ولأجل استمرار عملية التضليل، وتعمية الناس عن حقيقة حكامهم وخططهم، خاصة وأن الأمة بدأت تتحسس عملية النهضة وتدرك حقيقتها، وأخذت الصحوة الإسلامية بالظهور والانتشار، يعمد شياطين الإنس والجن إلى تحريف أفكار الإسلام ومفاهيمه، وإلى تسويغ الكفر وتشريعاته وقوانينه بفتاوى ضالة. ولذلك نرى بعض حكامنا يحاولون إضفاء صفة الإيمان والإسلام على أنفسهم. ويستعملون في ذلك (العلماء !) الذين باعوا دينهم بدنياهم. وتُسَخَّر في ذلك أجهزة الإعلام لتسوِّغ الكفر وتزينه، وفي حين تمتلئ السجون بالعلماء والدعاة الذين يرجون رضا الله، ترى علماء السلاطين ووعاظهم، على الشاشات الأرضية والفضائية وفي المناسبات السلطانية، يقدمون الولاء للعملاء الكفرة والفسقة. ويوجهون الناس إلى القبول بهذه الأنظمة وسياساتها وخططها. فيضللون المسلمين عن حقيقة الغاية أو الفكرة الإسلامية، ويسوِّغون لهم واقع التجزئة والانقسام، ويفتون بجواز الصلح والسلام مع دولة يهود الغاصبة، ويروجون لما يلهي الأمة عن العمل لتحقيق الغاية الإسلامية، ويلهونها بأفكار كلامية ومواعظ مملولة، ويعملون كمعاول هدم في الأمة، فيصورون لها أن تحقيق الغاية الإسلامية وإقامة الخلافة هو أمر بعيد المنال، أو عفا عليه الزمن، أو أنه مِنَّة من الله تأتي دون عمل، أو أنه لا يمكن إلا بمجيء المهدي، فما على المسلمين إلا مصالحة الحكام والرضا بهم وإرضاؤهم إلى أن يأتي المهدي. وأما الذين يكشفون حقيقتهم وحقيقة أسيادهم، فهم يروّجون، بمساعدة إعلام أسيادهم، أن هؤلاء جهلة وإرهابيون أو عملاء وأصحاب مطامع شخصية.
إن على الأمة أن تدرك اليوم حقيقة هؤلاء (العلماء !) وأمثالهم من المفتين ووعاظ السلاطين مثلما أدركت حقيقة الحكام الذين يستعملونهم. فهم سواء في تزيين الباطل والترويج له، وفي إخفاء الحقائق والتعمية عليها. وإذا كانت الصحوة الإسلامية قد أجبرت الكفار وعملاءهم على إعطاء قسط للإسلام في أجهزة الإعلام، وسمحت بشهرة ما لبعض العلماء، فهي إنما تحرف الإسلام وتغير مفاهيمه وتنشر الضلال باسم الإسلام، وتلمّع من العلماء أولئك السذج الجهلاء والجبناء والضالين. أما المخلصون فهم خَطَر ويجب القضاء عليهم.
هذه الأمثلة من التضليل هي غيض من فيض. وما علينا إلا أن ننظر اليوم إلى النتائج. البلاد من أغنى البلاد ولكن أهلها من أفقر الناس. أهل البلاد حَمَلَة أعظم فكر في الدنيا، وهو وحده الفكر الصحيح، ولكنهم يستجْدون التشريعات من أهل الباطل ويتغنون بثقافتهم وبتقليدهم. أهل البلاد من أعز البشر وأكثرهم استعداداً للموت في سبيل الله، ولكن يذلُّهم أذل البشر من يهود وأشياعهم. المتعلمون و حَمَلَة الشهادات العليا بالملايين ولكنهم عاطلون عن العمل. أمة تزيد على المليار وثلث المليار، أمة واحدة، والأصل أنها دولة واحدة، ولكنها تزيد على خمسين دويلة، خلافاتها وصراعاتها أكبر منها، والـحَكَمُ في ذلك أميركا وفرنسا وبريطانيا، شياطين الإنس. أرض زراعية تطعم أضعاف أضعاف العالم ولكنها معطلة. متعلمون وعلماء وعقول بالآلاف بل بالملايين يستجدون وظيفة أو قبولاً في أميركا أو السويد أو ألمانيا…، مليارات كثيرة وذَهَبٌ كثير ولكن في بنوك الكفر يتمتع بها أتباع إبليس وذريته، علماء وأئمة ومصلون لا يحصَوْن ولا يعدون ولكن غثاء كغثاء السيل…
نعم، إنها النتيجة الحتمية لتعطيل الفكر وأخذ (الحقائق) من أهل الباطل.(يَعِـدُهم الشيطان ويمنّيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً) (25). (ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين) (26). وكل هذا التضليل مترافق مع التعمية عن الحقائق، فزعماء الباطل حريصون على أن لا يتنبه المسلمون إلى حقيقة النهضة كيف تحصل. ولذلك فهم حريصون على أن لا تلتفت الأمة إلى عقيدتها وشريعتها. عقيدتها التي هي التفسير الصحيح وحده للأشياء. والتي هي أول عوامل وحدتها وأعظمها، وشريعتُها التي هي مصدر معالجات كل مشاكلها، وهي من أهم عوامل وحدتها أيضاً، وهي التي توجه الناس إلى الحكم الصحيح وتوحدهم في نظرتهم، فتعيّنُ لهم من هو العدو ومن هو الصديق، وما هو الحسن وما هو القبيح، وتأمرهم بأن يتمسكوا بالحقائق كما هي.
إن الأعداد الهائلة للمسلمين اليوم، وأراضيهم الواسعة، وثرواتهم التي لا تنضب وملياراتهم التي لا تحصى كانت عليهم نِقمة بدل أن تكون نعمة. فالنهوض ليس بالمال والثروة وليس بالاقتصاد، وليس بكثرة العلماء.
وعندما كان المسلمون يحملون عقيدتهم حملاً فكرياً وسياسياً استطاعوا بسنوات قليلة أن يكونوا أعظم وأكبر أمة في العالم، وأن يكونوا الدولة الأولى في العالم. وهذا يدلنا على أهمية وجود فكر أساسي ينبثق منه نظام أو أنظمة وقوانين تعالج كل ما ينشأ من حاجات أو مشكلات، في الواقع أو في النفس. فكيف إذا كان هذا الفكر صادقاً وصحيحاً ومطابقاً لحقائق الأشياء والوقائع كما هو الإسلام. (قال اهبطا منها جميعاً بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدىً فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى 0 ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى 0 قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً 0 قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى 0 وكذلك نجزي من أسـرف ولم يؤمـن بآيـات ربـه ولعذاب الآخـرة أشـد وأبقى) (27).
إن طريق التغيير والنهوض تبدأ بالنظر والتفكير بحقائق الكون والإنسان والحياة، أي بالوعي الفكري وبالتمسك بالحقائق والتنبه للمغالطات التي تصرف عن الحقائق وتوقع في الضلال. وهذا التمسك بالحقائق طريق إلى الإيمان، وطريق بعد ذلك إلى إدراك كل الوقائع على حقيقتها، وهو ميزان لكل الناس ولكل المواقف ولكل الطروحات.
ورحم الله الشيخ تقي الدين النبهاني حيث قال: «لا بد من تصـحـيح المفـاهيـم للأشـياء عند الناس كافة» (28). وقال: «لا بد من لفت النظر إلى أمرين: أحدهما: المغالطات التي تحصل في الحقائق، والثاني: المغالطات التي تصرف عن الحقائق… ولذلك لا بد من الانتباه للمغالطات ولا بد من التمسك بالحقائق والقبض على الحقيقة بيد من حديد، ولا بد من العمق في الفكر والإخلاص في التفكير للوصول إلى الحقائق» (29).
فعلى المسلمين أن يتنبهوا لما يروَّج بينهم من أفكار وآراء ومناهج وخطط وتعريفات وأن ينقدوها ويمحصوها ليركلوا الخطأ والبـاطـل منـهـا. قـال تعـالى:(قل انظـروا ماذا في السـماوات والأرض) (30). وقال:(قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونُـرَدُّ على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هـدى الله هو الهـدى وأُمرنا لنسـلم لرب العـالمين)(31).
-سورة النساء 120
-
سورة يونس 60
-
سورة طه 123-127
-التكتل الحـزبي ص20
-التفكير ص88
-سورة يونس 101
-سورة الأنعام 71