أسس النهضة الراشدة

ألرّوح وَألناحِيَةُ ألْروحِيَّة

منذ قرون بعيدة، وقبل ظهور الإسلام، وحتى قبل المسيحية، سادت لدى بعض الشعوب فكرة عن الوجود، مؤداها أن هذا الوجود إنما هو مكون من عنصرين اثنين : المادة والروح. فما يراه الإنسان حوله من الأشياء المحسوسة إنما هو الجانب المادي من الوجود. وأما الجانب الآخر المغيب عن الإنسان عادة فهو الروح أو العالم الروحاني. ويرون أن الجوهر في الوجود هو “روحه”، وأن مادته ليست إلا عَرَضاً له. ضمن هذه الفلسفة تعددت الأفهام في تحديد العوالم الروحانية، بين من يطلق عبارة الروح على خالق الوجود سبحانه، ومن يدرج ضمنها الملائكة أو الجن أو غير ذلك من “الأرواح”.

المهم في تلك الفلسفة نظرتها إلى الإنسان. فهي النظرة ذاتها، أي تصوير الإنسان مكوناً من عنصرين اثنين : المادة - وهي الجسد- والروح. ولقد ساد لدى هؤلاء اعتقاد مفاده أن هذين العنصرين هما في صراع دائم ناتج عن تناقضهما وتنافرهما. وهذا الصراع بين الجسد والروح سيسفر لدى كل إنسان عن أحد أمرين؛ إما أن تتغلب الروح على الجسد، وإما أن يتغلب الجسد على الروح. فإن انتصرت الروح على الجسد فقد وُجد الإنسان الخيّر الطيب والنقي التقي الذي يسمو فوق عالم الجسد والمادة ونتن الحياة الدنيا. أما إن انتصر الجسد على الروح، فهذا يعني أننا إزاء إنسان شرير انحط إلى مستوى البهيمة وغرق في أوحال الدنيا ونتنها، وبعد عن عالم الأرواح السامية.

أما كيف تنتصر الروح على الجسد، وكيف ينتصر الجسد على الروح ؟ فإن الإنسان - في نظر هؤلاء - هو عبارة عن روح يأسرها الجسد ويمنعها من الارتقاء والتحرر والسمو إلى عالم الأرواح العليا. فحتى تنتصر الروح على الجسد لا بد من إضعافه وقهره وإذلاله حتى لا يقوى على الروح، وحتى تستطيع التفلت منه والتحرر من قيوده. لذلك، فإن على من يريد الارتقاء بروحه أن يقضي حياته في معركة ضد جسده، بأن لا يستجيب لرغباته وشهواته، فيبتعد عن متاع الحياة الدنيا وزخرفها ونعيمها، فلا يأكل إلا ما يقيم صلبه من مر الطعام وزهيده، ولا يلبس نواعم الثياب، وإنما يضع على كاهليه رقاع “الصوف” الخشن والثياب الرثة، ولا يركب الدوابّ الذلول وإنما يسيح في الأرض حافي القدمين حاسر الرأس في نوائب الأيام وعواتي الليالي، ولا يسكن البيوت الفارهة وإنما الدور الوضيعة والأكواخ الزرية، ولا ينام على الفرش ولا يتكئ على الأرائك وإنما يفترش الأرض والبسط اليابسة، ويهجر الرجل المرأة والمرأة تهجره، ويكبتان شهوة النوع، ويعيش حياة الرهبان، ويقضي أوقاته في قهر الجسد وإذلاله في الزوايا والتكايا ودور العبادة… وهكذا إلى أن يصل ضعف الجسد حداً لا يقوى معه على أسر الروح، فتنفلت منه وتسمو إلى عالم الأرواح العلوي وتتكشف الحقائق والقضايا أمام ذلك الإنسان جلية واضحة، ليس عن طريق الحواس الجسدية من بصر وسمع وغير ذلك، وإنما عن طريق الكشف “الوجداني”. وهكذا تتدرج تلك الروح في الارتقاء إلى أن تصل- في زعم هؤلاء - إلى الاتحاد بالروح العليا أي بالذات الإلهية تعالى الله عن ذلك.

أما الإنسان الذي يستجيب لأهواء جسده، ويشبع رغباته وشهواته، وينال متع الحياة الدنيا ويأكل من طيبات ثمرها ويأخذ من زينتها، فقد حكم على روحه بالموت والفناء مع ذلك الجسد، وغرق في أوحال الدنيا ومادتها وأصبح في عداد الأشرار الفاسقين.

هذه الفلسفة التي سادت وصاغت نمط العيش في المجتمع الهندي والمجتمع الصيني منذ قديم العصور ولا زالت إلى اليوم تلقي بظلالها على تلك المجتمعات، والتي تسللت إلى أذهان بعض الفلاسفة اليونان وكتبهم وآرائهم، كان لها تأثير عظيم في انحراف العقيدة النصرانية وتعاليمها، وبالتالي كان لها أثر عظيم في مجتمعات أوربّا في العصور الوسطى. ذلك أن الديانة النصرانية حين انتشرت في بلاد الشام وبعدها في أنحاء الإمبراطورية الرومانية، أي في البلاد الأوربّية، تأثر أتباعها من قساوسة وأحبار بالفلسفات التي تشعبت أفكارها وأوهامها وغزت أذهان الناس وشوشتها، فانقلبت تلك الديانة السماوية بعد تدخل القياصرة والحكام والفلاسفة، ديانة أخرى جديدة. فكان مما دخل فيها، تلك الفلسفة عن الروح والجسد، وقد صادفت لدى النصارى تناغماً مع العقيدة التي تقول إن الحياة كلها منذ نزول آدم وحواء إلى الأرض وحتى يوم القيامة إنما هي مرحلة عقاب على الخطيئة الأولى التي ارتكبها آدم عليه السلام وزوجه حواء، لذلك فإنه لا يحق للإنسان أن يبحث عن الاستقرار والهناء والرفاهة في الدنيا، وإنما عليه أن يقنع بالذلة والشقاء والعذاب في الدنيا إلى أن يلقى السعادة والنعيم في الحياة الآخرة، “فكانوا لذلك يرون في كل لذة من ملذات الحواس غواية من غوايات الشيطان، ولهذا أخذوا ينددون بعالم الجسم ويعملون لكبت الشهوات بالصوم وبكثير من أنواع التعذيب البدني”(1 ).

وهكذا ومع انتشار النصرانية في البلاد الأوربيّة أخذت تلك الفلسفة تنعكس على الحياة والمجتمع والسياسة، فكان أن نشأ إلى جانب السلطة السياسية التي يعلوها الملك ويليه الأمراء والإقطاعيون، سلطة جديدة هي سلطة الكنيسة التي يترأسها الحبر الأعظم (البابا) في روما حيث “الكرسي الرسولي”. وهكذا تنازعت المجتمع سلطتان: السطلة الزمنية و السلطة الروحية، وجاءت عبارة الزمنية هنا كمرادف لعبارة المادية، وبما أن المادة والروح هما في صراع دائم حتى تتغلب إحداهما على الأخرى، فقد كان من الطبيعي أن ينشب الصراع في أوربّا فيما بين السلطتين الزمنية والروحية.

وهكذا، إن أغفلت هذه الناحية الجوهرية في الإنسان، ووضع على طريق الإشباع المادي البعيد عن إدراك الصلة بالله تعالى - أي بعيداً عن الروحانية - فإنه سيبقى قلقاً مضطرباً حائراً تعيساً نكداً ينشد السعادة فلا يجدها، كمن يركض وراء السراب.

لنتأمل الآن قوله تعالى عن هؤلاء : { والذين كفروا أعمالهم كسراب بِقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفّاه حسابه والله سريع الحساب * أو كظلمات في بحر لجيّ يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور }(1 ).

من هنا كان تصوير الإسلام للسعادة هو التصوير الصحيح، وكان طريقه هو المؤدي إلى سعادة الإنسان. ذلك أنه وافق فطرة الإنسان فأشبع غريزة التدين إشباعاً صحيحاً حين عرّف الإنسان بخالقه سبحانه وأقام له الصلة الصحيحة معه بما بيّن من عقائد وشرع من عبادات. ثم حين دبر له أمره وحياته بما شرع من أنظمة للحياة تنظم إشباع جوعاته كلها، فلم يطلق الغرائز وإنما نظمها ونسقها ووضعها في المسار الصحيح. وبذلك أصبح الإنسان المسلم مسيراً حياته بأوامر الله ونواهيه.

لذلك، فإن الإنسان بقدر ما يلتزم بأوامر الله ونواهيه، وبقدر ما ينضبط سلوكه بالنظام الإلهي، يحقق لنفسه السعادة. وهكذا ندرك المفهوم الصحيح للسعادة بأنها نيل رضوان الله تعالى، وأن التعاسة هي في البعد عن رضوانه سبحانه.

وهذا ما يخبرنا به ربنا سبحانه وتعالى حين يقول :

{ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام }( 2).

{ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينّه حياة طيبة }( 3).

{ فإمّا يأتينّكم مني هدىً فمن تبع هداي فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون }(4 ).

{ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون }( 5).

ثم يعرض الله تعالى لنا مقابلة بين الفريق السعيد وذلك الشقي، فيقول :

{ فمن اتّبع هداي فلا يضِلُّ ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكاً }(6 ).

وبذلك المفهوم، فإن السعادة قد تكون مع التنعم وزينة الحياة الدنيا وزخرفها إذا ما أقبل الإنسان عليها ملتزماً أوامر الله ونواهيه منضبطاً بحدود شرعه. أما إن هو أقبل على الدنيا معرضاً عن أمره سبحانه مقتحماً حرماته، فإنه لن يشعر بالسعادة مهما ادعاها، ذلك أن نفسه لن تستقر وقلبه لن يطمئن، إذ لا طمأنينة دون استشعار رضوان الله تعالى.

وبذلك أيضاً، قد تترافق السعادة مع الضيق والابتلاء والشدة، فالمسلم حين يقاتل في ساحة المعركة معرضاً دمه للإهراق ونفسه للإزهاق فإنه يشعر بعظيم النشوة والفرح، ذلك أنه يستشعر رضوان الله تعالى بقيامه بأعظم شعيرة من شعائره، وبالجهاد من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا. وكذلك شأنه حين يتعرض للاضطهاد والتنكيل من أجل كلمة الحق والموقف المبدئي. فها هو بلال رضي الله عنه يشعر بالنشوة والعزة وهو تحت الصخرة فوق رمال الصحراء المحرقة مصراً على ترديد “أحد أحد”.

ثم ها هو سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام يضرب لنا المثل الرائع حين يفضل السجن المترافق مع رضوان الله تعالى على المتعة المترافقة مع سخطه سبحانه، فحين تهدده زوجة العزيز قائلة : { ولقد راودْتُهُ عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره به ليسجننَّ وليكوناً مّن الصاغرين }( 7)، يجيب ذلك الجواب الرائع : { قال رَبِّ السجنُ أحبُّ إليّ‎ مما يدعونني إليه …}(8 ).

ويؤكد الله تعالى أن لا سعادة بغير رضوانه حين يقترن وعده بالجنة ونعيمها في العديد من الآيات، برضوانه سبحانه، وكأن نعيم الجنة لا يكتمل إلا بذلك الرضوان فيقول عز من قائل :

{ وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم }( 9).

{ جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه }(10 ).


(1) سورة النور - الآيتان 39-40

(2)سورة المائدة - الآيتان 15-16

(3)سورة النحل - الآية 97

(4) سورة البقرة - الآية 38

(5) سورة الأحقاف - الآية 13

(6) سورة طه - الآية 124

(7) سورة يوسف - الآية 32

(8) سورة يوسف - الآية 33

(9) سورة التوبة - الآية 72

(10) سورة البينة - الآية 8

أما التشريع الذي يتلقاه الإنسان من الوحي، فإنه التشريع الثابت الدائم الذي لا يطرأ عليه تعديل ولا تبديل ولا تغيير، لأنه من الخالق العليم الحكيم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم.

وبعد ذلك التباين البعيد، بين إنسان قاصر عاجز متأثر بأهوائه وبيئته، وبين خالق عليم حكيم لطيف حي قيوم : فمِمَّنْ يجدر بالبشرية أن تستقي نظامها ؟ أمن الإنسان أم من الله تعالى ؟ وبعبارة أخرى : من العقل أم من الوحي ؟

أنظر في هذه الآيات التي تحمل المساءلة والإجابة الصحيحة البدهية معاً :

{ قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يَهْدي إلى الحق أحق أن يتبع أمّن لا يَهدِي إلا أن يُهدى فما لكم كيف تحكمون }(7 )

{ ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون }(8 )

{ أفمن كان على بينة من ربه كمن زُيِّن له سوء عمله واتبعوا أهواءهم }(9 )

{ ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله }( 10)

ثم اسمع إلى تلك الإجابات القاطعة والأوامر الجازمة :

{ إنِ الحكمُ إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيّم ولكن أكثر الناس لا يعلمون }( 11)

{ فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى }(12 )

{ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء }( 13)

{ وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله }( 14)

من هنا جاء النهي الجازم في القرآن الكريم للإنسان عن التعدي على حق الله تعالى في التشريع للبشر، وجاء الذم الشديد والوعيد لمن يشرع فيحل ويحرم من عند نفسه :

{ ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون }( 15)

{ قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون }( 16)

{ بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل اللهُ وما لهم ناصرين *فأقم وجهك للدين حنيفاً فِطْرَتَ الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون}(17 )

وقد أنزل الله تعالى على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم شريعة جعلها نظاماً للإنسان في حياته ومجتمعه ودولته، وبناها على عقيدة تعطي فكرة كلية عن الكون والإنسان والحياة، وتشكل قاعدة فكرية لكل أفكار الإنسان وقيادة فكرية لسلوكه في الحياة. قال تعالى : { يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً، فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً }(18 )، وقال سبحانه : { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم }( 19).

وجعل سبحانه شريعته نظاماً شاملاً لجميع نواحي الحياة، حيث نظمت كل السلوك الإنساني، سواء كان هذا السلوك علاقة بين الإنسان وخالقه، أو بين الإنسان ونفسه، أو بين الإنسان والإنسان. قال تعالى : { ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء }( 20).

فقد نظم الإسلام علاقة الإنسان بخالقه حين بين له العقائد وشرع له العبادات. ونظم علاقته بنفسه حين شرع له الأخلاق وأحكام المطعومات والملبوسات. ونظم علاقته بغيره من سائر البشر حين شرع أحكام المعاملات والعقوبات التي شملت كل الميادين البشرية في الحياة والمجتمع والدولة، قال تعالى: { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً }(21 ).

فالإسلام ليس مجرد دين روحي ينظم علاقة الإنسان بخالقه وبنفسه بمجموعة من العبادات والأخلاق كما يظن بعض الناس وكما يريده البعض الآخر، بل هو دين شامل ونظام كامل. والعقيدة الإسلامية علاوة على كونها عقيدة روحية، هي عقيدة سياسية. فقد انبثق عنها نظام للإنسان في حياته ومجتمعه ودولته. وأوجب الإسلام على المسلمين أن تكون لهم دولة تحكمهم بما أنزل الله تعالى. قال سبحانه : { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله }( 22). وقال { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }(23 ). ونظم هذه الدولة حين شرع أنظمة للحكم والاقتصاد والاجتماع، وحين رسم سياسة للتعليم، وحين أعطى نظاماً للعقوبات وأحكاماً للبينات وحين رسم السياسة الخارجية للدولة.

وقد حرم الله تعالى على المسلمين - بعد أن جاءتهم هذه الهداية - أن يأخذوا أنظمة البشر والقوانين الوضعية، حيث عَدَّ كل شرع سوى شريعته طاغوتاً.

فقال سبحانه :{ ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان ان يضلهم ضلالاً بعيداً }( 24).


**(1) سورة الزخرف - الآية 32

(2) سورة البقرة - الآية 140

(3) سورة ق - الآية 16

(4) سورة الملك - الآية 14

(5)سورة الروم - الآية 30

(6) سورة المؤمنون - الآية 71

(7) سورة يونس - الآية 35

(8) سورة المائدة - الآية 50

(9)سورة محمد - الآية 14

(10) سورة القصص - الآية 50

(11)سورة يوسف - الآية 40

(12) سورة طه - الآية 123

(13)سورة الأعراف - الآية 3

(14)سورة الأنعام - الآية 153

(15) سورة النحل - الآية 116

(16)سورة يونس - الآية 59

(17)سورة الروم - الآية 30

(18)سورة النساء - الآية 174

(19)سورة المائدة - الآية 16

(20) سورة النحل - الآية 89

(21) سورة المائدة - الآية 3

(22) سورة النساء - الآية 105

(23)سورة المائدة - الآية 44

(24)سورة النساء - الآية 60**

ألإسْلامُ نِظامُ ألْحَياةُ وَألمُجتَمَعُ وَألْدَوْلَة

لقد اكتشف الإنسان منذ أول تاريخه أن ليس بإمكانه العيش وحيداً منفرداً، وإنما هو بحاجة لأن يعيش ضمن جماعة بشرية تقاسمه ذات الشعور والأحاسيس، وتسعى لتحقيق نفس الأهداف والغايات التي يسعى لها.

ذلك أن هذا الإنسان أدرك بشكل جازم أن كثيراً مما يحتاجه لإشباع حاجاته ورغباته ولتأمين متطلبات حياته موجود لدى الآخرين. في الوقت الذي يملك هو فيه من الطاقات والإمكانيات والمواهب ما يحتاجه الآخرون، فهناك كثير من استحقاقات الحياة يعجز الإنسان عن مواجهتها بمفرده. من هنا رأينا الإنسان منذ القدم يعيش في جماعات بشرية كبيرة أو صغيرة، أطلق على هذه الجماعات اسم المجتمع.

في ذلك المجتمع يجتمع الناس ليتبادلوا المصالح والمنافع، وتقوم بذلك بينهم العلاقات الدائمية التي من شأنها أن تحافظ على استمرارية تبادل المنافع والمصالح. ونتج عن ذلك تخصص الناس في المهن والحرف والأعمال، فوُجد الفلاح والصناعي والحرفي والبناء والتاجر الذي ينقل السلع بين الناس والطبيب الذي يعالج أمراضهم والفنان الذي يرضي رغباتهم ونزعاتهم… وهكذا. قال تعالى: { نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سُخرياً …}(1 ).

وقد أدركت المجتمعات البشرية بشكل جازم أيضاً، أن المجتمع حتى تدوم علاقاته ولا يتفكك وينهار، لا بد له من نظام هو بمثابة القواعد السلوكية التي يتقيد بها أعضاؤه والتي تنظم العلاقات بين الناس فيه وتعالج المشاكل الناتجة عن تلك العلاقات، وأنه لا بد من قيام سلطة في ذلك المجتمع تقوم على حفظ ذلك النظام وتطبيقه ورعاية شؤون المجتمع به وتمنع مخالفته وتأخذ على يد مخالفيه. لأن الناس إن تركوا ليحقق كل فرد منهم مصلحته كيفما أراد ولينال غاياته من الآخرين على مزاجه وهواه فإن المجتمع سيتحول إلى شريعة الغاب التي يأكل القوي فيها الضعيف، أو لتحول الناس إلى أسماك يأكل الكبير منها الصغير، وبالتالي سينهار المجتمع ويتحول عن كونه مجتمعاً. من هنا رأينا الناس منذ فجر التاريخ يتعارفون داخل مجتمعاتهم على نظام معين ويحرصون على تطبيقه، ورأيناهم دائماً يذعنون لسلطة ترعى شؤونهم بهذا النظام وتفرض الالتزام به على كل الأفراد وتأخذ على يد المخالفين له. هذه السلطة عرفت بالسلطة السياسية وعرفت أيضاً بالدولة.

إلا أن الناس وجدوا أنفسهم أمام مشكلة مهمة حيال ذلك الأمر، ألا وهي : من أين لهم هذا النظام ؟ فالقضية ليست أن يلتزم الناس بمطلق نظام. فالأنظمة كثيرة متعددة. ولكل نظام أثره في المجتمع، فهناك نظام ينهض بالمجتمع، وهناك نظام ينحط به المجتمع. هناك نظام يؤدي إلى سعادة الإنسان، وهناك غيره يؤدي به إلى الشقاء والتعاسة. مما يضع الإنسان أمام مسؤولية كبيرة، ألا وهي مسؤولية اختيار النظام الصحيح والصالح الذي يؤدي بتنظيمه لعلاقات الناس ومعالجته للمشاكل الناتجة عن تلك العلاقات إلى النهضة الصحيحة لتلك الجماعة البشرية، وبالتالي إلى السعادة والهناء والرفاهة.

ولم يكن كثير من المجتمعات على قدر هذه المسؤولية منذ قديم التاريخ وإلى يومنا هذا، حيث لا زال كثير من الشعوب يعاني من آثار اختياره الخاطىء للنظام. وبما أن مسؤولية هداية البشرية تقع على عاتقنا نحن المسلمين، فلا بد لنا من إيضاح الطريق السويّ للحصول على النظام الصحيح. فنقول لها:

إن النظام، إما أن يكون من عند الله سبحانه خالق الإنسان والحياة والكون، وإما أن يكون من عند الإنسان نفسه. أي إما أن يكون مصدره الوحي وإما ان يكون العقل. فأي المصدرين هو المصدر الصحيح ؟

لقد طرح القرآن الكريم هذه المساءلة على البشر ليحثهم على التفكير وإعمال الذهن، فقال سبحانه : { قل أءنتم أعلم أم الله؟ }( 2).

والإجابة البدهية على هذا السؤال، هي أن الواقع المحسوس يرينا أن عقل الإنسان عاجز عن إبداع التشريع الصالح لأن يكون نظاماً لحياة الإنسان. ذلك لأن النظام المطلوب هو النظام الذي يعالج مشاكل الإنسان بوصفه إنساناً، أي يعالج إشباع الحاجات العضوية والغرائز البشرية، وهذه الكوامن البشرية يعجز العقل البشري عن سبر أغوارها وإدراك دقائقها حتى يعلم ما يصلح لها من نظام أو تشريع.

أما الخالق سبحانه وتعالى، فهو الذي خلق الإنسان وغرائزه وحاجاته العضوية وكوامن نفسه، فهو الذي يعلم ما يصلح لهذه النفس من أنظمة ومعالجات. قال تعالى : { ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد }( 3)، وقال سبحانه: { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير }(4 ).

وحين يشرع الإنسان ويضع المعالجات، فإنه في حقيقة الأمر لا يعالج مشاكل الإنسان بوصفه إنساناً، أي لا ينظم إشباع الحاجات والغرائز، وإنما هو يعالج مشاكل عرضية ظاهرية ألمت بالإنسان في وقت من الأوقات وفي مكان من الأمكنة، بحيث لا يصلح هذا النظام لأن يطبق في غير هذا المكان وذلك الزمان. وغالباً ما يكون مخفقاً حتى في معالجة المسألة الجزئية، وجالباً الضرر بدل العلاج.

أما النظام الآتي من عند الله سبحانه، فإنه تشريع للإنسان بوصفه إنساناً، وبالتالي فهو صالح لكل زمان ومكان، لأن الإنسان في غرائزه وحاجاته العضوية هو هو لا يتغير مهما تبدلت الأزمان والعصور … { فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله …}( 5).

علاوة على ذلك، فإن عقل الإنسان عرضة للتفاوت والاختلاف والتناقض. ذلك أن ما يراه فلان صالحاً من التشريعات للإنسان قد يراه غيره فاسداً خاطئاً، وبالتالي فإن كل مشرع يضع نظاماً يختلف عن الآخر. كما أن ما يراه الشخص نفسه اليوم صالحاً قد يراه غداً فاسداً، لذلك نرى المشرعين دائماً يعدّلون ويغيّرون تشريعاتهم بحيث أصبحت البشرية بالنسبة لهؤلاء كالفأر في المختبر يجربون بها نظرياتهم وتشريعاتهم، فاصطلت بنيرانهم وتقلبت على أشواكهم. وصدق الله العظيم إذ قال : { ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن …}( 6).

سر ألنهضة

إن الذي يحدد الرقي والانحطاط في مجتمع ما، هو حضارته التي يقوم عليها. فإن كانت حضارته راقية أمكنه أن يرتقي، أما إن كانت منخفضة فإنه لن يعرف النهضة في كنفها يوماً من الأيام.

وحين نتكلم عن الحضارات في المجتمعات الإنسانية فهذا يعني أننا نتكلم عن طرق العيش وأنماط السلوك والعلاقات التي تتميز بها تلك المجتمعات. فالحضارة “طريقة عيش يعرف بها كل مجتمع على حدة”، وبما أن سلوك الناس وعلاقاتهم وطريقة عيشهم هي رهن المفاهيم التي يحملونها عن الحياة، فهذا يعني أن الحضارة “هي مجموعة المفاهيم عن الحياة”. فمجموعة المفاهيم الغربية مثلاً عن الحياة هي التي تشكل الحضارة الغربية، وكذلك فإن الحضارة الإسلامية هي مجموعة المفاهيم الإسلامية عن الحياة.

من هنا فإن الذي يقود الشعوب والأمم إلى النهضة هو الفكر الذي تحمله. كما أن الفكر أيضاً قد يكون هوالسبب في انحطاط الشعوب. فإنه برقيّ الفكر الذي يحمله شعب من الشعوب يرقى وبانحطاطه ينحط. وما الحضارة لدى المجتمع إلا ذلك البنيان الفكري الذي يشكل عقليته ويصوغ علاقاته وينظم مشاكله. وما رقي تلك الحضارة وما انحطاطها إلا بمقدار رقي ذلك الفكر أو انحطاطه.

فما هو الفكر الراقي؟ وما هو الفكر المنخفض؟

إن الفكر الراقي هو ذلك الفكر الشامل المتكامل المتماسك، القادر على أن يعطي الإنسان رأياً عن كل شيء يرتبط بسلوكه، وموقفاً إزاء أي حدث، ويستطيع إعطاء نظام ينظم علاقات المجتمع كلها دون إغفال ناحية من نواحيه، تنظيماً دقيقاً متناسقاً متناغماً، بحيث يوجد في ذلك المجتمع نسقاً من العيش أو نمطاً من السلوك منسجماً وذا طراز معين ولون محدد، فلا تتضارب معالجاته، ولا تتناقض قواعده، ولا يأكل بعضها بعضاً. فهكذا فكر من شأنه أن يجعل من الجماعة البشرية التي تحمله وتطبق نظامه مجتمعاً متماسكاً قوياً يسير ارتقائياً نحو النهضة. ذلك أنه استطاع أن ينسّق علاقات المجتمع ويخلصه من الاضطراب والتناقضات والصراعات الداخلية.

ولكن المشكلة تكمن في كيفية الحصول على ذلك الفكر الراقي الذي يتمتع بتلك الصفات ويتميز بذلك التكامل وتلك الشمولية. فمن أين للمجتمعات ذلك؟

إن الواقع المحسوس والتاريخ -فضلاً عن النظر والتفكير المستنيرين- يُثبتان أن فـكراً كهذا لا يمكن أن يوجد إلا بوجود قاعدة فكرية لـه. ذلك أن كل بنيان يحتاج إلى أساس، ووجود القاعدة الفكرية هو الذي من شـأنه أن يصلح أساساً لذلك البنيان الفكري. وهذه القاعدة الفكرية -التي هي الفكر الأساس - لا يمكن أن تكون قاعدة إلا بأن تكون عقيدة عقلية تعطي فكرة كلية عن الكون والإنسان والحياة، فتعرّف الإنسان بأصله ومآله، وبالتالي تعرفه بطبيعة حياته والغاية منها. وهكذا تكون هذه العقيدة صالحة لأن يُبنى عليها ذلك البنيان الفكري، كما أن من شأنها أن تكون عقيدة سياسية بحيث تنبثق عنها أنظمة للحياة ترعى شؤون الناس في مجتمعهم وتتوافق مع أفكارهم التي يحملونها والمشاعر السائدة بينهم. مما يجعل من ذلك المجتمع كياناً حضارياً متميزاً ومنفرداً، وتكون عقيدته تلك التي يعتنقها قيادة فكرية له تسير به ارتقائياً نحو النهضة. وهذا الفكر يسمى الفكر المبدئي( 1).

فالمبدأ - وهو العقيدة العقلية التي ينبثق عنها نظام- هو الذي كانت تفتقر إليه شعوب أوربا في العصور الوسطى. أي إن تلك الشعوب لم تكن تمتلك فكراً مبدئياً تنهض على أساسه. صحيح أن تلك الشعوب كانت تتدين بدين واحد وعقيدة واحدة هي النصرانية، إلا أن تلك العقيدة لم تكن عقيدة سياسية، وإنما مجرد عقيدة وجدانية تلقتها تلك الشعوب تقليداً عن الآباء والرهبان والقساوسة( 2)، وبالتالي لم تكن مؤهلة لأن تكون قاعدة لأفكار نهضوية في المجتمع، وبالتالي لم تنبثق عنها أنظمة للحياة والمجتمع والدولة، وإنما هي مجرد عقيدة روحية تبيّن علاقة الإنسان بخالقه، كما ترشد إلى مجموعة من الأخلاق والقيم الروحية والإنسانية. وإننا إذا قلّبنا صفحات الإنجيل كلها فلن نجد أثراً لنظام للحكم أو الاقتصاد أو العقوبات أو ما شاكل ذلك. وإذا كان الملوك ورجال الكنيسة قد حكموا باسم الدين والتفويض الإلهي فهذا لا يعني أنهم رعوا شؤون الناس بقوانين استُمدت من الدين والإنجيل، بل طبقوا أنظمة وقوانين وضعية لا تمتّ إلى المسيحية بصلة، وكانت من أحطّ أنواع الأنظمة، وهي ما عرف بالنظام الإقطاعي. يقول ديورانت عن شريعة الإقطاع:“كانت العادات والشرائع شيئاً واحداً في نظام الحكم الإقطاعي حيث كان القضاة والقائمون بتنفيذ القانون المدني عادة أميّين. فإذا ما ثارت مشكلة خاصة بالقانون أو العقاب، سئل أكبر أعضاء المجتمع سناً عما جرت به العادة في هذه المشكلة أيام شبابهم، ولهذا كان المجتمع نفسه المصدر الرئيس للقوانين”( 3).

باختصار: إن الانحطاط الذي عرفته أوربا خلال العصور الوسطى مردّه في الحقيقة إلى تلك الثقافة المنخفضة التي كانت سائدة فيها.

وكما كان شأن الشعوب الأوربية في العصور الوسطى، فكذلك كان شأن العرب في الجاهلية. فلم تكن لهؤلاء عقيدة عقلية سياسية تربط بينهم وتقوّي أواصر مجتمعهم بتنظيم علاقاته، وإنما كانوا يحملون عقيدة كهنوتية تقليدية هي “الوثنية”، وبالتالي لم تكن صالحة لأن تكون قاعدة لأفكارهم ولا قيادة فكرية لحركة مجتمعهم. وبذلك كان ذلك المجتمع منحطاًّ، حيث سادت القبلية التي جعلت من القبائل والعشائر مجتمعات متناحرة متقاتلة لا تفتأ تشن الحروب فيما بينها، ليس من أجل شيء إلا الثأر والعصبية، فعُرف ذلك المجتمع بالمجتمع الجاهلي.

ولكن شعوب الجزيرة العربية - على الرغم من انحطاطها - سرعان ما خرجت من ظلام الانحطاط إلى ضياء النهضة والرقي أوائل العصور الوسطى على نحو انقلابي مفاجىء. بينما استمر الانحطاط مخيماً على الشعوب الأوربية قروناً متطاولة حتى حلول العصر الحديث حيث لم تظهر بوادر النهضة إلا أواخر القرن الخامس عشر، ولم تؤت ثمارها إلا أواخر القرن الثامن عشر.

على أي حال، سنصرف النظر عن الفارق الزمني بين مولد كل من هاتين النهضتين وسرعة إثمارهما، ونطرح السؤال الآتي: ما العامل الذي توفر في هذين المجتمعين حتى دبّت فيهما عوامل النهضة وخرجا من حال الانحطاط إلى حال الرقي؟

إن الجواب يكمن فيما أسلفناه من فلسفة للنهضة. لقد وُجدت في كل من هذين المجتمعين عقيدة عقلية سياسية كانت بمثابة مبدأ قام عليه بنيان حضاري شامل قاد المجتمع نحو الارتقاء.

ففي جزيرة العرب ظهر الدين الإسلامي كمبدأ يقوم على عقيدة عقلية تعطي فكرة كلية عن الكون والإنسان والحياة وعما قبل الحياة الدنيا وعما بعدها وعن علاقتها بما قبلها وما بعدها، وهي عقيدة “لا إله إلا الله محمد رسول الله”. وعن هذه العقيدة انبثق أعظم نظام للإنسان في حياته ومجتمعه ودولته، فنظّم علاقة الإنسان بخالقه بما بيّنه من عقائد وما شرعه من عبادات كالصلاة والصوم والحج، ونظّم علاقته بنفسه بما شرعه من الأخلاق وأحكام المطعومات والملبوسات، ونظّم علاقته بغيره من الناس بما شرعه من أنظمة للمجتمع والدولة. فانبثق عن تلك العقيدة نظام للحكم عرف بنظام الخلافة، وانبثق عنها نظام للاقتصاديبيّن للدولة مصادر المال وكيفية توزيعه وإنفاقه، ونظام اجتماعي ينظم علاقة الرجل بالمرأة ويعالج مشاكل الأسرة، ونظام للعقوبات وغير ذلك. وقد تمثل انبثاق تلك الأنظمة عن العقيدة الإسلامية بأنها استُنبطت كلها من القرآن والسنة اللذين نزلا وحياً من الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

وكانت هذه العقيدة قاعدة فكرية انبنت عليها الحضارة الإسلامية العريقة، وبذلك تحققت النهضة في بلاد العرب لتتوسع وتشمل مساحة عظيمة من المعمورة، منتشرة بسرعة لم يسجل لها التاريخ مثيلاً، من الصين شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً. ويصف ديورانت البلاد الإسلامية في ظل الخلافة، فيرى أن “الخلفاء قد أمّنوا الناس إلى حد كبير على حياتهم وثمار جهودهم، وهيأوا الفرص لذوي المواهب، ونشروا الرخاء على مدى ستة قرون في أصقاع لم تر قط مثل هذا الرخاء بعد عهدهم، وبفضل تشجيعهم ومعونتهم انتشر التعليم، وازدهرت العلوم والآداب والفلسفة والفنون ازدهاراً جعل آسية الغربية مدى خمسة قرون أرقى أقاليم العالم كله حضارة”( 4).

أما في أوربا، فقد أدى الصراع كما رأينا بين رجال الكنيسة من جهة والملوك والفلاسفة من جهة أخرى إلى ولادة مبدأ جديد، هو اللبرالية التي تقوم على عقيدة “فصل الدين عن الحياة”، أو ما يسمى “بالعلمانية”. فكانت هذه العقيدة السياسية قاعدة فكرية قامت على أساسها الحضارة الغربية المعاصرة، وانبثق عنها النظام الرأسمالي الذي يقوم على جعل الإنسان حراً من أي قيد دينياً كان أو غير ديني. وهذا ما أدى إلى النهضة الغربية التي لاتزال قائمة إلى يومنا هذا، وتعمل على غزو المجتمعات وتحويلها إلى طريقة عيشها.

هذا هو التفسير الحقيقي للنهضة. إنها ذلك الارتقاء الفكري المتمثل في عقيدة عقلية سياسية تصلح قاعدة لأفكار المجتمع وأصلاً لانبثاق نظامه وأساساً لحضارته. وبعبارة مختصرة :

إن وجود “المبدأ” لدى أمة هو السبب في نهضتها.


**(1)ورد في الموسوعة الفلسفية في مادة “مبدأ”: المبدأ فكرة رئيسية،والقاعدة الأساسية للسلوك. ومن الناحية المنطقية، المبدأ هو المفهوم الرئيسي، والأساس لأي نظام.

(2) راجع ول ديورانت - قصة اللحضارة - ج 16 - ص 12 - 13.

(3) قصة الحضارة - ج 14 - ص 434.

(4) قصة الحضارة - ج 13 - ص 151.**

فها هو ماكيافيلّي المفكر الإيطالي الشهير المتوفى سنة 1527 “كان يعتقد أن المسيحية - في أحسن حالاتها - تعلّم فضائل مغلوطة. فقد كانت تعلّم حسب رأيه الخضوع والذل وإنكار الجسد، وإعطاء الخد الآخر للّطم، ثم حصر أمل الإنسان بالفرح والسعادة في ما بعد الموت. وكانت فكرة ماكيافيلي عن الفضيلة على نقيض كلي مع المناقب المسيحية. فقد كان يستوحي نبل الإنسان ومجد الحياة على الأرض، وكان يعتقد أن هذا النبل يعبر عنه ليس في إذلال النفس بل في الاعتزاز الفخور”(1 ). “ونظراً إلى أنه كان كالآخرين من معاصريه يعتقد أن ائتلاف الدين والدنيا أمر مفروض، فقد عقد الأمل على أن ينتصر في إيطاليا القرن السادس عشر نمطه الجمهوري بعد التخلي عن المسيحية كديانة تجاوزها العصر فيزرع مكانها ديانة ومؤسسات دينية مرتكزة على روح روما القديمة، أي “ديانة زمنية” يكون غرضها الأساسي تعزيز مشاعر وفضائل وطنية”( 2).

وقد هاجم جميعُ الكتاب الفرنسيين في القرن السادس عشر على وجه أو آخر ثقافةَ العصور الوسطى، مشددين على وعي الذات وعلى تنمية الفردية والابتكار. بلغ ذلك ذروته في الشكوكية النقدية التي حمل لواءها ميشال مونتين المتوفى سنة 1592( 3).

ثم يأتي القرن السابع عشر ليشهد بزوغ الاعتقاد لدى الفلاسفة والكتاب الأوربيين أن الحقيقة عن طبيعة الإنسان والكون يمكن أن تكتشف بالعقل، وفي الوقت نفسه أدى التفسير النقدي للكتب المقدسة والاهتمام بمقارنة الأديان إلى إضعاف هيبة العقيدة الدينية الرسمية. وفي باب الدين انعكست روح العصر العلمية في إنكار المعجزات والوحي الإلهي، وكذلك في مقاومة الاندفاع العاطفي الحماسي. ومن خصائص تفكير “الكتّاب المتنورين” - وهو الاسم الذي عرفوا به في تلك الحقبة - والذين كانوا يلقبون بالفلاسفة، أنهم وإن لم يكونوا عادة ملحدين، كانوا مثلاً يَرَوْن - على أسس إنسانية صرف - أنه من غير المعقول أن يفرض المرء عقيدته الدينية على فرد آخر أو أمة أخرى، وقد حولت أخبار الرحلات الاهتمام نحو العامل المشترك في جميع الأديان. وهو الاعتقاد بالله كمصدر لكل وجود. من هنا نشأت فكرة الوثني النبيل، وفكرة الإيمان الطبيعي بالله التي كانت تنطوي على القول بأن الله ما أن خلق الدنيا حتى تركها تجري وشأنها، أو “على غرار الساعة” كما قال ألكسندر بوب في “مقالته في الإنسان” سنة 1733(4).

وفي القرن الثامن عشر يتتابع “الفلاسفة المتنورون” ليؤكدوا فكرة فصل الدين عن الحياة والمجتمع والدولة. فها هو مونتسكيو المتوفى سنة 1755، على الرغم من أنه لم يكن ملحداً ينتقد الكنيسة ورجال الدين بشدة(5 ).

وكذلك فولتير المتوفى سنة 1778 والذي نقد في مؤلفاته التاريخية النظرة الإنجيلية والمسيحية عن تطور المجتمع ورسم خطوطاً عريضة لتاريخ الإنسانية. ففلسفة التاريخ تقوم عنده على أساس فكرة التطور التقدمي للمجتمع في استقلال عن إرادة الله، وقد ناضل ضد الكهنوتية وما سماه بالشطحات الخيالية الدينية. وكانت المسيحية والكنيسة الكاثوليكية الهدف الرئيس لتهكمه حيث اعتبرها العدو الرئيس للتقدم( 6).

وها هو جان جاك روسّو الذي اعتُبر كتابه “العقد الاجتماعي” عمدة الثورة الفرنسية الكبرى والذي أصبح إنجيل الشعب الفرنسي عقب الثورة، يدعو إلى الإيمان بالله وإنكار الوحي(7 )، وبالتالي إلى فصل الدين عن الحياة. ويرى أن واضعي الشرائع ومن بعدهم الحكام والملوك لم ينسبوا القوانين والشرائع إلى الله إلا من أجل أن يعطوها صفة الإلزام وإنزال الرهبة في قلوب الشعب من مخالفتها، فيقول:“فبما أن المشرع لا يستطيع استخدام لا القوة ولا المحاجّة، فعليه أن يلجأ إلى سلطة من نوع آخر يمكنها أن تقود دون عنف وأن تقنع دون إفحام. هذا ما أجبر آباء الأمم في جميع الأزمنة على الاستعانة بتدخل السماء وأن ينسبوا إلى الآلهة فخار حكمتهم الخاصة، لكي تطيع الشعوب (…) هذا العقل السامي الذي يرتفع فوق إدراك الناس العاديين، هو العقل الذي يضع به المشرع الأحكام على أفواه الخالدين، ليقود بالسلطة الإلهية أولئك الذين لا يمكن أن تزحزهم الحكمة البشرية. ولكن لا يحق لكل إنسان أن يجعل الآلهة تتكلم ولا أن يكون مصدَّقاً عندما ينبىء الناس أنه ترجمانها”( 8).

وأخيراً جاءت الثورة الفرنسية الكبرى سنة 1789، وأقصت الكنيسة نهائياً عن المجتمع والدولة والسياسة. يقول ول ديورانت: “لقد كانت معظم الثورات السابقة إما على الدولة وإما على الكنيسة، وندر أن نشبت ضدهما معاً في وقت واحد (…) أما الثورة الفرنسية فإنها هاجمت الملكية والكنيسة جميعاً، واضطلعت بمهمة ومخاطرة مزدوجة هي مهمة الإطاحة بالركيزتين الدينية والدنيوية للنظام الاجتماعي القائم”( 9).

وهكذا يَعُدّ المعاصرون من المفكرين والمؤرخين الغربيين تلك الأوضاع دليلاً حياً على نظريتهم، حيث تناسب مقدار الرقي المتعاظم شيئاً فشيئاً في أوربا مع مقدار انحسار نفوذ الكنيسة عن المجتمع، وبالتالي انحسار الدين والتدين عن الحياة العامة. ثم وجدوا في الثورة الفرنسية التي افتتحت تاريخهم المعاصر البرهان الأكبر على نظريتهم حيث أقصيت الكنيسة عن واقع المجتمع وقُضي على نظرية التفويض الإلهي، وأطلقت الحريات العامة في المجتمع، فاستكملت حركة النهضة الأوربية مسيرتها وبدأت تؤتي أكلها وتثمر ثمارها التي يفتخر بها الغربيون إلى اليوم.

إن هذه النظرية التاريخية الحضارية لدى المفكرين الغربيين هي التي كانت وراء ظهور العقيدة العقلية التي اعتنقها الغرب منذ بداية التاريخ المعاصر وجعلها قاعدة لأفكاره، وقيادة فكرية لمجتمعه، ألا وهي عقيدة “فصل الدين عن الحياة”.

وهكذا مضى هؤلاء في تفسير أيّة حركة نهضوية من خلال تلك النظرية، فعندما يريدون تفسير ظاهرة النهضة الشيوعية ومن ثم انحطاطها، فإنهم يعزون تلك النهضة إلى غياب التأثير الديني عن الحياة في المجتمع الشيوعي - ولاسيما أن الشيوعية تقوم على الإلحاد وتقول إن الدين أفيون الشعوب - وبالتالي إلى ارتباط الشعوب الشيوعية بالمادة والواقع والحياة. أما الانحطاط السريع لتلك “الحضارة”، فمرده في رأيهم ليس إلى الإلحاد وغياب الدين، وإنما لانعدام الحرية. فالحرية التي يستهدفها الإنسان بانعتاقه من الخضوع لرجال الدين والعبودية للغيب، سلبه إياها النظام الشيوعي حين حوله عن الخضوع لرجال الدين والعبودية للغيب، إلى الخضوع والعبودية للدولة والحزب الحاكم، وينظرون إلى الشعوب المنتفضة على الشيوعية اليوم من زاوية أنها تريد الانعتاق من العبودية للدولة من أجل أن تمارس حريتها ولتلحق بركب الحضارة الغربية اللبرالية. يقول اللبرالي المتطرف فرانسيس فوكوياما:" كلما اقتربت الإنسانية من نهاية الألف الثاني فإنه يلاحظ أن الأزمتين المزدوجتين التسلطية والاشتراكية، لم تتركا في ساحة المعركة إلا إيديولوجيا واحدة محتملة ذات طابع شمولي: هي الديمقراطية اللبرالية، عقيدة الحرية الفردية والسيادة الشعبية"( 10).

هذه هي خلاصة المفهوم الغربي المعاصر عن حركتي الانحطاط والنهضة في التاريخ. ولن نستعجل كثيراً لنتوسع في نقد هذه النظرية. فإنه يكفينا أن نضع تلك النظرية على المحكّ بأن نعرض عليها نموذجاً واحداً من نماذج النهضات التي عرفها التاريخ، فنرى إن كانت تنطبق عليه أم لا. فمن شأن فلسفة النهضة، أو بعبارة أخرى “تعريف النهضة” إن كان صحيحاً، أن ينطبق على كل نهضة. فالتعريف يجب أن يكون جامعاً مانعاً، ولاسيما أن أصحاب تلك النظرية طرحوها على أنها قاعدة مستمرة.

فإذا سألنا هؤلاء عن سر النهضة الحضارية الإسلامية خلال العصور الوسطى، فإنهم يعجزون عن تفسير تلك الظاهرة وفق نظريتهم السالفة الذكر، فيتكلفون التفسيرات المختلفة من أجل إثبات نظريتهم. فعصور الحضارة الإسلامية التي شهدت أعظم نهضة عرفها التاريخ كانت عصور تدين وعبادة، بل كانت الحضارة الإسلامية - بما فيها مجتمعها ودولتها وطريقة عيشها - تقوم على أساس عقيدة روحية تربط الإنسان بما قبل الحياة الدنيا وما بعدها.

فذلك المثال هو البرهان الحي والدليل القاطع على فساد النظرية الغربية في تفسير حركتي النهضة والانحطاط. فالفكرة تثبت صحتها بانطباقها على الواقع، ويثبت فسادها إن لم تنطبق على ذلك الواقع كما هو شأن تلك النظرية.

وفلسفة النهضة هي مسألة من الخطورة بحيث أنه لا يجوز أن تكون نظرية ظنية كما هو شأن تلك النظرية. بل يجب أن تكون فكراً يقينياً جازماً ينطبق على الواقع المحسوس، قادراً على تفسير كل نهضة وكل انحطاط للحضارات التفسير الصحيح.


**(1)أرنستو لاندي - مقال في كتاب أعلام الفكر السياسي - تصنيف موريس كرانستون - ص 42.

(2)المرجع السابق - ص 43.

(3)بهجة المعرفة - المجموعة الثانية - ج 4 - ص 276.

(4)المرجع السابق - ج 4 ص 356-359.

(5) الموسوعة الفلسفية - مادة “مونتسكيو”.

(6)المرجع السابق - مادة “فولتير”.

(7)المرجع السابق - مادة “روسّو”.

(8)جان جاك روسو - العقد الاجتماعي - ص 85.

(9)ول ديورانت - قصة الحضارة - ج42 - ص 397.

(10)فرانسيس فوكوياما - نهاية التاريخ والإنسان الأخير - ص 68.**

أما نحن المسلمين، إيماناً منا بقوله تعالى: { وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً }( 33)، فإننا على يقين أن العالم سيبقى يتخبط في مشاكله وأزماته حتى تعود الأمة الإسلامية من جديد إلى حمل الإسلام رسالة إلى العالم من أجل أن ينعم برحمة التشريع الإلهي الذي أُرسل به محمد r رحمة للعالمين. وذلك لن يكون إلا بعد أن يستأنف المسلمون الحياة الإسلامية مجدداً بإعادة المجتمع الإسلامي الذي يعتنق الإسلام عقيدة ونظاماً للحياة والمجتمع والدولة، وحمل الرسالة إلى العالم.

والله عز وجل هو القائل في كتابه العزيز: { وَعَدَ اللهُ الذينَ آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنَّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننَّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنَّهم من بعد خوفهم أمناً، يعبدونني لا يشركون بي شيئاً، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون }( 34).

وأما الانحطاط الذي ألـمّ بالعالم الإسلامي، فإن نظرة عميقة نزيهة إلى تاريخه وحاضره ترينا أن العالم الإسلامي لم ينحطّ بسبب قصور المبدأ الإسلامي. فعقيدته هي العقيدة الصحيحة الموافقة لفطرة الإنسان ولعقله، والمنطبقةُ على واقع الكون والإنسان والحياة، ونظامه هو النظام الصحيح الذي نزل من عند الله تعالى لمعالجة مشاكل الإنسان بوصفه إنساناً في كل زمان ومكان. ولكن ذلك الانحطاط كان بسبب تقصير المسلمين في فهمهم لذلك المبدأ وبالتالي إساءتهم لتطبيقه.

فالمبدأ ليس دواء سحرياً يفعل فعله على نحو خيالي ساحر، بل إن فعله متوقف على أمة تعتنقه وتفهمه حق فهمه وبالتالي تحسن تطبيقه وصياغة مجتمعها به. والأمة الإسلامية آذنت بانحطاطها منذ أن رضيت بتحويل الخلافة إلى ملك، ومنذ أن أغلقت باب الاجتهاد وأهملت شأن اللغة العربية، فأغلقت على نفسها بذلك، الباب الذي تدخل منه عوامل نهضتها. ذلك أن الاجتهاد وفهم اللغة العربية هما الطريق الوحيد لفهم الإسلام وبالتالي لإحسان تطبيقه. فبدأ بنيانها الفكري بالتآكل وأصابه الهزال، فوجدت الحضارة الغربية القائمة على المبدأ الرأسمالي طريقها إلى المجتمع الإسلامي مفتوحاً. وظن المسلمون أن تلك الحضارة ستنهض بهم كما نهضت بالغرب، ونسوا أن عقيدتها تتعارض - من حيث الأساس - مع عقيدتهم التي يحملونها والتي لا يفكرون يوماً بالتخلي عنها.

وبما أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم، فإن المسلمين مكلفون اليوم بالعمل على دراسة الإسلام من جديد دراسة عميقة صافية نقية واضحة، بمعزل عن أيّة غشاوة، وبعيداً عن كل اللوثات والسموم الفكرية التي تراكمت عبر عصور الانحطاط أو وفدت مع الغزو الفكري الغربي، من أجل أن يصوغوا مجتمعهم بأفكار الإسلام ومشاعره وأنظمته حتى يعود المجتمع الإسلامي المنارة التي تنير للشعوب والأمم درب الهداية والخلاص.

وصدق الله العظيم إذ قال:{إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين}( 35).


**(1)راجع تقي الدين النبهاني - الدولة الإسلامية - ص 162 - 163.

(2)هذا الرقم صحيح في الحقبة التي كتب فيها ديورانت كتابه، أما اليوم فقد فاق عدد المسلمين المليار.

(3)قصة الحضارة - ج 13 - ص 133.

(4)سورة الذاريات - الآية 19.

(5)تقي الدين النبهاني - النظام الاقتصادي في الإسلام - ص 62.

(6)قصة الحضارة - ج 13 ص 360

(7)المرجع السابق - ج 13 - ص 112.

(8) المرجع السابق - ج 13 - ص 293.

(9)المرجع السابق - ج 13 - ص 292.

(10) المرجع السابق - ج 13 - ص 297.

(11)المرجع السابق - ج 26 - ص 113.

(12)نقلاً عن مجلة الوعي - العدد 86 - مقال عن كتاب “خارج حدود السيطرة”. الذي ألفه برجنسكي. ص 22 - 23.

(13)المرجع السابق - ص 23.

(14)المرجع السابق - ص 23.

(15) المرجع السابق - ص 23.

(16)المرجع السابق - ص 23.

(17)المرجع السابق - ص 22.

(18)مجلة الوعي - العدد (70 - 71) - ص 44.

(19)مجلة الوعي - العدد 57 - ص 10.

(20) نقلاً عن: مجلة الوعي - العدد 86 - ص 20 - 21.

(21)نقلاً عن مجلة الوعي - العدد 63 - ص 10.

(22) فهرس قصة الحضارة - ج 1 - ص 12.

(23)مراد هوفمان - الإسلام كبديل - ص 29.

(24)قصة الحضارة - ج 13 - ص 107.

(25)المرجع السابق - ج 13 - ص 108.

(26)المرجع السابق - ج 13 - ص 108.

(27) فهرس قصة الحضارة - ج1 - ص 11.

(28)المرجع السابق - ج 1- ص 12.

(29)قصة الحضارة - ج 13 ص 292.

(30) الإسلام على مفترق الطرق - ص 59.

(31)سورة النور - الآية 39.

(32)مجلة الوعي - العدد 86 - ص 25.

(33)سورة البقرة - الآية 113.

(34)سورة النور - الأية 55.

(35)سورة الأعراف - الآية 128.**

لقد استخدمت الحضارة الغربية التكنولوجيا لصنع القنبلة الذرية التي أبادت الألوف من البشر، وأشعلت تلك الحضارة الحروب والفتن في العالم من أجل تسويق صناعاتها الحربية. والتكنولوجيا لدى هؤلاء أفسدت البيئة وأنتجت الأمراض العضوية المختلفة.

ثم ماذا نفع الطب أمام تلك الأمراض الفتاكة المستعصية التي أنتجتها حضارة الحريات والإباحية والشذوذ والرذيلة، حضارة الانفلات من كل القيم الروحية والخُلُقِية والإنسانية… إلا المادية؟! هل استطاع العلم أن يجمع شمل العائلة الغربية؟ هل استطاع أن يوقف الجريمة؟ هل وجد حلاً للأزمات النفسية التي يعاني منها ملايين البشر هناك؟

يقول الدكتور مراد هوفمان السفير الألماني لدى المغرب - وقد اعتنق الإسلام منذ عدة سنوات -:“لنتأمل معاً ضحايا ذلك المجتمع الصناعي وقيمة الحيدية المزعومة فحسب. إنهم يتمتعون بكل ما يريدون من الاستقلال الذاتي والحياة المؤمّنة منذ المهد إلى اللحد، والحرية أو الإباحية الجنسية التي لا تعرف محظوراً أو محرماً، والمخدرات على اختلاف أنواعها وأذواقها حسب كل مزاج وطلب، وأوقات الفراغ والعطلات والإجازات المكفولة قانونياً، وكافة الحقوق المدنية التي يحلم بها المرء، لكنهم على ذلك كله يحسون فراغاً هائلاً يملأ وجودهم الفعلي، ويتوقون إلى الحنان والدفء البشري من قبل الجماعة التي يعيشون معها أو ينتمون إليها وإلى سلطة زعيم روحي… وراء كل هذا يقبع سؤال خطير ملحّ عن مغزى الحياة أو الوجود”( 23).

إن التاريخ الإسلامي سجل لنا إسهامات في العلوم وإنتاجات في التكنولوجيا واكتشافات في الطب وإبداعات في الفنون والعمران وسائر الشؤون المدنية، جعلت من البلاد الإسلامية متحفاً رائعاً ومشهداً فتّاناً لكل من يفد إليه من الشرق والغرب. يقول ديورانت:“كان الإقليم المحصور بين بخارى وسمرقند يعد في أثناء القرن العاشر “إحدى الجنات الأرضية الأربع” وكانت الثلاث الأخر هي جنوبي فارس، وجنوبي العراق، والإقليم المحيط بدمشق في بلاد الشام”( 24). ويقول:“كان العرب على جانب كبير من المهارة الآلية الفنية، وشاهد ذلك أن الساعة المائية التي أهداها هارون الرشيد إلى شارلمان قد صنعت من الجلد والنحاس الأصفر المنقوش. وكانت تدل على الوقت بفرسان من المعدن يفتحون كل ساعة باباً يسقط منه العدد المطلوب من الكرات على صنجة، ثم ينسحبون ويغلقون الباب”(25 ). ويتابع قائلاً:“وبلغت بلاد آسية الغربية تحت حكم المسلمين درجة من الرخاء الصناعي والتجاري لم تصل إليها بلاد أوربا قبل القرن السادس عشر”( 26).

لقد سخّرت المدنية في المجتمع الإسلامي لخدمة البشرية ولم تسخّر لإبادة الشعوب وإذلالها، فما قام به المسلمون كما تقول الفيلسوفة الألمانية زيغريد هونكة: “لهو عمل إنقاذي له مغزاه الكبير في تاريخ العالم”( 27).

إن علماء الغرب أنفسهم يشهدون أن البنيان العلمي والتكنولوجي، وعلوم الطب والفيزياء والكيمياء والهندسة وما شاكل ذلك مما توصل إليه الغرب اليوم قام بغالبيته بدعامة النظريات والمنجزات التي حققها العالم الإسلامي إبان عصور نهضته. تقول زيغريد هونكة:“لقد قدم المسلمون أثمن هدية، وهي طريقة البحث العلمي الصحيح التي مهدت أمام الغرب طريقه لمعرفة أسرار الطبيعة وتسلطه عليها اليوم”( 28).

ويقول ديورانت:“لما أعلن روجر بيكن هذه الطريقة إلى أوربا بعد أن أعلنها جابر بخمسمائة عام كان الذي هداه إليها هو النور الذي أضاء له السبيل من عرب الأندلس، وليس هذا الضياء نفسه إلا قبساً من نور المسلمين في الشرق”( 29). ويقول الأستاذ محمد أسد (ليوبولد فايس): “إن النهضة أو إحياء العلوم والفنون الأوربية باستمدادها الواسع من المصادر الإسلامية والعربية على الأخص كانت تعزى في الأكثر إلى الاتصال المادي بين الشرق والغرب، لقد استفادت أوربا أكثر مما استفاد العالم الإسلامي، ولكنها لم تعترف بهذا الجميل”(30 ).

إن تلك الثورة التكنولوجية، العظيمة التي شهدها القرن العشرون من اكتشاف الذرة واختراق للفضاء وغير ذلك، لا تعزى إلى الحضارة الغربية بقدر ما تعزى إلى تراكم المعلومات والاكتشافات والنظريات والقواعد المعرفية في الذهن البشري وسجلاته المدونة. أي إن تلك الثورة الصناعية كانت تنتظر أي حضارة ناهضة لتثمر على يديها فصادف أن كان دور الحضارة الغربية المعاصرة. بدليل أن النهضة الشيوعية - على ما فيها من مناقضة للحضارة الغربية - حققت إبان إزدهارها نفس المستوى الذي حققه الغرب من التقدم المدني والتكنولوجي، ولولا الانحطاط الذي ألمّ بكيان المنظومة الشيوعية ولاسيما الاتحاد السوفياتي لبقيت تزاحم الغرب في ذلك المجال. كما أن الحضارة الإسلامية اليوم أيضاً مرشحة لأن تلعب ذلك الدور إذا ما عادت الأمة الإسلامية إلى إحيائها من جديد.

لقد بدأت شعوب الغرب اليوم تكتشف أن نهضتها تلك ليست سبباً للسعادة بل هي سبب للشقاء والتعاسة والقلق والخوف والسعي وراء السراب.

وصدق الله العظيم إذ قال: { والذينَ كَفَروا أعمالُهُم كَسَرابٍ بِقِيعةٍ يحسَبُهُ الظمآنُ ماءً حتى إذا جاءهُ لم يجدْهُ شيئاً وَوَجدَ الله عِندَهُ فَوفّاهُ حِسابَه والله ُ سريعُ الحساب }(31 ).

وإنه إذا كانت الشيوعية أقصر عمراً وأضيق نفساً فانهارت حضارتها بطرفة عين بسبب مصادمتها العنيفة للفطرة ونكايتها لعقل الإنسان وبديهته، فإن الحضارة الغربية سرعان ما ستلحق بها بعد أن تصل بالشعوب الغربية إلى الحضيض. وإذا كانت الشيوعية هي تلك المطرقة التي هوت على رأس الإنسان، أو ذلك المنجل الذي أصاب عنقه فأطاح برأسه وأرداه قتيلاً بالضربة القاضية، فإن الحضارة الغربية الرأسمالية هي ذلك السم الذي يجري في عروق الجسد دون أن يحس به الإنسان فتخور قواه شيئاً فشيئاً إلى أن يلقى حتفه وهو غافل عن نفسه. والذين تنبهوا إلى الخطر المحدق بالمجتمع الغربي يدعون، كما دعا برجنسكي الولايات المتحدة “إلى مراجعة كاملة للفلسفة المادية التي تقوم عليها حضارتها وإخضاع هذه الحضارة إلى عملية نقد ذاتي صارمة، كما أن على أمريكا أن تصل إلى قناعة بأن المجتمع الذي لا يمتلك قيماً وثوابت مطلقة، والذي يقوم على فلسفة تحقيق المتعة الذاتية وإرضاء النزوات هو مجتمع محكوم عليه بالانهيار والذوبان. وفي هذا الصدد يهيب برجنسكي بأمريكا أن تفقه دروس التاريخ في ازدهار الحضارات وانهيارها وفي تبوئها مرتبة الريادة وانحسارها عن هذه المرتبة فيقول: إن التاريخ يعلمنا أنه لا بد لأية قوة عظمى - لكي تحافظ على دور الريادة - من رسالة حضارية تقوم على فضائل الأخلاق وتكون نموذجاً يحتذى من الآخرين عن طواعية لا بالقوة والإكراه… وفي غياب هذه الرسالة الحضارية فإن النموذج الأميركي سيتم رفضه كما رُفض النموذج الشيوعي السوفياتي من قبل”(32 ).

بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية

إن التطور في العمران والمدنية والتقنية والعلوم والنواحي المادية، وإن كان أمراً مهماً لاستمرار الحضارات، إلا أنه ليس المقياس في الحكم على مدى رقي الحضارة أو انحطاطها، ولا على مدى صوابيتها أو فسادها. فإذا كانت الحضارة كما أسلفنا هي مجموعة من المفاهيم تكيّف نمط العيش في المجتمع، فإن هذه الحضارة تُقوّم بالنظر إلى ما أوجدته في المجتمع من طريقة في العيش وما أمّنته للإنسان من الاستقرار والاطمئنان والهناء. لذلك ليس غريباً أن نقوم بمقارنة بين الحضارة الإسلامية التي تجلت على أرض الواقع طوال العصور الوسطى وبين الحضارة الغربية المعاصرة على ما وصلت إليه من تطور مدني وتكنولوجي وعلمي. فجوهر التباين بين هاتين الحضارتين هو بالدرجة الأولى تباين نوعي، وليس تبايناً في مدى التقدم المدني والتقني أو ما شاكل ذلك.

وإذا كان التباين النوعي البعيد بين كل من هاتين الحضارتين يجعل من الصعب علينا استيفاء المقارنة، فبإمكاننا أن نذكر قسطاً من تلك الفروق.

فعلى الصعيد السياسي، نجد أن الإسلام استطاع أن يجعل من الأمة الإسلامية على اختلاف قومياتها وشعوبها وألوانها وألسنتها مجتمعاً واحداً. فقد توفي رسول الله r بعد أن دخلت الجزيرة العربية كلها في الإسلام، وبعد أن قضي على الشرك فيها وبعد أن أصبحت دار إسلام تحكم بالإسلام كله عقيدة ونظاماً. وجاء بعده الخلفاء الراشدون فتتابعت الفتوحات، ففتح العراق وكان يسكنه خليط من النصارى والمزدكية والزرادشتية من العرب والفرس، وفتحت فارس وكان يسكنها العجم وقليل من اليهود والرومانيين، وكانت تدين بدين الفرس، وفتحت الشام وكانت إقليماً رومانياً يتثقف بثقافة الرومانيين ويتدين بالنصرانية ويسكنه السوريون والأرمن واليهود وبعض الرومان وبعض العرب، وفتحت شمال إفريقية وكان يسكنها البربر وكانت في يد الرومان. وجاء بعد الخلفاء الراشدين الأمويون، ففتحوا السند وخوارزم وسمرقند وأدخلوها ضمن أراضي الدولة الإسلامية، ثم فتحت الأندلس وأصبحت ولاية من ولاياتها. وكانت هذه الأقطار المتعددة متباينة القوميات واللغة والدين والتقاليد والعادات والقوانين والثقافة، وطبيعياً كانت مختلفة العقلية مختلفة النفسية، ولذلك كانت عملية صهرها ببعضها وتكوين أمة واحدة منها موحدة الدين واللغة والثقافة والقوانين أمراً عسيراً وعملاً شاقاً، يُعَدّ النجاح فيه شيئاً غير عادي، ولم يحصل لغير الإسلام، ولم يتحقق إلا للدولة الإسلامية. فإن هذه الشعوب جميعها بعد أن ظللتها الراية الإسلامية ودخلت في الإسلام صارت أمة واحدة(1 ).

ويصف ديورانت انصهار الشعوب والقوميات بالحضارة الإسلامية قائلاً:“اتخذ غير المسلمين على مر الزمن اللغة العربية لساناً لهم، ولبسوا الثياب العربية، ثم انتهى الأمر باتباعهم شريعة القرآن واعتناق الإسلام. وحيث عجزت الهلّينية عن أن تثبت قواعدها بعد سيادة دامت ألف عام، وحيث تركت الجيوش الرومانية الآلهة الوطنية ولم تغلبها على أمرها، وفي البلاد التي نشأت فيها مذاهب مسيحية خارجة على مذهب الدولة البيزنطية الرسمي. في هذه الأقاليم كلها انتشرت العقائد والعبادات الإسلامية، وآمن السكان بالدين الجديد وأخلصوا له، واستمسكوا بأصوله إخلاصاً واستمساكاً أنسياهم بعد وقت قصير آلهتهم القدامى، واستحوذ الدين الإسلامي على قلوب مئات الشعوب في البلاد الممتدة من الصين وأندونيسيا والهند إلى فارس والشام وجزيرة العرب ومصر وإلى مراكش والأندلس، وتملّك خيالهم وسيطر على أخلاقهم وصاغ حياتهم وبعث فيهم آمالاً تخفف عنهم بؤس الحياة ومتاعبها، وأوحى إليهم العزة والأنفة، حتى بلغ عدد من يعتنقونه ويعتزون به في هذه الأيام نحو ثلاثمائة وخمسين مليوناً من الأنفس( 2)، يوحد هذا الدين بينهم ويؤلف قلوبهم مهما يكن بينهم من الاختلافات والفروق السياسية”(3 ).

لقد انتظم الإسلام في كثير من حقبات التاريخ مختلف تلك الشعوب في دولة واحدة موحدة، وإذا شهد التاريخ انفصال بعض الدول والإمارات عن جسم الخلافة الإسلامية، فإنه لم يكن مردّ ذلك إلى النزاعات القومية أو العرقية، ولا إلى تصدع في المجتمع الإسلامي، بقدر ما كان مردّه إلى إساءة تطبيق النظام وتسابق الأمراء والعائلات على السلطة، بدليل أن الأمة بقيت اللُحمة بين شعوبها قوية ولم تفصل بينها أي حدود سياسية.

بينما نجد الغرب إلى اليوم، رغم قيامه على مبدأ واحد ورغم أن حضارته واحدة، إلا أنه لم يستطع تذويب القوميات وصهرها لتصبح الشعوب الغربية كياناً سياسياً واحداً. فها هي المحاولة التي قام بها نابليون بونابرت لتوحيد أوربا مع بداية التاريخ الأوربي المعاصر، والتي اغتذت بالطاقة القومية الفرنسية تسقط أمام جدران القوميات الأوربية المختلفة. ثم ها هو القرن العشرون يشهد حربين عالميتين مدمرتين كانت النزعات القومية في أوربا من أهم عواملهما وأسبابهما. وها هو مشروع الوحدة الأوربية اليوم يشهد صعوبات جمة أيضاً بسبب التعصب القومي لدى شعوب أوربا، مع أن الوحدة المطروحة ليست وحدة كاملة، وإنما تقتصر على الناحية الاقتصادية والسياسة الخارجية والعسكرية دون الثقافية والتربوية والاجتماعية والمدنية وما شاكل ذلك.

أما على الصعيد الاقتصادي فإن التاريخ الإسلامي يروي لنا أوضاعاً من المعيشة قلّما شهد التاريخ عدالتها. فقد أحسن النظام الاقتصادي الإسلامي توزيع الثروة بحيث كاد المجتمع الإسلامي في أكثر حقبات تاريخه يخلو من البؤس الحقيقي.ويكفي أن نتذكر أحد أركان الإسلام الأساسية، و الذي يتكفل بإيجاد قدر كبير من التوازن الاقتصادي في المجتمع، ألا وهو الزكاة، التي قال الله تعالى عنها في القرآن الكريم: { وفي أموالهم حق للسائل والمحروم }( 4). عدا عن سائر الصدقات والعطايا التي كانت كثيرة متعددة. وهذا نابع من سياسة الاقتصاد في الإسلام التي ترمي إلى ضمان تحقيق الإشباع لجميع الحاجات الأساسية لكل فرد إشباعاً كلياً وتمكينه من إشباع الحاجات الكمالية بقدر ما يستطيع( 5). فالطب مثلاً كان مكفولاً للجميع مجاناً، يقول ديورانت:“تزعم الإسلام العالم كله في إعداد المستشفيات الصالحة وإمدادها بحاجاتها، مثال ذلك أن البيمارستان الذي أنشأه نور الدين في دمشق عام 1160 ظل ثلاثة قرون يعالج المرضى من غير أجر ويمدهم بالدواء من غير ثمن، ويقول المؤرخون إن نيرانه ظلت مشتعلة لا تنطفىء 267 سنة”( 6).

حتى إن هذه العدالة لم تستثن العبيد المماليك، فلقد أوصى الرسولr بحسن معاملة العبد، لذلك فإن السيد كما يشهد ديوارنت “كان في العادة يحسن معاملته إلى حد لم يكن معه مركزه أسوأ من مركز العامل في المصانع الأوربيّة في القرن التاسع عشر، بل لعله كان أحسن حالاً من ذلك الصانع، لأنه كان أأمن على حياته منه”(7 ).

وشهدت البلاد الإسلامية ازدهاراً اقتصادياً مدهشاً لم يكن لواحدة من الدول القائمة آنذاك حتى أن تحلم به، ويكفينا نموذجاً أن نذكر ما أورده ديورانت عن الاقتصاد في الأندلس حيث قال:“بلغت الإيرادات في أيام عبد الرحمن الثالث 000،045،12 دينار ذهبي وأكبر الظن أن هذا كان يفوق إيرادات حكومات البلاد المسيحية اللاتينية مجتمعة. ولم يكن مصدر هذه الإيرادات هو الضرائب العالية بقدر ما كان أثراً من آثار الحكم الصالح، وتقدم الزراعة والصناعة ورواج التجارة”( 8). وكلام ديورانت هذا يدل بشكل واضح على أن الدولة الإسلامية لم تكن دولة استعمارية، وأن الاقتصاد الإسلامي لم يكن قائماً على امتصاص دماء الشعوب ونهب خيراتها وثروات أراضيها، بل كانت الشعوب التي تدخل حظيرة الإسلام تنعم بعدالة الاقتصاد الإسلامي حتى ولو لم تدخل الإسلام. يقول المستشرق أستانلي لين بول في كتابه “حكم المسلمين في إسبانيا”:“لم تنعم الأندلس طوال تاريخها بحكم رحيم عادل، كما نعمت به في أيام الفاتحين العرب”(9 ). ويذكر ديورانت أن المسيحيين في الأندلس كثيراً ما كانوا يفضلون حكم المسلمين على حكم المسيحيين ( 10)، وأن الأقاليم التي وقعت تحت حكم العثمانيين كرودس واليونان أو البيزنطيين أو البنادقة، حتى بلاد المجر نفسها ارتأت أن الأحوال فيها صارت تحت حكم سليمان إلى أحسن مما كانت عليه أيام آل هابسبرج( 11).

أما الغرب الراقي اليوم، فإنه لم يستطع أن يوقف عود اقتصاده إلا بعد أن استعمر العالم وسيطر على موارده ومصادر ثروات شعوبه وامتص دماءهم. وهو لا يزال يمعن تفكيكاً وتمزيقاً لبلاد العالم وإشعالاً للفتن فيه، حتى يبقى متربعاً على عرشه ناقباً لمناجمه مستنبطاً آباره حاصداً أراضيه قاطفاً جنانه ومسخّراً طاقاته. ورغم غنى الغرب الفاحش وأمواله الطائلة لم يستطع النظام الرأسمالي أن يحسن توزيع الثروة بين أفراد المجتمع، فنرى الفروقات في مستوى الملكية تفوق حد التصور، ونجد في أغنى بلاد الغرب كالولايات المتحدة ألوفاً بل ملايين من العاطلين عن العمل الذين يسكنون الملاجىء أو المستودعات أو الأزقة أو ربما المجارير. ها هو أحد كبار الفاعلين في السياسة الأميركية وهو زبغنيو برجنسكي مستشار الأمن القومي للرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر والذي يعمل حالياً مستشاراً في مركز الدراسات الاستراتيجية والعالمية بواشنطن يدق ناقوس الخطر من الأزمات المختلفة التي تعصف بالمجتمع الغربي عموماً ومجتمع الولايات المتحدة بشكل خاص فيقول حين كلامه عن المشاكل الاجتماعية والسياسية إنه على الرغم من إنفاق مبالغ هائلة في مجال النظام الصحي إلا أن عشرات الملايين من المواطنين الأمريكان لا يتمتعون بالرعاية الصحية المطلوبة، ويشكو من تهلهل البنية الاجتماعية وتداعي المرافق العمرانية حيث توجد أحياء سكانية فقيرة ومتداعية شبيهة بالموجود في أفقر دول العالم الثالث، ويتكلم عن “تجذر” مشكلة العنصرية والفقر، حيث تشير الإحصاءات إلى حقيقة مؤلمة ومخجلة وهي أن نسب الأمريكيين الذين يعيشون تحت خط الفقر يشكلون 7،35 مليون مواطن أمريكي، ولا يجد قسم كبير منهم سقفاً يستظل به، وهذه الحالة - على حد تعبير برجنسكي - لا تليق بالقوة العالمية الوحيدة(12 ).

النهضة الصحيحة والنهضة الخاطئة

إذا كان معظم المفكرين والمؤرخين والفلاسفة الغربيين يقفون عند حد البحث عن النهضة وأسبابها وتفسيرها، فمن الخطأ أن نتابعهم على ذلك. فها هو التاريخ قد أعطانا نماذج عدة من النهضات. ولم تكن كل نهضة كالأخرى، وإنما هناك اختلاف جوهري عميق، بل وأساسي بين نهضة وأخرى. فليس من الصواب أن يكتفي الإنسان بالبحث عن مطلق نهضة، بل عليه أن يبحث عن تلك النهضة التي تؤدي إلى هناء الإنسان أي إلى طمأنينته الدائمة. وبعبارة أخرى: ما دام هناك نهضة صحيحة وأخرى فاسدة، فهذا يعني أن على الإنسان أن يتحرى تلك الصحيحة.

إذا كان المبدأ - بعقيدته ونظامه - هو سر النهضة، فهذا يعني أن النهضة الصحيحة منبعها المبدأ الصحيح. والمبدأ الصحيح هو ذلك الذي يقوم على العقيدة الصحيحة التي تقنع العقل وتوافق الفطرة الإنسانية فتملأ القلب طمأنينة. وهذه العقيدة من شأنها أن تعطي الإجابة الصادقة والفكرة الصائبة عن الكون والإنسان والحياة. وهذا المبدأ هو القابل للتطبيق في أي زمان وأي مكان، وهو الكفيل للإنسان بالنهضة الصحيحة.

أما المبدأ الذي يقوم على عقيدة خاطئة، فإنه لا يكون قابلاً للتطبيق، إلا بقدر ما يجد في المجتمع من ظروف وأوضاع مواتية ومتناغمة مع طرحه وتوجهه، وغالباً ما تكون قابليته للتطبيق آتية من كونه هو بحد ذاته رد فعل على أوضاع أو أزمات تفاقمت في مجتمع ما، كما هو شأن المبدأ اللبرالي. ثم سرعان ما يكتشف القائمون عليه عدم قابليته للاستمرار مطبقاً بعد أن يكتشف المجتمع مخالفته لعقولهم وتنافره مع فطرتهم، وسرعان ما يرتكس ذلك المجتمع من جديد في ظل نظام كان هو نفسه السبب في نهضته فيما مضى من الزمان. وأقرب مثال إلينا هو المبدأ الشيوعي.

فقد أحدث ذلك المبدأ نهضة لم تستطع الاستمرار أكثر من عدة عقود لشدة ما بلغ من الفساد. ذلك أن عقيدته صادمت فطرة الإنسان وعقله حين نفت وجود الخالق سبحانه، فقالت “لا إله والحياة مادة”. فالفطرة الإنسانية تنزع بطبيعتها إلى عبادة الخالق المدبر، والعقل يقطع ويجزم بأن الكون والإنسان والحياة كلها مخلوقة لخالق، وذلك لما يظهر فيها من محدودية وعجز ولما يتجلى فيها من آثار الإبداع والإتقان التي تدل على مبدع حكيم أحسن خلقها. وبالتالي انبثق عن هذه العقيدة نظام عفن فاسد هو النظام الاشتراكي، رفع الإنسان لحظة من عمر التاريخ ليودي به إلى الهاوية ولم يتزحزح عن صدره إلا وقد أرداه صريعاً خائر القوى لا يقدر على شيء.

أما المبدأ اللبرالي الرأسمالي الذي ظهر كانسلاخ عن أوضاع العصور الوسطى في أوربا، فهو أيضاً مبدأ خاطىء. ذلك أن عقيدته - عقيدة فصل الدين عن الحياة - ليست عقيدة روحية. فهي بعد أن اعترفت بأن الإنسان مخلوق لخالق - علماً أنها لا تجزم بذلك - فصلت ذلك الإنسان عن خالقه وقالت له:" إن الخالق خلقك على هذه الأرض ثم تخلى عنك وتركك لتدبر أمرك كيفما شئت"(1 ). فخالفت بذلك فطرة الإنسان الذي يرى نفسه عاجزاً قاصراً محدوداً، ويرى خالقه مدبر أمره وحياته كلها.

وإذا كانت تلك العقيدة - التي هي أصل المبدأ - فاسدة خاطئة فمن الطبيعي أن تكون الأنظمة التي انبثقت عنها فاسدة، والحضارة التي قامت عليها منحرفة.

أما الإسلام، فهو مبدأ مقنع للعقل وموافق للفطرة. ذلك أن عقيدته التي أوحاها الله تعالى إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أعطت الفكرة الكلية الصحيحة عن الكون والإنسان والحياة حين قررت أنها جميعها مخلوقة لخالق، وعما قبل الحياة الدنيا وهو الله تعالى، وعما بعدها وهو يوم القيامة، وحددت علاقة الإنسان بخالقه، وهي وجوب الانقياد لأوامره ونواهيه وتسيير الحياة بالنظام الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وربطت الإنسان وهو يعيش على هذه الأرض بيوم القيامة وما بعده وذلك بأن وعدته بالجنة إن هو فوّض أمره لخالقه سبحانه وانقاد لأوامره ونواهيه، وتوعدته بالنار إن هو خالف وتمرد وعصى. يصف الله تعالى لنا رحلة الإنسان منذ نزوله إلى الأرض وحتى خروجه منها يوم الحساب قائلاً:

{ قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }(2 ).

وبذلك كانت هذه العقيدة مقنعة لعقل الإنسان الذي يخاطبه القرآن الكريم قائلاً :{ أفي الله شك فاطر السموات والأرض }( 3). وكذلك كانت هذه العقيدة موافقة لفطرة الإنسان التي تنزع إلى عبادة الخالق المدبر، والتي تكلم عنها القرآن الكريم قائلاً: { فأقم وجهك للدين حنيفاً فِطْرَتَ الله التي فطرَ الناس عليها لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون }( 4).

وهكذا كانت هذه العقيدة عقيدة روحية(5 )، فلا تعارض في الإسلام بين المادة والروح أو الناحية الروحية. فإذا كانت الروح هي إدراك الصلة بالله تعالى، فإن الإسلام يكون قد ربط بين المادة والروح حين أمر الإنسان بأن يسيّر أعماله المادية بأوامر الله ونواهيه، فيدرك صلته بالله تعالى حين القيام بالأعمال، فيجمع بين عمارة الدنيا ورضوان الله تعالى. وفي الوقت نفسه كانت هذه العقيدة عقيدة سياسية بما انبثق عنها من نظام للإنسان في حياته ومجتمعه ودولته.

هكذا ندرك الفرق بين الظواهر النهضوية في التاريخ. وهذا ما يجعلنا نقف عند التفسير الحقيقي لتميّز النهضة الإسلامية عن كل ما سواها من النهضات تميّزاً كلياً. وإذا كان لا بد لنا من عرض مقارنة بين النهضة الإسلامية وغيرها، فمن الخطأ أن تكون بينها وبين حضارة العصور الوسطى الأوربية، ذلك لأن العصور الوسطى الأوربية باعتراف الجميع لم تكن عصور نهضة وإنما كانت عصور انحطاط. إذن فلتكن المقارنة بين نهضة الحضارة الإسلامية ونهضة الحضارة الغربية المعاصرة التي تهيمن على العالم اليوم.


**(1)راجع: بهجة المعرفة- المجموعة الثانية - ج 4 - ص 359.

(2) سورة البقرة - الآيتان 38 - 39.

(3)سورة إبراهيم - الآية 10.

(4)سورة الروم - الآية 30.

(5) أنظر موضوع “الروح والناحية الروحية” في هذا الكتاب.**

لا إلــه إلا الله مـحمـد رسـول الله
القاعدة الفكرية للمسلمين

قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً * فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً }( 1).
إن الإنسان الراقي، هو ذلك الإنسان الذي يتخذ لفكره قاعدة معينة يسير وفقها وتعيّن له وجهة نظره في الحياة وتجعل من أفكاره بنياناً متكاملاً ونسقاً متناغماً، فلا تتضارب أفكاره ولا تتناقض ولا يأكل بعضها بعضاً، مما يجعل منه شخصية متميزة ذات لون معين واتجاه ثابت وموقف حازم ورأي واضح.
أما الإنسان الذي لا يملك تلك القاعدة الفكرية فإنه يحمل مزيجاً من الأفكار غير متجانس ولا متكامل، وإنما هو مزيج من المتناقضات والمتنافرات. فكل فكرة تضرب الأخرى وكل رأي يأكل الآخر. وهذا الإنسان لا يثق بفكرة يحملها، ولا يجزم برأي يصدره،ولا يثبت على موقف يتخذه،وأفكاره هي دائماً في مهب الريح، عرضة لأن تتطاير مع أية نسمة تمر بها. وهذا ما يجعل منه شخصية مضطربة متلونة ضعيفة، إنها الشخصية “المنخفضة”.
لذلك أراد الله عز وجل لعقيدة المسلمين أن تكون أساساً لتفكير المسلم كله وسلوكه كافة. قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة }(2 ). فالعقيدة الإسلامية ليست كسائر العقائد الدينية، تتناول جزءاً من تفكير الإنسان وتلقي بظلالها فقط على كمية محدودة من أفكاره. بل هي العقيدة التي لا يتأتى لمسلم يعتنقها ويفهمها حق فهمها إلا أن يبني كل أفكاره وثقافته وآرائه عليها، وأن لا يحمل أي رأي أو فهم يناقضها، وهذا ما يجعل من العقيدة الإسلامية قاعدة فكرية. وهكذا نفهم أول آية نزلت على رسول الله r : { إقرأ باسم ربك الذي خلق }( 3).
ومن هنا وجب على المسلم أن يستحضر عقيدته وما تحويه وتقتضيه من أفكار، حين يستمع لأي فكر، وحين يقرأ أي بحث، وحين يرى أي حدث ويسمع أي خبر. وبذلك فإن ذهنه لن يتقبل أي مفهوم يتعارض مع عقيدته التي يحملها.
فالعقيدة الإسلامية هي الجواب الجازم على الأسئلة الأساسية التي تشكل العقدة الكبرى لدى الإنسان. إنها الإجابة القاطعة عن أصل الإنسان والكون والحياة وعن مآلها، وهي التي تفسر للإنسان معنى وجوده والغاية التي يحيا من أجلها. وبذلك كانت جديرة بأن تكون الأساس لكل ثقافة الإنسان والسراج الذي ينير له طريقه في حياته الدنيا، قال تعالى : { أوَ من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها }( 4). ولأن العقيدة الإسلامية هي العقيدة الصحيحة الحقة التي أوحاها الله تعالى إلى كل أنبيائه، كانت كفيلة بأن تعطي الإنسان موقفاً من كل فكر ورأي وحدث، قال تعالى : { ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء }(5 ).
انظر إلى هاتين الآيتين الكريمتين، وهما تبينان هذه السمة الجوهرية للعقيدة الإسلامية.
{ ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء * تؤتي أُكُلَها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون }( 6).
إن الكلمة الطيبة التي تذكرها الآية الكريمة كما فسرها أغلب المفسرين هي العقيدة الإسلامية، قال ابن عباس : “الكلـمــة الـطــيــبة لا إلـه إلا الله”، وقال مجاهد وابن جريج : “الكلمة الطيبة الإيمان”(7 ). فالله تعالى يشبه الإسلام بالشجرة الطيبة الطاهرة، فكما أن أصل تلك الشجرة ثابت في الأرض مكين قوي، كذلك الإسلام فإن عقيدته هي أصل مقطوع به جازم يقيني، صالح لأن يكون أساساً لكل فروعه من أحكام وأفكار وآراء ووجهة نظر. وكما هي تلك الشجرة التي ذكرتها الآية والتي تذكر الآثارُ النبوية أنها النخلة(8 ) تؤتي أُكُلها كل حين، فلا تعرى من الورق، ويأكل الإنسان من ثمرها على مدار السنة بلحاً ورطباً وتمراً، كما هي تلك الشجرة فكذلك الإسلام، يؤتي أكله كل حين بإذن الله تعالى، فلا يعجز عن إمداد المسلم وإسعافه بالموقف اللازم إزاء أي فكر أو رأي أو حدث من الأحداث.
ثم بعد ذلك يأتي قوله تعالى : { يثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة…}(9 )، فتؤكد هذه الآية المعنى ذاته. فالقول الثابت كما يقول ابن عباس هو “لا إله إلا الله”. فالعقيدة الإسلامية هي التي تجعل من المسلم إنساناً ثابتاً وطيداً أمام كل استحقاقات الحياة.
وتأمّلْ في قوله تعالى : { ومن يؤمن بالله يَهْدِ قلبه والله بكل شيء عليم }( 10). فالله عز وجل يخـبرنا فـي هذه الآيــة الكريمة أن الإيمان به -وبالتالي الإيمان بما أوجب من العقائد- هو الذي يهدي قلب الإنسان. والقلب حين يرد ذكره في القرآن الكريم فإنه يراد به غالباً العقل، قال تعالى : { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها }( 11). وبذلك يكون الإيمان بالله مرشداً للعقل موجهاً له في كل ما يعترض الإنسان في حياته، ولذلك ختم الله تعالى الآية بقوله : { والله بكل شيء عليم }، أي إن الله هو الذي يعلم كل شيء وهو القادر على أن يعلم الإنسان ما يلزمه في حياته، كما في قوله تعالى: { واتّقوا الله ويُعَلِّمُكم الله }( 12).
هذه هي أهم سمة ميّزت المسلمين الذين حملوا الإسلام في صدر التاريخ الإسلامي. فأولئك الصحابة الذين كانوا في الجاهلية يحملون عقائد الكفر ويعبدون الأوثان ويقارفون الفواحش ويئدون البنات ويحيوْن حياة الانحطاط والتخلف ويتخلقون بأخلاق القبلية العصبية الجاهلية، أولئك تحولوا بمجرد أن أصبحت العقيدة الإسلامية قاعدة تفكيرهم إلى أناس آخرين، وكأن تلك الأبدان أصبحت تحوي في داخلها نفوساً أخرى غير تلك التي كانت تحويها. فإذا الرجل منهم يصبح شخصية متميزة ترفض كل عقائد الجاهلية وتأنف عاداتها الهابطة وتزدري مفاهيمها وتقاليدها البالية العفنة. وإذا بتلك القاعدة الفكرية الجديدة تنير لهم طريق الرشاد وتكشف لهم الأشياء على حقيقتها والناس على قدرهم، وتملأ عقولهم بثقافة عظيمة هي بمثابة البنيان الشامخ والصرح العظيم الذي قام على الأساس المتين، حتى اصبح الواحد منهم يوصف بحق بأن سلوكه القرآن.

فالمبدأ في اصطلاح الناس جميعاً هو الفكر الأساسي الذي تبنى عليه أفكار. ولا يصح أن يسمى الفكر مبدأ إلا إذا كان فكراً أساسياً تنبثق عنه كل الأفكار عن الحياة. والفكر الأساسي هو الذي لا يوجد قبله فكر مطلقاً. وهذا الفكر الأساسي محصور في الفكرة الكلية عن الكون والإنسان والحياة ولا يوجد غيرها فكر أساسي، لأن هذا الفكر هو الأساس في الحياة.

وإن هذا المبدأ كفيل بأن ينهض بالإنسان، إلا أنه لا ينهض به النهضة الصحيحة إلا إذا كان حلاً صحيحاً يوافق فطرة الإنسان، ويقنع العقل، فيملأ القلب طمأنينة.

والمبدأ لا بد أن ينشأ في ذهن شخص، إما بوحي الله له به وأمره بتبليغه، وإما بعبقرية تشرق في ذلك الشخص. أما المبدأ الذي ينشأ في ذهن إنسان بوحي الله له به، فهو المبدأ الصحيح، لأنه من خالق الكون والإنسان والحياة، وهو الله تعالى، فهو مبدأ قطعي الصحة. وأما المبدأ الذي ينشأ في ذهن شخص بعبقرية تشرق فيه فهو مبدأ باطل، لأنه ناشىء من عقل محدود يعجز عن الإحاطة بالوجود، ولأن فهم الإنسان للتنظيم عرضة للتفاوت والاختلاف والتناقض والتأثر بالبيئة التي يعيش فيها، مما ينتج النظام المتناقض المؤدي إلى شقاء الإنسان، لذلك كان المبدأ الذي ينشأ في ذهن شخص باطلاً في عقيدته وفي نظامه الذي ينبثق عنها، { اتَّبِعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء }( 3).

من هنا كان الإسلام هو المبدأ الوحيد الصحيح في الدنيا، فالإسلام الذي أوحاه الله تبارك وتعالى إلى نبيه محمد  وختم به الرسالات عمد إلى العقدة الكبرى فحلها للإنسان حلاً يوافق الفطرة ويملأ العقل قناعة والقلب طمأنينة.

فلقد بيّن الإسلام أن وراء الكون والحياة والإنسان خالقاً خلقها هو الله تعالى، ولذلك كان أساسه الاعتقاد بوجود الله تعالى. والإيمان بالله يجب أن يقترن بالإيمان بنبوة محمد ورسالته، وبأن القرآن الكريم كلام الله، فيجب الإيمان بكل ما جاء به. ولهذا كانت العقيدة الإسلامية تقضي بأنه يوجد قبل الحياة ما يجب الإيمان به، وهو الله تعالى، وتقضي بالإيمان بما بعد الحياة وهو يوم القيامة، وبأن الإنسان في هذه الحياة الدنيا مقيد بأوامر الله ونواهيه، وهذه هي صلة الحياة الدنيا بما قبلها، ومقيد بالمحاسبة على اتباع هذه الأوامر واجتناب هذه النواهي، وهذه هي صلة الحياة الدنيا بما بعدها. ولذلك كان حتماً على المسلم أن يدرك صلته بالله تعالى حين القيام بالأعمال - أي في سلوكه - فيسيّر أعماله بأوامر الله ونواهيه.

ومن أجل أن يسيّر الإنسان أعماله وفق أوامر الله ونواهيه، وحتى تكون العقيدة الإسلامية قاعدة فكرية لمفاهيمه، جعل الله تعالى الشريعة الإسلامية شريعة شاملة لكل نواحي الحياة، تنظم سلوك الإنسان كله، وتعالج جميع مشاكله وتنتظم جميع أفعاله. فأعطى حكماً شرعياً لكل فعل من أفعال العباد، فإن أي فعل من أفعال العباد ينطبق عليه أحد الأحكام الشرعية الخمسة وهي : الوجوب والتحريم والندب والكراهية والإباحة. قال تعالى : { ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء }(4 ).

ومن مجموع تلك الأحكام الشرعية تكونت أنظمة الحياة. فعلاوة على أحكام العبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات، شرع لنا الإسلام أنظمة للحياة والمجتمع والدولة، بما في ذلك سياستها الداخلية، من نظام للحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم، وكذلك سياستها الخارجية من أحكام الجهاد والمعاهدات والحرب والسلم وغيرها. قال عز وجل : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً }( 5).

وبذلك كان الإسلام المبدأ الوحيد الكفيل بإنهاض البشرية النهضة الصحيحة وإيصالها إلى السعادة الحقيقية. وإن التاريخ خير شاهد على هذه الحقيقة العظيمة. فالقرون التي شهدت تطبيق الإسلام بشكله الصحيح شهدت أعظم نهضة عرفها النوع الإنساني. وإذا أراد البشر اليوم ? وعلى رأسهم المسلمون - أن ينعموا بنهضة تعلي الإنسان وتكرمه وتوصله إلى السعادة، فعليهم أن يعيدوا المبدأ الإسلامي إلى معترك الحياة من خلال تطبيقه في المجتمع والدولة. عندها سيخرجون من دياجير الظلم والظلمات إلى رحابة النور والعدل. وصدق الله العظيم إذ قال : { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات }( 6).


**(1)سورة الزخرف - الآية 32

(2) سورة الرعد - الآية 11

(3) سورة الأعراف - الآية 3

(4) سورة النحل - الآية 89

(5)سورة المائدة - الآية 3

(6)سورة البقرة - الآية 257**

إلإسلام ألمبدأ

إن الإنسان بطبعه وفطرته يبحث عن السعادة والرقي والرَّفاهَةِ، ويسعى إلى حياة كريمة يتجلى فيها ارتفاعه وعلوه فوق سائر المخلوقات.

ولقد بحث الإنسان منذ القدم عن السبيل لتحقيق هذا الرقي والرَّفاهِيَةِ من أجل الوصول إلى السعادة، فشرع المفكرون والفلاسفة والمشرعون بوضع النظريات والعقائد والإديولوجيات من أجل ذلك الهدف، وسار الناس وراء هؤلاء على اختلاف اتجاهاتهم ونظرياتهم وفلسفاتهم. ولكن، هل حقق جميع هؤلاء غايتهم وأملهم المنشود ؟ الجواب بالطبع … لا.

ذلك أن هؤلاء لم يدركوا الطريق إلى النهضة الصحيحة، وبالتالي إلى السعادة.

إذا أراد الإنسان أن يحصل على النهضة الصحيحة وبالتالي على السعادة عليه أن يحصل على السلوك البشري السويّ. فسلوك الإنسان هو السبب في أن يؤدي بصاحبه إلى النهضة أو إلى الانحطاط. فما هو السلوك ؟

إن السلوك هو مجموع ما يقوم به الإنسان من أعمال في حياته ومجتمعه. وهذه الأعمال مردّها جمعيها في حقيقة الأمر إلى تلك الطاقة الحيوية التي يتمتع بها الإنسان.

الطاقة الحيوية في الإنسان هي التي تدفعه إلى القيام بالأعمال التي نشاهده يقوم بها. وهذه الطاقة الحيوية، هي مجموع ما لدى الإنسان من حاجات عضوية وغرائز، والتي يشعر الإنسان بالحاجة إلى إشباعها. فهو يريد أن يأكل ويشرب، ويريد أن يلبس وأن يمتلك وأن يدافع عن نفسه ويريد أن يقدّس ويبجّل … وغير ذلك من الحاجات التي نراه يسعى لإشباعها، { زُيِّن للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا…}(1 ).

وقد وجد الإنسان أن وسائل إشباع هذه الحاجات والرغبات موجودة في الأشياء التي حوله والتي سُخّرت له، فاندفع ليحصل منها على ما يحتاجه ويريده. وهنا وجد نفسه أمام مشكلة :

ما هي طريقة الانتفاع بالأشياء التي حوله ؟ أي ما هي طريقة إشباع حاجاته وغرائزه ؟ فالانتفاع بتلك الأشياء، وإشباع الحاجات والغرائز لدى الإنسان ليس عملية آلية وتلقائية كما هو شأن البهيمة، وإنما لدى الإنسان ذهن يضع أمامه الكثير من الخيارات والسبل للانتفاع والإشباع.

فإذا اختار الإنسان كيفية معينة للانتفاع بالأشياء وطريقة معينة لإشباع حاجاته وغرائزه فإنه يكون قد اختار سلوكاً معيناً، فهذا هو السلوك. إنه تلك الكيفية التي اعتمدها في إشباع رغباته وتلك القواعد التي تتحكم بتصرفاته وأفعاله وردود الأفعال التي تصدر عنه، ومواقفه إزاء الأشياء والأحداث التي يعاينها، وطريقة علاجه للمشاكل التي تعترضه في حياته.

والآن بعد أن عرفنا السلوك، نأتي إلى البحث الجوهري. ما هو السلوك السوي المؤدي إلى النهضة الصحيحة، وبالتالي إلى السعادة ؟ والإجابة تبدأ بما يلي :

إذا أردنا العثور على السلوك السوي، فلا بد لنا من الحصول على الفكر الصحيح، ذلك أن سلوك الإنسان مرتبط بمفاهيمه، وهو يكيّف سلوكه في الحياة بحسب مفاهيمه عن الأشياء. فسلوك الإنسان كما قررنا هو مجموع علاقاته مع الأشياء والناس من حوله، ومفهوم الإنسان عن تلك الأشياء هو الذي يعين له موقفه منها. فمفاهيم الإنسان عن شخص يحبه تكيف سلوكه نحوه، على النقيض من سلوكه مع شخص يبغضه وعنده مفاهيم الكراهية عنه، وعلى خلاف سلوكه مع شخص لا يعرفه ولا يوجد لديه أي مفهوم عنه. لذلك إذا أردنا أن نرتقي بسلوك الإنسان فلا بد من أن نوجد له المفاهيم الصحيحة أولاً، { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم }(2 ).

إلا أنه لا يتأتى وجود هذه المفاهيم عن الأشياء، إلا إذا كانت مستندة إلى الفكر عن الحياة الدنيا، أي كانت نابعة من وجهة نظر عن الحياة الدنيا، توضح للإنسان معنى وجوده في هذه الحياة والغاية منها. فإن هو حدد لنفسه الغرض من وجوده في هذه الدنيا وماهي المهمة التي تفرضها عليه تلك الغاية استطاع أن ينظر من خلالها نظرة ثابتة إلى الأشياء، فيكيف سلوكه تجاهها على نحو يجعله منسجماً مع نفسه.

والفكر عن الحياة الدنيا أيضاً، لا يتركز تركزاً منتجاً إلا بعد أن يوجد الفكر عن الكون والإنسان والحياة وعما قبل الحياة الدنيا وعما بعدها، وعن علاقتها بما قبلها وما بعدها، وذلك بإعطاء الفكرة الكلية عما وراء هذا الكون والإنسان والحياة، لأنها القاعدة الفكرية التي تُبنى عليها جميع الأفكار عن الحياة. ذلك أن الإنسان يشعر ويدرك أن الحياة هي حلقة ضمن سلسلة متصلة الحلقات، وبالتالي فهي جزء من كل، لذلك كان إعطاء الفكرة الكلية عن هذه الأشياء هو حل العقدة الكبرى عند الإنسان، والتي ما زالت تلح عليه منذ أن وجد على وجه الأرض، ولا زالت تقلقه مالم يحلّها. ومتى حلت هذه العقدة الكبرى حلت باقي العقد، لأنها جزئية بالنسبة لها أو فروع عنها.

فإذا ما حصل الإنسان على هذا الحل فإنه يكون قد حصل على العقيدة، وعلى القاعدة الفكرية التي يبنى عليها كل فكر فرعي عن السلوك في الحياة وعن أنظمة الحياة. وبعبارة أخرى يكون قد حصل على “المبدأ”.

**ألقسم الأول

فلسفة ألنهضة**

لقد عاش المسلمون في ماضي تاريخهم حقباتٍ من انحطاط وهزيمة وضعف ولكنهم، بكل تأكيد، لم يعيشوا أسوأ من هذه الحقبة، ولم يذوقوا يوماً مرارة الذل التي ذاقوها في هذا القرن، حتى انطبق عليهم، إلى أبعد الحدود، حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها” قيل: " يا رسول الله، أمن قلة بنا يومئذ؟" قال: " أنتم يومئذ كثير، ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل ينتزع المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم الوهن" قال: “قلنا وما الوهن؟” قال: “حب الدنيا وكراهية الموت”(1 ).

وهكذا، لم يعد يماري عاقل في أن الأمة الإسلامية تعيش حالة انحطاط بكل ما تحمل الكلمة من أبعاد، وإن اختلف القائلون في المدى النسبي لذلك الانحطاط. وبالتالي أصبحت أطروحات النهضة والرقي والتغيير والإصلاح والبناء والهدم وإعادة البناء … من أهم الأطروحات التي شغلت أذهان المثقفين والمفكرين والكتّاب من أبناء المجتمع، فاستهلكت جهودهم وفرّغت أقلامهم واستأثرت بمجالسهم وأحاديثهم، سواء أكانوا مخلصين أو عملاء، واعين أو تائهين ضائعين.

وكان من الواضح أن التأثير الثقافي والفكري والحضاري الذي كرسه الغزو السياسي الغربي للعالم الإسلامي، كان له النصيب الأكبر في توجيه تلك الأطروحات والجهود. وكان وصول أناس صُنعوا على عين الحضارة الغربية وسياسة دولها إلى سدة الحكم، عاملاً في قيام المؤسسات التربوية والتعليمية والإعلامية والثقافية والتوجيهية، الرسمية منها وغير الرسمية، على أساس الحضارة الغربية. فكانت معظم الأطروحات التي ناقشت مسألة النهضة والارتقاء ووضعت لها التعاريف والفلسفات والأسس والتفاصيل، متأثرة بشكل أو بآخر بالحضارة الغربية بشكل كامل، بوصفها “الحضارة الإنسانية المعاصرة” وغاية ما وصلت إليه البشرية في مسيرة الارتقاء، إلى أطروحات تدعو إلى اقتباس “محاسن” تلك الحضارة من أجل " هضمها وإخراجها حضارة متميزة تتوافق مع هويتنا الحضارية"، وإلى أخرى تدعو إلى تلاقح الحضارات وتفاعلها من أجل مزيد من الارتقاء … إلى ما هنالك من آراء ومقولات.

إلا أن الأطروحات الأشد خطورة، كانت تلك التي دأبت على دراسة الإسلام وفهمه - ومن ثم إبرازه - على نحو يتوافق مع الحضارة الغربية، أو يتكامل معها، أو على الأقل لا يتعارض معها. الأمر الذي أنذر بخطر تحول الإسلام إلى مجرد تراث حضاري تاريخي غابر، والاستبقاء عليه ديناً كهنوتياً روحياً قابلاً للتعايش مع أية حضارة تفرض هيبتها وسلطانها على الساحة الدولية، ولا سيما حضارة تفصل الدين عن الحياة والمجتمع والدولة.

لذلك كان لا بد من إعادة النظر ملياً، في مسألة النهضة وفلسفتها والأساس الذي تقوم عليه، وما هي صلة الإسلام بتلك الفلسفة، وما هو البنيان الحضاري الذي يقدمه الإسلام من أجل بنائه على ذلك الأساس، وأين موقع الأمة الإسلامية اليوم من حضارة الإسلام ونظامه وطريقة عيشه، بعيداً عن تأثير الحضارة الغربية وضغط الواقع المعاصر، وأهواء السوقة من حملة الدعوات ومروجي الأفكار والسلع الثقافية الاستهلاكية المستوردة من هنا أو هناك. وذلك من أجل قيام عمل حركي إيجابي وفعال، للتغيير ودفع المجتمع قدماً نحو النهوض والارتقاء، اهتداء بما أنزل الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وصدق الله العظيم الذي قال:

{ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتّبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم }(2 ).


(1) رواه أبو داود وأحمد. واللفظ للإمام أحمد. أنظر: المسند، الحديث رقم 2246.

(2) سورة المائدة - الآيتان 15 و 16.

**طرابلس الشام 3 ربيع الأول 1416 هـ..

           31  تــمــوز  1995 م.

أحمد القصص**

ألمُقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

منذ نشوء الأمة الإسلامية، وقيام مجتمعها ودولتها، في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عاشت الأمة الإسلامية قروناً متطاولة، وهي لا ترى أمة ولا دولة تدانيها في حضارتها ونهضتها وقوتها وعزتها.

في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قامت دولة الإسلام في الجزيرة العربية، وتاخمت بلاد أعظم إمبراطوريتين في ذلك التاريخ: إمبراطورية فارس وإمبراطورية الروم البيزنطيين، واحتَكت بهما منذ أول عهدها.

وفي عهد الخلفاء الراشدين تنطلق جحافل المجاهدين، تحمل الإسلام رسالة إلى العالم خارج جزيرة العرب، لتحول البلاد من ديار كفر إلى دار إسلام.

فتنهار تحت أقدامهم إمبراطورية فارس، بعد عُمر دام قروناً من التاريخ القديم. وتندحر إمبراطورية الروم عن بلاد الشام وشمال إفريقية، مخلية الساحة أمام الحضارة الإسلامية كي ترفع شأن أمم تاقت إلى الرحمة منذ مئات السنين.

ثم في عهد الخلفاء الأمويين، تستمر دولة الإسلام في التوسع، مخترقة في الشرق هضاب آسيا وسهوبها عابرة أنهارها، حتى تصل إلى مشارف سور الصين وتخوم الهند. وتستمر جحافل الغازين في المضي غرباً حتى تصل إلى شواطئ المحيط الأطلسي، ثم لتعبر مضيق جبل طارق متوغلة في الأندلس لتتاخم الحدود الجنوبية لفرنسا.

وبعد ذلك، في عهد الخلفاء العباسيين تتكرس الفتوحات الإسلامية وتستمر في التوسع ولو على نحو أقل نسبياً. ويكون ذلك العصر عصر ازدهار الثقافة الإسلامية والمذاهب الفقهية والمدارس الفكرية، وقيام عظيم العمران وروائع المدنية وعجائب العلوم والاكتشافات، ليصبح المجتمع الإسلامي منارة الأرض وجنة الدنيا الساحرة في نظر سائر الشعوب.

وفي القرن الخامس الهجري، يفتح الله تعالى على المسلمين بلاداً جديدة، أهمها بلاد الأناضول (آسية الصغرى)، حيث يطهّر المجاهدون “السلاجقة” تلك البلاد من بقايا النفوذ البيزنطي ويدحرون الروم حتى يتاخموا حدود عاصمتهم القسطنطينية.

إلا أن نهاية ذلك القرن تحل لتحمل معها عاقبة تشرذم المسلمين وتفكك خلافتهم إلى إمارات وسلطنات متناحرة. فيسلط الله تعالى جحافل الحملات الصليبية التي انطلقت من الغرب الأوربّي الغارق في ظلمات العصور الوسطى وهمجيتها، فتشق طريقها عابرة آسية الصغرى، لتحتل السواحل الشامية كلها وصولاً إلى أرض المسجد الأقصى، حيث تحصد مجازر هؤلاء المتوحشين عشرات الألوف من المسلمين ذبحاً في المسجد الأقصى. فتُحشد جيوش المسلمين بعد تلك الصاعقة المدمرة الغادرة من أجل تحرير البلاد والمقدسات والثأر للمسلمين وكرامتهم.

ولا يكاد المسلمون يحررون بلاد الشام على يد مجاهدين أبطال أمثال صلاح الدين والظاهر بيبرس، حتى تداهمهم، من ناحية الشرق هذه الكرة، غزوات أشد همجية وأعظم دماراً، تهلك الحرث والنسل وتأكل الأخضر واليابس وتذبح الملايين من النساء والولدان والشيوخ فضلاً عن الرجال: إنها غزوات التتار والمغول الذين عاثوا في الأرض خراباً ودماراً، حتى اقتحموا على المسلمين عاصمة خلافتهم بغداد سنة 656 هـ، وذبحوا أهلها، وقتلوا آخر خليفة بغدادي وفقأوا عينيه. ودمروا أعظم مكتبة عرفها التاريخ، ورموا كتبها في دجلة، فجعلوا منها معبراً بين ضفتيه، واصطبغ نهر دجلة بمداد الكتب، وطُوي تراث من الصفحات التي سودتها … بل أضاءتها أقلام النساخ، بأفكار العباقرة وثمرات المجتهدين وتجليات الشعراء وبلاغة الأدباء وفصاحة العرب … لتُفتح صفحات مظلمة من تاريخ الأمة الإسلامية، حيث تصبح بلاد فارس والشام والعراق مرتعاً للمجرمين الكفرة والمتوحشين ظمأى الدماء أكلة لحوم البشر … إنها حقاً صفحات مظلمة … حقبة انحطاط مخيف وتراجع عجيب، من أمة دان لها الشرق والغرب خمسة قرون.

إلا أن الناظر للتاريخ، المتعمق في صفحاته، المستنير بأحداثه، حين يحكم على المجتمع الإسلامي في ذلك العصر بالانحطاط، فإنه لا يحكم بذلك مقارنة مع سائر المجتمعات والدول ولا قياساً عليها. بل هي مقارنة مع سابق عهد المسلمين وقياس عليه. ذلك أنه، على ما أصاب المسلمين من ضعف وهزيمة، لم تكن توجد على وجه الأرض أمة تدانيهم في حضارتهم ورقيّهم وتقدمهم، وأن أعداء المسلمين الذين أذلوهم وسفكوا دماءهم ما تغلبوا عليهم برقي ولا رفعة حضارية. وإنما هي موجات من الغزوات الهمجية التي عرف التاريخ العديد من أمثلتها، تفور وتثور في فجاءة من الزمان، لتقتحم على الشعوب الغافلة عن عوامل ضعفها بلادَها على حين غرّة، ولتفسد في الأرض كما أفسدت يأجوج ومأجوج زمن ذي القرنين. ولكنها لا تلبث أن تنطفئ جذوتها وتنكسر شوكتها، بعد أن دمغ التاريخ وصمة عار في جبينها … بل على قفاها.

فها هي جحافل الصليبيين تعود إلى ديارها تجر أذيال الخيبة والعار، رغم استقرارها في بعض بلاد الإسلام ما يداني القرنين من السنين، وقد تأثرت بالحضارة الإسلامية وعادات المسلمين، وتنعمت ببعض مدنيّتهم. وها هي جحافل المغول تتهاوى أمام ضربات جيش المماليك الذي استجمع قواه في مصر، ليدحر هؤلاء المعتدين ويعيدهم من حيث أتوا ولكن، مع فرق مهم بين مجيئهم ونكوصهم، فقد انطلقوا من ديارهم مشركين وثنيين، وعادوا إلى ديارهم وهم يدخلون في دين الله أفواجاً، ويعتنقون عقيدة ضحاياهم ويدينون بدينهم.

وهكذا … عاد المسلمون ليستأنفوا سابق مجدهم وعزهم، فتولى المماليك حماية بيضة المسلمين والذود عن حرماتهم ومقدساتهم في بلاد مصر والشام والعراق والجزيرة العربية وشمال إفريقية. وفي الأناضول قامت قبيلة بني عثمان لتحمل الراية عن أسلافها السلاجقة، وليطهر مجاهدوها أرض الأناضول نهائياً من فلول البيزنطيين، بل ليقتحموا بعد ذلك على البيزنطيين أراضيهم داخل القارة الأوربّية، وليقرروا سنة 1453 م نهاية عهد الإمبراطورية البيزنطية، محققين وعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بفتح عاصمة “هرقل” القسطنطينية التي بقيت، مئات السنين، القلب النابض لتلك الإمبراطورية العاتية، ولتتحول إلى مدينة الإسلام “إسلامبول” بل لتتحول سنة 923 هـ إلى عاصمة الخلافة الإسلامية، في ظل الخلفاء العثمانيين.

مضت سنون طوال بعدها، وجيوش المسلمين تهدد ممالك أوربا ودولها. فقد وصل مجاهدو الخلافة العثمانية مقتحمين ديار أوربا الشرقية إلى أسوار فيينا عاصمة الإمبراطورية الرومانية المقدسة، مهددين بذلك أوربا اللاتينية والجرمانية بأسرها. ونشأت آنذاك لدى الغربيين “المسألة الشرقية”، ألا وهي: كيف السبيل إلى التخلص من الخطر الإسلامي؟ ولم يكن من خيار آنذاك إلا استرضاء الخلفاء العثمانيين، والحرص على العلاقات السلمية فيما بينهم وبين المسلمين.

إلا أن هذا السلم كان فرصة للغرب، كي ينعم النظر في أحواله ومجتمعه ودولته، وفي الأسس الحضارية التي تقوم عليها حياته. لقد أدرك أن الفارق الجوهري بين مجتمعه والمجتمع الإسلامي، إنما يكمن في الحضارتين اللتين تصوغان كلاً من هذين المجتمعين، وأن الصراع الحقيقي إنما هو الصراع الحضاري وليس العسكري. واكتشف أن الحضارة التي عاش في كنفها خلال العصور الوسطى هي من الانحطاط، بحيث لم تكن يوماً مؤهلة لأن تواجه حضارة قوية الأركان شامخة البنيان، هي الحضارة الإسلامية.

وهكذا كانت القرون التي تلت سقوط الإمبراطورية البيزنطية والتي يطلق عليها المؤرخون الغربيون اسم “التاريخ الحديث”، مرحلة المخاضات الفكرية والثقافية والحضارية العسيرة، التي أسفرت مع نهاية القرن الثامن عشر الميلادي عن ولادة الحضارة الغربية المعاصرة، التي قامت على أسس من العلمانية واللبرالية الرأسمالية.

تلك الفسحة التاريخية التي أتاحت للغرب أن يتأمل في أحواله وهويته الحضارية وأسس مجتمعه، كانت مترافقة مع تحجر في التفكير أطبق على أذهان المسلمين، بحيث انعدمت الحيوية الفكرية في المجتمع الإسلامي، وعاش المسلمون على تراث الماضين من الفقهاء وعلماء الإسلام، معتزّين بدينهم ونظامهم ونمط عيشهم وهيبة دولتهم وقوة جيشهم، ولا يرون حولهم أمة أو دولة تضاهيهم بحضارتها أو قوتها ولا يفطنون إلى عوامل الانحطاط والتخلف التي دبّت في كيانهم. وخلال القرن التاسع عشر الميلادي، أضيف إلى ذلك الفارق فارق جديد، ألا وهو فارق القوة العسكرية.

ففي ذلك القرن تعاظمت قوة الدول القومية في أوربا، وترافق ذلك مع قيام الثورة الصناعية التي تحولت قوة مادية تمدّ الجيوش الأوربية بأنواع الأسلحة الجديدة ووسائل النقل البرية والبحرية التي كانت عوناً لها على التوسع الاستعماري في بلاد العالم، ومنها بلاد المسلمين. بينما كانت قوة الدولة العثمانية في تراجع وهبوط سريع، وكان الفساد الإداري قد عم مؤسساتها والأزمات الاقتصادية تفت من عضدها.

فإذا بغارات الغزو العسكري تترافق مع غارات الغزو الفكري. الأولى تقضم بلاد المسلمين الواحد تلو الآخر وتمرّغ أنوف المسلمين في التراب، والثانية تربك المثقفين وأصحاب الرأي بين المسلمين، وتصيب المجتمع بحالة من الضياع والحيرة. ولم تنته الحرب العالمية الأولى بداية هذا القرن إلا وقد أسفرت عن أعظم نكبة ألمت بالمسلمين خلال تاريخهم الطويل. هذه النكبة لم تكن مجرد هزيمة عسكرية، ولا ضياع أراضٍ شاسعة من ديار الإسلام، ولا إزهاق الألوف من أرواح المسلمين، بل هي أبعد من ذلك بكثير. إنها ضياع لهوية المسلمين، وسقوط لكيانهم المعنوي والمادي، وتَوارٍ للحضارة الإسلامية، وتقويض للمجتمع الإسلامي.

أما لو أردنا أن نتصور ما سيكون حال هذه الدعوة إذا انتشرت بادىء أمرها في المجتمعات الرومانية أو الفارسية أو الهندية مثلاً، فبإمكاننا أن نستحضر في ذهننا الصورة التي أحاطت بالدين النصراني حين انتشر في الإمبراطورية الرومانية حيث أصبح مزيجاً من المسيحية والوثنية والفلسفات اليونانية والهندية وغيرها. وكذلك يمكننا استحضار صورة الفِرَق المبتدعة التي انسلخت عن الإسلام بعد انتشاره خارج الجزيرة العربية والتي ما كانت بدعها في حقيقة الأمر إلا اقتباساً للأفكار الوثنية والفلسفية الغابرة ومحاولة نَسبها إلى الإسلام زوراً وبهتاناً.

وهكذا كان العرب أهلاً لأن يكونوا النواة الأولى التي تتجسد فيها الحضارة الإسلامية نقية صافية مبلورة واضحة خالية من أي لبس أو لوث أو دخل أو دخن.

فما مدى استمرار ذلك النقاء في الفكر الإسلامي من بعد محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

إن الناظر في تاريخ الفكر الإسلامي منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومروراً بعدة قرون من بعده، يجد أن الأمة الإسلامية حافظت على نقاء فكرها إلى حد بعيد، ولم توجد أمة انضبطت في تفكيرها وحافظت على هويتها واستقامت في سيرها وفق وجهة نظرها وقيادتها الفكرية كما كان حال الأمة الإسلامية. فالعقيدة الإسلامية كانت القاعدة الفكرية التي يبني المسلمون عليها أفكارهم. ونصوص الوحي - وهي القرآن والسنة - كانت المصدر لأنظمة الحياة والدولة. وكانت الأمة حريصة على عدم الأخذ من أي فكر أو حضارة غير الإسلام ذلك أن كل ما سوى الإسلام في نظرها هو كفر، لأنه ليس بعد الحق سوى الضلال.

إلا أن هذا الواقع لم يستمر كما يجب، فقد وصلنا إلى حالة لم يعد معها الفكر الإسلامي واضحاً في أذهان المسلمين، ولم يعد نقياً حتى في أذهان العلماء ومدرسي الشريعة وطلابها، حيث دخلت لوثات كثيرة إلى الأذهان، وأصبح كثير من الأفكار ينسب إلى الإسلام وهو منها براء.

فما أسباب هذا التلوث؟ ومتى بدأ؟ وما هو الطريق للتخلص منه وإعادة النقاء إلى فهم المسلمين للإسلام؟

من البدهي أن تأثر الشعوب بعضها بأفكار بعض يكون نتيجة للاحتكاك الفكري بين تلك الشعوب. هذا الاحتكاك قد يؤدي إلى انهزام فكر وانتصار فكر، وقد يؤدي إلى تأثر فكر بالآخر، وقد يؤدي إلى تأثر الفكرين كل واحد منهما بالآخر.

والتاريخ يرينا أن الفكر الإسلامي منذ أن احتك بغيره من الأفكار، لم يصمد أمامه فكر مطلقاً، مادام قد تسنى له من يفهمه حق فهمه ويحمله بالتالي على أحسن وجه. أما حين أصبح فاقداً للحَمَلَة الواعين الفاهمين، فقد سنحت الفرصة لغيره من الأفكار بالانتصار، لا عليه، وإنما على المسلمين.

لقد تعرض الفكر الإسلامي لكثير من الضغوط والعوامل التي من شأنها أن تؤدي إلى تلويثه وتشويهه أو ربما تحريفه لولا أن الله تعالى تكفل بحفظه وهو القائل: { إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون }(3 ). فما هي تلك الضغوط والعوامل وما مدى تأثيرها على الثقافة الإسلامية؟


مع ظهور الإسلام وخلال المرحلة المكية، خاض الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم، الصراع الفكري إلى جانب الكفاح السياسي، في الوقت الذي يعلو فيه الكفر والكفار في المجتمع. ويمكن أن توصف تلك المرحلة بحق بأنها مرحلة ملحمية حيث كانت تقع على عاتق الرسول مهمة من أصعب المهمات. فهو يقف أعزل مستضعفاً أمام صناديد الكفار، ويواجههم بدينه، ويعيب عليهم آلهتهم، ويسفه أحلامهم، ويحقّر تراث آبائهم، ويطرح دعوته متحدياً سافراً لا يداهن ولا يداجي ولا تلين له قناة. فيعمد الكفار إلى ما يملكون من قوة وأسباب ووسائل يستخدمونها إما للترهيب أو الترغيب. فتارة يعرضون عليه المال والجاه والنساء والملك، وتارة يساومونه فيعرضون عليه أن يعبدوا إلهه مقابل أن يعبد آلهتهم هو أيضاً، أو على الأقل أن يكف عن سبها وتحقيرها. فإذا فشلت أساليب الترغيب هذه عمدوا إلى وسائل الترهيب من قتل للصحابة وتعذيب لهم وتشريد ومقاطعة اقتصادية واجتماعية وسياسية وغير ذلك. فهل نجحت تلك الضغوط في التأثير على الدعوة وهل كان لها أثر في الفكر الإسلامي؟

إن لنا أن نتصور - لو لم يكن رسول الله هو حامل الدعوة - أن حَمَلَة الدعوة قد يتنازلون عن بعض أفكارهم ومواقفهم ويداهنون أعداءهم ويسايرونهم حتى يخفّفوا من نقمة المجتمع والحكام، وحتى يستميلوا إليهم أتباعاً لدينهم بعد إجراء التعديلات عليه على نحو يوافق عقليات الناس وأمزجتهم، كما يفعل كثير من أصحاب الدعوات. وعلى الرغم من أن الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم لا يتصور منه ذلك، إلا أن القرآن الكريم يحذره من الوقوع في تلك الحبائل الشيطانية التي يحيكها صناديد قريش، لاسيما المداهنة والمسايرة والتملق. فيقول تعالى: { فلا تطع المكذبين * ودّوا لو تدهن فيدهنون }(4 ). وبعض الآيات تصرح بأن الكفار كادوا أن يصرفوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن بعض الإسلام لولا تثبيت الله تعالى له، حين قال تعالى: { وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً * ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً * إذاً لأذقناك ضِعف الحياة وضِعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً }( 5). قال القرطبي في تفسير هذه الآيات: “هو قول أكابر قريش للنبي صلى الله عليه وسلم : أطرد عنا هؤلاء السقاط والموالي حتى نجلس معك ونسمع منك، فهمّ بذلك حتى نهي عنه. وقال قتادة: ذكر لنا أن قريشاً خلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة إلى الصبح يكلمونه ويفخّمونه ويسوّدونه ويقاربونه، فقالوا: إنك تأتي بشيء لا يأتي به أحد من الناس، وأنت سيدنا يا سيدنا، وما زالوا به حتى كاد يقاربهم في بعض ما يريدون، ثم عصمه الله من ذلك، وأنزل الله تعالى هذه الآية… ولما نزلت هذه الأية {ولولا أن ثبتناك…} الآية، قال عليه السلام: اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين… وقال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوماً، ولكن هذا تعريف للأمة لئلا يركن أحد منهم إلى المشركين في شيء من أحكام الله تعالى وشرائعه”.

وهكذا، فإن هذه الأجواء التي عاشها الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام في مكة، جلبت الكثير من الضغوط المادية على حملة الدعوة، إلا أننا رأينا أن هذه الضغوط لم يكن لها أي تأثير على الدعوة ولا على الفكر الإسلامي، فهي حقبة النبوة، وقائد الدعوة هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنّى للكفر أن يفلح في ذلك. وقد تخطى الرسول صلى الله عليه وسلم تلك المرحلة وأصبح للإسلام دار ودولة تحكم بما أنزل الله تعالى. وزالت تلك الضغوط عن حملة الدعوة بعد أن تخلصوا من طغيان الكفار، وأصبحوا حكام مجتمعهم في المدينة المنورة، حيث وُضع الإسلام موضع التنفيذ والتطبيق. ولم تمض عشر سنين إلا وقد انتشر الإسلام في الجزيرة العربية كلها على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطبق الإسلام فيها نقياً صافياً، وعلى أحسن وجه.

** القسم الثالث

المجتمع الإسلامي**

**قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله،

ينفون عنه تخريف الغالين

وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين** (1)


(1) رواه البيهقي

فلسفة النهضة في الفكر الغربي المعاصر

إن أغلب مفكري الغرب في التاريخ المعاصر - وتُعد أفكارهم استمراراً لبعض أفكار عصر النهضة الأوربية - رأوا أن القضية كامنة في مدى الحرية التي يتمتع بها الإنسان. فرأوا أنه بقدر ما يتمتع الإنسان بالحرية تبرز قدرته على الإبداع والإنجاز والابتكار، فيؤدي به ذلك حتماً إلى التقدم والنهوض. بخلاف ما إذا خضع للعبودية والاستبداد والقيود بشتى أنواعها، فإنه حينئذ يعجز عن الحركة والإبداع والإنجاز، فيرتكس به ذلك حتماً إلى الانحطاط والتخلف والتقهقر.

وقد رأوا أن أهم عائق يقف بين الإنسان وحريته في الحركة والعمل هو تعلقه بأوهام الغيب والكهنوت وما يسمى بالكائنات الروحانية غير المحسوسة. ويرى هؤلاء أن الشعوب حين يسيطر التفكير الديني على أذهانها، والنزعة الروحية على حياتها ومجتمعها ودولتها فإنها تبتعد عن التعاطي مع الواقع المحسوس، وتبقى مشدودة للتعلق فيما وراء المادة والحياة والكون، وتبقى أسيرة للمفاهيم الدينية والكهنوتية التي تحول بينها وبين حرية الحركة والإنتاج والإبداع، مما يؤدي بها إلى إهمال الواقع الحياتي وبالتالي إلى انحطاطها.

وعدّوا التاريخ الأوربي شاهداً على نظريتهم تلك، حيث قالوا: إن العصور الوسطى كانت عصور تدين وروحانية، وكان الأوربي المتدين يرى أنه إذا كان هناك تعارض بين التدين والنهضة، وبعبارة أخرى: بين الروح والمادة، فإنه يفضل التدين المترافق مع الانحطاط على النهضة المترافقة مع الإلحاد والضلال أو الكفر.

وقد كانت تلك النظرة مبنية على الفلسفة التي تقول: إن الإنسان مكوّن من روح وجسد، أي إن فيه الناحية الروحية والناحية المادية، وإن هاتين الناحيتين في تركيب الإنسان متناقضتان بحيث لا يمكن إشباع ناحية إلا على حساب الأخرى. فإذا أراد الإنسان أن يتطهر ويسمو إلى مصافّ الملائكة فإن عليه أن يغلّب الروح على الجسد فيعتزل الدنيا ومتاعها ومشاغلها وينصرف إلى شؤون العبادة والتقشف والارتباط بالغيب والنزوع إلى الروحانية. أما إن هو أراد الدنيا ومتاعها والاهتمام بعمارتها وزخرفها فإنه يكون حينئذ قد قرر تغليب الجسد على الروح والابتعاد، بالتالي، عن طهر النفس ونقاء الملائكة، وطلق الغيب وخسر الآخرة.

يصف ول ديورانت هذه النزعة لدى المتديّنين في العصور الوسطى فيقول:“وقد وجّه كثير من المسيحيين همهم كله إلى العمل على أن يستقبلوا يوم الحساب الرهيب طاهرين من الدنس، فكانوا لذلك يرون في كل لذة من ملذات الحواس غواية من غوايات الشيطان، ولهذا أخذوا ينددون بعالم الجسم ويعملون لكبت الشهوات بالصوم وبكثير من أنواع التعذيب البدني، وكانوا ينظرون بعين الريبة إلى الموسيقى والخبز الأبيض والخمور الأجنبية والحمامات الدافئة وحلق اللحية، ويرون في هذه الأعمال استهانة بإرادة الله الجلية الواضحة للعيان”( 1).

كما أن العقل الذي يميز الإنسان عن سائر المخلوقات ويؤهله للتعرف على حقائق الكون والإنسان والحياة لقي الازدراء والاحتقار من رجال الكهنوت إلى حد تصويره عدواً للدين والإيمان، فكان العامة من الأوربيين - كما يقول ديورانت - “يشعرون بأن من الحزم أن يؤمنوا بالأجوبة التي ينطق بها رجال الدين ويؤكدوها توكيداً يزيل مخاوفهم. ولو أن الكنيسة قد اعترفت بأنها تخطىء تارة وتصيب تارة أخرى لفقدوا ثقتهم فيها، ولعلهم كانوا يرتابون في المعرفة ويرون أنها الثمرة المرة للشجرة المحرّمة تحريماً ينطق بالحكمة، أو السراب الذي يضل الناس ويغويهم ليخرجوا من جنة السذاجة والحياة الخالية من الشك. وهكذا استسلم العقل في العصور الوسطى للإيمان في أغلب الأوقات والحالات،وجعل كل اعتماده على الله وعلى الكنيسة، كما يثق رجل هذه الأيام بالعلم والدولة”( 2).

وها هو مارتن لوثر رائد الإصلاح الديني الذي أسس ما يسمى بالمذهب البروتستانتي والذي بذل جهده لإعادة روح العصور الوسطى بعدما شعر بتأثير العقل يتسرب إلى المجتمعات الأوربية يشنّ هجومه العنيف على العقل ويدعو الناس إلى رجمه ودوسه بالأقدام:“أنت لا تستطيع أن تقبل كلاً من الإنجيل والعقل، فأحدهما يجب أن يفسح الطريق للآخر… إن كل آيات عقيدتنا المسيحية التي كشف لنا الله عنها في كلمته أمام العقل مستحيلة تماماً ومنافية للمعقول وزائفة… إن العقل هو أكبر عدو للإيمان… إنه أفجر صنائع الشيطان، كبغيّ فتك بها الجرب والجذام، ويجب أن توطأ بالأقدام ويقضى عليها هي وحكمتها… فاقذفها بالروث في وجهها… وأغرقها في العماد…”(3 ).

لما فهم المفكرون الغربيون في التاريخ الحديث والمعاصر الدين على هذا النحو - أي كما كان سائداً في أوربا خلال العصور الوسطى - رأوا أن سيطرة الدين على الحياة والمجتمع والدولة كانت العامل الأساس في انحطاط المجتمع في العصور الوسطى.

وكان من شواهدهم المهمة النظام الإقطاعي الموغل في الظلم والقسوة الذي كان الأوربيون يخضعون له قانعين بتأثير فكرة التفويض الإلهي الممنوح للملك، فكما يقول ديورانت: “كان الملك من الوجهة الزمنية تابعاً لله، يحكم بما له من حق إلهي، بمعنى أن الله أجاز له أن يحكم، ومن ثم فوضه في أن يحكم”( 4).

وهكذا يمضون في الاستشهاد بالتاريخ الأوربي - وكأنه تاريخ العالم - فيصلون إلى التاريخ الحديث الذي يبدأ حسب اصطلاحهم في القرن الخامس عشر، فيربطون بين بوادر النهضة في تلك القرون وبين الصراع الذي بدأ ينشب بين الكنيسة الكاثوليكية التي تسيطر على المجتمع وتطبعه بطابعها وبين الإصلاحيين والثوريين الذين وقفوا في وجه تلك السيطرة. فكانت طلائع المعارضة متمثلة بادىء الأمر في حركة البروتستانتيين الإصلاحيين الذين طالبوا برفع النفوذ البابوي عن ممالك أوربا الحديثة وإماراتها، ورغم أن تلك الحركة اتسمت بالتزمّت البالغ الذي فاق ما لدى كنيسة روما من التعصب والاستهتار بالعقل والمعرفة، إلا أن تلك الحركة كسرت ذلك الطوق الذي كان يجعل من الكنيسة الكاثوليكية السلطان الأعلى على جميع ملوك أوربا وأمرائها(5 ) ولاسيما أن هذه الحركة طالبت برفع النفوذ البابوي والكنسي عن تلك الممالك والإمارات. فمن النقاط التي طرحها زونجلي أحد زعماء الإصلاح البروتستانتيين ودافع عنها بقوة، أنه “لا أساس للسلطة الروحية التي يطلق عليها اسم “الكنيسة” في الكتب المقدسة وفي تعاليم المسيح. إلا أن السلطة الزمنية تؤيدها تعاليم المسيح وسنته”( 6).

ورافق ذلك ظهور بعض الفلاسفة الذين تمردوا على الطروحات الكهنوتية وهيمنة الكنيسة، سواء على شكل ملحدين جاحدين للدين، أو على شكل علمانيين يطالبون بعزل الدين عن الحياة والمجتمع والدولة، والحجر عليه داخل الكنيسة والبيت، وطالبوا بإطلاق حرية الإنسان ليبدع فيها بعبقريته وكفاءته ومواهبه، ولينجز الأعمال التي يعبر بها عن نفسه وتطلعاته، والتي هي سبب النهضة في أي مجتمع من المجتمعات.


**(1) ول ديورانت - قصة الحضارة - ج 11- ص 282.

(2) المرجع السابق - ج 16- ص 12-13.

(3) المرجع السابق - ج 24- ص 55-56.

(4) المرجع السابق -ج 14 - ص 429.

(5)راجع المرجع السابق ج 27 - ص 262.

(6)المرجع السابق - ج 24 - ص 117.**

**قَد خَلَتْ مِن قَبلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرضِ فانْظُرُوا كَيفَ كانَ عاقِبةُ المُكَذِّبين * هذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدَىً وّمَوْعِظَةٌ لِلمُتّقين * ولا تَهِنُوا ولا تحزَنوا وأنتُمُ الأعلَونَ إنْ كُنتُم مُؤمِنِين * إنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَد مَسَّ القَومَ قَرحٌ مِثْلُهُ، وَتِلكَ الأيامُ نُداوِلُها بَينَ النَّاسِ وَلِيعلَمَ اللهُ الّذِينَ ءامَنُوا وَيتّخِذَ مِنكُم شُهَداءَ، واللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمين * وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الذِينَ ءامَنُوا وَيَمْحَقَ الكافِرين.

آل عمران 137-141**