أنظمة ألمجتمع في أسئلة فقهية وسياسية

علاقة الدولة الإسلامية مع الدول المحاربة فعلاً

**السؤال: سلام عليكم أخي وشيخي وأميري عطاء

ورد في مشروع دستور دولة الخلافة في المادة 188 النقطة الرابعة ما يلي: “…الدول المحاربة فعلا كإسرائيل مثلا يجب أن تتخذ معها حالة الحرب أساسا لكافة التصرفات وتعامل كأننا وإياها في حرب فعلية سواء أكانت بيننا وبينها هدنة أم لا، ويمنع جميع رعاياها من دخول البلاد…” رجعت على مقدمة الدستور فلم أجد أي تفصيل لهذه المادة أي بنقاطها الأربع، والسؤال هو هل يجوز لدولة الخلافة أن تعقد مع دولة اليهود هدنة وهي مغتصبة لأرضنا…)**

الجواب:وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

علاقة الدولة الإسلامية مع الدول المحاربة فعلاً:

1- يبدو أنك لا زلت على النسخة القديمة من المقدمة حيث ذكرت أن تلك المادة هي رقم 188 مع العلم هي في النسخة المعتمدة الصادرة سنة 1431هـ - 2010م رقمها 189، والأمر الآخر أنها لم تكن في النسخة القديمة مفصلة، وأعني موضوع الهدنة في حالة الحرب الفعلية، وأما في النسخة المعتمدة الجديدة فقد فصلت، وبينا فيها أن الهدنة الدائمة لا تجوز لأنها تعطيل للجهاد، وأما الهدنة المؤقتة فيجوز عقدها مع الدول الكافرة التي يقوم كيانها على أرض لها لم يفتحها المسلمون بعد، ودليلها صلح الحديبية مع قريش التي كانت على أرض لم يفتحها المسلمون بعد.

وأما الكيان القائم كله على أرض إسلامية مغتصبة، فلا تجوز الهدنة معه لا الدائمة ولا المؤقتة، ولا يطبق عليه صلح الحديبية مع قريش لأن الواقع مختلف، فقريش كان كيانها قائماً على أرض لها لم يفتحها المسلمون بعد وأما دولة يهود فكيانها قائم على أرض اغتصبها من المسلمين، فالواقع مختلف فلا يطبق على هذا الكيان صلح الحديبية، بل يجب أن تستمر حالة الحرب الفعلية قائمة معه، سواء أكانت هناك هدنة عقدها معه الحكام غير الشرعيين في بلاد المسلمين أم لم تكن، وذلك حتى إزالة هذا الكيان المغتصب وإعادة الأرض التي اغتصبها لأهلها. (وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ)، وذلك لأن الهدنة مع الكيان المغتصب تعني الاعتراف به، أي التنازل له عن أرض اغتصبها، وهذا لا يجوز شرعاً بل هو جريمة كبرى يبوء بإثمها من يقوم بها.

والموضوع مفصل بتمامه في المقدمة.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

16 شعبان 1434هـ ألموافق 2013-06-25

منقول

حكم النساء اللاتي يخرجن إلى ميدان المعركة

**السؤال: سلام عليكم أخي وشيخي وأميري عطاء

1- في نقاش بيني وبين أحد الشباب اختلفنا في موضوع النساء في الحرب هل ينطبق عليهن حكم النساء اللاتي يخرجن إلى ميدان المعركة لتحميس الجيش أو ينطبق عليهن حكم الأسرى علماً بأن منهن اليوم مقاتلات مثل الرجال يحملن السلاح ويكن بالطائرات والمدفعية والبحرية…**

الجواب:وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

أولا: نعم، الحكم بالنسبة للنساء اللاتي يخرجن إلى ميدان المعركة، سواء أكان لتحميس الجند أم للقتال معهم، فإنه الحكم نفسه، إلا أن النساء اللاتي يخرجن إلى ميدان المعركة لتحميس الجند لا يجوز قتلهن، وأما التي تقاتل فيجوز قتلها، وذلك كما جاء في الحديث المتفق عليه عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَخْبَرَهُ: أَنَّ امْرَأَةً وُجِدَتْ فِي بَعْضِ مَغَازِي النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقْتُولَةً، «فَأَنْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ»، وكذلك ما أخرجه أبو داود في الحديث الصحيح عن عُمَرُ بْنُ الْمُرَقَّعِ بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ رَبَاحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّهِ رَبَاحِ بْنِ رَبِيعٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ فَرَأَى النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَيْءٍ فَبَعَثَ رَجُلًا، فَقَالَ: «انْظُرْ عَلَامَ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ؟» فَجَاءَ فَقَالَ: عَلَى امْرَأَةٍ قَتِيلٍ. فَقَالَ: «مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ». ومفهومه لو كانت تقاتل فيجوز قتلها.

هذا هو الفرق، وأما غير ذلك من أحكام فلا تختلف بين من تخرج إلى ميدان المعركة لتحميس الجند أو لتقاتل معهم.

وهذا كله إذا خرجت النساء إلى ميدان المعركة، أما إذا ظلت النساء في البيوت دون أن يخرجن إلى ميدان المعركة، فلا شيء عليهن.

وفي جميع الحالات فإن تطبيق الأحكام الشرعية عليهن عائد إلى الخليفة، وليس إلى قادة الميدان، وعمل الخليفة إنما يسير بها حسب ما تقتضيه السياسة الحربية في معاملة الأعداء، فهي معاملة من معاملات الحرب التي ترك الأمر فيه للخليفة، يفعل ما يراه وما يقتضيه الموقف بالنسبة للعدو وفق الأحكام الشرعية.

أما حكم الأسرى فيطبق على المحاربين الذكور، لأن كلمة أسير إذا أطلقت فإنها تنصرف إلى الذكر المحارب، وحكم الأسرى مبين في سورة محمد صلى الله عليه وسلم (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ)، أي إما أن يطلق سراحهم “مناً” وإما فداؤهم بمال أو بأسرى مثلهم من المسلمين أو من أهل الذمة، ولا يجوز غير ذلك.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

16 شعبان 1434هـ ألموافق 2013-06-25

منقول

حول المدة التي يمهل فيها المسلمون
لإقامة الخلافة
الجواب:

لقد لفت نظري في بداية سؤالك أمور أشير إليها قبل الجواب:

أ- السؤال باسم (Muafa Abu Haura)، ولكن المقالة التي استعملتها في السؤال باسم (Aang Yulius)!

ب- تقول (وهل يمكن أن تكون المناقشات مفتوحة حتى يستفيد المسلمون من مضمونها ويعرفوا إخلاص حزب التحرير وأميره في قبول الحق بعد أن ظهر ضعف الرأي فيما بعد؟)، فكيف تريد نقاشاً وتقرر (بعد أن ظهر ضعف الرأي)؟ ألا تنتظر نهاية النقاش لترى ضعف الرأي من قوته، فإنه لا يحسن أن تقرر ضعف الرأي إلا بعد انتهاء النقاش ما دمت تريد نقاشاً، أليس كذلك؟

ج- إنك لم تسلَّم علينا، فلم تقل السلام عليكم، ومع ذلك فقد دعوت… ولا ندري أهي دعوة لنا أم علينا، فإنك قلت “جزاك الله على ردِّك…”، ولم تبين نوع الجزاء أيكون خيراً أم شرا! فقد ختمت الدعاء بالنقاط وجعلتها في بطن الشاعر!

ومع كل هذا وذاك، فإني سأفترض حسن النية في تأويل النقاط السابقة، وأجيب على مقالة صاحبك، وبالله التوفيق:

1- إن حزب التحرير وأميره لا يرفض النقاش الهادف لبيان الحق بقصد اتباعه، والعمل بناء عليه لاستنئناف الحياة الإسلامية بإقامة الخلافة الراشدة، الفرض العظيم، الذي لا يجوز للمسلمين أن يقعدوا عن إيجاد الخليفة بعد شغور مركز الخلافة فوق ثلاث، وإلا أثم كل قادر على العمل ولا يتلبس به…

2- إن صاحب المقالة تناول رواية الطبري التي فيها “أبو مخنف”، ونقل أنه “ليس ثقة”، ثم ذكر رجالا في الرواية قال إنهم مجهولون، وذكر رجالاً آخرين قال إنهم يروون بصيغة العنعنة…

ثم ذكر إحدى الروايات في طبقات ابن سعد وذكر أن في سندها “سماك بن حرب” وقال عنه إنه “صدوق وقد تغير” وأنه لم يلتق عمر رضي الله عنه…

3- إن صاحب المقالة تناول مسألة مهمة ولكن من رواية واحدة، مع أن هذه القضية “الإمهال ثلاثة أيام وقتل المخالف” لم تكن سراً بل كانت على ملأ من الصحابة، وفيها روايات عدة… ثم إن قوله عن بعض رجال الرواية إنهم مجهولون ليس بحجةٍ إنْ جَهِلهم هو وعلمهم آخرون أقوى حفظاً منه! وكذلك فاحتجاجه على الرواية بالعنعنة دليل جهل بعلم مصطلح الحديث لأن روايات العنعنة تُقبل ما دامت مستوفية شروط السند.

4- إن قبول الحديث أو ردّه يحتاج إلى علم وفقه وفهم لعلوم مصطلح الحديث، أصوله وفروعه، وسأذكر شيئاً من ذلك قبل الرد على مقالة صاحبك لعله يتذكرها إن كان من أهل هذا العلم:

هنالك رواة يُعتبرون ثقة عند بعض المحدثين، ويُعتبرون غير ثقة عند البعض، أو يعتبرون من المجهولين عند بعض المحدثين، ومن المعروفين عند البعض الآخر. وهناك أحاديث لم تصح من طريق وصحت من طريق أخرى. وهنالك طرق لم تصح عند البعض وصحت عند آخرين. وهناك أحاديث لم تعتبر عند بعض المحدثين وطعنوا بها، واعتبرها محدثون آخرون واحتجوا بها. وهناك أحاديث طعن بها بعض أهل الحديث، وقبلها عامة الفقهاء واحتجوا بها. فإلزام الناس باعتبار الحديث صحيحاً أو حسناً برأي من الآراء أو بجميع الآراء هو إلزام غير صحيح، ومخالف لواقع الأحاديث… ومن اطلع على اجتهادات الفقهاء المعتبرين يجد هذا يحتج بحديث لا يأخذ به ذاك، لأنه صح عند الأول، ولم يصح عند الثاني، وترى ذاك عند الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم… فيجب التأني والتفكير في الحديث قبل الإقدام على الطعن فيه أو رده. والمتتبع للرواة وللأحاديث يجد الاختلاف في ذلك بين المحدثين كثيراً، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً:

فمثلاً: روى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ. يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ يَرُدُّ مُشِدُّهُمْ عَلَى مُضْعِفِهِمْ، وَمُتَسَرِّيهِمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ…» فراوي هذا الحديث عمرو بن شعيب، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فيه مقال مشهور، ومع ذلك فقد احتج بحديثه كثيرون ورفضه آخرون…

ومثلاً في الدارقطني عن الحسن عن عبادة وأنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا وُزِنَ مِثْلٌ بِمِثْلٍ إِذَا كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا وَمَا كَيْلَ فَمِثْلُ ذَلِكَ، فَإِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَلَا بَأْسَ بِهِ». هذا الحديث في إسناده الربيع بن صبيح وثقه أبو زرعة وضعفه جماعة… فإذا استدل أحد بهذا الحديث أو بحديث في إسناده الربيع بن صبيح، يكون قد استدل بدليل شرعي…

ومثلاً: روى أحمد قال حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ يَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ» قَالُوا: بَلَى. «فَكَرِهَهُ». ورواه أبو داود بلفظ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ زَيْدًا أَبَا عَيَّاشٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاص قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْأَلُ عَنْ شِرَاءِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ قَالُوا نَعَمْ، فَنَهَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ».

هذا الحديث صححه الترمذي، وأعله جماعة، منهم الطحاوي والطبري وابن حزم وعبد الحق، بأن في إسناده زيداً أبا عياش وهو مجهول. قال في التلخيص والجواب أن الدارقطني قال إنه ثقة ثبت (يعني زيداً أبا عياش) وقال المنذري: قد روى عنه اثنان ثقتان وقد اعتمده مالك مع شدة نقده. فإذا جعل أحد هذا الحديث دليلاً شرعياً أو استدل بحديث فيه زيد أبو عياش، فإنه يكون قد استدل بدليل شرعي.

وعليه فإن استنباط الحكم لا يأتي من رواية واحدة دون الروايات الأخرى، ولا يكفي الجرح والتعديل من جهة واحدة دون النظر في الجهات المختلفة، بل تدرس المسألة من جميع جوانبها…

5- والآن سأناقش بعض الجوانب التي جهلها أو تجاهلها صاحب المقالة:

في تعليقه على رواية الطبري ركز على أبي مخنف، ولكنه ترك شريك أبي مخنف في السند، فإن رواية الطبري تقول:

“حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ شبة، قال: حدثنا علي بن محمد، عن وَكِيعٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عن قتادة، عن “شهر بن حوشب وابى مِخْنَفٍ”، عَنْ يُوسُفَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ وَمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَيُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّاب لَمَّا طُعِنَ… فَقَالَ…” انتهى

فصاحب المقالة ركز على أبي مخنف وذكر أنه ضعيف، وترك شهر بن حوشب شريك أبي مخنف في الرواية عن يوسف بن يزيد، فإن قتادة روى عن (أبي مخنف وشهر بن حوشب) وهما رويا عن يوسف بن يزيد، ولكنه لم يذكر إلا أبا مخنف وذلك لأن شهر بن حوشب قد وثقه جماعة:

قال العجلي (المتوفى: 261هـ) في كتابه الثقات: (شهر بن حوشب: “شامي”، تابعي، ثقة.)

وقال الهيثمي (المتوفى: 807هـ) عن شهر بن حوشب في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد في أكثر من موضع:

(شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، وَقَدْ وُثِّقَ)، (شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَلَكِنَّهُ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو زُرْعَةَ وَيَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ)، (شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وَفِيهِ بَعْضُ كَلَامٍ وَقَدْ وَثَّقَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ)، (شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وَفِيهِ كَلَامٌ وَوَثَّقَهُ جَمَاعَةٌ)

وقال ابن شاهين (المتوفى: 385هـ) في كتابه تاريخ أسماء الثقات: (وَقَالَ يحيى شهر بن حَوْشَب ثَبت وَفِي رِوَايَة أُخْرَى عَنهُ شَامي نزل الْبَصْرَة وَكَانَ من الْأَشْعَرِيين من أنفَسِهم وَهُوَ ثِقَة).

ولذلك فإن قتادة روى عن أبي مخنف وشهر بن حوشب، وليس فقط عن أبي مخنف، ولكن صاحب المقالة أغفل شهر بن حوشب لأنه قد وُثِّق من أكثر من واحد.

هذا عن رواية الطبري.

? بالنسبة لرواية ابن سعد في الطبقات:

لقد ذكر صاحب المقالة إحدى روايات الطبقات وهي التي فيها سماك، وهذا سند هذه الرواية:

“قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ عَنْ سِمَاكٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا حُضِرَ قَالَ إِنْ أَسْتَخْلِفْ فَسُنَّةٌ وَإِلا أَسْتَخْلِفْ فَسُنَّةٌ. تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولم يَسْتَخْلِفْ. وَتُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ فَاسْتَخْلَفَ…”، وقد ذكر صاحب المقالة أن سماك الذي وُصف “بالصدوق وقد تغير” لا يمكن اتصاله بعمر…

ولكن ورد في كتاب الثقات لابن حبان (المتوفى: 354هـ) عن سماك بن حرب ما يلي:

(سماك بْن حَرْب الْبكْرِيّ من أهل الْكُوفَة… روى عَنهُ الثَّوْريّ وَشعْبَة كَانَ حَمَّاد بن سَلمَة يَقُول سَمِعت سماك بْن حَرْب يَقُول أدْركْت ثَمَانِينَ من أَصْحَاب النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَات فِي آخر ولَايَة هِشَام بْن عَبْد الْملك حِين ولى يُوسُف بْن عمر على الْعرَاق وَهُوَ سماك بْن حَرْب بْن أَوْس بْن خَالِد بْن نزار بْن مُعَاوِيَة بْن عَامر بن ذهل)

وكذلك ورد في كتاب تاريخ أسماء الثقات لابن شاهين ما يلي:

(وَقَالَ سماك بن حَرْب ثِقَة نَا عبد الله بن مُحَمَّد الْبَغَوِيّ قَالَ نَا مُحَمَّد بن غيلَان قَالَ نَا مُؤَمل عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن سماك بن حَرْب قَالَ أدْركْت ثَمَانِينَ من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم)

وهذا يدل على أن سماك أدرك ثمانين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو عدد لا بأس به يجعله إن لم يدرك عمر فقد أدرك صحابياً نقل عن عمر، وسقوط الصحابي لا يؤثر في صحة السند.

? ومع ذلك فإن ابن سعد أورد في المسألة روايات أخرى ليس فيها سماك، ومنها:

  • قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: شَهِدْتُ عُمَرَ يَوْمَ طُعِنَ… ثُمَّ قَالَ: ادْعُوا لِي عَلِيًّا وَعُثْمَانَ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَسَعْدًا.. ثُمَّ قَالَ: ادْعُوا لِي صُهَيْبًا. فَدُعِيَ فَقَالَ: صَلِّ بِالنَّاسِ ثَلاثًا وَلْيَخْلُ هَؤُلاءِ الْقَوْمُ فِي بَيْتٍ فَإِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ فَمَنْ خَالَفَهُمْ فَاضْرِبُوا رَأْسَهُ…

وعمرو بن ميمون الأودي كان قَدْ أسلم فِي زمان النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحج مائة حجة، وقيل: سبعين حجة، وأدى صدقته إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ… كما جاء في أسد الغابة، ولذلك فهو شهد عمر رضي الله عنه يوم طُعن.

  • قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى أَبِي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيِّ قُبَيْلَ أَنْ يَمُوتَ بِسَاعَةٍ فَقَالَ: يَا أبا طلحة كن في خمسين من قومك مِنَ الأَنْصَارِ مَعَ هَؤُلاءِ النَّفَرِ أَصْحَابِ الشُّورَى فَإِنَّهُمْ فِيمَا أَحْسِبُ سَيَجْتَمِعُونَ فِي بَيْتِ أَحَدِهِمْ. فَقُمْ عَلَى ذَلِكَ الْبَابِ بِأَصْحَابِكَ فَلا تَتْرُكْ أَحَدًا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَلا تَتْرُكْهُمْ يمضي اليوم الثالث حتى يؤمروا أحدهم. اللهم أَنْتَ خَلِيفَتِي عَلَيْهِمْ.

  • قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ فِيمَا أَوْصَى بِهِ: فَإِنْ قُبِضْتُ فَلْيُصَلِّ لَكُمْ صُهَيْبٌ. ثَلاثًا. ثُمَّ أَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ فَبَايِعُوا أَحَدَكُمْ…

وواضح أن ابن سعد له أكثر من رواية لكن صاحب المقالة تمسك بشبهة وجدها في رواية واحدة فيها سماك، وترك غيرها، ما يدل على أنه لا يتحرى الوصول إلى الحق بل يريد التشويش على أهل الحق، وأنّى له ذلك!

? ومع كل هذا وذاك فهناك روايات أخرى أثبتها ابن شبَّة في كتابه تاريخ المدينة وأنقل هنا ثلاث روايات:

  • حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْعُلَيْمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَوْلًى لِآلِ ابْنِ عَفَّانَ: أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَمَرَ صُهَيْبًا أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ثَلَاثًا، وَقَالَ: «لَا يَأْتِينَّ عَلَيْكُمْ ثَالِثَةٌ، أَوْ لَا يَخْلُوَنَّ عَلَيْكُمْ ثَالِثَةٌ حَتَّى تُبَايِعُوا لِأَحَدِكُمْ، يَعْنِي أَهْلَ الشُّورَى، ثُمَّ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكِمْ، وَلَا تُشَاقُّوا وَلَا تُنَازِعُوا وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْأَمِيرَ»…

  • حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَا قَالَ: عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ طُعِنَ: «لِيُصَلِّ بِكُمْ صُهَيْبٌ ثَلَاثًا، وَلْتُنْظِرُوا طَلْحَةَ، فَإِنْ جَاءَ إِلَى ذَلِكَ، وَإِلَّا فَانْظُرُوا فِي أَمْرِكُمْ، فَإِنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُتْرَكُ فَوْقَ ثَلَاثٍ سُدًى،»

  • وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَكَانَ شَهِيدًا، وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «إِذَا مِتُّ فَتَرَبَّصُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ صُهَيْبٌ، وَلَا يَأْتِيَنَّ الْيَوْمُ الرَّابِعُ إِلَّا وَعَلَيْكُمْ أَمِيرٌ مِنْكُمْ، وَيَحْضُرُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مُشِيرًا، وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الْأَمْرِ، وَطَلْحَةُ شَرِيكُكُمْ فِي الْأَمْرِ، فَإِنْ قَدِمَ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ فَأَحْضِرُوهُ أَمْرَكُمْ، وَإِنْ مَضَتِ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ قَبْلَ قُدُومِهِ فَاقْضُوا أَمْرَكُمْ…»… وَقَالَ لِلْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ: «إِذَا وَضَعْتُمُونِي فِي حُفْرَتِي فَاجْمَعْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ فِي بَيْتٍ حَتَّى يَخْتَارُوا رَجُلًا مِنْهُمْ» ، وَقَالَ لِصُهَيْبٍ: «صَلِّ بِالنَّاسِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَأَدْخِلْ عَلِيًّا وَعُثْمَانَ وَالزُّبَيْرَ وَسَعْدًا وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَطَلْحَةَ إِنْ قَدِمَ، وَأَحْضِرْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ، وَقُمْ عَلَى رُءُوسِهِمْ، فَإِنِ اجْتَمَعَ خَمْسَةٌ وَرَضُوا رَجُلًا وَأَبَى وَاحِدٌ فَاشْدَخْ رَأْسَهُ أَوِ اضْرِبْ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ، وَإِنِ اتَّفَقَ أَرْبَعَةٌ فَرَضُوا رَجُلًا مِنْهُمْ وَأَبَى اثْنَانِ فَاضْرِبْ رُءُوسُهُمَا، فَإِنْ رَضِيَ ثَلَاثَةٌ رَجُلًا مِنْهُمْ وَثَلَاثَةٌ رَجُلًا مِنْهُمْ فَحَكِّمُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ حَكَمَ لَهُ فَلْيَخْتَارُوا رَجُلًا مِنْهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَرْضَوْا بِحُكْمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَكُونُوا مَعَ الَّذِينَ فِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَاقْتُلُوا الْبَاقِينَ إِنْ رَغِبُوا عَمَّا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ»…

? ثم إن إمهال الأيام الثلاثة مذكورة في الروايات مجملة دون ذكر قتل المخالف مثل “يصلي بالناس ثلاثا”، “لا يأتين عليكم ثالثة”، “لا يخلون عليكم ثالثا حتى تبايعوا لأحدكم”، “ليصلي بكم صهيب ثلاثا”، “ولا تتركهم يمض اليوم الثالث حتى يؤمروا أحدهم”، “فليصل لكم صهيب ثلاثا ثم أجمعوا أمركم فبايعوا أحدكم”… وهناك روايات مفصلة في قتل المخالف: “صل بالناس ثلاثا… فإذا اجتمعوا على رجل فمن خالفهم فاضربوا رأسه”… وهكذا.

أي أن مدة الأيام الثلاثة مذكورة في الروايات مجملة دون ذكر تفصيل الإجراء الذي يتخذ مع المخالف، ومذكورة في روايات أخرى بتفصيل الإجراء مع المخالف وهو قتله، فلماذا ركّز صاحب المقالة على روايات قتل المخالف وترك روايات إمهال الأيام الثلاثة التي ليس فيها قتل المخالف؟ إنه أراد أن يبرز موضوع القتل ليجد قبولاً مشاعرياً لرأيه مع أن قول عمر على ملأ من الناس بقتل المخالف هو دليل على أن الأيام الثلاثة أمر بالغ الأهمية.

? وعليه فإن صاحب المقالة وأمثاله وأشياعه كما يبدو ليس قصدهم تحري الحق بقدر ما هو التشويش على أهل الحق، وإيجاد المبررات لقعودهم وجبنهم عن أداء هذا الفرض العظيم الذي قدّمه الصحابة على دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما ما ذكره صاحب المقالة في آخر مقالته بقوله: “كيف يمكن أن يأمر عمر بقتل كبار الصحابة… وكيف يقول عمر رضي الله عنه هذا وهو يعلم أنهم هم الصفوة من أصحاب رسول الله…” انتهى

فالأحكام الشرعية تؤخذ من أدلتها، ولا تؤخذ بالهوى والافتراضات…

وهكذا فإن من تدبر ما أوردناه، وعقله ووعاه، فإنه يهتدي إلى الحق بإذن الله، ومن أخذته العزة بالإثم وكتب مقالته وهو مصر على عدم الفهم، فلا ينفعه جواب، بل أمره إلى الله سبحانه، فهو جلّ وعلا الهادي إلى سواء السبيل.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

15 شعبان 1434هـ ألموافق 2013-06-24
منقول

حول المدة التي يمهل فيها المسلمون لإقامة الخلافة

**السؤال:

جزاك الله على ردك… وهل يمكن أن تكون المناقشات مفتوحة حتى يستفيد المسلمون من مضمونها ؟

الفكرة الأولى التي نريد أن نناقشها هي المدة التي يمهل فيها المسلمون لإقامة الخلافة.

كتب أخ لي واسمه aang yulius هذه المقالة:

هل تصح الرواية التي استدل بها حزب التحرير في تعيين المدة التي يمهل فيها المسلمون لإقامة الخلافة؟

من أفكار حزب التحرير المتبناة نصب الخليفة لجميع المسلمين. وقالوا أنه لا يجوز خلو المسلمين من وجود خليفة أكثر من ثلاثة أيام. وإن مضت ثلاثة أيام ولم ينصب أحد خليفة للمسلمين أصبحوا آثمين. فبعد انهيار الخلافة العثمانية إلى يومنا هذا عاش المسلمون في مدة أكثر من ثمانين سنة ليس في أعناقهم بيعة.

فصار كل من لا يشترك في محاولة إقامة الخلافة آثماً. واستدل حزب التحرير ﻓﻲ كون المدة التي يمهل فيها المسلمون لإقامة الخلافة ثلاثة أيام بإجماع الصحابة وهو رواية قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه الشهير. فقد روي أنه بعد أن طعن وأشرف على الموت رشح ستة من كبار الصحابة ليكون أحد منهم خليفة بعده بطريقة الشورى بينهم. وأوصاهم وصية تهديدية بقتل أي منهم من يخالف أمرهم في آخر اليوم الثالث. وأمر خمسين من الصحابة أن يطبقوا وصيته هذه. وعلم الصحابة الكبار هذه الوصية ولا أحد منهم من أنكر مع أنه مما ينكر. فدل ذلك على إجماعهم على تحديد المدة القصوى لإقامة الخلافة بثلاثة أيام. وأصل هذه الفكرة ما روي في تاريخ الطبيري ما نصه:

“فإن اجتمع خمسة ورضوا رجلا وأبى واحد فاشدخ رأسه أو اضرب رأسه بالسيف وإن اتفق أربعة فرضوا رجل منهم وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما…”. هذه فكرة رسمية عند حزب التحرير مكتوبة في كتبه المتبناة ونشرها الشباب باسم الحزب أو باسمهم الشخصي. هذه الفكرة مكتوبة في كتاب أجهزة دولة الخلافة باب المدة التي يمهل فيها المسلمون لإقامة الخلافة ص 53، وفي كتاب نظام الحكم في الإسلام باب طريق نصب الخليفة، وغيرهما.

والمشكلة هي ضعف الرواية لأن في سندها أبا مخنف وكان شيعيا رافضيا. وصفه ابن معين بأنه"ليس بثقة."…

وفي الإسناد أيضا رواة مجهولون… وفي الإسناد رواة مدلسون رووا بصيغة العنعنة…

وهناك رواية أخرى في معنى رواية الطبري. ولكنها ضعيفة أيضا لانقطاع السند. فقد روى ابن سعد في الطبقات الكبرى رواية مشابهة فيه سماك بن حرب الذهلي البكري الذي وصفه الخفاظ بأنه “صدوق وقد تغير” ولا يمكن له أن يلتقى بعمر فكانت منقطعة.

ومن جهة المعنى نجد ما لا يمكن أن يصدق من رواية الطبري وروايات أمثالها لأنها تخالف الروايات الصحيحة. فلننظر النقاط الآتية: كيف يمكن أن يأمر عمر بقتل كبار الصحابة… وكيف يقول عمر رضي الله عنه هذا وهو يعلم أنهم هم الصفوة من أصحاب رسول الله…

وعلى هذا ظهر جليا أن هذه الرواية ضعيفة… فحينئذ سقط الاستدلال بها للقول بأن المدة التي يمهل فيها المسلمون لإقامة الخلافة ثلاثة أيام. وبطل أيضا قول من يعظم الخلافة حيث قال: “إن عمر أمر بقتل من يأبى نصب الخليفة.”.

فما رأيك؟ ننتظر جوابا شافيا**

الجواب لاحقاً

حول طلب النصرة

**السؤال:السلام عليكم

ورد في كتاب التكتل مرحلة استلام الحكم عن طريق الأمة وأعمال طلب النصرة، فهل طلب النصرة من مرحلة التفاعل أو من مرحلة استلام الحكم؟ مع التوضيح والتفصيل رجاء كما عهدنا.**

الجواب:وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

طلب النصرة هو في أواخر مرحلة التفاعل، فإذا استجاب أهل القوة، وكانوا قادرين على التغيير، تكون المرحلة الثالثة قد أزفت بإذن الله. وقد فصّلنا هذه المسألة في كتبنا وبخاصة “المنهج”، وإليك بعض الأمور التوضيحية:

1- بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم بطلب النصرة خلال مرحلة التفاعل، فعندما مات أبو طالب كان مجتمع مكة متجمداً ومغلقاً أمام الرسول صلى الله عليه وسلم، وبموت أبي طالب اشتد إيذاء قريش للرسول إلى درجة لم يكونوا يطمعون فيها في حياة عمه أبي طالب، فأصبحت حماية الرسول أضعف منها أيام أبي طالب. فأوحى الله إليه أن يعرض نفسه على قبائل العرب ليطلب حمايتها ونصرتها له حتى يستطيع أن يبلغ عن الله ما أرسله به وهو آمن ومحمي. فقد أورد ابن كثير في السيرة عن علي بن أبي طالب قال: لما أمر الله رسوله أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبو بكر إلى منى حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب. كما روى ابن كثير عن ابن عباس عن العباس قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا أرى لي عندك ولا عند أخـيك مَنَعَة، فهل أنت مخـرجي إلى السوق غداً حتى نقرّ في منازل قبائل النـاس -وكانت مجمع العرب- قال: فقلت هذه كِنْدَة وَلَفُّها، وهي أفضل من يَحُجُّ من اليمن، وهذه منازل بكر بن وائل، وهذه منازل بني عامر بن صعصعة، فاختر لنفسك، قال: فبدأ بكندة فأتاهم».

2- كان واضحاً لأهل القوة “القبائل” في ذلك الوقت الذين كان الرسول صلى الله عليه وسلم يطلب نصرتهم، كان واضحاً لهم أن المطلوب هو أن يحموا الرسول صلى الله عليه وسلم ويمكنوه من إقامة كيان بين ظهرانيهم يطبق فيه أحكام الله سبحانه، أي أنهم كانوا يدركون بشكل صريح واضح أن النصرة هي لإقامة دولة تحكم وتجاهد… ولذلك قال بنو عامر بن صعصعة عندما طلب الرسول صلى الله عليه وسلم نصرتهم، قالوا: “أرأيتَ إنْ نَحْنُ بَايَعْنَاكَ عَلَى أَمْرِكَ، ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللَّهُ عَلَى مَنْ خَالَفَكَ، أَيَكُونُ لَنَا الْأَمْرُ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: الْأَمْرُ إلَى اللَّهِ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ: أفَتُهدَف نحورُنا لِلْعَرَبِ دُونَكَ، فَإِذَا أَظْهَرَكَ اللَّهُ كَانَ الْأَمْرُ لِغَيْرِنَا! لَا حَاجَةَ لَنَا بِأَمْرِكَ؛ فَأَبَوْا عَلَيْهِ.”، أي أنهم كانوا يعرفون أن النصرة هي لإقامة دولة، فأرادوا أن يكونوا هم حكامها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك قال بنو شيبان للرسول صلى الله عليه وسلم عندما طلب نصرتهم: "وإنما نزلنا بين ضرتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما هاتان الضرتان»؟ قال: أنهار كسرى ومياه العرب، وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى لا نحدث حدثا ولا نؤوي محدثا، وإني أرى هذا الأمر الذي تدعو إليه مما تكرهه الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق، وإن دين الله لن ينصره إلا من أحاطه من جميع جوانبه»، فكانوا يدركون أن النصرة تعني حكماً وجهاداً للعرب والعجم، فوافقوا على قتال العرب، أما الفرس فلا.

3- ثم عندما قضى الله سبحانه الأمر كانت بيعة العقبة الثانية التي كانت نصرة لإقامة الدولة في المدينة، وبعدها دخلت المرحلة الثالثة أي إقامة الدولة.

4- وواضح من كل هذا أن طلب النصرة كان قبل المرحلة الثالثة، أي في مرحلة التفاعل.

5- وهذا ما فعله الحزب عندما بدأ في أعمال طلب النصرة في ستينات القرن الماضي ولا زال مستمراً فيها، ونسأل الله سبحانه أن يكرم هذه الأمة بأنصار يعيدون سيرة الأنصار الأوائل، فتقام دولة الإسلام، دولة الخلافة الراشدة، وتخفق في الأعالي راية العقاب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله…

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

13 شعبان 1434هـ2013-06-22

منقول

جواب سؤال عن تحديد مدة انتخاب الخليفة

**السؤال:

Assalamualaykum warahmatullahi wa barakatuhu.

Yaa sheikh, i would like to ask you a question about the 3 days deadline of nashbul khalifah after the retirement of the previous imam. It is stated in the ajhizah book that this time-span is based on umar radhiyallahu anhu’s order to kill any among the six sahabas if they reject the agreement of the others after 3 days. My question is that there are some people who state that this riwayat taken from tarikh thabari is categorized as dha 'if. What do you say about it? Baarakallaahu fiik wa jazaaka khayran jazaa**

الجواب:وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

موضوع تحديد عمر رضي الله عنه للصحابة مدة ثلاثة أيام لانتخاب الخليفة… هذا الأمر كان على ملأ من الصحابة، فقد قال عمر رضي الله عنه لصهيب على ملأ من الصحابة: «صَلِّ بِالنَّاسِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَأَدْخِلْ عَلِيًّا وَعُثْمَانَ وَالزُّبَيْرَ وَسَعْدًا وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَطَلْحَةَ إِنْ قَدِمَ… وَقُمْ عَلَى رُءُوسِهِمْ، فَإِنِ اجْتَمَعَ خَمْسَةٌ وَرَضُوا رَجُلًا وَأَبَى وَاحِدٌ فَاشْدَخْ رَأْسَهُ أَوِ اضْرِبْ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ…»، روى ذلك ابن شَبَّة في تاريخ المدينة، والطبري في تاريخه، ونقل نحوه ابن سعد في الطبقات الكبرى، مع أنهم مِنْ أهل الشورى ومِنْ كبار الصحابة، وكان ذلك على مرأًى ومسمع من الصحابة، ولم يُنقَل عنهم مُخالف، أو مُنكِر لذلك، فكان إجماعًا من الصحابة على أنه لا يجوز أن يخلوَ المسلمون من خليفة أكثر من ثلاثة أيام بلياليها، وإجماع الصحابة دليل شرعي كالكتاب والسنة، ولذلك لا يمهل المسلمون في اختيار خليفة بعد الخليفة السابق إذا شغر مكانه سوى ثلاثة أيام إلا إذا منعتهم من ذلك أمور قاهرة لا قبل لهم بدفعها، فإنه يسقط الإثم عنهم؛ لانشغالهم بـإقامة الفرض، ولاستكراههم على التأخير بما قهرهم عليه. روى ابن حبان وابن ماجه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استُكْرِهوا عليه». وإن لم يكونوا مشغولين بذلك فإنهم يأثمون جميعاً حتى يقوم الخليفة، وحينئذٍ يسقط الفرض عنهم. أما الإثم الذي ارتكبوه في قعودهم عن إقامة خليفة فإنه لا يسقط عنهم، بل يبقى عليهم يحاسبهم الله عليه، كمحاسبته على أية معصية يرتكبها المسلم، في ترك القيام بالفرض.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

منقول

الاستقتراض من الدول الأجنبية

أحمد سعد كتب:
السؤال:‏
السلام عليكم شيخنا، أعزك الله بالإسلام وأعز الإسلام بك … لدي سؤال حول مسألة الاقتراض من الدول الأجنبية والمؤسسات المالية ‏الدولية، حيث جاء في كتاب “الأموال في دولة الخلافة” أنه غير جائز شرعاً لأن القروض منها لا تتم إلا بفوائد ‏ربوية وإلا بشروط.. السؤال: متى يكون الاقتراض جائزاً، وما هي الشروط التي لا يجوز الاقتراض بموجبها؟ ‏وهل هناك فرق إن كانت هذه الدولة معاهدة أم حربية؟؟؟ أعانكم الله لما فيه خير الإسلام والمسلمين في الدنيا ‏والآخرة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.‏

ألجواب :
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
يبدو أنه التبس عليك ما ورد في الأموال في دولة الخلافة “أما الاستقراض من الدول الأجنبية، والمؤسسات ‏المالية الدولية، فإنه غير جائز شرعاً؛ لأن القروض منها لا تَتِمُّ إلاّ بفوائد ربوية، وإلاّ بشروط” فكأنك ظننت أن ‏العبارة تفيد أن هناك شروطاً يجوز معها الاقتراض من الدول الأجنبية، والمؤسسات المالية الدولية فسألت عن ‏هذه الشروط، والأمر ليس كذلك، بل هي تفيد أن الاستقراض من الدول الأجنبية، والمؤسسات المالية الدولية لا ‏يجوز لسببين: (فيه فوائد ربوية، وفيه شروط)، ولأن الاستقراض هكذا فلا يجوز. وقد وضَّح الكتاب هذا الأمر ‏في باقي الفقرة فقد ورد:‏

‏(والفوائد الربوية محرّمة شرعاً، سواء أكانت للأفراد أم للدول، والشروط تجعل للدول والمؤسسات ‏المقرضة سلطاناً على المسلمين، وتجعل إرادة المسلمين وتصرفاتهم مرهونة بإرادة الدول، والمؤسسات ‏المقرضة، وذلك لا يجوز شرعاً. وقد كانت القروض الدولية من أخطر البلايا على البلاد الإسلامية، ومن أسباب ‏فرض سيطرة الكفار على بلاد المسلمين، وطالما عانت الأمة من ويلاتها. لذلك فالقروض الدولية لا يجوز ‏للخليفة أن يلجأ إليها، لتغطية النفقات على هذه الجهات.)‏

وعليه فإن الاستقراض من الدول الأجنبية وفق المبين أعلاه لا يجوز. أما عن باقي السؤال حول الدولة ‏الأجنبية إن كانت في حالة حرب أو معاهدة، فالأمر كما يلي:‏

إنه وفق قواعد الاقتراض الدولية الحالية فلا يخلو الاقتراض من مخالفات شرعية “ربا وشروط مخالفة ‏للشرع”، وعليه فلا يجوز الاقتراض من الدول الأجنبية، سواء أكانت هذه الدولة محاربة أم معاهدة حسب ‏المعاهدات الدولية الحالية.‏

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة
05 من صـفر 1436 ألموافق2014-11-27م
منقول

معنى ?القدرة? في شروط انعقاد الخلافة

نظام ر.د. كتب:
**السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

لدي سؤال: ورد في كتاب الشخصية الجزء الثاني ص 33 البند السابع لشروط الخليفة القدرة ومن ثم بين القدرة واسترسل في الكتابة حتى وصل إلى العبارة التالية: (وكذلك لا يشترط لانعقاد الخلافة أن يكون الخليفة شجاعاً، أو من أصحاب الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح). السؤال: ألا يعتبر ذلك من القدرة؟**

ألجواب :

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

إن الذي ورد في الكتاب هو: (وكذلك لا يشترط لانعقاد الخـلافة أن يكون الخليفة شجاعاً، أو من أصحاب الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح، لأنه لم يصح حديث في ذلك، ولا يندرج تحت حكم شرعي يجعل ذلك شرط انعقاد، وإن كان الأفضل أن يكون شجاعاً ذا رأي وبصيرة) انتهى، وكما تعلم فإن شرط الانعقاد يعني أن الأمة لو انتخبت خليفة لا يستوفي شروط الانعقاد فإن خلافته باطلة… وبتدبر هذين الأمرين اللذين ذكرتهما يتبين أنهما ليسا من شروط الانعقاد بمعنى أن الأمة لو انتخبت خليفة لا يستوفيهما فلا تبطل خلافته لأن الأدلة الشرعية لا تدل على ذلك. ولكن هما من شروط الأفضلية أي أن الأفضل أن تراعي الأمة هذين الشرطين عند انتخاب الخليفة، فتحرص على انتخاب الذي تتوفر فيه شروط الانعقاد وأكبر عدد من شروط الأفضلية، فهذا أفضل وأقوم.

أما القدرة فهي من شروط الانعقاد وتعني أن يكون الخليفة قادرا على القيام بأعباء الخلافة، دون تحديد القدرة بشيء معين، فكل ما يؤثر في القدرة على القيام بأعباء الخلافة تأثيراً مخلاً يعد خارماً لشرط القدرة، وذلك لأن عمل الخليفة هو تطبيق أحكام الشرع، وهذا يتطلب القدرة على مباشرة الأعمال بنفسه أو متابعة الأعمال بنفسه إذا كلف غيره القيام بها، فإذا كان غير قادر على ذلك فإنه لا يستطيع الوفاء بعقد الخلافة المنصب على شخصه لتطبيق أحكام الشرع، ويكفي في ذلك استيفاء شروط الانعقاد ومنها القدرة فإذا فقدت فإن عقد الخلافة لا يستمر صحيحاً، كأن يصاب الخليفة بمرض فقدان الذاكرة، أو دخوله في الإنعاش مدة طويلة، أو نحو ذلك من أمراض بحيث يستمر معه المرض مدةً طويلة تؤثر في سلامة الحكم في الدولة، فلا يتمكن الخليفة معها من مباشرة الأعمال بنفسه أو متابعة الأعمال بنفسه إذا كلف غيره القيام بها… وتتولى محكمة المظالم اتخاذ إجراءات التأكد من عدم القدرة ومن ثم القرار اللازم لإعلان شغور مركز الخلافة…

أما عدم استيفاء شروط الأفضلية فلا تبطل عقد الخلافة، فأن يكون شجاعاً يتقن أرقى أسباب القتال، أو يكون من أصحاب الرأي المتخرج من أعلى الجامعات… فكل هذا ليس شرط انعقاد، فلا يبطل عقد الخلافة، لأنه لا دليل شرعي عليه، ولأن مثل هذه الشروط لا تؤثر في القيام بأعمال الخلافة تأثيراً مخلاً، ولأن الخليفة إذا تطلب الأمر الشجاعة المناسبة في بعض الأمور كالحروب مثلاً، فإنه يمكنه الاستعانة ببعض أصحاب الشجاعة في هذا الأمر، وكذلك إذا تطلب الأمر رأي أصحاب الدراسات الجامعية العليا فإن الخليفة يمكنه أن يرجع إلى مثل هؤلاء من رعيته، ومع ذلك فكما قلنا آنفاً فإن الأولى هو أن تنتخب الأمة الخليفة الذي يحوز على شروط الانعقاد وشروط الأفضلية، لكنها لو اختارت الحائز على شروط الانعقاد ولم يحز على كل شروط الأفضلية فخلافته صحيحة ما دام قد استوفى شروط الانعقاد لأن الأدلة الشرعية الصحيحة تفيد ذلك.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

27 من محرم 1436 ألموافق2014-11-20م

منقول

بسم الله الرحمن الرحيم

الجزية وجزيرة العرب

أما تساؤلك عن جزيرة العرب وكيف أُخذ من نصارى نجران الجزية أي أنهم كانوا يسكنونها وهكذا اليهود في خيبر بإقرارهم فيها على شطر الثمر كما جاء في الأحاديث مع أنه لا يجوز في الجزيرة دينان، وقولك كأن هذا تناقض، فإليك الجواب:

لقد وردت عند الفقهاء أقوال مختلفة حول جزيرة العرب التي لا يصح أن يكون فيها دينان بل الإسلام فقط.

وبتدبرها يتبين أن جزيرة العرب هي من عدن أَبْين إلى ريف العراق في الطول، ومن الأبلّة (في ناحية البصرة) أي ريف العراق إلى جدة على البحر في العرض. أي أن اليمن من جزيرة العرب وخيبر من جزيرة العرب.

وذلك لما يلي:

أ - ورد في كتاب الأموال (أما شبه جزيرة العرب بما فيها اليمن …) ص50

ب - نقل ابن الأعرابي عن الهيثم بن عدي (أن الجزيرة من العذيب إلى حضرموت). والعذيب من أرض العراق بعد القادسية بأربعة أميال على حدود البادية كما جاء في معجم البلدان.

جـ - وعن الأصمعي (جزيرة العرب ما بين عدن أبين إلى ريف العراق في الطول، والعرض من الأبلّة إلى جدة) والأبلّة بناحية البصرة.

وما نقله ابن الأعرابي والأصمعي هو المشهور عند كثير من الفقهاء.

د - وروى أبو داود عن سعيد بن عبد العزيز قال:

(جزيرة العرب ما بين الوادي إلى أقصى اليمن إلى تخوم العراق إلى البحر)

هـ - وقد روى عن أبي عبيدة بن الجراح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب» أخرجه أحمد وقال الهيثمي رواه أحمد بأسانيد، رجال اثنين منهما ثقات ومتصل إسنادهما. وفي رواية الدارمي من طريق أبي عبيدة بن الجراح قال: كان في آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أخرجوا اليهود من الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب» فأخرجهم عمر رضي الله عنه.

و - ورد في القاموس المحيط في مادة (جزر): وجزيرة العرب: ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام ثم دجلة والفرات أو ما بين عدن أبين إلى أطراف الشام طولاً ومن جدة إلى أطراف ريف العراق عرضاً.

ولذلك ترجح لدينا أنَّ جزيرة العرب هي:

(من عدن أبْين إلى أطراف الشام طولاً، ومن جدة على البحر إلى أطراف ريف العراق عرضاً) أي أن نجران وخيبر منها، وقد أثبتنا هذا في الأموال فقلنا (شبه جزيرة العرب بما فيها اليمن).

أما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ من نصارى نجران الجزية وتعامل مع يهود خيبر على النصف من الثمر وأقرهم فيها، فهذا صحيح، ولكن هذا قبل أحاديثه صلى الله عليه وسلم بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وهذا واضح فيما يلي:

أ - حديث عائشة رضي الله عنها: «آخر ما عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يترك بجزيرة العرب دينان» أخرجه أحمد وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح.

ب - في روابة الدارمي السابقة من طريق أبي عبيدة رضي الله عنه قال: كان في آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أخرجوا اليهود من الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب» فأخرجهم عمر رضي الله عنه.

ج - أخرج البخاري من طريق سفيان بن عيينة عن سليمان بن أبي مسلم الأحول سمع سعيد بن جبير سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكى حتى بلَّ دمعه الحصى قلت يا أبا عباس ما يوم الخميس قال اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه … إلى أن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجوا المشركين من جزيرة العرب …» الحديث أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قاله في مرض موته صلى الله عليه وسلم.

ولذلك فلا تناقض بين أخذ الجزية من نصارى نجران ومعاملة يهود خيبر مساقاةً بشطر الثمر وإقرارهم فيها، لا تناقض بين هذا وبين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب حيث كان هذا في آخر أيامه صلوات الله وسلامه عليه، فهو ناسخ لما قبله.

2 من ذي الحجة 1425هـ.ألموافق: 12/01/2005م.

(الجهاد ليس هو الطريقة لإقامة الخلافة)

**السؤال:

(assalamu alaikum our honorable ameer:

We say that establishment of khilafah and jihad are different obligations justifying the point that jihad can’t be the methodology to establish the khilafah. Can you explain that these two are different obligations?

May allah (swt) accept you and give you the responsibility to guide the ummah) end**

ترجمة السؤال:

**(السلام عليكم ورحمةالله وبركاته:

نحن نقول إن الخلافة فرض والجهاد فرض آخر، وأنَّ الجهاد ليس هو الطريقة لإقامة الخلافة… أرجو توضيح الأمر…

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منك وينعم عليك بقيادة الأمة)**

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

هناك أمور أساسية يجب إدراكها جيداً لأنها توضح الجواب:

1- إن الأدلة المطلوبة لاستنباط الحكم الشرعي لمسألة ما هي الأدلة على المسألة وليست الأدلة على غير المسألة:

أ- مثلاً إذا أردت معرفة كيف أتوضأ، فإني أبحث عن أدلة الوضوء حيث كانت، سواء أنزلت في مكة أم في المدينة، ويُستنبط الحكم الشرعي منها وفق الأصول المتبعة… ولكني لا أبحث عن أدلة الصيام لآخذ منها حكم الوضوء وكيفيته.

ب- ومثلاً إذا أردت معرفة أحكام الحج، فكذلك أبحث عن أدلة الحج حيث كانت، سواء أنزلت في مكة أم في المدينة، ويُستنبط الحكم الشرعي منها وفق الأصول المتبعة، ولكني لا أبحث عن أدلة الصلاة لآخذ منها حكم الحج وكيفيته.

ج- ومثلاً إذا أردت معرفة أحكام الجهاد: على العين أو على الكفاية، في الدفاع أو ابتداء، ما يترتب على الجهاد من أحكام الفتح ونشر الإسلام، سواء أكان الفتح عنوةً أم صلحاً… فإني أبحث عن أدلة الجهاد حيث كانت، سواء أنزلت في مكة أم في المدينة، ويُستنبط الحكم الشرعي منها وفق الأصول المتبعة، ولكني لا أبحث عن أدلة الزكاة لآخذ منها حكم الجهاد وتفاصيله.

د- وهكذا في كل مسألة، فإنه يبحث عن أدلتها حيث وردت في مكة أو في المدينة، ويؤخذ الحكم الشرعي للمسألة من هذه الأدلة وفق الأصول المتبعة.

2- والآن نأتي إلى مسألة إقامة الدولة الإسلامية، ونبحث عن أدلتها، سواء أنزلت في مكة أم في المدينة، ونستنبط الحكم الشرعي منها وفق الأصول المتبعة.

أ- إننا لا نجد أي أدلة لإقامة الدولة الإسلامية إلا التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سيرته في مكة المكرمة، فقد دعا إلى الإسلام سراً، فأوجد كتلة مؤمنة صابرة… ثم أعلنها بين الناس في مكة وفي المواسم… ثم طلب نصرة أهل القوة والمنعة، فأكرمه الله سبحانه بالأنصار، فهاجر إليهم وأقام الدولة.

ب- لم يقاتل الرسول صلى الله عليه وسلم أهل مكة ليقيم الدولة، ولم يقاتل أي قبيلة ليقيم الدولة، مع أنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم كانوا أبطالاً في القتال، أقوياء أتقياء… ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يستعمل القتال لإقامة الدولة، بل استمر يدعو ويطلب نصرة أهل القوة إلى أن استجاب له الأنصار فأقام الدولة.

ج- ثم فرضت أحكام الجهاد للفتح ونشر الإسلام، وحماية الدولة الإسلامية، ولم يفرض الجهاد لإقامة الدولة، وكل هذا واضح في سيرته صلى الله عليه وسلم.

د- وهكذا فإذا أريد معرفة كيفية إقامة الدولة، فتؤخذ من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدعوة وطلب النصرة واستجابة الأنصار وإقامة الدولة… وإذا أريد معرفة أحكام الجهاد، فتؤخذ من الأدلة الشرعية المتعلقة بالجهاد، فكل فرض تؤخذ أدلته من الأدلة الشرعية المتعلقة به، فإقامة الدولة تؤخذ من أدلة إقامة الدولة، والجهاد من أدلة الجهاد، ويلتزم بذلك على وجهه، والله سبحانه هو ولي التوفيق.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

28 من رجب 1435هـ ألموافق2014-05-27م

منقووووووول

المشاركة في أنظمة الكفر

**السؤال:

خلال البحث في تحريم مشاركة المسلم في نظم الحكم الحالية التي لا تحكم بالإسلام، قال أحدهم إنه سمع أحد الشيوخ يجيز هذا الاشتراك مستدلاً بأن يوسف عليه السلام قد حكم بشريعة الملك في مصر… وأن النجاشي مكث سنين يحكم بالكفر علماً بأنه كان مسلماً وصلى الرسول صلى الله عليه وسلم عليه صلاة الغائب… ثم إن المصلحة وهي دليل شرعي تقتضي ذلك، فإن المسلم وهو في الحكم يراعي مصالح المسلمين أكثر من العلماني…

والسؤال هو ما مدى صحة هذا الاستدلال؟ ثم هل فعلاً هناك شيوخ يقولون بهذا؟ نرجو إجابتنا وجزاك الله خيرا.**

الجواب:

نعم يقول بهذه الأقوال بعض مشايخ السلاطين، وهي أقوال لا تقوم بها حجة، لأن الحكم بما أنزل الله أدلته صريحة واضحة، قطعية الثبوت قطعية الدلالة وهي ليست محل خلاف بين الأئمة. إن الحكم بما أنزل الله فرض، يقول الله سبحانه: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ﴾ ويقول جل وعلا: ﴿وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ والنصوص في هذا المعنى كثيرة. أما عدم الحكم بما أنزل الله واللجوء إلى الحكم بالشرائع الوضعية فإنه كفر إذا اعتقده الحاكم، وظلم أو فسق إذا لم يعتقده الحاكم، وهذا وارد في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾. وأما ما استدل به مشايخ السلاطين، فكما قلنا لا تقوم به حجة، وذلك لما يلي:

1- إن الاستدلال بعمل يوسف عليه السلام على قول القائلين إنه كان يحكم في بعض القضايا بشريعة ملك مصر، أي بغير ما أنزل الله، هذا الاستدلال هو في غير محله، لأننا مأمورون باتباع الإسلام الذي جاء به محمد عليه وآله الصلاة والسلام بوحي من الله سبحانه، ولسنا مأمورين باتباع شريعة يوسف عليه السلام أو غيره من الأنبياء عليهم السلام، وذلك لأن شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا، فهو منسوخ بالإسلام، يقول سبحانه. ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، ومعنى “مهيمنا” أي ناسخا، فالإسلام نسخ شرائع الكتب السابقة، ولذلك فشرع من قبلنا ليس شرعاً لنا.

وهناك بعض أئمة الأصول قد أخذوا بالقاعدة بشكل آخر أي: «شَرْعُ مَنْ قبلَنا شرع لنا ما لم يُنْسَخ»، وهي تحدد أن الاستدلال بالشرائع السابقة يكون فقط بالأحكام التي لم تُنْسخ من تلك الشرائع. أما الأحكام التي جاءت شريعتنا ونسختها فلا يجوز أخذها من الشرائع السابقة، بل نحن مطالبون بما ورد في شريعتنا، والحكم بما أنزل الله صريح في الإسلام، وهو ناسخ لكل شريعة سابقة تخالفه، وعليه فإن جميع علماء الأصول المعتبرين، سواء أقالوا بالقاعدة الأولى “شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا” أم قالوا بالقاعدة الثانية “شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ”، فكلاهما يوجب الحكم بما أنزل الله لأنه منصوص عليه في الإسلام بشكل صريح واضح قطعي الثبوت والدلالة، وناسخٌ للشرائع السابقة إذا خالفته.

ونقول ذلك على افتراض أن يوسف عليه السلام حكم في بعض القضايا بشريعة ملك مصر، مع أن الصحيح هو أن يوسف عليه السلام نبي وهو معصوم، فلا يحكم إلا بما أنزل الله عليه، فهو كما قال سبحانه في سورة يوسف يحاور صاحبيه في السجن بأن الحكم لله: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فيوسف عليه السلام يقول ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، فالحاكمية هي لرب العالمين الذي يعبده المسلم ويأخذ تشريعه منه وحده ولا يتخذ رباً سواه.

ويوسف عليه السلام ما كان ليخالف فعلُه قولَه فتراه يدعو لحاكمية الله سبحانه ومن ثم يحكم بالكفر. إن هذا القول معناه الطعن في عصمة نبي من أنبياء الله تعالى والافتراء عليه، وهو أمر كبير… وإذن فإن يوسف عليه السلام لم يكن يحكم بالكفر، بل كان يحكم بما أنزل الله عليه، صادقا مخلصاً لله سبحانه. وكما قلنا فعلى فرض أن الله سبحانه أجاز ليوسف عليه السلام في شريعته أن يحكم في بعض القضايا بقوانين ملك مصر، فإن الإسلام قد نسخ الشرائع السابقة وصار الواجب علينا بعد رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحكم بالإسلام لا غير.

2- وأما الاستدلال بموقف النجاشي فهو في غير محله أيضاً، فإن من يدقق في المسألة يجد أن النجاشي كان ملكاً قبل إسلامه. وقد أسلم سراً وتوفي بعد إسلامه بوقت قصير، ولم يكن قادراً على تطبيق الإسلام ولم يجرؤ على إعلان إسلامه، فقد كان قومه كفاراً… وهذا لا ينطبق على من كان مسلماً معروفاً بإسلامه عند الناس، ونزيد الأمر تفصيلاً فنقول:

أ- إن كلمة النجاشي ليست اسم شخص الحاكم للحبشة، بل هو لقب لكل من كان يحكم الحبشة، فكان يسمى “النجاشي” كما كان يسمى حاكم الفرس بكسرى والروم بقيصر…، والنجاشي الذي أسلم وصلى الرسول صلى الله عليه وسلم عليه لم يمض على إسلامه سنين كما في السؤال، بل فترة قصيرة لا تتجاوز أياماً أو شهراً أو شهرين… فهو ليس النجاشي الذي هاجر المسلمون إليه من مكة، وليس هو النجاشي الذي أرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري بعد صلح الحديبية عندما أرسل الرسل إلى الحكام، بل هو نجاشي آخر تولى الحكم بعد النجاشي الذي أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم له رسالة مع الحكام الآخرين، والروايات في هذا الموضوع في البخاري ومسلم، وقد وهم من ظن النجاشي الذي أسلم أنه هو نجاشي الحبشة الذي هاجر إليه المسلمون من مكة، أو أنه النجاشي الذي أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إليه عمرو بن أمية الضمري بعد الحديبية، والروايات في ذلك التي تعارض ما في البخاري ومسلم تردّ، وأما الأدلة على ما ذكرناه آنفاً فنذكر منها:

أخرج مسلم عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: («أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى، وَإِلَى قَيْصَرَ، وَإِلَى النَّجَاشِيِّ، وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ تَعَالَى»، وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم.) انتهى

وأخرج الترمذي عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: («أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ قَبْلَ مَوْتِهِ إِلَى كِسْرَى وَإِلَى قَيْصَرَ وَإِلَى النَّجَاشِيِّ وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ» وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. “هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ”) انتهى.

وواضح من حديث مسلم والترمذي النص على أن النجاشي الذي أسلم وصلى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ليس هو النجاشي الذي أرسل الرسول إليه رسائله مع الحكام الآخرين.

ب- حيث إن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل الرسائل للحكام بعد رجوعه صلى الله عليه وسلم من الحديبية أي بعد ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، وحيث إن هذا النجاشي الذي أسلم ليس هو النجاشي الذي أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إليه مع الحكام الآخرين، بل هو نجاشي بعده، فيكون تولى الحكم نحو السابعة للهجرة.

ج- ولأن أبا هريرة كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم في صلاته على النجاشي الذي أسلم كما هو في أحاديث الصلاة على النجاشي، ومعروف أن أبا هريرة بعد أن أسلم قد وفد إلى المدينة مع وفد دوس في نحو سبعين أو ثمانين وفيهم أبو هريرة وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِخَيْبَرَ. فساروا إليه فلقوه هناك. وقد قسم لهم رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم من غنيمة خيبر، وخيبر كانت في السنة السابعة للهجرة، وهذا يعني أن النجاشي الذي أسلم قد استلم حكم الحبشة في نحو السابعة للهجرة وتوفي في السابعة للهجرة، أي لم يمكث سوى أيام أو أشهر قليلة…

د- لقد كان الحبشة في ذلك الوقت كفارا على دين النصرانية، وحاكمهم النجاشي أسلم سراً دون أن يعلموا، بل ودون أن يعلم أحد، حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم، كما يُفهم من أحاديث الصلاة على هذا النجاشي، قد عَلم عن وفاة النجاشي بالوحي، ومفهوم الأحاديث في الصلاة عليه يدل على ذلك:

  • أخرج البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي اليَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ خَرَجَ إِلَى المُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا». وفي رواية أخرى «نَعَى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الحَبَشَةِ، يَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ»، فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ».

  • وأخرج البخاري عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ تُوُفِّيَ اليَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنَ الحَبَشِ، فَهَلُمَّ، فَصَلُّوا عَلَيْهِ»، قَالَ: فَصَفَفْنَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَنَحْنُ مَعَهُ صُفُوفٌ قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: عَنْ جَابِرٍ «كُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي»، وفي رواية أخرى عن جابر قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ مَاتَ النَّجَاشِيُّ: «مَاتَ اليَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَى أَخِيكُمْ أَصْحَمَةَ».

ومفهوم الكلمات الواردة في الأحاديث: «نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي اليَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ»، «نَعَى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الحَبَشَةِ، يَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ»، فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ»"، «مات اليوم رجل صالح…». فالنعي في اليوم الذي مات فيه، والنجاشي في الحبشة والرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، فهو يعني أن الخبر بالوحي، وكذلك فإن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ»، «مات اليوم رجل صالح…»، يعني أنهم لم يكونوا يعلمون بموته…

هـ- وعليه فإن حالة النجاشي لا تنطبق هنا، فهو أسلم سراً، وقومه كفار، وتوفي بعد وقت قصير، ولم يعرف أحد بإسلامه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوحي… فلا تنطبق هذه الحالة على مشاركة المسلم المعروف بإسلامه في الحكم بغير ما أنزل الله، والقائلون بأنها تنطبق ليس لهم دليل، ولا شبهة دليل.

3-وأما الاستدلال بالمصلحة، وأنها دليل، فهو أيضاً في غير محله، ونستعرضه على النحو التالي:

هناك بين علماء أصول الفقه من قال بالمصلحة كدليل، ولكنهم اشترطوا أن لا يكون ورد في الشرع أمر بها أو نهي عنها، وأما إذا ورد بها أمر أو نهي، فلا يؤخذ بحكم المصلحة بل يؤخذ بالذي ورد في الشرع. ولم يقل أحد من علماء الأصول المعتبرين بتعطيل النصوص التي جاء بها الوحي بحجة أن المصلحة تتطلب ذلك.

فالربا حرام، حرمه الشرع بنصوص جاء بها الوحي فإذا كانت المصالح تتطلبه، فإن الشرع يرفضه ويحرمه، وإذا أفتى به بعض من يُسّموْن علماء فإن فتواهم مردودة عليهم وهي تتصادم مع الشرع الذي جاء به الوحي.

ومسألة الحكم بغير ما أنزل الله هي حرام بشكل قطعي مثل حرمة الربا لأن النصوص من الوحي جاءت بذلك. فلا يبقى أي محل لتحكيم المصلحة، فحيث ما يكون الشرع تكون المصلحة وليس العكس.

ونحن في بحثنا هذا نجاري علماء الأصول الذين تساهلوا وقالوا بالمصالح المرسلة، فحتى على مذهب هؤلاء لا محل للاستدلال بالمصلحة. مع أن الحقيقة هي أن المصالح المرسلة غير موجودة، وهي موجودة في نظر الذين قالوا بأن الشرع ترك بعض الأمور دون أن يأمر بها أو ينهى عنها، وقالوا إنهم يستعملون المصلحة في هذا الحقل. والحقيقة أن الشرع لم يترك بعض الأمور دون بيان حكمها، بل هو بيّن أحكام كل شيء ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.

4- والخلاصة هي أن المشاركة في أنظمة الكفر والحكم بغير ما أنزل الله هي كفر إذا كان الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله يعتقد هذا الحكم، وهي ظلم وفسق إذا كان الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله لا يعتقد هذا الحكم، كما في الآيات الكريمة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، والقائلون بأنه يجوز للمسلم أن يشارك في الحكم بغير ما أنزل الله ليس لهم دليل ولا شبهة دليل، لأن النصوص في منع ذلك قطعية الثبوت والدلالة.

آمل أن يكون الجواب واضحاً كافياً شافياً بإذن الله سبحانه.

الرابع من رجب 1435هـ ألموافق 3/5/2014م

منقووووول

حول تفكير الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة

**السؤال:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ورد في كتاب الدولة الإسلامية في موضوع بيعة العقبة الثانية وما بعدها عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه (فكر) في أكثر من موضع، مع أن الموضع يكون وحياً من الله وليس تفكيرا من الرسول صلى الله عليه وسلم مثل: فكر بالهجرة، والهجرة وحي من الله.

أرجو توضيح المقصود بالتفكير هنا، وبارك الله فيكم؟**

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

قبل الجواب مباشرة عن تفكير الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة، فإني أعيدك إلى بداية طلب النصرة حتى بيعة العقبة الثانية ثم الهجرة، وذلك ليتضح الجواب بإذن الله:

1- لقد توفيت خديجة رضي الله عنها قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ، وفي العام نفسه توفي أبو طالب، كما جاء في عيون الأثر، حيث ورد فيه:

(…عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ، وَهِيَ أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، قَالَ… ثُمَّ أَنَّ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ وَأَبَا طَالِبٍ مَاتَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ، فَتَتَابَعَتْ عَلَى رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُصِيبَتَانِ: وفاة خَدِيجَةَ وَأَبِي طَالِبٍ، وَكَانَتْ خَدِيجَةُ وَزِيرَةَ صِدْقٍ عَلَى الإِسْلامِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْكُنُ إِلَيْهَا، قَالَ: وَقَالَ زياد البكائي عن ابن إسحق: إِنَّ خَدِيجَةَ وَأَبَا طَالِبٍ توفيا فِي عَامٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ ذلك بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ مَضَيْنَ مِنْ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ مُهَاجِرِهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَدِينَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ. وَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنَّ خَدِيجَةَ تُوُفِّيَتْ بَعْدَ أَبِي طَالِبٍ بِثَلاثَةِ أَيَّامٍ. وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ نَحْوَهُ.) انتهى

2- وَعَنِ الْوَاقِدِيِّ: (تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ قَبْلَ أَبِي طَالِبٍ بِخَمْسٍ وَثَلاثِينَ لَيْلَةً، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، فَلَمَّا هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ نَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الأَذَى مَا لَمْ تَكُنْ تَطْمَعُ فِيهِ فِي حَيَاةِ أَبِي طَالِبٍ، حَتَّى اعْتَرَضَهُ سَفِيهٌ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ فَنَثَرَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْتَهُ وَالتُّرَابُ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَامَتْ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ فَجَعَلَتْ تَغْسِلُ عَنْهُ التُّرَابَ وَهِيَ تَبْكِي ورَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تبك يَا بُنَيَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ مَانِعٌ أَبَاكِ» وَيَقُولُ بَيْنَ ذَلِكَ: «مَا نَالَتْ مِنِّي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ»)

3- في هذه الظروف الصعبة أكرم الله رسوله صلى الله عليه وسلم بحدثين كبيرين عظيمين، وهما الإسراء والمعراج، والإذن للرسول صلى الله عليه وسلم بطلب نصرة أهل القوة من القبائل لحماية الدعوة وإقامة الدولة… وموضوع الإسراء والمعراج ليس هنا مكانه، وأما طلب النصرة، فقد قال صاحب عيون الأثر وغيره من أهل السير:

(خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف في أواخر شوال سنة عشر من النبوة، خَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ وَحْدَهُ - وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَمَعَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ - يَلْتَمِسُ النُّصْرَةَ مِنْ ثَقِيفٍ وَالْمَنَعَةَ بِهِمْ مِنْ قَوْمِهِ، وَرَجَاءَ أَنْ يَقْبَلُوا منه ما جاءهم به من اللَّهِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الطَّائِفِ عَمِدَ إِلَى نَفَرٍ مِنْ ثَقِيفٍ وَهُمْ يَوْمَئِذٍ سَادَةُ ثَقِيفٍ وَأَشْرَافُهُمْ وَهُمْ أُخْوَةٌ ثَلاثَةٌ: عَبْدُ يَالِيلَ، وَمَسْعُودٌ، وَحَبِيبٌ، بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُقْدَةَ بْنِ غَيْرَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ ثَقِيفٍ… ولم يستجيبوا… بل أغروا بِهِ سُفَهَاءَهُمْ…) انتهى

4- بعد ذلك تتابع طلب النصرة، فقد كان رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَعْرِضُ نَفْسَهُ فِي الْمَوَاسِمِ إذَا كَانَتْ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ يَدْعُوهُمْ إلَى اللّهِ وَيُخْبِرُهُمْ أَنّهُ نَبِيّ مُرْسَلٌ وَيَسْأَلُهُمْ أَنْ يُصَدّقُوهُ وَيَمْنَعُوهُ حَتّى يُبَيّنَ لَهُمْ مَا بَعَثَهُ الله بِهِ… فأتى عليه الصلاة والسلام كِنْدَةَ فِي مَنَازِلِهِمْ وَفِيهِمْ سَيّدٌ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ مُلَيْحٌ فَدَعَاهُمْ إلَى اللّهِ عَزّ وَجَلّ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ فَأَبَوْا عَلَيْهِ… وأتى كلبا في منازلهم إلى بطن منهم يقال لهم بنو عبد الله، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، حتى إنه ليقول: “يا بني عبد الله إن الله قد أحسن اسم أبيكم” فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم… وأتى بني حنيفة في منازلهم، فدعاهم إلى الله وعرض نفسه فلم يك أحد من العرب أقبح ردا عليه منهم… وأتى بني عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه، فاشترطوا أن يكون لهم الأمر في الحكم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «الأمر لله يضعه حيث يشاء»، فرفضوا وقالوا لا حاجة لنا بأمرك… ثم خرج الرسول صلى الله عليه وسلم هو وأبو بكر وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما… قال علي: وكان أبو بكر في كل خير مقدما، فقال: ممن القوم؟ فقالوا: من شيبان بن ثعلبة، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بأبي أنت وأمي هؤلاء غرر في قومهم وفيهم مفروق بن عمرو… قال: لعلك أخو قريش، فقال أبو بكر: أوَقد بلغكم أنه رسول الله فها هو ذا؟ فقال مفروق: قد بلغنا أنه يذكر ذلك، فإلامَ تدعو يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله وأن تؤووني وتنصروني فإن قريشا قد تظاهرت على أمر الله وكذبت رسله واستغنت بالباطل عن الحق والله هو الغنى الحميد… فقال القوم… وإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثا ولا نؤوي محدثا وإني أرى أن هذا الأمر الذي تدعونا إليه أنت هو مما يكرهه الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أسأتم في الرد إذ فصحتم في الصدق وإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه».

5- ثم ورد في عيون الأثر وفي غيره من كتب السير:

(قَالَ ابن إسحق: فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ إِظْهَارَ دِينِهِ وَإِعْزَازَ نَبِيِّهِ وَإِنْجَازَ مَوْعِدِهِ لَهُ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَوْسِمِ الَّذِي لَقِيَ فِيهِ النَّفَرَ مِنَ الأَنْصَارِ، رَهْطًا مِنَ الْخَزْرَجِ فَقَالَ لَهُمْ الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَفَلا تَجْلِسُونَ أُكَلِّمُكُمْ؟» قَالُوا: بَلَى، فَجَلَسُوا مَعَهُ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الإِسْلامَ… فَلَمَّا كَلَّمَ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُولِئَك النَّفَرَ وَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعْلَمُوا وَاللَّهِ إِنَّهُ لَلنَّبِيُّ الَّذِي تَوَعَّدَكُمْ بِهِ يَهُودُ، فَلا يَسْبِقَنَّكُمْ إِلَيْهِ، فَأَجَابُوهُ فِيمَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ بِأَنْ صَدَّقُوهُ وَقَبِلُوا مِنْهُ مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الإِسْلامِ وَقَالُوا لَهُ: إِنَّا تَرَكْنَا قَوْمَنَا وَلا قَوْمَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالشَّرِّ مَا بَيْنَهُمْ، فَإِنْ يَجْمَعُهُمُ اللَّهُ عَلَيْكَ فَلا رَجُلَ أَعَزُّ مِنْكَ، ثُمَّ انْصَرَفُوا رَاجِعِينَ إِلَى بِلادِهِمْ قَدْ آمَنُوا وَصَدَّقُوا…) انتهى

فلما استدار العام وعادت الأشهر الحرم وجاء موعد الحج لمكة، أتى الموسم من السنة الثانية عشرة اثنا عشر رجلا من أهل يثرب فالتقوا هم والنبي بالعقبة، فبايعوه بيعة العقبة الأولى. جاء في حدائق الأنوار ومطالع الأسرار في سيرة النبي المختار: (وفي الموسم من السّنة الثّانية عشرة: وافاه اثنا عشر رجلا من الأنصار، فبايعوه عند (العقبة) بيعة النّساء…)

أخرج أحمد في مسنده عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ حَضَرَ الْعَقَبَةَ الْأُولَى وَكُنَّا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فَبَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُفْتَرَضَ الْحَرْبُ عَلَى: «أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا، وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِيهِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلَا نَعْصِيَهُ فِي مَعْرُوفٍ، فَإِنْ وَفَّيْتُمْ فَلَكُمُ الْجَنَّةُ، وَإِنْ غَشِيتُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَأَمْرُكُمْ إِلَى اللهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَكُمْ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَكُمْ».

6- فلما انصرفوا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم مصعب بن عمير كما جاء في سيرة ابن هشام وغيرها من السير:

(قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا انْصَرَفَ عَنْهُ الْقَوْمُ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَهُمْ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرِ. وَكَانَ مَنْزِلُهُ عَلَى أَسْعَدِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسَ، أَبِي أُمَامَةَ… قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُعَيْقِبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ خَرَجَ بِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ يُرِيدُ بِهِ دَارَ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَدَارَ بَنِي ظَفَرٍ، وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذِ بْنَ خَالَةِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَدَخَلَ بِهِ حَائِطًا مِنْ حَوَائِطِ بَنِي ظَفَرٍ… فَجَلَسَا فِي الْحَائِطِ، وَاجْتَمَعَ إلَيْهِمَا رِجَالٌ مِمَّنْ أَسْلَمَ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، يَوْمَئِذٍ سَيِّدَا قَوْمِهِمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ… ولكن الله شرح صدرهما للإسلام…، فأسلما، وأقبل سعد عَامِدًا إلَى نَادِي قَوْمِهِ وَمَعَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ… فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، كَيْفَ تَعْلَمُونَ أَمْرِي فِيكُمْ؟ قَالُوا: سَيِّدُنَا (وَأَوْصَلُنَا) وَأَفْضَلُنَا رَأْيًا، وَأَيْمَنُنَا نَقِيبَةً، قَالَ: فَإِنَّ كَلَامَ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ عَلَيَّ حَرَامٌ حَتَّى تُؤْمِنُوا باللَّه وبرسوله. قَالَا: فو الله مَا أَمْسَى فِي دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إلَّا مُسْلِمًا وَمُسْلِمَةً، وَرَجَعَ أَسْعَدُ وَمُصْعَبٌ إلَى مَنْزِلِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ يَدْعُو النَّاسَ إلَى الْإِسْلَامِ…).

7- وجاء في سيرة ابن هشام وفي حدائق الأنوار وغير ذلك من السير: (ثُمَّ إنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ رَجَعَ إلَى مَكَّةَ، وَخَرَجَ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْمَوْسِمِ من السنة الثالثة عشرة للبعثة مَعَ حَجَّاجِ قَوْمِهِمْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، حَتَّى قَدِمُوا مَكَّةَ، فَوَاعَدُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْعَقَبَةَ، مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، حِينَ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ مَا أَرَادَ مِنْ كَرَامَتِهِ، وَالنَّصْرِ لِنَبِيِّهِ، وَإِعْزَازِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَإِذْلَالِ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ… قَالَ كَعْبٌ: ثُمَّ خَرَجْنَا إلَى الْحَجِّ، وَوَاعَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْعَقَبَةِ مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. قَالَ: فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنْ الْحَجِّ، وَكَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي وَاعَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَهَا… قَالَ: فَنِمْنَا تَلِكَ اللَّيْلَةَ مَعَ قَوْمِنَا فِي رِحَالِنَا، حَتَّى إذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ خَرَجْنَا مِنْ رِحَالِنَا لِمَعَادِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، نَتَسَلَّلُ تَسَلُّلَ الْقَطَا مُسْتَخْفِينَ، حَتَّى اجْتَمَعْنَا فِي الشِّعْبِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ، وَنَحْنُ ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا، وَمَعَنَا امْرَأَتَانِ مِنْ نِسَائِنَا… قَالَ: فَاجْتَمَعْنَا فِي الشِّعْبِ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم… قَالَ: فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَتَلَا الْقُرْآنَ، وَدَعَا إلَى اللَّهِ، وَرَغَّبَ فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ قَالَ أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ. قَالَ: فَأَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ، وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ (نَبِيًّا)، لَنَمْنَعَنَّكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا، فَبَايِعْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَحْنُ وَاَللَّهِ أَبْنَاءُ الْحُرُوبِ، وَأَهْلُ الْحَلْقَةِ، وَرِثْنَاهَا كَابِرًا (عَنْ كَابِرٍ). قَالَ: فَاعْتَرَضَ الْقَوْلَ، وَالْبَرَاءُ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الرِّجَالِ حِبَالًا، وَإِنَّا قَاطِعُوهَا - يَعْنِي الْيَهُودَ - فَهَلْ عَسَيْتَ إنْ نَحْنُ فَعَلْنَا ذَلِكَ ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللَّهُ أَنْ تَرْجِعَ إلَى قَوْمِكَ وَتَدَعَنَا؟ قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قَالَ: بَلْ الدَّمَ الدَّمَ، وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ، أَنَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنِّي، أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ، وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ… قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِيهِ الْوَلِيدِ، عَنْ جَدِّهِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَكَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ، قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْعَةَ الْحَرْبِ - وَكَانَ عُبَادَةُ مِنْ الِاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ بَايَعُوهُ فِي الْعَقَبَةِ الْأُولَى عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ - عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي عُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَمَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ…) انتهى

8- وهكذا تمت بيعة العقبة الثانية، بيعة النصرة بعد أن فشا الإسلام في المدينة، ثم الهجرة فإقامة الدولة. ويتبين من كل ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مأموراً بطلب النصرة منذ السنة العاشرة للبعثة، أي قبل بيعة العقبة بنحو ثلاث سنين حيث كانت بيعة العقبة الثانية في موسم السنة الثالثة عشرة للبعثة، أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان موحى إليه بأعمال طلب النصرة، فيبحث عن أهل القوة من القبائل ويطلب نصرتهم، ولما جاءته أخبار المدينة من مصعب بن عمير، ثم جاء الثلاثة والسبعون رجلاً والمرأتان فبايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الثانية، رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المدينة مؤهلة لأن تنصره لإقامة الدولة وإعزاز الإسلام والمسلمين، وفكر بالهجرة لها لأنه صلى الله عليه وسلم كان يبحث عن أهل القوة لينصروه ويذهب إليهم ويقيم حكم الإسلام، فالتفكير في الهجرة اقتضاه طلب النصرة نفسه، فكما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذهب إلى قبيلة ويطلب نصرتها، فكذلك كان عندما علم أن المدينة المنورة أصبحت مؤهلة لأن تعطي النصرة وتقام الدولة فيها، ولذلك فإن تفكيره صلى الله عليه وسلم بالهجرة للمدينة لم يكن خارجاً عن مقتضيات طلب النصرة الذي أوحى الله له به منذ ثلاث سنين قبل بيعة العقبة الثانية. ومع ذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يهاجر إلى المدينة إلا بعد أن أراه الله سبحانه دار الهجرة، وأذن له صلى الله عليه وسلم بالهجرة كما جاء في البخاري: (قال ابْن شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ، إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم طَرَفَيِ النَّهَارِ، بُكْرَةً وَعَشِيَّةً… فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِلْمُسْلِمِينَ: «إِنِّي أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لاَبَتَيْنِ» وَهُمَا الحَرَّتَانِ، فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ المَدِينَةِ، وَرَجَعَ عَامَّةُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ إِلَى المَدِينَةِ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ قِبَلَ المَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «عَلَى رِسْلِكَ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»… قَالَ ابْنُ شِهَابٍ، قَالَ: عُرْوَةُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُتَقَنِّعًا، فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي، وَاللَّهِ مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ، قَالَتْ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَاسْتَأْذَنَ، فَأُذِنَ لَهُ فَدَخَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِأَبِي بَكْرٍ: «أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ». فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ، بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الخُرُوجِ» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصَّحَابَةُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ»…).

9- وهكذا فإن التفكير بالهجرة إلى المدينة بعد أن وصلته صلى الله عليه وسلم أخبارها هو من مقتضيات طلب النصرة التي أذن الله له به منذ السنة العاشرة للبعثة، فهي كذهاب الرسول صلى الله عليه وسلم للطائف وبني شيبان وبني عامر… ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحول هذا التفكير لعمل إلا بعد أن أراه الله سبحانه دار الهجرة وأذن له صلى الله عليه وسلم بالخروج: «إِنِّي أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لاَبَتَيْنِ» و«فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الخُرُوجِ» كما جاء في البخاري عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها.

آمل أن يكون الموضوع قد اتضح لك، والله سبحانه ولي التوفيق.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

03 من جمادى الأولى 1435 ألموافق2014-03-04م

منقول

علاقة تأخير دفن الرسول صلى الله عليه وسلم بالبيعة

**السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وفقك الله وسائر حاملي هذه الكلمة الباقية بإذنه لما يحب ويرضى.

هناك من يقول بأن استدلال بعض الفقهاء على أن تأخير دفن نبي الهدى عليه الصلاة والسلام هو الدليل على وجوب البيعة غير صحيح، وإنما كان لأسباب أخرى كإمهال المسلمين لحضور الجنازة و… بل إن الدليل هو أنه بمجرد موته صلى الله عليه وسلم قاموا لتنصيب إمام وهذا دليل على وجوب البيعة وليس التأخير في الدفن. فلا علاقة للتأخير بالبيعة!! فهلا أوضحت لنا ذلك بشكل تفصيلي؟؟**

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

يا أخي قبل جوابك عن تأخير الدفن… أذكر لك بعض الأمور الأصولية عن الأحكام الشرعية:

الأصل في الأمر الشرعي، سواء أكان قولاً أم فعلاً، أنه يفيد الطلب ويحتاج إلى قرينة تبين نوع الطلب، فإن كانت القرينة تفيد الجزم كان الطلب جازماً أي فرضاً، وإن كانت القرينة لا تفيد الجزم ولكن تفيد ترجيح الخير فيه فيكون الطلب غير جازم، أي ندباً، وإذا كانت القرينة تفيد التخيير فيكون الطلب على الإباحة.

وهذا ينطبق على كل نص شرعي سواء أكان نصاً “قولاً” في كتاب الله سبحانه أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أم كان فعلاً للرسول صلى الله عليه وسلم، أم كان فعلاً أجمع عليه الصحابة رضوان الله عليهم، أم كان إقراراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم…:

1- مثلاً: قول الله سبحانه ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، فهنا أمر ﴿فَانْتَشِرُوا﴾، أي طلب بالخروج من المسجد بعد صلاة الجمعة، ونبحث عن القرينة لنرى إن كان الانتشار أي الخروج من المسجد بعد انتهاء الصلاة فرضاً أم ندباً أم مباحاً… فنجد أن المسلمين كانوا بعد انتهاء صلاة الجمعة، منهم من يخرج فوراً ومنهم من يجلس قليلاً أو كثيرا… وكان ذلك بإقرار الرسول صلى الله عليه وسلم… أي أن من يخرج أو يجلس سواء، وهذا يدل على أن ﴿فَانْتَشِرُوا﴾ أمر يفيد الطلب على الإباحة.

2- ومثلاً: الوقوف للجنازة:

أخرج النسائي في سننه قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرُّوا عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ فَقَامَ» وَقَالَ عَمْرٌو: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ فَقَامَ». فهنا قام الرسول صلى الله عليه وسلم لجنازة مرت عليه، وهذا الفعل يفيد الطلب بالقيام، ثم نبحث عن قرينة لمعرفة إن كان هذا الطلب للجزم فيكون فرضاً أو غير الجزم مع الترجيح فيكون ندباً، أو للتخيير فيكون للإباحة، فنجد في سنن النسائي عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، أَنَّ جَنَازَةً مَرَّتْ بِالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَامَ الْحَسَنُ وَلَمْ يَقُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ الْحَسَنُ: «أَلَيْسَ قَدْ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجَنَازَةِ يَهُودِيٍّ؟» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «نَعَمْ، ثُمَّ جَلَسَ صلى الله عليه وسلم». وهذا يدل على أن القعود والجلوس على التخيير، أي على الإباحة.

وهكذا البيعة في السقيفة، فهي فعل أجمع الصحابة عليه، فيدل على الطلب ببيعة الخليفة إذا شغر مركز الخلافة، ولتقرير أن هذا الطلب فرض أو مندوب أو مباح، فإننا نبحث عن القرينة، فنجدها تفيد الجزم لأن الصحابة قدَّموا البيعة على دفن الميت وهو فرض، وهذا يعني أن البيعة هي فرض وأهم من فرض دفن الميت.

ولهذا فإن الدليل على أن بيعة الخليفة إذا شغر مركز الخلافة هو فرض، الدليل على ذلك هو تأخير دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن تمت البيعة، ولأن دفن الميت فرض فإذن الذي جُعل أولى منه هو فرض.

وهكذا فإن تأخير الدفن إلى أن تمت البيعة، هو الذي بيَّن أن بيعة الخليفة واجبة وفرض وأي فرض.

هذا من الناحية الفقهية.

أما القول إن تأخير الدفن لا علاقة له بالبيعة، بل إمهال المسلمين لحضور الجنازة، فهذا أمر بعيد عن الواقع الذي حدث، فخبر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كان حدثاً صارخاً سمع به المسلمون في المدينة وحولها، والمسلمون تقاطروا للمدينة وللمسجد ولكنهم انشغلوا بالبيعة لأبي بكر انعقاداً وطاعة… وإليك تسلسل الأحداث كما وردت في السير:

فقد توفي الرسول صلى الله عليه وسلم ضحى الاثنين، وبقي دون دفن ليلة الثلاثاء ونهار الثلاثاء حيث بويع أبو بكر رضي الله عنه، ثم دفن الرسول صلى الله عليه وسلم وسط الليل، ليلة الأربعاء، وبويع أبو بكر قبل دفن الرسول صلى الله عليه وسلم. فكان ذلك إجماعاً على الاشتغال بنصب الخليفة عن دفن الميت، ولا يكون ذلك إلا إذا كان نصب الخليفة أوجب من دفن الميت.

ولذلك فتأخير الدفن لم يكن ليجتمع المسلمون للجنازة، بل هم كانوا مجتمعين وبخاصة الصحابة، ولكنهم انشغلوا بالبيعة، فلما فرغوا منها انعقاداً وطاعة اشتغلوا بدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتى؟ في وسط الليل بعد الفراغ من البيعة، ولو كان التأخير لأجل تجمع الناس للجنازة، لكان في نهار الاثنين أو ليلة الثلاثاء أو نهار الثلاثاء… ولكنهم انتظروا اكتمال البيعة لأبي بكر انعقاداً وطاعة، وبعد أن انتهت بادروا فوراً إلى الاشتغال بدفن الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة الأربعاء.

ولذلك فإنه بالتفكر والتدبر لتأخير الدفن يتبين أنه لم يكن لأي سبب سوى سبب الفراغ من بيعة أبي بكر انعقاداً وطاعة، فهو إذن من صميم العلاقة بالبيعة.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

22 من ربيع الثاني 1435 ألموافق 2014-02-22م

منقول

حول استقرار الرأي على عثمان رضي الله عنه خليفة للمسلمين

**السؤال:السلام عليكم شيخنا الفاضل

ورد في كتاب أجهزة دولة الخلافة وبالتحديد فقرة حصر المرشحين ص 31:

…ثم ناقش عبد الرحمن الخمسة الباقين وحصرهم في اثنين علي وعثمان… وبعد ذلك استطلع رأي الناس واستقر الرأي على عثمان خليفة. وفي ص 33 …فادع إلي عليّا وعثمان… ثم أخذ بيد علي. لماذا علي وقد تعين عثمان للخلافة؟ أخوكم بوعزيزي.**

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

الذي تبين لعبد الرحمن بن عوف هو أن الناس يريدون علياً إذا حكم في أي قضية تعرض عليه بالحكم نفسه الذي حكم به أبو بكر وعمر إذا كانت هذه القضية قد حدث مثلها في عهدهما، فعلي لم يوافق وعثمان وافق، عندها تعين عثمان خليفة…

فجملة (ورشح عمر للمسلمين ستةً وحصرها فيهم ينتخبون من بينهم خليفةً، ثم ناقش عبد الرحمن بن عوف الخمسة الباقين وحصرهم في اثنين: علي وعثمان، بعد أن وكله الباقون. وبعد ذلك استطلع رأي الناس واستقر الرأي على عثمان خليفةً.) لا تعني أن عثمان قد تعين خليفة خلال الاستشارة، بل تعين خليفة عندما رفض علي ووافق عثمان.

ويبدو أن الذي التبس عليك هو ظنك أن حرف العطف بين (استطلع رأي الناس)، وبين (استقر الرأي على عثمان خليفة)، ظنك أن (الواو) بينهما تفيد الترتيب وفورية الوقوع، وليس الأمر كذلك فحرف العطف الواو يفيد مجرد العطف، فإذا قلت جاء عمر وخالد، فلا يعني أنهما جاءا معاً أو فوراً الواحد تلو الآخر، بل قد يكون بينهما وقت، هذا جاء قبل الظهر، وذاك جاء بعده.

وهكذا الجملة المذكورة (استطلع رأي الناس)، قد يكون فرغ منه ليلاً، و(استقر الرأي على عثمان خليفة) كان فجراً بعد الصلاة، وبعد سؤال علي وعثمان.

وتوضيحاً لما جرى نقول التالي:

? “استطلع عبد الرحمن رأي الناس”، فوجدهم يريدون علياً إذا وافق على شرطهم وإلا فعثمان إذا وافق على شرطهم..

? بعدها قال عبد الرحمن: “فادع إلي علياً وعثمان”، فعرض على علي الشرط فلم يوافق، ثم عرضه على عثمان فوافق..

? بعد ذلك كانت النتيجة “واستقر الرأي على عثمان خليفة”.

آمل أن يكون الموضوع قد اتضح.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

17 من ربيع الثاني 1435هـ ####2014-02-17م

منقول

** هل للقائلين بـ"التدرج "أي دليل أو حتى شبهة دليل؟

السؤال: (السلام عليكم بدايةً بارك الله فيكم على جهودكم العظيمة ونود من حضرتكم التكرم علينا بالرد على السؤال التالي : هل للقائلين بالتدرج أي دليل أو حتى شبهة دليل، بحيث يقول الكثير من الذين يقولون بالتدرج: أن هذه المسألة خلافية فلا يعيب كل طرف على الآخر ،فلا نحن ننكر عليكم ولا أنتم علينا تُنكرون. ويستدلون ببعض الأدلة منها: قول عائشة في الخمر ، قول عمر بن عبد العزيز لابنه، وشبهة تعطيل حد السرقة في عام المجاعة في عهد عمر ، وقصة عمر بن عبد العزيز مع ابنه، وكذلك قصة عبدالملك بن عمر بن عبدالعزيز أيضاً مع ابنه .. فروي أن ابنه عبد الملك قال له : يا أبت لم لا تنفذ الأمور ؟فوالله لا أبالي في الحق لو غلت بي وبك القدور ! فقال له عمر رضي الله عنه : “لاتعجل يا بني، فإن الله ذمّ الخمر في القرآن مرّتين وحرمها في الثالثة، وأنا أخاف أنأحمل الناس على الحق جملة فيدفعوه وتكون فتنة” .(العقد الفريد 1/30 ، الموافقات 2/94). ودليل آخر من السنة : فعن وهبٍ قال: سألتُ جابرَ بنِ عبدِ الله عن شأنِ ثقيفٍ إذ بايعتْ فقال: اشترطت على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنْ لا صدقةَ عليها ولا جهادَ وأنه سمع النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بعد ذلك يقول: سيتصدَّقونَ ويجاهِدون إذا أسلَموا. “حديث صحيح” فخلاصة السؤال : هل مسألة التدرج مسألة قطعية “أي مقطوع بحرمتها”، أم أنها مسألة اجتهادية مختلف فيها ؟؟ وبارك الله فيكم وآسف على الاطالة) انتهى.**

ألجواب

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

لقد سبق أن أجبنا على مسألة التدرج في تطبيق الإسلام جواباً طويلاً وافياً في 11/02/2006م، ولعلك لم تطلع عليه لأن الجواب كان قبل إنشاء صفحة الفيس… على كل لقد تضمن سؤالك مسائل جديدة لم يتطرق لها جوابنا السابق وسنستوفيها بحثا ًفي هذا الجواب والله سبحانه ولي التوفيق:

أولاً: إن القول بالتدرج في تطبيق أحكام الإسلام هو أمر خطر جداً، فالمعنى الذي يشيعه دعاة التدرج هو أنه لا يتأتى تطبيق أحكام الإسلام دفعة واحدة ولذلك لا بد من تطبيق الأحكام شيئاً فشيئاً، وبعبارة أخرى تطبيق أحكام الكفر في بعض المسائل وأحكام الإسلام بعض المسائل…! وظاهر ما في هذا الأمر من إثم عظيم وفساد كبير…

ثانياً: ظاهر في الأدلة التي يستدل بها دعاة التدرج أنها في غالبها مقحمة إقحاماً على موضوع التدرج، فهم لم يستنبطوا من الأدلة الشرعية بعد دراستها أن التدرج جائز، بل واضح من كيفية استدلالهم أنهم قرروا أن التدرج ضروري ثم أخذوا يطلبون الأدلة على جواز ذلك ويحشدونها دون التحقق من انطباقها على واقع المسألة المستدل عليها… وهذا مخالف للكيفية الصحيحة في الاستنباط التي هي:

1- عند استنباط #حكم_شرعي لمسألة، يدرس واقعها جيداً ثم تجمع الأدلة المتعلقة بهذا الواقع، وتدرس هذه الأدلة دراسة أصولية ليستنبط الحكم الشرعي.

2- يُبذَل الوسع أولاً للجمع بين الأدلة، فإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما.

3- فإذا تعذر الجمع عُمد إلى الترجيح وفق أصوله المتبعة: فالمحكم قاضٍ على المتشابه، والقطعي قاضٍ على الظني، وإذا اجتمع ظني وظني فتدرس قوة الدليل من حيث السند ومن حيث العموم… فقويُّ السَّند يُرَجَّح على الأقل قوة، والخاص يرجح على العام، والمقيد على المطلق، والمنطوق على المفهوم …الخ كما هو مفصل في بابه.

ثالثاً: بدراسة الأدلة الشرعية يتبين بوضوح أن التدرج في تطبيق الإسلام، وذلك بتطبيق جزء وترك جزء آخر، لا يجوز… وأدلة ذلك قطعية الثبوت، قطعية الدلالة، نذكر بعضها:

1- قال تعالى:( وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ). فهذا أمر جازم من الله لرسوله، وللحكام المسلمين من بعده بوجوب الحكم بجميع ما أنزل الله من الأحكام، أمراً كانت أم نهياً، لأن لفظ (ما) الوارد في الآية هو من صِيَغ العموم، فتشمل جميع الأحكام المنـزلة. وقد نهى الله رسـوله، والحكام المسـلمين من بعده عن اتباع أهواء الناس، والانصياع لرغباتهم، حيث قال عز وجل: (وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ )…كمـا حـذر الله رسـوله، والحكام المسـلمـين من بعده، أن يفتنه الناس، وأن يصرفوه عن تطبيق بعض ما أنزل الله إليه من الأحكام، بل يجب عليه أن يطبق جميع الأحكام التي أنزلها الله عليه، أوامر كانت أم نواهي، دون أن يلتفت إلى ما يريده الناس. حيث قال سبحانه: (وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ).

2- وقال تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)، وفي آية ثانية قال تعالى: (فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، وفي آية ثالثة قال تعالى: (فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، فجـعل الله في هذه الآيات الثلاث مَن لم يحكم بجميع ما أنزل الله من أحكام، أوامر كانت أو نواهي، كافـراً إن كان منكراً لها ، وظـالماً وفاسـقـاً إن لم ينكرها ولكنه لم يحكم بها … وذلك لأن (ما) الواردة في الآيات الثلاث من صـيغ العموم، فتشمل جميع الأحكام الشرعية التي أنزلها الله، أوامر كانت أو نواهي.

3- وهذا ما كان عليه #الخلفاء_الراشدون في تطبيق أحكام الإسلام على البلاد المفتوحة وهم أعرف الناس بكتاب الله سبحانه وبكيفية تطبيق رسول الله صلى الله عليه وسلم للأحكام، فقد كان تطبيقهم للأحكام رضي الله عنهم دفعةً واحدةً، دون تأخير أو تسويف أو تدرج. فلم يكونوا يسمحون لمن دخل في الإسلام أن يشرب الخمر أو يزني سنة مثلاً ثم بعد ذلك يُمنع… بل كانت الأحكام تطبق كلها. وهذا متواتر مستفيض في تطبيق الأحكام على البلاد المفتوحة.

رابعاً: وعليه فإنه لا يؤثر أي دليل ظني في هذا الحكم، فتحريم التدرج، ووجوب تطبيق أحكام الإسلام، كل ذلك ثابت بالنص القطعي. وهذا يعني أن أي دليل ظني فيه شبهة الدلالة على النقيض من القطعي، فإن القطعي قاضٍ عليه، أي أن الظني يجب أن يُفهم بما لا يعارض القطعي، بمعنى آخر يُعمد إلى إعمال الدليلين بفهم الظني بما لا يتعارض مع القطعي إذا أمكن، وإلا عُمِد إلى #الترجيح أي الأخذ بالقطعي وردِّ الظني.

خامساً: والآن هل يمكن إعمال الدليلين، أي هل يمكن فهم الظني بما لا يتعارض مع القطعي في مسألة التدرج في تطبيق الأحكام؟ فلنستعرض الأدلة التي جاءت في السؤال:

1- حديث عائشة رضي الله عنها عن الخمر:

فقد روى البخاري في صحيحه عن يُوسُفَ بْنِ مَاهَكٍ، قَالَ: إِنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، إِذْ جَاءَهَا عِرَاقِيٌّ، فَقَالَ: أَيُّ الكَفَنِ خَيْرٌ؟ قَالَتْ: وَيْحَكَ، وَمَا يَضُرُّكَ؟ " قَالَ: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، أَرِينِي مُصْحَفَكِ؟ قَالَتْ: لِمَ؟ قَالَ: لَعَلِّي أُوَلِّفُ القُرْآنَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤَلَّفٍ، قَالَتْ: وَمَا يَضُرُّكَ أَيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ؟ “إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ، فِيهَا ذِكْرُ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الإِسْلاَمِ نَزَلَ الحَلاَلُ وَالحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ: لاَ تَشْرَبُوا الخَمْرَ، لَقَالُوا: لاَ نَدَعُ الخَمْرَ أَبَدًا، وَلَوْ نَزَلَ: لاَ تَزْنُوا، لَقَالُوا: لاَ نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا، لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ”، قَالَ: فَأَخْرَجَتْ لَهُ المُصْحَفَ، فَأَمْلَتْ عَلَيْهِ آيَ السُّوَرِ.

فأين الدلالة في قول عائشة رضي الله عنها على التدرج في تطبيق الأحكام الشرعية؟! إن عائشة رضي الله عنها بينت للعراقي السائل أن أول ما نزل من #القرآن هي السور التي تتحدث عن #العقيدة الإسلامية وذلك حتى يؤمن الناس بالإسلام، فلما آمنوا نزلت السور التي تتحدث عن الحلال والحرائم أي عن الأحكام الشرعية، وليس فيه أنه حصل تدرج في تطبيق الحلال والحرام بل هو على العكس من ذلك يدل على التطبيق الكامل للحلال والحرام… كل ما في الأمر أن الله سبحانه لم ينزل أحكام الحلال والحرام أول ما أنزل حتى يؤمن الناس أولاً بالإسلام، فلما آمنوا أنزل عليهم سبحانه آيات الأحكام فطبقوها… جاء في فتح الباري عند شرح هذا الحديث ما يلي: (قَوْلُهُ حَتَّى إِذَا ثَابَ بِالْمُثَلَّثَةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ رَجَعَ قَوْلُهُ نَزَلَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ أَشَارَتْ إِلَى الْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ فِي تَرْتِيبِ التَّنْزِيلِ وَأَنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ الدُّعَاءُ إِلَى التَّوْحِيدِ وَالتَّبْشِيرُ لِلْمُؤْمِنِ وَالْمُطِيعِ بِالْجَنَّةِ وَلِلْكَافِرِ وَالْعَاصِي بِالنَّارِ فَلَمَّا اطْمَأَنَّتِ النُّفُوسُ عَلَى ذَلِكَ أُنْزِلَتِ الْأَحْكَامُ…) انتهى.

فهذا الترتيب في نزول سور العقيدة أولاً ثم سور الأحكام يتفق مع حقائق الأمور، فإن الذين لا يؤمنون بالله ورسوله واليوم الآخر لن يستجيبوا لأمر الله سبحانه، لذلك كان لا بد من دعوتهم أولاً إلى الإيمان والتوحيد وبعد استجابتهم يكون تكليفهم بالأحكام… فما علاقة هذا بالتدرج في تطبيق أحكام الشرع على المسلمين في بلاد المسلمين؟!

2- موضوع تعطيل #حد_السرقة في زمن عمر رضي الله عنه:

إن عمر رضي الله عنه لم يقم بأي عمل من أعمال التدرج في تطبيق حد السرقة، فحد السرقة طبق مباشرة بعد نزوله زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثم بقي مطبقاً زمن أبي بكر وعمر وسائر الخلفاء… وأما ما فعله عمر رضي الله عنه فإنه طبق الحكم الشرعي كما ورد في الإسلام، أي لم يُعلق تطبيق الحكم، بل طبقه كما يجب أن يكون، فهناك حالات لا يجوز القطع فيها، ومن ضمنها حالة #المجاعة، فلا يجوز القطع فيها، وأذكر بعض الأدلة على عدم جواز القطع في عام المجاعة:

  • ذكر السرخسي في المبسوط قال رُوِيَ عَنْ مَكْحُولٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا قَطْعَ فِي مَجَاعَةِ مُضْطَرٍّ».

  • وجاء في المبسوط أيضاً للسرخسي عَنْ الْحَسَنِ عَنْ رَجُلٍ قَالَ: رَأَيْت رَجُلَيْنِ مَكْتُوفَيْنِ وَلَحْمًا فَذَهَبْت مَعَهُمْ إلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ صَاحِبُ اللَّحْمِ كَانَتْ لَنَا نَاقَةٌ عُشَرَاءُ نَنْتَظِرُهَا، كَمَا يُنْتَظَرُ الرَّبِيعُ فَوَجَدْت هَذَيْنِ قَدْ اجْتَزَرَاهَا فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: “هَلْ يُرْضِيك مِنْ نَاقَتِك نَاقَتَانِ عُشَرَاوَانِ مُرْبِعَتَانِ؟ فَإِنَّا لَا نَقْطَعُ فِي الْعِذْقِ، وَلَا فِي عَامِ السَّنَةِ”. وَالْعُشَرَاءُ هِيَ الْحَامِلُ الَّتِي أَتَى عَلَيْهَا عَشْرَةُ أَشْهُرٍ وَقَرُبَ وِلَادَتُهَا فَهِيَ أَعَزُّ مَا يَكُونُ عِنْدَ أَهْلِهَا يَنْتَظِرُونَ الْخِصْبَ وَالسَّعَةَ بِلَبَنِهَا، كَمَا يَنْتَظِرُونَ الرَّبِيعَ. وَقَوْلُهُ: فَإِنَّا لَا نَقْطَعُ فِي الْعِذْقِ مِنْهُمْ مَنْ يَرْوِي فِي الْعِرْقِ، وَهُوَ اللَّحْمُ وَالْأَشْهَرُ الْعِذْق، وَمَعْنَاهُ لَا قَطْعَ فِي عَامِ السَّنَةِ لِلضَّرُورَةِ وَالْمَخْمَصَةِ. أي #الجوع والمجاعة.

  • وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن مَعْمَرٍ، قَالَ: قَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: “لَا يُقْطَعُ فِي عِذْقٍ، وَلَا فِي عَامِ سَنَةٍ”.

وعليه فإن عدم إيقاع حد السرقة في عام الرمادة “أي عام المجاعة” مرجعه إلى الحكم الشرعي في عدم إيقاع حد السرقة في عام المجاعة… أي أن عمر رضي الله عنه لم يزد عن أن عمل بالحكم الشرعي في عدم إيقاع حد السرقة على من سرق في عام المجاعة… لأن هذا هو الحكم الشرعي في هذه الحالة…

فأين هذا من التدرج في تطبيق الأحكام الشرعية؟!

3- قصة عمر بن عبد العزيز مع ابنه:

من المعلوم أن #الدولة_الأموية كانت دولة خلافة إسلامية وكان لا يطبق فيها شيء غير الإسلام ولكن حصلت فيها مخالفات ومظالم من قبل بعض الخلفاء والولاة، فلما ولي عمر بن عبد العزيز الأمر واصل #تطبيق_الإسلام على الناس تماماً على وجهه، ولم يقم بالتدرج في تطبيق الأحكام الشرعية على الناس مطلقاً بحيث يطبق أحكاماً إسلامية ويترك أخرى… ولكنه رضي الله عنه حرص على رفع المظالم ورد الحقوق إلى أصحابها، وهذه كانت تتعلق بالخلفاء قبله من بني أمية، وتحتاج تحقيقاً وتمحيصاً وجهداً كبيراً، فبعض الملكيات التي استولى عليها بعض أعوان الخلفاء قد مرت عليها أيدٍ كثيرة، وبعض الأموال قد أُنفقت أو أصبحت أعياناً أخرى من تجارة وبيع وشراء وهناك من أصحاب الحقوق من توفي أو سعى في جنبات الأرض… وكل ذلك يحتاج إلى جهد ومشقة من التمحيص والتحقيق وضبط الأمور… وكان يرى عمر رضي الله عنه أن يلجئ أبناء الخلفاء وأعوانهم وأمثالهم أن يعيدوا تلك المظالم دون مشاكل أو إزعاج… وهكذا بدأ بطلبها منهم لينهي المظالم ويضع الحقوق في مواضعها، وهذا لا شك يتطلب وقتاً وجهداً… ولما دخل عليه عبد الملك ورأى أباه يعالج هذه المعضلة فاندفع بهمة الشباب قائلاً لأبيه أن ينهي هذا الأمر بسرعة ومن ثم كان جواب عمر له كما ورد في مصادر هذه المسألة… وليس فيها بحال من الأحوال شيء من التدرج، بل تطبيق للحكم على وجهه بعد أن يأخذ التحقيق والتمحيص في معرفة هذه المظالم، يأخذ كل ذلك حقه، وحتى نتبين ذلك فسنذكر هذه المسألة من مصادرها.

ومن الجدير ذكره أن الروايات التاريخية والحكايات (بصيغة يحكى أن…) يمكن أن ينظر فيها إن لم تكن هناك أحاديث واردة في الموضوع، فإن كانت، فعندها يؤخذ بهذه الأحاديث… أقول هذا لأنك أوردت في السؤال #روايات_تاريخية وحكايات عن قصة عبد الملك مع عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يرد فيها موضوع الخمرة في حين إن الرواية في الأحاديث عن قصة عمر مع ابنه ليس فيها موضوع الخمر، وعليه فيؤخذ بما ورد في الحديث وتترك تلك الروايات التاريخية والحكايات…

وفيما يلي بعض الأحاديث التي تروي قصة عمر بن عبد العزيز مع ابنه عبد الملك:

  • حلية #الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني (المتوفى: 430هـ):

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَذَّاءُ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثنا مَنْصُورٌ، ثَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنِي مُحَدِّثٌ، أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، دَخَلَ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً فَأَخْلِنِي - وَعِنْدَهُ [ص:283] مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ - فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَسَرٌّ دُونَ عَمِّكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَامَ مَسْلَمَةُ وَخَرَجَ، وَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا أَنْتَ قَائِلٌ لِرَبِّكَ غَدًا إِذَا سَأَلَكَ فَقَالَ: رَأَيْتَ بِدْعَةً فَلَمْ تُمِتْهَا أَوْ سُنَّةً لَمْ تُحْيِهَا؟ فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ أَشَيْءٌ حَمَّلَتْكَهُ الرَّعِيَّةُ إِلَيَّ أَمْ رَأْيٌ رَأَيْتَهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِكَ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ وَلَكِنْ رَأْيٌ رَأَيْتُهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِي، وَعَرَفْتُ أَنَّكَ مَسْئُولٌ فَمَا أَنْتَ قَائِلٌ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: رَحِمَكَ اللهُ وَجَزَاكَ مِنْ وَلَدٍ خَيْرًا، فَوَاللهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنَ الْأَعْوَانِ عَلَى الْخَيْرِ، يَا بُنَيَّ إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ شَدُوا هَذَا الْأَمْرَ عُقْدَةً عُقْدَةً، وَعُرْوَةً عُرْوَةً، وَمَتَى مَا أُرِيدُ مُكَابَرَتَهُمْ عَلَى انْتِزَاعِ مَا فِي أَيْدِيهِمْ لَمْ آمَنْ أَنْ يَفْتِقُوا عَلَيَّ فَتْقًا تَكْثُرُ فِيهِ الدِّمَاءِ، وَاللهِ لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ أَنْ يُهَرَاقَ فِي سَبَبِي مِحْجَمَةٌ مِنْ دَمٍ، أَوَمَا تَرْضَى أَنْ لَا يَأْتِيَ عَلَى أَبِيكَ يَوْمٌ مِنَ أَيَّامِ الدُّنْيَا إِلَّا وَهُوَ يُمِيتُ فِيهِ بِدْعَةً وَيُحْيى فِيهِ سُنَّةً حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ؟

  • حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني (المتوفى: 430هـ):

(حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ كَيْسَانَ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِأَبِيهِ عُمَرَ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُنْفِذَ لِرَأْيِكَ فِي هَذَا الْأَمْرِ، فَوَاللهِ مَا كُنْتُ أُبَالِي أَنْ تَغْلِي بِي وَبِكَ الْقُدُورُ فِي إِنْفَاذِ هَذَا الْأَمْرِ، فَقَالَ عُمَرُ: «إِنِّي أَرُوضُ النَّاسَ رِيَاضَةَ الصَّعْبِ، فَإِنْ أَبْقَانِي اللهُ مَضَيْتُ لِرَأْيِي، وَإِنْ عُجِّلَتْ عَلَيَّ مَنِيَّةٌ فَقَدْ عَلِمَ اللهُ نِيَّتِي، إِنِّي أَخَافُ إِنْ بَادَهْتُ النَّاسَ بِالَّتِي تَقُولُ أَنْ يُلْجِئُونِي إِلَى السَّيْفِ، وَلَا خَيْرَ فِي خَيْرٍ لَا يَجِيءُ إِلَّا بِالسَّيْفِ»)انتهى

  • #الأمر_بالمعروف و #النهي_عن_المنكر للخلال لأبي بكر أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد الخَلَّال البغدادي الحنبلي (المتوفى: 311هـ):

(أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ الْمَيْمُونِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ فُرَاتِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ لِأَبِيهِ: يَا أَبَتِ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَمْضِيَ لِمَا تُرِيدُهُ مِنَ الْعَدْلِ؟ فَوَاللَّهِ مَا كُنْتُ أُبَالِي لَوْ غَلَتْ بِي وَبِكَ الْقُدُورُ فِي ذَلِكَ، قَالَ: «يَا بُنَيَّ، إِنِّي إِنَّمَا أُرَوِّضُ النَّاسَ رِيَاضَةَ الصَّعْبِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُحْيِيَ الْأَمْرَ مِنَ الْعَدْلِ، فَأُؤَخِّرُ ذَلِكَ حَتَّى أُخْرِجَ مَعَهُ طَمَعًا مِنْ طَمَعِ الدُّنْيَا، فَيَنْفِرُوا مِنْ هَذِهِ، وَيَسْكُنُوا لِهَذِهِ»)

وواضح من هذه الأحاديث أن الأمر غير متعلق بتطبيق الإسلام على الناس والتدرج فيه بل هو متعلق فقط بإعادة الحقوق إلى أصحابها ورفع المظالم التي كانت في عهد الخلفاء الذين سبقوا عمر بن عبد العزيز… فأين هذا من التدرج في تطبيق أحكام الإسلام بحيث يخلط الإسلام مع الكفر؟!

وهكذا فيسقط الاستدلال بقصة عمر بن عبد العزيز وابنه في موضوع التدرج.

4- أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم حول وفد ثقيف:

أ- عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْزَلَهُمُ الْمَسْجِدَ لِيَكُونَ أَرَقَّ لِقُلُوبِهِمْ، فَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ لَا يُحْشَرُوا، وَلَا يُعْشَرُوا، وَلَا يُجَبَّوْا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَكُمْ أَنْ لَا تُحْشَرُوا، وَلَا تُعْشَرُوا، وَلَا خَيْرَ فِي دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ» هذا اللفظ لأبي داود. لا يجبّوا من التجبية أي الركوع وقد أطلقت مجازاً عن الصلاة.

ب- وفي رواية أخرى عند أبي داود أيضاً عَنْ وَهْبٍ، قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ شَأْنِ ثَقِيفٍ إِذْ بَايَعَتْ؟ قَالَ: اشْتَرَطَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهَا، وَلَا جِهَادَ، وَأَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: «سَيَتَصَدَّقُونَ، وَيُجَاهِدُونَ إِذَا أَسْلَمُوا».

? الحديث الأول عن عثمان بن أبي العاص يؤخذ به وإن كان المنذري قد قال عنه (وقد قيل إن الحسن البصري لم يسمع من عثمان بن أبي العاص) لكن القول هنا بصيغة المجهول، لذلك يمكن الاحتجاج به. والحديث الثاني عن وهب حديث صحيح.

  • لا يصح أن يُفهَم من الحديثين جواز التدرج بتطبيق جزء من الأحكام وترك جزء لأن الأدلة القطعية ثابتة على تحريم التدرج في تطبيق الأحكام.:

  • وإذن إما أن يُفهم الحديثان بما لا يتعارض مع الأدلة القطعية أي يعمل بالدليلين: القطعي والدليل الظني، وإما أن يعمل بالدليل القطعي ويرد الظني إذا لم يمكن إعمال الدليلين. أي يُعمد إلى الجمع بين الأدلة إن أمكن أو يُعمد إلى الترجيح، ومعلوم أن القطعي قاضٍ على الظني.

  • في حديث عثمان بن أبي العاص، قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من وفد ثقيف أن (لا تحشروا ولا تعشروا ولا يستعمل عليكم غيركم) ولكن لم يقبل منهم ترك الصلاة. أما عدم استعمال غيرهم عليهم أي أن يكون الوالي على ولايتهم من أهل الولاية، فلا شيء فيه، وهذا جائز في البداية إن وجد الكفؤ من بينهم، لكن ما معنى (أن لا تحشروا ولا تعشروا)؟ قال في اللسان عن معنى لا يحشرون: (أي لا يندبون للمغازي ولا تضرب عليهم البعوث … وقيل لا يحشرون إلى عامل الزكاة ليأخذ صدقة أموالهم). وجاء في اللسان كذلك عن معنى لا يعشرون: (أي لا يؤخذ عشر أموالهم وقيل أرادوا به الصدقة الواجبة). ولذلك فإنه يمكن فهم هذا الحديث بأن يؤخذ معنى (أن لا يحشروا) أي أن لا يحشروا إلى عامل الزكاة فيدفعوا زكاتهم عنده بل في أماكنهم أي أنه هو يأتيهم إلى أماكنهم ويأخذ زكاتهم، وهذا هو أحد معاني (يحشرون). وأن يؤخذ معنى (أن لا يعشروا) أي لا يؤخذ عشر أموالهم، وهذا المعنى هو أحد معاني (يعشروا).

وهكذا يكون ما اشترطوه ووافقهم الرسول صلى الله عليه وسلم عليه هو أن يدفعوا زكاة مالهم في أماكنهم، وأن لا يؤخذ منهم العشر بل #الزكاة فقط. ويجوز لمن يريد الإسلام أن يشترط دفع زكاته في مكانه، وأن لا يؤخذ منه عشر بل زكاة فقط. وهذا جائز ولا شيء فيه. وبذلك يتم الجمع بين الحديث والأدلة القطعية.

غير أن الرواية الثانية لأبي داوود من طريق وهب: قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ شَأْنِ ثَقِيفٍ إِذْ بَايَعَتْ؟ قَالَ: اشْتَرَطَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهَا، وَلَا جِهَادَ، وَأَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: «سَيَتَصَدَّقُونَ، وَيُجَاهِدُونَ إِذَا أَسْلَمُوا». مما يرجح أن معنى لا يحشرون أي لا يندبون للمغازي أي (لا يجاهدون)، ومعنى لا يعشرون أي لا يُزكُّون. وفي هذه الحالة يكون الحديث خاصاً بوفد ثقيف، وأن قبول عدم جهادهم وعدم زكاتهم هو نص خاص فيهم لا يتعداهم لغيرهم، لأن الحكم الخاص لا يتعدى صاحبه. والحكم الخاص يحتاج إلى #قرينة لخصوصيته حتى لا يتعداه، والقرينة هنا هي إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بأنهم إن أسلموا فسيتصدقون ويجاهدون، ويكون شرطهم لا واقع له، وعِلْم الغيب لا يتأتى لغير الرسول صلى الله عليه وسلم، فهي قرينة على أن هذا الحكم خاص. والأحكام الخاصة واردة فمثلاً: شهادة خزيمة التي اعتبرها الرسول صلى الله عليه وسلم له بشهادة رجلين فهي خاصة به ولا تتعداه إلى غيره، وكذلك أضحية أبي بردة بجذعة من المعز أي التي بلغت ستة شهور فهي خاصة به لا تتعداه إلى غيره، لأن الأضحية من المعز تجب ببلوغها السنة.

وهكذا يعمل بالدليلين: يحرم التدرج في تطبيق الأحكام، وذلك وفق الأدلة القطعية، وتدرُّج #الجهاد والزكاة خاص بوفد ثقيف لعلم الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم إن أسلموا سيجاهدون ويزكون.

سادساً: الخلاصة:

? يَحْرُم التدرج بتطبيق جزء من الأحكام وترك آخر للأدلة القطعية في ذلك.

? حديث عائشة ليس فيه شيء عن التدرج في تطبيق الأحكام الشرعية بل هو يتحدث فقط عن أن العقيدة سبقت الأحكام في سور القرآن المنزلة.

? عمر بن الخطاب لم يعلق حد السرقة ولم يتدرج في تطبيقه بل عمل وفق الحكم الشرعي بعدم إيقاع حد السرقة على من سرق في مجاعة.

? عمر بن عبد العزيز لم يتدرج في تطبيق أحكام الشرع لأن ما كان مطبقاً في الدولة الأموية هو الشرع فقط ولم يكن في الدولة أية أحكام أخرى من غير الإسلام، وما روي عنه متعلق برفع المظالم ورد الحقوق إلى أصحابها…

? حديث أبي داوود بروايتيه حيث لم يوافقهم الرسول صلى الله عليه وسلم على ترك الصلاة، وقبل اشتراطهم عدم الجهاد والزكاة، هو حكم خاص بذلك الوفد لأن الرسول صلى الله عليه وسلم علم بالوحي أن شرطهم لن يكون له واقع فهم عندما يسلمون سيجاهدون ويزكون. أي أن الحديثين لا يُردَّان بل يُجمع بينهما وبين الأدلة القطعية الدالة على تحريم التدرج بتطبيق جزء وترك جزء من الأحكام، وذلك على النحو الذي بيناه.

? وهكذا فإن دراسة جميع الأدلة التي يوردها دعاة التدرج في تطبيق الشرع تبين أنها لا تدل على التدرج بل على أمور أخرى لا علاقة لها بالتدرج أو تكون أدلة خاصة في حالة خاصة… وهي لا يمكن أن تعارض الأدلة القطعية الدالة على حرمة التدرج في تطبيق الشرع كما هو مفصل في الأعلى…

ولذلك فليس للقائلين بالتدرج أي دليل أو شبهة دليل تجيز الحكم بجزء من الإسلام والحكم بجزء من الكفر، فهذا أمر كبير، ومنكر عظيم يخالف الأدلة القطعية في وجوب الحكم بكل ما جاء في الإسلام من أحكام، والحمد لله رب العالمين.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

19 من رمضان 1437هـ الموافق 24/06/2016م

منقول

تصريح سلطان بروناي نيته تطبيق الشريعة

السؤال : وردت بعض الأخبار على الفيسبوك أن سلطان بروناي صرح عن نيته تطبيق الشريعة وأنه يعمل تغييرات في الدستور لهذا الغرض… فما هو واقع ذلك الأمر؟ .

ألجواب :

نعم، ورد مثل ما قلت في السؤال، ولكن تطبيق أحكام الإسلام، ليس إقامة حدود جامدة، بل يجب أن يكون تطبيقاً صحيحاً من دولة تتبنى الإسلام كاملاً نظاما للحياة والدولة والمجتمع، فتطبق الإسلام في الداخل، وتحمله للعالم بالدعوة والجهاد، وأن يكون أمنها وأمانها بسلطان المسلمين، وخالية من نفوذ الكفار المستعمرين.

وبروناي تفتقد إلى ذلك حتى الحدود التي ورد أنها ستطبقها قالت هي على المسلمين ولا تشمل غير المسلمين في أراضيها! ومعلوم أن بروناي مفتوحة للأجانب الكفار بشكل قوي… ثم إن أمنها وأمانها ليس بسلطانها بل بسلطان الغرب وبخاصة بريطانيا… ولذلك فالأمر ليس أكثر من تنفيس مشاعر المسلمين هناك…

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

12 من جمادى الآخر 1435هـ ألموافق 2014-04-12م

منقول

نية الحربي الإقامة في دار الإسلام

السؤال: بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، شيخنا الجليل أرجو منكم توضيح هذا الأمر، وجزاكم الله كل خير. جاء في كتاب النظام الاقتصادي، الصفحة 302: “وإعطاء الحربي الأمان لنفسه يعتبر إعطاء للأمان لماله، فإن نوى الحربي الإقامة في البلاد، وأقام ثم أراد الرجوع إلى دار الحرب… لأن خروجه لدار الحرب مع بقاء نيته الإقامة في دار الإسلام أشبه بالذمي إذا دخل دار الحرب، فيأخذ حكم الذمي…” والسؤال: حسب فهمي، كيف للدولة أن تعرف النية مع اعتبار أن النية واقع غير ملموس، وإذا كان الحال هو أن يفيد الحربي بقراره في البقاء بدار الإسلام لدى مصالح الدولة فيكون الحال أنه قرار قام بتضمينه وليس مجرد نية، وعليه أتصور أن يكون الوصف والتسمية هي (بناء على قراره وليست نيته). وعذرا على الإطالة والسلام.

ألجواب :

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

إن النص الذي تسأل عنه في كتاب النظام الاقتصادي بتمامه هو:

“وإعطاء الحربي الأمان لنفسه يعتبر إعطاء للأمان لماله. فإن نوى الحربي الإقامة في البلاد، وأقام، ثمّ أراد الرجوع إلى دار الحرب، وأودع ماله مسلماً، أو ذمياً، أو أقرضهما إياه، فإنّه ينظر، فإن عاد إلى دار الحرب لغرض من الأغراض، أو عاد تاجراً، أو رسولاً، أو متنزهاً، أو لحاجة يقضيها، ثمّ يعود إلى دار الإسلام، فإنّه يبقى أمانه على ماله ونفسه؛ لأنّ خروجه لدار الحرب مع بقاء نيته الإقامة في دار الإسلام أشبه الذميّ إذا دخل دار الحرب، فيأخذ حكم الذميّ، ولا يبطل الأمان خروجه لدار الحرب ما دامت نيته العودة إلى دار الإسلام. أما إن عاد إلى دار الحرب مستوطناً بطل الأمان في نفسه مطلقاً، فلو أراد الدخول مرة ثانية يحتاج إلى أمان جديد.” انتهى.

ليس المقصود بالنية في هذا السياق ما محله القلب كما هو الأمر في العبادات، بل المقصود حصول الإرادة والقرار، أي إذا قرر الكافر الحربي الإقامة في دار الإسلام… واستعمال لفظ “نوى” و “نية” بمعنى الإرادة والقرار شائع في كتب الفقه الإسلامي، ومع ذلك فإن النص لم يكتف بلفظ “نوى” بل أضاف إليه لفظ “الإقامة” فقال: “فإن نوى الحربي الإقامة في البلاد، وأقام،”، أي قرر الإقامة وحصلت إقامة منه بالفعل…

وهناك نكتة لطيفة في ذكر “نوى … وأقام” وهي أن يكون قصده الإقامة الفعلية، وليس شيئاً آخر… وهذه من مهمات الدائرة ذات العلاقة للاستيثاق منها…

وسيكون في دولة الخلافة بإذن الله قانون ينظم إقامة غير المسلمين وغير حاملي التابعية الإسلامية إذا دخلوا أراضي الدولة… وسيكون من ضمن هذا القانون إجراءات إدارية في دوائر الدولة يقوم بها من يريد الإقامة في دار الإسلام…

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

23 من شعبان 1436هـ / 10/06/2015م

منقول

حول استعمال لفظ وزير و وزارة في الدولة الإسلامية

**السؤال:

السلام عليكم، هل يجوز استعمال لفظ وزير في الدولة الإسلامية مع أن هذا اللفظ له واقع في النظام الرأسمالي؟**

**الجواب:**وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

إن هناك تبايناً بين مفهوم الوزير والوزارة في الإسلام، وبين مفهومها في النظام (الديمقراطي). ولما كان المعنى الذي تعنيه (الديمقراطية) للوزير والوزارة هو المعنى الطاغي على الناس، وإذا أطلق لا ينصرف إلا إلى المعنى (الديمقراطي)؛ لذلك، ودفعاً للالتباس، ولتعيين المعنى الشرعي بالذات دون غيره، لا يصح أن يطلق على المعاون للخليفة لفظ وزير ووزارة مطلقاً من غير تقييد، بل يطلق عليه لفظ معاون وهو معناه الحقيقي، أو يوضع قيد مع لفظ وزير أو وزارة يصرف المعنى (الديمقراطي)، ويعين المعنى الإسلامي وحده كأن يقال وزير تفويض…

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

27 من ذي الحجة 1434هـ ألموافق2013-11-01

منقول

جواب سؤال ألواثق بنصر الله

** حول استخدام الخلفاء الراشدين راية العقاب واللواء**

**السؤال:السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

هل ورد أن الخلفاء الراشدين رفعوا راية العقاب واللواء؟ وهل ورد هذا في الأثر؟ وبارك الله فيكم.**

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

نعم يا أخي كان الخلفاء الراشدون يستعملون راية العقاب واللواء، أما الأدلة على ذلك فهي ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن رايته كانت العقاب ولواءه كان أبيض، ومن هذه الأدلة:

1- أخرج النسائي في سننه الكبرى، والترمذي عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «دَخَلَ مَكَّةَ وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضُ». وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عَنْ عَمْرَةَ قَالَتْ: «كَانَ لِوَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْيَضَ».

2- أخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي في سننه الكبرى عن يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ مَوْلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: بَعَثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ إِلَى الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ يَسْأَلُهُ عَنْ رَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاهى؟ فَقَالَ: «كَانَتْ سَوْدَاءَ مُرَبَّعَةً مِنْ نَمِرَةٍ».

3- أخرج الترمذي وابن ماجه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَتْ رَايَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَوْدَاءَ، وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضَ».

4- أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه: عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «كَانَتْ رَايَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَوْدَاءَ تُسَمَّى الْعُقَابَ».

ويكفي هذا دليلاً بأن يكون الخلفاء الراشدون قد اقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم بالراية واللواء، فهم كانوا لا يتركون أمراً أعلنه الرسول صلى الله عليه وسلم بينهم إلا ويفعلونه، ولا داعي لمزيد بحث عن الراية واللواء في عهد الخلفاء الراشدين، وذلك لأمرين:

الأول: أن الحكم الشرعي يؤخذ من الرسول صلى الله عليه وسلم.

الثاني: أن الخلفاء الراشدين لا يتركون أمراً مشهوداً فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم كالراية واللواء.

51 رجب 1434هـ ألموافق 25 أيار/مايو 2013 م

منقول

دوافع الصراع بين الدول

**السؤال:‏

بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. ورد في كتاب مفاهيم سياسية في موضوع “دوافع ‏الصراع بين الدول” صفحة 54 الفقرة الأولى السطر الأول "لا يخرج الصراع الدولي منذ فجر التاريخ وحتى ‏قيام الساعة عن أحد دافعين: إما حب السيادة والفخر، وإما الركض وراء المنافع المادية، ثم في الصفحة نفسها في ‏الفقرة ما قبل الأخيرة السطر 15 ورد “وأخطر دوافع الصراع بين الدول هو دافع الاستعمار بجميع أشكاله”. ‏السؤال: في الفقرة الأولى تم تحديد وحصر دوافع الصراع بين الدول بدافعين اثنين فقط لا غير ولا ثالث لهما ‏وذلك عندما قال “لا يخرج الصراع الدولي… عن أحد دافعين”، ولكن في الفقرة الثانية ذُكر دافع ثالث لم يرد ‏ذكره في الفقرة الأولى ألا وهو “الاستعمار”. والسؤال بطريقة أخرى: هل دوافع الصراع الدولي اثنان أم ثلاثة؟ ‏لأن القارئ للفقرتين يلاحظ تناقضاً واختلافاً بينهما، إذ كيف يمكن التوفيق بينهما؟ لأنه لو كانت دوافع الصراع ‏الدولي اثنين فلماذا ذُكر دافع ثالث جديد وهو الاستعمار؟**

ألجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

لا يوجد تناقض بين ما جاء في كتاب مفاهيم سياسية صفحة 54 في مطلعها من أن دوافع الصراع الدولي ‏محصورة بدافعين اثنين هما دافع حب السيادة والفخر ودافع الركض وراء المنافع المادية، وما جاء في الصفحة ‏نفسها بعد ذلك من أن دافع الاستعمار بجميع أشكاله من أخطر دوافع صراع الدول، وذلك لأن دافع الاستعمار ‏مندرج تحت دافع الركض وراء المنافع المادية، لأن الاستعمار هو طريقة المبدأ الرأسمالي في تحصيل المنافع ‏بمقياسهم الذي هو “النفعية”، وهذا يعني أن الاستعمار راجع إلى دافع أسبق منه وهو دافع الركض وراء المنافع ‏المادية، وليس هو دافعاً جديداً غير الدافعين المذكورين في مطلع الصفحة، ولو دققت النظر لوجدت أنه ذكر أمراً ‏آخر قد يُظن أنه دافع آخر… ولكن النص أرجعه إلى دافع حب السيادة والفخر، فقد جاء في الصفحة ذاتها ما يلي:‏

‏(أما دافع الحد من نمو قوة دولة أخرى، كما حصل مع الدول ضد نابليون، وكما حصل مع الدول ضد ‏الدولة الإسلامية، وكما حصل مع الدول ضد ألمانيا النازية، فإنه يدخل في حب السيادة؛ لأنه وقوف في وجه ‏سيادة الغير.) انتهى.‏

فكما لم يعدّ دافع الحد من نمو قوة دولة أخرى دافعاً خارجاً عن الدافعين المذكورين، فكذلك الاستعمار لا يعد دافعاً خارجاً عن الدافعين المذكورين، لأن هذين الدافعين هما دافعان رئيسيان يندرج ‏تحتهما أمور أخرى ذات علاقة.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

17 من محرم 1436 ألموافق2014/11/10م

منقول