الحوار :مبادئة ،، أهدافه ،، غاياته ؟

**2

  • ان لا يرفع صوته الا بالقدر الذي يلزم لإسماع من عنده وان لا يصيح في وجه خصمه . حكي ان رجلا من بني هاشم اسمه عبد الصمد تكلم عند المأمون فرفع صوته فقال المأمون:لا ترفع صوتك يا عبد الصمد إن الصواب في الاسدّلا الأشدّ والخطيب في الفقه والمتفقه.

  • ان لا يستحقر خصمه ويستصغر من شأنه.

  • ان يصبر على شغب الخصم ويحلم عنه ويغفر زلله الا ان يكون سفيها فيترفع عن جداله ومشاغبته .

  • ان يتجنب الحده والضجر . قال ابن سيرين : الحدة كنية الجهل . يعني في الجدل. واما ما رواه الطبراني عن ابن عباس ان رسول الله قال: (( تعتري الحده خيار امتي)) ففيه سلام بن مسلم الطويل وهو متروك. وما رواه الطبراني عن علي بن ابي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( خيار امتي احداؤهم الذين اذا غضبوا رجعوا)) ففيه نعيم بن سالم بن قنبر وهو كذاب.

  • إذا جادل من هو اعلم منه فلا يقول : أخطأت أو كلامك غلط وإنما يقول : أرأيت لو قال قائل أو اعترض معترض فقال او ان يعترض بصيغة المسترشد كأن يقول اليس الصواب ان يقال كذا.

  • ان يتأمل ما يأتي به الخصم ويفهمه ليتمكن من الرد وان لا يعجل بالكلام قبل ان ينهي خصمه كلامه . عن ابي وهب قال : سمعت ملكا يقول: لا خير في جواب قبل فهم. وليس من الادب ان يقطع كلام خصمه. اما اذا كان خصمه مماريا لجوجا ثرثارا متشدقا فالاصل ان لا يناظره اذا كان يعلم ذلك منه واذا اكتشفه اثناء المناظره نصحه فإن لم يرعو قطع مكالمته.

  • ان يقبل بوجهه على خصمه وان لايلتفت الى الحاضرين استخفافا بحق مناظره سواء خالفوه ام وافقوه فإن فعل الخصم ذلك نصحه فإن لم يقلع قطع المناظره .

  • ان لا يناظر متعنتا معجبا برأيه فإن المعجب لا يقبل من احد قولا.

  • ان لا يناظر في مجالس الخوف كالمناظرة على القنوات الفضائيه والمجالس العامه الا ان يكون مطمئنا لدينه لا يخشى بالله لومة لائم مستعدا لتحمل تبعة ما يقول من سجن او حتى قتل او في مجلس امير او صاحب سلطان يخشى منه على نفسه فإن لم يكن وطن نفسه على ان يكون مع حمزة والا فالسكوت اولى لأنه حينئذ يزري بالدين والعلم. وهنا يذكر موقف احمد ومالك من القدماء وموقف الذين ناظروا القذافي عندما انكر السنه من المعاصرين.

  • ان لا يناظر من يبغضه سواء أكان البغض منه ام من خصمه.

  • ان لا يتقصد الارتفاع على خصمه في المجلس.

  • ان لا يتوسع في الكلام خاصه في امور معروفه عند الخصم بل يقصد بعبارة مختصره غير مخله بالمقصود الى نكتة الحكم اي موضوع المناظرة.

  • ان لا يناظر من يستخف بالعلم واهله او بحضرة سفهاء يستخفون بالمناظرة والمتناظرين. قال مالك: ذل وإهانة للعلم إذا تكلم الرجل بالعلم عند من لا يطيعه.

  • ان لا يأنف من قبول الحق اذا ظهر على لسان خصمه فإن الرجوع الى الحق خير من التمادي في الباطل وحتى يكون من الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه.

  • ان لا يغالط الجواب وذلك بأن يجيب بجواب غير مطابق للسؤال مثل:

السائل : هل السعودية دوله اسلامية؟

المجيب: القضاء فيها اسلامي.

فهذه مغالطه وكان الواجب ان يقول نعم اولا او لاادري فاي جواب من هذه الثلاثه مطابق.

  • ان لا يجحد الضرورة فيكون مكابرا وذلك كمن يجحد عداوة الكفار للمسلمين او يجحد ان الانظمه القائمه في بلاد المسلمين هي انظمة كفر اي انها لا تحكم بالاسلام.

  • ان لا يقول قولا مجملا ثم ينقضه بعد ذلك بالتفصيل كأن يقول في اول كلامه امريكا عدوه للاسلام والمسلمين ثم بعد ذلك يقول ان امريكا تساعد الفلسطينيين في اقامة دولتهم وتقرير مصيرهم لأنها تحب العداله والحريه ، او يقول امريكا جائت الى العراق لتحريره من ظلم الديكتاتورية.

  • ان لا يمتنع عن طرد حجته في كل المسائل التي تنطبق عليها كأن يبيح شراء المساكن في الغرب بربا بناء على ان الحاجة الخاصة تنزل منزلة الضروره الخاصة ثم لا يبيح الحاجات الاخرى كاللمأكل والملبس والزواج بربا فإن اباحها للحاجه فقد اباح حراما كثيرا وإن لم يترد حجته وقاعدته في كل الحاجات فقد ناقض نفسه.

مع تحيات : أم سدين - بيت المقدس

.**

**من آداب الجدل في الاسلام

الأخت الفاضلة : أم سدين - بيت المقدس

بسم الله الرحمن الرحيم

الجدل هو التحاور كما في قوله تعالى ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾فسمى الله الجدل تحاورا وحده : إدلاء كل من المختلفين بحجته أو بما يظن أنه حجة. والغرض منه نصرة رأيه أو مذهبه وإبطال حجة خصمه ونقله الى ما يراه صوابا او حقا.

والجدل منه المطلوب شرعا لتحقيق الحق وإبطال الباطل وديله قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾وقوله:﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾

.ثم ان الرسول جادل مشركي مكه ونصارى نجران ويهود المدينه . وحامل الدعوه يدعو الى الخير ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويصارع الافكار المضلله وحيثما تعين الجدل اسلوبا لواجب من هذه الاعمال صار الجدل واجبا من باب ملا يتم الواجب الا به فهو واجب .

ومن الجدل ما هو مذموم شرعا يُجَادِلُوفيكون كفرا كالجدل في الله واياته: ﴿وَهُمْ يجادلونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾(الرعد).﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾(غافر).﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾(غافر)

والذي يكفر هو المنكر لا المثبت لأن النكر يجادل ليدحض الحق والمثبت يجادل لإحقاق الحق وإزهاق الباطل .﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ ﴾(غافر). ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾(الزخرف) والجدال في القران لإثبات انه غير معجز ام انه ليس من عند الله كفر ايضا . اخرج احمد عن ابي هريره مرفوعا((جدال في القران كفر)) قال ابن مفلح إسناده جيد وصححه احمد شاكر. وقد يكون الجدل مكروها كالجدل بالحق بعد ظهوره ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ ﴾(غافر).

والجدل اما ان يكون بحجه اي دليل أو شبهة دليل،اما الجدل بدونهما فهو جدل وتخليط وقد عرفت الشبهة بأنها( ما تخّيل به المذهب في صورة الحقيقة وليس كذلك)*

وهذا تعريف ابن عقيل ، وعرف ابن حزم الشغب بإنه(تمويه بحجة باطله بقضية او قضايا فاسده تقود الى الباطل وهي السفسطة). قال ابن عقيل() ومن احب سلوك طريقة أهل العلم فإنما يتكلم على حجة أو شبهة فأما الشغب فإنما هو تخليط اهل الجدل ) ويمكن القول إن الشغب هو الجدل بدون دليل او شبهة دليل.

ومما وصى به علماء المسلمين في قوانين الجدل وآدابه بتصرف مع بعض الزيادات:

  • ان يقدم تقوى الله ويقصد التقرب إليه ويبتغي مرضاته بامتثال امره.

  • ان ينوي إحقاق الحق وإبطال الباطل دون المغالبه او القهر والظفر بالخصم. قال الشافعي ما كلمت احدا قط إلا ولم أبال بيّن الله الحق على لساني أو لسانه) وقال ابن عقيل() كل جدل لم يكن الغرض فيه نصرة الحق فإنه وبال على صاحبه)

  • أن لا يقصد المباهاة وطلب الجاه والتكسب والمماراه والرياء)

  • ان ينوي النصيحه لله ولدينه ولخصمه لأن الدين النصيحة.

  • أن يبتدئ بحمد الله والثناء عليه والسلام على رسوله .

  • أن يرغب الى الله في التوفيق لما يرضيه.

  • ان تكون طريقته في الجدل صالحه وهيئته ومنظره صالحا فعن ابن عباس ان رسول الله قال: (( ان الهدي الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة)) رواه احمد وابو داود وقال ابن حجر في الفتح أسناده حسن . وعن ابن مسعود موقوفا قال: (( اعلموا ان حسن الهدي في آخر الزمان خير من بعض العمل)) قال ابن حجر في الفتح سنده صحيح. والهدي هو الطريقه والسمنت هو المنظر والهيئه والاقتصاد هو الاعتدال.

  • الإجمال في الخطاب بحيث يكون كلامه يسيرا جامعا بليغا فالاكثار من الكلام يورث الملل فوق انه مظنة السقط والخلل والخطأ.

  • ان يتفق مع خصمه على اصل يرجعان اليه وهو مع الكافر لا يكون الا عقليا اما مع المسلم فالاصل اما العقل واما النقل فالعقل هو المرجع في العقليات واما في الشرعيات فالنقل هو الاصل لقوله تعالى :﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾(النساء)اي الكتاب والسنه.

  • الكافر لا يجادل في فروع الشريعة لأنه لا يؤمن باصلها فلا يجادل ولا يناظر في الزواج من اربع ولا في شهادة الامرأه ولا في الجزية ولا في المواريث ولا في تحريم الخمر ولا غيرها. ويقتصر معه في التحاور على اصول الدين التي ادلتها عقلية لأن الغرض من الجدل هو نقله من الباطل الى الحق ومن الضلال الى الهدى ولا يكون ذلك الا بنقله من الكفر الى الايمان . كما لا يناظر نصراني ببطلان البوذيه او اليهوديه بل ان الكلام معه في هذا او اشباهه لا يعتبر جدلا فالنصراني ليس بوذيا ولا يهوديا حتى تنقله منهما الى الحق وانما يكون الكلام معه في عقيدته الباطله لنقله منها الى الاسلام ولذلك لا يقال نتحاور فيما اتفقنا عليه ونترك ما اختلفنا فيه لأننا مأمورون بجدالهم والجدل لا يكون الا فيما اختلفنا فيه اما لو اتفق النصراني والرأسمالي مع المسلم على البوذيه او الاشتراكيه او الشيوعية مستقبحه عقلا وتكلما حولها فان هذا الكلام لا يسمى تحاورا ولا جدلا وهو لا يبرئ ذمة المسلم من وجوب محاورته وجداله حتى ينقله الى الاسلام وكذلك لا يقال نتحاور مع الكفار فيما اتفقنا عليه ونذر ما اختلفنا فيه الى يوم القيامة فيحكم الله ما يشاء عندئذ ويفصل بيننا لا يقال هذا بمعنى انه يغني عن جدالهم لأننا مأمورون بجدالهم فيما اختلفنا فيه وان لم نفعل نكن مقصرين . نعم ان الحكم لله في الدنيا والاخرة لكن لا يجوز ان نخلط بين ما هو من فعل الله سبحانه وبين ما كلفنا به فهذه حجة المقصر بل شغب المقصر الذي لادليل عنده ولا شبهة.

يتبع…**

**الفساد الفكري والإفساد

بسم الله الرحمن الرحيم

أسباب الفساد والإفساد وتأثيرها على حامل الدعوة, سلبياً بشكل خاص وعلى الجماعة بشكل عام

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله عزوجل [ والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار ] ( الرعد \ 25 ).

تدخل المفسدة في ذهن المتلقي حين إدراك الفكر المستنير من جهتين :

الأولى : من سوء الفهم .

والثانية: من ضعف الإرادة .

وسوء الفهم نقص الإدراك والوعي عن تمام نشاطهما بوصفهما عملية عقلية في ذهن المتلقي , مما يحدث الغفلة عن ضرورات دلالة الفكر عن الواقع .

أما ضعف الإرادة , فهو الميوعة في الموقف تجاه الأحداث وتجاه المطلوب , وتظهر بقلة المبالاة في التصميم على العمل , أو تظهر في التهاون عن الإستمرار فيه والثبات عليه .

أولاً :- سوء الفهم

ينجم سوء الفهم من إعتياد البسيط من الأمور والرضا بالتفكير السطحي , فيأخذ تفكير المرء ضيق الأفق في الرؤية وقلة العقل في إدراك المسائل , ومن ثم الخطأ في تحديد المشكلة والغفلة عن معرفة حلها المناسب , لانصراف الذهن الى غير مقتضيات أبوابها من الفكر ومناطها من الأحكام المناسبة للموضوع المعين.

فتجد من كان هذا شأنه لا يملك الإحاطة أو أسبابها بالمبدأ , وهو من النوع قليل الإطلاع والثقافة , فلم تتركز فيه الأسس الفكرية للإسلام أو أصوله الفقهية تركزاً منتجاً بالمعنى الموجب للتفكير في الموضوع وفق قياسات الفكرة والطريقة المتبناة .

أو أنه من النوع الذي لا يعيش الجو الإيماني للفكرة حين ممارسته لأسباب الحياة .

وهذا مما يفقده ملكة الفهم وقريحة الوعي , فلا يؤصِل تفكيره بالمفاهيم والمقاييس ولا يتعمق بهذا التفكير بمجموع المفاهيم والمقاييس , لإفتقاده القناعات المؤدية الى الإدراك التام والوعي التام .

ثانياً :- ضعف الإرادة .

ينجم ضعف الإرادة من وجود دوافع ورغبات سابقة في نفس المتلقي لم يسيطر عليها حين تفاعله مع الفكر المستنير , فتؤثر فيه في غياب القناعة والجو الإيماني المناسب للفكر المستنير , مما يجعله يشرك أهدافاً وغايات دخيلة يمررها مسوغاً إياها أو يحشرها تطفلاً , وهو ُيغِّيبْ ظهورها أمام الأخرين بفن إخفاء الباطن وكتمان السرائر , مما يوصله الى إتباع الهوى والإلتحاق بالشهوات .

ولا يَظْهَر أمر هذا الباطن الاّ في سوح الصراع الفكري أو تحمل المسؤلية الإدارية .

فيظهر في سوح الصراع الفكري الوهن وضعف المواجهة أمام التحديات .

ويضهر في تحمله المسؤلية الإدارية حرصه الشديد على البقاء فيها وأن يتخذ كل الأسباب في ذلك فتصبح المسؤلية الإدارية مسألته وقضيته , ويضعف فيه جانب العمل المطلوب لنهضة الأمة فيفقد الإرادة الصحيحة.

إن وجود الجهتين المفسدتين لإدراك الفكر المستنير يؤكد غياب عامل التقوى , وضعف الإخلاص أو إنعدامه من شخصية المجسد لهما .

مع أنه قد يظهر بطابع المتدين المثقف , ولا يُلاحظ عليه الغدر والخيانة , لأن أمر الإفساد معنوي يحتال عليه المفسد بالنفاق والمداهنة , أو الكذب والخداع , أو التضليل وفن الغش, أو توظيف الحقائق لصالحه وغير ذلك مما قد يخفى على سليمي النية من ذوي المقاصد الحسنة, وهو مما لا يخفى على أهل الوعي والإدراك التامين بعد التحقيق والتدقيق مع النباهة واستعمال سرعة البديهة, وهو غالباً ممن يستجيب تفكيره لعواطفه فتهيمن عليه أجواء نفسيته حين التعامل مع الأفكار فيفسد بناء عقليته ونفسيته ليفسد سلوكه بين الناس.

الفكر المستنير والإفساد :

يدخل الإفساد على الفكر المستنير ( وهو غير الفساد قطعاً ) بطريقة حرفه عن متبناه الفكري أو تمرير الأفكار والمفاهيم والأراء التي تحرف سيره عن الوصول الى أهدافه ومن ثمّ قطع أسباب الوصول الى غاياته عليه .

يجب أن لا يخفى على ذهن الواعي أن الكافر المستعمر وهو يرقب استمرار السير المستنير في تقدمه الواعي وتلقف الأمة لأفكاره وأرائه وأحكامه ومعتقداته ( وهي تحتضنه ) , لن يقف مكتوف الأيدي , وبخاصة أنه حدث تنكب عن الهدف والغاية , وقد امتدَّ الزمن في عقود طوال , فهو قطعاً قد يكسب عناصر فاسدة ويمررها في جسم الجماعة أو يخترق الجسم بعناصر إفسادية ويصبر على تغذيتها , فتؤدي هذه العناصر الإفسادية دورها في الإفساد حين تصل الى مواقعها , فيظهر جلدها الحقيقي وتكشّر عن أنيابها السامة وتمد لسانها المعوج بألفاظه وعانيه الى المتبنى من الفكر المستنير , وهي تهدف الى تقصير الوعي والإدراك عن تمامهما في الجسم الواعي من الأمة , بحيث لا تدع القصور ليُعالج طبيعياً , وإنما تعمد الى وجود التقصير وتعوق معالجة القصور.

خلاصة لما سبق :

إن دخول المفسدة الى ذهن المتلقي على إدراكه للفكر المستنير من سوء فهم أو ضعف إرادة يعدُّ دخولاً طبيعياً , فهو حال قصورإنساني في قوة طلبه للعلم أو قوة فهمه للدرس , أو حال النفس في الكسل والعجز , فهي حالة طبيعية يمكن معالجتها , حتى وإن إرتكبت الآثام أو حدَّثت الكذب أو الإفتراء , فإن باب التوبة والندم مفتوح بمجرد إدراك المرء صلته بالله تعالى فيرجع الى ما يتطلبه حكم الله منه ويتحمل أوزار ما صنع .

أما حال الإفساد بعامل الإختراق أو الإحتواء , فهو أمر مقصود صناعي , يدق طبول الخطر في إحداث الميوعة لا في المجتمع , بل في جسم الطائفة الظاهرة وعقل الثلّة الواعية ونفسيتها , فيصنع الإفساد الإنقسامات والتفكك الذي يريده الأعداء ويرجونه.

قال تعالى :[ ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردّوكم عن دينكم إن استطاعوا ] ( البقرة \ 217 )

وتكون الإرادة حديدية وثابتة عند الإنسان إذا توفرت القوى الثلاث لديه ( مادية , معنوية , روحية ) والذي يجعل إرادته مؤثره فعالة هو مفاهيمه عن الحياة حين يعي عليها فتجعله يسعى لتحقيق عظائم الأمور وذلك لتوافر الإحساس وهذا الإحساس ليس عادياً بل هو فكري , فلهذا السبب كانت هذه الإرادة صادقة ومنتجة وذلك لتساوي فيها الخواطر والطموحات مع القدرات والامكانات , فلهذا السبب لا تشعر باليأس ولا القنوط ولا الجمود ولا التهور , فجعل من َحْملهِ الدعوة قضيه مصيريه لا يقف الموت دونها فأفعاله تعبر عنه قبل أقواله.

وقد عالج الإسلام ضعف الإرادة التي تؤدي الى الميوعة في المواقف تجاه الأحداث وتجاه المطلوب والتي تظهر بقلة المبالاة في التصميم على العمل او تظهر في التهاون عن الاستمرارية فيه والثبات عليه أدّت الى ضعف او فقدان القناعة فعالج كل ذلك بوجود الإحساس , فولد بذلك الارادة وجعل هذا الإحساس يستند الى فكر , أي إحساسا فكري فزاد منها , فالفكر هو الذي يقوي هذا الإحساس ويجعله مرهفاً وهو الذي يضبطه فيجعله منتجاً .

وهذا الإفساد أخطر من الفساد الذي يدخل على إدراك الشخص المتلقي للفكر المستنير , لأن الإفساد تشويه الفكر بأفكار أخرى ليست من جنسه أو دخيلة عليه نوعاً وكيفاً بقصد إحداث الإضطراب فيه أو إحداث الغفلة عنه في الجماعة , وربما تحسن الجماعة الظن بهؤلاء الذين يحدثون مثل هذه الإنحرافات.

توصيف عام لأثار الفساد والإفساد

قال الله عز وجل : {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ} [آل عمران/110] . وفي الحديث عن العرباض بن سارية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تركتكم على المحجة البيضاء ، ليلها مثل نهارها ، لا يزيغ عنها إلا هالك " .

منذ أن غلق البعض باب الاجتهاد ، وقبلت الأمة بهذا الرأي ، بدأت معاناة المسلمين في عيش الأزمات على مستوى الفكر ورعاية الشؤون ؛ وأخذ الناس يعيشون في دائرة الجمود الفكري ، ثم الجمود على أقوال العلماء ، ثم الأخذ منها والتفريع عليها من غير الرجوع إلى مصادر الرأي وكيفية إنشائه في ذهن مستنبطه من الفقهاء والعلماء . ولما انتقل الحكم في بلاد المسلمين إلى سياسة جعل اللغة العربية بمعزل عن سن القوانين واستنباط التشريعات لدى الولاة والحكام والقضاة ، أي فصل اللغة العربية عن النص الشرعي ، فحُصر النص الشرعي بالتقديس ودائرة العبادة وبين خواص العلماء ؛ وجعل رأي العلماء محور جهد العاملين ، كل هذا تسبب بالضعف الشديد الذي أصاب أذهان المسلمين في فَهْمِ الإسلام .

ولما غزا الكافر المستعمر بلاد المسلمين ، وشدَّد هجومه على الأفكار والمعتقدات الإسلامية ، والأمة تعاني الضعف في الإدراك والوعي والوهن النفسي في المواجهة والتحدي ، صار موقف الأمة يعاني ضعفاً آخر ، وهو المواجهة القابلة للانهزام ، فرضى الكثير من العلماء والمتعلمين قبول الإنهزام وأخذوا بالدفاع عن الإسلام . وآخرون أخذوا التردد حجة لهم ، وهو هزيمة لا محالة فانهزموا فعلاً أمام تحديات الكافر المستعمر لهم . وآخرون قبلوا الهزيمة بطريق فكرية ، فاعتنقوا الأفكار الوافدة وتبنوا الثقافة الرأسمالية . بل عمدوا إلى العمل بالحضارة الغربية . ولكل فرقة من هذه الفرق رأيها الذي تسوِّغ به عملها ، وتفلسف به مواجهتها أو تفلسف به انهزامها أو يأسها ، وصار الرأي العام بين المسلمين يحمل فلسفات الضعف وأفكار اليأس وثقافة الهزيمة أو التمرد .

ومن المقطوع به أن أهل الفكر المستنير والوعي التام ينظرون لكل فرقة من هذه الفرق بقصد معالجته ، ولا سيما أن الفرق وُجدت بشكل جماعي تكتنفه ظروف بيئية ومجتمعية وشخصية ؛ وقد كرّست التجزئة بين المسلمين وجُذِّرت الحدود بين بلاد المسلمين . فصار كل شعب من شعوب المسلمين يعاني جذوره التاريخية على المستوى الفكري والاجتماعي والسياسي والاقتصادي ، ثم تكريس هذه المعاناة بجهود عملاء للكافر المستعمر وهم ينفذون مخططاته لتفكيك وحدة المسلمين وتفتيت جمعهم الفكري والشعوري. بل محاولتهم صهر المسلمين في بوتقة الثقافة الغربية والحضارة الرأسمالية . ولهذا فليس ميسوراً التعامل مع الفرق بأُسلوب واحد حين المعالجة ، مع بقاء فكرة المعالجة وطريقتها في خطها العريض

.منقول بتصرف للفائدة عن بحث للأخ الهمام

يتبع ان شاء الله على حلقات**

**اقتباس # صوت من العربة

بسم الله الرحمن الرحيم

لو تتبعنا القرآن الكريم نجده في كثير من المواقع يخبرنا عن الحوارات التي كانت تجري بين المؤمنين وغيرهم، ولكني ساقتبس من سورة الكهف لأن كلمة حوار ذكرت فيها بكل وضوح:

قال تعالى:

﴿ وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا

كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا

وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا

وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا

وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا

قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا

لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا

وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالا وَوَلَدًا

فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاء فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا

أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا

وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا

وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا

هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبً ﴾

من هذه الآيات التي وردت فيها كلمة حوار مرتين نجد مايلي:

لا ينتهي كل حوار بالوصول إلى نتيجة مشتركة للحوار، وليس الهدف من الحوار دائماً الوصول إلى نتيجة مشتركة، بل هو عرض للأفكار ومجاوبات عليها، ذَكر ابن النظير في لسان العرب:

“وأَحارَ علـيه جوابه: ردَّه. وأَحَرْتُ له جواباً وما أَحارَ بكلـمة، والاسم من الـمُـحَاوَرَةِ الـحَوِير، تقول: سمعت حَوِيرَهما وحِوَارَهما. والـمُـحَاوَرَة: الـمـجاوبة. والتَّـحاوُر: التـجاوب؛ وتقول: كلَّـمته فما أَحار إِلـيَّ جواباً وما رجع إِلـيَّ حَوِيراً ولا حَوِيرَةً ولا مَـحُورَةً ولا حَوَاراً أَي ما ردَّ جواباً. واستـحاره أَي استنطقه. وفـي حديث علـي، كرّم اللَّه وجهه: يرجع إِلـيكما انباكما بِحَوْرٍ ما بَعَثْتُما بِه أَي بجواب ذلك؛ يقال: كلَّـمته فما رَدَّ إِلـيَّ حَوْراً أَي جواباً؛ وقـيل: أَراد به الـخيبة والإِخْفَاقَ.”

من هنا فإن المحاورات هي إجابات متبادلة هدفها عرض الفكرة، والدعوة إليها، ولو نظرنا إلى الحياة العملية نجد أن كثيراً من المتحاورين والمتجادلين يدخلون الحوار والجدل وهم يعلمون أنهم لن يخرجوا بإقناع الطرف الثاني، وهذا بخاصة في المناظرات الفكرية على شاشات التلفاز أو المناظرات العامة، ولكن هدف النقاش أو المحاورة هو إقناع الطرف الثالث وهو المشاهد! على قول المثل: “الكلام إلك واسمعي ياجارة”. وهذا طبيعي في كثير من المحاورات. لذا لايجوز أن يكون هناك احتداد في الخطاب، ولاشدة فيه، ففي آخر المطاف كل نفس بما كسبت رهينة، وأنتم تنظرون من الآية الكريمة أن نتيجة الحوار كانت إصرار المنكر على إنكاره، ثم يخبركم الله تبارك وتعالي كيف أن الحوادث قلبت هذا الإنكار ندماً حين لاينفع الندم! إذاً الحق انتصر على أرض الواقع وهو محل العمل.

وللننظر إلى أن الكثير من الأدباء والمفكرين ينشرون أفكارهم على شكل محاورات شعرية أو نثرية أو مسرحية، وهم نقلوا الفكرة للمشاهد. لذا فأنا أرى أن الداخل في حوارِ أو جدال لابد أن يتقن عرض أفكاره، ويتقن الإجابة ليس لإقناع الخصم الذي قد لايقتنع أبداً ولكن لإظهار الفكرة للمستمع أو القارئ أو المشاهد.

استغفر الله العظيم لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأخ صوت من الغربة

الأصل في الحوار هو الوصول للحقيقة أو ايصال الحقيقة، والتأثير بالنقاش لكسب المحاور لرأيك، وقد تكون حوارات لقصد الترف أو الافحام إلا أنها ليست الأساس ، ففي الحوار أنا أسأل لآخذ الجواب، فإن تم فقد انتهى الأمر، وإن لم أقتنع بالجواب أعاود الكرة إما بسؤال أو مخالفة للجواب، وخلاف ذلك أي المغالبة والافحام فهي من الممنوعات الشرعية لأنها جدال عقيم لا يمكن أن يأدي لنتيجة، ومن الحوار ما تعلم أنّ محاورك لا يمكن أن يستجيب لرأيك وإن اقتنع، ففي هذه الحال المفروض أن لا تواصل الحوار إلا في حالة عدم تقصدك للمحاور بل لكي تشهر رأيك بين الناس، كاالمحاورات في المنتديات التي تناقش فيها شخصا وتتقصد من وراء حواره ايصال رأيك لأعضاء المنتدى عن طريق حواره.أما الحوار في الآية الشريفة فهو وإن جرى فيه التحاور فليس للوصول للحقيقة بل لإفهام المحاور الحقيقة وتقريعه واستنكار أقواله المفضية للكفر، وفي كل الحالات المختلفة فهي إما وصول للحق أو ايصال الرأي

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ {49/1} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ {49/2} إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ {49/3} إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ {49/4} وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ {49/5} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ {49/6} وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ {49/7} فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ {49/8} وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ {49/9} إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ {49/10} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ {49/11} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ {49/12} يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ {49/13} قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ {49/14} إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ {49/15} قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ {49/16} يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ {49/17} إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ {49/18}

صدق الله العظيم*

طالب عوض الله **

**فائدة

بسم الله الرحمن الرحيم

نحن أحوج ما نكون للتقيد بأحكام الشرع الحنيف، وقبلها معرفة الحكم الشرعي المتعلق بأفعالنا ، وذلك حتى لا نخالف الشرع، فيقع المحظور ونضل ونشقى، وقد خط الشارع أحكام دقيقة تنظم كيفية التعامل بيننا، بما في ذلك أحكام الحوار والنقاش، وقام فقهاء السلف بتفصيل وشرح ذلك في كتبهم وأبحاثهم، لم يبقوا في ذلك شاردة ولا واردة الا وتناولوها شرحاً وتفصيلاً.

وقد جهل نفر من شبابنا هداهم الله وأصلح حالهم حقيقة الطريقة الشرعية في التعامل، وبالأخص أمور النقاش والحوار، فخرجوا على أخلاق وتشريعات الاسلام في ذلك وخالفوها صراحة مما أوقعهم في الحرام المستوجب غضب الله وعقابه. ومن ذلك الدخول في الجدل العقيم المتمثل بحوار الطرشان، ناسين أو متناسين أن للحوار هدفاً رئيساً وهو محاولة التوصل للحقيقة أو ايصالها بالتي هي أحسن ، والوصول وجه الحق فيما تم الحوار به.

ومما يحزن النفس ويدمي القلب انتهاج البعض منا طريقة الشتيمة والتجريح للطرف الآخر، حتى والعياذ بالله تعالى الكذب والافك والتقول على المخالف مما ينجم عنه العداء والشقاق بين أفراد الأمة وجماعاتها المختلفة، عدى المخالفة الصريحة لأخلاق الاسلام ونهجه.

وبناء عليه كان لزاماً علينا الرجوع لدراسة أحكام الله في طريقة تعاملنا وحوارنا ونقاشنا ما جاز منها وما سُنّ وما حُرّمَ حتى نظفر برضاء الله ونبتعد عن مخالفة أمره، ونحافظ على أخوة الاسلام بيننا أن يعتريها الشقاق والنزاع والخلاف الموجب للشقاق والنزاع والفخصومة الموصلة للعداوة والبغضاء. مصداقاً لقوله تعالى:

مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا {48/29}

وقوله تعالى:

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ {16/119} إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ {16/120} شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ {16/121} وَآتَيْنَاهُ فِي الْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ {16/122} ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ {16/123} إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ {16/124} ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ {16/125} وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ {16/126} وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ {16/127} إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ {16/128}

صدق الله العظيم، والحمد لله رب العالمين.

طالب عوض الله **

**كيف نرسخ أدب الحوار والنقد؟

ن حاجتنا لأدب الحوار ليست حاجة نظرية تجريدية، فالأديب المسلم داعية والداعية الناجح يتمسك بأسباب النجاح، ولا يخالفها، ومثلنا الأعلى القرآن الكريم والتطبيق العملي لأدب الحوار في السنة المطهرة. والحديث عن آداب الحوار في القرآن الكريم والسنة المطهرة يحتاج إلى مؤلفات وكتب لا ندوات، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جلّه!!

وأدب الحوار يعني أدب تجاذب الحديث عمومًا، أما معنى : تراجعوا الكلام بينهم. والمحاورة: الجواب ومراجعة النطق. وبالتأكيد فإن هناك فروقًا بينة بين الحوار والنقاش والجدل والمراء، وحسبنا قول الرسول صلى الله عليه وسلم عن المراء: [[لا تماروا في القرآن، فإنه مراء فيه كفر]].

أهمية الحوار

للحوار أهمية كبيرة فهو وسيلة للتفاهم بين البشر على أن يكون الحوار حرًا لا حدود تقف في طريقه إلا حدود الشرع.

أما عوائق الحوار فهي كثيرة ومنها: الخوف، الخجل، المجاملة، الثرثرة، الإطناب، اللف والدوران، التقعر، استخدام المصطلحات غير المفهومة مثل الإنجليزية، أو الفرنسية أو غيرها أمام محاور لا يفهم معانيها، رفع الصوت من غير موجب، الصراخ، التعصب، إظهار النفس، وعدم الرغبة في إظهار الحق.

ويقول الإمام الشافعي في هذا: ما حاورت أحدًا إلا وتمنيت أن يكون الحق إلى جانبه.

أنواع الحوار

أ ـ الحوار من حيث الشكل قسمان:

ـ حوار هادئ عقلاني مبدئي.

ـ حوار متشنج يعتمد على الصراخ.

ب ـ من حيث المضمون:

1ـ الحوار المتفتح، وعكسه المتزمت وهو القائم على المهاترة لا الرغبة في الفائدة.

2ـ حوار العلماء وحوار طلاب الشهرة، وفرق كبير بينهما. وينتج من حوار العلماء فوائد عظيمة للناس لأنه يقوم على احترام الذات والآخرين وتقبل الرأي الآخر ما دام لا يمس الثوابت في العقيدة، والإدراك أن للحوار هدفًا يراد تحقيقه بعكس حوار طلاب الشهرة الذين يريدون الانتصار للذات.

جـ ـ الحوار من منظور الأشخاص ومنه:

1ـ الحوار بين العاقل والجاهل فلابد من حلم العاقل ليعلّم الجاهل.

2ـ الحوار بين الشيوخ والشباب، فينبغي مراعاة المراحل العمرية، واختلاف الأعراف، والعلاقة بين خبرة الحياة عند الشيوخ، وجدة علم الشباب.

3ـ الحوار بين المتخصصين وغير المتخصصين.

4ـ الحوار بين الحاكم والمحكوم، وينبغي فيه احترام عقول الآخرين، واحترام قدر الحكام دون التنازل عن الموضوعية وإخلاص النصيحة بين الطرفين.

قواعد الحوار

ينبغي أن يكون للحوار بين جانبين منطلقات مشتركة ليكون مجديًا، وأهمها:

1ـ الاعتماد على أسس مشتركة للحوار كالتحاكم إلى القرآن الكريم والسنة الشريفة عند المؤمنين بهما، أو التحاكم إلى قواعد المنطق والقياس عند غيرهم.

2ـ التسليم ببدهيات المعرفة، وبدهيات السلوك، فكيف نتحاور مع من لا يرى في الصدق فضيلة، وفي الكذب رذيلة مثلاً؟!

3ـ اللياقة، واحترام الحوار، وإن لم تحترم خصمك.

4ـ الرغبة في الوصول إلى الصواب والحق؛ لأن التفكير في الوصول إلى الغلبة يلقي بصاحبه في لجاجة الجدل العقيم.

  • للمحاور صفات أهمها:

1ـ علمه بما يحاور.

2ـ قدرته على التعبير.

3ـ حلمه وسعة صدره.

4ـ سرعة البديهة، واستحضار الشواهد، والذكاء، ويجمعها: : العلم والفهم والتعبير، ومثال ذلك حكمة نبي الله إبراهيم عليه السلام في حوار النمرود إذ ألزمه الحجة: {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} [البقرة: 258].

آداب الحوار

للحوار آداب كثيرة نقف عند أعظمها تأثيرًا وفائدة للمتحاورين أو المستمعين من الجمهور:

1ـ احترام شخصية المحاور، وتعني ملاطفة المحاور، لنتجنب عداوته أو نخفف من حدتها، وألا نستهين به ابتداءً لأن الاستهانة تضعف الحجة وتثير الخصم. كذلك يجب الانتباه له، وعدم الانصراف عنه أثناء حديثه، وأن نفسح المجال له لإبداء رأيه.

2ـ المرونة في الحوار وعدم التشنج، فينبغي مقابلة الفكرة بفكرة تصححها أو تكملها، وقبول الاختلاف، والصبر على فكرة المحاور حتى لو اعتقدنا خطأها منذ البداية، وهذا يؤدي إلى التواضع وعدم الاستعلاء على الخصم وفكرته.

3ـ حسن الكلام:

أ ـ التعبير بلغة بسيطة غير ملتبسة ولا غامضة، ومن أحسن الكلام ما يعبر عن حقيقة ما في قلبك دون ستر للحقيقة وبثوب لفظي لطيف.

ب ـ ومن حسن الكلام الرفق في الكلام: {فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طـه:44].

جـ ـ التأدب في الخطاب: {… وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا…} [الأنعام: 152]، {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنا} [البقرة: 83].

د ـ طرح اللغو, واللغو فضل الكلام وما لا طائل تحته، فلا يخوض المحاور فيما لا يثري المحاورة، قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون:3]. وفي الحديث الشريف: [[طوبى لمن أمسك الفضل من لسانه]]. والابتعاد عما لا يفيد في الحوار يحفظ هيبة المحاور، ويحفظ وقته، وأوقات الآخرين.

هـ ـ ومن حسن الكلام في الحوار توضيح المضمون باستخدام ما يفهم من التعابير دون تقعّر أو تكلف، وفي الحديث الصحيح: [[هلك المتنطعون]] وكذلك: [[إن أبغضكم إليّ وأبعدكم عني مجلسًا الثرثارون والمتفيهقون والمتشدقون]].

4ـ الموضوعية في الحوار، ونعني بها اتباع المنهج العلمي، والحجة الصحيحة، وقبول الرأي الآخر إذا كان مقنعًا، والاعتراف للخصم بالسبق في بعض الجوانب التي لا يسع العاقل إنكارها، والتحاكم إلى المنطق السليم.

5 ـ حسن الصمت والإصغاء في الحوار، والصمت إجراء إيجابي، ومن فوائده:

أ ـ أنه خطوة نحو الكلمة الصائبة لاختيارها.

ب ـ يزيد العلم ويعلم المرء الحلم.

جـ ـ الصمت بريد السلامة: [[رحم الله امرءًا قال خيرًا فغنم أو سكت فسلم]].

أما الإصغاء فهو أدب عظيم، وتقول العرب: رأس الأدب كُله الفهم والتفهم والإصغاء إلى المتكلم.

معاول هدم جسور الحوار

أما العوامل التي تحول دون تواصل الناس ومد جسور الحوار بينهم فهي:

1ـ التعصب للآراء والمذاهب والأفكار والأشخاص. والتعصب ظاهرة قديمة، موجودة في مختلف المجتمعات البشرية، وفي مختلف مستوياتها، وهي ظاهرة تمثل انحرافًا مرضيًا، حينما لا تكون ذات مضمون أخلاقي، كالانتصار للحق أو لدعاته، والتعصب ينشأ عن اعتقاد باطل بأن المرء يحتكر الحق لنفسه. والمتعصب لا يفكر فيما يتعصب له، بل يقبله كما هو فحسب، لذا فلا يمكن لمتعصب أن يتواصل إلا مع من يردد نفس مقولاته.

2ـ المراء المذموم واللجاجة في الجدل، ومحاولة الانتصار للنفس ولو على ذبح الحقيقة. والجدل خلق مذموم، ينبغي للإنسان أن يبتعد عنه، وإذا اضطر إليه فيجب أن يكون بالتي هي أحسن، {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن} [النحل: 125] ومعنى ذلك أن يتجنب الإنسان الجدال العقيم والفاحش والبذيء، وإذا أراد أن يجادل فلابد أن يجادل بالحسنى، وإذا وجد أن النقاش يقود إلى طريق مسدود، فينبغي أن يتوقف عنه لأنه يصير عند ذلك عبثًا لا خير فيه، فكما قال صلى الله عليه وسلم: [[أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا]] رواه أبو داود بسند حسن. [[فما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل]] رواه الترمذي وصححه.

وترك الجدل يتبعه أمران:

أولهما: أن نعترف بأخطائنا إن كنا مخطئين، والاعتراف بالخطأ فضيلة.

ثانيهما: أن نحترم آراء الآخرين.

3ـ التسرع في إصدار الأحكام، إذ إن التسرع في إصدار الأحكام دون روية، مع عدم وضوح الرؤية، يوقع في أغاليط وأخطاء.

ويدفع إلى التسرع عوامل عدة منها:

ـ الغرور بالنفس، والاعتداد بسرعة البديهة.

ـ الكسل الذهني وعدم الرغبة في إجهاد الفكر للتعرف على الحق.

ـ الانفعال النفسي، كالغضب والخوف والطمع وطيش الهوى.

ـ الحاجة الملحة ومدافعة الضرورة الطبيعية.

ولقد انتقد القرآن بشدة لاذعة الذين يقفزون عند السماع الأولي للمشكلة إلى إصدار الأحكام وإشاعتها، دون السماع لها بالمرور بمنطقة السماح الداخلي، والتفاعل مع القدرات العقلية وتبادل التحليل والاستنتاج. ويصف القرآن هذا الأسلوب المتسرع بأنه تلقٍّ للمعلومات الأولية باللسان، دون الصبر عليها حتى تمر بالأذن، وتصل إلى منطقة الوعي، {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور:15] ويتهدد القرآن الفاعلين لذلك بالعقوبة الإلهية، لما يترتب على هذا الأسلوب في الحكم من أخطاء، {يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [النور:17].

4ـ التفكير السطحي، الذي لا يغوص في أعماق المشكلات، ولا يدرك أثر العلاقات ببعضها، ولا يستوعب تأثير المتغيرات، بل يتوقف عند الأسباب الظاهرة للمشكلة، التي غالبًا ما تكون أعراضًا للمشكلات وليست جواهرها، والتفكير السطحي هو الذي يغيب العقل، ويهمل العلم، ويغفل العمل، ويجافي سنن الله في الآفاق والأنفس.

ومن سماته أيضًا: إرجاع المشكلات والظواهر إلى عامل واحد، مع إغفال أن تعقيد المشكلات لا يستوعبه سبب واحد، كما أن إرجاع المشكلات إلى سبب واحد يصاحبه قدر من التبسيط يتنافى مع عمق التجارب الإنسانية.**

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

**منقول: مفكرة الإسلام: > ديوان الشخصية الإسلامية > قسم النفسية الإسلامية

منقوووووووووووووووووووووووووووووووووول**

**فائدة

بسم الله الرحمن الرحيم

من يتابع معارك الخلاف أو الاختلاف في الرأي علي الساحة الفكرية في المنتديات ومجالس الحوار,‏ ويعقد مقارنة بين طريقتهم في النقاش من جهة وبين الأصل في منهجنا وطريقتنا كمسلمين يرى بعداً كبيراً عن الأصل الواجب مراعاته في الحوار وخاصة في حالات الاختلاف في الرأي فيما بين الفرقاء، فالأصل الواجب أن كل منهم يبدي رأيه ويحاول اقناع مخالفه بالحكمة والموعظة الحسنة يصاحبها محاولة الاقناع بالأدلة لا بالإكراه والضجيج والعراك ودون أن يجرح مشاعر الطرف الآخر أو يأتي بكلمة تسفه من رأيه أو تقلل من شأنه‏,‏ وهذا هو الأصل الواجب اتباعه ممن درسوا أدب الحوار والاختلاف في الرأي كما حث الإسلام عليه ودعا إليه‏.‏

لا شك أن الاختلاف في الرأي ظاهرة طبيعية صحية لم يحرمه الشرع أو يجرمه بل اعتبر الخلاف في الرأي هو الأصل لإختلاف أفهام الناس فوضع له من القواعد والأصول ما يجعله يهدي إلي الصواب وينتهي إلى تحقيق الوصول لأحكام الاسلام الشرعية أو للرأي الصائب في المسائل المبحوثة,‏ ولعل من المفيد التذكير بهذه القواعد والأصول‏,‏ خصوصا أن الساحة الفكرية في بلدنا نشطة وفاعلة ودائما متحركة غير راكدة‏,‏ لما تزخر به من علماء أجلاء ومفكرين مبدعين طالما أناروا للأمة الإسلامية طريقها ومهدوا لها دربها‏.،‏ وأولى هذه القواعد أن يحتكم المختلفون في الرأي إلي الحكم الشرعي المستنبط من دليل شرعي أتى من القرآن أو السنة أو ما اسنبط منهما,‏ قال تعالي‏:‏: (:- (مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)- (الشوري‏:‏ آية ‏10) وقوله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) ( النساء 59 ),‏ وعندما و وفي حالات إبهام الأمر وعدم الاستيقان للحكم الصحيح نعمد لإجتهاد صحيح بمراعاة الضوابط الشرعية في ذلك فالمجتهد المصيب له أجران والمخطأ له أجر واحد. لما ورد فى الصحيحين عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر . ()فتبين أن المجتهد مع خطئه له أجر وذلك لأجل اجتهاده. وخطؤه مغفور له لأن إدراك الصواب في جميع أعيان الأحكام إما متعذر أو متعسر وقد قال تعالى{ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} () وقال تعالى { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ } () وفى الصحيحين عن النبي أنه قال لأصحابه عام الخندق لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة . () فأدركتهم صلاة العصر في الطريق فقال بعضهم لا نصلي إلا في بني قريظة وقال بعضهم لم يرد منا هذا فصلوا في الطريق فلم يعب واحدة من الطائفتين فالأولون تمسكوا بعموم الخطاب فجعلوا صورة الفوات داخله في العموم والآخرون كان معهم من الدليل ما يوجب خروج هذه الصورة عن العموم فان المقصود المبادرة إلى القوم وهي مسألة اختلف فيها الفقهاء اختلافا مشهورا هل يخص العموم بالقياس ومع هذا فالذين صلوا في الطريق كانوا أصوب.

من آداب الحوار والاختلاف في الرأي أيضا ألا يجزم كل ذي رأي بأن رأيه هو الصواب المطلق ورأي غيره هو الخطأ المطلق بل عليه التسليم بأن العكس قد يكون صحيحا‏,‏ فليس بيننا من هو أعلم وأفقه من الإمام الشافعي رضي الله عنه صاحب المقولة الشهيرة‏:‏ رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب‏.‏

وفضلا عما سبق‏,‏ فإن الاختلاف في الرأي يجب ألا يفسد للود قضية أو يوقع البغضاء بين المتحاورين من النخب المثقفة‏,‏ ولنا في رسول الله صلي الله عليه وسلم وأصحابه الأسوة الحسنة‏,‏ فقد تشاوروا حول ما يفعلون بأسرى بدر‏,‏ فرأى أبو بكر رضي الله عنه أن تقبل فديتهم لما بين المنتصرين والمنهزمين من أواصر القرابة‏,‏ وكان المشركون قد التمسوا منه أن يكون شفيعا لهم عند الرسول فبعثوا إليه من قالوا‏:‏ يا أبا بكر إن فينا الآباء والإخوان والعمومة وبني العم فأبعدنا قريب؛ كلم صاحبك يمن علينا أو يفادنا! فوعدهم أبو بكر خيرا وخرج إلى الرسول يشفع فيهم ويرجوه أن يمن عليهم‏,‏ واتجه رسل المشركين إلي عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقولون له مقالتهم لأبي بكر فلم يجبهم إلى طلبهم وخرج إلى الرسول يقترح عليه ضرب رقابهم ولم يجب الرسول‏,‏ وتناوب أبو بكر وعمر الحديث واختلف المسلمون الحاضرون في الرأي بين مؤيد لرأي أبي بكر ومؤيد لرأي عمر‏,‏ ولكن الرسول صلي الله عليه وسلم أخذ برأي أبي بكر‏,‏ ومع ذلك لم يغضب عمر أو الذين أيدوه من أبي بكر والذين أيدوه‏,‏ بل انصرفوا جميعا من مجلس الرسول صلي الله عليه وسلم يضع كل منهم يده في يد الآخر‏.‏

إنها صورة ناصعة من تاريخنا المجيد تعلم البشرية كيف تختلف وكيف تتحاور لتهتدي في النهاية إلي الطريق القويم‏,‏ فحبذا لو نستحضر هذه المعاني الجميلة الماثلة أمامنا في تاريخنا ونتعامل بها في حاضرنا حتي لا نكون ممن عناهم الشاعر بقوله‏:‏

ومن العجائب والعجائب جمة قــرب الـدواء وما إليه وصــول

كالعير في البيداء يقتلها الظما = والماء فوق ظهــورها محمـــــول

اللهم ارزقنا السداد في الأعمال وحسن التعامل مع الناس.

حاتم ناصر الشرباتي ( أبو ناصر )**

**الحوار :مبادئة ،، أهدافه ،، غاياته ؟

كثيرا ما يقع بعض الاخوة في دائرة العنف الحواري، وهذا ما يحول الحوار الى ما ليس للمرء المسلم ان يكون احد اطرافه، ذلك لان سبب الحوار هو الوصول الى نتيجة، اما اذا اصبح الحوار عرض عضلات فكرية، أوانتصار للذات، دون ان تنتج هذه العضلات الى ما يفيدنا والفكرة التي من اجلها فتح الحوار، فهذا ما لا ينبغي لنا ان ننهجة.

فالحوار يتحول الى جدل عقيم لافائدة ترتجى منه، بل قد يحرم في مواقع عدة، وان من الاسباب التي تجعل الحوار غير قابل للوصول الى حقيقة هو الاعتقاد بالصحة على ما انا عليه، أو ثقافة الفرقة الناجية، فدون ان انظر الى امكانية ان يكون الطرف الآخر فيه من الصحة ما فيه، وهذا لا يعني ان هذه الجزئية تدل على صحة كل الاعتقاد، وهذه الفكرة تأتي على غرار (الاعتقاد بالفرقة الناجية) تأثيرها الواضح في الحوارات والجدالات في مجتمعاتنا ،، انظر مثلا الى الحوارات القائمة، بين اطراف المسلمين وغيرهم في صفحات الانترنت، ترى الطرفين اكثر تقاربا في البداية، وينتهي الحوار وكأنهم خرجوا من معركة، بل هم اكثر فراقا مما كانوا عليه، والكل يعلم ان اصل الحوار من اجل التقارب وفهم كل طرف الآخر، وعندما يتحول الحوار الى جدال لا فائدة ترتجى منه، وجب على المفكر الخروج منه، ذلك لان هذا النوع من الجدل مضرته اكثر من فائدته.

فأنا شخصيا افرق بين الجدل والحوار، والحوار بالنسبة لي هو ما يمكن التقارب أو ايجاد روح التعارف بين فريقين يختلفون في الفكر بينهما بطريق عرض الافكار، ومناقشتها، ويتحول هذا الحوار الى جدل عندما يفتقد هذا الحوار الى عناصره الاساسية التي ان فقدت فاصحبح الحوار في الحقية معركة فكرية تتسم بعرض العضلات والانتصار للذات.

والحوار لا يكون حوارا دون ان يكون بين طرفين، بل لا بد وان يكون الطرفين مختلفين في حالة ويمكن ان يكونوا متفيقن في الاسس أو ان يكون الحوار من اجل توضيح بعض المفاهيم التي يختص بها فرد دون الآخر، ومن العناصر الاساسية في الحوار حتى يستقيم وجود اسس وضوابط بها يستقيم الحوار وهذه الضوابط ان فقدت فقد الحوار، ومن المعروف ان الحوار لا يكون حوارا إلا بوجود :

1- الطرف المحاور، (الغاية من هذا الطرف من الحوار، قوام شخصية المحاور الفكرية.)

2- الطرف الآخر، (الغاية من المحاورة، فهم الموضوع.)

3- موضوع الحوار و (طريقة عرض الموضوع) مفهوم الحكم المسبق.

والحقيقة ان كثير من الحوارات تبدأ بأسلوب اكثر عقلانية من نهايتها، وقد يبدأ الحوار من اجل المعرفة، ويبدو ان بادي المفهوم العام من الحوار هو نشوء غاية من اجل العلم أو طلب المعرفة. ولكن سرعان ما يتبدل الحوار الى جدل قد لا يستسيغه الطرفين، وبالرجوع الى ماتقدم من عناصر، وددت ان ابدأ بصورة اجمالية مبسطة اطرح من خلالها مفهوم المنهجية في الحوار .

1- الطرف المحاور

كثير مايكون الطرف المحاور(وخاصة في المنتديات) يطرح موضوعه بصورة استفزازية أو قد يكون بمؤثرات خارجية جعلته لا يوفق حتى في اختيار العنوان، وهذا النوع من الحوار لا يمكن الدخول فيه إلا اذا استطاع الطرف الآخر من تخفيف حدة التوتر، وإلا فانه يتحول الى جدل عقيم لايمكن من الطرفين ان يستفيد منه، ولهذا الرأي شواهد سوف اطرحها عسى ان لا تكون مبرر لعدم القبول بها لانها خارجة عن اعتقادهم،

قال تعالى (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)

طرحت المثال السابق لانه يفيد في تعريفاتنا من حيث ان الرسول قد حول الجدل الى حوار، من حيث ان الطرف المحاور هي المرأة و الطرف الآخر هو الرسول ، وحول الطرف الآخر (الرسول ) الجدل الى حوار وهذا يعني انه يمكن الحصول على نتيجة بعد ذلك، وحتى نعلم كيف ان الرسل لا يمكن ان يتقبلوا صفة الجدل (الحوار الذي لا يرنو الى نتيجة) نرى في سياق الآية كيف ان المرأة بدأة بأسلوب جدلي، وكيف ان الرسول حول هذا الجدل الى حوار قابل لان ينتج بنتيجة.

وهكذا فان لشخصية الطرف المحاور وزنه في عملية الحوار، وقد يكون السبب الرئيسي في تحويل الحوار الى ما لا ينتفع منه، وخاصة في اسلوب طرح السؤال، أو حتى الحكم المسبق الذي يعتري كثير من المحاورين في الشبكات العنكبوتية.

وقد يكون احد الاسباب في ذلك، الحالة الوهمية التي تعتري هذه الشخصية في هذه الشبكة الافتراضية، وكون المحاور وهمي قد يختفي وراء لوحة مفاتيح ويريد ان يبث حنقه تجاه فئة معينة، بواسطة كلمات تعبر عن ما يجول في نفسه. وهذه الشخصية (الطرف المحاور) عادة ما تكون حاملة في طياتها حكم مسبق، يريد ان يحكم به مباشرة من طرح سؤال او أكثر ويحكم من خلاله على فئة أو طائفة بحكم قد سبق ان عده. وكأن هذا السؤال كاف لان يحكم على احد بحكم شامل. وسوف نسترسل في البحث عندما نأتي شرح مضامين الموضوع (موضوع الحوار).

ولو اننا اخذنا نظرة عابرة لبعض الحوارات التي جاءت في القرآن الكريم، ولنفترض احد الطرق في الحوار ما دار بين النبي ابراهيم عليه السلام وهو الطرف المحاور في هذه الحوارية ..

((وَاذْكُرْفِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً () إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً () يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً () يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً () يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً () قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً () قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً () وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيّاً ))

فقد بينت لنا هذه الآيات الاختلاف في الثقافة بين النبي عليه السلام وعمه، اختلاف اوجب على النبي (عليه السلام) الابتعاد عن هكذا حوار يعلم انه لا يجدي لعدم التناسق و التكافؤ الثقافي. و هناك الكثير من هذه الامثلة.

ونلاحظ مما سبق كيف ان النبي ابراهيم حاول ان يحاور عمه بطريقة سلسة استخدم فيها الاسلوب العاطفي، اذ انه نادى عمه بأبي، وحاول ان يتقرب اليه بان يدعوه بقرابة الدم والتربية ونادى عمه بابي ، إلا ان عمه لم يغفل هذه الطريقة من التقرب، فنهره، ثم نرى كيف ان النبي ابراهيم حاول الخروج من الحوار بصورة لبقة شيقة لم يتعرض لعمه بصورة استهجانية، ولم ينفر عمه عليه، بل لم يقطع حبل الوصال بينه وبين عمه. ولعل في شخصية النبي ابراعيم عبرة للحوارات التي تنتهي بصورة عنيفة.

2- الطرف الآخر

قد يكون السائل (الطرف المحاور) يعتريه فضول أو قد يكون مشبعا بحنق لا يمكن ان يخفيه في حين وضعه للسؤال، وقد يكون في حالة عاطفية واستقر به الامر الى انه على حق. وعلى الطرف الآخر ان يستمع للمحاور حتى يعرف دوافع وحقيقة السائل، ومن ثم يبدأ بالحوار بأسلوب يمكن له ان يصل الى نتيجة.

ومن الضروري ان ندرج ان بعض السائلين انما يسأل ويحسب نفسه انه اعلى من الآخر، فترى طريقة وضعه للسؤال بطريقة متعالية أو قد نقول بنظرة الفوقية، كما في الحالة التي جاء بها احد الاعراب من قريش يسأل فيها النبي عن امكانية ان يرجع الانسان للحياة، فترى طريقة في السؤال استخدم الحالة المادية، كأن يحضر عظم قد ابتلى، فيقول من يحيي العظام وهي رميم ..

ومما يمكن ان يحول الحوار الى جدل، هو عدم تكافؤ الطرفين في المستوى الفكري، بحيث ان كثير من المواضيع تحتاج الى بلوغ مرتبة معينة في الفكر، أو التحصيل العلمي كما هو الحال في الرياضيات والفيزياء ، فلا يمكن لأحد منا ان يحاور طفلا في التكامل أو التفاضل أو علم الذرة في حين ان الطفل لا يستطيع ان يهضم مفاهيم العلم الأولية، وهذا قد يجعل الحوار عقيم لا فائدة ترتجى منه ،،

ويكفينا ان الحالة النفسية في بعض الحواريات من رفع الصوت، يحول الحوار الى جدل، ويكفينا المثال السابق في تفهم قيمة الطرف الآخر في جعل الجدل الى حوار كما سبق.

وكما قد اشرنا في مثال سيدنا ابراهيم لأسلوب الحوار، فلنقرأ ما جاء من الطرف الآخر وهو في هذه الحالة عم النبي ، قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لارجمنك واهجرني مليا، نرى كيف ان عم النبي ابراهيم قابل النبي ابراهيم بعطفه وتهذيبه واسلوبه الرقيق في الحوار، الى اسلوب الفظاظة والغلظة والعناد فناداه باسمه ولم يقابله بنفس اسلوب نبينا ابراهيم فحق ان يناديه بـ(يا بني)، ثم انه أخر المبتدأ وقدم الخبر على المبتدأ وايضا استخدم اسلوب الانكار في سؤاله اذ استخدم الهمزة ثم استخدم اسلوب التعجب مع نوع من التهديد، واخذ يفهمه انه لن يسكت عنه فسوف يرجمه ولعل مفهوم الرجم هنا هو باللسان، اذ انه استخدم الاسلوب اللاذع وقد يكون ايضا ضرب أو تهديد بالرجم بالحجارة ثم انه طلب منه ان يهجره هجرة ابدية.

كان ذلك مثال للطرف الآخر، وفي هذه الحالة كان الطرف الآخر المستقبل معاندا وكان اسلوبه شديد الغلظة. وسوف نبحث في باقي الامثلة على نوعيات من الشخصية وطرق الحوار.

3- موضوع الحوار

قد اكون غير منصف لو انني كتب صفحات تلو الصفحات في هذه النقطة، ذلك لان الموضوع هو اصل الحوار فلولاه لما بدأ شيء اسمه حوار، والموضوع في حد ذاته هو اصل الفراق بين الطرفين، ولذا فان هذه النقطة طويلة وتحتاج الى شرح طويل، إلا اني اختصر القول وأقول انه لابد من ان يبدأ طرفي الحوار من قاعدة مشتركة بينهم، أي ان اصل تحصيل العلم وبديهيات المعرفة بينهم لابد من ان تكون مشتركة، وهذا الامر بديهي عند أهل العلم، فلايمكن مخاطبة من لا يؤمن بالله والاحتجاج اليه بما يعاكس مبدأة، ولا يمكن ممن لا يؤمن بأصل نظرية الصانع ان تحاججه ببديهيات الآيات القرآنية.

يقى علينا ان نبحث مضامين تحصيل العلم وكيف يمكن للطرفين انشاء قاعدة بينهما حتى يتسنى للطرفين مواصلة الحوار، وهنا تقع المشكلة على عاتق المتحاورين (الطرفين) وهذا لا يمكن ان يكون إلا بالتماس ثقافة طرفي الحوار.

و مما لا شك فيه ان المحاور قليل المطالعة الثقافية لا يستطيع متابعة الحوار ولذا فقد يجر الطرف المحاور الى اعادة الطرع مرة اخرى وقد يبدو في ذلك نوع من الانزعاج، وطبيعي ان يكون ذلك احد الاسباب في تحويل الحوار الى جدال، بل قد يتعمد على ذلك مما يؤدي تحوله اما الى الجدال او الحوار السفسطائي الغير مجدي.

وهنا نعرض ثقافة طرفي الحوار في موضوع الحوار ليس لان احد الطرفين اعلم من الآخر في كل مفهوم من المفاهيم الثقافية. فقد يكون احد الطرفين مثلا يبحث موضوعا اسلاميا ذا اصول عقائدية معقدة تحتاج الى من هو على علم باصول اخرى مثل علم الكلام و المنطق. وعند التعرض لكلمات ذات مفاهيم مختلفة عما هي في اصطلاح العامة من الناس يفهم من المحاور ما لا ينبغي فهمه. و ذلك لعدم تكافؤ الطرفين في الثقافة المطلوبة لهذا الحوار.

وقد يتأثر طرفي الحوار بل يتأثر البحث في الموضوع نفسه لاسباب منها :

كيفية طرح طرح الموضوع

كيفية الطرح للموضوع قد تكون متعلقة بالموضوع نفسه، و قد تكون ايضا متعلقة بشخصية الطرف الآخر، فقد يدرج موضوعا بصورة هزلية و هو في الحقيقة من قمة الجدية عند الطرف الآخر (عندما اكتب (الطرف الآخر) اقصد به المحاور له و قد يكون شخصا او فثة من الناس). و هنا لا اعتقد ان يختلف اثنان في ان كيفية الطرح مهمة و حاسة و قد تكون السبب في انقطاع المفهوم الحواري منذ البداية.

و لا اقصد فقط الاسلوب الهزلي في الطرح بل العكس ايضا مساوي له في التأثير، و قد يكون الطرح ايضا في الاسلوب الدعائي، او التظلمي ان صح التعبير. و الملاحظ في مجتمعاتنا كثرة الحوارات الاستفهامية، على الرغم من ان القصد الاساس من ذلك هو ايصال فكرة ما.

و حتى يمكن ان نضيف بعض التركيز على كيفية الطرح و جب علينا ان نتفهم نوعية الثقافة في مجتمعنا بصورة دقيقة، فنحن ان صح التعبير (قليلي القراءة) و كثيري السمع، و بالحق نستطيع القول ان المحاور بيننا يسهل عليه السمع والمحاورة اكثر منها تحريريا، وهذه الاعراض انما جاءت لاسباب معاملة الشخصية المحاورة في المدرسة و المنزل …

ففي المثال السابق الذي هو حوارية النبي مع عمه، نستطيع ان نلخص مما حدث على هيئة نقاط قد نستفيد منها ،

1 ? ان النبي ابراهيم استخدم اسلوب التقرب في المناداة فقد نادى عمه بنداء الابوة فقال (((يا أبت))) تقربا منه ورفعة من شأنه و علاء لمكانته، بل قد كررت في الآيات التي تليها فهو يبدأ ياأبت حتى يتقبل منه ما سوف يصدر منه، ويكون معه رفيقا و يسمع كلامه. و قد اتخد النبي ابراهيم هذا الاسلوب الممتع و الذي عادة ما يهديء الوضع و يسهل الى الطرف الآخر السمع وقبول الفكرة.

2 - ان النبي ابراهيم لم يصرح بضلال عمه بالرغم من ان عمه كان ضالا الا انه استخدم اسلوب طلب العلة فقدم العلة على المعلول فسأله عن علة عبادته الى ما لا يستحق للعبادة. وهذا الاسلوب فيه نوع من تكبير الطرف الآخر فكأنما سأله ان يفكر في امره، ثم دعاه إلى أن يتبعه ليهديه الحق القويم والصراط المستقيم.

3- ولم يستخدم اسلوب التكبر أو انه سمى عمه بالجهل بل جعل نفسه كرفيق له في مسير يكون أعرف بالطريق و هذا ما يمكن لمسه من اسلوب النبي ابراهيم عليه السلام في خطابه الى عمه حيث لم يستخدم اسلوب التعالي أو النظرة الفوقية بل انه كما تقدم القول في استخدام التقريب العرقي و النفسي و حاول قدر الامكان في ان تكون المخاطبة بسيطة قريبة الى القلب و لم يستخدم اسلوب الامر في كلامة و لا القول الغليض.

4- ثم ثبطه عما كان عليه بأن عبادته الى الاصنام على انها خالية عن النفع مستلزمة للضرر لان عبادة الاصنام في الحقيقة عبادة الشيطان والامر به وبين أن الشيطان مستعص لربك المولى للنعم كلها وكل عاص حقيق بأن يسترد منه النعم وينتقم منه ولذلك عقبه بتخويفه سوء عاقبته وما يجره إليه من صيرورته قرينا للشيطان في اللعن والعذاب.

اذا نستطيع ان نلخص الاسلوب الذي استخدمه النبي ابراهيم في حواريته مع عمه بـ(التقرب والمحبة، عدم الطعن في اعتقاد عمه مباشرة، استخدام اسلب الصداقة والملازمة، ثم انه ثبطه عن العمل الذي يقوم به.

دراسة خلفيات الموضوع

كثيرا ما تكون اساسيات طرح الحوارات ان تكون لها اسباب قد نستنتج منها صحة فعل ام خطأه، وقد يكون لهذه الواضيع خلفيات أو اسباب ليس من الضروري للمحاور أو الطرف الآخر ان يكون ملما بها، وهنا تقع المشكلة، اذ ان الاسباب والدوافع من طرح الموضوع هو الحصول على العلم والمعرفة فان كان احد اطراف الحوار لا يعلم خلفيات المسألة، اصبح من المفترض ان تعرض المسألة أو الموضوع بصورة اساسية كأن يعرض الموضوع بمقدمة عن الموضوع وخلفياته التي قد اثرت في وضع السؤال أو الحوار، ثم بعد ذلك يطرح الموضوع بصورة اكثر نفعا.. كما يحاكي القرآن تلك الاساليب في حوارية النبي ابراهيم والنمرود ويحكيها لنا القرآن الكريم بصورة غنية في المعاني قوله تعالى ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ))

وهنا يعرض لنا القرآن خلفيات الموضوع مع نمرود اذ قال ان آتاه الله الملك، فعرفنا ان النمرود له ملك عظيم وقيل انه عنده الاسم الاعظم، ففهمنا ان النمرود اعتلى واصبح يعني نفسه بانه إله ايضا..

وفي الآيات كلام واضح من حيث تدليس النمرود في كلامه على انه يستطيع ان يحيي ويميت وهو يعلم غاية السؤال هو في امكانية ان يحيي خلقا جديدا لا على شاكلة ان يحيي الانسان الذي حكم عليه بالموت، وهكذا دلس المعنى الحقيقي. والآيات قد بينت لنا خلفيات الموضوع في هذا الحوار.

دراسة اسلوب طرح الموضوع

من الطبيعي ان الاسلوب في طرح السؤال أو الموضوع له اثره في نفس الطرف الآخر، وقد يكون له من المسببات للعرض عن اساس الحوار بل قد يكون اثره حادا للغاية. وقد بينا في حوارية النبي ابرهيم مع عمه اسلوبه في طرح الحوار، مع ذلك كيف كانت طريقة عمه في الرد عليه، وقد نستفيد من اسلوب بعدة نقاط منها :

1 - استخدام اسلوب الاستفهام (((أراغب أنت عن آلهتي))) .. أي ان هذا الاسلوب من المسائلة يفرض على الطرف الآخر جو المحاسبة او المحاكمة. وهذه الطريقة من المحاكمة تجعل الطرف الآخر في جو من العصبية أو الارهاب الفكري الذي يداهم أي شخصية عند المسائلة و المحاسبة.

2 - التهديد و الوعيد في الحوار (((لئن لم تنته لارجمنك واهجرني مليا))) و هذا من اكثر العوامل التي تجعل الحوار ينقطع و يبدل بالجدال العقيم. وعادة ما يصدر هكذا عمل من الشخصية التي ترى نفسها اعلى من الثانية، أو ما يسمى بالنظرة الفوقية للآخرين ..

3 ? الااجابة بالحسنى، فالمحاور ان سأل ونادى الطرف الآخر بـ(أخي) فالواجب ايضا ان احاوره او ارد عليه بالمثل من باب اذا حييتم بتحية .. ثم اننا لو تفحصنا النظر في حوارية النبي ابراهيم فمن الواجب علي عمه ان يجيب النبي ابراهيم بـ(يا بني) حيث اننا عندما نخاطب بـ(يا ابني / يا ابنتي) و جب الرد بالمثل أو افضل .. الا اننا نرى العكس من ذلك ..

4 ? وقد نستفيد من حوارية النبي مع عمه بعض المفاهيم التي قد تكون غائبة عن كثير من المحاورين، فنرى كيف كانت قسوة عم النبي و استخدام اسلوب الهيمنة و الشدة فتنكر على ابراهيم القول و اخذ ينهره و يستخدم الاسلوب الاستفزازي من اساليب تقديم الخبر في (أراغب أنت عن آلهتي). فهي في الاصل يا ابراهيم اترغب عن الهتي ؟؟ و لكن نرى ان الجملة تكون اغلض واكثر شدة عنما تقدم الخبر على المبتدأ.

5- ويبدو من الواضح ايضا تكرار السؤال أو تكرار التهديد ، كما في ، (أراغب أنت) (لأن لم تنته) (لأرجمنك) وهكذا ، نعلم ان عم النبي ابراهيم كان في حالة يريد منها ان ينفر النبي ابراهيم ولانه لم يكن لديه حجة في حواره معه استخدم اسلوب العنف الحواري. وحتى وصل الحوار الى درجة ان يرجمه..

الخروج من الحوار

كثير ما يمر على المحاور او الطرف الآخر نزعة الغلبة، وعدم المبالاة بالادلة التي يستخدما الطرف الآخر، وهنا لا بد من المحاور من ان يحكم عقله وفكره، فهو لم يدخل في الحوار من اجل الغلبة او العناد مع فرد لا يمكن ان تصل معه للحق، وبذلك لا بد من الوصول الى نقطة فصل، وقد لا تكون محببة لدى الطرفين، ولكن هي الحقيقة التي لابد من الوصول اليها. ولنا في حوارية النبي ابراهيم عليه السلام خير مثال. اذ ان النبي عليه السلام قد فصل الخطاب مع عمه . (قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا) يبد للوهلة الاولى ان النبي ابراهيم استخدم ايضا اسلوب اللين واللطف، اذ انه بدأ بالسلام على عمه، وقال سلام عليك ملاحظة لا بد وان ندرسها كيف ان النبي ابراهيم يحاول ان ينهي الحوار بأسلوب التوديع ومقابلة السيئة بالحسنة، ثم انه لم يطلب من عمه ان يتركه بل هو الذي قال انه سيعتزله، وفيها يفهم مغزى وكأنه قال له يا عم لا اريد ان اصيبك بمكروه، وقال له ايضا سأستغفر لك ربي، وهذا دعاء وليس فيه ما يضر الطرف الآخر، بل يفيد بركازة الايمان بانه على حق، وانه سيطلب من ربه ان يهديه لعله يوفقك للتوبة والأيمان.

ثم بعد ذلك عزم على فراق الحوار مع عمه ولم يحاول التجريح فيه بصورة شخصية، بل قال ((وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا)) ونفهم من الآية انه اراد ان يبلغه انه سوف يعزله لسبب انهم يدعون من دون الله، فهجرته لعمه لم تكن هجرة لسبب شخصي، ولكن للسبب اياه المبين، فليس لنبي ان يبقى مع المشركين بل قد اصبح من الواجب الحتمي بعد ان واجهه عمه بالانتقام منه ان يعتزلهم وما يدعون من دون الله بالمهاجرة بدينه، ولازال في هذه الوقت المتأخر من المفارقة يطلب الدعاء، وكأنه يريد ان يخبر عمه انكم تدعون ما لايسمعكم، فقا عسى ان لا اكون بدعائي كما انتم تدعون حجرا. واكون كما انتم تدعون الهة لا تفيد.

منقوووووووووووووووووووووووووووووووووول**

**الحوار :مبادئة ،، أهدافه ،، غاياته ؟

توطئة وبيان

بسم الله الرحمن الرحيم

معذرة وبدون اجحاف

لماذا اخترت هذا الموضوع بالذات ؟

جاء في آخر سورة النحل قول الله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125] والخطاب في قوله: (ادع) لمن؟ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقيل: إن الخطاب لكل من يصح أن يتوجه إليه الخطاب، النبي عليه الصلاة والسلام وغيره؛ لأن القرآن نزل للأمة جميعاً، فإذا قال الله: (ادع) فالخطاب لكل مؤمن أن يدعو إلى الله. وفي هذا الخطاب دليل على وجوب الإخلاص، أن تدعو إلى سبيل الله هذا إخلاص؛ وذلك لأن حملة الدعوة الاسلامية للناس لهم إرادات؛ من الناس من يدعو إلى سبيل الله لكن انتقاماً من المدعو، أو انتصاراً لرأي، هذا الذي يدعو انتقاماً من المدعو أو انتصاراً لرأيه هل يكون داعياً إلى الله، أو إلى سبيل الله؟ لا.

يوجد أناس الآن يدعون إلى الله لكن يريدون أن ينصروا قولهم، ولذلك يصعب عليهم جداً أن يتراجعوا عنه ولو كان خلاف الحق؛ لأنهم يريدون أن يكون الكلام لهم أو سلطة الرأي لهم، وهذا لا شك مجانبٌ للإخلاص تماماً، هذا يدعو إلى الهوى وليس يدعو إلى الهدى.

إنسان آخر يدعو انتقاماً من الشخص، هذا أيضاً غلط، الواجب أن تدعو إلى الله، وإلى سبيل الله لإصلاح عباد الله، وليس انتقاماً منهم، ولا انتصاراً لرأيك، ولكن لإصلاحهم، وإذا كان كذلك أي لإصلاح الخلق؛ فسوف يسلك الإنسان أقرب الطرق إلى حصول المقصود.

وقوله تعالى ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ يتبين منه أنه لابد من العلم، لماذا؟ لابد أن تعلم ما تدعو إليه أنه من شرع الله، فتعلم أولاً ثم إحمل ما تعلمته للناس، أما أن تدعو إلى سبيل الله وأنت تجهل سبيل الله فلا يُعقل ذلك !!! ولهذا قال الله تعالى في آية أخرى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ [يوسف:108] على علم، فلابد أن يكون الإنسان عالماً بما يدعو إليه، وأنه حق ومن شريعة الله.

أما مجرد أن ينقدح في ذهنه أن هذا حق بدون دليل شرعي فإنه لا يجوز أن يتكلم، لأن الله يقول: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء:36]، ويقول الله جل وعلا: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33] لابد أن يكون الإنسان عالماً بالشرع،

وفي قوله تعالى يقول الله عز وجل: بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ هذه ثلاثة أوصاف مطلوبة لحمل الدعوة، أولاً: بالحكمة، ببيان الحق ودليله من الكتاب والسنة، ويجب حين الدعوة لحكم شرعي إقرانه بدليله الشرعي ولا بد، أولاً: لبراءة الذمة، وثانياً: ليطمئن المدعو؛ والحكمة والموعظة الحسنة تقتضي أن يكون النقاش بالتي هي أحسن والمحاذرة من أن يصل للجدل العقيم.

وقد لاحظت عدم انضباط البعض بالطريقة الشرعية لحمل الدعوة في مجادلة الناس حيث برز في المنتديات ظهور نفر يحاجون الناس بأساليب يغلب عليها الجلافة وأحياناً الفحش في القول، منتهجين طريق المغالبة المشابهة لدواعي قولهم في المثل العامي ( عنزة ولو طارت ) ويلجأ بعضهم لإختلاق الأكاذيب في نقلهم بهدف الإساءة لمخاليفهم خلافاَ لقوله تعالى : ( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا[الإسراء:36]. وخلافا لقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ (20) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21)

ودرج نفر للإفتاء بغير ما أنزل الله تعالى خلافا لقوله تعالى : (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ)

ومنهم من درج على السخرية من مخالفيه خلافا لقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) وما أظنُّ أنّ من ينتهج أخلاق السخرية في النقاش إلا دخيل على حملة الدعوة الاسلامية… والشخصية الاسلامية قوامها العقلية والنفسية ، واذا انفصلت النفسية عن العقلية فسيأثر ذلك على سلوك الفرد وأخلاقه، فالأمر في مثل تلك الحالات يحتاج بالتأكيد لعلاج النفسية علاجا واعيا حتى تتوافق وتتزاوج مع العقلية ، علما بأن حامل الدعوة الاسلامية ليس شخصية اسلامية وكفى، بل هو شخصية اسلا مية مميزة، ومن يستعيض بالهزء والسخرية عن فشله في نقاش الأمر المطروح للحوار لا يصدق عليه أنّه من حملة الدعوة بل دخيل عليهم وليس من جنسهم، وحامل الدعوة الحقيقي هو مثال للتميز فلا يجوز له الهروب من الحوار بالسخرية الكاشفة عن نقيصة في تكوين شخصيته مما يتنافى مع شروط حامل الدعوة علاوة على أن ذلك الخلق مما يُخالف شرع الله ، وفي حالة كونه من حملة الدعوة فيحتاج بالتأكيد دراسة كتاب ( النفسية الاسلامية ) لحزب التحرير دراسة مركزة وليس مجرد قراءة عابرة، وكثيرا ما يقع بعض الاخوة في دائرة العنف الحواري، وهذا ما يحول الحوار الى ما ليس للمرء المسلم ان يكون احد اطرافه، ذلك لان سبب الحوار هو الو صول إلى نتيجة، أمّا اذا أصبح الحوار

عرض عضلات فكرية، أوانتصار للذات أو سخرية وهزء بمقابله في الحوار، دون ان تنتج هذه العضلات الى ما يفيدنا والفكرة التي من اجلها فتح الحوار، فهذا ما لا ينبغي لنا ان ننهجة…ولنا عودة داعيا الله تعالى أن يُصلح النفسيات ليقوم بذلك الاصلاح معالجة المنحرف والشاذ من السلوك…اللهم آمين

ولشيوع الكثير من التصرفات النشاز المخالفة لشرع الله بين أفراد من الأمة بشكل يشكل خطورة ومخالفة صريحة لشرع الله فقد اخترت بعض المواضيع التي تسلط الضوء على مخالفات الحوار وتبين طريقة الإسلام به. أبدأها بموضوع :

الحوار :مبادئة ،، أهدافه ،، غاياته ؟