**المرأة حطب جهنم بكثرة الشكوى واللعن والكفر بالعشير
من المخاطر الكثيرة التي تقع فيها المرأة هو الإنزلاق النفسي أي سرعة الإنفعال والتفاعل من حوادث ومنغّصات تواجه الإنسان طبيعياً في الحياة. فالإنسان في حياته لا يستطيع الإستمرار بثبات على تقوى الله دون انحراف في ميوله أو انجراف بعاطفته، إلا إذا ثبت على إيمانه والفهم الشرعي للأمور وتقبُّلِ المكاره والمنغّصات ومواجهتها بما بيّنه الشرع، على أنه أمر طبيعي، ولا قدرة لإنسان على ردِّه أو تلافيه. فالمكاره كثيرة ويومية وتكاد تكون آنية ومتكررة ودائمة، فالشرع يأمر بمعالجتها إن أمكن وإلا فالتعايش معها بصبر ويكون للصابر عليها أجر كبير إن شاء الله. وبهذا لا تعود المكاره مشاكل للمؤمن بل تتحوّل إلى نعمة ومرضاة من الله لأن في الصبر عليها مزيد من الأجر له.
هذه المعالجة الشرعية والصحيحة لمكاره الحياة تغيب عن أذهان معظم النساء ولأنهنَّ أسرع وأكثر انفعالاً فهنَّ أكثر انسياقاً في تضخيم الحدث المنغِّص وجعله مشكلة تعجز طبيعة المرأة عن استيعابها وهضمها أو معالجتها. وهذا ناتج عن عدم وضوح الرؤيا لواقع الحياة ومشاكلها ووجوب التعايش معها. وهذا كله ينتج عن عدم إعمال العقل وإمعان النظر في الصورة الشرعية للحياة التي على المؤمن أن يتصوّرها ويعيشها ويعمل لحمايتها ونشرها بين الناس. هذا البعد عن فهم صورة الحياة التي أرادها الله لعباده هو عند النساء أفشى مما عند الرجال، وهذا سبب رئيسي في كثرة تذمّر النساء وكثرة شكواهنَّ من الحياة ومكارهها، وهو أيضاً سبب رئيسي يجرها إلى “الكفر” بالعشرة الزوجية وكثرة اللعن.
إنّ التذمر والتبرّم من واجبات الارتباط الاجتماعي الذي هو الزواج والسبُّ والشتم للتنفيس عن الضغوطات النفسية يساوي في حرمته وجريمته وعقوبته تحريم “الكفر بالعشرة”. عن جابر رضي الله عنه، قال: شهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئاً على بلال، فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ الناس وذكّرهم، ثم أتت النساء فوعظهنَّ وذكرهنَّ، وقال عليه الصلاة والسلام: “تصدقنَّ فإن أكثركنَّ حطب جهنم”.. فقامت امرأة من سطة النساء سعفاء الخدين فقالت: لِمَ يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: “لأنكنَّ تُكثِرن الشكاة، وتكفرن بالعشير”.. فجعلنَ يتصدقنَ من حليهن، ويلقين في ثوب بلال.
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا﴾. النساء 31. وقد جاء في القرطبي عن ابن عباس في تفسير الكبائر قال: الكبيرة كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. انتهى. في الحديث الوارد أن المرأة التي تُكثر الشكوى أي التذمُّر والتبرُّم من أمور تنغّصها في حياتها مع زوجها مهما كانت كبيرة أو صغيرة، وتكفر بالعشير أن تجحد فضل زوجها ولا تراعي القواعد التي أرساها الله ورسوله في تنظيم حياتها بمعاشرة زوجها. أو أنها تضع قواعد أو تتصرف بحسب قواعد توافقها وتجاري هواها، هذه المرأة لا يختم الرسول صلى الله عليه وسلم حديثه بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب ليكون حكمه حكم الكبيرة أي من الكبائر المحرمة في الإسلام، بل قال: “أكثركنَّ حطب جهنَّم”. فالعياذ بالله عدد حبات الرمل على الأرض من هذه الفعلة ومن هذا المستقبل. فقد أبان الحكم الشرعي في الحديث أن مصير المرأة التي تكثر الشكوى وتكفر بالعشير هو استعمالها حطب جهنم. فهل يعني هذا أنه أي كثرة الشكوى والكفر بالعشير جريمة أكبر من جريمة الكبائر في الإسلام أي أكبر من الزنى واللواط وشرب الخمر والربا وقتل المؤمن و… أم أنه جرم من الكبائر في الإسلام، الله أعلم. ولكن لفظة “الكفر” والعقاب “حطب جهنم” يدل أنه أكبر من كبيرة أو أنه جزء من الكفر وباب من أبوابه.
**وما يوضح أن الزوجة بهذه القدرة على التحكم بنفسها أنها تدخل الجنة بغير حساب وأنها بذلك تتساوى مع الشهيد في دخوله الجنة بغير حساب الحديث عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، أنا وافدة النساء إليك، هذا الجهاد كتبه الله على الرجال، فإن يصيبوا أجروا، وإن قتلوا كانوا أحياء عند ربهم يرزقون، ونحن معشر النساء نقوم عليهم. فما لنا من ذلك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبلغي من لقيت من النساء: إن طاعة الزوج، والاعتراف بحقه، يعدل ذلك، وقليلٌ منكنَّ من يفعله". فهل بعد هذا التوضيح والتنوير لمصير المرأة الزوجة المطيعة بحاجة إلى محاولة فهم قوله صلى الله عليه وسلم: “ألا أخبركم بنسائكم في الجنة”. فالمرأة المطيعة والتي تستطيع أن تسترضي زوجها أجرها أجر الشهيد تدخل الجنة إن شاء الله وبرحمته دون حساب.
إن الزوجة الصالحة تدخل الجنة بمعية زوجها ورفقته. فإن من نعم الله على عبده الصالح أن يبقي له أحباءه المقرّبين إذا كانوا من أهل الجنّة بجواره ورفقته ومعيَّته. فكما يجتمع الصالحون في الدنيا يجتمعون في الآخرة إذا كانوا من السلالة ذاتها. والمرأة أقرب من الأب والابن لأنها من ضلع الرجل الزوج وليست من ضلع الأب. لهذا تلتحق المرأة الصالحة بزوجها في الآخرة وليس بأبيها أو أخيها أو أمها بل بزوجها. وفي آيات كثيرة يبيّن الله سبحانه أن من نعم الله على عباده الصالحين أن يدخلهم الجنة برفقة أزواجهم إن كنَّ من الصالحات والمعنى أن يستمر اجتماعهم في الجنة. وإن هذه النعمة من الله هي أيضاً للزوجة الصالحة. ونحن لا نفهم كيف أن هذه نعمة من الله سبحانه ومِنَّة يذكرنا بها بالعديد من الآيات لأن حال الجنة مما لا تطاله عقولنا ولا يقع عليه حسُّنا ولا علم لنا بشيء إلا بما يخبرنا به سبحانه وتعالى. في سورة الرعد 23 يقول سبحانه: ï´؟جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءَابَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍï´¾. وفي سورة الزخرف 69 و70 يقول تعالى: ï´؟الَّذِينَ ءَامَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ، ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَï´¾. ومن هذه الآيات نفهم أيضاً أن المرأة إذا دخلت الجنة فإنها لا بدّ أن تدخل الجنة مع زوجها إذا كان أيضاً من أهل الجنة ولا تكون في الجنة وحدها إلا إذا كان زوجها من أهل النار وإخبار الله أنها في الجنة مع زوجها أنّ المرأة في الجنة كما هي في الأرض تلتزم زوجاً رجلاً واحداً. دعاء الرجل اللهم أكرمني في الدنيا بزوجةٍ صالحة وأنعم عليَّ في الآخرة بصحبة زوجتي. دعاء المرأة اللهم أكرمني في الدنيا بزوج أدخل بطاعتك فيه الجنة وأنعم عليَّ في الآخرة بصحبة زوجي.
ثمرة البحث في هذا الموضوع أن قاعدة أعمال المرأة التي تتّخذ قرار دخول الجنة بطاعة زوجها وربِّها هو حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي روته السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: “سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أي الناس أعظم حقاً على المرأة؟ قال: زوجها، قلت، فأي الناس أعظم حقاً على الرجل؟ قال: أمه”. رواه البزار والحاكم.وإسناد البزار حسن. فطاعة المرأة لزوجها وليس لأحد من أب وأم أو من دونهما واجب الطاعة على المرأة فيما يخالف أمر زوجها أو حتى دون إذن زوجها. فليس للمرأة طاعة والدها أو والدتها أو أخيها أو أختها أو صديقتها أو جارتها ودون ذلك من غير إطلاع زوجها وموافقته. وإذا أردنا تعداد الأمور التي تلزم المرأة التقيّد بها من قبيل وضع الخطوط العريضة وإعطاء الأمثلة وليس من التجرؤ على حصرها، فهذه الأمور متعلّقة بحالة واحدة كونها زوجة ولا يغني عن واجبها الإلتزام بحكم الله في أمور الحياة الأخرى، لتحقيق غاية الزواج والنجاح فيه نقول:ـ
البقية تأتي لآحقاً
** دخول الجنّة بدون حساب
إمعان النظر بقوله صلى الله عليه وسلم “ألا أخبركم بنسائكم في الجنّة” وعدم قوله مثلاً: ألا أخبركم بنسائكم اللائي يدخلن الجنّة فيه لغزٌ كبير جدّاً والله أعلم. ولأن الجنَّة أكبر قصَّة في الوجود للإنسان، فإنّنا سنحاول معاً إمعان النظر في فهم ما يمكن أن يشير إليه هذا الحديث من خلال صيغته الكلاميّة ومن خلال ربطه بحديثٍ آخر ورد في بحثنا قد يلقي عليه ضوء الوضوح.
عليه الصلاة والسلام يقول: “بنسائكم في الجنّة” وهو وصفٌ لأمر واقع وليس لأمر يمكن الوقوع. فهناك نساء وهناك جنّة وهناك “نسائكم في الجنّة” فهو وصفٌ للنساء الزوجات اللاتي عاشرتموهنَّ في الدنيا. وتصوير الحديث: هل أخبركم عن زوجاتكم في الجنّة أي عن زوجاتكم في الدنيا اللواتي يكنّ لكم في الجنّة زوجات. وحديث الوصف للواقع هو التحدّث عن حقيقة مطلقة ثابتة لا ينكرها أحد. كأن يقول واحد للآخر عند رؤية طائرة: هذه طائرة. أو عند رؤية بناية: هذه بناية وهكذا. فالواقع المحسوس لا يتطرّق إليه الشكّ ولكنّ الجنّة ليست واقعاً محسوساً عند الناس أللهم إلاّ عند المؤمنين الذين يصدّقون تصديقاً جازماً مطلقاً بكلّ ما جاء في القرآن الكريم والحديث من وصف للمغيبات. لأنّ الإيمان بالأصل أي بمن أخبر وهو الله تعالى إيمان مطلق جازم والتصديق بقوله وبرسوله صلى الله عليه وسلم نهائي وقاطعٍ. تماماً كالتصديق بقول الله تعالى: ï´؟وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَï´¾ فهل يُنكر مؤمنٌ ذلك. فالحديث الشريف بلفظه الوصفي ينفي نفياً قاطعاً جازماً إمكانيّة أو احتمال عدم دخول الزوجة التي تعمل على اقتلاع الغضب والزعل والحزن والهمّ والاكتئاب والغمّ والإحباط أو ما يشابه من حالات النقمة والنرفزة المختنقة من صدر زوجها. بل أكثر من ذلك وأقوى. إنه صلى الله عليه وسلم يصف وجودها الأبدي قبل أن يصف حالها المؤقتّة في الدنيا. لأنّ عمر الإنسان في الحياة الدنيا قصير جدّاً ليس بالنسبة لطول الخلود لأنّه لا يمكن مقارنة المحدود بالخالد بل هو قصير بواقعه وبأنّه مؤقّت وهو مجرّد مرحلة، كحالة الموت مهما طال زمنها فإنّها مجرّد مرحلة. فحياة الخلود في الجنّة أو في النار هي التي يجب أن تكون محور تفكير وأعمال الإنسان في الحياة لأن هذا التفكير وهذه الأعمال هي التي تقرّر، برحمة الله، المصير الأبدي.
شيء آخر يدلّ عليه استفهام رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا أخبركم بنسائكم في الجنّة” ولماذا لم يقل ألا أخبركم عن النساء في الجنّة. نميل إلى فهم إشارته صلى الله عليه وسلم إلى أنّ المرأة التي تتزوج في الحياة وتدخل الجنّة بطاعتها لزوجها إنّما تكون في الجنّة زوجة لهذا الرجل عينه وليس أنثى طليقة تفعل ما تشاء. ولا يقال إنّ ذلك ظلم لأن خاصيات الإنسان في الجنة هي خاصيات أهل الجنة وليست خاصيات أهل الأرض فليس في السماء تعب أو نصب بل قطوفها دانية والخدم كثير بين أيدي أهلها، وقد خلقه الله كاللؤلؤ والمرجان وخاصيات التعب والغضب والحاجة والجوعة والإفراز والملل والعتب والكره والتملك والبخل والتكبر وغير ذلك كثير، كلها قد نزعها الله في الإنسان ليحيا حياة الهناء والسعادة فقط. فأن تكون المرأة ذات زوج في ذلك العالم أمر غاية الإكرام للمرأة وهو حظٌ عظيم خصّها الله فيه لأن الرجال في الجنة الذين تلحق بهم زوجاتهم قلّة فعدد الزوجات اللواتي يدخلن الجنة قليل كما أخبرنا بذلك عليه الصلاة والسلام. وموضوع إكرامه تعالى للمرأة التي يخصّها بزوجها في الجنة فيه سرٌ لا يمكن أن ندركه لأننا لم نطلّع على واقع الحياة في الجنة. ولكن دور الرجل في الحياة كان معها دور راع أي حام ومسؤول وقد أدّى دوره في الحياة بنجاح حتى استطاع، برحمة ربه، أن يُدخلها معه في الجنة. نقول استطاع لأنّ منع المرأة من الشطط في الحياة والوقوع في معصية زوجها من ضمن مسؤولية الرجل في الحياة. وهذا المنع إذا نجح هو الذي يعطي الفرصة للزوجة لتدخل الجنة. فللزوج دور كبير في دخول المرأة الجنة في حال استطاع التأثير على زوجته، ولا نقول إنه السبب الوحيد ولا في غالب الأحيان، ولا شك أنه يمكن للزوجة أن تدخل الجنة بينما زوجها في النار ولكننا نعتقد أن ذلك حالات قليلة وليست الكثرة منها. فإذا دخل الرجل النار فغالباً ما تدخل معه النار، نعود إلى إكرام الله للمرأة التي تدخل الجنة، وهي لا تدخلها إلا بطاعة زوجها، فإنها قد خصّها الله براعٍ في الجنة. وهنا نتحيّر: هل هذا الإكرام منه تعالى هو فقط للمرأة التي وصفها الرسول بقوله: “كلَّ ودود ولود، إذا أغضبت أو أسيء إليها، أو غضب زوجها، قالت: هذه يدي في يدك لا أكتحل بغمض حتى ترضى”. هل هي المرأة التي وصلت إلى هذا الكمال في إيمانها بأن حرصت أن تُدخل السرور إلى قلب زوجها وتنسيه متاعب يومه ومنغصِّات سعيه في مناكب الدنيا، هل وحدها تلك الزوجة: التي تجعل التودّد لزوجها طريقة للتعامل معه؛ واسترضاؤه إذا غضب منها وترويح غضبه المتجمّع من غيرها، هي التي كتبها الله من أهل الجنة بحساب أو دون حساب، أوَحدها الزوجة بهذا الرقي في الإيمان والإخلاص في التعبّد لله تُؤجر بتكريم الله وتلتقي زوجها أيضاً في الآخرة، أم أن هذا العطاء الزائد والتخصيص منه تعالى يشمل كل امرأة تدخل الجنة؟ الله أعلم في ذلك ولا شك.، ولكننا من قراءة الحديث مرة أخرى وهو عن أنس بن مالك قال النبي: “كل ودود ولود، صلى الله عليه وسلم إذا أغضبت أو أسيء إليها، أو غضب زوجها، قالت: هذه يدي في يدك لا أكتحل بغمضٍ حتى ترضى”. إن الحديث وصف لمخلوق حي كائن في الجنة لا محالة. وتحديد لما سيكونه في الجنة. وتفصيل مواصفات لعمل يقوم به هذا المخلوق في حياته. لهذا فالله يشرح صدري إلى الفهم أن التقاء الزوجة بزوجها في الجنة غاية تكريم الله للزوجة التي تدخل الجنة بفعل طاعتها وإرضاء زوجها والتودّد إليه في كل حال. والله أعلم بحكمة وفضل ذلك على سائر عطاياه وإحسانه إلى خلقه لأنه لا يعلم واقع الجنة إلا من خلقها كما لا يعلم واقع الحياة إلا الذي خلقها وهو الله تعالى. والسؤال المحيّر كم مرة سمعنا أو عرفنا أو نُقل إلينا أن هناك في بيت ما من عائلة ما أو تحت رجلٍ ما يوجد امرأة زوجة بهذه الصفة التي تتواجد بنفحة إيمان مطلق، الواقع أن هذه الصفات نادرة جداً في النساء
.**
المرأة الودود تقفز إلى الجنّة
هذا البحث في الجهل يؤدّي إلى النار، والإيمان أي العمل بحسب الحكم الشرعي يؤدّي إلى الجنّة وهو عام في الذكر والأنثى من البشر. ولكنّ المرأة لا تحتاج للعمل المتعدّد المتنوّع للدخول في جنّة الله. فعالمها قليلةٌ مهمَّاته، خفيفةٌ مسؤوليّاتُه بإنعام منه تعالى قلَّصه وصغَّره في عبئه وليس في أهميّته، تسهيلاً وتهويناً منه تعالى للمرأة المؤمنة لتدخل جنّتَه بأيسر السبل وأقصر الطرق، ويكاد المرء يحسّ من التهوين الذي يسّره الله على المرأة أنّه أَذِن للمرأة أن تدخل الجنّة قفزاً. في الحديث الشريف عن أنس بن مالك عن النبي r قال: “ألا أخبركم بنسائكم في الجنّة؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: كلّ ودودٍ ولود، إذا أغضبت أو أسيء إليها، أو غضب زوجها، قالت: هذه يدي في يدك لا أكتحل بغمضٍ حتى ترضى”. الزوجة التي تطيِّب خاطر زوجها إذا أساء إليها وتسرِّي عنه هموم الحياة التي تُغضب الرجل دون أن يكون لها يدٌ في ذلك، تلك المرأة التي تعمل على ترويح الغضب وتنفيثه من صدر زوجها إذا كانت سبب الغضب أم كان غيرها السبب، هذه هي المرأة التي تدخل الجنّة، ومن بابٍ أولى أن تكون صفة المرأة التي تدخل الجنّة تلك التي تطيع زوجها ولا تعصيه لأنّ الطاعة أهمّ وأكثر وجوباً من الترويح عن نفس الزوج ومن بابٍ أولى حفظه في غيبته ومن بابٍ أولى عدم سبّه وشتمه.
والدليل المتكرّر أنّ المرأة التي تدخل الجنّة لا تدخلها إلاّ برضى زوجها عنها في الحياة هو قول الرسول r: “أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راضٍ دخلت الجنَّة”.طبعاً هذا الحديث يفترض بالمسلمة تأدية حقّ الله بالعبادة وحفظ العورة وغيرها من الفروض الشرعيّة. وفي تعداد أوصاف المرأة التي هي أصلح النساء وخيرتهنَّ ما جاء أيضاً في حديث أبي هريرة عن النبي r: قيل يا رسول الله أيّ النساء خير؟ قال: “التي تسرُّه إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها، ولا تخالفه في نفسها ولا مالها بما يكره”. فصفة الزوجة التي تُدخل المسرَّة على قلب زوجها من صفات النساء اللاتي يَدخلن َالجنَّة وهو عمل يلزم المرأة القيام به تجاه زوجها كطاعته وحفظ كرامته وسمعته وماله في غيبته وعدم مخالفته في سُبُل إنفاق مالها.
في حديث الرسول r: “ألا أخبركم بنسائكم في الجنّة؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: كلُّ ودود ولود، إذا أغضبت أو أسيء إليها، أو غضب زوجها، قالت: هذه يدي في يدك لا أكتحل بغمضٍ حتى ترضى”. في هذا الحديث إشارة إلى المرأة التي تتفوّق على البقيّة من النسوة في الجنة. فيه وصفٌ للمرأة التي امتلك عليها الإيمان لبَّ قلبها وعقلها. الإيمان وطاعة الله فرضت عليها طاعة زوجها وأن تحسن استقباله إذا دخل المنزل فتبتسم وترحّب به أجمل الترحيب. والإيمان فرض عليها خفض صوتها بالحديث معه ومنع علوّ صوتها على صوته واستعمال لين القول ومنع استعمال سيّئه. وفرض كذلك حفظ الزوج في غيبته أي لا تتحدّث عنه بسيّء ولا تجلس في مجلسٍ يتحدّث فيه عنه بسيّء ولا تصاحب من لا يرضاه من النساء سرّاً أو علناً ولا تزور مَن لا يرضاه مِن صديقاتها وأقاربها ومحارمها ولا تُدخِل البيت من يكره. ولا تُنفق من ماله أو مالها إلاّ بعلمه وموافقته. فإن فعلت هذا وما هو أدنى من هذا وصلّت وصامت وصانت فرجها دخلت الجنّة. ولكنّ الودَّ والإرضاء والتفريح وإدخال السرور والبهجة إلى قلب الزوج عملٌ لا يقوم به إلاّ مَنْ ملك الله عليه عقله وملأ قلبه بالإيمان. فإذا كان عمل المرأة الرئيسي والأوّل والأهمّ في الحياة هو طاعة زوجها وبه تدخل الجنّة فإن الإمعان في طاعته والمحبّة في طاعته والتفنّن في طاعته يؤدّي إلى العمل لإدخال السرور إلى قلبه، ومتى وصلت المرأة إلى هذا الحدّ من الشعور بالمسؤوليّة تجاه زوجها، مسؤوليّة إدخال السرور إلى قلبه وانتزاع القلق والاضطراب والحزن والغضب والكدر والنغص من قلبه، فإنّها بذلك تصل إلى حدّ الكمال في إيمانٍ ولهذا دمغها الرسول r بالمرأة الودود عكس المرأة المتجافية بأنّها من أهل الجنّة وسكّانها. وأنّه لا خوف عليها في الآخرة فقد جاء في علم الله المسطور أنّها حصلت على ضمانتها بدخول الجنّة.
.
الجهل … أقصر طرق جهنّم
عدم الوعي على الحرام حين فِعله هو أكثر الأسباب انتشاراً بين الناس وأتفه الأسباب التي يدخل الإنسان بها النار. فالجهل بحكم الله عند مباشرة الفعل هو أقصر الطرق إلى جهنم، لأن الجهل فخُّ الشيطان الكبير وصفة من صفات الحيوان بل جزء من طبيعته. فالذي يجهل يصفه الله بأنّه من الدواب بل من شرِّ الدواب مصداق قوله تعالى:﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾. الأنفال 55. والكفّار موصوفون في عدّة مواضع بالجهل. ثم إنّ الجهل عكس ما تميّز به وما فُطر عليه الإنسان الذي فطره الله على التعلُّم والحفظ والتذكُّر والتدبُّر والمقارنة والموازنة والقياس والاستنتاج. فالجهل طمسٌ لما لقّنه الله لآدم عليه السلام وطمس للإسلام وتعطيلٌ لحكم الله. فالجهل فعلٌ حرام بالأصل وهو محرَّم بذاته فكيف يكون عذراً لفعل حرام. والجهل جريمة نكراء لأنّه فعل استهانة بجدّية الحياة وحتميّة الحساب بعد الموت، وهو فعل استهانة ولا مبالاة بحكم الله، وهو ما يوازي الاستهزاء بقول الله تعالى وهو يؤدّي في أحسن حالاته إلى المعصية وفي كثير من الأحيان إلى الكفر والشرك.
والجهل بأحكام الله هو جهلٌ بدين الله وهو نمط الحياة في عالم إبليس التي لا يحيا فيها إلاّ عباد الشيطان. وكما أنّ المؤمن يطيع الله بعلمه في أحكامه فالجاهل يطيع الشيطان بجهله بأحكام الله. وكيف يقبل الله عذر الجهل بحكمه وهو يصف القرآن الكريم بقوله: ﴿إن هو إلاّ ذكرٌ للعالمين﴾. [88 الزمر]. وفي القرآن الكريم وردت كلمة الجهل بمعنى الكفّار والكفر والأمر بالكفر. في سورة الأنعام آية 111 يقول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾. أي يكفرون وفي الزمر 64 يقول سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُوني أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾. فالجاهل في هذه الآية يأمر بعبادة غير الله أي بطاعة من يأمر بغير أمر الله. في الآية السابقة الذين يجهلون هم الكافرون أمّا في هذه الآية فإنّ الجاهلين هم الذين ينوبون عن الشيطان بدوره، فإبليس يأمر بعبادة وطاعة غير الله والجاهلون يأمرون بعبادة وطاعة غير الله. وغنيّ عن القول إنّ طاعة غير الله من مثل طاعة نفسٍ أو هوىً أو عقل أو إنسان في أيّ أمر إنّما هي طاعة للطاغوت أي الشيطان نفسه ولو تمثّل في محبّة أو كراهية أو قناعة أو سلطان. فالجاهلون في هذه الآية رسل إبليس في الواقع والحقيقة وليس بالمجاز أو استعارة الوصف. وفي سورة النمل 55 يقول الله في كتابه الكريم: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. فالجهل كفرٌ وأقلُّ أحكامه القتل على فعلةٍ من فعاله وهو اللواط. لهذا لا يمكن لإنسان يؤمن بالله واليوم الآخر وقد أدرك القرآن الكريم وسنّة الرسول r ويقبل بوصف الجاهل بل كلّ مؤمن يعلم حكم الله بالعمل الذي يباشره ينفي عنه صفة الجهل ويدمغه الله بوصف المؤمن. فالجهل والإيمان ضدّان لا يجتمعان أبداً لأنّ الجهل عالم الشيطان، والمعرفة بحكم الله والتقيُّد به فعل إيمان وهو عالم عباد الله، أهل الجنّة. والجاهلون كفّار والمؤمنون لا يقبلون الجهل ولهذا ليس للشيطان عليهم سبيل.**
**وهذا واضح في نص الآية: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ فالسلطان معناه النفوذ والتأثير وهو السيطرة. فكما خلق الله في الحديد خاصية القطع وفي الملح خاصية الذوبان كذلك خلق في الشيطان خاصية التأثير على الإنسان. وكما سحب الله خاصية القطع من السكين عند محاولة ذبح النبي إسماعيل وبذلك امتنع ذبحه، وكما سحب الله خاصية الإحراق من النار عند محاولة حق النبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام وبذلك امتنع حرقه، كذلك سحب الله خاصية التأثير من إبليس على من ارتضى من الناس سلطان الله عليه والدخول في عالم عبادة الله. ﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا﴾، أي أن الله رب إبليس والبشر وكل شيء هو الحامي والحارس والقيِّم على التأكد من أن تأثير إبليس لا يصل إلى المسلم الذي يعيش في عالم عبادة الله أي التقيّد بحكم الله، بل بمدى تقيّد الفرد بحكم الله عند مباشرة الفعل. إذ كلما قلّت الأفعال قلّ احتمال الجهل بالحكم وقلّت احتمالات المعصية وبالتالي كبر احتمال الوصول إلى الجنة. فقلة الأفعال تقصِّر الطريق إلى الجنة وكثرة الأفعال تطيل الطريق. ولّما كان واقع طبيعة المرأة يقصِّر مسؤولياتها الحياتية على رعاية أولادها ومعاشرة زوجها بالمعروف الذي أبانه الله، كانت طريق الجنة أقصر ما يكون للمرأة الزوجة، وإذا سمعنا قول الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عمّة حصين بن محصن رضي الله عنه يستفسر منها عن حال زوجها معها ليطمئنّ على آخرتها، وينصحها بإرضاء زوجها ويقول لها “فإنّه جنّتك ونارك” (رواه أحمد والنسائي بإسنادين جيّدين والحاكم وقال صحيح الإسناد) أدركنا أنّ المرأة، الزوجة المطيعة لزوجها وربّها، تصل الجنّة بأقصر الطرق على الإطلاق. والرجل بحكم مسؤوليّاته لمواجهة مشاكل الحياة عليه التعامل مع وقائع متجدّدة ومتعدّدة طوال حياته. وإذا عرفنا أنّ الأئمّة مالك وأبو حنيفة والشافعي وابن حنبل وجعفر الصادق رضي الله عنهم أجمعين بلغت مسائل بعضهم مائة وعشرين ألف مسألة تصدّى لعلاجها، عرفنا حجم صعوبة وصول الرجل إلى الجنّة وطول طريقه إليها لكثرة وتنوّع ما عليه الاشتغال به في الحياة. بينما المرأة تدخل الجنّة بفعل أربع. قال صلى الله عليه وسلم: “إذا صلّت امرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنّة من أيّ أبواب الجنّة شئت”. رواه أحمد والطبراني.
طبعاً لا يفهم من هذا الحديث أنّ المرأة التي تشرب الخمر تدخل الجنّة ولا أنّها تدخل الجنّة إن كشفت عورتها ولم تزنِ أو أنّها صلّت ولبست لباس الرجال. فأحاديث الرسول r صلى الله عليه وسلم يظلّلها حديث تعريف الإيمان وشرط الشهادة بتأدية حقّها. وحقّ الشهادة: الإيمان بكلّ ما جاء بالإسلام أي بالقرآن الكريم والسنّة والعمل به. لذلك يكون هذا الحديث بياناً لأعمال المرأة الأساسيّة بالحياة وتحديداً لرسالتها في الحياة. وهذا البيان الواضح لدورها الأساسي في الحياة هو الذي يبيّن مدى سهولة دخول المرأة الجنّة. وهو فضلٌ كبير من الله على جنس النساء لو تعلمه النساء. وهو ما تدمع له عين المؤمن عندما يرى قرب الجنّة من المراة وتعامي المرأة وتجافيها عن الدخول إليها، بينما ينظر إلى مكانه وكم عليه من السعي وتحمُّل أعباء الطريق للوصول إلى الجنّة والدخول فيها. شرط الإيمان شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله وشرط الشهادتين ما جاء في قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء 65]. وفي الإيمان قال الحسن البصري: ليس الإيمان بالتحلّي ولا الدين بالتمنّي ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال.
ومع هذا التبسيط للأمر على المرأة ومع أنّ الله كاد أن يجعل الجنّة محتّمة للمرأة إلاّ أنّ الرسول r يقول:“أقلّ ساكني الجنّة النساء” ويقول: “أكثركنَّ في النار”. في مراقبة النساء قد نجد معظمهنَّ يُقِمنَ الصلاة ويصمن الشهر ويمتنعن عن الزنى، ولكن الشكّ يحوم حول الأكثريّة في طاعة أزواجهنَّ. ثم إنّ كون طاعة الزوج هي العامل الرئيسي والمؤثّر في تقليل عدد النساء والمؤهّلات للدخول إلى الجنّة هو أنّ الرجال يدخلون الجنّة وهم أكثريّة سكّانها بالرغم من طول الطريق عليهم ولكنّهم غير مأمورين بطاعة الزوجة. بعمليّة حسابيّة بسيطة نستنتج أنّ طاعة الزوج عند المرأة هي الامتحان العسير لها. فالصلاة والصوم وعدم الزنى فرائض على الرجل والمرأة سواء بسواء، طاعة الزوج على المرأة كالجهاد على الرجل. طاعة الزوج محكَّ إيمان المرأة والجهاد محكُّ إيمان الرجل وأجرهما متعادلان. فالكثرة من الرجال تُقبل على الجهاد ولا تقع في فخّ خطيئة التردُّد. بينما كثرة النساء تتناسى أو تتغاضى عن وجوب طاعة الزوج، وقد تتكاسل عن إرضائه وطاعته، وقد تجهل ذلك الوجوب وتعامله بتكيُّف مزاجها وانفلاش أو انحسار عاطفتها ومحبّتها، أو تعامله بحسب انفعالاتها وإفرازاتها الجسديّة. فيقعنَ لأيّ سبب كان بفخ خطيئة المعصية وأكثريّة النساء تميل إلى تبرير معصية الزوج وتتوهّم أنّ الله يقبل عذرها في المعصية، فيقع أكثرهنَّ في الحرام يستوجب النار. لأنّ الحساب في يوم الدين لا يوجد فيه تبرير لفعل الحرام بل السؤال هل فعلت المعصية أم لا، وليس لماذا فعلتَ المعصية؟ مصداق ذلك قول الله تعالى:﴿ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. [147 الأعراف].
الزوجة التي تكون من أهل الجنة
يقول الله تعالى في محكم تنزيله يخاطب إبليس ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا﴾. الإسراء 65. هذه هي قاعدة الحكم على الإنسان إن كان مصيره الجنة أو النار، وهذه الآية قسمت الجنس البشري بين الله تعالى وإبليس. من اختار أن يكون عبداً لله فلا سلطان لإبليس عليه، فما هو الستار الذي يسدله الله على عباده ليحجب عنهم الشيطان وما هو الجدار الذي يبنيه العبد ليمنع الشيطان من النفاذ إليه؟ السر يكمن في معنى العبودية لله، فهي الستار وهي الجدار. العبدُ هو الذي لا يملك حولاً ولا قوةً لنفسه، ففي الأصل أن الإنسان مخلوق كسائر المخلوقات دون حول أو قوة، ولكن الله استثناه فأكرمه بنعمة العقل أي القدرة على الاختيار بالفهم الصحيح أو الخاطىء والقدرة على الاختيار بالقول والعمل بالخير أو الشر.
فالإنسان الذي يتوقّف عند كل عمل ليسأل الله ورسوله كيف يقوم به هو الذي اعتمد حكم الله سيداً في كل عمل وهو الذي قرّر الحياة بنعيم عبودية الله. هذا الإنسان، رجل أو امرأة أعاد قدرة الاختيار التي منحه الله إياها إلى صاحبها أي الله ورضي أن لا يستعملها لأن استعمالها غير وارد مع قراره بالتسليم لحكم الله. وهذا التخلي عن استعمال القدرة على اختيار نظام القول والفعل هو الدخول في عالم “عباد الله”. صحيح أن الكل ـ المؤمنين والكفار ـ عباد الله واقعياً إلا أن وصف “عبادي” في الآية تعني الناس الذين اختاروا طاعتي ولا تعني الناس الذين خلقتهم وأرزقهم وأتوفاهم وأبعثهم وأحاسبهم. فهؤلاء الذين اختاروا طاعتي وأصبحوا خاصتي من الناس ليس لك عليهم سلطان. والجدار السميك بينهم وبين الشيطان هو حدث تلقائي ينتج طبيعياً عن قرار التقيّد بحكم الله، فهو ليس عملاً مقصوداً بذاته. إبليس يأمر بمعصية الله بالإيحاء والإغراء والتكاسل والجبن إلى ما هنالك، ولكن قرار الطاعة لله لا يلتفت إلى هذه الأشياء والأصح أنه ينبذها. فليس في عالم الطاعة لله إغراء بمعصية، أو تكاسل عن فرض، أو جبن عن فعل؛ وهكذا. فجميع وسائل إبليس ليست موجودة في عالم طاعة الله. من هنا لا يستطيع إبليس حتى التواجد أصلاً بين الذين يصفهم الله “عبادي” فكيف بالقدرة على المحاولة. ومنذ مجيء الإسلام لم يعرف مؤمن عالِمٌ بدينه مشكلة مع إبليس، وكل المسلمين الذين يعانون مشاكل معه أي يقيمون علاقة معه أي أنه عنده إمكانية استعمال وسائله معهم لا يعيشون حياة الطاعة التي أمرهم بها الإسلام. طاعة الله تستوجب العلم بحكم الله إن كان أمراً أو نهياً قبل التصريح بالقول أو مباشرة الفعل. والعلم هنا ليس مقصوده الإحاطة بأحكام الله بل معرفة الحكم المتعلّق بالعمل الذي يرغب الإنسان به. مثلاً ينجس المرء بحدث، أولاً ما هو النجس وما هو الحدث الذي يكون نجساً يستوجب التطهر منه هذا علم بفعل التطهر. مثلاً يعمل الإنسان ليرزق المال، أولاً ما هو المال الذي يمكن أن يملك وما هو المال الذي يُمنع تملكه، بأي الوسائل أباح الشرع امتلاك المال وبأي الوسائل حرّم الشرع امتلاك المال وما هو حقّ الله في المال المملوك؟ هذا علم بفعل التملك. مثلاً ترغب الفتاة بالتزوج؛ ما هو حقّ زوجها عليها، كيف تستقبله، كيف تحادثه، كيف تتصرف في غيابه، كيف يستبيحها، حدود طاعته، هذا علم في الزواج. فليس من الضروري والمهم أن يعلم المسلم نظام المشاركة في الإسلام، أي الشركات، إذا لم يكن وارداً عنده أن يعمل شريكاً مع آخر. وليس مهماً أو ضرورياً أن يعلم المسلم حكم نفقة المطلقة إذا لم يكن ينوي الطلاق. فالواجب يحتّم معرفة الحكم في كيفية القيام بالعمل إذا عزم على العمل، فالإسلام مفاهيم فكرية للعمل بها وليس نظريات فكرية للتفاخر بها. والإنسان عندما يعي حكم الله في العمل الذي يقوم به، يبني لنفسه عالماً ليس لإبليس فيه خبز ولا ماء، ولهذا لا يقربه إبليس. تماماً كالإنسان لا يمكن أن يتواجد صدفة في صحراء قاحلة لا ماء ولا زرع فيها لأنه سرعان ما يموت. هذا النوع من البشر هو الذي يدخل في ظلال كلمة “عبادي” ويُحجب عنهم سلطان إبليس وستارة الله عليه هي رحمة الله التي تمنع قرب الحرام منه أو قربه من الحرام وهي نعمة لا تسبغ إلاّ على من قال الله لروحه ﴿ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾.
هذا التحصين، هو في الحقيقة حياة في عالم ليس للشيطان إمكانية للحياة فيه وواجب على كلّ امرىء رجلٍ كان أو امرأة، إيجاد الحالة المعيشية التي لا يتعايش فيها الشيطان وهو فرض لا يتأتى بذاته بل بالتقيد بحكم الله، وهو ما يُدخل الرجل أو المرأة في الجنة.
الفصل الرابع
ـ الزوجة التي تكون من أهل الجنّة
1ـ الجهلُ أقصر طرق جهنّم
2ـ المرأة الودود تقفز إلى الجنّة
3ـ دخول الجنّة بدون حساب
ـ الزوجة الملعونة
1ـ لعنة السماء والأرض على …!
2ـ لعن المرأة تمتنّع على زوجها
3ـ المرأة حطب جهنّم بكثرة الشكوى واللعن والكفر بالعشير
4ـ المترجّلة من النساء
5ـ جهنّم للمرأة الناشز والفاحش
ـ الإحداد**
**إثرةُ المؤمنين
بلغنا عن عبد الله ابن أخت مسلم بن سمعدان أنّه قال: أردتُ الحجَّ فدفع إليَّ خالي عشرةَ آلافِ درهم وقال لي: إذا قدمتَ المدينة فانظر أفقر أهل بيت في المدينة فأعطهم إيَّاها. فلمّا دخلتُ سألتُ عن أفقر أهل بيتٍ في المدينةِ فدللتُ على أهل بيتٍ فطرقتُ البابَ فأجابتني امرأةٌ: مَن أنتَ؟ قلتُ: رجلٌ من أهل بغداد أودعتُ عشرةَ آلاف درهم وأُمرتُ أن أسلِّمها إلى أفقر أهل بيتٍ بالمدينة وقد وُصفتم لي فخذوها فقالت: يا عبد الله إنّ صاحبك اشترطَ أفقر أهل بيتٍ وهؤلاء الذين بإزائنا أفقر منّا. فتركتهم وأتيت أولئك فطرقتُ الباب فأجابتني امرأة فقلت لها ما الذي قلتُ لتلك المرأة فقالت: يا عبد الله نحن وجيراننا في الفقر سواء فاقسمه بيننا وبينهم.
وصيَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة
عن عمرو بن سعيد( ) قال: كان في عليّ شدّة على فاطمة سلام الله عليهما فقالت: والله لأشكُوَنَّكَ إلى رسول الله r فانطلقت إلى رسول الله r فانطلق علي فقام حيث يسمع كلامهما فشكت غلظ عليّ عليها وشدّته فقال: “يا بنيَّة استمعي واعقلي فإنّه لا امرأةً بامرأةٍ لا تأتي هوى زوجها وهو ساكت”. قال علي فرجعت فقال: والله لا آتي شيئاً تكرهينه أبداً فقالت: والله لا آتي شيئاً تكرهُهُ أبداً.
وصيَّة أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها للنساء
عن عائشة رضي الله عنها قالت: يا معشر النساء، لو تعلمنَ بحقِّ أزواجكنَّ عليكنَّ لجعلت المرأة منكنَّ تمسح الغبار عن قدمي زوجها بحر وجهها( ).
أم الدحداح
عن أنس أنّ رجلاً أتى النبي r فقال: يا رسول الله إنّ لفلان نخلة وإنّما قوام حائطي (منزلي أو سور منزلي) بها فأمره أن يعطيني حتّى أقيم بها حائطي فقال رسول الله r: أعطِها إيَّاه بنخلةٍ في الجنَّة. فأبى، فأتى أبو الدحداح( ) الرجل فقال: بعني نخلتك بحائطي (منزلي أو بستاني)؛ ففعل فأتى أبو الدحداح النبي r فقال: يا رسول الله إنّي قد ابتعت النخلة بحائطي فاجعلها لهُ فقد أعطيتكها فقال رسول الله r: “كم من عزق( ) رداح لأبي الدحداح في الجنّة”. قالها مراراً فأتى أبو الدحداح امرأته فقال: يا أمَّ الدحداح أخرجي من الحائط فقد بعته بنخلة في الجنّة فقالت: ربحَ البيع ربح البيع أو كلمة تشبهها( ).مهرُ مؤمنة
عن أنس بن مالك قال: خطب أبو طلحة( ) أمَّ سليم فقالت: ما مثلك يردُّ ولكن لا يحلُّ لي أن أتزوَّجك يا أبا طلحة وأنت كافر، فإن تُسلم فذلك مهري ولا أسألك غيره. فأسلم فتزوَّجها. قال ثابت فما سمعنا بمهرٍ قط كان أكرم من مهر أم سليم في الإسلام. وعن أنس بن سيرين عن أنس بن مالك قال: كان النبي r يدخل على أمِّ سليم فتبسط له النطع فيقيل عندها فتأخذ من عرقه فتجعله في طيبها.
… وتخفِّف عن زوجِها فاجعَتهُ
وعن أنس أنّ أبا طلحة زوج أمِّ سليم كان له ابنٌ منها يُقال له حفص غلام قد ترعرع فأصبح أبو طلحة وهو صايم في بعض شغله فأقبلت أمُّ سليم على ذات بيتها فخرج الغلام يلعبُ مع الصبيان فلمّا جاء الغلام للغداة اضطجع على فراش مزمل بقطيفة فلمّا صنعت أمُّ سليم غذاء بيتها جعلت تصرخ فتناديه فلا يستجيبُ لها فلمّا رأت هذا شأنه كشفت عن وجهه فوجدتهُ قد قبض في منامه فزملته (غطّته) كهيأته وأقبلت على ذات بيتها حتَّى إذا أمست جاء زوجها أبو طلحة فقرَّبت فطره فقال: إدعي لي ابني حفصاً يأكل معي قالت: إنّه قد فرغ. فلمّا فرغ الشيخ من فطره دنت منه حتَّى إذا أصابت ما يصيب الرجل من أهله وفرغ قالت: يا أبا طلحة أرأيتَ لو أنّ رجلاً أعارك عارية فاستمتعت بها زماناً وقرَّت به عينُك ثمَّ بدا لهُ أن ينتزعها منكَ أكنتَ واجداً عليه في نفسكَ؟ قال: لا وأبيك إذن لقد ظلمت قالت: فإنّ ابنك حفصاً أعارك الله عزَّ وجلَّ ما شاء ثمَّ بدا له أن ينتزعه وهو أحقّ به، قال: “إنّا لله وإنّا إليه راجعون” ثمَّ قاما فجهزَّاه حتَّى فرغا منه.**
**نساءً عِشنَ الهُدى
سرد قصص من حياة البشر عِبَرٌ لمن يريد أن يستهدي بوقائع وأحداث واقعية. وليس خير من التعرف على نمطِ عيش إخوان وأخوات سبقونا في حياة قضوها في التقيّد بالحكم الذي أمر به الله ورسوله نستهدي. فكانت حياتهم حياة تفاخر على الشيطان وإذلال له ولزبانيته بطاعتهم المطلقة لله ولرسوله. المؤمنون يقضون حياتهم بعزّة وطمأنينة لا يدركها الإنسان بالقول أو بالوصف ولكن بمقدار حياة الطاعة وشرف العبودية العقائدية والتصديق الجازم لحكم الله ورسوله. يمتازون على العباد كلهم في الحياة الدنيا بتجسيد الإيمان في قولهم وفعلهم، ويتفاخرون على العباد كلهم يوم القيامة بما امتازوا فيه من تصديق قول الله وطاعته في حكمه في الحياة الأولى.
بعض الصور القليلة جدّاً من حياة المؤمنين نوردها لتقريب واقع الحياة التي فرضها الله ورسوله علينا حتى لا يبقى في ذهن إنسان مسلم وهمٌ أن الحياة التي أمرنا بها الإسلام هي حياة مثالية يصعب العيش بها فنتحوّل فوراً عن مسلمين إلى مؤمنين فنأمن ونهنأ بأمان الله ويُنزَعُ من قلوبنا الفزع من يوم الحساب بتنزيل السكينة على قلوبنا في الحياة الآخرة من الله تعالى كما وعدنا الله الجبار المتعالي بقوله في قرآنه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ﴾ ونتحرّر من المعصية التي تكبُّ العُصاة على وجوههم في النار بقوله سبحانه في قرآنه: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾. ونتذكّر قبل كل عمل قول الخالق العادل في قرآنه: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. [89/90 النمل].
ثقةُ بنيَّةٍ بالخالق
إختار( ) بعض الأمراء بنات حاتم الأصمّ فطلب ماءً فسُقي فرمى إليهم شيئاً من المال فوافقه أصحابه فبكت بنيّة صغيرة لحاتم فقالوا: ما يُبكيكِ قالت: مخلوقٌ نظر إلينا فاستغنينا فكيف لو نظر إلينا الخالق سبحانه وتعالى!.
المؤمنةُ تحضُّ المؤمنَ
تزوَّج رباح القيس امرأةً فنام أوّل الليل ليختبرها فقامت ربع الليل ثمَّ نادته قم يا رباح فقال: أقوم. فقامت الربعَ الآخر ثمَّ نادتهُ: قُم يا رباح فقال: أقوم. فقامت الربع الآخر وقالت: مضى الليل وعسكر المحسنون وأنت نائم ليت شعري مَن غرَّني بكَ يا رباح؟
وعمرة امرأة حبيب كانت توقظه بالليل وتقول: قم يا رجل فقد ذهب الليل وبين يديك طريقٌ بعيد وزاد قليل، وقوافل الصالحين، قد سارت قدَّامنا، ونحن قد بقينا.
الأمُّ وجهاد أبنائها
لّما اجتمع الناس بالقادسيّة دعت خنساء بنت عمرو النخعيّة( ) بنيها الأربعة فقالت: يا بنيّ إنّكم أسلمتم طائعين وهاجرتم وما بنت بكم الدار ولا أقحمتكم السنة ولا أراد لكم الطمع والله الذي لا إله إلاّ هو إنّكم لبنو رجلٍ واحد كما أنّكم بنو امرأةٍ واحدةٍ، ما خنتُ أباكم ولا فضحتُ خالكم ولا غيّرتُ نسبكم ولا وطأت حريمكم ولا أبحتُ حماكم، فإذا كان غداً فاغدوا لقتال عدوِّكم مستنصرين الله مستبصرين. فغدوا وقاتلوا، وكانوا إذا جاؤوا بأعطيتهم يضعونها في حُجرها فتقسم بذلك بينهم حفنة حفنة فما يفاء واحدٌ من عطائه درهماً.
امرأةٌ تخشى ربّها بالغيب
عن عبد الله زيد بن أسلم عن أبيه عن جدّه قال: بينما أنا مع عمر بن الخطّاب رضي الله عنه وهو يعس( ) المدينة إذ أعيا فاتَّكأ على جانب الجدار في جوف الليل فإذا امرأةٌ تقول لابنتها: يا ابنتاه قومي إلى ذلك اللبن (الحليب) فامذقيه (اخلطيه) بالماء. فقالت: يا أمَّتاه وما علمتِ ما كان من عزمة (عمر) أمير المؤمنين اليوم. قالت: وما كان من عزمته يا بنيَّة؟ قالت: إنّه أمر منادياً فنادى ألا يشاب (يُخلط أو يُغشّ) اللبن بالماء فقالت لها يا بنيَّة قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء فإنّك في موضع لا يراك عمر فقالت الصبيَّة لأمّها: ما كنتُ لأطيعهُ في الملأ وأعصيه في الخلاء. فقال عمر: يا أسلم علّم الباب واعرف الموضع ثمَّ مضى في عشيَّته فلمّا أصبح قال: يا أسلم إمضِ إلى الموضع فانظر مَن القائلة ومَن المقول لها وهل من بعلٍ قال: فأتيتُ الموضع فنظرتُ فإذا الجارية (البنت) أيم وإنّ تلك أمُّها وإذا ليس لهم رجل فأتيت عمرَ فأخبرتُهُ فدعا ولدَهُ فجمعهم قال: هل فيكم مَن يحتاج إلى امرأة أزوِّجهُ ولو كان بأبيكم حركة إلى النساء ما سبقهُ منكم أحد إلى هذه الجارية فقال عبدُ الله: لي زوجة وقال عبدُ الرحمن لي زوجة وقال عاصم( ): لا زوجة لي فزوِّجني. فبعثَ إلى الجارية فزوَّجها من عاصم فولدت لعاصم بنتاً وولدت البنت عمرَ بن عبدِ العزيز الذي تزوَّج فاطمة بنت الخليفة عبد الملك موضوع إهدائنا هذا الكتاب**
**إذا كانت غيبة المسلم محرّمة ولا يدخل الجنّة رجل آذى جاره في ماله أو سمعته، فكيف حال المسلمة المرأة المتزوّجة التي تستغيب زوجها وتتكلّم عنه بسوء قد يكون حقيقةً فيه؟ أو تتكلّم عنه بسوء ليس فيه، لتشويه سمعته؟ إنّ الإثم يكون حقيقةً فيه؟ أو تتكلّم عنه بسوء ليس فيه، لتشويه سمعته؟ إنّ الإثم يتعاظم مع تعاظم القدرة عليه. وكلّما كان الإنسان في موضع أقرب لاطّلاعه على سرّ غيره كلّما كان حفظ أمانة السرّ أوجب والثواب على حفظها أجزل، وكلّما فرّط بتلك الأسرار كان أثمُهُ أكبر وجزاؤه بالآخرة أشدّ. وإذا كان الجارُ المؤذي جارَه ُ بغيبته لا يدخل الجنّة فكيف بالزوجة تستغيب زوجها وتبهته؟ الله أعلم والرسول أخبرنا بمصيرها المشؤوم والعياذ بالله إلاّ أن تتوب إلى الله قبل فوات فرصة التوبة.
“لا يستقيم إيمانُ عبدٍ حتّى يستقيم قبله ولا يستقيم قلبه حتىّ يستقيم لسانه” أي لا يكون العبد مؤمناً حتّى يقنع القلب بأحكام الله فإن لم يقتلع الإيمانُ من قلبِه عواطفَ الغلّ والغضب والحقد والحسد وما شاكلها من المشاعر التي يستثيرها الشيطانُ ليوقعَ العبدَ بفعلِ الحرامِ فلا يكون إيمانُ ذلك العبد إيماناً عدلاً أي ليس الإيمانُ الذي أمر به الله وبيَّن الرسول سبيله. وقد اشترط الحديث استقامة اللسان مع استقامة القلب وجعل استقامة اللسان شرطاً لاستقامة القلب أي أن يؤدّي قناعة القلب واطمئنانه إلى الخضوع لحكم الله في الحياة إلى التعبير عن ذلك بما يتحرّك به اللسان أي بما ينطق به. فإن كان ما ينطق به اللسان ممّا اطمأنّ إليه القلب فإنّ ذلك هو استقامة الإيمان أي تلاقي القلب واللسان على الصراط المستقيم. وإن بقي اللسان يحرّك بما لا يتوافق واستقامة الإيمان أي بقي ينطق بحرام أو كفرٍ أو الأمر بضلالة أو ما يثير الفتن بين الناس أو التحريك بالسبّ والشتم والذمّ والغيبة والبهت وما شاكل فيكون اللسان في سبيل والقلب في سبيل آخر فإنّ شرط إيمان العبد يفسد ويبطل إيمانه.
على أنّ تحريم غيبة الزوج الذي هو جزء من حفظه في غيبته جاء مباشرةً دونما حاجة إلى قياسه على تحريم غيبة أيّ مسلم جاراً كان أو قريباً أو صديقاً جاء مباشرة من الله تعالى بقوله: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾.
وفي الحديث أيضاً مباشرة: عن معاذ بن جبل عن النبي r قال: لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر… الحديث وفيه: “ولا تطيعُ فيه أحداً”، وفيه “ولا تضرُّ”. فمن طاعة الآخرين بالزوج غيبته والإضرار به يكون قولاً أو عملاً، والعياذ بالله.
عن نافع بن عمر رضي الله عنهما عن النبي r قال:
“كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيّته، فالأمير راعٍ والرجل راعٍ على أهل بيته، والمرأة راعيةً على بيت زوجها وولده. فكلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيّته”.
أخرجه البخاري في كتاب النكاح: باب المرأة راعية في بيت زوجها، ومسلم في كتاب الإمارة: باب فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر، وأحمد مسنده 2/54.
يتبع بمشيئة الله وعونه.
صفات نساء الجنّة
الله الذي خلق البشر بما هم عليه من خصائص وقدرات في الحياة الدنيا ليمتحن كلَّ واحدٍ منهم فيمَ قضى حياته واستعمل قدراته قبل أن يُميته، يعيد خلقه من جديد بخصائص وقدرات محدّدة الغاية ليس فيها قابليّة الانحراف. غاية الحياة الدنيا كان امتحان البشر في استعمال قدرتهم بينما غاية البعث هو السخاء في جزاء المؤمن والمعاقبة بتعذيب الكافر والمنافق وعاصي الله ورسوله. فغاية القدرات في إنسان الحياة الدنيا غير غاية القدرات في الحياة الآخرة، ولهذا فإنّ الحياة الأبديّة يكون فيها للفرد خصائص تشابه خصائص أهل الدنيا مثل التلذّذ بالطعام وحبّ النساء ويكون فيها للفرد خصائص لا تشابه خصائص أهل الدنيا لعدم الحاجة إليها في الحياة الأبديّة، مثل النعاس والألم والجوع والحاجة للذهاب إلى الغائط. كما يُجرِّد حين يبعثه سبحانه من كافة العواطف والرغبات التي كان الشيطان يتحكّم بها مثل حبّ المال، سوء الخلق، الحقد، الخوف، الطمع، الحسد وما شاكل.
صفات إنسان الأرض هي التي تصبغه في الدنيا وتصبغ أعماله وهي بالتالي التي تؤدي به في الآخرة إلى الجنّة أو الجحيم. فإذا كانت صفة الإنسان أنّه ظالم لغيره في الدنيا فهو في الظلمات في الحياة الآخرة لأنّ الرسول صلى الله عليه وسلّم يقول: “الظلمُ ظلماتٌ يوم القيامة”. وإذا كان من صفاته اغتصاب أموال المسلمين بالحيلة أو الغشّ أو السطوة فهو من أهل النار لأنّ الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: “مَن اقتطع حقَّ امريءٍ مسلم بيمينه فقد أوجبَ الله لهُ النارَ، وحرَّم عليه الجنّة”.ومن كان ممّن يستبيح الدماء لغير الأسباب التي حدّدها الشرع ويقتل لأسباب يعتقد هو أنّها عادلة، حاكماً كان أو من عامة الناس، فهو قاتلٌ خالدٌ في النار لقول الله تعالى: ï´؟وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًاï´¾ [93 النساء]. ومن عقَّ والديه والعقوق في الشرع هو تخلّي الأولاد عن والديهم في حالة الضعف والشيخوخة والعجز أو العصيان أو التطاول باللسان وعلوّ الصوت وجارح اللفظ وبذيئه والمجادلة المضنية والمقاضاة القضائيّة هو العقوق الذي يستحقُّ النار ويمنع الجنّة لأنّ في الحديث عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلّم بعد أن تحدَّث عن ريح الجنَّة قال: “واللهِ لا يجدُ ريحَها عاقٌ ولا قاطعُ رَحِم”.
وهكذا أمثلة كثيرة عمن يستحقُّ النار وكلُهم بأعمال أدّوها في الدنيا وصفات اتّصفوا بها بين الناس أو حفظتها الملائكة عنهم إن كانت سرّيّة خاصة بهم. فالمرء يُعرَفُ بما هو عليه في الدنيا إن كان من أهل الجنّة أو أهل النار. فإذا عمل بعمل أهل الجنّة في الأرض كان برحمة الله من الداخلين إلى الجنّة، وإن عمل بعمل أهل النار في الأرض كان من الداخلين إلى الجحيم في الآخرة. وحيث إنّ موضوع البحث في صفات النساء اللواتي يكنَّ من أهل الجنّة فإنّ التعرّف إلى صفات النساء من البشر والحوريّات العينِ في الجنّة يساعد كلّ امرأة تتلمّس مصيرها في الآخرة إذا كانت من نساء أهل الجنّة. وبمقارنة صفاتها تستطيع إحداث التغيير اللازم في تصرّفاتها لتتّصف بالصفات التي تضمن برحمة ربّها الحياة الأبديّة بالجنّة.
الحقيقة الأولى في هذا البحث أنّ المرأة التي تتزوّج في الدنيا من رجلٍ واحدٍ تدخل الجنّة إذا افترقت عنه بموتها أو موت زوجها عنها راضٍ، فلا تدخل الجنّة ناشز أو متفحِّشة وقد سبق بحث هذا
**حتى لا يجرف تيّار إبليس الرجل إذا تحقّقت مساعيه في امتلاك إرادة المرأة والسيطرة على أهوائها، سعى الإسلام لإقامة حاجز آخر لمحاربة الشيطان والمرأة التي سارت في ركابه فأمر عليه الصلاة والسلام الرجال باتّقاء النساء اللواتي هنَّ حبائل الشيطان وحرّم طاعتها وفرض عليها الطاعة للرجل. عن أبي سعيد قال: قال رسول الله “إنّ الدنيا حلوة خضرة، وإنّ الله تعالى مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا والنساء، فإن أوّل فتنة بني إسرائيل كان من النساء”. أخرجه مسلم والنسائي.
هذه التشريعات شاملة كاملة أحكمها الله تنظيماً للعائلة وأمورها، لا يمكن بالقناعة والتقيّد بها أن تشقى عائلة، وهذا التنظيم هو بحدّ ذاته تحصينٌ ذاتيٌ لمواجهة الشيطان وتفشيلٌ لمهمّته في ضرب العائلة مهما حاول وبأيّ أسلوب. فالتنظيم الشرعي لحياة العائلة تحصين، وتحذير المرأة من الانقياد للشيطان تحصين، وترغيب الزوج بأجر الصبر على نواقص وعيوب وعِوَج زوجه تحصين. فالشيطان عندما ينجح في ضرب العائلة إنّما ينجح في العائلة غير المحصّنة، أي العائلة التي لا تقوم على الإسلام وعندئذٍ لا أسف على عائلة شرّعت أبوابها للشيطان يدخلها ويعمل بها تخريباً وهدماً.
يتبع بمشيئة الله وعونه.**
**نفقة الرجل على زوجه فيها أجر الصدقة كما أخبر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن في نفقة الزوجة على الرجل إذا أعسر أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة، ترغيباً وتفضيلاً للمرأة تنفق من مالها على عائلتها بدل أن تختلع وتهدم زواجها وتفرّق أو تفترق عن أولادها وعندها مال يفي أو يساعد في أود العيش. عن عائشة رضي الله عنها، قالت: “جاءت مسكينة تحمل ابنتين لها، فـأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كلّ واحدة تمرة، ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها، فاستطعمتها ابنتها، فشقّت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها، فأعجبني شأنها فذكرتُ الذي صَنَعَت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنّ الله قد أوجب لها بهما الجنّة، أو أعتقها بهما من النار”. رواه مسلم. فهذه الأمّ التي كسبت ثلاث تمرات بسؤالها قد امتلكتها وأصبحت مالها فقسّمته وهو كل ثروتها عليها وعلى ابنتيها تمرة لكلّ واحدة. ولكنَّ إحدى ابنتيها لم تكتفِ بتمرة واحدة فطلبت من أمّها حصّة من تمرتها فشقّت لها نصفها وأطعمتها إيّاه. فالإنفاق من الأم على ابنتيها هو الذي قال فيه عليه الصلاة والسلام “إنّ الله قد أوجب لها بهما الجنّة، أو أعتقها بهما من النار”. أي بالعمل الذي تقوم به من السعي لإطعام ولديها وليس بسبب التمرة والقصّة في حدودها.
ومع أنّ للمرأة أجراً مضاعفاً من إنفاق مالها على عائلتها إلاّ أنّه ليس لها أن تتصرّف بمالها في غير ذلك من أوجه الإنفاق إلاّ بموافقة زوجها، فعن ابن عمرو بن العاص قال: "لّما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكّة قام خطيباً، فقال: “لا يجوز لامرأة أمرٌ في مالها إذا ملك زوجها عصمتها”. أخرجه أبو داود والنسائي. وهذا لا يعني أنّ للزوج أن يتصرّف بمالها فمال المرأة للمرأة يبقى أمّا إذا أرادت التصرّف فيه فليس لها ذلك دون موافقة زوجها على أوجه صرفه. وهذا الحكم توجبه أيضاً مستلزمات رعاية الرجل وإدارته شؤون أهله من زوج وولد. فتحصيل الرزق وإنفاقه وحفظه من أهمّ مسؤوليّات الرعاية التي أوجبها الله على الرجل. فإنفاق المال جزء من الخطّة العامّة التي يضعها الرجل لتوجيه حياة أهله فلا ينبغي لسلامة الطريق أن يكون هناك رأيان وتصوّران لتلك الخطّة. وحيث أنّ رعاية العائلة قد جعلها الله فرضاً على الرجل فتكون إدارة الأمور الماليّة له. ولكن حيث أنّ ملك رقبة المال مباحة للزوجة كما للزوج فقد جعل التصرّف بمال الرجل للرجل وحده والتصرّف بمال الزوجة لها شرط موافقة الرجل على ذلك التصرّف حتى لا يؤدّي تصرّفها للإساءة بما وضعه من خطط لعائلته. ولا يعقل أن يكون للمرأة التصرّف بمال قد تؤذي به خطّة الرجل وتتسبّب في خسارته أو إتلاف مدخوله أو إيذائه في رزقه ويكون عليه وحده مسؤوليّة النفقة على أهله. فمن كمال الأحكام التي امتازت بها الشريعة الإسلاميّة على باقي الشرائع والأديان هو هذا الإحكام والترابط المطلق بين أحكام الشريعة وهو ما يحيّر عقل كلّ دارس لها ويزيد في إيمان كلّ من يؤمن بالله واليوم الآخر.
فالنفقة في الشرع شرط أساسي في الواجب والحق الزوجي وقد شَرَطه الله تعالى بقوله: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾. فإذا طرأ ما يمنع الرجل من الإنفاق كإعساره أو مرضٍ يُقعده فللزوجة أن تختلع لأنّه ركنٌ من أركان رعاية الرجل لزوجه.
وقد حثَّ الله سبحانه وتعالى المرأة على الإنفاق حتى في حال السعة من فضله على الرجل، فقال تعالى: ﴿ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [128 النساء].ففي هذه الآية حثٌ للمرأة على القبول بالتنازل عن أيّ حق فقسمتها في ليلة مبيت الرجل عندها إذا كان متزوّجاً بغيرها أو بنفقة إذا رأت أنّ زوجها يميل إلى تطليقها بسبب عبئها عليه من قسمة ليلتها لها أو نفقتها. فحثَّها الله تعالى أن تتدارك طلاقها بأيّ نوع من أنواع الإصلاح فإن كانت بتلبية رغبة زوجها بترك حقّها بليلتها مرّة في الأسبوع أو مرّتين فعليها أن تسترضيه بذلك، وإن كان بالمشاركة بالإنفاق وهي قادرة على ذلك فلتنفق ولتحذر شُحَّ الأنفس الذي قد يثنيها عن ذلك ولا يكون سبيلاً آخر لدرء الطلاق وهو ما يبغضه الله ويحثٌّ المرأة والرجل على تلافيه بأيّ وسيلة وإن بمساهمة الزوجة بأمر النفقة.
ليس للزوج أن يتصرّف بمال زوجته إلاّ بإذنها وليس لها أن تتصرّف به إلاّ بإطلاعه وموافقته كذلك لا يحقّ للزوجة التصرّف بمال زوجها إلاّ بإذنه والرسول عليه الصلاة والسلام يجعلها مسؤولة عن المال الذي يضعه زوجها بين يديها وعن كيفيّة التصرّف فيه. والمال ليس هو النقد بل كلّ شيء يُملك هو مال. قال صلى الله عليه وسلم: “المرأة راعية على مال زوجها وهي مسؤولة عن رعيّتها”.والرعاية موضوع أساسي في الحياة وقد حدّد الشرع مفهومه ومسؤوليّته.
**عدمُ الشكرِ فسقٌ وكُفرٌ بنِعَم الله
عن أبي راشد الحبراني قال: قال عبد الرحمن بن شبل: قال رسول الله r : “إنّ الفسّاق أهل النّار”، قيل: يا رسول الله ومَن الفسّاق؟ قال: “النساء”. قال رجلٌ: يا رسول الله أولسنَ أمّهاتنا وأخواتنا وأزواجنا، قال: “بلى ولكنهنَّ إذا أعطينَ لم يشكرنَ وإذا ابتلينَ لم يصبرنَ”. رواه أحمد 3/428. نقول وبالله المتسعان: إنّ النساء وإن كنَّ أمّهات وأخوات وبنات فليست واجبات أو دور الأمومة والأخوة والنبوّة هو الدور الأساسي لهنَّ في الحياة بل الحياة الزوجيّة وقيامها بدور الزوجة هو الدور الحياتي للمرأة ونجاحها فيه هو الذي يقرّر جنّتها أو نارها في الآخرة. إنّ الحديث يتناول “الفسّاق” و"النساء" وليس بعض النساء اللواتي لا يشكرنَ النعمة والعطاء وبعض النساء اللواتي لا يصبرنَ على بلاءٍ من مرض أو عجز، بل “النساء” وليس بدورهنَّ كأخوات وأمّهات وبنات بل بما هو عليه معظمهنَّ أي بما يشترك بهنَّ الأمّهات والأخوات والبنات أي بكونهنَّ أزواجاً فيكون التفسير: إذا أعطينّ لم يشكرنَ لأزواجهنَّ وإذا ابتلينَ لم يصبرنَ على مسؤوليّة وواجبات الزواج. والله أعلم. يؤكّد هذا التفسير حديث عن عبد الله بن عمرو قال: قال الرسول عليه الصلاة والسلام: “لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهي لا تستغني عنه”. فشُكر الزوجة الدائم يتمثّل بسلوك حياتي معيّن طالما هي متزوّجة منه. كذلك تقبّل مسؤوليّة الزواج بكافة تقلّباتها وظروفها بنفسٍ راضيةٍ هانئةٍ بقدَرها من الله لا بصبرٍ متململ. تصديق ذلك في الحديث الشريف واضح. عن أنس بن مالك عن النبي r قال: “ألا أخبركم بنسائكم في الجنة؟” قلنا: بلى يا رسول الله، قال:“كل ودود ولود إذا أغضبت أو أسيء إليها، أو غضب زوجها، قالت: هذه يدي في يدك لا أكتحل بغمضٍ حتّى ترضى”.**
**يقول الله تعالى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾. الرعد 14. عن ابن عبّاس في تفسيرها بتفسير القرطبي يقول “أي أصوات الكافرين محجوبة عن الله فلا يسمع دعاءهم” انتهى. دعاء وصلاة المرأة الناشز والفاحش والعاصية محجوبة عن الله ولا يسمع دعاءهم وبهذا ساوى الله بين الكفر بالمطلق ومعصية الزوجة لزوجها وهو دورها الأساسي في الحياة بعد دور مطلق مخلوق، وتعامل سبحانه مع الحالتين بمنع وصول الاستغفار إليه. وساوى سبحانه في العقاب والتهديد به وإن لم يساوي بين الكفرين. فجعل المرأة العاصية حطباً لجهنّم تماماً كما جعل الكافر وقوداً لجهنّم.
عن عبد الحميد قال: حدَّثني شهر قال: سمعت أسماء بنت يزيد الأنصاريّة تحدِّث أنّ رسول اللهr مرَّ في المسجد يوماً وعصبة من النساء قعود فألوى بيده إليهنَّ بالسلام وقال: “إياكنَّ وكفر المنعمين إيّاكنَّ وكفر المنعمين. قالت إحداهنَّ يا رسول الله أعوذ بالله يا نبي الله من كفران نِعَمِ الله قال: “بلى إنَّ إحداكنَّ تطول أيمتها ويطول تعنّسها ثم يزوّجها الله تعالى البعل، ويفيدها الولد وقرّة العين، ثم تغضب الغضبة فتقسم بالله ما رأيت منه ساعةً خيراً قط فذلك من كفران المنعمين”. أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأحمد في المسند. عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن رسول الله rقال: “المرأة المؤمنة كالغراب الأعصم في الغربان وإنّ النار خلقت للسفهاء، وإنّ النساء من السفهاء إلاّ صاحبة القسط والسراج”. هذا في كنز العمّال 8/264، ونفس الحديث في مجمع الزوائد 4/274 فيه: " إلاّ التي أطاعت بعلها”. الغراب الأعصم فيه قولان الأبيض اليدين أو الأبيض الجناحين، والقسط هو نصف صاع والمراد به في الحديث الإناء الذي توضّيء زوجها فيه، والسراج فقال بقيّة بن الوليد: هي التي تقوم على رأس زوجها بالسراج توضِّئه بالماء. قد يكون عملاً شاقاً على بعض النساء وهو من الأعمال التي يصعب القيام بها على النفس إلاّ إذا وطّدت النفس أمرها على التسليم الجازم بمسؤوليّة الزواج وواجباتها تجاه زوجها في خدمته وإرضائه طاعة لأمر الله وهو أمرٌ ليس شائعاً بين النساء والعياذ بالله، ولذلك شبَّه الرسول المرأة المؤمنة بالغراب النادر بين الغربان أي بين جنسها من النساء لأنّ معظمهنَّ يسترخين في طاعة أزواجهنَّ ويماطلن أو يُسوِّفنَ أو يقصِّرنَ في مرضاة أزواجهنَّ ويكون مصيرهنَّ بذلك التقصير إلى جهنَّم لأنّ المسوِّفة ملعونة. عن علاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي عن أبيه قال: سمعت أبا هريرة قال: “لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المسوِّفة والمفسِّلة، فأمّا المسوِّفة فالتي إذا أرادها زوجها قالت سوف وسوف والآن”. المفسِّلة التي إذا أرادها زوجها قالت: إنّي حائض وليست بحائض. فالمسوِّفة التي تتباطأ عن طاعة زوجها والمفسِّلة التي تمتنع عن زوجها. التسويف من السفه أيضاً والمسوِّفة من السفهاء أهل النار. فسبحان الله كيف أكمل هذا الدين وأحكم قواعده حتّى لا يزلَّ مؤمن ولا يفسق إلاّ عن بيّنة تكون حجّةً عليه يوم الناس جميعاً يحاسبون فرداً فرداً.**
**عن سعد بن أبي وقاص: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: “إنك لم تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلاّ أُجِرت عليها، حتى ما تجعل في فيّ امرأتك”. رواه البخاري ومسلم في حديث طويل.أمّا حدود النفقة أو مستواها وحدود الصدقة، فقد حدّد الشرع أدنى حدود الإنفاق وأدنى مستواه كما حدّد الصدقة بأقصى حدودها. ففي حدود النفقة تأمين حاجة الزوجة من الطعام وذلك أن يطعمها الرجل مما يطعم به نفسه أي لا يكون بينهما مفاضلة في الطعام. وللمرأة أن تأكل مرة أو أكثر في اليوم ولها أن تشبع أو لا تشبع وعدم الشبع غير الجوع. والرسول عليه الصلاة والسلام جعل الشبع من الأمور المكروهة وحضَّ على عدم الشبع. وليس في طعام الزوجة تحديد للنوع من الأطعمة فقد كانت نساء النبي رضوان الله وصلاته وسلامه عليهنَّ يقتَتنَ على التمر اليوم والشهر دون توفّر غيره من الطعام. عن عائشة رضي الله عنها قالت:“كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه ناراً، إنما هو التمر والماء، إلاّ أن نؤتى باللحيم”. أخرجه الشيخان والترمذي. وفي رواية “ما أكل آل محمد أكلتين في يوم واحد إلا وإحداهما تمر”. وعن أنس قال: مشيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبز وشعير وإهالة سنخة، ولقد سمعته يقول: “ما أمسى عند آل محمد صاع تمر ولا صاع حب”، وإن عنده يومئذ لتسع نسوة. أخرجه البخاري والترمذي والنسائي. الإهالة: ما أذيب من الشحم. والسنخ: المتغيّر الرائحة.
وعن حكيم بن معاوية، عن أبيه قال: قلت يا رسول الله، ما حقّ زوجة أحدنا عليه؟ قال:“أن تطعمها إذا طُعمت، وأن تكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبّح، ولا تهجر إلاّ في البيت”. أخرجه أبو داود.عن سعد بن أبي وقاص، قال:“قالت امرأة: يا رسول الله، إنّا كلٌّ على آبائنا وأبنائنا وأزواجنا، فما يحلّ لنا من أموالهم؟ قال: الرطب تأكلنه وتهدينه”. أخرجه أبو داود.
وعن عائشة قالت: “قالت هند امرأة أبي سفيان: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، ليس يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف”. أخرجه الخمسة إلاّ الترمذي.
هذه الأحاديث تحدّد الحد الأدنى من النفقة وهو حدّ الكفاية للقيام بأمور الحياة وتحدّد مستوى الطعام بما يَطعَمُ منه الرجل. كذلك أمر الكسوة والسكن فهو مما يكتسي وفيما يسكن. وليس تجديد الكساء بواجب بل الكساء يبقى صالحاً ما بقي صالحاً إلا إذا بال أو تمزق. عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنّ سَرَّكِ اللحوقُ بي فليكفك من الدنيا كزاد الراكب، وإياك ومجالسة الأغنياء، ولا تستخلفي ثوباً حتى ترقعيه”. أخرجه الترمذي. وزاد رزين فقال: قال عروة: فما كانت عائشة تستجدُّ ثوباً حتى ترقع ثوبها. فليس للمرأة أن ترهق الرجل في استبدال كسائها بل للجل أن يكرمها بزيادة في كسائها ولها في طاعتها لله ورسوله أن تقنع بكسوتها وتتعفّف عن الطلب في الطعام والملبس وكل شيء، فوق مستوى قضاء الغرض والإيفاء بالحاجة.
لا يحلّ للمرأة أن تنفق من مال زوجها على أي شيء إلا بإذنه، عن أبي أمامة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبة عام حجة الوداع: “لا تُنفق امرأةٌ شيئاً من بيت زوجها إلا بإذن زوجها، قيل: يا رسول الله ولا الطعام؟ قال: ذلك أفضل أموالنا”. رواه الترمذي وقال حديث حسن. أي أنه أولى الأموال بعدم إنفاقه إلا بإذن زوجها. وعن ابن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يجوز لامرأة عطيّة إلا بإذن زوجها” أخرجه أبو داود.
إذا أعسر الزوج ولم يكن للزوجة مال يكفيها وما ارتضت الصبر فلها أن تختلع لأنه يكون قد فسد شرط من شروط الرعاية وقيامة الرجل بأمر زوجه. أمّا إذا كان عندها مال فلها أن تنفق من مالها وقد رغّبها الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك وحثّها وجعل لها في ذلك أجرين. عن زينب الثقفية وكانت تحت عبد الله بن مسعود أي زوجته قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:“تصدّقنَ يا معشر النساء ولو من حليكن، قالت: فرجعت إلى عبد الله بن مسعود. أي زوجها. فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرنا بالصدقة، فأته فاسأله، فإن كان ذلك يجزيء عني، وإلا صرفتها إلى غيركم، فقال عبد الله: بل ائته أنت، فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجتها مثل حاجتي. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ألقيت عليه المهابة. فخرج علينا بلال، فقلنا له: ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك أتجزيء الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما؟ ولا تخبره من نحن، قالت: فدخل بلال على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هما؟ فقال: امرأة من الأنصار وزينب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الزيانب؟ قال: امرأة عبد الله بن مسعود، فقال: لهما أجر القرابة، وأجر الصدقة” رواه البخاري ومسلم واللفظ له.
.**
**رسالة الكاتب …
“المسافر”
باكورة كتاباتنا مناسبة لتوضيح مبرر قولنا إن زاد المسافر هو زاد الإنسان منذ أن يولد وإلى أن يموت؛ هو زاد التقوى قبل وبعد زاد الوقود. الإنسان مسافراً إذا ارتحل عن قومه أو انتقل من بلد إلى بلد، مسافر أو عابر سبيل يحتاج إلى زاد الرحلة. والإنسان، كلٌّ في حياته، منذ ولادته إلى مماته، يعبر على الأرض عبوراً وإن لم ينتقل من داره.
موطنه الأساسي بطن أمه، ومرقده الأساسي حفرة بطوله في باطن الأرض، وما بينهما كان مسافراً بالحياة بعمله وإن لم ينتقل بجسده. فالإنسان مسافر بأي حال كان، يصدق ذلك ما جاء عن بن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبيِّ فقال: “كن في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سبيل”. رواه البخاري.
ونحن باهتمامنا بأمور الإنسان الحياتية وأساس ذلك فكره وعمله لم نجد أدقَّ من وصف الإنسان باسم المسافر لتذكيره الدائم بواقعِهِ أن لا بقاء لواحد في الأرض إنما نحن عابرونَ مسافرونَ إلى مقصدنا النهائي: الجنة إن شاء الله إن صحَّ إيماننا في الحياة، أو جهنم للكافرين. فالحياة التي نحياها مؤقتة محدودة والأرض التي نحن عليها سننتقل منها بنص القرآن القطعي الثبوت القطعي الدلالة:(وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ. )الأعراف 24.
نفخر بتقديم “العائلة… قلعة حصَّنَها الله ورسوله” في كتابها الأول، لأنه إذا كان العقل أساس الإنسان فالعائلة مسؤولية كبيرة للإنسان في مهمة الحياة الرئيسية للسعي كدحاً لنوال رضوان الله. فكما إذا صلح العقل في موضوع الحياة صلح الإنسان كذلك إذا صلحت العائلة فمن المرجح أن تكون مِرجَلَ إصلاح الأجيال أو مدرسة يستمر بها العيش بصلاح الإنسان الذي هو العيش بالتزام أحكام الله.
إصدارنا الأول، هدية للنفس المسلمة، نرجو أن تبني بيننا جسراً ثابتاً من التواصل وبهيء لإحياء جمهورٍ قارئٍ راقٍ.**
**الإحداد
الإحداد في الإسلام وحكمه دليل فوق كلّ دليل على عظيم حقّ الرجل على المرأة وبرهان ساطع على ما قدّره الله في خلقه من ذكرٍ وأنثى من اختصاصات ومسؤوليّات. فمهمّة الرجل في رعاية زوجه مهمّة لا تعدلها مهمّة في الحياة ولا يفوقها درجة عند الله إلاّ الجهاد في سبيله وبرَّ الوالدين. ولذلك أقرّ الشرع أنّ وفاة الرجل خسارة لا تعادلها خسارة أخرى في الحياة عند الزوجة المسلمة. ولهذا كان إظهار الحزن والتقيّد بمظاهر الحزن على المصيبة التي لا تعدلها مصيبة عند الزوجة فرضاً واجباً لم يفرضه الله لأحد غير الزوج، بل حرمه في حال وفاة الأب أو الأم أو الولد أو الأخ. فمن فرض الإحداد على الزوج يتبيّن عظيم قدر الزوج عند الزوجة المسلمة وعظيم الحقّ الذي أوجبه الله عليها له في مماته فكيف في حياته. وهو يدلّ على عظيم الاحترام الذي يجب أن تظهره الزوجة لزوجها بعد ذهابه وكأنّ الله أراد به إظهار وإشهار احترام الزوجة لزوجها المتوفّى ليكون للناس برهاناً وحجّة على أنها كانت تقدّره وتحترمه وتطيعه في حياته وفي تثبت ذلك بعد مماته ومفارقته للدنيا ولها، وبعد زوال حضوره وسلطانه المادي عليها. كأنّه مناسبة للتفاخر بين النساء ولسان حالها يقول: لا أنقصكم مجداً ولست أقلّ منكم حقّاً في الجنّة أدخلها برحمةٍ من ربّي بما أطعت في حياتي أمر زوجي وأرضيته وأكرمته في مماته بإحدادي عليه كما أمر به الله ورسوله r.
الإحداد معناه كما جاء في تفسير القرطبي: ترك المرأة الزينة كلّها من اللباس والطيب والحليّ والكحل والخضاب بالحنّاء ما دامت في عدّتها وليس دهن المرأة رأسها بالزيت والشيرج من الطيب. وفي الإحداد قال عليه الصلاة والسلام كما جاء في البخاري ومسلم عن أمّ عطيّة: “لا تَحدُّ امرأة على ميت فوق ثلاثٍ إلاّ على زوج أربعة أشهر وعشراً، ولا تلبس ثوباً مصبوغاً إلاّ ثوب عصبٍ، ولا تكتحل، ولا تمسّ طيباً إلاّ إذا طَهُرَت نُبذَةً من قسطٍ أو أظفار”. الثوب المصبوغ: هو الثوب من أكثر من لون واحد. ثوب عصبٍ: يراد به الأبيض الذي لم يأته صباغ. نبذة: الشيء اليسير. القسط والأظفار: نوعان من البخّور. وفي حديث أم حبيبة: “لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر تحدّ فوق ثلاث إلاّ على زوج أربعة أشهر وعشراً” الحديث. لأنّ الزينة داعية إلى الأزواج وقد حرَّم الله على الرجل والمرأة التحدّث في أمر الزواج مع المرأة المعتدّة ولا يجوز حتى الكلام معها بما هو رَفَثٌ وذكرى جماع أو تحريض عليه. لأنّ في الإحداد مظاهر لا بدّ منها حتى يكون إحداداً ومنها الامتناع عن الحديث في أمر الزواج أو الخطبة وإنّها فترة محرّم فيها بروز الخُطّاب إليها.
ومعنى الحديث أنّها لا تلبس الثياب المصبّغة والمعصفرة إلاّ ما كان أسود أو أبيض وتترك كلّ أنواع التطيُّب والتجميل والزينة القديم منها والحديث. فكلّ صبغ كان زينة لا تمسُّه الحادّ. وقال القاضي عبد الوهّاب: كلّ ما كان من الألوان تتزيّن به النساء لأزواجهنَّ فلتمتنع عنه الحادّ. وعن مالك: لا تلبس حليّاً ولو كان حديداً. والآية الكريمة في سورة البقرة 234 ï´؟وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌï´¾. قوله تعالى ï´؟يَتَرَبَّصْنَï´¾ التربّص: التأنّي والتصبّر عن النكاح وترك الخروج عن مسكن النكاح وذلك بألا تفارقه ليلاً. وليس فيها ما يدلّ على الإحداد، وإنّما قال: ï´؟يَتَرَبَّصْنَï´¾ ولكنّ السنّة بيّنت جميع ذلك والأحاديث عن النبي r متظاهرة بأنّ التربّص في الوفاة إنّما هو بإحداد، وهو الامتناع عن الزينة ولبس المصبوغ الجميل والطيب ونحوه. وهذا قول جمهور العلماء. وثبت أن النبي r قال للفُرَيعة بنت مالك بن سنان وكان متوفَّى عنها: “امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله” قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً. وهذا حديث ثابت أخرجه مالك عن سعيد بن اسحق عن كعب بن عجره.
عن أمّ سلمة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله r: “لا تلبس المتوفّى عنها زوجها المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلي، ولا تكتحل، ولا تمتشط بشيء، إلا بالسدر تُغلِّف به رأسها” أخرجه الأربعة إلاّ الترمذي. الثياب الممشقة: ما صبغ بالمشق. مفهوم الحديث أنّ المرأة في إحدادها على زوجها إنّما مُنِعت من المباهج في الحياة التي تختصّ فيها المرأة عادةً وما يدخل عليها السرور والفرح من لبس وتزيّن وحليّ وتجمّل..