التغيير حتمية الدولة الإسلامية

ولأجل استمرار عملية التضليل، وتعمية الناس عن حقيقة حكامهم وخططهم، خاصة وأن الأمة بدأت تتحسس عملية النهضة وتدرك حقيقتها، وأخذت الصحوة الإسلامية بالظهور والانتشار، يعمد شياطين الإنس والجن إلى تحريف أفكار الإسلام ومفاهيمه، وإلى تسويغ الكفر وتشريعاته وقوانينه بفتاوى ضالة. ولذلك نرى بعض حكامنا يحاولون إضفاء صفة الإيمان والإسلام على أنفسهم. ويستعملون في ذلك (العلماء !) الذين باعوا دينهم بدنياهم. وتُسَخَّر في ذلك أجهزة الإعلام لتسوِّغ الكفر وتزينه، وفي حين تمتلئ السجون بالعلماء والدعاة الذين يرجون رضا الله، ترى علماء السلاطين ووعاظهم، على الشاشات الأرضية والفضائية وفي المناسبات السلطانية، يقدمون الولاء للعملاء الكفرة والفسقة. ويوجهون الناس إلى القبول بهذه الأنظمة وسياساتها وخططها. فيضللون المسلمين عن حقيقة الغاية أو الفكرة الإسلامية، ويسوِّغون لهم واقع التجزئة والانقسام، ويفتون بجواز الصلح والسلام مع دولة يهود الغاصبة، ويروجون لما يلهي الأمة عن العمل لتحقيق الغاية الإسلامية، ويلهونها بأفكار كلامية ومواعظ مملولة، ويعملون كمعاول هدم في الأمة، فيصورون لها أن تحقيق الغاية الإسلامية وإقامة الخلافة هو أمر بعيد المنال، أو عفا عليه الزمن، أو أنه مِنَّة من الله تأتي دون عمل، أو أنه لا يمكن إلا بمجيء المهدي، فما على المسلمين إلا مصالحة الحكام والرضا بهم وإرضاؤهم إلى أن يأتي المهدي. وأما الذين يكشفون حقيقتهم وحقيقة أسيادهم، فهم يروّجون، بمساعدة إعلام أسيادهم، أن هؤلاء جهلة وإرهابيون أو عملاء وأصحاب مطامع شخصية.

إن على الأمة أن تدرك اليوم حقيقة هؤلاء (العلماء !) وأمثالهم من المفتين ووعاظ السلاطين مثلما أدركت حقيقة الحكام الذين يستعملونهم. فهم سواء في تزيين الباطل والترويج له، وفي إخفاء الحقائق والتعمية عليها. وإذا كانت الصحوة الإسلامية قد أجبرت الكفار وعملاءهم على إعطاء قسط للإسلام في أجهزة الإعلام، وسمحت بشهرة ما لبعض العلماء، فهي إنما تحرف الإسلام وتغير مفاهيمه وتنشر الضلال باسم الإسلام، وتلمّع من العلماء أولئك السذج الجهلاء والجبناء والضالين. أما المخلصون فهم خَطَر ويجب القضاء عليهم.

هذه الأمثلة من التضليل هي غيض من فيض. وما علينا إلا أن ننظر اليوم إلى النتائج. البلاد من أغنى البلاد ولكن أهلها من أفقر الناس. أهل البلاد حَمَلَة أعظم فكر في الدنيا، وهو وحده الفكر الصحيح، ولكنهم يستجْدون التشريعات من أهل الباطل ويتغنون بثقافتهم وبتقليدهم. أهل البلاد من أعز البشر وأكثرهم استعداداً للموت في سبيل الله، ولكن يذلُّهم أذل البشر من يهود وأشياعهم. المتعلمون و حَمَلَة الشهادات العليا بالملايين ولكنهم عاطلون عن العمل. أمة تزيد على المليار وثلث المليار، أمة واحدة، والأصل أنها دولة واحدة، ولكنها تزيد على خمسين دويلة، خلافاتها وصراعاتها أكبر منها، والـحَكَمُ في ذلك أميركا وفرنسا وبريطانيا، شياطين الإنس. أرض زراعية تطعم أضعاف أضعاف العالم ولكنها معطلة. متعلمون وعلماء وعقول بالآلاف بل بالملايين يستجدون وظيفة أو قبولاً في أميركا أو السويد أو ألمانيا…، مليارات كثيرة وذَهَبٌ كثير ولكن في بنوك الكفر يتمتع بها أتباع إبليس وذريته، علماء وأئمة ومصلون لا يحصَوْن ولا يعدون ولكن غثاء كغثاء السيل…

نعم، إنها النتيجة الحتمية لتعطيل الفكر وأخذ (الحقائق) من أهل الباطل.(يَعِـدُهم الشيطان ويمنّيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً) (25). (ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين) (26). وكل هذا التضليل مترافق مع التعمية عن الحقائق، فزعماء الباطل حريصون على أن لا يتنبه المسلمون إلى حقيقة النهضة كيف تحصل. ولذلك فهم حريصون على أن لا تلتفت الأمة إلى عقيدتها وشريعتها. عقيدتها التي هي التفسير الصحيح وحده للأشياء. والتي هي أول عوامل وحدتها وأعظمها، وشريعتُها التي هي مصدر معالجات كل مشاكلها، وهي من أهم عوامل وحدتها أيضاً، وهي التي توجه الناس إلى الحكم الصحيح وتوحدهم في نظرتهم، فتعيّنُ لهم من هو العدو ومن هو الصديق، وما هو الحسن وما هو القبيح، وتأمرهم بأن يتمسكوا بالحقائق كما هي.

إن الأعداد الهائلة للمسلمين اليوم، وأراضيهم الواسعة، وثرواتهم التي لا تنضب وملياراتهم التي لا تحصى كانت عليهم نِقمة بدل أن تكون نعمة. فالنهوض ليس بالمال والثروة وليس بالاقتصاد، وليس بكثرة العلماء.

وعندما كان المسلمون يحملون عقيدتهم حملاً فكرياً وسياسياً استطاعوا بسنوات قليلة أن يكونوا أعظم وأكبر أمة في العالم، وأن يكونوا الدولة الأولى في العالم. وهذا يدلنا على أهمية وجود فكر أساسي ينبثق منه نظام أو أنظمة وقوانين تعالج كل ما ينشأ من حاجات أو مشكلات، في الواقع أو في النفس. فكيف إذا كان هذا الفكر صادقاً وصحيحاً ومطابقاً لحقائق الأشياء والوقائع كما هو الإسلام. (قال اهبطا منها جميعاً بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدىً فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى 0 ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى 0 قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً 0 قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى 0 وكذلك نجزي من أسـرف ولم يؤمـن بآيـات ربـه ولعذاب الآخـرة أشـد وأبقى) (27).

إن طريق التغيير والنهوض تبدأ بالنظر والتفكير بحقائق الكون والإنسان والحياة، أي بالوعي الفكري وبالتمسك بالحقائق والتنبه للمغالطات التي تصرف عن الحقائق وتوقع في الضلال. وهذا التمسك بالحقائق طريق إلى الإيمان، وطريق بعد ذلك إلى إدراك كل الوقائع على حقيقتها، وهو ميزان لكل الناس ولكل المواقف ولكل الطروحات.

ورحم الله الشيخ تقي الدين النبهاني حيث قال: «لا بد من تصـحـيح المفـاهيـم للأشـياء عند الناس كافة» (28). وقال: «لا بد من لفت النظر إلى أمرين: أحدهما: المغالطات التي تحصل في الحقائق، والثاني: المغالطات التي تصرف عن الحقائق… ولذلك لا بد من الانتباه للمغالطات ولا بد من التمسك بالحقائق والقبض على الحقيقة بيد من حديد، ولا بد من العمق في الفكر والإخلاص في التفكير للوصول إلى الحقائق» (29).

فعلى المسلمين أن يتنبهوا لما يروَّج بينهم من أفكار وآراء ومناهج وخطط وتعريفات وأن ينقدوها ويمحصوها ليركلوا الخطأ والبـاطـل منـهـا. قـال تعـالى:(قل انظـروا ماذا في السـماوات والأرض) (30). وقال:(قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونُـرَدُّ على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هـدى الله هو الهـدى وأُمرنا لنسـلم لرب العـالمين)(31).


-سورة النساء 120

  • سورة يونس 60

  • سورة طه 123-127

-التكتل الحـزبي ص20

-التفكير ص88

-سورة يونس 101

-سورة الأنعام 71

لم تدرك الأمة وشعوبها حينذاك أن حكامها أعداء لها ولدينها، وليسوا من جنسها وأنهم كذابون مخادعون، لم تدرك الأمة هذه الحقائق، فصدَّقتهم وصفَّقت لهم. ونلاحظ أن النتائج كانت بعكس الأهداف، فقد ازداد التخلف والفقر وتكرست الفرقة والتجزئة، والبلاد مرشحة لمزيد من الانقسام والشرذمة، وبدل طرد الاستعمار أقامت الدول الاستعمارية قواعد عسكرية كثيرة وأحكمت قبضتها على بلاد المسلمين. وسيطرت الدول الكبرى بشركاتها وقواتها وتشريعاتها على البلاد والعباد. وبدل تحرير فلسطين تم الاعتراف بدولة يهود وبحقها في الوجود الآمن، واتسعت رقعة الاحتلال، وصار كل فرد من أبناء الأمة الإسلامية يشعر كل يوم بامتهان كرامته وبخضوعه لعدوه.

نعم، إنه لخطير أن تُنَصِّبَ على نفسك حاكماً تعطيه قيادتك وتثق به، وهو في الحقيقة عدو لك. ولذلك كان مهماً إدراك حقيقة هؤلاء المتزعمين، وكذلك إدراك القناعات والمفاهيم التي تستعمل ليوزن بها الرجال والأعمال، فإذا كانت باطلة وخطأ فسـتؤدي إلى الثقة بالفاسدين واتباعهم في ضلالهم. وإن كانت صحيحة فستؤدي إلى كشفهم وكشف أعمالهم. لقد صدّقت الأمـة الأوهـام والترهـات والأضـاليل فوصـلت إلى ما هي فيــه من ضـعف وذل.

والواجب أن تدرك الأمة الحقائق من خلال البحث والنظر في حقائق الأشياء والوقائع وخصائصها، وفي حقائق الأهداف والشعارات المرفوعة، وفي حقائق المواقف والأعمال المتخذة والجارية، وليس من خلال النتائج التي تصل إليها بعد الدخول في تجارب الانقياد للرجال أو تجارب الاتباع للأفكار، لأن هذا يخرجها من هزيمة إلى هزيمة أكبر، ومن الانقياد لعدوٍّ ماكر إلى الانقياد لعدوٍّ أمكر. (أولا يرَون أنهم يُفتنون في كل عامٍ مرةً أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذّكّرون)

لقد أخفى الطواغيت والعملاء والخونة حقيقتهم البشعة وغطوها بالأقوال الجميلة والشعارات المزخرفة، وعمدوا إلى من يكشف زيفهم، وزيف شعاراتهم وأسسهم الفكرية، فعملوا على خنق صوته وكمِّ فيه كي لا تظهر الحقيقة، وعلى إشاعة الاتهامات الباطلة عنه ومعاملته بالحديد والنار والقتل والسجن. وتلك أيضاً إحدى حقائق أو سنن الصراع بين الحق والباطل. فذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم اتهمه زعماء الكفر والباطل بأنه شاعر وبأنه كاهن وبأنه ساحر، وبأنه يعلّمه بشر، وبأنه يتلو من أساطير الأولين، وعذبوه وعذبوا أصحابه، ووثب زعماء الكفار من كل قبيلة على من أسلم منهم يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم. نعم تلك سنة من سنن الصراع بين الحق والباطل.

ومن تضليلات شياطين الإنس والجن ما يوحون به ويصوِّرونه من أن النهضة هي اللحاق بهم، وأخذ مناهجهم في الفكر والثقافة، ويساعدهم في ذلك الحكام العملاء ووسائل الإعلام والتعليم والمبهورون بهم من أبناء الأمة. وبذلك يصبح الكافر المستعمر مثلاً أعلى للمستعْمَرين. ويلهث هؤلاء لتكريس استعماره لهم ظانين أنهم يحاربونه. فمثلاً: يقولون إن شرط النهضة والتقدم والنمو هو الاستقرار الاقتصادي، وإن هذا يقاس بمتوسط دخل الفرد. والحياة الإنسانية الكريمة تقاس بهذا الدخل الذي يرسمون له حداً أدنى. ولتحقيق الاستقرار الاقتصادي لا بد من تنويع مصادر الدخل أو القيام بمشاريع معينة. وهكذا يطبق أتباع إبليس وذريته أضاليلهم على بلادنا وأمتنا. وأدواتُهم في ذلك حكامنا وعملاؤهم والمبهورون بهم من علمانيين وفسقة، يوجهون نصائحهم لكل بلد أو جماعة بالشكل الذي يحفظ مصالحهم، ويسلخ أمتنا عن عقيدتها ودينها.

جاء في القاموس السياسي الذي وضعه أحمد عطية الله: «الدولة النامية أو الدولة المتخلفة دولة لم تبلغ بعد مرحلة الاستقرار الاقتصادي الذي يعني أن متوسط دخل الفرد فيها دون المستوى اللائق بحياة إنسانية كريمة تحت ظروف بيئة هذا الإقليم… وقد درج رجال الاقتصاد والسياسة على تعيين حد أدنى لدخول الأفراد إذا انخفضت عنه اعتبرت الدولة متخلِّفة أو نامية… فالمشكلة الكبرى التي تواجه الدول النامية وهي رفع مستوى المعيشة ما زالت قائمة بالرغم من الجهود التي تبذلها بعضها… إن أهم ما يعترض نجاح خطط التنمية في الدولة المتخلفة والنامية أن الاقتراض من الدول المتقدمة يتم بشروط غير ملائمة… بالإضافة إلى مشكلة تزايد السكان في أكثر الدول المتخلفة والنامية» (24).

وبهذه الأفكار والتعريفات الفاسدة، وبهذا التضليل تصبح مشكلة المسلمين أو غايتهم ليس تحرير بلادهم من الكفر وتطبيق دينهم وحمله إلى الناس، وليس مواجهة الكافر المستعمر وطرده، وإنما هي التنمية الاقتصادية، وإذا صدّق المسلمون هذا، فيجب عليهم الاستعانة بهذا المستعمر لأنه خبير ومتقدم اقتصادياً، فيضع لهم الخطط ويقدم لهم النصائح.

فعلى سبيل المثال: دولة مثل السعودية ركنت بتوجيهات حكامها إلى الأميركان وغيرهم من الكفار، ونصحها هؤلاء بأن عليها أن تعدد مصادر الدخل حتى تنهض، فلا يصح أن تحصر اعتمادها على البترول. وإذا أردنا أن نعدد مصادر الدخل في السعودية فبدل أن يكون الهدف إنشاء الصناعات الحديثة والمتقدمة، ينصحنا الشيطان الحريص علينا بأن سنة التقدم والتطور يجب أن تبدأ بالزراعة. وهكذا كان؛ فقامت السعودية ـ بمساعدة أهل التضليل ـ بوضع مشاريع استصلاح الصحارى وزراعتها، وزرعت القمح. وكانت النتيجة إنتاج القمح بتكاليف أضعاف مضاعفة عن سعره في الأسواق، ولكن، بما أن هذا ضروري لأجل النهضة، استمرت الدولة بتشجيع الزراعة، وأغرت الناس بأنها تشتريه منهم بأكثر من تكاليفه الباهظة، فلجأ الناس إلى استيراده أو تهريبه أو شرائه من الأسواق بسعره الطبيعي ثم بيعه للدولة. فأي عقل هذا الذي اقتنع بهذا التخطيط، وبأن هذا هو طريق النهضة ؟ أليس في هذا تعطيل للسمع والبصر والعقل ؟

أما في بلاد أخرى تصلح للإنتاج الزراعي كالسودان أو العراق أو سوريا أو غيرها، فهذه تبقى أرضها جرداء قاحلة، ولأجل التقدم والنهوض عليها أن تقوم بمشاريع أخرى تتعلق بالبنية التحتية أو محو الأمية، أو أعمال الخدمات. وينصحها أهل التضليل بخبرتهم بالقيام بمشاريع مكلفة تحتاج لقروض ويضعون الخطط لسنوات. وتمر السنوات، وإذا هذه المشاريع فاشلة خاسرة. وفوائد الديون تنوء تحت عبئها الشعوب. ويأتيك شياطين الإنس والجن وأتباعهم ليقسموا إنهم لمن الناصحين، وإن خططهم ناجحة ومضمونة، ولكنها لم تثمر لسبب آخر، وهو زيادة السكان، فإذا أردنا أن ننجح في خطط التنمية والنهوض، فإن ذلك متوقف على تقليل الولادات. وهكذا تتيه الشعوب وتدخل في دوامةٍ أخرى من دوامات الضلال والتردي. وتصرف الجهود والأموال لأجل إنجاح عملية تحديد النسل.

ومن خطط تنويع مصادر الدخل ورفع المستوى الاقتصادي تنشيط قطاع السياحة والخدمات، ولذلك فعلينا أن نشجع الفن ونقيم المعاهد الفنية ومسارح الرقص والخلاعة ونشجع استثمار الشطآن للبلاجات وأن نشجع الرذيلة والتفلُّت من أهداب الفضيلة والأخلاق بحجة التطور والتقدم. وأن نعيد بناء البنية التحتية ونضع التشريعات والقوانين التي تضمن للأجانب حقوقهم وتشجعهم على الاستثمار.


-التوبة 126.

-القاموس السياسي - أحمد عطية الله ،صفحة 537

وكذلك حصل مع سيدنا موسى عليه السلام، حيث أرسل، سبحانه وتعالى، معه آيات كثيرة كانقلاب العصا أفعى وفلْقِ البحر وتفجير عيون الماء، ويده التي خرجت من جيبه بيضاء من غير سوء بإذن الله.

وكذلك ما حصل مع نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فقد جعل له معجزات كثيرة، منها المعجزة الخالدة، القرآن الكريم الذي تحدى به الناس إلى يوم القيامة أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا وما زالوا عاجزين. فدل هذا على النفي القاطع لاحتمال عدم الصدق أو ما شاكله.

وهذه المعجـزات واقعـة تحت الحـس ويؤدي النظـر والتفكير فيها إلى القطع بالصدق، فيلزم عقلاً التصديق بكل ما جاء به الأنبياء، ومن ذلك ما جاءوا به من الغيبيات التي لا تخضع للبحث العقلي.

وهكذا خاطبت الآيات العقل داعية إلى اعتماد الحقائق، وطالبت المعاندين بالبراهين بعد أن دعت إلى النظر في الحقائق والوقائع المحسوسة، فقال تعالى: (وإن كنتم في ريب مما أنزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين * فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أُعدتْ للكافرين)(10). ولذلك فإن القرآن يدعو إلى النظر في واقع المخلوقات وإدراك حقائقها للتوصل بناءً على ذلك إلى الحق والصواب في كل قضية. ويقرر الحقائق المطلقة (إن الدين عند الله الإسلام) (11).(ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) (12).

والأسـاس الذي يسـتـنـد إليـه أهل الإيمان والحق في الصراع بين الحق والباطل هو حقائق الكون والإنسـان والحياة، وحقائق دين الإسلام. والدعوة إلى الحق يهمها بيان الأشياء والوقائع على حقيقتها. والدعوة إلى الباطل يهمها التعمية عن الحقائق وإدخال المغالطات عليها كي تخدع الحواس أو تفسد النظر الصحيح والتفكير السليم، وكي يُتَوَهَّمَ الباطل حقاً والحق باطلاً. ويهمها تزيين الباطل وتجميله والإغراء به كي يُقبل. وهذا ما صَوَّرَته الآية الكريمة: (وكذلك جعلنا لكل نبيٍّ عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعضٍ زخرف القول غروراً) (13). وهكـذا فعـل إبلـيس عنـدما استـزل آدم عليه السـلام: (فدلاّهما بغرور) (14)، (فأزلهما الشيطان) (15).

إن الحقيقة الماثلة والواضحة، والتي تختصر جوهر الصراع بين الحق والباطل هي أن أهل الباطل يزيّنون المغالطات والأضاليل والأخطاء، ويصورون أنها هي الحقائق، وهي سنن الكون والحياة، وسنن التقدم والتطور والنهضة، وهي الغياث والأمل والخلاص. ويعمدون إلى الحقائق فيشوهونها ويصورونها أباطيل ومخادعات أو أنها مستحيلات أو وهم وسراب…، ويعملون لتضليل الناس بمزاعمهم. قال تعالى:(وإذ زيّن لهم الشيطان أعمالهم) (16). وقال:(قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) (17). ويشوهون الحقائق:(إذ يقول الظالمون إن تتّبعون إلا رجلاً مسحوراً) (18)، وقال تعالى: (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يُعلِّمه بشر) (19)، وقال:(فقال إن هذا إلا سحر يؤثر * إن هذا إلا قول البشر) (20)، وقال:(فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشراً مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي) (21)، وقال:(حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين) (22).

إن من أبرز علامات الانحطاط وأخطرها، سواء على الأفراد أو الجماعات، التمسك بالأخطاء والأوهام والأباطيل وظنها حقائق وجعلها مفاهيم، فإذا صارت مفاهيم فستبنى عليها الأفكار؛ وسيبنى عليها السلوك والأعمال، التي تؤدي إلى اليأس والفشل والوقـوع في شـراك العـدو، وهذا هو الخـسـران ويتـولد عنـه حيرة واستسلام ومزيد من التردّي والانحطاط.

خذ مثلاً: الشعوب العربية والشعوب المسلمة في بلدان العالم الإسلامي، التي صدقت زعماءها وأكاذيبهم وتضليلاتهم عندما ادعوا أنهم يسعون إلى الوحدة العربية والوحدة الإسلامية، وإلى طرد الاستعمار وتحرير البلاد والعباد والقضاء على التخلف والقضاء على دولة يهود.


-سـورة البقـرة 23

-سورة آل عمران 19

-سورة آل عمران 85

-سورة الأنعام 112

-سورة الأعراف 22

-سورة البقرة 36

-سورة الأنفال 48

-سورة غافر 29

-سورة الإسراء 47

-سورة النمل 103

-سورة المدثر 24ــ25

-سورة هود 27

-سورة الأنعام 25

3ـ مورِست على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته أشق أنواع التعذيب والافتراء والتخويف فلم يَثنهم ذلك عن الإسلام وتحملوا وصبروا واستمروا، ولم يتنازل النبي عن شيء من الإسلام، ورفض المساومة رفضاً قاطعاً، ورفض المغريات أو أخذ جزء من السلطة أو تحقيق الغاية جزئياً، فرفض أخذ المال حتى يصير أغناهم، ورفض أن يعبدوا إلهه سنة ويعبد إلههم سنة. قال تعالى: (قل يا أيها الكافرون () لا أعبد ما تعبدون () ولا أنتم عابدون ما أعبد () ولا أنا عابد ما عبدتم () ولا أنتم عابدون ما أعبد () لكم دينكم ولي دينِ) (31) وقال صلى الله عليه وسلم : «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلِكَ فيه ما تركته» (32). وقال صلى الله عليه وسلم قولته المشهورة: «فما تظن قريش، فوالله لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله حتى يظهرني الله أو تنفرد هذه السالفة» أي تقطع هذه العنق. (33). واستمر في بيان دعوته وتسفيه الكفر وأفكاره وتوعد الكافرين بالعذاب والنعي على عقائدهم.

4ـ ولما ازدادت مساءات الكفر وزعمائه، ورأوا أن محمداَ صلى الله عليه وسلم لا ييـأس ولا يتنـازل ولا يسـاوم، وَثَبَتْ كل قبيلة على من فيها من المسلمين يقتلونهم ويعذبونهم. فكان موقفه ثابتاً مستنداً إلى ركن الإيمان المكين متمسكاً بحبل الله المتين. واستمر في دعوته بالصراع الفكري والكفاح السياسي، وندب صحابته بالهجرة إلى الحبشة فراراً بالدين، وتخفى البعض في مكة، ولكن لا تنازل ولا مساومة، ولا وقوف للدعوة. ولما تجمد المجتمع في وجه الدعوة تحت قوة البطش، لجأ النبي صلى الله عليه وسلم إلى قبائل أخرى يدعوهم إلى الإسلام ويستنصرهم حتى يبلّغ رسالة الله، وحتى يكونوا سنداً له لنصرة تطبيق الإسلام.

5ـ استمرت أعمال النبي صلى الله عليه وسلم في طلب النصرة وتكررت ولم يحد عنها رغم رده بردود سيئة، ورفضِ عرضه من زعماء قبائل كثيرة. إلى أن قيض الله له مجتمع المدينة، حيث أسلم كثيرون، ولم تحارَب الدعوة كما حوربت في مكة، وكان بين الداخلين في الإسلام زعماء وأسياد لقبائلهم وعشائرهم. فطلب منهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم النصرة لإقامة الدولة الإسلامية في المدينة. ولما وافقوا على ذلك، عقد معهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيعة العقبة الثانية وهي بيعة الحرب، بيعة إقامة الدولة الإسلامية. ثم هاجر إلى المدينة وقامت بوصوله الدولة الإسلامية.

وهكذا باشر تطبيق الإسلام وتوطيد دعائم الدولة، وبدأ أعمال الجهاد لإعلاء كلمة الله وحمل الدعوة إلى الناس.

وسنعرض فيما يلي من حلقات، طبيعة الصراع بين الحق والباطل. وبعض مراحل الطريقة الشرعية لإقامة الدولة الإسلامية، دولة الخلافة، قاصدين بذلك جلاء بعض الحقائق، وتركيز بعض المفاهيم، وكشف بعض المفاهيم التضليلية التي من شأنها تيئيس الأمة وتضييع جهودها. والله ولي التوفيق.


-سورة الكافرون

-سيرة ابن هشام

-رواه أحمد والطبراني، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية

وعلى ذلك فإن طريقة تحقيق الفكرة أو الغاية الإسلامية هي الدولة الإسلامية: دولة الخلافة. فالخلافة هي الفرض الذي به توجد الفروض الأخرى، فتطبق الأمة الإسلام وتعلي كلمة الله وتحمل الدعوة إلى العالم وتشهد على الناس وتحيي فريضة الجهاد: ذروةِ سنام الإسلام. والخلافةُ هي تاج الفروض، والواجب الذي لا تتم هذه الواجبات إلا به، ولقد عبرت الأحاديث النبوية الشريفة عن أهمية وجود الخلافة ومبايعة خليفة على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله. قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من خلع يداً من طاعةٍ لقيَ الله يوم القيامة لا حُجَّةَ له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات مِيتَةً جاهلية» (19). وقال: «إنما الإمام جُنة يقاتل من ورائه ويُتّقى به» (20). وفرض أن تكون الدولة الإسلامية دولة واحدة والأمة الإسلامية أمة واحدة. قال صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما» (21). وقال: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرّق جماعتكم فاقـتـلوه» وقال: «إنه سـتكون هَنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة، وهي جميع، فاضربوه بالسيف كائناً من كان» (22).

وبما أن طريقة تحقيق الفكرة الإسلامية أو الوصول إلى الغاية، التي هي تطبيق الإسلام وحمل دعوته إلى العالم، هي دولة الخلافة، وهي الفريضة الغائبة، فإن هذه الطريقة تصبح غاية للأمة الإسلامية ويجب العمل لوضعها موضع التطبيق، ويجب اتباع الطريقة الشرعية لجعل هذه الغاية واقعاً محققاً. وهي الطريقة التي سار عليها النبي صلى الله عليه وسلم عندما دعا الناس إلى الإيمان والخضوع لدين الله ولم يستجب له الناس وحاربته السلطات والقوى المتحكمة. فما الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم حتى وصل إلى غايته وأقام الدولة الإسلامية وأعز دين الله ؟

إن فعله صلى الله عليه وسلم لإقامة الدولة الإسلامية ليس فعلاً مجرداً من الدلالة الشرعية ـ كما يحلو لبعض علماء السلاطين أن يصوروا ـ، إنه منهج دلت عليه نصوص القرآن الكريم ومواقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أقواله وأفعاله وهو بيان لكيفية العمل الشرعي للوصول إلى هذه الغاية. وسنعرضها بإيجاز.

1ـ كان يضم المؤمنين به إلى حلقات سرية، يعلمهم الدين الجديد. وينشئهم تنشئة جديدة حتى أصبحوا شخصيات إسلامية بعقلياتهم ونفسياتهم، مفاهيمهم إسلامية يؤمنون بما خلقوا لأجله، فكانوا كتلة جديدة في المجتمع متميزة بعقيدتها وأفكارها ومشاعرها وسلوكها وغايتها.

2ـ دخل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بكتلته في صراع عَقَدي وفكري مع المجتمع وفي كفاح سياسي مع حكامه وسادته تحمل فيها أشق الصعاب، فبيّن الحق ودعا إليه، وبيّن مناقضة عقائد الكفر وأفكاره للحق والواقع، وكان يصحح المفاهيم عن الأشياء وعن الحياة، وكان يجادل زعماء الكفر ويكشف حقيقتهم وحقيقة ما هم عليه. ودعا إلى التفكر والتدبر، ونعى على تعطيل العقول والتمسك بالباطل. وهذه بضعة أمثلة على طبيعة خطاب القرآن الكريم الذي كان نهجاً للرسول صلى الله عليه وسلم :(ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً) (23)، (إنكم وما تعبدون من دون الله حصـب جهـنم أنتم لها واردون) (24)، (وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم () قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم) (27)، (أفرأيتم اللات والعزى () ومناة الثالثة الأخرى () ألكم الذكر ولـه الأنثى () تلك إذاً قسمة ضيزى (*) إن هي إلا أسماءٌ سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى) (25)، ()ذرني ومن خلقت وحيداً() وجعلت له مالاً ممدوداً () وبنين شهوداً () ومهـدت له تمهيداً () ثم يطمع أن أزيد () كلا إنه كان لآياتنا عنيداً () سأرهقه صَعوداً () إنه فكر وقدر () فقتل كيف قدر() ثم قتل كيف قدر() ثم نظر () ثم عبس وبسر () ثم أدبر واستكبر () فقال إن هذا إلا سحر يؤثر () إن هذا إلا قول البشـر () سأصليه سقر) (26)، (وإذا الموءودة سُئلت () بأي ذنب قتلت) (29)، (ويل للمطففين () الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون () وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون () ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون) (28)، (تبت يدا أبي لهب وتب ()ما أغنى عنه ماله وما كسب) (30)، وغيرها من نصوص كثيرة تشكل منهجاً وطريقة ثابتة في طبيعة علاقة الحق ودعوته مع الباطل ودولته


-رواه مسلم

-رواه مسلم

-رواه مسلم

-رواهمـا مسـلم وأبـو داود والنسائي

-سورة الإسراء 32

-سورة الأنبياء 98

-سورة النجم 19ــ23

  • سورة المدثر 11ـ26

  • سورة يس 78ــ79

-سورة المطففين 1ــ5

-سورة التكوير 8 ــ9

-سورة المسد 1ــ2