شهادة النساء
قال الله تعالى: ïپ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَىïپ? وعن أبي هريرة عن النبي ïپ² أنه قال: «يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار» فقالت امرأة منهن جزلة ومالنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: «تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن» قالت يا رسول الله ما نقصان العقل والدين؟ قال: «أما نقصان عقلها فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي لا تصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين». وعن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل» وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث: «أليس شهادة المرأة بنصف شهادة الرجل؟ قلنا بلى يا رسول الله» هذه النصوص من الكتاب والسنة هي أدلة على شهادة النساء بأنها على النصف من شهادة الرجل، وأن شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد، وكلها ما عدا الآية أدلة عامة، فتكون كذلك عامة في كل دعوى، سواء أكان معهما رجل أو كن نساء فقط، لأن قول الرسول: «فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل»، «أليس شهادة المرأة نصف شهادة الرجل» عام، لأنه عبر بصيغة العموم إذ لفظ “المرأة” و"الرجل" في قوله: «أليس شهادة المرأة نصف شهادة الرجل» من ألفاظ العموم، لأن كلاً منهما اسم جنس محلى بأل، واسم الجنس المحلى بالألف واللام من صيغ العموم لذلك كان عاماً في جميع الدعاوى، وأما الآية فإن قوله: ïپفَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِïپ? لا يعني أنه لا يجوز إلا رجل وامرأتان، بل يعني أن الشاهدين هما رجلان، فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان، وجاء الحديث فجعل شهادة المرأة نصف شهادة الرجل، فيكون قد فسر قوله: ïپفَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِïپ?. وعليه فإن شهادة المرأتين بمقام شهادة الرجل تدخل فيها الحقوق المالية وهو ما دلت عليه الآية.
وعلى هذا فإن شهادة النساء تقبل في جميع الدعاوى سواء أكانت من المعاملات أم كانت من العقوبات، فتجوز شهادة النساء في الحدود والجنايات كما تجوز في العقود والتصرفات لعموم الأحاديث، ولم يأت ما يخصصها في غير العقوبات. وأما ما روي عن شريح رحمه الله بأنه قال: “لا تجوز شهادة النساء في الحدود” فإنه كلام لشريح وليس بحديث، وكلام شريح ليس دليلاً شرعياً وإنما هو رأي لمجتهد من المجتهدين كرأي أبي حنيفة فلا يؤخذ دليلاً، وهو أيضاً ليس له دليل من النصوص لا من الكتاب ولا من السنة. وأما ما روي عن الزهري أنه قال: «مضت السنة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده أن لا تجوز شهادة النساء في الحدود» وفي رواية: «لا تجوز شهادة النساء في الحدود والنكاح والطلاق» فإن هذا الحديث حديث منقطع من طريق إسماعيل بن عباس وهو ضعيف فلا يحتج به. وأيضاً فإن قولهم: «مضت السنة» لا يعني أن السنة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل قد تكون سنة الخلفاء الراشدين، وقد يكون المراد بالسنة الطريقة، فعن العرباض أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين الهادين عضوا عليها بالنواجذ» فسمى فعل الخلفاء الراشدين سنة مما يدل أن المراد منه الطريقة، وفي حديث حضين بن المنذر عن علي في جلد الوليد بن عقبة أنه قال: «جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة» فسمى فعل أبي بكر وفعل عمر سنة وسمى فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة، مما يدل على أنه أراد بذلك الطريقة، إذ قد روي عن علي نفسه رضي الله عنه أنه قال: «ما كنت لأقيم حداً على أحد فيموت واجد في نفسي منه شيئاً إلا صاحب الخمر فإنه لو مات وديته وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسنه» فهو يقول في هذا الحديث: «لم يسنه» وفي الحديث الأول يقول: «وكل سنة» والحديثان صحيحان مما يدل على أنه لم يرد بالسنة عمل الرسول، وإنما أراد بها الطريقة. فكلمة السنة إذا أطلقت بغير قرينة كان معناها الطريقة، فكلمة: «مضت السنة» لا تدل على أن المنقول حديث إلا إذا جاءت قرينة تدل على ذلك، وما روي عن الزهري من قوله: «مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين بعده أنه لا تجوز شهادة النساء في الحدود والنكاح والطلاق» لا يؤخذ بأنه حديث إذ لا قرينة تدل على ذلك، وعليه فإن من هذه الناحية أيضاً يرد الاستدلال بهذا الأثر، فلا يكون هناك أي دليل باستثناء الحدود من جواز شهادة النساء وعليه تجوز شهادة النساء في الحدود والجنايات لعموم الأدلة ولعدم ثبوت دليل صحيح يستثني الحدود أو الجنايات.
وكما دلت النصوص على قبول شهادة النساء في الحدود والجنايات كسائر الدعاوى، كذلك دلت النصوص على جواز شهادة النساء وحدهن من غير رجل في جميع القضايا، لأن قول الرسول: «أليس شهادة المرأة نصف شهادة الرجل» عام لأي امرأة ولأي رجل، وقوله عليه السلام: «فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل» مطلق يشمل كل دعوى، ويشمل إذا كان معهن رجل أو كن وحدهن، ولا يوجد أي دليل يمنع شهادة النساء وحدهن. وعليه تجوز شهادة النساء وحدهن في جميع الدعاوى.
من لا تجوز شهادته
الأصل أن الشهادة ترد بالتهمة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا شهادة لمتهم» ولأنه خبر محتمل للصدق والكذب، فإنما يكون حجة إذا ترجح جانب الصدق فيه، وعند ظهور سبب التهمة لا يترجح جانب الصدق. غير أنه ليس كل تهمة ترد بها الشهادة، لأن المرء قد يجد أي تهمة ليطعن بها في شهادة الشاهد من أجل ردها، فلا بد من تعيين التهمة التي ترد بها الشهادة. والذي يعينها إنما هو الشرع وليس العقل، لأن الشرع جعل الأصل في المسلم أن تقبل شهادته، بل جعل الأصل في الشهادة القبول، فردها خلاف الأصل، وخلاف الأصل يحتاج إلى إثبات أي إلى حجة تثبته، وهذه الحجة لا يصح أن تكون إلا نصاً شرعياً، لأنه أي الرد حكم شرعي فيحتاج إلى دليل شرعي، ولأن إثبات ما جعله الشرع أصلاً يحتاج إلى نص شرعي يثبت خلاف الأصل. ولذلك لا ترد الشهادة إلا بتهمة قد جاء النص الشرعي بأن الشهادة ترد بها، وما لم يأت نص شرعي بالتهمة فلا ترد الشهادة. وعليه لا ترد الشهادة بالتهمة التي دل عليها العقل أو العرف، لأن ذلك لا قيمة له، فرد الشهادة حكم شرعي فلا بد من نص شرعي من الكتاب والسنة يدل عليه، أي لا بد من نص شرعي على التهمة التي ترد بها شهادة الشاهد.
والذين جاء النص الشرعي يرد شهادتهم هم غير العدل، والمحدود في القذف، والخائن والخائنة، ولا تقبل شهادة ذي الظنة والحنة يعني العداوة، ولا الخادم المنقطع إلى الخدمة، ولا الوالد لوالده ولا الوالد لولده، ولا المرأة لزوجها ولا الزوج لامرأته. هؤلاء جميعاً لا تجوز شهادتهم لورود النص بذلك. أما رد شهادة غير العدل فلقوله تعالى: وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ، اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ ولقوله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا فإن هذه الآيات قد اشترطت أن يكون الشاهد عدلاً، ومفهومها أن غير العدل لا تجوز شهادته، وقد سبق تعريف العدل بأنه الانزجار عما يراه الناس خروجاً عن الاستقامة، فكل من لا ينزجر عما يراه الناس خروجاً عن الاستقامة كان غير عدل فلا تجوز شهادته.
وأما رد شهادة الخائن والخائنة وصاحب العداوة والخادم المنقطع إلى الخدمة فلما أخرج أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت، والقانع الذي ينفق عليه أهل البيت» وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تقبل شهادة خصم على خصم». فالخائن ترد شهادته، وكذلك صاحب العداوة أي الذي بينك وبينه عداوة، فشهادة العدو لا تقبل على عدوه للتهمة، وترد شهادة القانع وهو الخادم المنقطع إلى الخدمة، وهو المعني بقوله القانع، وبتفسيره له بقوله: «والقانع الذي ينفق عليه أهل البيت» أي الخادم الملازم للخدمة.
وأما رد شهادة الولد لوالده والوالد لولده فلما رواه هشام بن عروة عن أبيّ عن عائشة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقبل شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر على أخيه المسلم، ولا شهادة الولد لوالده، ولا شهادة الوالد لولده». والغمر: الحنة والشحناء، والحنة بكسر الحاء وتخفيف النون المفتوحة لغة في الاحنة وهي الحقد. ففي هذا الحديث ذكر الخائن والخائنة وذكر صاحب العداوة، وذكر فوق ذلك شهادة الولد لوالده وشهادة الوالد لولده، وبناء على هذا الحديث لا تجوز شهادة الولد لوالده إبناً كان أو بنتاً ولا شهادة الوالد لولده سواء أكان أباً أو أماً فإن كلاً منهما والد، وأيضاً فإن المعنى الموجود في الأب وهو التهمة موجود في الأم.
وأما رد شهادة الزوجة لزوجها والزوج لزوجته، فإن الفقهاء المعتبرين ممن يعدون من المجتهدين قد ذكروا أن حديث هشام بن عروة قد رواه عمرو بن شعيب عن أخيه عن جده وزاد فيه: «ولا شهادة المرأة لزوجها ولا شهادة الزوج لامرأته» يعني أن رواية عمرو بن شعيب عن أخيه عن جده قد ذكر فيها أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: «ولا تجوز شهادة المرأة لزوجها ولا شهادة الزوج لامرأته» فقبول الفقهاء لهذه الرواية بهذه الزيادة تجعل الحديث من الحديث الحسن وهو يحتج به، وعلى هذا فإنه يكون دليلاً على أنه لا تجوز شهادة المرأة لزوجها ولا الزوج لزوجته.
** وأما رد شهادة المحدود فإن في الحديثين، حديث هشام بن عروة، وحديث عمرو بن شعيب عن أخيه عن جده: «ولا مجلود في حد» يعني أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «ولا تجوز شهادة مجلود في حد».
هذه هي الأدلة على من لا تجوز شهادته وما عدا هؤلاء تجوز شهادته إذ لم يرد نص يدل على رد شهادتهم، ويوقف في رد الشهادة عند حدود النصوص. وأما ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر لأخيه ولا ظنين ولا قرابة» فإنه حديث ضعيف إذ فيه يزيد بن زياد الشامي وهو ضعيف، قال الترمذي: لا يعرف هذا من حديث الزهري إلا من هذا الوجه، ولا يصح عندنا إسناده. وعلى ذلك فلا يحتج بهذا الحديث، فتقبل شهادة القريب على قريبه وله ما عدا الوالد والولد. وأما ما روي عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية» فإنه ليس المراد منه رد شهادة البدوي مطلقاً، لأن النص خاص إذ قال على صاحب قرية، ويستنبط من ذلك أن هناك علة لعدم قبولها وهو كونه بدوياً أي من أهل البادية الذين يعيشون كل حياتهم في البادية، وكون المشهود عليه صاحب قرية فلا يعلم البدوي عنها ولا عنه أي عن صاحب القرية شيئاً، أي كونه يجهل أحوال المشهود عليه، فعلة الرد الجهالة لا كونه بدوياً. والدليل على أن شهادة البدوي جائزة أن: «النبي صلى الله عليه وسلم قبل شهادة بدوي في رؤية الهلال». فقبول الرسول لشهادة البدوي في رؤية الهلال دليل على جواز شهادته، وهي تدل على أن المراد بحديث: «لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية» ليس لكونه بدوياً بل لجهله في القرية وفي صاحب القرية. وأما ما روي “أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه شهد لفاطمة رضي الله عنها عند أبي بكر الصديق رضي الله عنه ومعه أم أيمن فقال له ابو بكر: لو شهد معك رجل أو امرأة أخرى لقضيت لها بذلك” فإن فاطمة رضي الله عنها كانت غاضبة على أبي بكر منذ توليه الخلافة ولا سيما بعد رفضه إعطاءها ارض فدك، وعلي كان غاضباً على أبي بكر ولم يبايعه إلا بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها، فمن أين جاءت شهادة علي لفاطمة عند أبي بكر، فإن كان في مسألة أرض فدك فهي ليست حقاً عند خصم فإن أبا بكر يعترف بأن الأرض ارث عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولكنه يحتج بقول رسول الله: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» وإن كان في غير ذلك فإن فاطمة لم يرد عنها أنها شكت لأبي بكر على أحد، فالوقائع المحسوسة ترد هذه الرواية، فهي ترد دراية. على أنه لو صحت فإن فعل علي ليس بحجة لأنه صحابي ورأي الصحابي ليس بحجة لأن الحجة إنما هي فيما جاء به الوحي أو فيما دل عليه الذي جاء بن الوحي، أي في الكتاب والسنة وما أرشد إليه الكتاب والسنة من أدلة، ثم أن هذا الأثر يتعارض مع حديث هشام الثابت فيرد لمعارضته للحديث الصحيح. وأما ما جاء من طريق أبي عبيدة حدثنا الحسن بن عازب عن جده شبيب بن غرقده قال: “كنت جالساً عند شريح فأتاه علي بن كاهل وامرأة وخصم لها، فشهد لها علي بن كاهل وهو زوجها، وشهد لها أبوها، فأجاز شريح شهادتهما، فقال الخصم هذا أبوها وهذا زوجها، فقال شريح هل تعلم شيئاً يجرح شهادتهما؟ كل مسلم شهادته جائزة” فإن هذا ليس دليلاً لأنه حكم لقاض من القضاة، فليس بدليل شرعي فلا يحتج به، ولعل شريحاً لم يصح عنه الحديث أو لم يعلم بالحديث فقضى على هذا الوجه ولو علم بالحديثين لما قضى بهما. على أن حديث هشام ينص صراحة على عدم جواز شهادة الوالد لولده، وحديث عمرو بن شعيب الذي استدل به الفقهاء ينص بصراحة على عدم جواز شهادة الزوجة لزوجها والزوج لزوجته فيكف نأخذ قول شريح ونرد ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ لذلك نرفض فعل شريح القاضي ونأخذ بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
متى يصبح غير العدل عدلاً تقبل شهادته
العدالة في الشهادة شرط أساسي، ومن لم يكن عدلاً ردت شهادته. إلا أن الفاسق أو من ردت شهادته لكونه غير عدل، إذا أصبح عدلاً فإنه تقبل شهادته، متى تحققت فيه العدالة ولم يسبق أن حكم بفسقه، كأن حكم عليه بحد أو ردت شهادته. أما من ردت شهادته، أو حكم عليه بحد، فإنه يشترط في اتصافه بالعدالة وقبول شهادته أن يتوب، وأن يصلح حاله، وأن تمضي عليه مدة سنة تظهر فيها توبته، ويتبين فيها صلاحه.
أما التوبة فلأن كل ذنب تلزم فاعله التوبة منه، ومتى تاب منه قبل الله توبته، بدليل قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وقال تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيماً فهذا يدل على أن التوبة تقبل من العاصي مطلقاً. إلا أن هذه التوبة إن لم يكن فيها حق لله يجب قضاؤه، أو لم يكن فيها حق لآدمي فإنه يكفي فيها الندم والعزم أن لا يعود. أما إن كان فيها حق لله تعالى يجب قضاؤه كترك الصلاة ومنع الزكاة، أو كان فيها حق لآدمي كغصب مال أو ضرب شخص، فإن التوبة فيها تكون بالندم والعزم أن لا يعود، ويترك المظلمة التي ارتكبت، أي كأن يؤدي الزكاة ويقضي الصلاة، أو يرد المغصوب أو مثله إن كان مثلياً وقيمته إن كان قيمياً، وأن يمكن من نفسه لمن اعتدى عليه ليقتص منه، وبذلك تكون التوبة قد قبلت منه وقام بحقها.
هذا من جهة قبول التوبة. أما من جهة إعادة اعتباره صالحاً لأداء الشهادة، أي من جهة اعتبار أن يصبح عدلاً تقبل شهادته، وتصح ولايته، ويسند إليه كل عمل تشترط فيه العدالة، فلا يكفي حصول التوبة بالندم وترك المظلمة، بل لا بد أن تمضي عليه مدة سنة تظهر فيها توبته، ويتبين فيها صلاحه حتى يصح قبول شهادته، أو قبوله في العمل الذي يشترط فيمن يقوم به أن يكون عدلاً كالقضاء مثلاً.
أما الدليل على جواز أن يكون عدلاً بتوبته وثبوت صلاحه، وجواز أن تقبل شهادته، فهو قوله تعالى: إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا بعد قوله: وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا فإن نص الآية هو وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فإن الله تعالى قال: إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا بعد قوله: وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا والاستثناء متى يعقب كلمات منسوقة بعضها على البعض ينصرف إلى جميع ما تقدم إلا ما قام الدليل عليه، كقول القائل امرأته طالق وعبده حر وعليه حجة إلا أن يدخل الدار، فالاستثناء يعود للجميع. وكذلك في الآية فإن الاستثناء يعود للجميع، ولكن قام الدليل على أن الاستثناء لا يعود إلى الجلد وهو عدم سقوط الحد، والإجماع على أن الاستثناء لا ينصرف إلى الجلد، فيبقى ما سواه، فيكون قوله: إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا استثناء من قوله: وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا فاستثنى من عدم قبول الشهادة ممن يجلد بالقذف الذين تابوا، حين استثنى: إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا من قوله: وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وهذا يعني جواز أن ترجع العدالة للمحدود الذي حكم بفسقه بالحكم عليه بالحد، إذا كان قد تاب، وأصلح، وجواز أن تقبل شهادته.
وأما الدليل على أن التوبة وحدها لا تكفي بل لا بد من ثبوت صلاحه قوله تعالى: وَأَصْلَحُوا بعد قوله: تَابُوا إذ الآية هي: إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فإنها تدل على أنه لا بد أن تثبت توبته وأن يثبت معها صلاحه، لأن الواو للعطف وهي تعني هنا عطف شيء على شيء آخر، فلا بد من ثبوت الشيئين معاً، أي التوبة والصلاح. وأما كونه لا بد من مرور سنة عليه تظهر فيها توبته ويتبين صلاحه فلأن معنى الآية في قوله: وَأَصْلَحُوا يشير إلى أنه لا بد من تحقق الصلاح مع التوبة، وعبر بالصلاح بلفظ الماضي إشارة إلى تحقق وقوعه، أي إلا الذين تحققت منهم التوبة وتحقق فيهم الصلاح. وتحقق الصلاح يقتضي حتماً وجود مدة يتبين فيها الصلاح، فالآية لا تدل على مدة معينة ولكنها تدل على تحقق الصلاح وهو يحتاج إلى زمن يقع فيه التحقق أي إلى مدة يحصل فيها تحقق الصلاح. أما كون المدة سنة فلأن عمر لما ضرب صبيغاً وحبسه بسؤاله عن الذاريات والنازعات أمر بهجرانه حتى بلغه توبته، فأمر أن لا يكلم مدة سنة، مما يدل على اعتبار مدة السنة لتحقق الصلاح مع التوبة، فلما ثبت لعمر توبة صبيغ أراد أن يتحقق من صلاحه وقدر لذلك سنة، وفعل عمر وإن كان ليس دليلاً شرعياً ولكنه يستأنس به عند عدم وجود الدليل. على أن تحقق الصلاح أمر من الأمور التي تعرف بمعرفة الواقع، والواقع أن الإنسان يحتاج إلى أن تمر عليه الفصول الأربعة من السنة حتى يعرف حالة من حيث الميول والشهوات، ولذلك كان تقدير السنة أقرب إلى الواقع. وعلى هذا فإن التوبة وحدها لا تكفي لتحقق عودة العدالة للشخص، أي عودة الاعتبار له، وإنما لا بد أن يصحب التوبة تحقق الصلاح فيه بمضي مدة سنة، فإذا حصل ذلك قبلت شهادة الشخص المحدود أو المردودة شهادته لعدم العدالة، وصحت ولايته، وأسند إليه كل عمل تشترط فيه العدالة.
أما المعاملات فتحتاج إلى دليل آخر يدل عليها. والجواب على ذلك أن حديث عائشة ليس في العقوبات فقط بل هو في العقوبات والأموال، فإن سؤال الرسول صلى الله عليه وسلم يتضمن العفو عن القود وعرض المال الذي يرضون به، فلما أعلم الناس أعلمهم بالرضا بالعفو والرضا بالمال، إذ قال: «إن هؤلاء الذين أتوني يريدون القود فعرضت عليهم كذا وكذا فرضوا» أي رضوا بالعفو عن القود، وبالمبلغ الذي عرضه عليهم، فلما أنكروا وزادهم جاء يعلم الناس بالمال فقال: «أرضيتم» يعني بالمبلغ بعد زيادته، إذ هم قد رضوا بعد الزيادة، فالرسول لم يحكم بالعفو إلا بعد إعلام الناس ليشهدوا، ولم يحكم بالمبلغ الذي رضوا به لأنهم أنكروا أمام الناس، فزادهم ثم حكم به بعد أن أعلم الناس ورضوا، فالحديث يصلح للاستدلال على المال وعلى العقوبات فيكون دليلاً على عدم جواز أن يحكم القاضي بعلمه.
وقد يقال أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قضى بعلمه، فعن أبي هريرة قال: «جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للمدعي: أقم البينة، فلم يقمها، فقال للآخر: احلف، فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عنده شيء، فقال له رسول صلى الله عليه وسلم: قد فعلت، ولكن غفر لك بإخلاص لا إله إلا الله» وفي رواية للحاكم: «بل هو عندك ادفع إليه حقه، ثم قال شهادتك أن لا إله إلا الله كفارة يمينك» وفي رواية لأحمد: «فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنه كاذب إن له عنده حقه، فأمره أن يعطيه حقه وكفارة يمينه معرفته أن لا إله إلا الله». فهذا الحديث دليل على أن القاضي يجوز أن يحكم بعلمه، فالرسول صلى الله عليه وسلم قضى بعلمه بعد وقوع السبب الشرعي الذي يستوجب رد الدعوى وهو اليمين، فبالأولى جواز القضاء بالعلم قبل وقوعه. والجواب على ذلك من وجهين: أحدهما: أن هذا الحديث أعله بن حزم بأبي يحيى وهو مصدع المعرقب، وأعله أبو حاتم برواية شعبة عن عطاء بن السائب عن البختري بن عبيد عن أبي الزبير، وما أخرجه أحمد من رواية ابن عباس في هذا الحديث في إسناده عطاء بن السائب وقد تكلم فيه غير واحد، فيكون سند الحديث مطعوناً فيه فيرد ولا يحتج به، والوجه الثاني أنه لو فرض صحة الحديث فإن الإعلام الذي حصل للرسول صلى الله عليه وسلم في هذه القضية إنما جاء عن طريق الوحي وما جاء عن طريق الوحي يعمل به وترد البينة ويرد اليمين، لأن الوحي هو الصادق، فلا يقاس علم أي شيء عليه أي على علم الوحي، ثم إن العلم عن طريق الوحي خاص بالرسول صلى الله عليه وسلم فهو من خصوصياته فلا تطالب به أمته فلا يكون دليلاً على الحكم بالنسبة للأمة، وعليه لا يصلح هذا الحديث دليلاً على جواز أن يقضي القاضي بعلمه.
وقد يقال أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قضى بعلمه في النفقة في حادثة هند زوجة أبي سفيان، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أذن لها أن تأخذ ما يكفيها وولدها بالمعروف، لأنه صلى الله عليه وسلم إنما قضى لها ولولدها بوجوب النفقة لعلمه بأنها زوجة أبي سفيان ولم يلتمس على ذلك بينة، فدل على أن للقاضي أن يحكم بعلمه في النفقة، والجواب على ذلك أن هنداً لم تشك للرسول صلى الله عليه وسلم على أبي سفيان حتى تكون الحادثة من قبيل القضاء والحكم، وإنما سألته هل يجوز لها أن تأخذ من مال أبي سفيان فإنه رجل شحيح فأجابها على سؤالها بقوله: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف، فهذا جواب على سؤال أي فتوى، وكلام المفتي يتنزل على تقدير صحة كلام المستفتي، فلا يكون الرسول قد قضى بعلمه وإنما أجاب على سؤال، فلا يصلح الحديث دليلاً على جواز أن يقضي القاضي بعلمه.
وبناء على ذلك فإنه لا يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه لا في الحدود ولا في الجنايات ولا في الأموال ولا في المعاملات ولا التصرفات، لحديث عائشة وحديث ابن عباس، بل عليه أن يطلب البينة، ولا يحكم إلا ببينة، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «شاهداك أو يمينه» ويقول: «وليس لك إلا ذلك».
لا يصح أن يحكم القاضي يعلمه
لا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه سواء علم بذلك قبل توليه القضاء أم بعد توليه القضاء، وذلك لما روي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم: «بعث أبا جهم بن حذيفة مصدقاً (أي يجبي الصدقات أي الزكاة) فلاحه رجل في صدقته، فضربه أبو جهم فشجه، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: القود يا رسول الله، فقال: لكم كذا وكذا فلم يرضوا، فقال: لكم كذا وكذا، فرضوا، فقال إني خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم؟ قالوا: نعم، فخطب فقال ان هؤلاء الذين أتوني يريدون القود فعرضت عليهم كذا وكذا فرضوا أفرضيتم؟ قالوا: لا، فهم المهاجرون بهم، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفوا عنهم فكفوا، ثم دعاهم فزادهم، فقال: أفرضيتم؟ قالوا: نعم، قال: إني خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم؟ قالوا: نعم، فخطب فقال: أرضيتم؟ قالوا: نعم»، ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن هؤلاء جاءوا للرسول صلى الله عليه وسلم بوصفه حاكماً يطلبون الحكم بالقود أي بقتل القاتل بوصفهم أولياء المقتول، فأراد الرسول أن يحوّلهم إلى طلب الحكم بالدية وأن يعفوا، فرضوا عند عرضه عليهم مبلغاً لإرضائهم، ثم رضوا في العرض الثاني، ولكن هذا الرضا منهم كان أمامه وحده، وليست هناك بينة على أنهم رضوا، فلو جاز للقاضي أن يحكم بعلمه لقبل منهم العفو وحكم لهم بالمبلغ الذي رضوا به، ولكنه عليه السلام أعلم الناس أمامهم أنهم رضوا ليشهد الناس برضاهم، فلما أنكروا أنهم رضوا فإنه عليه السلام نزل عند إنكارهم، ولم يحكم بعلمه بأنهم رضوا مع أنهم رضوا أمامه، لذلك عاد فزادهم، ثم أعلم الناس، فقالوا رضينا، وحينئذ بعد أن شهد الناس برضاهم حكم لهم بالمبلغ الذي رضوا به وقبل العفو منهم، فكان ذلك دليلاً على أن القاضي لا يحكم بعلمه. وعن ابن عباس: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لاعن بين العجلاني وامرأته، فقال شداد بن الهاد هي المرأة التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كنت راجماً بغير بيّنة لرجمتها؟ قال: لا، تلك امرأة كانت قد أعلنت في الإسلام» وفي رواية: «فقال ابن عباس: لا، تلك امرأة كانت تظهر في الإسلام السوء» وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو كنت راجماً أحداً بغير بينة لرجمت فلانة، فقد ظهر منها الريبة في منطقها وهيأتها ومن يدخل عليها» ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد علم أن المرأة التي ذكرها زانية، علم ذلك من الرجال الذين كانوا يدخلون عليها، ومن هيأتها، ومن منطقها، ولا شك أن هيئة المومس وشكلها تدل على أنها زانية، فكيف إذا رأى الناس الرجال يدخلون عليها. وكما يظهر من أوصاف هذه المرأة أنها مومس، فإن ابن عباس يقول: «كانت تظهر في الإسلام السوء» أي كانت تعلن بالفاحشة أي بأنها مهيأة للزنا، وهذا كله يجلب العلم، ويدل على ذلك قول الرسول: «لو كنت راجماً أحداً بغير بينة لرجمت فلانة» فإن هذا القول يعني أن الرسول يعلم أنها زانية وحكمها الرجم ولكن لعدم وجود بينة لم يرجمها، فهو يدل على أن القاضي لا يحكم بعلمه. وقد سار على ذلك أبو بكر رضي الله عنه فكان لا يقضي بعلمه. عن ابن شهاب عن زيد بن الصلت أن أبا بكر الصديق قال: “لو رأيت رجلاً على حد من حدود الله ما أخذته ولا دعوت له أحداً حتى يكون معي غيري” وقد يقال أن هذه الأدلة في العقوبات، فحديث عائشة في الجنايات، وحديث ابن عباس في الحدود، والدليل إذا جاء في موضوع فإنه يكون خاصاً في ذلك الموضوع، فهذه الأدلة إنما تصلح دليلاً على أن القاضي لا يقضي بعلمه في العقوبات لا في غيرها،
المستندات الخطية
إن قول الله تعالى: ïپإِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُïپ? أمر من الله لعبادة المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها، ليكون ذلك احفظ لمقدارها، وميقاتها، واضبط للشاهد فيها. وهذه الكتابة ما هي إلا المستند الذي يثبت بها صاحب الحق حقه. ومن هنا كانت المستندات بينة من البينات. فالله تعالى قد أمر بالكتابة حين قال: ïپفَاكْتُبُوهُïپ? للتوثقة والحفظ. وعلى ذلك فإن المستندات الكتابية بينة من البينات لأن الله قد أمر بها.
وما دام الأمر بالكتابة جاء عاماً ïپفَاكْتُبُوهُïپ? فإنه يشمل كل كتابة، فيشمل كل مستند مكتوب، ولكن الشارع لم يبين أنواع المستندات الكتابية بالتفصيل لأن الحكم جاء عاماً فيكون واقعها هو الذي يبين أنواعها. ومن تتبع واقع المستندات الخطية المعروفة حتى اليوم نجدها ثلاثة أنواع هي: المستندات الموقعة، المستندات الصادرة عن دوائر رسمية أو دوائر أهلية، المستندات العادية غير الموقعة.

المستندات الرسمية
المستندات الرسمية هي المستندات التي ينظمها الموظفون الذين من اختصاصهم تنظيمها طبقاً للأوضاع القانونية، ويحكم بها دون أن يكلف مُبرزها إثبات ما نص عليه فيها، ويعمل بها ما لم يثبت تزوريها. فإعلام الحكم وشهادة الزواج ووثيقة الطلاق وشهادة الميلاد وغير ذلك مما يصدر عن دوائر الدولة الرسمية يعتبر بينة على ما جاء به من غير إثبات ما جاء فيها ومن غير حاجة لإثباتها. أما الصور عن هذه المستندات فإنه لا يعمل بها إلا بعد التحقق من أنها صورة طبق الأصل للمستند الذي نظمه الموظف المختص، ولا يكفي للتحقق منها بختم الدائرة وتوقيع الموظف الذي أخرجها، بلا بد أن يخبر الموظف الذي أخرجه بنفسه أمام القاضي بأن هذه الصورة هي صورة طبق الأصل عن المستند المحفوظ بعد المقابلة عليه. فإن لم يحصل ذلك لا تكون الصورة بينة. ويكفي في ذلك موظف واحد لأنه إخبار ولا يشترط فيه العدد. وأما الصورة الفوتوغرافية للمستند فإنها تأخذ حكم المستند لا حكم الصورة، لأنها عين الأصل وليست صورة عنه، لأن الصور الفوتوغرافية هي عين الشيء لا صورة عنه. غير أنه للتحقق من هذه الصورة الفوتوغرافية هي عين المستند الأصلي لا بد من مطابقتها على المستند الأصلي من قبل القاضي أو نائبه. ولكن إذا اعترف الخصم بأن هذه الصورة الفوتوغرافية صحيحة وهي طبق الأصل يكتفى باعترافه وتعتبر مستنداً.
إبراز المستند
الأصل في المستند أن يكون بيد المدعي، فإذا كان بيده فإنه لا يصبح بينة إلا إذا أبرزه للقاضي وظل في أوراق الدعوى حتى يصدر حكم القاضي، ولا يحق له أن يسترجعه قبل الحكم، فإنه بينة، والبينة لا بد أن يظل الإصرار عليها حتى صدور الحكم. ألا ترى أن الشاهد إذا رجع عن شهادته قبل الحكم في حضور الحاكم تكون شهادته في حكم العدم، وكذلك المستند. ولكن لا يوجد ما يمنع أن يأخذ صورة عنه. وإذا لم يكن المستند بيد المدعي، فإن على المدعي أن يحضره، فإن تعذر عليه ذلك ينظر، فإن كان ليس في الدوائر الرسمية، ولا بيد المدعى عليه، فإنه يعتبر عاجزاً عن البينة إذا لم يحضره. أما إن كان في الدوائر الرسمية فإن على المحكمة أن تقرر جلب المستند من الدائرة التي أصدرته سواء طلب المدعي أو لم يطلب ما دام قد تعذر عليه إحضاره. وأما إن كان بيد المدعى عليه وطلب المدعي إلزام خصمه بتقديمه أي بتقديم المستند فإنه ينظر، فإن أقر الخصم بوجود المستند عنده إقراراً يعينه بأنه هو، يلزم بإحضاره، فإن لم يحضره اعتبر نكوله عن إحضاره إقراراً بالمستند، وحينئذ يعتبر المستند كأنه مبرز من المدعي ولكن بالأوصاف التي أقر بها الخصم، وإن أنكر الخصم أن المستند عنده، ينظر فإن كانت لدى المدعي صورة عنه فإنه يكلفه بإثبات أن السند عند خصمه، فإن عجز عن الإثبات حلف الخصم فإن حلف رفض المستند ولو كانت صورته موجودة، وإن نكل عن اليمين اعتبر القاضي الصورة التي مع المدعي عن المستند صحيحة طبق الأصل، واعتبرها بينة على الدعوى.
الأربعاء: 15 شعبان 1385هـ.
08/12/1965م.

فمن هذا كله يتبين أن الأصل جواز شهادة غير المسلم في كل شيء لأنه مخاطب بالتكاليف، وهي تصح منه إن لم يأت نص في اشتراط الإسلام فيها، والشهادة من التكاليف لأنها خطاب الشارع وهو موجه لجميع الناس، ولم يأت نص في اشتراط الإسلام فيها، فتصح من غير المسلم كالجهاد. ويتبين أيضاً أن هناك حوادث لا تصح فيها شهادة غير المسلم، بل يشترط فيها أن يكون الشاهد مسلماً وهي الحوادث التي جاءت النصوص مشترطة فيها أن يكون الشاهد مسلماً، وهي الحقوق المالية، والوصية ما عدا حالة السفر فتجوز فيها وحدها شهادة غير المسلم، والرجعة والطلاق ومن الرجعة الزواج. وما عدا هذه الحوادث التي جاء النص مشترطاً فيها أن يكون الشاهد مسلماً، فإن شهادة غير المسلم جائزة. فيجوز لغير المسلم أن يكون شاهداً في الحدود، فيجوز أن يكون شاهداً في الزنا. وأما قوله: يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فإنه لم يشترط فيهم الإسلام، بل أطلق وقال شهداء أي شهداء، ويجوز أن يكون شاهداً في السرقة والقذف وشرب الخمر وغير ذلك من الحدود. ويجوز أن يكون شاهداً في الجنايات، وقد تأيد جواز شهادة غير المسلم في الجنايات علاوة على الدليل العام ما جاء في حديث بشير بن يسار، فقد روى البخاري: «عن بشير بن يسار زعم أن رجلاً من الأنصار يقال له سهل بن أبي حتمة أخبره أن نفراً من قومه انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها، ووجدوا أحدهم قتيلاً، وقالوا للذي وجد فيهم قتلتم صاحبنا، قالوا ما قتلنا ولا علمنا قاتلاً، فانطلقوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله انطلقنا إلى خيبر فوجدنا أحدنا قتيلاً، فقال: الكبر الكبر، فقال لهم تأتون بالبينة على قتله، قالوا ما لنا بينة، قال فيحلفون. قالوا لا نرضى بأيمان اليهود، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطل دمه فواده مائة من ابل الصدقة» فهذا الحديث يدل على أن الرسول طلب منهم بينة على قتل قتيل قتل عند اليهود، إذ قالوا له “انطلقنا إلى خيبر فوجدنا أحدنا قتيلاً” ومع معرفته أن الحادثة في خيبر عند اليهود وفي قبيلتهم قد أطلق البينة ولم يعينها بأن تكون من المسلمين، والقرينة أن الحادث عند اليهود، مما يدل على أنه لو جاءت بينة من اليهود لقبلها ويؤيد هذا أنه عرض على المدعين أن يحلف اليهود اليمين، فقد جاء في رواية سهل بن أبي حتمة: «فتبرئكم يهود بخمسين يميناً، فقالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كفار» واليمين من البينات. فهذا يدل على أن بينة الجنايات يقبل فيها الشاهد غير المسلم ويقبل فيها يمينه.
وكذلك تجوز شهادة غير المسلم في المعاملات ما عدا الحقوق المالية، وفي العقود والتصرفات ما عدا الوصية، وما عدا الرجعة والطلاق والزواج. ولا تجوز في رؤية الهلال لورود النص، وتجوز في الأمور الفنية كالطب ونحوه، ولا فرق في ذلك بين الذمي والمستأمن. وأما الكافر الحربي فينظر فيه فإن كان بيننا وبينهم أي قومه حالة حرب فعلية فإنه لا تجوز شهادته للعداوة التي بيننا وبينهم، وإن لم تكن بيننا وبينهم حالة حرب فعلية فإن شهادة الكافر الحربي جائزة لأنه داخل في عموم خطاب التكليف، ولا يقال أن بيننا وبينه عداوة، لأن هذه العداوة عداوة دين، وعداوة الدين لا تمنع من قبول الشهادة بل الذي يمنع هو عداوة الدنيا، والكافر الذي بيننا وبينه حال حرب فعلية بيننا وبينه عداوة دنيا وهي الحرب.
هذا بالنسبة لشهادة غير المسلمين للمسلمين، وأما شهادتهم لغير المسلمين أي شهادة الكفار للكفار فإنها جائزة، فيجوز للكفار أن يشهد بعضهم لبعض في كل شيء، لما روى ابن ماجة عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم: «أجاز شهادة أهل الذمة بعضهم لبعض» ومثل الذمي المستأمن.
ألفهرس
أحكام البيّنات — 1
أنواع البيّنات — 2
الإقرار والأيمان— 3
الشهادات — 4
تعريف الشهادة — 5
شروط الشاهد — 7
شهادة غير المسلم — 9
نصاب الشهادة — 13
نوع الشاهدين — 14
المستثنيات من نصاب الشهادة — 16
شهادة النساء — 17
من لا تجوز شهادته — 18
متى يصبح غير العدل عدلاً تقبل شهادته — 20
لا يصح أن يحكم القاضي يعلمه — 21
معاينة القاضي ومشاهدته — 23
الإخبار والاستكشاف — 24
المستندات الخطية — 25
المستندات الموقعة — 26
المستندات الرسمية — 27
المستندات الصادرة عن دوائر أهلية —28
المستندات العادية غير الموقعة — 28
المستندات الخارجية — 28
إبراز المستند — 29
الفهرس — 30