذكّر إيمانه بالله سبحانه الذي كان لديه عند بدء خلقه ، ولولا أن كل إنسان كان عند بدء خلقه مؤمناً بوجود الله لما تصوّرنا معنى التّذكّر عند التفكر في الآيات الكونية ، والدليل على هذا قوله تعالى في سورة الأعراف : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين r أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون } ، فهذه الآية تدل على ما نقول ، ولقد روى أحمد والنسائي وابن جرير الطبري والحاكم وصحّحه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان يعني عرفه ، فأخرج من صُلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلاً قال ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكناذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون " ، هذا هو معنى التذكر إذاً ، وهو كما قلنا نتاج للتفكّر وليس بديلاً عنه .**

