الإسلام وخَلق الإنسان

عملية الحمل وأطواره

لقد كان أصل الخلق من تراب، كان هذا في الخلق الأول، خلق آدم عليه السلام، ثم تم خلق حواء من ضلعه الأيسر، وخلق في كليهما غريزة النوع التي من آثارها الميل الجنسي، ميل كلا الجنسين للجنس الآخر، أما ثورة الغريزة فإنها تتطلب الإشـباع، والإشباع يتم بمعاشـرة جنسيـة بين ذكر وأنثى (جماع)، وفي اجتماع الزوجين الذكر والأُنثى والذي يتم بمعاشرة جنسية ليتم في نهايتها قذف السّائل المنوي من قضيب الرّجل المولج في فرج الأنثى وبالذات في رحمها أو مهبلها، وتكون لحظة بلوغ المرأ قمّة اللذه والنشوة الجنسيّة ، فيندفع هذا السائل المتدفق من قضيب الرّجل والمحتوي على النطفة مُلقحاً بويضة المرأة ، ليُكوّن هذا التلقيح إتحاداً بين افرازات النسل الذكرية وبين افرازات النسل الأنثوية، مكوناً “النطفة الأمشاج” التي هي: النطفة المختلطة من الحيوان المنوي الملقِح لبويضة المرأة، أي ما يُدعى: “البويضة الملقحة Fertilized Ovum” التي تتحرّك في قناة الرحم لتصل إلى الرّحم “القرار المكين” فتستقرّ فيه وقد تحولت إلى قطعة متجمدة من الدّم، ثم تتطور إلى قطعة من اللحم مصورة فيها معالِمُ الإنسان، أو غير مصورة المعالِم، ليبين لنا الله قدرته على الإبداع في التكوين والتغيير من حال إلى حال، وبمشيئته تعالى يُسْقِطُ من الأرحام ما يشاء وَيُقِرُ بها ما يشاء، حتى تكتمل الشهور التسعة المقدرة لمدة الحمل في العادة (أو أكثر أو أقل)، ليخرج الطفل من رحم أمه بشرأ سوياً مكتمل الخلق حاملاً لكل الصفات الإنسانية، وفي ذلك قوله تعالى من سورة الحج : (يا أيُّها النّاس إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فإنّا خلقناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفةٍ ثُمَّ مِنْ عَلقةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلقةٍ وَغَيْرِ مُخَلقَةٍ لِنُبَيِنَ لكُمْ وَنُقِرُ في الأرْحامِ ما نَشاءُ إلى أجَلٍ مُسَمى ثُمَّ نُخرِجَكُمْ طِفلاً ثُمَّ لِتَبْلُغوا أشُدَكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفى وّمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمْرِ لِكَيْلا يَعْلَمّ مِنْ بَعْدِ عِلمٍ شَيْئأ وَتَرى الأرْضَ هامِدَةً فَإذا أنْزَلنا عَلَيْها الماءَ إهْتَزَتْ وَرَبَتْ وَأنبَتّتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهيجْ ! ذالِكَ بِأنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأنَّهُ يُحْيِ المَوْتى وّانَهُ عَلى كُلِّ شَئٍ قدير ! وَأنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فيها وَأنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ في القبورِ !)

ونستطيع أن نحدد المراحل والأطوار التي يمر بها الحمل حسب السياق القرآني الوارد في سورة الحج كما يلي:

(1) النُطفة : وهي نطفة يقذفها جهاز الرّجل التناسلي من خلال القضيب في مهبل المرأة لتتلقفها نطفة الأنثى، والنطفة نوعان :

  1. النطفة المذكرة “نطفة الرّجل”: وهي الحيوانات المنوية الموجودة في سائل الرجل المنوي “المني” المتدفق من قضيبه.

  2. النطفة المؤنثة “نطفة الأنثى”: وهي البويضة التي يفرزها مبيض المرأة مرَّة كل شهر.

أمّا المني : فهو لفظ يطلق على الإفرازات التناسلية للرجل، ويتكون من الحيوانات المنوية “النطفة” والسائل المنوي الحامل لتلك الإفرازات ويغذيها.

ومتى اختلطت مياه الرجل بمياه المرأة ، يتم تلقيح بويضة المرأة من الحيوان المنوي للرجل فيكونان “النطفــة الأمشاج” أو “البويضة الملقحةFertilized Ovum”

الجهاز التناسلي المذكريتكون من مصنع للنطف " Spermatozzons " التي يحملها السائل المنوي من خلال المني ، والتي يقذفها جهاز الرجل التناسلي من خلال القضيب في مهبل المرأة لتتلقفها نطفة الأنثى ، ليتم التلاقح المنتج للإنسان..

(2) العلقة : وقد فسَّرَها بعض المفسرين بِ “الدّم الغليظ المتجمد Colt” وقال إبن الجوزي: وقيل سميت علقة لرطوبتها وتعلقها بما تمر به. وجاء في “المصباح المنير” : علقت المرأة أي حبلت. وجاء في “لسان العرب”: علق بالشئ عَلقاً وعلقه: نشب فيه، والعلق: هو الدّم الجامد الغليط. وقال الأطباء: العلقة هي المرحلة التي تعلق فيها النطفة الأمشاج بجدار الرحم وتنشب فيه.

وفي استعراض معاجم اللغة العربية نرى أنّ لفظ العلقة يطلق أساساً وعادةً على ما ينشب ويعلق، وكذلك تفعل العلقة إذ تنشب في جدار الرّحم وتنغرز فيه محاطة بالدّم المتجمد من كل حياتها. ويذكر الأطباء أنّ حجم العلقة عند بدأ انغرازها لا يزيد على ربع مليمتر، لـذا ندرك لماذا أصرَّ بعض المفسرين القدامى على أنّ العلقة هي الدّم الغليظ، فذلك ناتج عن الملاحظة بالعين المجردة وهو تفسير صحيح،. فالعلقة الملتصقة بجدار الرّحم متعلقة به والتي لا تكاد تُرى بالعين المجردة هي محاطة بالدّم الغليظ غير منفصلة عنه بحيث يراه هكذا كل ذي عينين. لـذا فإنَّ وصف العلقة هو أدقُ وصف، وأهم ما يميز هذه المرحلة من مراحل تخلق الجنين ونموه، وقد وصفها علماء الأجنّة بأنّها “مرحلـة الإلتصاق والإنغراز Attachment and Implation” وذلك حينما تقترب العلقـة من الغشاء المخاطي المبطن للرحم، والذي استعد أيما استعداد لإستقبال النطفة الأمشاج “البويضة الملقحة” فتعلق بجدار الرحم منغرزة به.


الحج : ( 5 ? 7 ) .

  • البار- د.محمد علي، خلق الإنسان بين الطب والقرآن، صفحه ( 202 ): نقلاً عن: سيد قطب في " في ظلال القرآن "، والمراغي في تفسيره، وآخرين.

  • المصدر السابق، نقلاً عن: ابن الجوزي، زاد المسير في علم التفسير.

  • البار، محمد علي، خلق الإنسان بين الطب والقرآن، صفحه ( 211 - 233 ).

**أما الرّبط القرآني بين أول الخلق وبين تتابع هذا الخلق فهو واضح وصريح في قوله تعالى: (وَلقدْ خلقنا الإنْسانَ مِنْ سُلالةٍ مِنْ طينٍ ï?، ثُمَّ جَعَلناهُ نطفةً في قرارٍ مَكينٍ ï?، ثُمَّ خلقنا النُطفةَ عَلقةً فخلقنا العَلقةَ مُضغةً فخلقنا المُضغةَ عِظاماً فكَسَوْنا العِظامَ لحْماً ثُمَّ أنشَأناهُ خلقاً ءآخرَ فتبارَكَ اللهُ أحْسَنَ الخالقينَ)[1 ]

“ولقد خلقنا الإنسان” إيجاداً من العدم مع عدم سبق وجود المادة الأصلية. أما قوله “من سُلالة” فيشير إلى أنّ المواليد كلها أصول للإنسان، وأنّه المقصود بالذات الجامع لطبائعها. “ثم جعلناه نطفة” بالإنضاج والتخليص الصادر عن القوى المعدّة لذلك، ففي قوله هذا “ثم جعلناه نطفة”: تحقيق لما صار إليه الماء من خلع الصور البعيدة، وقوله “في قرار مكين” يعني الرّحم، ومكين تعني - كما ثبت لاحقاً- أنّ الرحم مجهز في تكوينه وفي خصائصه بما يُمَكن أشدّ التمكين للجرثومة التي يكون منها اللقاح من الحفظ والوقاية والدفاع عنها.

أمّا الطور الثالث فهو “ثم خلقنا النطفة علقة”: أي صَيَّرناها دماً قابلاً للتّمدد والتخلق والعلوق باللزوجة والتماسُك، ومما يميز العلقة عن غيرها من الأطوار هي النشوب والتعلق واحاطة النطفة الملقحة بالدّم المتجمد الغليظ. وقد ثبت في علم الأجنّة أنّ النطفة التي يتكون منها اللقاح في مني الرجل، تعلو رأسها نازعة كالسنان فتهاجم البويضة في الرّحم، وتخرقها لتعلق بها، ولذا سميت علقة، فإذا امتزجتا يكون التحول الأول للنطفة إلى علقة، ولما كان بين هذه المراتب من المهلة والبعد ما ستقرره، فقد عطفها ب “ثم” المقتضية المهلة ما بين هذا الدور والأدوار الأخرى.

وبعد انقضاء المهلة المحددة يأتي الدور التالي وهو تحويل العلقة مضغة، أي تحويل ذلك الدّم الغليظ جسماً صلباً قابلاً للتفصيل والتخليط والتصوير والحفظ وجعل مرتبة المضغة في الوسط وقبلها ثلاث حالات وبعدَها كذلك، لأنّها الواسطة بين الرّطوبه السَيّالة والجسم الحافظ للصور.

ثم يأتي دور العظام “فخلقنا المضغة عظاماً” أي صلبنا تلك الأجسام بالحرارة والشدّة حتى قبلت التوثيق والرّبط والإحكام والضبط، وذلك بعد تخلق الأعضاء المشاكلة للعظام ويتحول دم المحيض مُغذيا، وقوله “فكسونا العظام لحْماً” يعني حال تحويل الدّم إلى لحم وشحم والدور الذي يكون فيه الإنسان كالنبات: (والله أنبتكم من الأرض نباتاً ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً)

بهذا تكون أطوار الخلق سبعة. وقد ربط بعض المفكرين بينها وبين عدد الكواكب السّيارة السبعة، كما ربطوا بينها وبين عدد السموات وهو سبعاً، وعدد الأيام التي يتكون منها وهي سبعاً، وتسمية القرآن بالسبع المثاني.

وبعدما يشتدُّ المخلوق ويفيض بالحياة والحركة مِن نفخ الرّوح فيه، يستوي بشراً سوياً، إنساناً فيه من دقة الخلق والتصميم والتصوير مما يشير إلى عظمة الخالق المصور المبدع “ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين” ومعنى خلقاً آخر هو تكوينه على صورة الإنسان، بعدما كان خلقه في أطواره الأولى متشابهاً مع خلق الحيوانات الأخرى، كما يشير إلى ذلك العِلم الحديث، فإنّ العالِم الطبيعي الألماني “فون باير Von Baer”، قام بجمع أجنة حيوانات مختلفة في مرحلة خاصة من مراحل تطورها، واحتفظ بها في وعاء زجاجي به مطهر حافظ من التعفن والتمصّل، ولثقته في نفسه، لم يضع على كل جنين ما يوضح هويته أو نوعه، وعندما عاد إليها ليدرسها لم يستطع أنْ يرجع معظمها إلى أصولها التي جاءت منها، لـــذا فقد كتب في مذكراته: (إنني لا أستطيع أنْ أحدّد إطلاقاً إلى أيّة فصيلة أو رتبة تنتمي هذه الأجنّة… فقد تكون لسّحالي أو لطيور صغيرة أو لحيوانات ثديية في مراحل نموها المبكّر… فكم هي متشابهة في أشكالها وتكوينها هذه البدايات لأجنّة تلك الحيوانات!!!)

ومما لاشكّ فيه أنّ هذا التكوين للمخلوقات إنّما هو نتاج لنظام الزّوجيّة، هذا النظام الذي يقول العلماء بأنه مطرد وشامل لجميع الأحياء من الحيوانات والنباتات كلها بطريقة واحدة ونَسَقٌ واحد، وأعضاء متماثلة ولقاءً متماثلاً، فيتسائلون كيف اتفق هذا الإطراد والشمول والتماثل في كل حي؟ لقد استلفت هذا الإطراد نظر الفيلسوف “هنري برغسون Henri Bergson”[ 3]. فبعد أن تكلم عن حاسّة الإبصار، واستبعد أنْ يكون اطرادها في الإنسان وفي جميع الحيوانات على نسق واحد، وتركيب مماثل أثراً من آثار المصادفة، قال:

(وإذا سلمنا بأنّ هذه المصادفة جائزة الحدوث في تكوين حاسة الإبصار الواحدة في جميع الحيوانات، وقلنا أنّ الحيوانات ترجع إلى نوع واحد، فماذا نقول في النبات وهو نوع آخر يسير في طريق مختلفة كل الإختلاف عن طريق الحيوان إذا نحن رأيناهما يسيران على طريقة واحدة واحدة في عملية التناسل؟ فكيف أتفق أن اخترع الحيوان الذكورة والأنوثة، ووفق النبات إلى الطريق نفسها وبالمصادفة نفسها؟)

ونحن نضيف إلى تسـاؤلات هذا الفيلسـوف تساؤل آخر وهو: لماذا ألزمت تلك المخلوقات نفسها وأبناء جنسها بتلك الطريق وفرضتها على نفسها وعلى غيرها قانوناً وحيداً لا يتخلف ولا يتبدل للتكاثر والنشوء ؟ !!!.[4 ]


المؤمنون: ( 12 ? 14 ).

[ 2] نوح: ( 17 ).

[3 ] فون باير " Von Baer " ( 1792 ? 1872 ): عالم طبيعي بروسي، تخصص في علم الأجنة، له نظريات في التطور الطبيعي الجنيني… انظر صفحه (49) ? الفصل الثالث ? الباب الأول.

هنري برغسون: فيلسوف فرنسي ( 1859 ? 1941 )، قال بأنّ العالم المادي قوّة كامنة تعمل على تطوير المتعضيات والكائنات. وقد دعا هذه القوة " دفعة الحياة " أو " الدافع الحيوي " ( élan vital ).ومن أشهر آثاره: " التطور الخلاق L`Evolution creatrice " عام ( 1907 )، منح جائزة نوبل في الآداب عام (1927 ).

= هذا الفصل بالكامل ( بدون الحواشي السفلية ) منقول بتصرف عن كتاب: - معجم البيان الحديث ? قصص الأنبياء في القرآن الكريم )، سميح عاطف الزين، الصفحات ( 39 ? 57 ).

الجينات وتنشيطها :

من الناحية العلمية فالاستنساخ من خلايا جنينية ربما يكون أسهل من الاستنساخ من الخلايا الناضجة كاملة التميز، لأنَّ الخلايا الجنينية بطبيعتها قابلة للتخصص، أمّا الخلايا الناضجة أي المأخوذة من كائن كامل النمو فهي خلايا تخصصت أي تحتوي على جينات متخصصة. والجينات هي مجموعة من التراكيب التي تتحكم في وظائف الأعضاء عن طريق إفراز مجموعة من البروتينات. ففي عضو مثل الكبد نجد أنَّ بعض الجينات تكون نشطة ( Turn On ) لكي تؤدي خلايا الكبد وظيفتها، ونفس هذه المجموعة من الجينات تكون غير نشطة ( Turn Off ) في عضو آخر كالكلية والعكس ، فهناك جينات تكون نشطة في خلايا الكلية وغير نشطة في خلايا الكبد. وقد اعتقد العلماء أنَّ هذا النوع من الخلايا من الصعب إعادته إلى مرحلة الخلايا الجنينية لتعاود الانقسام والتميز من جديد لاستغلالها في تكوين كائن جديد، ولكن حاجة العلماء إلى استخدام خلايا معروفة الهوية كاملة التميز محددة المعالم والصفات أدت إلى محاولات عديدة لجعل هذه الخلايا تعمل وكأنَّها خلايا جنينية. ومن هنا كانت بداية “دوللي”.

عكف فريق "روزلين" باسكتلندا على دراسة الخلية، حيث أنَّ الدكتور "ويلموت" الباحث بالمعهد ذكر أنَّ ما جعله يُقدِم على هذه التجربة هو نجاح تجارب النقل النووي( Nuclear Transfer ) من خلية ناضجة من خلايا الضفدعة، والتي استطاع العلماء أن يجعلوها تصل إلى مرحلة "أبو ذنيبة Tad Pole" ولكنه مات قبل أن يصل إلى ضفدعة ناضجة، وهذه التجربة فرضت سؤالاً وهو : هل فعلاً نستطيع إعادة برمجة الخلية الناضجة (  Cell  Adult Differentiated) لتعمل كخلية جنينية  Undifferentiated Embronic Cell ) ) غير متميزة؟. أثبت ويلموت وفريقه هذه الإحتمالية حيث تم استخدام خلية ناضجة من ضرع نعجة حبلى Pregnant Ewe  من سلالة فنلندية بيضاء اللون ( Finn Dorset ) ولكي يتمكن من إعادة برمجة المادة الوراثية لهذه الخلية ( Donor Cell ) كان لابد من أن نجعلها تخرج من أطوار النمو (Growth Phase ) إلى طور الثبات والراحة ( Resting Phase, Go )، هذه العملية تؤدي إلى حدوث تغيرات في تراكيب نواة الخلية وذلك يسهل عملية إعادة برمجة الجينات ( Reprogramming of Gene Expression ).



ولكي يفعل ويلموت ذلك فقد قام بتجويع الخلايا بأن زرعها في المعملIn vitro في وسط غذائي يحتوي على نسب قليلة من المواد اللازمة لنموها لمدة خمسة أيام، وبالتالي خرجت الخلية من طور النمو ( Gorwth Phase ) إلى طور الراحةGo، بعد ذلك بدأت عمليات النقل النووي ( Nuclear Transfer )  حيث تم الحصول على بويضة ( Oocyte ) من سلالة أخرى من النعاج الاسكتلندية سوداء الوجه ( Scottish Black Face ) وفرغوها من النواة ولكن تحتوي فقط على المادة الخلوية؛  ( Cytoplasm، وعندئذ وضعوا البويضة منزوعة النواة ( Recipient Ova ) مع نواة الخلية التي تم تجويعها ( Starved Donor Cell ) أي الخلية المعطية، ثم وضعوا هاتين الخليتين تحت تأثير نبضات كهربية ضعيفة ( Electric Impulses ) جعلت البويضة المفرغة تستقبل نواة الخلية المعطية والتي تحتوي على الشفرة الوراثية الكاملة للنعجة الفنلندية، وكذلك أدت إلى حدوث تغييرات كيميائية أدت إلى بداية انقسام الخلية  ( Cell Division ). وبالرغم من أنّ ميكانيكية حدوث عملية إعادة البرمجة لنواة الخلية المعطية غير معروفة بدقة فإنه من المحتمل أن سيتوبلازم البويضة المفرغة ربما يحتوي على عوامل مساعدة على إعادة البرمجـة ( Reprogramming Factors ) ومع استمرار عمليات الانقسام والنمو تطورت الخلية إلى جنين ( Embryo ) ثم وضعه في رحم نعجة اسكتلندية سوداء الوجه ( Scottish Black face )، وبعد 150 يوماً هي فترة الحمل انتهت بمولد "دوللي" وهي نسخة طبق الأصل من النعجة الأم التي أخذ من ضرعها الخلية المعطية ( Donor Cell ). 



ولا بُدَّ أن نعرف أنَّ هذه المحاولة تم إجراؤها 277 مرة، منها 29 محاولة أدت إلى إنتاج أجنة عاشت أكثر من ستة أيام ماتت جميعها إلا دوللي والتي كانت في شهرها السابع وتتمتع بصحة جيدة جداً عند نشر نتيجة البحث في المجلات العلمية والإفصاح عنه إعلامياً لغير المتخصصين، ولكن هل أحد يعلم هل ستظل كذلك أم أنها ستواجه مشاكل ؟؟

وهل ستعيش دوللي عمراً يماثل عمر النعجة الأم ؟ أم ستعيش أقل .

حيث أنّ هذه النعجة: “دوللي” قد نتجت من خلية عمرها ست سنوات، وهل معنى ذلك أنَّ السنوات الست ستحسب من عمرها، عندها قد تعاني دوللي من شيخوخة مبكرة؟ وهل من الممكن أن تصاب دوللي في وقت لاحق ببعض الأمراض الوراثية؟

فعملية النقل النووي قد يصحبها تلف في المادة الوراثية للنواة المنقولة، إذا حدث ذلك فإنّ دوللي من الممكن أن تُعاني من بعض الأمراض، ولكن ذلك لم يثبت حتى الآن، والزمن كفيل بالإجابة عن هذه الأسئلة.

شــــجرة النَّســـب

شــــجرة النَّســـب

لقد اهتم المسلمون بمعرفة وحفظ الأنساب، وكتبوا العديد من الكتب والموسوعات والمعاجم في هذا العلم، ولقد حوت أمهات الكتب ومشاهيرها تفصيلاً شاملاً لأنساب الناس عموماً والعرب تخصيصاً، بحيث رفعها بعضهم إلى آدم عليه السلام، وكان أكثر ما أولوه من عناية واهتمام نسب الرسول صلى الله عليه وسلم وآل بيته الأشراف الأطهار، كما اختصّ بعضها بأنساب طبقات وشرائح معينة من مشاهير المسلمين كالصحابة والخلفاء والفقهاء والرواة والمفسرين والنُحاة والقضاة والأدباء والشهداء وقادة الفتح وغيرهم…

كما حوت سجلات ووثائق المحاكم الشرعية في أُمهات المُدُن الإسلامية تفصيلاً لأنساب المسلمين[ 1] واهتمت نقابات الأشراف بتدوين أنساب آل البيت وأعقابهم من زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يومنا هذا[2 ] واهتمت العائلات بتدوين وتوثيق أنسابها وإشهاد الشهود من قضاة وشيوخ ومشاهير الناس عليها، وتسجيلها في المحاكم والمؤسسات والدوائر المختصّة[ 3]، منها ما تم طباعته ونشره وتوزيعه على الناس، أو على المكتبات العامة، ومنها ما بقي كمخطوطات احتفظ بها أصحابها لأنفسهم دون نشر لسبب أو لآخر.

ونسب آل الشرباتي على سبيل المثال قد تم استخراجه من سجلات ووثائق “محكمة صفد الشرعية” حيث كان مدوناً في سجلاتها تحت اسم “نسب السادات السّعدية والبهجة السّنية” إلى أن قام نفر خير من أفراد العائلة باستخراجه وتصديقه وإشهاد الشهود عليه[4 ] وتم الاحتفاظ به كمخطوطة موثقة في خزائن بيوتهم دون نشر عشرات السنين إلى الآن، حيث قامت العائلة مؤخراً بفتح واستعراض محتويات هذا النسب الشريف “المخطوطة المستوفية التصديق” وعهدت إلي بإكمال ما استجد من أنساب بعد ذلك وإلحاقها بالأصل حسب القواعد والأصول المتبعة. فأدعوه تعالى أن يوفقني على إنجاز هذا العمل بالصدق والحق خير إنجاز.[5 ]

وقد درج الناس على إطلاق مصطلح “شجرة النّسب” على الوثائق الخاصة بتسلسل أنسابهم، واستكمالاً للفائدة فقد آثرت أن يلحق بهذا البحث أنساب آل البيت وأنساب بعض مشاهير الصحابة وقادة الفتح أعلام الإسلام ونجومه، علماً أنّ في حوزتنا مراجع مفصلة لمعظم أنساب الناس بتسلسل فريد يتصل بآدم عليه السلام، إلا أنّ موضع تفصيلها ليس هذا البحث المحدود الهدف.


الملاحق : انظر النموذج ( 13 ? 14 ? 15 ) .

الملاحق: انظر النموذج ( 12 ).

الملاحق: انظر النموذج ( 14 ? 15 ).

الملاحق: انظر النموذج ( 14 ? 15 ).

  • كتاب " نسب آل ألشرباتي الشيباني " للمؤلف. ( تحت الطبع ).

التفـاخـر بالأنسـاب**
لقد اهتم الإسلام بحفظ الأنساب، ومعرفة ما يتحقق بمعرفته تحقق بعض المعارف الشرعية، وتنفيذ بعض الأحكام الشرعية على ما ورد سابقاً، فوجب حفظ الأنساب وصيانتها وعدم ضياعها. إلآ أنّه قد ذمَّ وحرّم التفاخر بالأنساب، ونهى عن العصبية القبلية أن تكون الرابط بين المسلمين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلكم بنو آدم؛ وآدم من تراب؛ ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان)[ 1].
وفي الترمذي أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم خطب بمكة فقال: (..يا أيها الناس: إنَّ الله قد أذهب عنكم غَيْبَةَ الجاهلية وتعاظمها بآبائها، فالناس رجلان: رجل بر تقي على الله، ورجلٌ فاجر شقي هيّن على الله، والناس بنو آدم وآدم من تراب)[2 ] وينسب لعلي كرّم الله وجهه:[3 ]
الناس من جهة التمثيل أكفـاء = أبوهـم آدم وأمهم حــواء
نفس كنفس وأرواح مشاكلـة = وأعظم قد خلقت وأعضاء
فإن يكن لهم من أصلهم حسب = يفاخـرون به فالطين والمـاء
ما الفضل إلا لأهل الفضل إنهم = على الهدى لمن استهدى أدلاء

وفي تفسير قوله تعالى من سورة الحجرات: (يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا)[ 4]، يقول “شيخ زاده”: [والمعنى أنَّ الحكمة التي من أجلها جعلكم شعوباً وقبائل هي أن يعرف بعضكم نسب بعض ولا تنسبه لغير آبائه، لا أن تتفاخر بالأنساب والأجداد، والنسب وإن كان يُعتبر عُرفاً وشرعاً حتى لا تتزوج الشريفة بالنبطي، إلا أنّه لا عبرة به عند ظهور ما هو أعظم قدراً منه وأعز وهو الإيمان والتقوى، كما لا تظهر الكواكب عند طلوع الشّمس)[5 ]. لذا فيقتصر في معرفة الأنسـاب على ما أمر الشرع بمعرفته فقط، دون التفاخر بذلك، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم)[ 6] ولقوله أيضاً: (خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام ما فقهوا)[7 ]
إنَّ التفاخر بالأنساب هي عادة جاهلية مقيتة ممجوجة شرعاً درجت في الجاهليتين الأولى والمعاصرة، فقد تباهى الإغريق بأصولهم، واعتبر الجرمان أنّ نسبهم هو أرفع الأنساب على الإطلاق وكذا العبرانيون، وارتبط العرب بقبائلهم وتفاخروا بالانتساب إليها، وهذا التفاخر هو العصبية القبلية الموصلة إلى أدنى الروابط البشرية وأحطها على الإطلاق ألا وهي “الوطنية والقومية”، وقد حرّم الإسلام ذلك معتبراً إياها من دواعي الجاهلية النتنة لما تقدم ولقوله صلى الله عليه وسلم: (دعوها فإنها جيفة منتنة) معتبراً أنّ ما يُفتخر به هو التقوى وصالح الأعمال وليس النسب.


رواه أبو بكر البزار في مسنده من حديث حذيفة.
رواه الترمذي.
تفسير القرطبي: 16: 243.
الحجرات: ( 13 ).
شيخ زادة، حاشية شيخ زاده على البيضاوي، 3: 375.
رواه الترمذي.
الملاحق بخاري والنسائي.

النَّسَــــب**
اقتضت الحكمة الإلهية أن تكون المرأة محل الحمل والولادة، لذلك وجب أن تقتصر في التزوج برجل واحد، ومُنِعت من التزوج بأكثر من زوج “الجمع بين الأزواج”، وقد حُرِّم ذلك حتى لا يختلط النّسب بحيث يُمَكنَ كل شخص أن يعرف من انتسب إليه، لذا فقد عني الشرع بثبوت النسب وبيّن حكمه أتم بيان. والله تعالى حين نهى عن جعل العصبية القبلية أن تكون الرابطة بين أبناء الأمة الإسلامية ونهى نهياً جاذماً عن تحكيمها في العلاقات بين الناس، إلا أنه في نفس الوقت أمر بصلة الأقارب وبرهم.[1 ]
روي أنَّ رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم: من أبر؟ فقال: أمك وأباك وأختك وأخاك.[2 ] وفي لفظ آخر: ومولاك الذي هو أدناك حقاً واجباً ورحماً موصولا.
وعن أسماء بنت أبو بكر قالت: أتتني أمي وهي مُشركة في عهد قريش ومدتهم إذ عاهدوا الرسول مع ابنها؛ فاستفتيت الرسول صلى الله عليه وسلم، فقلت: إنَّ أمي قدمت وهي راغبة. فقال: صلي أمك.[3 ]

والأقارب رتبوا حسب الأحكام الشرعية إلى قسمين:

  1. أصحاب الفروض والعصبات: وهم الذين يمكن أن يرثوا الشخص حال وفاته.
  2. أولوا الأرحام: وهم من لا سهم لهم في الميراث وليسوا عصبة. وهم عشرة: الخال والخالة، الجدة لأم، ولد البنت وولد الأخت، بنت الأخ، بنت العم، العمة، العم لأم، إبن الأخ لأم، ومن أدلى بأحد منهم، وهؤلاء لم يجعل الله لهم نصيباً في ميراث الشخص مطلقاً ولا تجب نفقة أي منهم على الشخص.

إنّ الله قد أمر بصلة الأقارب جميعاً وصلة الرّحم تشمل كل واحد من الأرحام سواء أكان رحماً محرماً أم رحماً غير محرم، من العصبة أو ذي الأرحام، فإنهم كلهم يصدق عليهم أنهم ذوو أرحام.[4 ] وقد وردت عدّة أحاديث تحث على صلة الرَّحم وتبين أحكامها، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة قاطع رحم)[ 5]. وعن أنس بن مالك أنّ الرسول صلى الله عيه وسلم قال: (من أحَبَّ أن يُبْسَطَ له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه)[ 6] وقال عليه الصلاة والسلام: (ليس الواصل بالمكافيْ ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها)[ 7] لــــذا فقد تقيد المسلمون بصفاء أنسابهم وحالوا دون اختلاطها، كما اهتم المسلمون بعلم الأنساب، وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه أشهر من عني بتسلسله من السّلف، ودوّن السابقون العديد من المؤلفات في علم الأنساب شارحة تسلسله من آدم أبو البشر عليه السلام إلى أيامهم، وتبعهم من تبعهم إلى يومنا هذا. وقد اهتم المسلمون بهذا العلم، وتسابقت القبائل والعائلات للاحتفاظ بأنسابهم ومصادرها، كما اهتمت المحاكم الشرعية بتدوين الأنساب في سجلاتها، وبالأخص ما يتم بواسطته تنظيم توزيع الإرث على أصحاب الفروض.

ولا خفاء أنّ المعرفة بعلم الأنساب هي من الأمور المطلوبة، والمعارف المندوبة، لما يترتب عليها تنفيذ بعض الأحكام الشرعية، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم)[ 8]. وقد ورد الحث على العلم بها واعتبارها في عدّة مواضع منها:   
  1. العلم بنسب النبي صلى الله عليه وآلهِ وسلم، وأنَّه النبي القرشي المولود بمكة من نسب شريف؛ فلا بدّ لصحة الأيمان من معرفة ذلك، ولا يعذر مسلم في الجهل بنسبه الشريف. وقد ورد في السيرة الشريفة قوله: (أنا النبي لا كذب أنا أبن عبد المطلب)
  2. العلم بنسب الأنبياء السابقين ومعرفة قرابة بعضهم لبعض.
  3. معرفة الأقارب بعضهم بعضاً، ومعرفة درجة القرابة، حتى يتم بذلك صلة الرحم.
  4. التعارف بين الناس حتى لا يُعزى أحد إلى غير آبائه، ولا ينتسب إلى غير أجداده. لقوله تعالى: (وَما جَعَلَ أدْعِياءكُمْ أبناءَكمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأفْواهِكُمْ وَاللهُ يَقولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهْدي السَّبيلَ ï?، إدْعوهُمْ لآِبائِِهِمْ هُوَ أقسَطُ عِنْدًَ اللهِ فَإن لَمْ تَعْلموا آبائَهُمْ فَإخوانِكُمْ في الدينِ وِمِواليكُمْ وَليْسَ عَلَيْكُمْ جُناخٌ فيما أخطأتمْ بهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قلوبُكُمْ وَكانَ اللهُ غفوراً رَحيماً
    ï?،)[9 ] وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من انتسب إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)
    [10 ] وعن أبي عثمان النهدي عن سعد وأبو بكرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم فالجَنَّة عليه حرام)
    11] وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين نزلت آية الملاعنة: (أيما امرأة أدخلت على قوم نسباً ليس منهم فليست من الله في شيْ؛ ولن يُدخلها الله الجنة؛ وأيما رجل جحد إبنه وهو ينظر إليه احتجب الله منه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين)[ 12] ولقوله تعالى: (يا أيها الناس إنّا خلقناكم مِن ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم)[13 ]
  5. على هذه المعرفة تترتب أحكام الوراثة فيحجب بعضهم بعضاً، وأحكام الأولياء فيقدّم بعضهم على بعض، وأحكام الوقف الذري إذا حصر الواقف بعض الأقارب أو الطبقات دون الآخر، وأحكام العاقلة في الدّية حتى تُضرب العاقلة على بعض العصبات دون الآخر، فلولا معرفة الأنساب لفات إدراك تلك الأمور وتعذر الوصول إليها.
  6. اعتبار النسب في كفاءة الزوج والزوجة في النكاح على مذهب الشافعي وغيره.
  7. مراعاة النسب الشريف في المرأة المنكوحة لحديث الرّسول صلى الله عليه وسلم: (تنكح المرأة لأربع : لدينها وَحَسَبِها ومالها وجمالِها)[14 ]
  8. التفريق بين جريان الرّق على العجم دون العرب على مذهب من يرى ذلك، وهو أحد القولين للشافعي.

** النبهاني - الشيخ تقي الدين، النظام الاجتماعي في الإسلام، صفحه ( 183 ).
رواه البخاري وإبن ماجة وأحمد بن حنبل.
رواه مسلم في صحيحه.
النبهاني، المصدر السابق.
رواه مسلم واحمد بن حنبل في مسنده.
رواه البخاري ومسلم واحمد بن حنبل.
رواه البخاري والترمذي.
رواه الترمذي.
الأحزاب: ( 4 ? 5 ).
رواه ابن ماجه.
رواه ابن ماجة .
رواه الدارمي.
الحجرات: ( 13 ).
رواه البخاري وأبو داوود والنسائي وأحمد بن حنبل والإمام مالك في الموطأ.**

فيما روي من سؤال عائشة رضي الله عنها عن القردة هل هي ممن مسخ الله من يهود؟ فقالت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما جعل الله لمسخ من نسل.)[1 ]

وفيما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمن سأله عن القردة والخنازير هل هي مسخ؟ قال: (إنَّ الله لا يهلك قوماً أو يعذب قوماً فيجعل لهم نسلاً، وإنّ القردة والخنازير كانوا من قبل.)[2 ]

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: (لم يعش ممسوخ قط أكثر من ثلاثة أيام ولا يأكل ولا يشرب)[3 ] 



وقد ورد ذكر المسخ من أشراط الساعة عن ابن عمر مرفوعاً: (يكون في أمتي خسف وقذف)[4 ]



وفيما رواه أبو أمامه: (ليبيتن أقوام من أمتي عن أكل ولهو ولعب، ثم ليصبحن قردة وخنازير)[5 ] وفي حديث آخر برواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (بين يدي الساعة مسخ وخسف وقذف)[ 6] 



وفيما روته عائشة أنه عليه الصلاة والسلام قال: (يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف. قيل يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث)[ 7]



فنسألك اللهم ونجأر إليك بالدعاء متوجهين إليك مبتهلين وقد خلقتنا في أحسن تقويم، وأكرمتنا بجمال الخَلق وحُسْن الخُلق وأنعمت علينا بنعمتي العقل والإسلام، أن تلطف بنا فيما جرت به المقادير، وأن تثبت قلوبنا على التقوى والأيمان، وأن تُبعد عنا شرّ انتقامك الحق، ونبرأ إليك ربنا من سفهاء قومنا، سواء منهم من الحد أو شكك في جلالك، أو من أشرك بك أو كفر، ومن اتبع خطوات الشيطان من أنس وجان.



ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا ولا تحملنا ما لا طاقة واعف عنا واغفر لنا وارحمنا. أنت مولانا فاهدنا الصراط المستقيم وأنر دربنا وأعنا على حمدك وشكرك وحسن عبادتك، وأهلك الكفرة أعداءنا وأعدائك وانتقم منهم انتقام العزيز الجبار.

مسند الإمام أحمد بن حنبل.

صحيح مسلم.

صفوة التفاسير، ( 1: 479 ).

رواه الحاكم ومسلم وأحمد بن حنبل.

رواه الطبراني.

رواه ابن ماجه.

رواه الطبراني.

**لقد ذكر القرآن الكريم أنّ الصلاح هو سبب بقاء الأمم والحضارات في الدنيا، وسبب تغلب الضعفاء العقائديين المتقون على الأقوياء الكفرة. وأنّ الفسق والفجور والضلال والعصيان والكفر والإلحاد والشرك والوثنية والجاهلية هم سبب الهلاك والزوال وانتقام الله، وفي ذلك قوله تعالى من سورة آل عمران:

(إنَّ الذينَ كفروا لن تُغنيَ عَنهُمْ أمْوالهُمْ وَلا أوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَأوْلئِكَ هُمْ وَقودُ النّارِ  كدَأبِ آلِ فِرْعَونَ والذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذّبوا بِآياتِنا فَأخذهُمُ اللهُ بِذُنوبِهِمْ وَاللهُ شَديدُ العِقابِ  قُلْ للذينَ كفروا سَتُغلبونَ وَتُحْشرونَ إلى جَهَنَّمَ وَبئسَ المِهادُ  قدْ كانَ لكُمْ آيَة في فِئتينِ التقتا فِئة تُقاتِلُ في سَبيلِ اللهِ وَأُخرى كافِرَة يَرَوْنهُمْ مِثليهِمْ رَأيَ العَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِدُ مَنْ يَشآءُ إنَّ في ذلِكَ لعِبْرَةً لأولي الأبْصارِ )[ 1]

هذه النظرة التي طرحها الإسلام بمفاهيمها وقيمها الإنسانية الكريمة عن النزاع القائم في الحياة الدنيا. فرفع الإنسان فكرياً وسلوكياً عن مستوى الغاب وشريعته التي تنادي بالبقاء للأقوى، إلى المستوى الإنساني الفاضل الذي ينادي بالبقاء للصالح فعلاً. فهلاك الأمم والشعوب واندثارها هو بسبب الذنوب والمعاصي والآثام، منذ خلق الله الأرض ومن عليها، وإلى أن يرثها ومن عليها، وفي ذلك قوله تعالى من سورة الأعراف: (أوَ لمْ يَهْدِ للذينَ يَرِثونَ الأرْضَ مِنْ بَعْدِ أهْلِها أنْ لوْ نَشاءُ أصَبْناهُمْ بذنوبِهِمْ وَنَطبَعُ عَلى قُلوبِهِمْ فَهُمْ لآ يَسْمَعونَ  تِلكَ القرى نَقُصُّ عَليْكَ مِنْ أنْبائِها وَلقدْ جائتهُمْ رُسُلهُمْ بالبَيناتِ فما كانوا لِيُؤمنوا بِما كَذّبوا مِنْ قبْلُ كَذلِكَ يَطبَعُ اللهُ على قلوبِ الكافرينَ )[ 2] وقوله تعالى من سورة الكهف: (وَتِلكَ القرى أهْلكناهُمْ لمّا ظلموا وَجَعَلنا لمهلكهم مَوْعِداً )[3 ] وقوله تعالى من سورة يونس: (وَلقدْ أهْلكنا القرونَ مِنْ قبْلكمْ لمّا ظلموا )[4 ]



وليس ببعيد عن أذهاننا قصة فرعون حين علا وتغطرس وتجبر ببني إسرائيل، ولم يكن المنتصر فيها القوي الجبار المتغطرس،  بل كان المنتصر الفئة المؤمنة المستضعفة. وفي ذلك قوله تعالى من سورة يونس: (وَجاوَزنا بِبَني إسْرائيلَ البَحْرَ فَأتبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنودُهُ بَغياً وَعَدْواً حَتىّ إذا أدْرَكَهُ الغرَقَ قالَ آمَنتُ أنّهُ لآ إلهَ إلآ الذي آمَنَتْ بِهِ بَنو إسْرائيلَ وَأنا مِنَ المُسْلِمينَ  ءآلنَ وَقدْ عَصَيْتَ قبْلُ وَكُنْتَ مِنَ المُفسِدينَ  فاليَومَ ننَجيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكونَ لِمَنْ خلفكَ آيَةً وَإنَّ كثيراً مِنَ الناسِ عَنْ آياتِنا لغافِلونَ )[5 ] 



لقد قصَّ علينا القرآن الكريم كيف أهلك الله تعالى قوم نوح بالإغراق، وكيف انتقم وأهلك قوم لوط، وكيف انتقم من الفراعنة وكل الجبابرة العتاة، وقصّ علينا من أمثال العذاب والهلاك في الدنيا التي سلطها الله تعالى على الكفرة العتاة الظلمة، علّ ذلك يكون عبرة لكل معتبر. ولنتمعن في هذه الآيات البينات من سورة الأنبياء: (وَنوحاً إذ نادى مِن قبْلُ فاسْتجَبْنا لَهُ فنجَيناهُ وَأهْلهُ مِنَ الكَرْبِ العَظيمِ  وَنصَرْناهُ مِنَ القوْم الذينَ كذبوا بآياتِنا إنَّهُمْ كانوا قوْمَ سوءٍ فَأغرَقناهُمْ أجْمَعينَ )[6 ] وقال تعالى من سورة الحاقة: (كَذّبَتْ ثمودُ وَعادٌ بالقارِعَة  فأمّا ثمودُ فأُهْلِكوا بالطاغِيَةِ  وَأمّا عادٌ فأُهْلِكوا بريحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ  سَخرَها عَليْهِمْ سَبْعَ ليالٍ وَثمانِيَة أيامٍ حُسوماً فترى القَوْمَ فيها صَرْعى كأنَّهُمْ أعْجازُ نحلٍ خاوِيَة  فهَلْ ترى لهُمْ مِنْ باقِيَة )[7 ] وقصص أخرى من قصص الهلاك ومع سورة الفجر: (ألَمْ تَرَ كَيْفَ فعَلَ رَبُّكَ بعادٍ  إرَمَ ذاتِ العِمادِ  التي لَمْ يُخلَقْ مِثلها في البلادِ  وَثَمودَ الذينَ جابوا الصَّخرَ بالوادِ  فأكثَروا فيها الفَسادَ  فصَبًّ عَلَيْهِمْ رَبُكَ سَوْطَ عَذابٍ  إنَّ رَبّكَ لَبالمِرْصادِ )[ 8] وصورة أخرى هي الهلاك بالمطر ومع سورة النمل: (وَلوطاً إذ قالَ لِقَوْمِهِ أتأتونَ الفاحِشَة وَأنتُمْ تبْصِرونَ  أئِنَّكُمْ لًتأتونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دونِ النِساءِ بَلْ أنتُمْ قوْمٌ تجْهَلونَ  فما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلآ أنْ قالوا أخرِجوا آلَ لوطٍ مِنْ قرْيَتِكُمْ إنَّهُمْ أناسٌ يَتطَهَرونَ  فأنْجَيْناهُ وَأهْلهُ إلآ إمْرَأتَهُ قدَّرْناها مِنَ الغابِرينَ  وَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فسـاءَ مَطَرُ المُنذَرينَ )[9 ] 



أما المسخ فقد سلطه الله تعالى على قوم من اليهود لعصيانهم أمر الله بصيدهم الحيتان في السّبت وقد حُرّم عليهم ذلك، على قول إبن عباس في رواية عكرمة الواردة في كتاب "المستدرك"، إذ مسخهم الله قردة جزاءَ عصيانهم لأوامر الله تعالى، وفي ذلك قوله تعالى من سورة الأعراف: 

(وَاسْألهُمْ عَنِ القرْيَةِ التي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ إذ يَعْدونَ في السَّبْتِ إذ تَأتيهُمْ حيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبتونَ لا تَأتيهِمْ كًذلِكَ نبْلوهُمْ بما كانوا يَفسُقونَ  وَإذ قالتْ أُمَّة مِنْهُمْ لِمَ تعِظونَ قوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أوْ مُعَذِبُهُمْ عَذاباً شَديداً قالوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ وَلَعَلّهُمْ يتقونَ  فلمّا نَسُوا ما ذكِروا بِهِ أنجَينا الذينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السّوءِ وَأخذنا الذينَ ظَلموا بِعَذابٍ بَئيسٍ بِما كانوا يَفسُقونَ  فلما عَتوا عِنْ ما نُهوا عَنْهُ قلنا لهُمْ كونوا قِرَدَةً خاسِئينَ )[ 10]

[وقصة المسخ تلك في جماعة من يهود كانوا يسكنون في إيلات في خليج العقبة، فحرّم الله تعالى عليهم الصيد يوم السبت، فكانت الحيتان تأتيهم ظاهرة مشرعة بكثرة يوم سبتهم، فإذا كان بقية الأسبوع اختفت، وذلك امتحان لهم من ربهم. فابتدأ نفر منهم بوضع الشباك لها يوم الجمعة ويمسكوا بها يوم السبت ليأخذونها يوم الأحد تحايلاً على أمر الله. فلما ظهر فيهم هذا الأمر انقسموا إلى ثلاث طوائف: طائفة تحايلت على أمر الله ... وطائفة نهت عن المنكر ... وطائفة سكتت ...، وكـان ابن عباس رضي الله عنهما يرى أنّ الذين نجوا هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر منهم فقط، ويرى أنَّ الذين سكتوا وقالوا لِمَ تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً مع الهالكين... ثم يبكي خشية أن يكون من الذين رأوا المنكر فلم ينهوا عنه وذلك في أيام بني أمية... فجاء مولاه عكرمة وأقنعه بأنّ الذين كرهوا وسكتوا هم الناجون، فسر بذلك رضي الله عنه... وأما الطائفة الثالثة فقد مسخها الله قردة][ 11] 

آل عمران: ( 10 ? 13 ).

الأعراف: ( 100 ? 101 ).

الكهف: ( 59 ).

يونس: ( 13 ).

يونس: ( 90 ? 92 ).

الأنبياء: ( 76 ? 77 ).

الحاقة: ( 4 ? 8 ).

الفجر: ( 6 ? 13 ).

النمل: ( 54 ? 58 ).

الأعراف: ( 163 ? 166 ).

تفسير ابن كثير، (2: 158)- تفسير الطبري، (13: 185) ? تفسيير القرطبي، (7: 306) - في ظلال القرآن، (9 : 1383)

**وأخيراً قيام إمبراطورية الشر “الولايات المتحدة الأمريكية” وحليفاتها بتاريخ 20/3/2003م بشن حرب صليبية غاشمة على العراق ومن ثم احتلاله بالكامل يوم 9/4/2003م واستعماره بعد معركة صبوا بها جميع أنواع وحمم الأسلحة المتطورة الفتاكة من قنابل إنشطارية جهنمية وصواريخ محتوية اليورانيوم المنضب والغير منضب على السواء، فدمروا البلاد وقتلوا العباد ومثلوا بجثثهم، ونهبوا الخيرات وأهلكوا الحرث والنسل، وروعوا الناس، وهتكوا الأعراض، وعاثوا في البلاد الفساد، يساندهم سراً وعلانية جميع دول الصليب الأوروبية بما في ذلك فرنسا وألمانيا وروسيا علاوة على بريطانيا وأسبانيا واستراليا… كما شاركهم وساعدهم في ذلك صراحة كل المحافل السياسية العالمية ومنها الأمم المتحدة ومجلس الأمن وسكرتير عام الأمم المتحدة ومنظمة الصليب الأحمر ومنظمات حقوق الإنسان وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ووفود الدول العربية في الأمم المتحدة، وحجتهم في ذلك عن “أسلحة الدمار الشامل” التي ليس لها وجود!!!

لم تعتمد صراعاتهم مبدأ عدل يسعون لنشره، أو إصلاحاً يعملون لتحقيقه، أو دعوة حق يحملون لوائها، بل من أجل المادة والاستعمار والتسلط، والتحكم في مصائر البشر ومصادر رزقهم وعيشهم، واستغلالهم ونهب أموالهم وموارد بلادهم وخيراتها.

[وأصل فكرة الصراع هي نظرة التفكير الرأسمالي بالعيش، وما صاغ به الحياة الإنسانية كلها من صياغة معينة، تُري ما جلبت هذه الصياغة للحياة الإنسانية كلها من شقاء وتعاسة، وجعل الإنسان يقضي حياته كلها يركض وراء الرّغيف. وكيف جعلت العلاقات بين الناس علاقات خصام دائم، هي علاقة الرّغيف بيني وبينك آكله أنا أو تأكله أنت، فيستمر بيننا الصراع حتى ينال أحدنا الرّغيف ويحرم منه الآخر، أو يعطي أحدنا ما يبقيه ليوفر باقي الرّغيف للآخر ويزيد من خبزه. فنظرة واحدة لهذه الصياغة التي صاغها التفكير الرأسمالي للحياة تُري كيف جعلت الحياة الدنيا دار شقاء وتعاسة، ودار خصام دائم بين الناس.

وذلك بأنّ التفكير الرأسمالي بالعيش، وإن كان قد بناه على فكرة كلية عن الكون والإنسان والحياة، أي وإن كان بناه على فكرة كلية أي نظرة معينة في الحياة، فإنّه وإن حقق نهضة الشعوب والأمم التي سارت على هذا الطراز من التفكير بالعيش، فإنّه أشقى تلك الشعوب والأمم، وأشقى الإنسـانية بأجمعها. فهو الذي خلق وأوجد فكرة الاستعمار والاستعباد والاستغلال. وهو الذي أتاح لأفراد أن يعيشوا في مستوى هيأ لهم أن يأخذوا الرسائل التي تأتيهم على طبق من ذهب يقدمه إليهم الخدم، أي العبيد، وحرم أفراداً حتى من أن يكونوا خدماً وعبيداً لأبناء عائلاتهم أو عشيرتهم أو أمتهم يستطيعون أن ينعموا بفضلات العيش وفتات الموائد. وفي أمريكا الغنية المتغطرسة، وإنجلترا التي لا تزال تحلم بأمجاد الإمبراطورية المتناهية الأطراف، وفي فرنسا التي يسبح خيالها بسراب العظمة والمجد، نماذج عديدة من تلك الحياة، فضلاً عما فعلته فكرة الاستعمار والاستغلال في غير أوروبا وأمريكا من استعباد ومص دماء. وكل هذا إنّما كان لأنّ التفكير بالعيش ليس تفكيراً مسؤولاً، أي ليس تفكيراً فيه المسؤولية الحقيقية، حتى وإن كانت تظهر فيه أحياناً المسؤولية عن العائلة والعشيرة أو القوم أو الأمة، ولكنه في حقيقته خالٍ من المسؤولية، لأنه ليس فيه إلا ما يضمن الإشباع][1 ]

لقد استغل دعاة العنصرية نظرية “داروين” في القول ببقاء الأصلح، مبرراً لاضطهاد الشعوب الملونة، وغالوا في ذلك حتى أنكروا حق النفس السّوداء - نسبة إلى لون البشرة - في الوجود على نحو ما عبر عنه “مونتسيكو” في كتابه، وفي ذلك يقول “الدكتور محمد بدوي” في كتابه “كتاب التطور”: (استطاع العنصريون أن يتخذوا من نظرية داروين البيولوجية أساساً لنظرية اجتماعية داروينية، بمعنى أنّهم نادوا بما يسمى بالاختيار الاجتماعي ليقابل مبدأ الاختيار، ومن ثم فإن المجتمع يختار أصلح من يقود هذه المجتمعات في امتياز بعض الشعوب على بعضها الآخر.)

وفي طريقة تعامل بيض البشرة من الشعوب الصليبية الوافدة حديثاً إلى الولايات المتحدة الأمريكية، الدولة الأولى في العالم، وقائدة ما يسمى بالعالم الحر، ورائدة الديموقراطية العفنة، تلك الدولة التي تتبجح وتتباهى بأنها بلد الحريات، مع أهل البلاد الأصليين سود البشرة “الزنوج”، أبشع صور لتلك النظرة ووصمة عار لا تمحى في جبين عالم القرن العشرين وفي جبين ذلك النظام الديموقراطي الفاسد العفن. كما يماثلها ويقاربها في البشاعة والانحطاط عنصرية المستعمر الصليبي الكافر تجاه الأفارقة سود البشرة في بلادهم المحتلة في جنوبي أفريقيا ووسطها وشرقها وغربها وشمالها، وفي مناطق متعددة من العالم، والمصائب التي حلت بهم من المستعمر الكافر إنجليزي وفرنسي وإيطالي وأسباني وبرتغالي وهولندي ومن كل هؤلاء الكفرة على اختلاف جنسياتهم سواء بسواء. تلك العنصرية الرعناء التي تنظر إلى هؤلاء الناس وتعاملهم على أنهم ليسوا نوعاً من البشر الذي ينتمون إليه. وفي هذا يقول “جوان توماس” في كتاب “خرافات عن الأجناس”:

(إنَّ الاستعمار يحاول تبرير القول بأنَّ الزنجي ليس أحط من الرجل الأبيض فحسب، بل أنّه لا يختلف إلا بقدر يسير عن الحيوان وإنّ نظرية داروين الخاصة ببقاء الأصلح رَحَبَ بها البيض واعتبروها وسيلة لتدعيم سياسة التوسع والعدوان على حساب الشعوب المنحطة. وبناء على ذلك اعتقد الأبيض أنَّ استعباد أو إفناء المجموعات البشرية المنحطة بواسطة الرصاص الأوروبي ليس إلا تنفيذاً لنظرية استبدال مجتمعات منحطة بأخرى راقية.

لقد رَحَّبَ الماديون بفكرة داروين لأن عقيدتهم تقوم على العنف وصراع الطبقات، ولم يكن الدّافع لتبني نظرية داروين الأدلة العلمية - فهي أبعد عنها - وإنّما كان مذهبهم السياسي، علاوة على أنَّ نظرية نشوء الإنسان من الحيوان تلائم النظرة المادية الشيوعية.


النبهاني ? الشيخ تقي الدين، كتاب " التفكير " صفحه ( 78 - 79 ).

من هو الأصلح للبقاء ؟**إنَّ الخلود في هذه الحياة الدُنيا ليس هدفاً للمسلم، وليس غاية يُسعى لتحقيقها، فالمسلم يعتبرها دار امتحان ومعاش وعبادة؛ وهي دار ممر إلى حياة الخلود التي لا يموت الإنسان فيها ولا يشقى، فعقيدة المسلم أنَّ الإنسان قد وُجدَ في هذه الحياة الدنيا فترة من الزمن ليعبد الله ويُقدسه، قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)[1 ]

أمّا فكرة “الصراع” فهي فكرة استعمارية كافرة نشأت وأنشأت في عصر النهضة الاستعمارية، تلك النظرية التي تعتمد على القوة كوسيلة لغلبة القوي على الضعيف، فهي شريعة الغاب التي سادت في الحروب الاستعمارية وانطبعت فيها العقلية الجاهلية.

والصراع لغلبة القوي على الضعيف هي فكرة مادية لا أخلاقية، تهدف إلى الاستيلاء على موارد الغير بالقوة والعنف، وبسبب حمل المجتمعات الجاهلية لتلك الفكرة كانت الحروب العالمية والثورة الفرنسية، كما كانت السبب في ظهور الفاشية والنازية والشيوعية والقومية؛ ولنفس السبب قامت الحروب الصليبية وغزواتها على بلاد المسلمين. وبهذا المنطق احتلت روسيا الشيوعية أفغانستان المسلمة.

وما الحرب التي دارت رحاها حديثاً، ولا تزال آثارها ومصائبها إلى اليوم وفي هذه اللحظات على أرض الإسلام من أراضي الخليج العربي والتي أسموها “حرب الخليج” أو “عاصفة الصحراء” أو “حرب تحرير الكويت”، والتي قادتها قوى الكفر والشر بقيادة رأس معسكر إبليس الولايات المتحدة وغيرها من الدول الصليبية الكافرة مثل رؤوس الكفر والحقد بريطانيا وفرنسا، إلا صراع لتحقيق غلبة القوي المتغطرس المتمثل في الدولة العظمى الأولى وحليفاتها، على الضعيف المحدود القوة المتمثل في العراق، للاستيلاء على خيرات وموارد بلا د المسلمين، ولإجبار المسلمين على الخنوع لصلف وغطرسة الكفرة. ومما يعزز هذا ما نراه من تصرفات حاقدة بعد أن وضعت الحرب أوزارها، المتمثلة في استغلال اسم “هيئة الأمم” و “مجلس الأمن” وما يسمى بِ “الشرعية الدولية” لتركيع وتجويع شعب العراق المسلم وإذلاله، وقتل الشيوخ الرّكع والأطفال الرّضع والبهائم الرّتع، وإهلاك الزرع والحرث والنسل. يُساندهم في ذلك كل قوى الشر والكفر والعدوان في شرقي العلم وغربيه على اختلاف مللهم ونحلهم وعقائدهم!!!

وعلى إثر تفجيرات يوم الثلاثاء المشهود 11/09/2001، في مدن نيويورك وواشنطن الأمريكيتين، هذا الحادث الذي أظهر عجز الدولة العظمى عن حماية بلادها ورعاياها، وكشف البرقع الشفاف من الجبروت والخيلاء الذي يخفي هوان وعوار تلك الدولة العظمى وقلة حيلتها، فقام رئيس الولايات المتحدة الأمريكية “بوش الإبن” بالسير على نهج وسلف وجبروت أباه، وبأسلوب رعاة البقر الشائع في أمريكا Cowboy، فأعلنها حرب صليبية حاقدة كافرة ضد الإسلام والمسلمين، بادعاء محاربة الإرهاب، فجَيَّشَ الجيوش وحَشدَ الحُشود، وجمع دول “أصحاب الفيل” في تحالف آثم حقود ضمّ دول الصليب الحاقد جميعاً من بريطانيا إلى فرنسا إلى إيطاليا ألذي استعرض حاكمها عضلاته واستغلها فرصة لمهاجمة حضارة الإسلام، وبقية دول الصليب بلا استثناء، كما ضم هذا التحالف الكافر دول الكفر الأخرى كروسيا الأرثوذكسية واليابان الوثنية، وقد قام هذا التحالف أيضاً باسم “الشرعية الدولية” وضم فيه معظم الدول القائمة في العالم الإسلامي عرباً وعجماً بمن فيهم حاكم السودان صاحب العمامة البيضاء والذي أوهم سذج ورعاع الأمة يوماً أنّه إمام المسلمين وخليفتهم!!! ومن شابه منهم أبو جهل وأبو لهب وأبو رغال وأرناط وشاور، والهدف المُعلن كان مكافحة الإرهاب ولقتل الشيخ أسامة بن لادن رئيس تنظيم القاعدة، للشك بلا دليل ثابت في اشتراكه في تدبير الحادث اللهم إلا الظن والهدف الحاقد، ولمعاقبة دولة أفغانستان لحمايتها له. ومما يثبت كذب ادعائهم هذا إعلان كبرائهم استمرار الحرب لمدة طويلة، وإعلانهم أنها ستطال شعوب ودول ومنظمات وجمعيات عدة كلهم عرب ومسلمين، وتهديدهم كل دول العالم بأسلوب هوليودي بأن من لم ينضم معنا فهو مع الإرهاب!!!

وصب أصحاب الفيل جام غضبهم على أصحاب العقيدة والمبدأ، وأمطروهم خلال مدة تقارب الشهرين بل تزيد، بوابل من حمم النار والقنابل المدمرة على اختلاف أنواعها، المحرمة في قوانينهم وغير المحرمة على السواء، تصبها عليهم أحدث الطائرات الحربية، والمنطلقة من مطارات وقواعد حربية في بلاد المسلمين، فدمروا البلاد، وهدموا المساجد والمصحات، وقتلوا الأطفال والشيوخ والجياع العراة، وشردوا الناس الذين هاموا على وجوههم في الفيافي والقفار هاربين من البلاء إلى الضياع، وارتكبوا كل أنواع المنكرات، وقاموا بأبشع أنواع الإرهاب الذين يدعون محاربته، وكشفوا عن مكنون الغل والحقد الذي تخفيه نفوسهم. حتى امتد غلهم وحقدهم إلى مواطنيهم من حملة الجنسية الأمريكية من المسلمين فاعتدوا عليهم بالقتل والسجن والتعذيب ومصادرة الأموال وتحريق البيوت وكشف عورات النساء، وكل ما يعد مخالفاً لقوانينهم ومبادئهم، وداسوا الحرية الشخصية للأفراد أمام صنمهم المعبود “تمثال الحرية”.

والهدف الحقيقي لهذه الحملة الصليبية الحاقدة الكافرة والتي قادها رعاة البقر، هو بسط سيطرتهم وجبروتهم على مدن العالم الإسلامي، لاستغلال مواردهم ونهب خيراتهم، وسرقة أموالهم، (وقد فعلوها علانية بتدخلهم في ودائع الأشخاص والهيئات في بنوك العالم، ومصادرة ما يشاءون منها خلافاً لقوانينهم وتشريعاتهم، قوانين الصليب والغاب وقوانين رعاة البقر، واعتداءا ًصارخاً على الملكية الفردية). وللحيلولة بين هذه الأمة الكريمة وبين نهضتها وبعثها من مرقدها. إنّه الصراع بين الحق والباطل.


[1 الذاريات: ( 56 ).

**قال عالِم التطور “ميلرش H.Mellersh” في كتابه “تاريخ الإنسان”: (إنّ دماغ الإنسان يختلف عن أدمغة بقية الحيوانات، وهو يشكل حدثاً جديداً في الحياة. وكل الأجناس البشرية تتمتع بهذه المزية… فأقوام أستراليا البدائيون يستطيعون أن يتثقفوا في بحر جيل واحد، وهذا يدل على أنّ الإنسان سواء أكان شرقياً أو غربياً، متمدناً أو بدائياً، يتمتع بالقدرات العليا ذاتها. وهذا ما أقرّه العِلم! فالهوّة إذاً سحيقة بين الإنسان والحيوان)

أمّا مجلة "لايف Life" فقد كتبت في عددها الصادر بتاريخ 28/06/1963، شارحة تفوق الدماغ الإنساني تقول: (لخلايا الدماغ العصبية آلاف الاتصالات بعضها ببعض، وهناك اتصالات إضافية بفضل الكمية العليا من القشرة الدماغية التي تضاعف القدرة أضعافاً لا نهاية لها على استقبال وتحليل المعلومات. وهذه القدرة الاعتيادية تجعل الدماغ الإنساني بمنزلة رفيعة لا تُدانى بالنسبة إلى باقي الكائنات الحية) 

وبالتالي فالهوة سحيقة جداً بين الإنسان وبين الحيوان، أو حتى بين الإنسان وبين أي مخلوق آخر، فلو كانت نظرية النشوء والارتقاء المادي أو جميع نظريات التطور المادي الأخرى صادقة لما كانت تلك الهوة السّحيقة، بل لكان التقارب النسبي واضحاً.

يقول علماء التطور المادي بوجود مراحل للذكاء، ولكننا لا نعلم بوجود ذلك مطلقاً، بل إنّ ما نعلمه "أنَّ 90% من الناس أذكياء، فعامة الناس أو أكثرهم أذكياء، والنادر هم البلداء أو الأغبياء، وهذا النادر لا حكم له." وهذا الرأي هو ما قال به العلامة النبهاني في كتابه "سرعة البديهة".[ 1]



كما يزعم علماء التطور المادي بأنّ الإنسان المعروف باسم "إنسان ما قبل التاريخ" والذي يدّعون أنه انقرض كان يمثل الحلقة الوسطى. فلماذا عاشت هذه الحلقات الدنيا مثل القردة بينما انقرض إنسان ما قبل التاريخ، مع العِلم أنّ المفروض فيه حسب منطوق ومفهوم نظرياتهم أن يكون أرقى من القردة بكثير وأصلح للبقاء؟ وما الدليل على ذلك إن وُجد؟.



ويقول داروين: (قد يكون للإنسان عذره في أن يشعر بشيء من الكبرياء لأنه ارتقى إلى ذروة السّلم العضوي، ولو أنّ ذلك الارتقاء لم يكن نتيجة لجهده الخاص. وإذا كان الإنسان قد ارتقى إلى مكانه الذي يحتله الآن، ولم يوجد في الأصل ومنذ البداية في هذا المكان فإنَّ ذلك خليق بأن يعطيه بعض الأمل في مصير أفضل في المستقبل البعيد... "ومع ذلك"... ورغم كل هذه القوى المثيرة فلا يزال الإنسان يحمل في هيكله المادي وصمَةً لا يمكن محوها تشير إلى أصله الوضيع)[2 ] 



وصمة الأصل الوضيع!!!! هكذا ينظرون للإنسان وأصله، ونحن نقول ومعنا كل الأدلة الدامغة التي تؤكد صحة قولنا؛ وتنفي نفياً قاطعاً ادعاءات وترهات داروين والتي نسجها من خياله الواسع!!!! نقول: نعم، لقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم... إنّه الإنسان العاقل، الذي علمه الله، وزينه بالعقل والإدراك. إنّه الإنسان الأول "آدم عليه السّلام" الذي هو نفس الإنسان الحالي بجميع أوصافه التي نراها وندركها. لم يتبدّل ولم يتغير ولم يتطور. وله أن يفخر بأصله بحق، وله أن يفخر بأنّ الله قد فضله على جميع مخلوقاته، إذ اختاره من دون المخلوقات جميعها ليهبه العقل المميز، وأن يُسّخِرَ له ولمنفعته كل ما خلق. الإنسانُ الذي خلقهُ الله في أحسن تقويم. 


النبهاني ? الشيخ تقي الدين، سرعة البديهة، صفحه ( 23 ).

دورية " عالم الفكر "، المجلد الثالث، العدد الرابع ( 1973 )، صفحه ( 152 ).**

خُلِقَ الإنسان في أحسن تقويم**

خلافاً لكل نظريات الإلحاد والشرك والكفر، وخلافاً لكل آراء ومعتقدات أصحاب الديانات الوضعية، ينظر الإسلام بلسان القرآن الكريم، وبلسان رسوله الأمين، وبأيمان أتباعه، إلى الإنسان نظرة تختلف اختلافاً جوهرياً وبالكامل عن جميع النظرات الأخرى.

في حين ينظر للإنسان من أعمى الله قلوبهم أنّه آثم خاطيء بالوراثة، أو أنّه من سلالة القرود والسعادين، أو أنه قريب من نسل الكلاب والحشرات؛ ماسخين إياه في أحط صورة؛ واصفين أصله بالوضاعة المتناهية وبالتالي حقارة ودناءة هذا المنشأ. وفي حين يعتبره بعضهم مادة للبحث يستخدمونها لإجراء التجارب عليها في معاملهم ومختبراتهم، وحقل تجارب واستكشاف لدى علماء النفس والاجتماع. فإنَّ الإسلام ينظر إليه نظرة تبجيل واحترام. فهو في نظر الإسلام مخلوق خلقه الله تعالى في أحسن تقويم، صاحب أجمل صورة. وأنّ الله صوره فأحسـن التصوير.

نعــم، إنه الإنسـان الذي سجدت له ملائكة الرحمن، الإنسان الذي كرّمه الله وزينه بالسمع والبصر والفؤاد والإدراك والتمييز وحُسن الصورة وجمالها.

قال تعالى من سورة الانفطار: (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ï?، الذي خلقك فسواك فعدلك ( في أي صورة ما شاء ركبك )ï?،)[ 1]

وقال تعالى من سورة غافر: (الله الذي جعل لكم الأرضَ قراراً والسّماء بناءاً وصوركم فأحسَنَ صُوركم وَرَزَقكُم مِنَ الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين ï?،)[2 ]

وقال تعالى من سورة التغابن: (خلقَ السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير ï?،)[ 3]

ومن سورة المُلك: (هُوَ الذي أنشأكم وَجَعَلَ لكمُ السّمْعَ وَالأبْصارَ وَالأفئدةَ قليلاً ما تشكرونَ ï?، قُلْ هُوَ ذرَأكـُمْ في الأرْضِ وَإلَيْهِ تُحْشَرونَ ï?،)[4 ]

ومن سورة التين: (لقدْ خلَقنا الإنسانَ في أحْسَنِ تقويمٍ ï?،)[5 ]

ومن سورة الإسراء: (وَلقدْ كرَّمْنا بني آدَمَ وَحَمَلناهُمْ في البَّرِ وَالبَحْرِ وَرَزَقناهُمْ مِنَ الطَّيِباتِ وَفَضَلناهُمْ على كثيرٍ مِما خلقنا تفضيلاً ï?،)[6 ]

وفي تفضيل الله تعالى الإنسان على غيره من المخلوقات يقول محمد بن جرير الطبري في تفسيره: (إنَّ التفضيل هو أن يأكل بيده وسائر الحيوانات بالفم، وروي عن إبن عباس والكلبي ومقاتل نفس ذلك، وقال الضحاك: كرّمهم بالنطق والتمييز، وقال عطاء: كرّمهم بتعديل القامة وامتدادها، وقال يمان: بحُسن الصورة)[7 ] وله أيضاً: (بتسليطهم على سائر الخلق، وتسخير سائر الخلق لهم) وقال آخرون: (بالكلام والخط، وقيل بالفهم والتمييز)[ 8]

وقال القرطبي في تفسيره مُرَجحاً: (والصحيح الذي يعول عليه أنَّ التفضيل إنّما كان بالعقل الذي هو عمدة التكليف، وبه يُعرف الله ويفهم كلامه، ويوصل إلى نعيمه وتصديق رُسُله، إلا أنّه لما لم ينهض بكل المراد من العبد بُعِثت الرّسُل وأرسلت الكتب)[9 ]

أما ابن كثير فيقول في تفسيره: (يخبر الله تعالى عن تشريفه لبني آدم وتكريمه إياهم في خلقه لهم على أحسن الهيئات وأكملها، كقوله تعالى “ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم”[ 10]، أن يمشي قائماً منتصباً على رجليه ويأكل بيديه، وغيره من الحيوانات يمشي على أربع ويأكل بفمه، وجعل له سمعاً وبصراً وفؤاداً يفقه به ذلك كله وينتفع به ويفرق بين الأشياء، ويعرف منافعها ومضارها في الأمور الدينية والدنيوية…)[11 ]

وقال العلامة الشيخ تقي الدين النبهاني، في كتابه “التفكير”: (إنَّ الإنسـان هو أفضل المخلوقات على الإطلاق، حتى لقد قيل ~ وهو قول حق ~ إنَّه أفضل من الملائكة، والإنسان فضله إنّما هو في عقله، فعقل الإنسان هو الذي رفع شأن هذا الإنسان وجعله أفضل المخلوقات)[12 ]

وأورد محمد علي الصابوني في تفسيره: (أي لقد شرفنا ذرية آدم على جميع المخلوقات: بالعقل والعلم والنطق وتسخير جميع ما في الكون لهم… وفضلناهم على جميع من خلقنا من سائر الحيوانات وأصناف المخلوقات من الجن والبهائم والدواب والوحش والطير وغير ذلك)[13 ]

وأمّا صاحب الظلال فيقول: (ذلك وقد كرّم الله هذا المخلوق البشري على كثير من خلقه، كرّمه بخلقته على تلك الهيئة، بهذه الفطرة التي تجمع بين الطين والنفخة، فتجمع بين الأرض والسماء في ذلك الكيان!! وكرمه بالاستعدادات التي أودعها في فطرته، والتي استأهل بها الخلافة في الأرض، يغير فيها ويبدل، وينتج فيها وينشئ، ويركب فيها ويحلل، ويبلغ فيها الكمال المقدر للحياة… وكرّمه بتسخير القوى الكونية له في الأرض وإمداده بعون القوى الكونية في الكواكب والأفلاك… وكرّمه بذلك الاستقبال الضخم الذي استقبله به الوجود، وبذلك الموكب الذي تسجد فيه الملائكة ويعلن فيه الخالق جلّ شأنه تكريم الإنسان)[14 ]


الانفطار: ( 6 ? 8 ).

غافر: ( 64 ).

التغابن: ( 3 ).

المُلك: ( 23-24 ).

التين: ( 4 ).

الإسراء: ( 70 ).

تفسير القرطبي، جلد ( 10 ) صفحه ( 294 ) أيضاً: تفسير الطبري، جلد (15)، صفحه (126).

المصدر السابق.

تفسير القرطبي، جلد ( 10 )، صفحه ( 294 ).

التين: ( 4 ).

  • تفسير ابن كثير ، مجلد (3) ، صفحه (52).

النبهاني ? الشيخ تقي الدين، كتاب " التفكير "، صفحه ( 5 ).

الصابوني ? محمد علي، صفوة التفاسير، جلد ( 2 )، صفحه ( 170 ).

[ قطب ? سيد، في ظلال القرآن، جلد ( 4 )، صفحه ( 2241 ).

(4)الأحكام الشرعية التي تترتب على انتهاء حياة الإنسان :

هناك حالتان تستوجبان إنزال الحكم الشرعي على كل منهما لترتب حقوق وواجبات في كلتاهما، وهما حالتي حصول اليقين بالموت، وحالة عدم حصول اليقين بالموت فعلاً وإن كان المريض يُعاني سكراته، وحكم استعمال الأجهزة الطبية للإنعاش في الحالة الثانية أو رفعها. 

(أ) في حالة الشخص الذي يموت جذع مخه وتبقى بعض أجزاءه الرئيسية تعمل، والذي يعتبر الأطباء أنَّه مات “طبياً”، وحالة هذا الشخص الذي وصل إلى سَكرات الموت، والذي يطلق عليه الفقهاء أنَّه وصل إلى “حركة المذبوح” التي لم يبقَ معها إبصارٌ ولا نطقٌ ولا حركة إرادية، ويقطع بأنَّه سيموت ولن يعيش، فإنّ مثل هذا الشخص في هذه الحالة تتعلق به بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بتلك الحالة، وأهمها:

  1. أنَّه لا يرث غيره ولا يرثه غيره وهو على هذه الحالة لفقده الحياة المستقرة.

  2. إذا جنى شخص على آخر فقطع جذع مخه أو أوصله إلى سكرات الموت، فجاء شخص آخر فأجهز عليه، فالقاتل هو الشخص الأول، أمّا الشخص الثاني فلا يُعتبر قاتلاً ويُعاقب عقوبة تعزيرية لأنَّه اعتدى على حُرْمَة آدمي. أمّا إذا لم يوصِل الاعتداء الأول إلى سكرات الموت إنّما أدى إلى جراح بالغة، فالقاتل هو الثاني. ويُعاقب الأول عقوبة اعتداء.

  3. إذا كان من وصل إلى حالة المذبوح خليفةً فلا يُعَيَن خلفاً له حتى يُجذم بموته.

(ب) في حالة الجزم بالموت فَأبرز الأحكام التي تترتب على حصول اليقين بالموت هي:

  1. وجوب الإسراع بتجهيزه من غسل وتكفين وصلاة عليه ودفنه.

  2. الإسراع بتسديد ما عليه من ديون قبل تقسيم تركته.

  3. الإسراع بتنفيذ وصيته قبل تقسيم تركته.

  4. تقسيم ما بقي من تركته حسب الأنصبة التي جاءت بها النصوص الشرعية.

  5. دخول زوجته في العدة .

(ج) استعمال أجهزة الإنعاش الصناعية الحديثة

إنَّ معرفة حكم استعمال أجهزة الإنعاش الطبية الحديثة ومعرفة حكم رفعها، متوقف على معرفة حكم التداوي من حيث هو، هل هو واجب أو مندوب أو مباح أو مكروه. وحتى نأخذ الحكم عن بينة لا بُدَّ من استعراض الأدلة الواردة في التداوي. روى البخاري من طريق أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أنزل الله داءً إلا أنزل له دواء) وروى مسلم عن جابر بن عبدا لله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لكل داء دواء، فإذا أصاب دواء الداء بريء بإذن الله) وفي المسند لأحمد بن حنبل من حديث بن مسعود يرفعه (إنّ الله عز وجل لم يُنزل داءً إلا أنزل له شفاءً علمه من علمه وجهله من جهله).

فهذه الأحاديث الثلاثة، فيها إخبار بأن الله سبحانه أنزل الداء، وأنزل الدواء، وأنَّ لكل داء دواء، وأنِّ الدواء إذا اهتدي إليه برئ الداء بإذن الله تعالى، علم ذلك من علمه وجهله من جهله. وهذه الأحاديث فيها إرشاد بأن لكل داء دواء يشفيه ليكون ذلك حاثاً على السعي لحصول التداوي الذي يؤدي إلى شفاء الداء بإذن الله سبحانه، فالداء منه والدواء منه والشفاء بإذنه وليس من الدواء، وإنما جَعَلَ في الدواء خاصية الشفاء إذا لامس الداء. وهذا إرشاداً وليس إيجابا. 

روى أحمد عن أنس قال: (إنّ الله عز وجل حيث خلق الداء خلق الدواء فتداووا) وروى أبو داوود وابن ماجة عن أسامة بن شريك قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت الأعراب فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: (نعم، يا عباد الله تداووا، فإنّ الله عز وجل لم يضع داءاً إلا وضع له شفاء.....) ففي الحديث الأول أمر بالتداوي، وفي الحديث الثاني إجابةً للأعراب بالتداوي، ومخاطبة للعباد بأن يتداووا، فإنّ الله ما وضع داءً إلا وضع له شفاءً. وقد جاءت المخاطبة في الحديثين بصيغة الأمر، والأمر يفيد مطلق الطلب، ولا يفيد الوجوب إلا إذا كان أمراً جازماً، والجزم يحتاج إلى قرينة تدل عليه، ولا يوجد في الحديثين أية قرينة تدل على الوجوب. أما الأحاديث الثلاثة السابقة فليست إلا مجرد إخبار وإرشاد، مما يجعل طلب التداوي في هذين الحديثين ليس للوجوب. إضافة إلى أنّه وردت أحاديث تدل على جواز ترك التداوي مما ينفي عن هذين الحديثين إفادة الوجوب. فقد روى مسلم عن عمران بن حصين أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب، قالوا من هم يا رسول الله؟ قال: هم الذين لا يَسْترقونَ ولا يتطيرونَ ولا يكتوونَ وعلى ربهم يتوكلونَ) وروى البخاري عن ابن عباس قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أُصرع، وإني أتكشف، فأدع الله لي، قال: إن صبرتِ فلكِ الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يُعافيكِ، فقالت: أصبر، وقالت إني أتكشف فأدعُ الله أن لا أتكشف. فدعا لها) فهذان الحديثان يدلان على جواز ترك التداوي. ففي الحديث الأول وصف الذين يدخلون الجنة بغير حساب بأنّهم لا يسترقون ولا يكتوون، أي لا يتداوون بل يتركون الأمر لربهم ويتوكلون عليه في أمورهم. والرُّقِية والكي من التداوي. وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على التداوي بالرقية، وقد رقاه جبريل، كما أنه قال فيما رواه البخاري عن طريق ابن عباس: (الشَّفاء في ثلاثة: في شَرْطةِ مِحْجَم أو شُربَةِ عَسَل أو كيَةِ نار، وأنهى أمتي عن الكي) وفي الحديث الثاني خيّرّ الرسول صلى الله عليه وسلم المرأة السوداء بين الصبر على الصَّرَع الموجود عِندَها ولها الجنة، وبين أن يدعو الله لها أن يعافيها من صرعها، مما يدل على جواز ترك التداوي. وبذلك يكون هذان الحديثان صارفين للأمر بالتداوي الوارد في حديث إجابته للأعراب، وفي الحديث الذي قبله على الوجوب، ولشدة حث الرسول صلى الله عليه وسلم  على التداوي، يكون الأمر بالتداوي الوارد في الأحاديث هو للندب .

وإذا ما عرفنا أنّ حُكم التداوي هو الندب، سَهُلَ علينا أن نعرف حكم استعمال أجهزة الإنعاش الطبية الصناعية الحديثة، فيكون حُكمها حكم التداوي، أي هي مندوبة، خاصة لمن يرى الأطباء أنّها لازمة لِتُرَكبَ على جسمه. وما دام استعمالها مندوباً، فإنّ بقاءها مُشَغلَة على من رُكِبَت على جسمه حتى تموت أجهزة جسمه الرئيسية فليس بواجب. ومتى قرر الأطباء أنَّ المريض مات مخه فلهم أن يوقفوا تشغيل هذه الأجهزة، وأن ينزعوها عن جسمه، لأنَّ موت مخ المريض معناه اليأس من عودة الحياة إليه. وأنّ بقاء بعض أجهزة جسمه الرئيسية الأخرى تعمل سوف لا تُعيد له الحياة، لأنها سريعاً ما تتوقف.

وبناءً عليه يكون حُكم استعمال أجهزة الإنعاش الطبية الصناعية الحديثة هو الندب . خاصة لمن رأى الأطباء أنَّها لازمة له .ويكون رفعها بعد موت المخ جائزاً لا حُرْمَة فيه على الطبيب، ولا يلحقه إثم بعد رفعها عنه ، ولا تلحقه أية مسؤولية في ذلك . **

(4) المــــــوت :

الموت لغة هو نقيض الحياة. جاء في لسان العرب: (الموت ضد الحياة)، وما دام الموت نقيض الحياة فإنّ مظاهره تكون مناقضة لمظاهر الحياة، ومظاهر الحياة تبرز في الإدراك والحس والحركة والتنفس والنمو والاغتذاء. وعليه تكون مظاهر الموت عكسها أو نقيضها، فتبرز في فقدان الإدراك والإرادة وفي عدم الحس وعدم الحركة وعدم التنفس وتوقف النمو والاغتذاء. فقد وردت آيات وأحاديث تدل على أنَّ الإنسان يموت عندما تقبض روحه وتمسك نفسه من قِبَل الخالق سبحانه وتعالى. قال تعالى: (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيُمْسِك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجَلِ مُسَمى)**[1 ] وقال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الروح إذا قُبِضَ تبعه البصر.)[2 ]

والنفس والروح لا يعلم حقيقتهما إلا الله تعالى، وإنَّ أمر قبضهما ورجوعهما إلى خالقهما من المُغيَبات التي لا تخضع لِلعِلم التجريبي، وإنَّما يظهر أثر ذلك على الجسم المادي بإمارات تدل على حُصول المَوْت. والآيات والأحاديث وإن دَلت على أنَّ انتهاء حياة الإنسان يكون بقبض روحه وإمساك نفسه، إلا أنّها لم تحدد اللحظة التي تقبض فيها الروح وتُمْسَكُ فيها النفس وتنتهي فيها الحياة، وكل ما ورد في الحديث السابق، وكما ورد في قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر فإنَّ البصر يتبع الروح)[3 ] لذلك فإنَّ تحديد اللحظة التي يَحْصُل فيها انتهاء الحياة يحتاج إلى تحقيق المناط فيمن ينطبق عليه أنّه مات وانتهت حياته، وهذا يحتاج للخبرة والمعرفة.

إنَّ الأطباء قبل تقدم الطب واكتشاف الأجهزة الطبية الدقيقة، وأجهزة الإنعاش الصناعي، كانوا يعتبرون أنَّ توقف القلب يدل على موت الإنسان وانتهاء حياته، بينما نراهم اليوم قد رجعوا عن ذلك، وأصبحوا يقولونَ أنَّ توقف القلب عن العمل لا يدل بالضرورة على موت الإنسان، وهو حي، وإنَّ عملية القلب المفتوح تقتضي توقيف القلب، وقالوا أنَّ الذي يَدُلُ على موت الإنسان وانتهاء أجله إنما هو موت جذع المخ[4 ]      

فإذا ما مات جذع المخ مات الإنسان وانتهت حياته إنتهاءاً كلياً، ولو كان قلبه ينبض ورئتاه تتنفسان طبيعياً أو بالأجهزة. وقد يحصل موت للمخ قبل موت القلب في حالة وقوع ضربة مباشرة على المخ أو في حالة نزيف المخ أو في حالة قطع جذع المخ، وفي حالة المرض يكون توقف القلب وموته قبل توقف المخ وموته.

وقد حصلت حوادث حَيَّرَت الأطباء يتوقف فيها المخ مع بقاء أجهزة الجسم الأخرى تعمل. فقد نُشِرَ أنَّ امرأة فنلندية وَضَعَتْ طفلاً وهي في حالة غيبوبة تامة منذ شهرين ونصف، وكانت قد دخلت في هذه الغيبوبة إثرَ إصابتها بنزيف في المخ، والغريب أنَّها قد توفيت بعد أن وَضَعَتْ طفلها بيومين، وقد كانت في حالة غيبوبتها تتنفس تنفساً اصطناعياً وتتغذى بالأنابيب، وَيُنقل لها دم مرة أسبوعياً لمدة عشرة أسابيع، وقد وضعت طفلها بصحة جيدة ووزن طبيعي. 

هذا بالنسبة للأطباء، أمّا الفقهاء فإنَّهم لا يحكمون بالموت إلا بحصول اليقين بموت الإنسان، وقد ذكروا علامات يُسْتدَلُ بها على الموت منها: انقطاع النفس، وانفراج الشفتين، وشخوص العينين، وانحراف الصدغين، وميل الأنف، وانفصال الزندين، وارتخاء القدمين حتى لا ينتصبان. وإذا حصل شكٌ في موته بأن أصابته سكتة قلبية أو صُعِقَ أو دخل في غيبوبة تامة لأي سببٍ من الأسباب، فإنَّه يجب الانتظار حتى يُتأكد من مَوْتِهِ بظهور إمارات المَوْت أو بتغير رائحته.

والذي يغلب على الظن ويلزمنا العمل به أنَّه لا يُحْكمُ بالمَوتِ إلا بحصول اليقين في مَوْتِهِ بظهور الإمارات الدالة على الموت والتي تنتهي بها الحياة كما ذكرها الفقهاء، لأنَّ حياة الإنسان كانت متيقنة فلا يُحْكم بزوالها إلا بيقين فلا يجوز أن يحكم بزوالها بالشَك، لأنَّ اليقين لا يزول إلا بيقين مثله ولا يزول بالشك، ولأنَّ الأصلَ بقاء ما كان على ما كان حتى يأتي يقين يبطله، ولأنَّ الموت نقيض الحياة، فلا بُدَّ من ظهور إماراته المناقضة لإمارات الحياة، من ذهاب الإدراك والوعي وذهاب الحس والحركة، وتوقف النمو والاغتذاء. 

وعليه فإنَّ ما ذهب إليه الأطباء من أنَّ موت جذع المخ هو موت للإنسان وانتهاءٌ لحياته طبياً، ولو بقيت فيه بعض الأجهزة الرئيسية تعمل وفيها حياة. إنَّ ما ذهب إليه الأطباء هذا لا يتطابق مع الحكم الشرعي الذي يقضي بتوقف جذع المخ وجميع الأجهزة الرئيسية، كالقلب والرئتين والكبد، ولا يُحكم بموت الإنسان شرعاً إلا بتوقف جميع أجهزته الرئيسية عن العمل وانتهاء جميع مظاهر الحياة فيه.


الزمر: ( 42 ).

صحيح مُسْلِم، مُسْنَد الإمام أحمد، إبن ماجه، السنن الكبرى للبيهقي.

رواه أبن ماجه، مسند الإمام أحمد، الزيلعي في نصب الراية، تلخيص الحبير.

جذع المخ : الذي هو على شكل جذع أو ساق يقع في مؤخر المخ من أسفل، متصل بالنخاع ألشوكي في الرقبة داخل نسيج شبكي، وهو حلقة اتصال بين المخ وسائر أعضاء الجسم والعالم الخارجي، بواسطته ترد إلى المخ جميع الأحاسيس، وبواسطته ترد إلى المخ جميع الأحاسيس، وبواسطته توزع جميع الإشارات الصادرة عن المخ لتنفيذ المهام، ويكون على علم بمجريات الأمور، وهو آخر ما يتوقف في المخ إذ أنَّ موت المخ وموت قشرة المخ يحصل قبل موت جذع المخ.

ب- الإملاص :**

أمّا الاملاص الذي هو: إسقاط جنبن المرأة الحامل بالتعدي الجنائي عليها، فهو إثمٌ وجناية. وفيه الدية: عبد أو أمة، وقيمة ذلك عُشر دية الإنسان الكامل. فقد ورد في الصحيحين أنّ عمر بن الخطاب استشار أصحابه في إملاص المرأة التي ضُربَ بطنها فأسقطت جنينها، فقال المغيرة بن شعبة: (قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه بالغرة عبد أو أمة)[1 ] وشهد على ذلك محمد بن مسلمة.

ت- استحقاق الميراث والوصية :

إنَّ الجنين في بطن أمه منذ ثبوت الحمل يكتسب أهلية وجوب ناقصة ~ كما يعبر الفقهاء عن ذلك ~ فتصبح له بهذه الأهلية الحق في الميراث والوصية إن وُلِدَ حياً. فإذا مات مورثه وهو في بطن أمه لا تقسم التركة حتى يولد، وإن قسمت يترك له النصيب الأوفر "وهو نصيب الذكر"، فإن وُلِدَ حياً يثبت له الميراث، فإن كان أنثى اخذ نصيب الأنثى، وإن كان ذكر أخذ نصيب الذكر، وإن ولد ميتاً لا يثبت له الميراث، ويقسم الميراث أو النصيب الذي ترك تحفظاً ~ إن كانت التركة قد قسمت ~ على جميع الورثة دونه. عن جابر بن عبد الله والمسور بن مخرمة قالا: (قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه لا يرث الصبي حتى يستهل)[ 2] وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا استهل المولود ورث)[3 ]  

ث- التأثير في عدة المطلقة والأرملة :

إذا طُلِقت المرأة أو مات عنها زوجها وثبت أنّها حامل، فإنَّ عدتها تكون بوضع الحمل طالت المدة أو قصرت، وبمجرد أن تلد ولو بعد يوم واحد من طلاقها أو موت زوجها فإنَّ عدتها تصبح منتهية، ويجوز لها أن تستقبل الخطاب وأن تتزوج. وكذلك الحال فيما لو أسقطت المرأة سقطاً قد نفخت فيه الروح ولكنه قد بدأ في التخلق وظهر فيه أعضاء الإنسان كاليد أو الإصبع أو العين أو الرجل أو الرأس، أو إذا رؤي عِلم من رآه من الأطباء العدول أو القوابل العدول أنّه لا يكون إلا خلق آدمي فإنّ المرأة المطلقة أو المتوفي عنها زوجها تصبح عدتها منتهية بمثل هذا السقط، وتحل للخطاب ويجوز لها أن تتزوج، لأنّ مثل هذا السقط يعلم أنه حمل فيدخل في عموم قوله تعالى: (وأولات الحمل أجلهنَّ أن يضعن حملهُنَّ.)[ 4]   

ج- التأخير قي تنفيذ عقوبة القتل

إذا حُكِمَ على امرأة بعقوبة القتل لأي سبب من الأسباب الموجبة القتل، كالردة أو القتل العمد أو الزنا للمحصنة، فإن كانت المرأة غير حامل نُفِذت فيها عقوبة القتل دون تأخير، أمّا إن كانت المرأة حاملاً فإنَّ تنفيذ عقوبة القتل في حقها يتأخر حتى تضع حملها، وحتى ترضع وليدها إن لم يكن لهم من ترضعه. (فقد روى هريرة أنَّ امرأة من بني غامد قالت: يا رسول الله طهرني. قال: وما ذاك؟ قالت أنها حُبلى من زنا. قال: أنت؟ قالت: نعم. فقال لها: ارجعي حتى تضعي ما في بطنك. قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، قال: فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لقد وضعت الغامدية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذاً لا ترجعها تدع ولدها صغيراً ليس من يُرضعه. فقام رجل من الأنصار قال: إليَّ رضاعَه يا رسول الله، قال: فرجمها)[5 ] وروي أنَّ إمرأة زمن عمر بن الخطاب زنت، فَهَمَّ برحمها وهي حامل، فقال معاذ: إن كان لك سبيل عليها فليس لك سبيل على حملها. فقال له عمر: عجزت النساء أن يلدن مثلك. ولم يرجمها حتى ولدت. 

[**1] متفق عليه.

سنن إبن ماجه 2751، كنز العمال، السنن الكبرى للبيهقي، مجمع الزوائد للهيثمي.

سنن ابو داوود، السنن الكبرى، المستدرك للحاكم، شرح السنة للبغوي.

الطلاق: ( 4 ).

رواه الشيخان.**

الأحكام الشرعية المتعلقة بالجنين:**

لقد سَنَّ الإسلام أحكاماً شرعية بهدف المحافظة على المجتمع، وتلك الأحكام اعتبرت كأهداف عليا للمحافظة على المجتمع وصيانته، ومن تلك الأهداف المحافظة على النفس الإنسانية. فهل يعتبر الجنين في بطن أمه نفساً إنسانية يجب الحفاظ عليها أم لا؟ وباستقراء الأحكام الشرعية المتعلقة بالجنين في بطن أمه الحامل وجد أهمها ما يلي: 

أ - الإجهاض ( الإسقاط ) .

الإجهاض مشكلة من مشاكل المجتمعات الجاهلية في العالم الغربي، دعا إليه فساد تلك المجتمعات وكثرة الولادات غير الشرعية الناتجة عن عمليات الزنا التي لا تُحصى، وعن عمليات المعاشرة خارج نطاق العلاقة الزوجية، حتى بلغت نسبة هذه الولادات خمساً وأربعين في المائة من مجموع الولادات، حسب إحصاءات تنشرها صحف الغرب، وكانت هذه النسبة تنقص أحياناً وتزيد أحياناً أخرى، حتى وصلت الزيادة أحياناً في بعض الدول إلى نسبة سبعين في المائة. وهذه الولادات غير الشرعية، وجدت نتيجة انطلاق سُعار الجنس قي هذه المجتمعات الجاهلية لتبنيها عقيدة فصل الدين عن الحياة، ولفكرة الحريات التي منها الحرية الشخصية، التي تبيح للإنسان أن يتمتع في هذه الحياة بجميع متع الحياة، حتى أصبح الزنا والمعاشرة خارج نطاق العائلة "خارج العلاقة الزوجية" عادياً وأمراً مشروعاً قانونياً، حتى أصبحت المجتمعات الغربية كقطعان الحيوانات نتيجة تلك الحرية ونتيجة هذا السُّعار الجنسي. 

إنَّ كثرة الولادات غير الشرعية التي جعلت ما يُقارب نصف أولاد المجتمعات الغربية أولاد زنا، قد دفعت كثيراً من دول العالم الغربي إلى إصدار قوانين تبيح للمرأة التي تريد أن تتخلص من حملها، خاصة إذا كان من عمليات زنا، أو عمليات معاشرة خارج نطاق العلاقة الزوجية بأن تُسْقِط حملها، لأنّ الأم في المجتمعات الغربية هي التي تتكفل بتربية أولادها الذين حملت بهم من عمليات الزنا، أو عمليات المعاشرة خارج نطاق العلاقه الزوجية. 

وقد أخذت الدول الكافرة في العالم الغربي وعلى رأسها أمريكا، تسوق لنا إباحة الإجهاض، من ضمن حضارتها لتشيع الفاحشة بين المسلمين ولتهدم الأسرة ويقضى على البقية الباقية من القيم والأخلاق الإسلامية في مجتمعات العالم الإسلامي.

هذا هو واقع الحال في مجتمعات العالم الغربي، أما في مجتمعات العالم الإسلامي فإنّ الإجهاض قليل الوقوع لقلة الزنا، ولعدم وجود المعاشرة خارج نطاق العلاقة الزوجية فيها، وإذا حصلت عمليات إجهاض فإنّما تكون على الأعم الأغلب لإنقاذ حياة الأم.

الإجهاض في اللغة:

هو إسقاط الجنين من الرحم، يُقال أجهضت الناقة: ألقت ولدها قبل تمام. وعرفه الفقهاء بأنه إنزال الجنين قبل أن يستكمل مدة الحمل. وعُبّر عنه بألفاظ عدة تؤدي نفس المعنى: الإملاص، الإسقاط، الإلقاء، الإخراج.

ويكون الإجهاض بعمل إرادي من المرأة: بشرب دواء، أو بحمل شيء ثقيل، أو بحركات عنيفة، أو بعملية إجهاض يجريها طبيب أو ممرضة أو قابلة، كما يكون الإجهاض بفعل تعدٍ من الغير، كما يكون لا إرادياً. 

والإجهاض إما أن يكون بعد نفخ الروح في الجنين، وإمّا أن يكون قبل نفخ الروح في الجنين. فإن كان الإجهاض بعد نفخ الروح في الجنين، فإنّه لا خلاف بين فقهاء المسلمين جميعاً في أنّه حرام، سواء حصل من الأم أو من الأب أو من الطبيب أو من أي كان، لأنه تعدٍ على نفس إنسانية معصومة الدّم.

 وهو جناية توجب الدّية، ومقدارها غُرّة "عبد أو أمة"، وقيمتها عشر دية الإنسان الكامل.[2 ] وذلك لقوله تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق)[1 ] وعن أبي هريرة (قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتاً بغرة: عبد أو أمة...)[3 ] وأقل ما يكون السقط جنيناً فيه غرة أن يتبين في خلقه شيء من خلق الآدمي، من إصبع أو يد أو رجل أو ظفر أو عين.  وبذلك يكون إسقاط الجنين الذي نُفِخَت فيه الروح حراماً عند جميع فقهاء المسلمين دون خلاف. 

أما إن كان إسقاط الجنين قبل أن تُنفخ فيه الروح، فقد اختلف الفقهاء في حكمه، فمنهم من أباح الإسقاط، ومنهم من حرَّمَ على تفصيل بالنسبة لمراحل تخلق الجنين. والذي يغلب على الظن أن الإسقاط إن حصل بعد أربعين يوماً أو اثنتين وأربعين يوماً من الحمل، أي عند بدء تخلق الجنين فإنه يكون حراماً، ويأخذ حكم إسقاط الجنين بعد نفخ الروح فيه من الحرمة، ووجوب الدية التي هي عُشر دية الإنسان الكامل، وذلك لأنه إذا ما بدأ تخلق الحمل وظهرت بعض الأعضاء فيه كاليد أو الرجل أو العين أو الظفر، فإنه يتأكد عندها أنه صار جنيناً في طريقه لأن يصبح بشراً سوياً، وبذلك يكون الاعتداء عليه اعتداء على حياة إنسانية معصومة الدّم ويكون وأداً له. وقد حرّم الله ذلك. قال تعالى: (وإذا المؤودة سُئلت بأي ذنب قتلت) لذا يحرم اسقاط الجنين بعد مرور أربعين يوماً، يحرم ذلك على الأب وعلى الأم وعلى الطبيب وعلى القابلة وعلى غيرهم. ومن يقم بذلك يكون مرتكباً إثماً وقائماً بجناية، وتلزمه دية الجنين المسقط، وهي عبد أو أمة، أو عُشر دية الإنسان الكامل.

أمّا إسقاط ما في الرّحم قبل مرور أربعين يوماً على الحمل فإنه جائز، لأنه لم يصبح بعد جنيناً، لأنه في مرحلة النطفة ولا ينطبق عليه حديث إسقاط الجنين. وإسقاط النطفة قبل أن تصبح جنيناً هو مثل العزل عن المرأة إذ يُتخذ العزل للحيلولة دون الحمل. والعزل هو قذف مني الرجل خارج الفرج، والقذف خارج الفرج يؤدي إلى موت الحيوانات المنوية كما يؤدي بالتالي إلى ضياع بويضة المرأة، وبالتالي إلى ضياع الحمل، وقد أباحه الرسول صلى الله عليه وسلم. عن جابر بن عبد الله قال: (كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغه ذلك فلم ينهنا)[5 ] وعن جابر أيضاً: (كنا نعزل على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل)6 ]

ويباح إسقاط الجنين سواء في دور التخلق أو بعد نفخ الروح فيه، إذا قرر الأطباء المهرة أنّ بقاء الجنين في بطن الأم سيؤدي إلى موت الأم وموت الجنين معها، ففي هذه الحالة يُباح إسقاط الجنين وإنقاذ الأم. وإنقاذ الحياة دعا إليه الإسلام، ويعتبر هذا الإسقاط من قبيل التداوي، والرسول صلى الله عليه وسلم أمر بالعلاج والتداوي.


** الدية: هي المال الذي يجب على الجاني بسبب الجناية ويؤدى إلى المجني عليه أو وليه. والغرة من كل شيء أنفه، وهي خمسمائة درهم أو مائة شاة.

الإسراء: ( 33 ).

رواه الشيخان.

التكوير: ( 8 ).

رواه مسلم.

متفق عليه.**

** والروح تحل في الجنين الحي، فالحياة في الجنين سابقة على حلول الروح فيه، لأنّ الجنين تكوّن مع التلاقح بين الحيوان المنوي للرجل وبويضة المرأة، والحيوان المنوي فيه حياة قبل أن يتصل ببويضة المرأة ويتلاقح معها ليكونا جنيناً، والحيوان المنوي الذي لا حياة فيه لا يمكن أن يتلاقح مع بويضة المرأة ويكون معها جنيناً، وكذلك بويضة المرأة فيها حياة قبل أن يلتقي بها الحيوان المنوي، والبويضة الفاسدة التي لا حياة فيها لا يمكن أن يلقحها الحيوان المنوي، وبالتالي لا يمكن أن يحدث بينهما إخصاب ولا يمكن أن يكون جنيناً.

لذلك فالحياة موجودة في الحيوان المنوي للرجل، وفي بويضة المرأة قبل أن يحصل التلاقح بينهما، وعند حصول التلاقح بينهما يبدأ العمل المشترك منهما في السير لتكوين الإنسان المتميز، فيمشج كل منهما ما عنده من عناصر التخطيط النووي مع ما عند الآخر، وما فيهما من الخِلَق المُخلقة التي خطها الله سبحانه وتعالى للإنسان المتميز الذي سيخلق من هذا التلاقح ومن هذا الاختلاط تتكون النطفة الأمشاج. قال تعالى: (أنأ خلقنا الإنسان من نطفة أمشاجٍ نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً)[1 ] ثم تقوم تلك النطفة بقدرة أودعها الله فيها بتقسيم نفسها تقسيماً بعد تقسيم، وتبدأ الخلايا التي تكون الجنين سيرها في تطورها من نطفة إلى علقه إلى مضغة على الترتيب الذي ورد في القرآن الكريم، والذي سبق لنا بيانه في الباب السابق من هذا الكتاب. وهو ما ورد في قوله تعالى من سورة الحج: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فآنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقه ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة ونقر في الأرحام ما نشاء)[ 2] 

وفي فترة هذا التطور من نطفة إلى علقه إلى مضغة تكون الحياة في الجنين موجودة ولكن بدون روح، وتكون حياة خلوية فيها خصائص الحياة المطلقة من نمو والغذاء وتشَكُل وحركة غير إرادية، وتختلف حياة الحياة الخلوية عن حياة النبات، لأنّ حياة الجنين هذه حياة نامية إنسانية، وحياة النبات فيها نامية نباتية وليس فيها جهاز حركة فعال ولا جهاز عصبي كما هو موجود في الجنين، وتختلف عن الجنين في طريقة الغذاء، فالنبات يقتات بما تمتصه من الأرض، فيحوله بواسطة الضوء والمادة الخضراء "اليخضور أو الكلوروفيل"[ 3] إلى غذاء، ويستهلك ثاني أكسيد الكربون ويفرز الأكسيجين.

وعليه فالحياة في الجنين وفي أعضاء الإنسان لا يتوقف وجودها على وجود الروح، فتوجد قبل وجود الروح، وفي حالة وجودها، وبعد فقدها عند الموت، بدليل أنّ أعضاء الميت كالقلب والكلية والعين والأطراف يمكن أن تنقل بعد موته وخروج روحه إلى إنسان آخر قبل أن تفقد تلك الأعضاء الحياة، غير أنّها لا يكون فيها روح، وتبقى حية مع الإنسان الآخر الذي نقلت إليه.

هذه هي حياة الجنين في تطورها من لحظة الإخصاب إلى ما قبل نفخ الروح، فإذا ما اكتمل سير الجنين في تطوره من نطفة إلى علقة إلى مُضغة مخلقة وغير مُخلقة، تحولت المضغة إلى عظام ثم كسيت العظام لحماً، وعندها يصبح الجنين على صورة إنسان، وبعدها يُنفخ فيه الروح، فيصبح بذلك إنساناً سوياً، مختلفاً عن الخلق السابق، فيظهر فيه الإحساس، وتصبح حركته في بطن الأم الحامل حركة إرادية. قال تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفةً في قرارٍ مَكين، ثم جعلنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا    المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين) 

وفيما رواه الشيخان عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق الصدوق قال: (إنّ أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله مَلَكاً فيُؤمر بأربع كلمات، ويقال له أكتب عمله ورزقه وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فوالله الذي لا إله غيره أنّ أحدكم ليعمل عمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وما بينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل عمل أهل الجنة فيدخلها)[5 ] ومفهوم الحديث أنّ نفخ الروح في الجنين يكون بعد مرور مدة 120 يوم أي أربعة أشهر. 

[1] الإنسان: ( 2 ).

الحج: ( 5 ).

اليخضور، الكلوروفيلChlorophyl ?chlorophyll: المادة الخضراء الملونة الموجودة في جميع النباتات باستثناء الفطور وبعض النباتات الطفيلية. وهي تتألف من صبغين: الكلوروفيل الأخضر الضارب إلى الزرقة أو كلوروفيل ( أ )، والكلوروفيل الأخضر الضارب إلى الصفرة أو كلوروفيل ( ب ). وكثيراً ما يشتمل اليخضور على صبغين آخرين هما الجزرين و اليصفور. ? المؤمن نوراً أساسياً في عميلة التخليق الضوئي photosynthesis، محولاً طاقة الضوء المشعة إلى طاقة كيميائية ومُمَكِناً النباتات من صنع المواد الكربوهيراتية من الماء وثاني أو كسيد الكربون.

المؤمنون : ( 12 ? 14 ) .

رواه الشيخان.**

الحياة والروح

الحياة في اللغة نقيض الموت، والحياة هي مظهر سر الحياة، فَسِر الحياة لا يُعرَف، ولكن الحياة تُعرَف لأنها مظهر لهذا السر، فالشخص يعرف أنّ العود يابساً أو أخضر، ولكن لا تعرف ما هو سر حياته، فالحياة لها مظاهر وآثار، تدل عليها، منها: الحسّ والحركة والنمو والغذاء. والحياة تظهر في الإنسان والحيوان والنبات، وتظهر آثارها ومظاهرها في هذه المخلوقات الحية الثلاثة، غير أنّ الإنسان والحيوان فيهما القدرة الذاتية على الانتقال من مكان إلى آخر، وهذا غير موجود في النبات.

والحياة في الإنسان والحيوان والنبات قائم على نظام الزوجية (أي تزاوج وتلاقح بين ذكر وأنثى)، وهذا مضطرد وشامل لجميع هذه المخلوقات الحية، فكلها يحصل بين الذكر والأنثى. (سبحن الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم)[1 ] (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون)[2 ]  

والحياة في الإنسان تكون حياة إنسانية نامية، وفي الحيوان تكون حياة حيوانية نامية، وفي النبات تكون حياة نباتية نامية، فهي مختلفة حسب كل نوع من هذه المخلوقات الثلاثة. 

والحياة موجودة في الحيوان المنوي لكل من الإنسان والحيوان، وفي بويضات الإناث لكل من الإنسان والحيوان، كما هي موجودة في بيوض الطير وبعض الحيوانات كالزواحف، كما أنها موجودة في أجنة بذور النباتات. أما الحياة الموجودة في الحيوان المنوي في كل من الإنسان والحيوان، فكلتاهما تتميزان بالحركة والحياة، بخلاف الحياة في أجنة بذور النباتات إذ هي كامنة لا تظهر فيها الحركة. 

والله تعالى جلت قدرته قد جعل في الحيوان المنوي لكل من الإنسان والحيوان، وفي بويضات إناث الإنسان والحيوان، وفي بيوض بعض الحيوانات، وفي بيوض الطير، وفي أجنة بذور النباتات، عناصر التخطيط النووي للخلية،  بحيث لا تنتج إلا نوعها من إنسان أو حيوان أو نبات، وتكون فيها عناصر الوراثة، تتسلسل إليها جيلاً بعد جيل. 

فالحيوان المنوي للرجل، وبويضة المرأة، فيهما عناصر الوراثة للآباء والأجداد صعداً حتى آدم عليه السلام، ولا يمكن بحال أن تحصل حياة إنسانية دون تلاقح بين الحيوان المنوي للرجل وبويضة المرأة - يستثنى من ذلك ما اختص الله تعالى أدم وحواء وعيسى عليهم السلام - ولا ينتجان إلا إنساناً متميزاً، ويكون هذا الإنسان حائزاً على صفات من آباءه وأجداده، من مثل الأشكال والألوان والتكوين الخلقي.

وكذلك الحال بالنسبة للحيوان، فإنّ حيوانه المنوي لا يمكن أن ينتجَ إلا بتلاقحه مع بويضة الأنثى من الحيوان، وكذلك الحال بالنسبة لبيوض الطير والحيوان فلا بد فيها من لقح الذكور لها حتى تُنتج، وانه يوجد لكل نوع من هذه الأنواع الحيوانية مخططات جنينيه أصيلة أودعها الله في حيواناتها المنوية، وفي بويضات إناثها وبيضها، وبهذه المخططات العجيبة يتميز كل نوع عن الآخر بصفاته وخلقه وخواصه. 

كما أنّ الله تعالى قد جعل في بذور النباتات عناصر التخطيط النووي للخلية حسب نوع النبات، وبهذا التخطيط يتبع سيره في تكوين النباتات والأشجار المختلفة الثمار والأكل، على اختلاف في ألوانها وثمراتها وأنواعها. فبذرة القمح لا تنتج إلا قمحاً، وبذرة الشعير لا تنتج إلا شعيراً، كما أنّ بذرة اللوز لا تنتج جوزاً ولا بلوطاً ولا تفاحاً. 

إنّ العناصر التي تتألف منها النباتات معلومة، وكلها بلا استثناء تمتص غذاءها من الأرض من تراب واحد، وتسقى بماء واحد، ومع ذلك تخرج مختلفة، حتى لو زرعنا في مساحة متر مربع من الأرض الحلو والمر والحامض والحار والسّام، وسقيناها بماء واحد، نجد أنّ كل صنف يخرج ثماره المختلفة المميزة عن غيره، دون أي اختلاط أو امتزاج.

هذه هي الحياة ?. أمّا الروح فإنّها غير الحياة ?.  إذ هي سر الحياة وقوامها، وحقيقة الروح من الأمور التي لا يعلمها إلا الله تعالى، فلا يعلمها غيره، إذ هي من المغيبات، ومما لا يقع عليه الحس، لذلك لا يمكن أن تجري عليها التجارب والاختبارات، وفي الروح قوله تعالى: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العِلم إلا قليلاً)[ ] 

وللروح مظاهر وآثار تدل عليها، فالفقه والعقل والاستماع والإبصار والحركة الإرادية هي من مظاهر الروح، ولا توجد إلا بوجود الروح، فإذا نزعت الروح فقدت كل الآثار والمظاهر، وقد خلق الله تعالى آدم جسداً، ولكنه لم يتمتع بالعقل والفقه والسمع والإبصار والحركة الإرادية إلا بعد نفخ الروح فيه، قال تعالى (فإذا سَوَيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين)[3 ] 

وفي النوم يتوفى الله الأنفس ويقبض الأرواح، لذلك فالنائم يفقد مظاهر الروح من الفهم والإدراك والإبصار والاستماع والحركة الإرادية. وفي ذلك قوله تعالى: (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها، فيمسك التي قضى عليها بالموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إنّ في ذلك لآيات يتفكرون)[ 4] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه حين ناموا عن الصلاة: (إنّ الله قبض أرواحكم حيث شاء وردها حيث شاء)[ 5]

[1] يسن: ( 36 ).

الذاريات ( 49 ).

الإسراء: ( 85 ).

الحجر: ( 29 ).

الزمر: ( 42 ).**

**وبذلك ضاعت القيم الروحية والخلقية والإنسانية في مجتمعات العالم الغربي الجاهلي، وهدمت الأسرة وقضي على العفة، ولم يعد هناك عندهم شيء اسمه شرف، فترتب على ذلك وعلى كثرة الولادات الناتجة عن الزنا وعن المعاشرة خارج نطاق العلاقة الزوجية، إباحة الإجهاض قانونياً في كثير من دول العالم الغربي. وهذا يتيح الفرصة لمن تريد من النساء أن تتخلص من حملها خاصة إن كان ناتجاً عن علاقة غير زوجية. وأخذت هذه الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة تسوقه إلى مجتمعات العالم الإسلامي، مع تسويق فكرة تقليل النسل كما حصل في “مؤتمر السُّكان” الذي عقد في القاهرة، وفي “مؤتمر المرأة” الذي عقد في بكين، لتصبح المجتمعات في العالم الإسلامي مثل المجتمعات في العالم الغربي، ليقضى فيها على القيم والأخلاق الإسلامية الباقية في هذه المجتمعات، ولتهدم الأسرة ولينفلت فيها سُعار الجنس، ما دام يُمَـكِن العالَمَ الغربي وعلى رأسه أمريكا من الهيمنة على العالم الإسلامي، ومن تركيز مفاهيمه وحضارته ووجهة نظره عن الحياة في مجتمعات العالم الإسلامي. وقد تبين ذلك بوضوح أيضاً أثناء الحرب الصليبية على أفغانستان الهجمة الوقحة في وسائل الإعلام التي قادتها الولايات المتحدة وبريطانيا على تقيد المسلمين هناك باللباس المحتشم للمرأة معتبرين ذلك تخلفاً وانتهاكاً لحرية المرأة وحطاً من كرامتها يجب مقاومته وإزالته بكل الوسائل، فسارعوا من اليوم الأول لاحتلال كابول بنشر أسطوانات الغناء والإباحية والفجور، والطلب بكل صفاقتهم المعهودة بحلق اللحى وخلع الملابس المحتشمة للمرأة.
إنّ وجهة النظر تلك هي وجهة نظر كفر، وهي تتناقض مع وجهة النظر في الإسلام تناقضاً كلياً. فوجهة النظر في الإسلام تقضي أن يسير الإنسان جميع أعماله في الحياة وَفْقَ أوامر الله ونواهيه، وأن يقيس كافة أعماله بمقياس الإسلام الذي هو الحلال والحرام فقط. والحلال هو ما أحله الله والحرام ما حرمه الله، وأحكام الحلال والحرام تؤخذ من النصوص الشرعية المأخوذة من الكتاب والسُّنة وما أرشدا إليه من قياس وإجماع صحابة، والحلال يؤخذ والحرام يُترك بقطع النظر عن المصلحة والمفسدة، وعن المنفعة والمضرة، لأنّ العبرة هي بشرع الله، فالله سبحانه هو المُشرع وليس الإنسان، وعقل الإنسان عمله فهم النصوص وليس تشريع النصوص والأحكام. لذا فينبذ نبذ النواة فتاوى مشايخ السلاطين المجترئين على دين الله والمحلين لما حرّم الله المحرمين لما أحل.
والناحية العلمية وإن كانت عالمية وغير مختصة بوجهة نظر معينة، إلا أنّ ما يتوصل إليه العلم من نتائج، يكون استعمالها حسب أحكام الشرع بنص صريح أو اجتهاد مستكملاً لشروطه، فإن أباحها الشرع أخذت، وإن حرمها تركت وحَرُمَ أخذها. هكذا يجب أن تكون نظرتنا لكل ما ينتجه العِلم.
لذا فقد تعاملنا مع موضوعات هذا الفصل على هذا الأساس، فقد عرضناها على النصوص الشرعية، وبذلنا الوُسع في ذلك، وعلى هدي النصوص الشرعية وفهمنا لها بينا ما يحل لنا أخذه وما يحرم علينا أخذه حسب ما تقتضيه تلك النصوص، دون أي اعتبار لأي شيء آخر من مصالح ومفاسد، أو منافع ومضار، فالمصلحة المعتبرة عند المسلم هي ما اعتبرها الشرع مصلحة، وأما ما لم يعتبرها الشرع مصلحة فيحرم أخذها على الإطلاق.[ 1] فقد كان هذا هو الأساس في تناولنا كافة مواضيع هذا الفصل وهي :

الاستنساخ ـ نقل الإعضاء ـ الإجهاض ـ أطفال الأنابيب ـ أجهزة الإنعاش الطبية ـ الحياة والموت .**
لقد بُذِل الوسع في ذلك، ونسأل الله تعالى إصابة الحكم الشرعي الصحيح في كل ما تناولناه من أبحاث. فإن تحقق القصد فالحمد والشكر لله تعالى، وإن خفي علينا شيء فندعوا الله تعالى المغفرة والصفح، ونسأله تعالى أن يُلهم المسلمين جميعاً الالتزام التام بالإحكام الشرعية. والله نسأل حُسْن العمل وخير الثواب.
لقد تم نقل معظم مواضيع هذا الباب من كتاب العالٍم الجليل الشيخ عبد القديم زلوم (حكم الشرع في…)، بتصرف. كما تم الاستئناس ببعض المصادر الفقهية التي تناولت مواضيع الحياة والموت، ومصادر منوعه أخرى تناولت مواضيع البحث.


** الشويكي ? محمد، الواضح في إبطال المصالح، ط ( 1 )، 1418 هـ ~ 1997 م.**

**إنّ التطورات العلمية الهائلة التي توصل إليها العُلماء في مجال البيولوجيا “الأحياء”، وعلم الأجنة البشري، والجينات، والبيولوجيا الطبية، والهندسة الوراثية، وأخيراً وليس أخراً الاستنساخ البشري، قد فاقت كلّ التوقعات وأذهلت العقول.

إنّ هذه التطورات العلمية الهائلة واستخداماتها بفضل التكنولوجيا بالغة التطور، إن دَلت على شيء فإنّما تدل على عظمة الله وقدرته، وحكمته وإتقان صنعه، وأنّه هو الخالق المبدع لهذه الكائنات، وأنّها لم تخلق صدفة، لأنّ ما فيها من نظام دقيق تسير عليه، وقوانين دقيقة تضبطها وتسيرها، وخواص مهيأة لما تصلح له، وما خلقت لأجله ينفي أن تكون قد خلقت صدفة، لأنّ الصدفة لا توجِد القوانينَ الدقيقة والنظام المحكم. فالقوانين الدقيقة والنظام المحكم يقتضي وجود المنظم المبدع القدير الحكيم. قال تعالى: (إنّا كلّ شيء خلقناه بقدَر)[1 ] وقال تعالى: (وَخَلَقَ كلّ شيء فقدّرَه تقديراً)[2 ]، أي خلق كل شيء خلقاًُ مراعىً فيه التقدير والتسوية، وهيأه لما يصلح له، فكان خلقاً بتقدير حكيم وليس خلقاً من غير تقدير. وإنّ هذا الخلق هو خلق من عدم، وليس إيجاداً من موجود، لأنّ الإيجاد من الموجود ليس خلقاً. 

إنّ ما توصل إليه العلماء من تطورات علمية، ومن استخدام مدهش لهذه التطورات العلمية، والتي ساعدهم على القيام بها والتوصل إليها التطورُ المذهل للتكنولوجيا، سواء في الإنسان أو الحيوان أو النبات أو الجماد، ما هو إلا قليل من كثير مما هو موجود في الكون من أسرار، ومن أنظمة وقوانين تتحكم في الأشياء وتنظم سيرها ومن خاصيات أودعها الله في الأشياء لتكون صالحة لما خلقت له، وصدق الله تعالى حيث يقول: (وما اوتيتم من العلم إلا قليلاً)[3 ] وإنّ ما توصل إليه العلماء وما قاموا به ما هو إلا اكتشاف بسيط لبعض القوانين والأنظمة والخاصيات وإبراز لها، وليس فيه أي خلق، لأنه ليس إيجادا من العدم وإنّما هو إبراز لما هو موجود. وإنه كلما تقدم العِلم والعُلماء في ذلك ازدادت الدلالة على عظمة الخالق وعلى كامل قدرته وبالغ حكمته، وازدادت قوة الإيمان به. وقد أشار سبحانه وتعالى إلى ذلك في قوله: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنّه الحق)[4 ]

إنّ هذه التطورات العلمية المذهلة التي وصلت إلى حد استنساخ النبات والحيوان، والتي تواصل طريقها للوصول إلى استنساخ الإنسان، قد أصبح لها حضور في الساحة، مما يقتضي التصدي لها من باب رعاية الشؤون والقوامة على المجتمع، لأنّ لها مساساً بحياة المسلمين. 

  وهي وإن كانت نَتاجَ تجارب علمية، والعِلم عالمي لا يختص بوجهة نظر معينة، إلا أنّ استعمالاتها والأخذ بها تكون مبنية على وجهة النظر في الحياة. ولكون هذه الإنجازات العلمية ظهرت في العالم الغربي ابتداءً، فإنّه أخذ بها باعتبارها نافعة، على أساس أنه يتبنى وجهة النظر المبنية على فصل الدين عن الحياة، لأنّ الشعب هو صاحب السيادة، ولأنّ الشـعب يملك العقل القادر على إدراك المصالح والمفاسد والمنافع والمضار، وقد جعل القيمة المادية التي هي النفعية مقياسَه في الحياة، وجعلها هي القيمة المعتبرة من بين جميع القيم، ولم يُقِم وزناً للقيم الأخرى من روحية وخلقية وإنسانية. وحين يقوم بعمل يحقق منفعة له، فإن لم يرَ أنّ فيه منفعة له فإنّه لا يقوم به ولا يعيره أي اهتمام. 

لذلك فإنّهُم عندما يستخدمون ما توصل إليه العِلم، لا ينظرون إلا إلى كونه يحقق لهم القيمة المادية، أي يحقق لهم المنفعة، بقطع النظر عن كونه يتفق مع القيم الروحية والخلقية والإنسانية أو يتناقض معها، لأنّ هذه القيم ليست مقياساً للأعمال عندهم ولا اعتبار لها في تصرفاتهم. ومقياسهم الوحيد هو القيمة المادية المتمثلة بالنفعية. 

 إنّ وجهة النظر الغربية الصليبية هذه سببت للعالم أشد الكوارث، وكانت الحربان العالميتان من نَتاجها، لأنهما أشعلتا لفرض السيطرة والاستعمار الغاشم لتحقيق المنافع واستغلال الشعوب ونهب ثرواتها. كما أنّ الحروب التي أشعلوها بعد ذلك كحرب الخليج وحرب الإبادة الصليبية التي شنوها على المسلمين في أفغانستان هما أيضاً من نَتاج وجهة النظر الغربية تلك.

   وتبنى وجهة النظر هذه لفكرة النفعية والحريات ومنها الحرية الشخصية، انفلت سُعار الجنس، حتى صارت المجتمعات في العالم الصليبي الغربي كقطعان الحيوانات، وأصبح الزنا والمعاشرة الجنسية خارج نطاق الزوجية والشذوذ الجنسي فيها أمراً عادياً، ومسموحاً به قانوناً، مما ترتب على ذلك كثرة أولاد الزنا وكثرة الولادات غير الشرعية، حتى وصلت نسبتها إلى ما يزيد عن خمس وأربعين في المائة من الولادات حسب الإحصاءات التي تنشرها الصحف في العالم الغربي بين الحين والآخر. وهذا يعني أنّ ما يقرب من نصف أولاد العالم الغربي أولاد زنا، ومنهم من هم في مراكز الحكم والقيادة والقرار. حتى عندما تم الكشف عن الفضائح الخلقية التي قام بها رئيس الدولة العظمى في العالم الرئيس المراهق "بيل كلينتون" قامت العاصفة في الدولة وكادت تطيح به كرئيس دولة لا لأنه قد زاول الزنا والفاحشة، بل لأنه كذب وأنكر قيام علاقاته مع "مونيكا" وغيرها من العاهرات. وعندما ظهر هذا الرئيس المراهق على المنصة الرئيسية لمؤتمر اللوطيون في واشنطن فقد مر ذلك دون أي اعتراض لأنه لا ضير في ذلك العمل المشين بناء على قاعدة الحرية الشخصية!!!!

القمر: ( 49 ).

الفرقان: ( 2 ).

الإسراء: ( 85 ).

فصلت: ( 35 ).**