11 أيلول اختطاف العالم خطة أميركية

22 ?في الحملة العالمية للتشويش الفكري لتمرير الدجل الفكري يبرز بين الحين والآخر مفهوم على لسان إحدى المنظمات العالمية وكلها تابعة لأميركا مباشرة أو عبر الأمم المتحدة أو المنظمات الإقليمية، لإثبات أن ليس كل شيء كما تريده أميركا. غرض هذا الفرد أو المنظمة أولاً استرجاع مصداقيتها التي ضاعت بظهورها كداعم مطلق لحق أميركا بقتل الآخرين وإن كان بزعم إرهابٍ غير موجود أصلا إن لم تدعمه هي أو حليفتها بريطانيا. وثانياً تضييع الناس؛ شعوب الأرض، في حقيقة الموقف. أميركا تعتقل المئات وترسلهم إلى حظيرة في قاعدة عسكرية تغتصبها دون اتهام بل بحجة الحصول منهم على معلومات عن المتهم، عن أفكاره وميوله ومقاييس طموحه لا مقاييس جسده التي استطاعوا معرفتها بعبقرية خارقة من صورته في الإعلام المرئي. دون السماح بوجود مستشار قانوني لأي من المتهمين أثناء التحقيق، وهو المفخرة التي كانت تتباهى بها عبر نصف قرنٍ من برنامج دعائي لتعميم ناموس أميركا في العدل وتقديس الحرية الفردية. بعد أن داست أميركا على كل مفاخرها ومثلها وقيمها وهشَّمت وقبَّحت صورتها بسلاحها الأقوى، رأى أحد أبواق النطق في المسرح العالمي سكرتير الأمم المتحدة أن تشويه صورة أميركا عند العالم أصاب منظمته. إخلاصاً منه لأميركا، وإيمانا منه أنها قادرة على إعادة تجميل تلك الصورة قرر النطق بنصيحة لأميركا. غاية تلك النصيحة ليس إنقاذ أميركا بل إنقاذ منظمته من وصول التشويه القاتل إليها لتستطيع بالحد الأدنى من مصداقية أن تكون أداة مساعدة لأميركا عندما تريد ذلك. أذاع بوق منظمة الأمم المتحدة ورددت الأبواق الإعلامية كلها: لا يمكن مبادلة الحرب ضد الإرهاب بحقوق الإنسان والديمقراطية." جاء تصريحه هذا يوم السبت 19/1/2002 مباشرة بعد تسليم الستة الذين حكمت المحكمة العليا في البوسنة ببراءتهم من أي تهمة. وبعد قتل ما يزيد على خمسة عشر ألف مسلم في بيوتهم المبنية من الطين، وبعد صدور لوائح اتهام عشرات وعشرات دون دليل بحجة عدم تعريض المخبر للخطر. تصريحه في توقيته وغايته ليس الحفاظ على أكذوبة حقوق الإنسان والديمقراطية أنها خشبة خلاص الإنسانية. هذه المقولة يعلم هذا الطويل في قامته أنها سقطت في مستنقع الأفكار العفنة عند جميع المفكرين في العالم الغربي والإسلامي. لكنه يقولها لنقل موضوع اهتمام الرأي العام الإسلامي في هذا الظلم العجيب إلى اهتمامه بالرأي العام الغربي العجيب بحقوق الإنسان والديمقراطية بقدر ما يلزم في حملة تضليل شعوبهم للانقياد السلس لحكوماتهم. فالخطر على الغرب أن تنكشف حقيقة فظاعة جريمة حكوماته في تضليل شعوبها في موضوع الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية.

23 - معركة العالم ضد الإرهاب فرضت مسرحاً دولياً جديداً في كثيرٍ من المعايير والأمور. أحد هذه المعايير: ما يحق لأميركا لا يحق لغيرها. بدون أي دليل، ولو واحد يثبُتُ في أي محكمةٍ تمَّ اتهام ومحاكمة وإصدار حكمٍ على حكومةٍ وشعبٍ وميليشيا. لكن خطة تنفيذ الحكم كانت خطة انتقام من جميع شعوب الأمة الإسلامية، وفرضت تدمير شعبٍ لمجرد حاجة أميركا إلى من تجعله هدف انتقامها في تبرير خطة السيطرة المباشرة على أجهزة الأمن في بلاد المسلمين. بهذا ولهذا أوجدت وعممت قاعدة مشروعية محاربة وتدمير الدولة التي ينطلق منها “الإرهابي”، ولو هي اصطنعت هذا الإرهابي!

فجأة قامت مجموعة بتدمير مبنى برلمانٍ هندي وقُتل بضعة عشر نفراً في الحدث. بالأدلة والإثباتات ادَّعت الهند أنهم باكستانيون من منظمات تعمل في المسرح الباكستاني الذي تُمسك المخابرات الباكستانية بجميع أطراف اللاعبين أشباه الدمى المتحركة بحسب شدِّ حبالها أو إرخائها. حسب القانون الدولي الجديد للعلاقات الدولية الذي فرضته أميركا يحق للدولة فريسة الإرهاب الانتقام من الدولة حاضنة وحامية المنظمة وإن كانت الدولة لم تدبر، مباشرة أو غير مباشرة، هذا العمل. قامت الهند بالتعبئة العسكرية لمعاقبة باكستان. لكن أميركا جنَّ جنونها أنَّ أحداً في العالم يصدق أن قانون أميركا العالمي هو قانون للجميع. حاولت مع الهند بكل وسائل الإقناع لثنيها عن خطتها. لكن الهند وقد اتفقت مع إسرائيل على هذه الخطة ومع أسياد إسرائيل لم تخضع للضغط الأميركي بل دأبت على التصريح اليومي رفضها الوساطة الأميركية في أي شكل وعلى أي مستوى. عندها لم تر أميركا بداً من إفهام الهند حقيقة دورها الطفيلي في السياسة الإقليمية قبل الدولية. صدر التصريح الرسمي: إن أميركا لن تسمح بالحرب بين الهند وباكستان. بعد هذا التصريح انقلب موقف برويز مشرف “صقر” جيش باكستان الذي أمضى أسابيع في التذلل والتسليم بكل مطالب الهند. أعلن بلهجة الأبطال من الرجال في حديث متلفز بثته أميركا ليومين متتاليين عبر قناة cnn يومي الجمعة والسبت في 18 و19/1/2002 ما نصه: إنني فعلت أكثر مما يجب! يعني مما طلبته الهند استرضاءً لها، لكنه انتهى من ذلك بعد وقوف أميركا ضد الهند في التصعيد. تغيرت ملامح وجهه من ملامح الخائف الذي ركبه العار إلى ملامح المقدام الجريء صاحب الحق الذي يحافظ على كرامة الشعب. وبدأت الهند في محاولة الحفاظ على موقعها المتعالي والمتعاظم وهو بداية التقهقر. لكن إلى موعدٍ آخر حيث تكون الضغوط الأميركية قد أفلست من حجتها فلا يكون لها من سبيل غير المقايضة لإنقاذ ماء وجهها من قدرة الهند على ابتزازها.

18 ? قصف أفغانستان كان له نتائج كثيرة وأحدث تغيرات كتب عنها مئات بل آلاف المحللين في شتى اللغات، لسنا هنا بصدد تعداد هذه النتائج. لكن أبرز هذه النتائج ما أشار إليه دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي في ظهوره الصحفي الروتيني قبل أواخر أيام شهر كانون الأول 2001م في رده على سؤال ماذا حققتم من قصف أفغانستان ولم تعتقلوا فلان ولا فلان. قال فوائد الحرب كبيرة جداً ومهمة جداً وليس مهماً اعتقال هذا أو عدم اعتقاله، المهم أننا نقصف أفغانستان ونعتقل من نريد في الطرف الآخر من الكرة الأرضية، وهذا إنجاز ضخم.

19 ? من نتائج الحرب المفروضة من طرف واحد أو فوائدها لأميركا أنها **أوجدت الظروف الضرورية لتفرض على كل دولة ونظام سياسي قائم ملء قسيمة تحتوي معلومات محددة لتقديمها إلى الدوائر الرسمية الأميركية ـ عبر الأمم المتحدة ـ لتقرر أميركا بضوء الأجوبة على هذه القسيمة استحقاق هذه الدول أو النظام بالبقاء أو تعديل وجوده أو إلغاء وجوده. لكن قبل تقديم هذه القسائم فرضت أميركا على جميع الأنظمة التي تتحكم بالمسلمين في بلاد المسلمين، وضع إجراءات مالية وقضائية ومخابراتية وإعلامية وثقافية موضع التنفيذ.**حتى تكون جديرة بملء قسيمة طلب قبول خضوع هذه السلطات في طاعة عمياء مطلقة للسماح لها بالوجود. الجميع نفذ الإجراءات الجديدة وألحقها بظهور مسؤول رفيع المستوى مصرحاً أن الدولة لم تقم بهذا الإجراء بضغط أميركي بل لأنها ترى مصلحة البلاد في ذلك!

20 ? في تخبطٍ هو من جنس تخبط السابح الذي يرجَّح فوزه في مباريات سباق طويل لكنه تعب من التواءِ عصبٍ وهو ما زال في نصف المسافة، بدت أميركا وهي تنشر لوائح الإرهابيين. **معظم اللوائح التي نشرتها لم تعطِ دليلاً واحداً على أحدٍ منها، سواء الجمعيات أو الأفراد. جميعها لا يوجد مبرر لاتهامها، إذ معظمها يعمل تحت بصر ومراقبة وتوجيه السلطة السياسية التي تدين لأميركا بالولاء والتبعية.**المبرر الوحيد هو أن أميركا بحاجة إلى متهمين ومن ثم ليكافحوا لإثبات براءتهم بالحجة والإنفاق الضخم الذي تحتاجه هذه المكافحة. وإلى ما يحتاجه الظهور بمظهر البريء من تزلف وسكب ماء الوجه لاسترضاء القوة العظمى في الظلم والبطش بالتبني الرخيص لمواقفها في محاربة الإرهاب. والتأكيد على أنهم مع أميركا في حملتها، وإنهم يدعون للتعايش بالخضوع المطلق لأنظمة العلاقات الدولية وأنظمة الحكم السياسية في بلدهم. وإنهم جزء من نسيج مجتمع الشيطان الذي يعيشون فيه بل جزء مؤثر في استقراره. الذين اتهمتهم أميركا ينفذون خطة أميركا في مجال نشاطهم بتعميم ثقافة تجهيل المسلمين وتضليلهم وتضييع طاقتهم بغير طائل. لا فرق بين الحزب السياسي أو حزب الميليشيا وبين الجمعية الخيرية أو التثقيفية. معظمهم بل جميعهم لا يرتبط بفكر إسلامي أساسي ولا بنظرة إسلامية شمولية. يرتبطون بفكر إسلامي في مرحلة يحتاجون إلى زخم هذا الفكر في فترة من عملهم في خطة أميركية أو أوروبية. أو يرتبطون بفكر إسلامي مبتور من فكر عام لاستعارة صدقيه أو شرعيةٍ يلصقونها بعملهم الذي فيه كل عوامل إفساد الشرع. حاجة أميركا ستبقى دائمة إلى إيجاد متهمين بأي تهمة لأن خطتها تتوقف على وجود متهمين. وهي بحاجة من بعد الاتهام للنزاع المهزلة في المحاكم والإعلام. الاتهام والنزاع هو وقود خطة فرض السيطرة المباشرة على الأرض والناس.

21 - من مهازل الاتهام أن سلطات الحكم البوسنية اعتقلت ستة أفراد شكَّت بأمرهم دون دليل بل على الطريقة الأميركية الجديدة في تعبئة العالم ضد شبحٍ لا يراه إلا وزير الدفاع الأميركي. جرت محاكمة هؤلاء بمنتهى الفعالية لأن سلطات البوسنة أرادت أن تسجل سبقاً في هذا المضمار أن تكون أول دولة في العالم تقدم أدلة على أن هناك إرهاباً ضد أميركا. بعد محاكمة مستفيضة خابت آمال حكومة البوسنة فاضطرت إلى الحكم ببراءتهم لكنها لم تخلِ سبيلهم فأقاموا دعوى أمام المحكمة العليا التي أمرت بإخلاء سبيلهم. وهكذا أطلقتهم سلطات الأمن بحكم المحكمة العليا للبلاد ذات السيادة! لكن أميركا بعد أيام قليلة فرضت تسليمها هؤلاء الأبرياء بالحكم! لتعيد محاكمتهم هي بتهمها هي حسب خطتها. هذا يثبت أن الاتهام الذي توجهه أميركا ليس تبريره ـ إذا كان له تبرير، حتى اليوم لم يُعط ولم يثبت تبرير لحالة واحدة ـ مواد الاتهام بل تبريره فائدة الاتهام. المقصود من الاتهام ليس الإدانة أو البراءة كما فهمت محاكم البوسنة. المقصود الأول إذلال سلطات الحكم في البوسنة والكويت والسعودية واليمن والصومال ولبنان وسورية وحيث يرد الاتهام الباطل. ومقصود هذا الإذلال إعلامٌ عالمي أن أميركا هي المباشرة للحكم في بلاد المسلمين. المقصود الثاني هو إبقاء جو الاتهام من أجل إبقاء جو الخوف سائداً في العالم. هل تضرب أميركا ناس الصومال الذين يحتمون تحت ورق الموز بحجة إنهم يتخفون من القنابل العنقودية التي تريد أن تقتلهم بها؟ أم أين؟ تعميم القدرة على الاتهام هو تعميم للخوف من الاتهام. إخفاء الهدف التالي للقصف في حملة الرعب على العالم هو فرضٌ للخنوع ـ وليس للخضوع لأن الجميع خاضع ـ أنه ثوب المفاخرة بين حكام الدول ومنظمات وأحزاب المجتمع في دول العالم المقصود في هذه الحملة.

10 ? **الحرب كانت من جهة واحدة: أميركا وحدها تقصف وتقتل مسلمين. أميركا تقول إنها قتلت الأطفال والنساء وكبار السن والأبرياء من كل افتراءٍ عليهم بأي تهمة، بالخطأ! أو، في أحسن مظاهر إنسانيتها، تُنكِر صور أشلاء جثث المدنيين أنها لبشر! إنهم فقط مسلمون. تقتل الأجساد المسافرةَ بأرواحها في حافلات أو شاحنات أو عربات تجرها حمير أو بغال بحجة أنها كانت تظن أنها تقل عسكريين هاربين من كهف إلى مغارة. قتلت الآلاف من المدنيين قبل أن تقتل أي عسكري.**قامت الطائرات باستخدام أعتى وأقوى قنابلها وصواريخها غير النووية والبيوليجية ضد عدو لا يملك حتى رصاصة تصيب طائرة! ضد عدو رصاصاته وصواريخه لا تهرب منها حمام أفغانستان التي تخاف من الصقور. ضد عدو اتهمته أميركا أنه يمكنه تهديد أميركا نوويا وبيوليجيا لكنه لا يستطيع أن يتكلم بهاتف أو مذياع إلا بإذن ضابط مراقبته من المخابرات الباكستانية التي تديرها أميركا مباشرة! أميركا أغرقت العالم في خوفها من ميليشيا لا تملك رصاصة واحدة تصل إلى طائراتها حتى تطوعت إيطاليا وبريطانيا واليونان أيضاً بمساعدتها. قصفت بنفسية الذي أصيب بهستيريا الخوف حتى تبرر فرض الخوف على جميع دول العالم في مواكبة أشرس قصف في التاريخ(4). حتى تبرر فرض قوانين على جميع دول العالم بأمرٍ واحدٍ للجميع. أمرت بتوزيع نسخ من القوانين الجديدة على جميع دوائر الحكم في العالم. تسابقت الأنظمة بوضع القوانين الأميركية موضع التنفيذ متفاخرة في دخولها في ذُلِّ الخضوع للشيطان الأكبر!

11 ? في تصريح صريح وموضوعي لوزير الدفاع الأميركي في 7 تشرين الأول 2001 يقول على عادته وصراحته في موضوع خطة الرد على التفجير، وهي خطة فرض الاستسلام المطلق على جميع دول العالم لجميع مطالب أميركا. وخطة فرض التعاون المطلق في كافة المجالات التي تحددها المصلحة الأميركية للأبد لأن الحرب طويلة الأمد لن تنتهي. قال عن هذه الخطة: إننا خططنا عبر سنوات لهذه الخطة." من يضع خطة يحتاج إلى ظروف يتحكم بإمكانياتها وليس مطلق ظروف. فمثلا لما احتاجت دولة عظمى إلى مبرر لإشعال حربٍ عالمية لم تترك لعابر سبيلٍ أن يقوم باغتيال دوقٍ بل كانت هي وراء هذا في ظروف تتحكم بإمكانياتها. هكذا أميركا في اعترافها بخطة تحويل سلطات الحكم في العالم إلى مخافر لا بد أن تكون وضعت خطة إيجاد الظروف الملائمة.

12 - الصندوق الأسود أهم أداة في فهم ماذا جرى على الطائرات منعوا الحديث الإعلامي عنه.أربعة صناديق اختفت ، دون أن يعلنوا عن حجة لسبب الاختفاء. لم يحدث ـ فيما نعلم? أن صندوق طائرة اختفى أو احترق. طائرة البنتاغون حادث عادي في حوادث وقوع الطائرات. وحادثة الطائرة الرابعة أيضا حادث عادي يشابه حوادث الطائرات العادية. كل الطائرات فيها وقود وتحترق وتنفجر لكن في كل حادثة يبقى الصندوق عنصرا مهما في الدلالة على الحادث من الحديث المسجل أو حتى من ثبات عدم وجود كلام. لم يعلنوا عن محتوى أي صندوق وكأن هذه الطائرات بدون صندوق؟ هل كانت فعلاً بدون صندوق؟ الدلالة من عدم وجود صندوق أو لوجوده مع عدم الكشف عن محتواه، أو وجوده وإعلان عدم وجود شيء فيه يدل على الخطف أو الخاطفين، كلها دلالة واحدة. هي بذاتها دليل على أن الفاعل هو الذي كان وراء عدم وجود الصندوق أو وراء عدم الإعلان عن محتوى الصندوق أو وراء وجود الصندوق مع خلوه من أي دليل


(4)-بالتأكيد بريطانيا، فرنسا، إسبانيا، البرتغال، روسيا، الصين ، هولندا، إيطاليا، صربيا والعديد غيرهم قتلوا أعداداً من المسلمين أكثر بكثير مما تقتل أميركا في قصف أفغانستان. إذاً، لما نقول في التاريخ نعني منذ مجزرة المسلمين السابقة. وهي منذ مجزرة الصرب العزل للمسلمين بتغطية بريطانيا، فرنسا، ألمانيا وموافقة أميركا. الصرب بتحريك من الإنكليز قتلوا، ذبحوا، قطعوا أطراف وبقروا بطون ما يزيد على 200000 مائتي ألف مسلم غير مسلح. حاصروا مسلمي البوسنة من كل الجهات، منعت بريطانيا وصول أي سلاح أو مؤونة إليهم. خدعتهم ألمانيا بمساعدات من بطانيات وتآمرت عليهم فرنسا بكلام إنساني حتى تم تصفيتهم جسدياً وعددياً في قرية بعد قرية بصمت من حكام المسلمين في 56 دولة! طبعا باعتراض أميركي لأن الأوروبيين لم يسمحوا لها بالمشاركة الفعلية في إبادة المسلمين جماعيا بحجة توزيع الأدوار.

حيرةُ طالبان وباكستان في التعامل مع الطلب الأميركي بتسليم المتهم كان مهزلة أيضاً احتارت بتفسيرها المراقبات الفضائية. استجابت طالبان لطلب تسليم المطلوب حيا أو ميتا في ثلاثة مواقف:

**1 ? طلبت تقديم أدلة تدينه بأي عمل إرهابي.**طالبان طلبت الأدلة عن سذاجة وليس طلبا لإثبات. هي تعلم أن المتهم منذ اتهامه بتفجير السفارتين وهو تحت المراقبة الدائمة وحتى الإقامة الجبرية. مثله مثل عرفات أوسلو لا يستطيع التحرك إلا بإذن السلطة التي تديره وتؤويه وتحميه. حتى إن المتهم أعلن مستخفاً بتهمة أميركا أنه لا يستطيع أن يستعمل جهاز الهاتف دون إذنِ محمد عمر. سذاجةُ طالبان تجلَّت في هذا الطلب لأنها كانت تظن أن أميركا لا تعلم أن المتهم ليس بوسعه أن يدبِّر شؤون مطبخه فكيف بتغيير مطبخ أميركا! في هذا الطلب كانت تقول إن المتهم ليس الذي دبَّر هذا الاعتداء الذي يحتاج إلى قدراتِ دولة عظمى لا تملكها حتى الصين ولا فرنسا ولا حتى ألمانيا.

2 ? عرضت طالبان على المتهم إعطاءه حرية السفر ليغادر إلى الجهة التي يريد. هذا يعني أنه فعلياً كان سجيناً ولم يكن له حرية السفر. لكنها بسرعة أسقطت هذا الخيار ولم يبدر عن المتهم موقف تجاه هذا الخيار أو لم يُعطَ الفرصة لذلك. هذا أيضا دل على جهل طالبان بحقيقة التهمة الأميركية أنها لاصطناع عدوٍّ دائمٍ من ورق وليس للقبض على المتهم.

3 ? انعقد مؤتمرٌ غريبٌ في اجتماعه وموضوعه وتسميته قوامه ألف رجل سمُّوهم “علماء” بما يزيد عن ألف “عالم”! غيري بحث طويلا في بلاد المسلمين أعلمني أنه لم يجد واحدا يستحق هذه التسمية، إذ العالِم في رأيه بشرطه أنه الذي يعلمُ ويقولُ بما يعلم ولا ينافق فيما يعلم. صحيح أنه هناك كثيرون يعلمون لكن أحداً منهم لم يقف يقول كلمة حق كاملة عندما اجتمعوا في مؤتمر حكام المسلمين وعلماء المسلمين في رابطة أو مؤتمر “دول” العالم الإسلامي. فقد اجتمعوا ليوافقوا ويؤيدوا ويُسعِدوا وزير خارجية أميركا بمشاوراتهم وقرارهم الحازم بدعم حرب أميركا على المسلمين، لكن مع التحفظ! ويُسعِدوه بمستوى علمهم وعمق فقههم وكثرة تصريحاتهم بالمعارضة وتوضيح الإبهام واللبس في موقفهم الإسلامي! قرار مجلس شورى طالبان “علماء أفغانستان” هذا طلب من أسامةَ الخروج لتجنيب الشعب مشقة الحرب والتشريد والقتل. لكن “المذكور” لم يستجب لطلب العلماء وطالبان لم تفرض تنفيذ طلب العلماء. هل تعلم طالبان انهم علماء سلاطين بمستوى علماء مؤتمر أنظمة حكم المسلمين؟ لم تعلن، لكن أسقطت قرارهم من مواقفها أيضاً بسرعة.

تجاوب طالبان كان إلى أبعد الحدود في ضوء إحجام أميركا عن الأمر سراً باعتقال المتهم. وقد فهمت طالبان عدم اعتقال المخابرات الباكستانية التي تدير طالبان للمتهم أنه مناورة أميركية غير واضحة فتجاوبت معها بكل المجال المتاح لها وهو غير مجال اعتقال بن لادن رغم أن أميركا تطالب علناً بذلك. وفي كل موقف إيجابي كانت أميركا تقلب الطاولة بوجه طالبان وعبر القنوات الباكستانية كانت تأمرهم بالتراجع عن الموقف أو عدم تنفيذه. عندها بدا واضحاً لطالبان أن أميركا لا تريد أسامة بن لادن بل تريد أن يكون الموقف هو المطالبة به وعدم تسليم طالبان له هو المبرر لإنهاء دور طالبان في الحكم أو حتى في الوجود.

**9 ? تغيير المسار التاريخي للعلاقة بين أميركا من جهة والباكستان وطالبان من جهة كان عندما أعلنت أميركا عن دعوتها لتحالف دولي ضد الإرهاب في العالم، ومن لا يأتلف معها فهو ضد العالم مع الإرهاب.**وأعلنت عن بدء الاستعداد العسكري لإعلان الحرب على المسلمين الذين اختاروا تسميتهم طالبان. في الحقيقة لم يكن استعداد لشن حرب على مسلمين بل بكل بساطة تهيئة العالم لمشاهدة مجزرة قتل جماعي للمسلمين بموافقة الحكام المسلمين والعلماء المسلمين بمعايير الموافقة على محاربة الإرهاب العالمي الذي يحدثوننا عنه ولا نراه إلا كلاما. من أجل ذلك طلبت أميركا من باكستان تلبية الشروط التعجيزية التي خضعت باكستان لها الواحد تِلو الآخر رغم رفضها الصريح للأول والثاني والثالث. حتى الرئيس البطل المقدام قبل 11/9 وقف مذهولاً من المطالب الأميركية وقرارها وهدفها.

لم يفهم أحد، حتى اليوم يحتار الجميع ـ اللهم إلا القلة من السياسيين الكبار ـ في لماذا جيَّشت أميركا العالم ضد ميليشيا هي صنعتها إنشاءً من عدم وجود، وهي ترعى استمرار وجودها ودون هذه الرعاية تتلاشى. الجميع يعلم أن أميركا كانت تستطيع تسخير طالبان لأي عمل. والجميع عنده الإثبات القاطع أنها سخَّرتها في تفريخ مقاتلين لمحاربة روسيا في الشيشان. وسخَّرتها في تفريخ مقاتلين للعمل في قلب نظام الحكم في ماليزيا، وفي الصين وغيرها. وفي عشرات الأعمال التي لا مجال لتعدادها وأن فوائد خدماتها كثيرة.

**أدركت طالبان أن بن لادن ليس الموضوع، وأدركت أن تصفية طالبان ليس الموضوع فاستنتجت أن الموضوع هو أن أميركا بحاجة إلى إعلان الحرب وبناء وترسيخ قوةٍ عسكرية هائلةٍ في الدول المحيطة بها، دول شرق آسيا.**فهمت طالبان، أو خمَّنت أنه بعد فشلها في القيام بدورها في إيجاد ثورات وزعزعةِ استقرار الدول المحيطة بها مثل طاجيكستان، أوزباكستان، كازاخستان وغيرها، قررت أميركا القيام بهذا العمل بنفسها. ولأن ضخامة هذا العمل تحتاج إلى عدو ضخم بل أضخم من هذه الدول مجتمعة اضطرت أميركا إلى منع طالبان من تنفيذ أي قرارٍ يُلغي أجواء الحرب عليها. واضطرت أميركا إلى نفخ طالبان والقاعدة إلى عملاق يوازي قوات روسيا. وإلى تخويف سكان الكرة الأرضية من احتمال وجود نية لدى بن لادن لامتلاك قنبلةٍ نووية بعد ألف عام ضوئي! بهذا فهمت طالبان أو استنتجت أن ضرب أفغانستان أمر ضروري للخطة الأميركية في تنظيف الجوار الأفغاني من أعداء صانعي طالبان. يشكُّ البعض في أن طلبان فهمت أو خمَّنت لأنه يعتقد أن طالبان ليست عندها القدرة لفهم مثل هذه الأمور. تشكيكهم يقودهم إلى الاقتناع أن باكستان أفهمتهم بعد أن فهمت هي أو بعد أن أفهموها بعد زمنٍ أن الحرب وقتل الأفغان بحجةٍ هو الهدف الذي يجب إعلانه حتى لا تفهم روسيا لعبة أميركا!

عندما احتاجت إلى إعلان حقيقةِ العلاقة بباكستان ـ جهاز الحكم ـ أثبتت أنها تديرها كما تدير أحد أجهزتها أو إداراتها العامة. وأثبتت أن جيشَ باكستان ليس فيه قيادة ذات سيادة وأنها تديره كما تدير أحد قيادات جيوشها تأمره فيطيع. ومع رئيسِ باكستان أصرت أميركا على إظهاره بمظهر الحاكمِ المتلوِّن الذي لا يخجل من الكذب الصريح على شعبه والعالم. ولا تأبى نفسه إذلالَه العلني في الخضوع لأميركا، فقد كانت تتركه يعلن عن موقفٍ ما ثم تعلن عن موقفٍ له مخالف لموقفه المعلن، فيتصدى للإعلان ثانية عن الموقف الجديد الذي يخالف ويناقض موقفه السابق. ولا يكاد يُسجَّلُ له موقف دون أن يكون لأميركا فيه قصد إظهار حقيقة الحاكم لباكستان.

6 ـ طلبت حكومة المملكة السعودية من طالبان تسليمها “المذكور”(2) قبل ثلاثة أشهر من أحداث السفارتين. وافقت طالبان، لكن بعد التفجير طلبت أميركا تسليم أسامه لها لم يعد طلب السعودية هو الموضوع ما استوجب إهماله. تجاوبت طالبان مع أميركا وطلبت تقديم ملف الطلب رسميا من أميركا. لكن أميركا أهملت التجاوب مع الإجراءات الطبيعية في هذه الحال وأبقته مادة للحديث في خطب رئيسها عندما يلزم في المناسبات. واستمرت علاقة باكستان، والسعودية عبر باكستان، بطالبان كما كانت قوية دون أن تتأثر بالموقف الأميركي.

7 ـ واقعُ طالبان أنها ميليشيا وليست كيان دولة في جميع مستويات إدارتها. فهي كأحد ميليشيات أفغانستان وإن كانت الأقوى تبقى خاضعة لعوامل إيجاد واستمرار أي ميليشيا في أفغانستان. هذا أمر لا يحتاج إلى بحث لأن قادة الميليشيات يعلنونه كل يوم فلا يوجد ميليشيا للأفغان. كل المليشيات لدول غير أفغانستان. رشيد دوستم يعلن أن روسيا تدعمه، أحمد شاه مسعود، قبل اغتياله، كان يعلن أن طاجيكستان تدعمه دون علم روسيا! برهان الدين رباني رضي أن يكون متسولاً على أعتاب أي شيطان يتصدق عليه. يبقى - غير طالبان - مَن لا قيمةً ميدانية لهم مثل حزب الوحدة تدعمه إيران، وقلب الدين حكمتيار يدعي أن حزبه ـ الحزب الإسلامي ـ أكبر حزب وأكبر شبكة تجسس منظمه في أفغانستان وقد وافقت إيران ـ ودعته ـ للإقامة فيها ووافق. هل هو يسيطر على إيران أم أن إيران تسيطر عليه حديث نتركه لمحبي الثرثرة الذين جعلوا موضوع هل بن لادن يسيطر على طالبان أم أن طالبان تسيطر عليه موضوعاً جديراً بالبحث. يبقى طالبان التي أيضاً لا تحتاج لأي برهانٍ على مدى ارتباطها بولاية(3) باكستان. فقد بلغ الوضوح في معرفة الجميع بمدى ارتباط طالبان بباكستان أن الفضائية العالمية " الجزيرة " بقيت تعلن على مدى أيام تعبيراً عن حيرتها في فهم الحدث أو تعبيراً عن منعها من قول الحقيقة:“إن باكستان هي الرحم التي منه خرجت طالبان.” نحن كنا نعلم ذلك لكن بدون شهادة ميلاد موثقة ولا يمكن اعتبار تصريح “الجزيرة” وثيقة لأنه يبقى قولٌ في تحليل. الوثيقة جاءت عندما تيسر لنا أن نطلع على شهادة الأب الجنرال نصير الله بابار وزير داخلية بني ظير بوتو في أوائل عام 1995م، عندما كانت رئيسة وزراء باكستان، قبل هروبها خوفا من تهمة الفساد والرشوة ونهب الأموال العامة. فقد صرح إلى وفد سعوديٍّ رفيعِ المستوى أن طالبان هم أبناؤه وفي الأبعد مثل أبنائه. أي أن طالبان ربيبته، في حضن وزارة الداخلية نشأت بالرضاعة والمشي ومن بعدُ بالنطق بما تعلمته. يبقى أن نعلم أن هذا “الجنرال” كان أكثر ارتباطا بالمخابرات العسكرية الباكستانية منه برئيسة الوزراء. وأن تفقيسهُ لِ طالبان لا يعني أنه الدجاجة، بل تبقى الدجاجةُ هي المخابرات العسكرية وهو مراقبُ بيضة الدجاجة. ميليشيات أفغانستان جميعها عميلة لأنظمة حكم طاغوتية لا تحكم بالإسلام، لا تدَّعي إسلاماً بل تحارب كل الإسلام. المفارقة العجيبة أن جميع الميليشيات باستثناء دوستم وحكمتيار تدعي نصرة الإسلام والمسلمين بما فيهم “صوص” بيضة بابار!

بهذه النشأةِ من حُضن كفرِ المخابرات العسكرية الباكستانية، ومن هذا العمق، من بئر المخابرات الأميركيةِ تم تفقيسُ طالبان بعمامة محمد عمر. عمامة لم يعرفها أحد أنها عمامة غير أميركية. تظهر وتنتصر باسم إسلامٍ ليس له فكر وليس له نظام وليس له طريقه! بمثل هذه المفاجأة بالأسلوب والطريقة تظهر طالبان مرة أخرى في التاريخ أنها عدوة العالم وعلى رأسه أميركا وأوروبا. وأيضا أنها عدوة الإنسانية وعلى رأسها أميركا وأوروبا. وكذلك أنها عدوة المسلمين وعلى رأسهم الأميركان والأوروبيين!

8 ـ قبل أن تتهم أميركا القاعدة بالاعتداء عليها أعلنت أن هذا الاعتداء يحتاج إلى إمكانيات دولية، ذات إمكانيات استراتيجية وتكنولوجية متقدمة جداً وإلى جهاز مخابرات عالمي لا يتوفر إلا للقليل جدا في العالم. وصرح بمثل هذا معظم رجالات السياسة والفكر والاستراتيجيات والمخابرات في العالم. ولحق بهذا الموقف صحافةٌ وإعلامٌ والحكامُ الأبواق في دول العالم الثالث والعاشر، إلى المائة والتسعين كما سيكون تعدادهم بعد فصل تيمور الشرقية عن بلاد المسلمين برضى 56 نظام سلطة تجتمع في مؤتمر رابطة العالم الإسلامي! لكن في حركة مذهلة تتخلى أميركا عن هذه التخمينات وتفرض على جميع دول العالم أن ينسى رقي التخطيط والتدبير والإمكانيات التي يتطلبها العمل. وينسى طلب البراهين والإثباتات والأدلة على المتآمر، ويخضع بالتصديق لمن تفرضه أنه “الإرهابي” ولو دمية من ورق، أنه العدو الذي قام بتفجير أميركا. ولا تملك دول العالم الدمى من الثاني والثالث إلى المائة والتسعين إلا أن يهلل لهذا الإنجاز الأميركي في التحقيق السريع. وعلى وقوفه ببنادقه وعصيه وعكازاته مع القنابل الانشطارية الأميركية وطائرات ب52 وطائرات ستيلث وحاملات الطائرات والغواصات النووية. وقد بلغ من حماسة الإنكليز أن كادوا يطالبون بقيادة القوات الأميركية للانتقام لأميركا!


**(2)-هكذا سمى رئيس المخابرات السعودية السابق أسامه بن لادن في مقابلة أجرتها معه فضائية الشرق الأوسط التابعة للحكومة أو لأحد مواطنيها كما يفضلون، في مقابلة بتاريخ 3/11/2001.

(3)- قبل تفجير أميركا للواقع الذي تسيطر عليه في أفغانستان كنا نعتقد أن باكستان يحكمها زمرة من الضباط كشبه كيان دولة ذات سيادة. أميركا أثبتت أنها تدير باكستان كأحد ولاياتها لذلك استعمال كلمة ولاية وليس لأنها في شرع الإسلام يجب أن تكون ولاية إسلامية.**

**المجال الثاني

صراع الحضارات

في

حرب أفغانستان**

يصدم المتتبع للأخبار وتتابع الأحداث كثرة التحليل للخبر والحدث في وسائل الإعلام العالمية والمحلية التي لا يفهم منها علاقة ما يجري بما حدث ولا هي تدّعي أنها تستطيع إفهامه. يعلِّقون ويبحثون فيما حدث وما يحدث. أي في عاصفة الطائرات وفي قصف أميركا للمسلمين وقتلهم. ويبحثون في مؤتمرات إذلال المسلمين وتصريحات المسؤولين بالموافقة على تحويل دولهم إلى حظائر تبيت فيه شعوب المسلمين بانتظار التفتيش الأميركي صباحا. لكنهم لا يبحثون في علاقة ما حدث بما يحدث، ولا في عدم علاقة ما يحدث بما حدث. كأن العلاقة أو انعدامها أمر سري أو ممنوع بحثه. كان يكفي أخذ واحد من هذه المواضيع للدراسة والفهم حتى يُكتشف حجم الخداع والكذب في تبرير قصف المسلمين وقتلهم قرابين على مذبح آلهة الدجل بالحرية والمكر بإرهاب المسلمين. فكأن جهل الإعلام جزء من خطة أميركا في إخفاء مقاصد خطتها.

إن الحقائق التاريخية في واقع الحاضر الذي وقعت فيه أحداث 11/9/2001 كثيرة لكن يهمنا منها حقيقتين وما يندرج تحت كل منها من وقائع وحقائق تؤثر فيها أو تتفرع عنها.

الحقيقة الأولى: واقع حركة طالبان في نشوئها وفي اكتساحها خصومها واستمرارها منتصرة حتى 11/9، ونقاط من حرب أميركا عليها لاكتساحها.

**الحقيقة الثانية: موضوع فرض كراهية الإسلام على الإنسان في الغرب وتحريف معاني نصوص الإسلام في خطة فكرة صراع الحضارات.

في الحقيقة الأولى تناولتها الأقلام والألسن بكثير من المقالات والتحليلات حتى اختلطت الوقائع بأهدافها فعميَ فهمُ السبب. وعندما يضيع السبب يستحيل تفسير الواقع أو الحدث.**

للفهم نستعيد تسجيل وقائع:

1 ـ الملا محمد عمر اسم مغمور كمجاهد ضد الروس. أيضا مغمور كأستاذ في مدرسة من آلاف مدارس تعليم الإسلام في بلاد أفغان. لم يبدأ ذكر اسمه والتعريف فيه إلا بعد اجتماعه بوفد مخابرات أميركا المركزية سي آي أيه. أما الذريعةُ المصطنعة أو المعلنة لهذا الاجتماع فهو بحث أميركا عن قوة تساعدها في وقف إنتاج المخدرات وتصديرها إلى أميركا. واسطة التعريف بالملا أو تسلسل الوصول إليه هو طلب سي آي أيه أميركا من سي آي أيه باكستان انتقاء أو ترشيح شخص يستطيع أن يتزعَّم أفغانستان. لكن سي آي أيه باكستان لم يكن عندها هكذا شخص فاستعانت بأحد شيوخ المدارس الذي وافق على تقديم شخص. رافق الوفد الأميركي الذي حضر لمقابلة الشيخ “الجليل”(1) أحد كبار ضباط المخابرات الباكستانية. بعد بحثٍ وتفكير في مواصفات الشخص المطلوب اقترح أحد تلامذته الذين يثق بهم جداً وهو يلبي حاجتهم. هكذا تواعدَ وفدُ أميركا مع “الشيخ” بمشاركة باكستان كمراقبٍ للذهاب إلى منزل تلميذ “الشيخ” محمد عمر في أفغانستان.

**قام الوفد المخابراتي الأميركي يرافقه وفد مخابراتي باكستاني برئاسة هذا المدرِّس العالم ويسمونه في عالم الجهلاء “مولانا”، بزيارة التلميذ محمد عمر في منزله. وهكذا بدأت مسيرته في البطولة والانتصار، واليوم يتهمونه بالإرهاب العالمي. وبعده بدأ نجمه يعلو باسم الملا محمد عمر رئيس حركة طالبان.**وتوالت انتصاراته ضدَّ بقية الجيوش لإقامة حكم الإسلام بقدر ما تعلَّم من الشيخ الذي قدمه إلى سي آي أيه أميركا لتوافق على صلاحه ليكون أميرَ مؤمنين مَن يتوقُ إلى وجود أميرٍ للمؤمنين. كأنَّ الأمر الشرعي باللقب والعمامة أو أنه يجوز بتنصيب أميركي! وإلى ما وصل إليه في حاله اليوم من استقطابه لروح الجهاد في الإسلام، ووقوفه لوحده في مواجهة الكفر كله، وإعلانه معركة الإيمان ضد الكفر الفاصلة في التاريخ!

2ـ في مسيرته القصيرة في التاريخ كان معروفاً في الداخل والخارج أنه رئيس تنظيم أو ميليشيا تديره المخابرات العسكرية الباكستانية. معنى تديره هنا تشمل إدارته اللوجستية، إدارة عملياته، تمويله، تدريبه، تسليحه، وضع خططه وأهدافه، تسويق آرائه وتنظيم مخابراته. توثيق هذه المعلومات متوافر في كل مخابرات دول العالم، في كثير من صحف الدرجة الأولى في كل لغة. وفي تصريحات الساسة الباكستانيين ورجالات الحكم وكبار العسكريين في عهد حكام باكستان السابقين كما في عهد الحاكم الحالي الذي لا نقول عنه أنه الملعون(1) الذي سيكب مع مَن سبقوه وإن كان غيرنا يقوله. نحن لا نقول ذلك لأننا نهينا عن قول ذلك في الأحياء حتى يموتوا على كفرهم كما فعل حكام باكستان السابقين.

3ـ منذ إيجاد طالبان وترئيس محمد عمر عليها ولا يساعده ولا يعترف به وبمنظمته غير المملكة السعودية والإمارات وبالطبع باكستان.

أميركا كانت تتهم بن لادن وهو في حضن طالبان بتدبير تفجير السفارتين في عام 1999. وطالبت بتسليم بن لادن لها، استجابت طالبان ووافقت وبدورها طلبت حسب الأعراف الدولية لإنقاذ ماء وجهها تقديمَ الدليل على تورط بن لادن لتسليمه بعد ذلك. لكن أميركا لم تقدم دليلا حسب الأعراف الدولية وبقيت مسألة بن لادن معلَّقة غير محسومة. لكن بتصرف غريبٍ لم يفسَّر حتى اليوم عمدت أميركا على صعيد الإعلام في منابره العالمية التي تسيطر عليه إلى أن تستغل اتهامها بتورط بن لادن بالإرهاب لتنفخ الهواء في دميته المطاطية؛ بدل الدخول في إجراءات الاتصالات المباشرة لتسلم المطلوب حسب أعرافِ التعامل في مثل هذه الأمور. كما أنها لم تطلب من باكستان التدخل لدى طالبان. لو طلبت أميركا من باكستان تسليم بن لادن لم تكن باكستان بحاجة للضغط على طالبان إذ بن لادن ومجموعته ليسوا أكثر من قليل في قطيع طالبان الذي ترعاه باكستان صباحا في خروجه ومساءً في رجوعه ومبيته.

5 ـ**باكستان أثبتت على مرأى من جميع دول العالم أنها ليست دولة مستقلة ذات سيادة بأي معيارٍ أو مقياسٍ ولا بأي نسبة مهما كانت ضئيلة إلا بقدر ما تسمح لها أميركا بذلك.**فأميركا هي التي تعطي باكستان حجمها النووي أو الإقليمي أو تصغِّر ذلك الحجم بتفريغ الهواء من ذلك الشكل حين يلزم أميركا ذلك. وقد أثبت رئيس باكستان بمواقفه وتصريحاته وقراراته وتعهداته، وبطريقة التراجع والتخلي عنها وإنكارها، أنه رجل ليس له حرية القرار إلا في التعامل مع جسده في مثل متى يأكل ومتى يدخل المرحاض وماذا يلبس. ليس في متى يبتسم ومتى يكفهر! أميركا أيضا أثبتت أنها لا تتعامل مع باكستان على أنها دولة، ولا مع جيشها أن له قيادة، ولا مع رئيسها أنه حاكم ذو سلطان إلا في الأمور التي تسمح له فيها أن يكون ذا سيادة ورجولة وبطشٍ في قهر شعبه الإرهابي!


(1)-الذي كان يستقطب كثيراً من الأفغان الذين يأتون إليه لدراسة الإسلام دون أن يعلموا أنه عميل للمخابرات. هل يكون الإسلام الذي يدرسه شيخ برضى سي آي أيه باكستان إسلام حضارة وأيديولوجية تستطيع أن تقف بوجه حضارة الغرب وأيديولوجيته؟

وقوف أوروبا بوجه خطة أميركا يحيي الدور الأوروبي في العالم، إخفاق أميركا في خطتها ليس ضربة مميتة لدور أميركا في العالم لكنه ليس خسارة جولة بل أكثر حجماً من ذلك لأن تفاعلاته ستستمر بغير قانونٍ حسابي. صدقَ الرئيس بغير قصد عندما قال أن العالم بعد 11 أيلول غير العالم قبل 11 أيلول. لكن فروج روسيا لم يعرف عند قوله وجه هذا التغيير ولا وجهته. التغيير وقع لكن في مصلحة من؟ أوروبا تريدها لمصلحتها، إسرائيل تعلن أنها تريدها لمصلحتها؟ لاعبان في المسرح باستقلالية جديدة: أين الكرة؟ هل ينجحان في أن تكون أميركا وخطتها كرة تتقاذفها??؟

أثبتت أميركا في حرب البلقان؛ في البوسنه وكوسوفا وفي فلسطين(?29) أنها يمكن أن تكون كرة تتقاذفها ? وترضى بهذا الدور. وأثبتت الإدارات الجمهورية والديمقراطية(30) أنها تستطيع أن تخفي عن شعبها تبعيتها السياسية في القضايا الدولية بتحويل الموضوع السياسي إلى موضوع عسكري حتى تمنع العقل الأميركي من العمل في البيئة الطبيعية للأمور. أوضحُ دليلٍ على قدرتها على تحويل الموضوع السياسي إلى موضوع عسكري هو موضوع اليوم على الساحة الدولية. موضوع العراق في طبيعته الراهنة أنه موضوع سياسي، لكن بسبب فشلها في التعامل معه بمعطياته السياسة تحاول فرضه موضوعا عسكرياً بإلصاق معطيات عسكرية بقوة الفرض لا الحجة. دول العالم قاطبة أعلنت أن الموضوع سياسي، عناصر الموضوع سياسية، لكن العقل في الإدارة الأميركية لا يعمل في ميكانيكيته إلا من منظار القوة العسكرية. كم من دولة في التاريخ حاولت أن تكون إسبارطةَ زمانها، عملت بعملها وسارت على درب حتفها بقوتها الذاتية! أميركا، ليست أكثر من إسبارطة بسلاح نووي، بيولوجي، كيميائي، وسلاح أقوى في الخداع إعلامي.

سلاح أيديولوجية أميركا إما القتل أو الخداع والتضليل. هذه الازدواجية لم تمتلكها إسبارطة، هل هذه عناصر هدم أسرع في حياة الأمم؟ هذا يقودنا إلى موضوع آخر ليس في هذا الموضوع؛ هل تقوم الأمم بالكذب والقتل أم تقوم ببرهان الواقع في الفهم وحجة القول؟ هل تقوم بفكر الحياة أو تقوم بإفرازات الحياة؟ ما هو الفرق بين فكر الخداع وفكر الحقيقة في الموضوع والطريقة؟ مواضيع لم يتطرق إليها الفكر الغربي وخاصة وريثه الفكر الأميركي، هل بسبب جهلٍ أو بسبب عجز؟ أيضاً موضوع ليس من شأننا بحثه في هذا المجال، لكن إلى متى تستطيع إسبارطة النووية والبيولوجية والكيميائية في درعها وفأسها أن تستمر في تضليل شعبها هو شأن محلي خاص بها. هكذا يصر سياسيوها، جنرالاتها ومثقفوها على سياسة الجزمة العسكرية بالتعامل مع أوروبا قبل التعامل مع أفريقيا. هل هو استخفاف بأوروبا أو احتقار لسياسيي أوروبا أو أنه إذلال للأوروبي؟ بحث مستفيض لا يستطيع غير الأوروبي القيام به لكن هل يستطيع ذلك وهو في المستنقع الفكري منذ قرون؟


**(? 29)كما أثبتت ذلك في قضايا ومواقع أخرى ليس هنا مجال تعداده لأنها ليست موضوعاً في هذا البحث، ما أوردناه مثالاً أخير وفلسطين مثالاً حياً في الحاضر كما في الماضي.

(30) نحن نجد هذا التفريق في الأسماء أيضاً خداعاً دائما للشعب في الأسماء يساعد الإدارة الدائمة في دغدغة تطلعات الشعب إلى حياة أفضل.**

الانعطاف التاريخي في مسيرة أوروبا اليوم أكثر أهمية وجدية في حياة أوروبا من تأثير الانعطاف التاريخي في مسيرة أميركا اليوم في حياة أميركا. أميركا بدأت انعطافها التاريخي بخداع ونفاق وقتل. أوروبا تبدأ انعطافها التاريخي بجرأة الذي يعرف غدر شريكه في الجريمة، ويعرف طمع الذي كان يشاركه غنائم نهب الآخرين. قبول بريطانيا بمشاركة فرنسا وألمانيا وحتى إسبانيا وإيطاليا بقيادة العالم يعتمد على قبول أولئك الأربعة وعناصر أخرى(25) . لكنه إذا تحقق ولو في الرد على خطة أميركا الجديدة في إلقاء مظلَّة كبيرة على العالم سيجعل محاولة أميركا ورقة خريف بين غصن الشجرة وتربتها (26).

متابعة أحداث العلاقة الطارئة مع أوروبا في خطة أميركا الجديدة يُظهِر بوضوح تقلب المواقف الأميركية حتى في الموضوع الواحد. ويلاحظ المفكر السياسي أو رجل السياسة في أوروبا والعالم أن أميركا تغير مواقفها مع أوروبا وبسرعة في ظروف معينة أو قضية محددة. لكن هذا لم يكن في الماضي ولم يحصل إلا بعد 11 أيلول. هذا الاضطراب لا يأتي من جبن أميركا بل من خوف! نشارك القارئ هزؤه من قول أن أميركا تخاف. خوف الأقوى لا يكون من قوة غيره بل من معرفة في عناصر الصراع لأنها هي التي تحدد جنسَ القوة في الصراع. السلطة في أميركا (27) نعلم أنها اصطنعت شبحاً سمته الإرهاب، وأن نفخها الحياة أو الروح في هذا الشبح يلزمها أمرين:

1 ? أن تصدق أوروبا خدعة أميركا. تصديق أوروبا ليس لمساعدة أميركا عسكرياً أو دولياً بل حتى لا يكتشف أحد أن موضوع الإرهاب خدعة وكذبة دولية كبيرة. لكن بسرعة تكتشف أميركا أن دولة واحدة في أوروبا تعلم بتفاصيل خطة أميركا ولديها كل المعلومات عن حقيقة الذين قاموا بعملية 11 أيلول أنها دوائر سياسية عليا وليس عمر وعبيد من عملاء الاستخبارات في أفغانستان. وتوالي الأحداث بسرعة أدى إلى اضطرار هذه الدولة الأوروبية إلى إعلام الحكم الأميركي أنها تعرف كل الحقيقة الموثقة عن مؤامرة التفجير. تحصيناً لموقفها قامت هذه الدولة باطلاع بعض الأقوياء في أجهزة الحكم في أوروبا وهم أهل الحكم الذين لا يتغيرون بالانتخابات. هذا هو مبرر الخوف الذي يظهر في صمت أميركا بين الحين والآخر في أمور كانت أعلنت موقفها منها. صمت أميركا وتراجعها عن موقف معين لا يكون إلا من خوف لا من عجز .(28)

2 ? أن تنجح في فرض الأجواء الدولية التي تحوِّل المسرح السياسي الدولي إلى مسرحٍ لا قولَ فيه إلا قول القوة العسكرية. هذا أيضاً يتطلب موافقة أوروبا لأن الرأي العام الأوروبي إذا وقف بوجه عمل عسكري أميركي سيسقط القناع الذي يخفي الوجه المفترس لأميركا. سقوط القناع الأميركي يفرض على أميركا أن تعلن أنها ضد كل أجناس البشر وأنها تريد قتل جميع الناس طبعاً باستثناء أمثال السادات ومشرف وكرازي وبوتين ومئات وآلاف أمثالهم لا نجرؤ على تعدادهم حتى لو سمح لنا الزمان والمكان. خطة أميركا تحتاج إلى استمرار نفخ الحياة فيها لكن هل في قدرة أميركا هذا المعين من الحياة. أميركا في خطتها اعتمدت أسلحتها ينبوع الحياة لخطتها. فجأة تكتشف أن ضخ الحياة يحتاج إلى نربيش وأن اثنين من “أخلص” حلفائها يستطيعان أن يثقبا هذا النربيش ساعة يحتاج أحدهما إلى ذلك. تعهدت لهما بتأمين مصالح كل منهما في خطتها الجديدة شرط أن لا يقوم أحدهما بفضح حقيقة الأحداث في 11 أيلول. هذا التعهد الضمني وهذا الخوف الظاهر في أقوال الرئيس “البطولية” دلائل في أن خطة أميركا في أوروبا في طور الموت التدريجي. وأن نجاحات أميركا في هذه الخطة في أفغانستان أو غيرها ستشاركها فيها أوروبا. وأن أوروبا ستستطيع أن تؤثر أكثر مع الأيام في اتجاه خطة أميركا. هذا يعني أن أوروبا ستكون المستفيد الأكبر في خطة أميركا وليس أميركا هي المستفيد الأكبر. أميركا كانت اللاعب الأكبر في العالم وأوروبا من اللاعبين. تغيير المسرح الدولي للعمل السياسي في خطة أميركا أدى على غير توقع من أميركا إلى تحويل أوروبا إلى لاعب شريك لأميركا. هل كان ذلك غباءً من أميركا أم غلطة في حساب أميركا؟ نقول لا هذا ولا ذاك لأنه في طبيعته يتعلق بقواعد العمل السياسي. أميركا ربطته بالعمل العسكري والقوة العسكرية وتصديق الناس لنفاق القوي؛ الخطأ لم يكن في حساب بل كان في معرفة، لم يأتِ من غباء بل من ربط. أميركا قد تواجه إحباطاً إن بقي رامسفيلد يقودها وقد تواجه إخفاقاً إن قوي دور باول، وفي بقاء الحال ستبقى حائرة بين قتل هذا أو ذاك في المسلمين. تحاول اصطناع عدو تخيف به العالم من غير المسلمين لا تجد أحداً. تعرفت إلى كيم في شمالي كوريا لكن أحداً لم يصدقها. ما زالت تفتش بعيني بوش لكنهما أصغر من حبة زيتون، أو بعيني رامسفيلد لكنهما بزجاجتين. لا نقول إنها تتصرف كالعمياء لكنها تتصرف بخيلاء حتى تمنعنا من فهم حقيقة مشكلتها. عيب خطة أميركا أنها تعتمد على كذب وخداع وقتل. هذه قوة في خطط عصاباتٍ لا نهجاً في علاقات الدول.


**(25)- عناصر اشتراك أوروبا في خطة سياسية دولية متعددة لا نستطيع التطرق إليها هنا لأن البحث ليس في واقع أوروبا ولا في مستقبل أوروبا واحتمالات مستقبلها. الموضوع هو التعاون في خطة لكن المثير في هذا الشأن هل يكون هذا التعاون في خطةٍ مؤثراً في لفت انتباه أوروبا أو الأربعة الآخرين إلى التعاون في الخطة الكبرى؟

(26)- ورقة الخريف في سقوطها قبل أن تصل إلى الأرض حيث تدوسها الأقدام حتى تحللها.

(27)- لا نقصد في هذا رئيس أميركا بل القوى الحاكمة في أميركا.

(28)- لو كان كتابنا في العلاقة الأميركية الأوروبية كنا أعطينا أمثلة كثيرة عن مواقف الخوف الأميركي وتراجعاتها في صمت.**

فوضى فكر عقيدة الحياة في الديمقراطية، عقيدة إنسان ألمانيا وفرنسا وأميركا وإيطاليا وبقيتهم لا يوازيها فوضى فكر عقيدة أخرى. إلا أن هذا ليس موضوعنا هنا لا في الأساس ولا في الفرع. تناولناه بمنتهى الإيجاز لما له من علاقة في حقيقة الضياع الفكري الذي يعيش فيه إنسان الغرب والأميركي خاصة، لمعرفة كيف جاء تعطيل دور العقل في الإنسان الأوروبي منذ وجوده همجي يقتل ليعيش، في ثورته على روما حتى الموت، في قانون قسطنطين بقتل المسيحي الذي لا يقبل مسيحية الإمبراطور الذي أصبح قانون كل حاكمٍ مسيحي ولو بغير مسيحية قسطنطين. في قانون ثيودوس بقتل غير المسيحي إذا لم يتحوّل إلى المسيحية، في سيطرة الكنيسة على السلطات السياسية. وأخيراً في ثورته على الكنيسة واستقرارِ حاله عبداً لنظام حكمٍ لا يسمح له إلا بإشباع غرائزه ولا يسمح له بالتفكير في حل عقدة الإنسان الكبرى؛ من أين جاء، لماذا جاء، إلى أين يذهب. ويمنعه من التفكير حتى في الأمور الفرعية التي ترتبط بالفكر الأساسي هذا.

هذه العراقة في منع العقل في الأميركي والأوروبي من التفكير في الأمور الأساسية، وهذه العراقة في قبول الأوروبي للعيش جاهلاً معرفة الأمور الأساسية في وجوده هو الذي يجعل مهمة أميركا في فرض مبررها في إرهابها في خطةٍ جديدة، مهمة سهلة في ناس أميركا وقطعانهم في كانتونات أوروبا. يلزم التنبيه هنا إلى وجوب تحديد مجال الجهل أنه فقط في الناس الذين تحكمهم قلة من الذين يسيطرون على أدوات سلطة الحكم، السياسيون. هؤلاء، يديرون خطة منع عقل الأوروبي من العمل في بيئته الطبيعية، يصطنعون له بيئة ليعمل فيها، في خطتهم لا يمنعونه من العمل لأن هذا أيضاً مستحيل أن يتحقق. لذلك، سياسيو أوروبا عصابة فكرية أكثر منها عصابة نهب وظلم. هي، قوى الحكم التي تمسك حقيقةً بسلطات الحكم تدعي أنها تحمي حقوق الناس وترعاهم. هذا، ادعاءُ حقٍّ نعترف به لكنهم لا يقولون ممن يحمون الناس ومصالحهم في هذه البيئة الفكرية التي أصبح كثير من الناس يصدق أنها البيئة الطبيعية للإنسان. بينما البعض قد يصل إلى أن يرى أنها المرحاض العصري الأفضل للإنسان العصري الأفضل؛ الأوروبي أو الأميركي.

قوى الحكم في أوروبا تفهم مؤامرة أميركا عليها في مبرر محاربة الإرهاب الدولي. تعي حقيقة أبعاد الخطر عليها وعلى دورها في المحافظة على مصالح رعيتها الذين استسلموا للعيش في حضّاناتها الفكرية. بهذه المعرفة والوعي على خطر مبرر بطش أميركا في دول الأرض بحجة كاذبة تصرح وتعلن أنها مع أميركا في هذه الحرب. حجتهم الظاهرة أنهم لا يستطيعون الوقوف بوجه أميركا، فهي أقوى منهم مجتمعين عسكرياً واقتصادياً ومالياً. هذا صحيح في بحث موازين القوى، لكن لا علاقة له في معدن القوة، وهنا تكمن قوة أوروبا، وهو كعب أخيلليس في مؤامرة أميركا على أوروبا!

عاصفة الطائرات خطة أميركا في فرض حالة دولية جديدة فيها من القوة ما يلزم إيجاد الصدمة في كل فرد ومجتمع وأمة. في غياب دور الفرد والمجتمع والأمة في لعبة الخداع السياسي فيما يسمونه الدولة الديمقراطية لم تحصل الصدمة في الفرد أو المجتمع أو الأمة، لكنها حصلت في الدولة، سلطات الحكم وأجهزته. الحكم في دول أوروبا أخافته الصدمة حتى أفاقته كما يفيق النائم مذعوراً من كابوس. في استيقاظه رأى بنية أميركا الدولية التي تحجب ضوء النور عنه كما حجبه الاسكندر عن ذلك الحكيم. بدا حاكم أوروبا ذليلاً وهو يقارن قوة ذلك المعتكف في برميل وضعف ذلك الجبار إبن فيليب. هكذا بدأ صفاء الذهن وقرار النفس في ذليلِ أوروبا.

خطة أوروبا في يقظتها أولى ثمرات الصدمة التي أرادت بها أميركا قتل روح اليقظة في الجنس البشري. استيقاظ أوروبا ـ تعني الحاكم في أوروبا ـ هو العامل الأول الرئيسي الذي يمكنه تمزيق الشباك التي ألقتها أميركا لاصطياد دول العالم. الصدمة التي أيقظت الحكم في أوروبا هي أخطر عوامل فشل خطة أميركا في خداع حكام الأرض لابتلاعهم لقمة واحدة. معالم خطة أوروبا في وقوفها بوجه الخطة الأميركية بدأت مترنحة لكن تتابعها أظهر أنها جدية. بدأت ضبابية لكن تعددها أظهر أنها محددة، بدأت مبعثرة لكن ثباتها أظهر أنها ذكية. وضوح معالمها اليوم يكاد يكون جلياً في حركة أوروبا السياسية. وما مسرحية لوبان واليمين المتطرف في فرنسا ومنع جوسبان وحزبه من الانتصار في الانتخابات (22) إلا واحدة في محاولات أوروبية لتنظيف نوافذ قصر بعد قصر من قصور الحكم الأوروبي من غبار أميركا النووي الذي غطاها عقوداً طويلة.

تفاصيل الخطة وأدوار أبطالها ودوائرها ليس هنا في هذا البحث لأنه يجب أن يكون موضوع كتابٍ منفصل في حجمه وغايته على الأقل. الموضوع المهم في يقظة أوروبا هل ستستمر وتنجح أم أنها عابرة؟ الجواب ليس تنبؤاً بالمستقبل بل بحث في المعطيات، هذا أيضاً لا مكان له في هذا الموضوع. لكن في نتيجة بحث المعطيات أن أميركا حتى الآن فاشلة في خطتها ضرب ضوابط السياسة الدولية التي تقضي على الدور الأوروبي وأصبح من المؤكد أن هذا الفشل سيستمر. من جهة أخرى يرافق هذا الفشل تماسك قوي في أوروبا لفرض قولٍ في سياسات أميركا في فرض هيمنتها أو احتلالها لهذه الدولة أو تلك. وإذا نجحت خطة إيجاد مَحاوِرَ فاعلةٍ في الساحة الأوروبية فسترقى أوروبا إلى مستوى الشريك الفعلي لأميركا في السياسة الدولية وستكون أكبر ضربة توجه لاستراتيجية أميركا الدولية منذ خروجها من الشرنقة. بهذا خطة أميركا في خدعة تفجير 11 أيلول تكون وبالاً على أميركا في تحقيق أهدافِ مجالها الأول.


(22)- منع لوبان في الحقيقة هو منع للحزب الاشتراكي بقيادة الهزيل جوسبان لكن الغباء في الاشتراكي منعه من رؤية حقيقة المؤامرة عليه. حتى اليوم لا يبدو على أحد منهم ـ الاشتراكيين ـ أنه تخلى عن لغة الغباء أو حتى مظاهرها.

فجأةً، كما في فُجأةِ تحول شاؤول إلى بولس، قرر الإمبراطور أن يتحوَّل قسطنطين من إمبراطور القوة التي تفرض صنمه إلهاً في معابد الوثنيين إلى إمبراطور القوة التي تفرض تقديس الطاعة له. تقديس الطاعة هو العبودية في معناها وفي ممارستها وفي جزائها.العبودية الحقيقية ليست الأغلالِ في الأعناق والأيدي والأرجل، إنما هي الطاعة بالقناعة الفكرية، بالعمل ونتيجته، وفي الأمل ومبرره. فجأةً، وليس في أمة الرومان ولا في الأمميين قبائل الوثنيين أكثر من خمسةٍ بالمائة منهم مسيحيين على ديانة بولس وأغوسطين، الذي أيضاً تحوَّل فجأة من عاهرٍ زنديق، فاسق فاجرٍ إلى قديسٍ سيد الفكر المسيحي في عصره الذي تعالى على عصر بولس وأوصيائه. يتحوَّل قسطنطين من إمبراطورٍ إلهٍ إلى إمبراطورٍ يصنع إلهاً بمعنى يفرض الإله الذي يفرضه إلهاً للآخرين.

قسطنطين، عندما تحوَّل فجأة مسيحياً لم يتحوَّل إلى المسيحية كما تقول كتابات أكابر المسيحيين ويصدَّق مسيحيو اليوم. تحوُّل قسطنطين كان حتى يتولى الإمبراطور شخصياً، فردياً بسلطته السياسية، العسكرية والدينية حسم فكر ألوهية المسيح وفكر طقوس المسيحية وفكر الكنيسة المسيحية. صادر المسيحية فكراً، دعاةً وأتباعاً. دعاهم جميعاً، كتبة تعاليمها وتفسيرها ودعواها إلى نيقيه. أمر بكتاباتهم فأحرقها، عرض كتابه رفضوه. أمر بقتل وتشريد أو تعليق من لا يُقِرُّ مواده في معدن المسيح ودوره. لم يستسلم ما يقرب من 2085 مجتمعاً في أول لقاء علني يعقده لاهوتيو المسيحية غير حوالي ثلاثمائة. ما يقارب ألفاً وثمانمائة متدينٍ مفكرٍ مُتفلسفٍ بالمسيحية صدر الحكم الإمبراطوري والكنسي فيهم إلى الأبد (14) أنهم زنادقةٌ شياطينٌ مرتدون منافقون. هكذا أيضاً وصف المعلَّقون والمشردون الإمبراطور واللاهوتيين القلة الذين وافقوا معه أنهم منافقون مرتدون شياطين زنادقة(15) .

الإمبراطور الوثني قسطنطين حامي صنم جوبيتر يقرر فجأة أنه صاحب الحق في صياغة عقيدة المسيحية. يتحول إلى إمبراطور مسيحيٍّ أول، يدعو إلى مجمَعٍ لاهوتي أول، يعرض صياغته على مسيحيين منذ عشرات السنين يدينون بها، يدرسونها، يدعون لها ويجولون البلاد يبشِّرون بها. عندما يرفضون تحريفه وتدليسه وشذوذه في فكر العقيدةِ يقتلهم ويشردهم في الوديان، ممالك الذئاب، طعاماً لهم. قلَّة تفضّله على كهوف الذئاب، تخضع له وتصدّق بالتصويت الديمقراطي على صياغة الوثني قسطنطين لعقيدة المسيحية ولم يمر على تحوله من وثني يقدس جوبيتر ومن واقعه إلهاً فوق آلهة الأمم سنة أو سنتان. من هنا قول “القديس” أنسليم: “يجب أن تعتقد أولاً ما يعرض على قلبك بدون نظر ثم اجتهد بعد ذلك في فهم ما اعتقدت”.

قاعدة أنسليم هذه هي قاعدة تعطيل دور العقل في أهم أمور الحياة الأساسية. ليس في الحياة موضوع أهم من معرفة سبب الحياة، غاية وجود الإنسان، مصير الحياة والإنسان. لأن السبب والغاية والمصير أمور تتعلق بالوجود ومنه وجود الإنسان، فلا بد أن يأتي بيانها من المصدر الذي منه جاء الوجود. عقل الإنسان يعجز عن التفكير بها لأن العقل يرتبط عمله بعناصر أربعة دونها لا يستطيع أن يعمل. فالعقل لا يستطيع التفكير إلا في واقع محسوس بذاته أو بأثره. أما الوقائع غير المحسوسة فإن العقل يعجز عن التفكير فيها إلا إذا حصل على معرفة موثقة في مصدرها. واقع غاية الإنسان وسبب الحياة ومصيرها أنها غير محسوسة لذلك معرفتها يجب أن تأتي من مصدر موثوقٍ موثَّـقٍ في مصدره متوحِّـدٍ مع مصدر الوجود نفسه، أي صانعُ الوجود وخالق الحياة وصاحب مآل المصير. منع توثيق علاقة الفكر بمصدره يعني منع ربط حجة الفكر بصحته، ومنع إجراء العملية الفكرية في ربط برهان الواقع بالفكر وبرهان الفكر بمعناه. قاعدة أنسليم أو قاعدة قبول المسيحية ديناً تُـلغي البحث في توثيق مصدر المعرفة الأساسية للإنسان وتُـلغي البحثَ في أهلية المصدر الذي نُسبت إليه المعرفة(16). يمنع الربط بين أهلية المصدر وشروط المعرفة في صياغتها وفهمها ودورها. يمنع البحث الفكري في علاقة المعرفة بمصدرها لأنه لا يوجَدُ أفكار موَثَّقةٌ عن علاقة المعرفة بمصدرها. يمنع البحث الفكري في المعرفة الأساسية للإنسان لأنها لا تخضع لعناصر عمل العقل. فكرُ المعرفة الأساسية كأي فكرٍ يجب أن تكون معانيه واقعاً محسوساً، يحتاج فهمه إلى معلومات سابقة تفسره، ذكاء يربط المعلومات بمعاني الأفكار أو واقعها، وإحساس ينقل الواقع إلى الدماغ حتى تجري عملية اختيار المعلومات المناسبة من المعلومات السابقة التي تتعلق بهذا الواقع. كل هذا يتعلق بعملية فهمٍ واحدة كبيرة أو صغيرة لا يهم، لكنه لا يتعلق بالصواب والخطأ. هذه عملية فهم فقط وعناصرها أربعة فقط إن نقصت لا تُنتج فهماً مهما كان الإنسان عبقرياً، فيلسوفاً أو مفكراً في ألقاب، تُنتجُ وهماً. عملية فهم الصواب والخطأ تتعلق بمقياس الصواب والخطأ هي أمر آخر ليس هنا مجاله لأننا لا نبحث هنا في صواب وخطأ الفكر المسيحي. نبحث في تعطيل دور العقل في الفرد الأوروبي، في الأمة الألمانية، في الأمة الإيطالية، الفرنسية، الإنكليزية، وغيرهم. في تعطيل دور العقل في أفكار الحياة الأساسية وهو مضطرب في وثنيته، في مسيحيته، في ديمقراطيته وفي تصديقه لكذب أميركا عليه في محاربتها الإرهاب.لذلك البحث في ضياع الأوروبي بسبب نجاح سلطة الحكم فيه منذ ألفي سنة في منعه من معرفة طريقة التفكير في أهم أمور حياته. فالسلطة السياسية تتلاعب بعقله منذ أن وُجِد في كيانٍ مجتمعي. لكن التلاعب بعقله اليوم أخبث مما كان فأساليب سلطة الحكم أكثر ذكاءً وتأثيراً لأنها اليوم بخبراتها المتراكمة وقدراتها الهائلة تستطيع تسخير طريقة الرومان الوثنيين والرومان المسيحيين والديمقراطيين الرأسماليين.


**(14)- طبعاً هذا كان قبل ولادة البروتستانتية بعمليةٍ قيصريةٍ وصفوها، قبل أن يكتشف الإنكليز طريقة القولون في التوليد أو طريقة الأنبوب.

(15)- هكذا أيضاً وصفت كنيسة روما كنيسة بريطانيا التي وصفت أيضا كنيسة روما أنها كنيسة المنافقين المرتدين الشياطين الزنادقة لأنها لم توافق أن زنا ملك بريطانيا مباحاً في تعاليم الكنيسة ونصوصها التي تجعل الحاكم سيف الله، سيف الخير والشر مقدساً في طاعته وعمله ومنه زناه ومصادرته أموال رعيته.

(16)- المعرفة هنا هي معارف ما وراء الحياة أو معارف خضوع الإنسان في علاقته مع الله الخالق. عند الملحدين تكون معارف الإلحاد. هذه المعرفة إذا انبثقت كما في طبيعتها يجب أن تكون ـ من الخالق تسمى دينًا. أما إذا وضعها أفلاطون أو بوذا أو أنسليم أو أي إنسان آخر تكون وثنيةً لا يصح تسميتها دينا. شرط الدين أن يكون من الله؛ نظام للإنسان في طاعة الله. وهو غير نظام الحيوان أو النبات أو المعادن أو النجوم أو غيرها في طاعة الله. إذ لم يُخلق شيء إلا وله دور في طاعة الله. هذا عند مَنْ يؤمن بدينٍ موثَّقٍ في مصدره وفكره وطريقته.**

نضحكُ من أساطير الإغريق ليس من ذكاءٍ في وقتنا بل من حقيقةٍ في معرفتنا. بهذا نتذكر الأوروبي في بطش فسادِ فكر الرومان بعقولهم وبصائرهم وقلوبهم. لم يعرف الجنس البشري إنساناً منذ نشوئه وحتى اليوم ـ يوم كتابة هذه السطور ـ عاش ممنوعاً عليه أن يفكر في حقائق حياته كما فُرضَ على الأوروبي. أباطرةُ الرومان فرضوا عليه أنهم آلهة فوق آلهة البشر. لما رفضت قبائل الجبال والأدغال أن يكون صنم الإمبراطور أكبر من صنم إلههم قتلهم الرومان بتهمة أنهم همجيون (11) بربريون وثنيون. الرومان أكذب أمم الأرض في وثنيتهم وأكثرهم فحشاً في القتل والنهب والكذب يتهمون الذين لا يفرضون وثنيتهم ـ لأنهم لا يستطيعون ـ أنهم وثنيون. تماماً كما تفرض أميركا على المسلمين أنهم إرهابيون حتى تقتلهم وتحتل بلادهم أو تصادر دوائر استخباراتهم وعمليات جيوشهم وسجلات مصارفهم وأحزابهم وجمعياتهم وجوامعهم، وتغير برامج مدارسهم وجامعاتهم، وتفرض معايير فكرهم ومقاييس فهمهم وقِيمَ حياتهم. عندما لم يبقَ في مجال الرمحِ الروماني مَنْ يقتله لأنه وثني (12)، بدأ الموت يسري في حياة الروماني. إذ الإنسان يكون بدوره في رسالة الحياة. مَنْ لا رسالة له في الحياة لا دورَ له. مَنْ لا دور له في رسالة الحياة يعيش روحاً بدون حياة. أو يعيش جسداً لا تلتقي فيه غايةٌ مع فكرٍ من الحياة والموت، أو فكرٍ للحياة والموت. يحيا جسداً بدون معنى يفهمه من روحه، أو يحيا روحاً بدون فهمٍ لدورها في جسد.

إحباطُ القوي يكون في عدم وجود ضعيفٍ يقتله، إذ لا يكون في صفته قوياً إن لم يقارَن مع قوة غيره. قانون الطبيعة يحتاج إلى ضد، قوي وضعيف. لكن في قانون الرومان ـ واليوم الأميركان ـ القانون هو الأقوى والأضعف. قانون القوي والضعيف هو قانون التعايش بين القوي والضعيف. قانون الأقوى والأضعف هو مبرر الأقوى لقتل الأضعف. عندما أصبح حال الرومان أن القوي يجب أن يتعايش مع الضعيف تحول الصراع ليكون بين عناصر قوى القوة الرومانية.

هكذا أصبحت الزوجة تغدر بروح زوجها بعد أن كانت تغدر بعفته. الأخ يمكر بأخيه بعد أن كان يحسده. الابن يقتل أباه ليستولي على أمواله. شريك القوة يخون شريكه مع شريك آخر. كان على الرومان إيجاد عدوٍ يوحّدهم في جريمة قتله، لم يجدوا. تحوَّلوا إلى إيجاد مبرِّر يصطنع عدواً. نبشوا عقولهم لم يجدوا عرقاً أخضر يمتصون منه رحيقاً. نظروا في الأرض فرأوا في زاويتها المهملة بقايا عظامٍ من أتباع فكر نصرانية عيسى معجزة الله خالق الكون، في أرض الإنسان، عليه وعلى الحواريين أتباعه سلام الله ورحمته(13) . **أرسلوا شاؤول شرطياً سياسياً ـ يوازي عميل المخابرات المركزية الأميركية اليوم ـ في شرطة هيكل الصدوقيين في يهود حتى يعيد تجميعهم في خدمة الرومان وهو في دور الذي يلاحقهم حتى يقتلهم ويسجنهم. بعد أن اكتملت رؤيتهم في خطة إحياء أمة الرومان في جحافلها، أمروه فتحوَّل في لون فكره ودوره ورسالته. مِن فكره أنتج المسيحية التي استبدل النصرانية بها. في دوره استبدل سَجْنَ فلول النصارى أتباع الحواريين بأن يكون هو بديل عيسى وداعية المسيحية. استبدل دعاة النصرانية بدعاة المسيحية بعد أن بثَّ الرعب في دعاة النصرانية. أما رسالته فكانت أن يجعل عيسى عبد الله ونبيه إلهاً صنماً مثل أصنام الوثنيين في الماضي والحاضر.

بعد ثلاثة قرون أو يقل من بدء تحول شاؤول في اسمه إلى بولس لم تعمَّ المسيحيةُ شعوبَ وثنيي الإمبراطورية كما كان يأمل الرومان.**

حاربوها خداعاً في العلن، رعوها سراً لتعميمها بين الأمم ـ الوثنيين ـ لتكون بديل ديانتهم، لاحقوا قلائل من أتباعها في ظروفٍ معلومة حتى يقبل بهم المعارضون ويلتحقوا بهم. خطة الرومان في المسيحية كانت واضحة عند المعارضين والوثنيين والرومان أن المسيحية مشروع روماني سياسي يديره مجلس الشيوخ بموافقة الإله إمبراطور القوة في الألوية الرومانية. فشلُ المسيحية في انتشارها كان فشلاً ذريعاً في الإدارة السياسية الرومانية لإحياء الأمة الرومانية. لم يلتفت الإمبراطور إلى أن سبب الفشل في عدم انتشار المسيحية هو انعدام الفكر وحجة الفكر وواقع الفكر في دعوتها. ليس عن جهلٍ لم يتوقف عند ذلك بل لسببين رئيسيين أولهما أن هذا السبب لا يمكن معالجته أيضاً لسببين الأول أنه فكرُ طبيعة أي فكرٌ به نشأت المسيحية وبه نمت أفكارها وعليه قامت دعوتها. أيُّ مساسٍ به يكون قاتلاً لها. ثانياً أنه لا يوجد لدى الإمبراطورية تربة فكرية تُنتجُ فكراً بديلاً. السبب الثاني بعد الأول عند الإمبراطور أنه كان يقتنع أن قوته تستطيع أن تفرض الباطل حقاً والخطأ صواباً متى يريد وأينما يريد. تماماً كما تحاول أميركا اليوم فرضَ الإرهاب عدواً لها وللجنس البشري الذي يقبل أن يتعامل معها تعامل العبيد بجلادهم.


**(11)- الهمجي تعني المتخلف عن السير في مسيرة الحضارة التي تسيطر بغض النظر عن رقي أو انحطاط تلك الحضارة. أيضاً دون اعتبارٍ لقناعة المتخلف بخطأ أفكار وغايات وواقع هذه الحضارة. هكذا أصبحت تعني الذي يقاطع التمدن؛ غير المتمدن.

(12)- ذلك بعد إذعان الجميع للطلب الروماني أن تكون كرامة الروماني فوق كرامة الوثني وأن يكون صنم الإمبراطور أكبر من صنم الإله، أي إله. تماماً كما تطلب أميركا من دول الأرض أن يكون أمن أميركا قبل أمنها وأن تكون كرامة حياة الأميركي فوق كرامة إنسان رعيتها.

(13)- الكاتب يرجو الله أن يجعله ممن يستحقون سلامه ورحمته كما استحقه حواريو عيسى نبيِّ الله وعبده وإن كان يعلم أن الله قد خصهم بمنزلة أتباع النبيين التي لا يقترب منها إنسانٌ مهما علت درجاتُ ذكائه وإخلاصه وجرأته في طاعة الله.**

مسرحُ السياسة في أوروبا هو مسرحُ السياسيين، مسرحُ متحرِّكين، هل يتحوَّل المتحرِّك إلى مفكِّر؟ علمُ الطبيعة يقول لا، علمُ الفلك يقول انتظر. أن يتحوَّل السياسي إلى مفكر أمرٌ فيه نظر، أن يتحوَّل الشعبُ أو كبراؤه إلى مفكرين أمرٌ كبيرُ الخطر على حربة السمِّ الأميركية.

مقوماتُ القوة العقلية في أوروبا كبيرة لكنها اصغرُ بكثير من حجم الكرة الدماغيةِ الأميركية. هذا في مقارنة الكرتين لكن هذه المقارنة في غير زمن الموضوع أو في غير موضوع زمن الحاضر. مقارنةُ اليوم هي في حجم العقل الأوروبي تجاه حربة السم الأميركية، الصراع ليس مشرعاً لكل الإمكانات ولا على كل المستويات. محدودٌ في أداته وفي سقفه وهو لم يصل إلى مستوى الصراع بعد، أرادته أميركا رميةَ سهمٍ وحكامُ أوروبا يتعاملون معه أنه رمية سهم. هذا من جهلٍ وخوفٍ فيهم لا من استعدادٍ لاتقاء السهم. فالتعامل مع الحدث لا يُجدي إن كان تعاملاً مع حجم الحدث فقط، لا بد في الانتصار من التعامل مع زخم القوة الدافعة للسهم وليس فقط في حمل درعٍ لاتقاء السهم.

انتصارُ أميركا في رميةِ سهمٍ على أوروبا يمكن ترجيحه إذا كان الترجيح بين قوى لا علاقة لها في قوة محاولة أميركا. عوامل القوة في محاولة أميركا لتطويع أوروبا بالضربة القاضية ضعيفة لأنها تفقد عناصر الدفع الذاتي، عناصرها مصطنعة. هذه المحاولة يلزمها، بمعنى ينقصها، القدرة على المواجهة باستقلاليةِ حجتها. هذا الضعف في طاقة حجتها هو عنصر الدفع الذاتي القوي لأي محاولةٍ تعتمد على الفكر، أو المناورة الفكرية لتحييد قدرة التوازن في الفريسة.

مؤامرةُ أميركا في اختطاف العالم تحتاج كأي مؤامرة كبيرة أو صغيرة في حجمها إلى إعداد عدتها في ثلاثة دوائر بعد تحديد غاية العمل.

الأولى دائرة التخطيط، الثانية عناصر العمل، الثالثة مؤونة العمل.

في التخطيط يجري فهم الوضع أو الحالة التي يجب التعامل معها أولاً، ويجري درس القوى الفاعلة أو المؤثرة فيه. ومن بعدُ يجري تحديد مجال الحركة وهو الموقع أو المسرح حتى يصل المخطّط أو المفكر في التخطيط إلى وضع خطة الاختراق.

عناصر العمل هي المبرر، رجال العمل، فكر الخطة، القوى اللازمة.

مؤونةُ العمل هو الطاقة على الاستمرار في العمل حتى يتحقق الهدف، حماية فكر العمل والحرص على الهدف.

طاقة أميركا في التخطيط لأي عمل طاقة لا يجاريها فيها أحد من دول الأرض. أثبتت ذلك في كثيرٍ جداً من المجالات المختلفة لكن في مجال التآمر السياسي أثبتت تفوقاً مطلقاً وعبقرية فذَّة في معظم المؤامرات التي خططت لها ونجحت في تحقيق هدفها. نعترف لها، في مؤامرة أو خطةِ اختطاف العالم، بعبقريةٍ نادرةٍ أو معدومة في رجال حكومات دول اليوم، أعضاء “الأمم المتحدة”. عبقرية جديرة بالدراسة في كل جامعة في الصين وروسيا وألمانيا وبعض كباريهات العلم في فرنسا ومدارس روضة أطفال أفغانستان. ذكاءُ أميركا في التخطيط والتسويق والتآمر ذكاءٌ خارق نعترف به بكل صدق واحترام دون أي استهزاءٍ في هذا الموضوع. والذي يعارض هذا بحجج كثيرة تدل على غباء الساسة الأميركان نرد عليه قوله أن دوائر عقله اختلطت فمجال الغباء الأميركي في هذه المؤامرة ليس في دائرة التخطيط. يوازي طاقة أميركا الهائلة في التخطيط المحبوك أو يتفوق عليه هو قدرتها الهائلة في حشد طاقات هائلة مؤونةً للعمل الذي تقوم به. لا أظن أحداً يشك في قدرات أميركا في التأثير على اتجاهات اقتصاد العالم ككل فكيف في أي دولة منفردة. أو يشك في قدرة أميركا على التلاعب في اي سوق للأسهم في العالم. أو في قدرتها على التأثير في عقول الجنس البشري بتغيير نظرتهم إلى المرأة مما هي عليه في طبيعتها أنها أمٌّ وأختٌ وخالة ومن بعدُ زوجةٌ وابنة ومحارم. إلى أن تكون كما تريدها أميركا عاهرةً بقانونٍ يبيحها للجميع بدون أجر. أما إذا طلبت الأجر في زناها فتكون عاهرة خالفت قانون تعميم الفحش الاجتماعي، تُعاقَبُ عليه بالسجن أو أن تستحصل على ترخيص يسمح لها ممارسة العهر بأجر ومخالفة القانون العام الذي يفرض العهر بدون أجر. أو في قدرتها على التأثير في نقد ـ عملة ـ أي دولة في العالم، ومجالات لا يمكن حصرها. قدرةُ أميركا في التخطيط وتوفير مؤونة أي عمل موضوعان لا يختلف عليهما عاقلان. منعاً للملل وعزوفاً عن الثرثرة في جرَةِ قلمٍ لا نجد حاجةً إلى بيان ذلك في تفصيله بل نكتفي بالإشارة إليه فيما سبق.

أجهزة الحكم تعني أساساً أدوات الحكم وليس ركائز الحكم أو أركانه ولا جهاز الدولة. هي المؤسسات التي تقوم برعاية مصالح الرعية، حمايتها وتنميتها، تنظيم علاقات الناس، توجيه حركة المجتمع تحديد مسار التفكير في فرضِ قواعد أفكار الفرد، تخصيص دور القِيَم والعوامل المؤثرةِ في سلوك الفرد والجماعة، تفصيل غايات قوى الرأي العام في وجودها والحرص على تحقيق غاياتٍ متفارقةٍ تقنع بها قوى المجتمع المتفارقة. هكذا تكون هذه الأجهزة في مهمتها لا تختلف بين بلد وآخر في معناها وغايتها وخطتها.

دورُ أجهزة الحكم يتأثر في نشوئها لا في مهمتها، فالدور يتغاير من بلد لآخر بينما المهمة بمعنى المسؤوليات والصلاحيات لا تتغاير لأنها تتعلق بمعناها لا بدورها ولا بنشوئها. أجهزة الحكم في أوروبا كانت موجودة قبل الثورة ـ? ثورة الحريات( ) ـ فجاءت الثورة على الحاكم ثورة عليها أيضاً. هيجانُ الفكر في المفكر كهيجانِ الثائر في ثورته، يرى من عينٍ كما الثائر في ثورته يكون أعورَ في سمعه. الأصلُ أن يبصر المفكر ببصيرته لا من عين واحدة ولا من اثنتين، والأصل في الثائر أن يرى بعينه لا أن يرى بما يسمع. الأوروبيون ثاروا على الحاكم وأجهزة الحكم، لذلك بعد انتصار الثورة أعاد الثوار بناء الأجهزة على مفهوم أن لا تكون عدوة للشعب.

حمايةً لهذا الهدف وُجِدَت قوانينها لإخضاعها الدائم للثوار المنتخبين فيما بعد من الشعب. نشأتها تحتم دورها في أنها خاضعة للحكم لا شريكة فيه وليست من جنسه. والشعب الثائر في دم أحفاده ما زال شديد الحساسية تجاه هذه الأجهزة والحكم الديمقراطي شديد المراقبة لها.

ثورةُ أميركا قامت بغير معطيات ثورةِ الفرنسيين والأوروبيين. ثوارُ أوروبا ثاروا في موطنهم على حكامٍ منهم. ثوارُ أميركا ثاروا في غير موطنهم على حكامٍ ليسوا منهم، حكامٍ يستعمرونهم، إنكليزَ في عرقهم. الاستعمارُ في تعريفه يفرض كراهية المُستعْمَرِ للمُستَعْمِر. تعريفُ الاستعمار في كنهِه فرضُ السيطرة للاستغلال. تعريفه في ممارسته نهبُ ثروات الآخرين وما يفرضه ذلك من قبول الإنسان بسرقته بعد قطع لسانه وفقءِ عينيه وقطع شريان الوريد التاجي. هكذا كان الإنكليز يستعمرون سكان أميركا الأوروبيين وليس الأصليين. الإنكليز والأسبان والبرتغاليون نجحوا قبل ذلك بدهر طويلٍ من الذبح والبقر والبترِ في إبادة سكان أميركا الشمالية والجنوبية. مع نجاح حملة إبادة السكان المحليين كان الإنكليز يستقدمون زبالةَ أوروبا البشرية لتسخيرهم في زيادة منافع الإنكليز. حتى أن من هذه الزبالة البشرية كان إنكليز وآرشيون وسكوتس وألمان وفرنسيون ومن كل مجتمع كان يكثر فيه المرذولون اجتماعياً. ثورةُ عبيدٍ على أسياد تختلف في كل شيء عن ثورةِ شعبٍ على حاكم. كيانُ السيد الحاكم على عبيد يختلف في مقوماته عن كيان السيد الحاكم على شعبه. كذلك يختلف واقع المجتمع في تطلعاته وأهدافه وقدراته. ثورة المُستَعْمَرين على مستعمِريهم لم تكن ثورة ناسٍ على حاكم له أجهزة حكمٍ، كانت ثورة على أجهزة الحكم مباشرة. شخصُ المهزوم في هذه الثورة غير شخص المهزوم في ثورة فرنسا. الثائرُ هنا غير الثائر على المتفحش في فرساي. ثائرُ أميركا أجلى حاكمها عن أرضه، أزال كيانَ الإنكليز في غير أرضِ الإنكليز. في انتصاره لم يرث أجهزةً انتصر عليها، وانتصاره كان على أرضٍ ولم يكن انتصاراً على شعب. لم يبقَ بعد المعركة فريقان غالب ومغلوب، بقي فريق واحد أهل الأرض فقط، إذ في غياب المغلوب كيف يكون غالب؟ ثوارُ ارض أميركا بدأوا في إنشاء أجهزة الحكم كما بدأو في إنشاء جميع منشآت الحياة للمجتمع والدولة والأمة. لهذا كان بإمكانهم الزمني والظرفي وضع تصورٍ لمهمة ودور كل جهاز. كان بناء الجهاز جزءاً من بناء المجتمع والدولة والأمة، هذه في شروط بنائها تحتاج إلى رؤية في الحاضر والمستقبل وإلى غاية في الوجود وطريقةٍ في النهضة. هذا كله اجتمع في بناء كل جهاز لأن بناء الجهاز تزامن مع بناء المجتمع والدولة والأمة.. من البداية نشأت هذه الأجهزة برؤية وغاية وطريقة الدستور الأميركي في قيَمِه ومقاييسه وحيثياته.


**(6) كلمة مفاعل ترتبط في أذهاننا بالمفاعل النووي وهي تعني المصنع الذي فيه تتفاعل المواد وهو غير المصنع الذي ينتج مواد. فالاختلاف في طريقة الإنتاج وأدواته لكن ليس في أنه مصنع يُنتج. الرأي العام في أي مجتمع أثبت التاريخ أنه يُحدث التغيير الجذري في حياة المجتمع عندما يجتمع على رأي في ذلك. كما أثبت أنه وراء سقوط أكابر مجرمي البشر الذين حكموا بالبطش والقهر ملوكاً، رؤساءَ جيوشٍ أو رؤساءَ ديمقراطيين منتخبين بنسبة 51 ـ 99%. استعرنا لفظة “مفاعل” لأن الرأي العام في أي بلد أوروبي هو قنبلة موقوتة قابلة للاشتعال إذا أُعيد تفعيل مفاصل التفاعل المعطلة في المجتمع بفضل هيمنة القصد الأميركي على خطة أجهزة الحكم الأوروبي

( 7 ) سبب هذا التبرير أن البحث قد يتجاوز الفقرة العادية في عدد أسطرها مما يجعل قراءته بحرف الحاشية وهو بقياس 8 أو 9 أمراً يؤثر في تبرير تحاشيه. أما علاقة ذلك بأهمية البحث فليس ذلك وارداً ولا يجوز أن يرد ذلك. إذ لا يجوز للكاتب أن يكتب مهماً وغير مهم، أو أن يكتب بمسؤولية وبغير مسؤولية، لذلك الحاشية، في رأينا، منبرٌ لفكرٍ في غير موقع الصدر في مسرح الخطاب.

( 8 ) هذه التسمية فيها كثير من الاستهتار بعقول الأوروبيين وفيها الكثير من التدجيل الفكري على الأوروبيين وغير الأوروبيين. نحن نستعملها بلفظِ التضليل الذي ألصقوه بثورة الأوروبيين وأولاها في فرنسا، وليس بحسب معرفتنا في حقيقة سبب الثورة وفكرها ونتيجتها أنها في واقعها مؤامرة جديدة في تطوير مسار عبودية الأوروبيين للحاكم في مراحلها أو حقبتها الثلاث: 1 ـ حقبة تأليه الحاكم الروماني في شخصه. 2 ـ حالة تقديس طاعة الحاكم الروماني في المسيحية وتقديس كاهنها في شخصه. 3ـ حالة تأليه الذات في طاعة الحاكم العلماني أو الديمقراطي وتقديس الطاعة للنظام.**

حقائق المؤامرة هذه لا يمكن طمسها مهما حاولوا لأسباب تتعلق بطبيعة هذه المؤامرة. في كل مؤامرة طبيعة ذاتية لأن خصائصها في سببها ونتائجها ووقائعها تختلف. الاختلاف هنا لا يجب ربطه بالظروف وإن اختلفت الظروف فيها بل هو يتعلق أساساً بالمصدر الذي منه تنبثق الخصائص. والمتآمر مهما بلغ من الذكاء والدهاء والعبقرية، ونحن نعترف له بها في هذه العملية، لا يمكن أن يصل إلى التلاعب في طبيعة المؤامرة التي يرتكبها. لأن طبيعة المؤامرة تنشأ نشوءاً بعد العمل وليست وجوداً تنشأ عنه. طبيعة المؤامرة من ممارسة المتآمر، لذلك هي طبيعة تتشكل بالحدث بما فيه من سبب ونتيجة وواقع. عجز المتآمر عن التلاعب بخصائص المؤامرة ليس عجزاً فكرياً بل عجز طبيعي.

كشف مؤامرة تفجير الطائرات في البرجين بعد أن أثبتت الوقائع أن البنتاغون لم تصله طائرة بل أطلقوا عليه صاروخاً من طائرة عسكرية تتعلق بأمور كثيرة. أهم الأمور التي يمكن أن تكشف عن حقيقة التفجير أنه مؤامرة من أصحاب قرار القوة والقرار في الحكم السياسي لأميركا هي البراهين الموثقة بالواقع. مجالات هذه البراهين تتنوع في أنها تقنية، سياسية أو حضارية فكرية. الكتابات في المجال التقني لكشف عنصر التآمر الحكومي في التفجير هو أهم تلك الأعمال وأسهلها وأسرعها لكشف الحقيقة للرأي العام الأميركي والدولي.(23) ألماني كتب في ذلك، فرنسيان أو أكثر وسياسي بارز من أميركا وسياسي متقاعد آخر وصحفيان أبدعوا في كتابتهم وبرهان الواقع في بحثهم أن قلب وعقل الحكومة الفدرالية هو الذي قام بحوادث التفجير في 11 أيلول. نرجح أن هناك أكثر من هؤلاء بكثير كتبوا أيضاً لم نعلم بهم، لكنا نعلم أنه لم يكتب إنكليزي أو هولندي أو إيطالي أو سويدي أو غيرهم (24). هل هناك هذا المستوى من الجدب الفكري في أوروبا وأميركا؟ الحقيقة المؤلمة أن هناك جدب فكري عام في أوروبا وأميركا، لكن هل هو سبب إحجام كثيرين عن الفهم أو أن سبب إحجام كثيرين عن نشر الحقيقة غير سبب الجدب الفكري؟ نعلم، لا نجد جدوى من التفصيل في هذا. نأمل أن تتكاثر أصوات قول الحقيقة من أهل سكوتلنده والدانمرك وغيرهم. نحن يائسون من صوتٍ هولندي أو إيطالي لأن خصوبة تربة الفكر تتصحَّر سنة بعد سنة حتى وصلت برأي خبرائهم سن اليأس في حياة الأمم.

**الكتابةُ في كشف حقائق حادثة التفجير في أميركا أنه عمل أصحاب القوة في حكومة أميركا لا يؤذي أميركا أو حتى يخدشها. أهميته ليس في تأثيره على أميركا في اقتصادها أو سياستها أو قوتها. وليس في تأثيره على دول العالم من أجل الوقوف في وجه أميركا.**هي، أميركا، أقوى من أن يؤثر بها حادث خارجي أو ضغط خارجي. وحكام دول العالم كثير منهم عملاء لها ومن ليس عميلاً لها يراعيها ويجاريها طمعاً وخوفاً. ليس لها عدو حقيقي بعناصر العداء. ما يقال عن العراق وليبيا وكوبا في الحقيقة نسيج قصصي. في قصة كل منهم دور لبطل ليس أحداً منهم عدو لأميركا بل كل منهم خائف من أميركا. كل منهم يريد أن يكون تابعاً لأميركا لكن ضمن خطة يشارك في تحديد مداها، مواضيعها وأهدافها. لذلك أميركا تعتبرهم أعداء وتستعد يهم وتريد تدميرهم. صحيح أن جميعهم في حظيرة نفوذ غربي غير خطيرة النفوذ الأميركي لكن هذا ليس سبب أن يكونوا هم أعداء لأميركا بل سبب عداء أميركا لهم. نعود إلى أهمية الكتابة في كشف حقائق التفجير الأميركي أنه من فعل أصحاب القوة في الحكم الأميركي. أهميته ليس في تأثيره على أميركا الدولة وسياستها ولا على الدول التي تقف معها في قتل غيرهم. أهميته تكمن أن المجتمع يحتاج إلى مواضيع فكرية لتحريك عقله، وهذا الموضوع، خطة أميركا في مصادرة رأي وصوت وعقل كل مجتمع ودولة في العالم موضوع خطير جداً على كل شعب وكل أمة في العالم حتى ولو كانت قبيلة مثل روسيا وصريبا وإيطاليا. خطورة هذا الموضوع فيها زخم إحداث تحريك فكري في أي مجتمع ينام فيه العقل ويصحو. لذلك أهمية بحثه العلني في المجتمعات هي في تحريك العقل الفردي والجماعي العام وليس في تأثيره على القرار الأميركي أو على سلطات حكم البلد الذي يجري فيه البحث. أهمية هذا البحث تكمن أنه يشترط النزاهة المطلقة في ترتيب المعطيات والبرهان والنتائج. إذ هذه النزاهة هي التي تفتح آفاق العمق الفكري في البحث. فالبحث بدون نزاهة هو البحث لتركيب حقيقةٍ لا يمكن أن يؤدي إلى معرفة حقيقة، وهو طريقة المخادع لا طريقة إيقاظ العقل. النزاهة هنا تكون بالتزام قواعد طريقة العقل في الفهم لأنها وحدها تشترط النزاهة عنصراً في طبيعة إجرائها. وهي في إجرائها طبيعة حمايتها لعنصر النزاهة بدوام حاجتها لوجوده. أهمية هذا البحث أنه في موضوعه وطريقة بحثه إذا تيسر له المنبر العلني يمكنه أن يُحدث الحركة الفكرية التي يحتاجها كل مجتمع وأمة يتوق أن يصحو فيه العقل أكثر مما يغفو.


**(23)- قد يتساءل بعض القراء الذين بلغوا مستوى رفيعاً في النضج الفكري: هل هناك رأي عام أميركي أو دولي؟ في نضجهم الفكري يعرفون جيداً أن صانعي القرار السياسي الأميركي هم الذين يملكون وسائل تشكيل الرأي العام الأميركي. بسبب هذا يعتقدون أن الرأي العام الأميركي يصطنعونه اصطناعاً وليس فيه عناصر التكون الطبيعي، لذلك ينفون وجوده كما يجب أن يكون عليه. لكن وجوده أداة بيد صانعي القرار لا ينكره السؤال ولا ينكرونه هم.

(24)- لم نذكر اليونان لأن الرأي العام الأوروبي خصوصاً ثقافة الدول الأوروبية الكبرى تعتبر أن اليونان سقطت في سلة مهملات التاريخ. عندهم من يسقط في تلك السلة لا يستطيع الفكاك من حبالها ثانية.**

هذا التفريق بين نتيجة وقصد وسبب خداع حاكم أميركا أو بريطانيا لشعبه وخداع حاكمٍ للمسلمين مؤثِّر في فهم سبب وقوف جميع الحكام مع ضرب أميركا لأفغانستان المسلمين. ومؤثر في فهم المكر والخداع في قول بعض الحكام أنهم يريدون أن يكون الضرب بقيادة وإدارة الأمم المتحدة. وهو يعني أن تتحد أصابع جميع حكام الدول في ضغط زر إطلاق الصاروخ الأميركي لتدمير المسلمين في منازلهم! وتشابك أصابعهم في قذف قنبلة الانشطار الأميركي لتدمير المسلمين في أجسادهم! كذلك يؤثر في فهم المكر والخداع في مطالبة الحاكم علينا لأميركا بقصف الجيش المسلم وليس الشعب المسلم. أيضا هذا التفريق يؤثر في فهم لماذا تقصف أميركا الشعب المسلم عن قصد وتقول عن طريق الخطأ أو تقول إنه زعم دعائي. هذا التفريقُ نافذة رئيسة لفهم حقيقة الهدف الأميركي في انتقاء المسلمين في أفغانستان مسرحَ معركةِ أولى حروب القرن، كما سماها غلامُ أبيهِ حاكمُ أميركا.

خطةُ أميركا في تفجير الطائرات في أهم موقعين بعد البيت الأبيض والكونغرس، ثم إلصاق ذلك التفجير بحجة الأقوى في مكره وغدره وبطشه بمسلمين، خطة محكمةً لا مصادفة. قرارُ أميركا تدمير النفسية المسلمة في أفغانستان قرار يرتبط بخطة أميركا الدولة في حادث التفجير. لو كان حادث التفجير فِعلَ جهةٍ غير الدولة الأميركية نفسها لتعددت احتمالات الانتقام. عمل الانتقام، وهو عمل إيقاع عقوبة على المعتدي، يحتاج إلى تحقيق وبراهينَ تحدد المعتدي أولاً ثم تدينه. تحقيق أميركا في البداية بدأ كاذباً مخادعا. أذاعت أميركا الدولةُ لائحةَ أسماء ركاب الطائرات الأربع وفيها 18 أو 19 اسماً يُفترضُ أنهم مسلمون من الشعب العربي. بدايةُ الكذب والخداع أن اللائحة في أي رحلة ليست سراً وتتواجد في ملفات عدة دوائر. فورَ إعلان الاصطدام وفي غمرة الحيرة تقول عدة مصادر إعلامية أميركية إنه لم يكن في اللائحة أي اسم مسلم من العرب التي أضيفت إلى اللائحة التي أعلنتها الدولة. برهانُ الفشل في ترتيب الكذب والخداع أن تسعةً أو نصف الذين أُعلنوا من الأشخاص الخاطفين أعلنوا أنهم أحياء في أماكن مختلفة من العالم.

العقوبةُ تأتي بعد التأكد من الجاني والتأكد من برهان الجريمة الذي يربطه. هناك جريمة، تفجير الطائرات جريمة لكن أين البرهان في أن الجاني هم عموم مسلمي أفغانستان وحتى المسلمين في كل مكان! أميركا كذبت أيضاً عندما قالت إنها تذهب إلى أفغانستان فقط لتنتقم من المسلمين هناك بتدمير بنيتهم التحتية وأجسادهم ونفسيتهم على جريمتهم في أميركا. أميركا نفسها أعلنت أثناء انعقاد مؤتمر برلين أن مهمتها في أفغانستان “إعادة بناء أمة”. هذا يعني أن قصد التدمير الجسدي والنفسي في أفغانستان هو قصدُ مبرر احتلالها وهو إعادة بناء أمة الأفغان بدون الإسلام!

هاجسُ أميركا ودول الكفر ومنها أوروبا هو هاجسُ صراع الحضارات، في أساس موضوعه عدم وجود حجة فكريةٍ في أيديولوجية أميركا تقف بوجه حجة الإسلام. معنى “إعادة بناء أمة” هو فرض فكرٍ جديد عليهم بديل الفكر الذي يجب أن يتخلوا عنه. لأن بناء الأمة لا يكون بالمصانع والأسلحة والاقتصاد والعمران، ذلك قوة الأمة وليس بناءها. الأمة تقوم بفكرها الأيديولوجي الذي يصوغ حضارتَها. عملُ “بناء أمة” لا يكون عمل انتقام ولا مادة في قانون العقوبات. هو عمل أفكارٍ رئيسة في عقيدة الأمم وأيديولوجيتها وحضارتها. هو في واقعه هدمُ بناء الفكر الإسلامي في عقول الأفغان وفرض بديله فكرِ الكفر والضلال الديمقراطي أحطِّ أيديولوجيات الأمم الوثنية عبر التاريخ. ماذا يصدق العاقل؟ أن ذلك جزاء تفجير الطائرات أم يصدق أن ذلك هو رسالة أميركا في خطتها لتحقيق غايتها في معركة “صراع الحضارات”؟

كراهية أميركا للإسلام موثَّـقة في فكرها الثقافي، التعليمي، الإعلامي، الخلقي، المسلكي، وأهم من كل ذلك في أساس فكرها السياسي. خطة أميركا في فرض فساد أفكارها على المسلمين في حياتهم أيضاً موثَّـقة في كل علاقة مع المسلمين، في كل قضية من قضايا المسلمين، وفي كل اتصال مع الحكام في المسلمين.

موضوعُ فرضِ كراهية الإسلام على الأوروبيين في حقيقتهً لا يتعلق بحدث أو ظرف. هو موضوع خطة مؤامرة تنفذها جميع سلطات الحكم في شعوب جميع دول الغرب لا فرق بين أخبثها وبين أسخفها. هذا المشروع المؤامرة في هدفه يحقق منع العقل الأوروبي من التعرف على الإسلام إلا من المصادر التي تسمح الدولة بتوفرها لشعبها. وهذه المصادر فيها أمران: أن تكون مُضِلَّةً عن الإسلام، وأن تكون سخيفة سقيمة.

خطرُ فرضِ منع العقل في الأوروبي من إجراء العملية العقلية في التفكير في معرفة الإسلام في البدايةِ أدى إلى تبرير تعطيل العقل في كثير من أمور الحياة الرئيسة. كثير منها كبيرُ الأهمية في صياغة الحياة وكبير الأثر في شقاء الإنسان وسعادته. وأهم من ذلك أنه منع العقل من فهم الحياة بالموت وفهم الموت بالحياة، وبذلك أفقد الأوروبي رؤية معنى الحياة بانعدام رؤية الحياة بمصير الحياة. وفوق ذلك فإن هذا المنع أو هذا التعطيل لدور العقل في أهم أمور الحياة أدى إلى فقدان الفرد والمجتمع مقاييس الحياة في التمييز بين شرور الحياة وخيرِها وبؤس الحياة وسعادتِها، واضطراره لاستحداث مقاييسَ من عِنديّاته لا تزيده في عيشهِ إلا ضياعاً.

إن أعمال وأقوال الحكام في إخفاء معالم هذه الخطة دائم وعام في جميع مجتمعات الغرب. فالحرص على إنكار مخططِ زرعِ أو فرض كراهية المسلمين على الغربيين أكثر بكثير من الإصرار والحرص على قتل المسلمين في أرواحهم وأرزاقهم وكرامتهم واغتصابهم في بلادهم وفكرهم وثرواتهم. لكن لمَّا كانت قد تأصَّلت كراهية الأوروبيين في النفس الفردية والجماعيةِ في الغرب، أصبح القصدُ الطاغي في خطط فرضِ الكراهية هو الحرصُ على استمرارها وتعميقها وتعميمها في الأجيال الجديدة.

وهذا هو سببُ نشوءِ أجهزة الحكم جزءاً من نشوء المجتمع والدولة والأمة بنفس المفاهيم والقيم والغايات. وهو أيضاً سبب وجودها الطبيعي في جهاز الدولة مما جعلها شريكةً في الحكم في دورها وأداةً في مهمتها، لا انفصال بين الدور والمهام كما في دول أوروبا. دورها في شراكة الحكم يجعلها مؤسسة من مؤسسات، من هذا التنظيم تُقدم للحاكم دراستها في موضوع مهمتها، ومن رؤية الأمة في مهمتها تقدم للحاكم اقتراحها في دراستها، ومن قِيَمِ الدستور ومقاييسه تبيِّن للحاكم أهدافها في اقتراحها. لم تنشأ أجهزةُ حكمٍ في التاريخ كما نشأت أجهزة الحكم في دولة الإسلام. ولم تنشأ أجهزةُ حكم في التاريخ كما نشأت أجهزة الحكم في دولة أميركا. الاثنان لا يتشابهان والخوض في المقارنة ليس مجاله غروب هذا الزمن في دجل سياسييه وضلال مفكريه وظلم قضاته.

أجهزةُ الحكم التي في أميركا في واقعها أجهزة تشارك في الحكم بمعنى أنها من أركان الدولة. أجهزةُ الحكمِ في أوروبا(7) في واقعها أجهزةُ دولةٍ بمعنى أنها من أدوات الدولة. الجهازُ الذي يشارك في الحكم يشارك في التفكير ابتداءً عند تحديد الهدف ودراسةِ الواقع ورسمِ الخطة في تحريك المفاعيلِ المؤثرةِ، انتهاء بالنجاح في تغيير الواقع وتقويمِ قيمةِ العمل في نتيجته ومعطياته في مستقبله. هذا الفارق ليس تقنياً كما يصر التقنيون على تصنيفه في أبحاثهم لأن الموضوع ليس موضوعاً تقنياً إنه موضوع أيديولوجية الحكم ورؤيته وهيكله. الفارق، في طبيعته أنه تقني أو أيديولوجي، عنصر فعال في قوة الحكم، استقلاليته، تماسكه في خطة استمرار الكيان. لذلك لا يوجد وجه مقارنةٍ بين قوة الحكم في أميركا وتلك في ألمانيا أو إيطاليا مثلاً. البعضُ يقارنون لأنهم يقارنون بين واقعين أي حقيقتين في الوجود. المقارنةُ بين

واقعين لا تُحدِث أثراً في الفهم لأنها هي بذاتها عملية فهم فقط فهي في نتيجتها تبقى حبيسة الفهم، أي تبقى مادةً للدراسة. المقارنةُ التي تُنتجُ فهماً هي المقارنةُ التي تجري في عناصر الواقع. لا يوجد وجه مقارنةٍ نعني أن عناصر الواقع في أيديولوجية الحكم في أميركا تفارق كلية في الأساس والطريقة والرؤية تلك التي في أوروبا. المقارنة تكون لإيجاد المقاربة أما إذا كانت دراسة في المفارقة فهي تختلف في سببها وهدفها وعمقها.

بحث هذه النقطة، نقطة الأجهزة، لم يكن في ذاته مقصوداً عندنا بل مقصده بيان عامل أساسي لعله أكثر العوامل تأثيراً في حالة انهزام الحكم في دول أوروبا أمام التسلط السياسي الأميركي عليها. وتوضيحها يلقي ضوءاً على مستقبل التفكير السياسي في أوروبا في مواجهة الحالة الدولية الجديدة التي تفرضها أميركا دولياً، وليس أطلسياً، لإنهاء النفوذ الأوروبي الدولي. الأملُ والإحباط كلٌّ بعناصره وقواه ووسائله موجود في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وغيرها، نراهُ غائباً في بعضها. الأمل والإحباط يتوازن في حجته ومنبره، فالأمل ينقصه الطموح والإحباط ينقصه اليأس. صاحبُ عدَّةِ الأمل كصاحب عدَّةِ الإحباط؛ خائف. خوفُهُ ليس من ضعفٍ في عناصره. خوفُهُ من حاضرٍ بدونِ رؤيةٍ في حياة. رؤيةُ الحياة هو مستقبلها في واقعين. واقع العيش بإدراكٍ فوق التراب وواقعُ العيش في جسدٍ تحت التراب. السياسي في خوفه من حياةٍ بدونِ رؤيةٍ غير خوف الفرد مثلي ومثل صاحب المتجر وزارع الأرض وفارسٍ بدون حصانٍ عربي. السياسيُّ الأوروبي يستطيع أن يكذب على نفسه. العاديُّ من الناس وأنا، لا نستطيع الكذب على ذاتنا. سببُ الفارق أن الكاذب على نفسه يكذِّبُ الحقائق في ذاته، بمعنى أنه يتجاهل الحقائق في طبيعته، يخادع طبيعته كما يخادع شريكه أو زوجته أو رئيسه. سائقُ التاكسي وعازف البيانو وأنا نحب العيش بطبيعة الذات فينا، نهنأ بتوافق الفكر والفهم والقول مع طبيعة الذات. خادعُ نفسه يكذب على غيره، علينا. مثلنا، إذا استمر في عدم الكذب دون معرفةِ مقياسِ الصدق والكذب يعيش في كذبٍ من حيث لا يدري.

نجاحُ أميركا في خطة إرهاب العالم وهي تحمل راية “أميركا في حرب” في رأس حربتها الأول سمٌّ وفي رأس حربتها الثانية قنبلة. السمُّ لأوروبا والقنبلة للمسلمين. المسلمون في جميع الأرض حالهم كحال المسلمين في فلسطين، يتألَّم العقلُ في معرفة حالهم، فكيف بوصفهم بأسطرٍ وكلمات. في بحثنا عن كلمات لوصف حاكمٍ يتفرجُ على ذبحِ رعيته عبرَ شاشةٍ في غرفة مخدعه لم نجدها في قاموسِ البشر. رضيعٌ، عفواً، جنينٌ في بطنٍ بقروه أشار بإصبعه إلى كهف الشيطان. ركضنا بعد أن مات، قبل أن ننسى الطريق، تعثَّرنا وقام منا رشيدٌ يسأل هل تريدون قاموس الشيطان لتتعلموا كلماته في وصف حاكمٍ في المسلمين يسلِّم بقتل المسلمين؟ قال الذين تعثروا ـ لم أكن معهم، أخطأتُ في قولِ تعثرنا ـ “نعم”. قال وهو يتلاشى في اضمحلال لونه ـ كنت أراهُ من علٍ فوق شجرة ـ “أيها الشياطين، يا أبناء الأفاعي والشريرين تقولون ولا تفعلون، مَن أشرُّ منكم”. حتى غاب في الهواء، من قوله عرفت أن هؤلاء المسلمين لن يسلموا من مرض الخوف من قنبلة أميركا. خوفهم لا يمنعهم من التفرج على حربة السمِّ تطعن الأوروبيين، يريدون أن يعرفوا هل يستسلمون مثل حكامهم؟ الأوروبيون يهزأون بالمسلمين في خوفهم. يعاملونهم معاملة الأعداء، يديرون لهم ظهورهم، في ضياعهم في سكرة اللامبالاة بحالهم يضحك المتفرجون عليهم.


(7)- أوروبا هنا لا تشمل بريطانيا ليس لأننا نعتبرها غير أوروبية بل هي أوروبية في جغرافيتها. لكن في الأبحاث التي في طبيعتها أنها دولية بريطانيا تنفصل فعلياً عن أوروبا في رؤيتها وخطتها السياسية وقواها وأهدافها. هذا الانفصال قد يرد معنا عدة مرات في هذا الكتاب دون الإشارة ـ للأسف ـ إلى استثناء الإنكليز. لكن القارئ يستطيع استبانة ذلك من الموضوع هل هو دولي في طبيعته أم غير ذلك.

طريقة الديمقراطية(17) في منع العقل (18) من التفكير اختلفت جذرياً عن طريقة الإيمان بالمسيحية التي منعت العقل من البحث عن حجة الإيمان أو إجراء العملية الفكرية في برهان المسيحية. فلاسفةُ الديمقراطية أنكروا واقع البحث بدل أن يمنعوا التفكير في برهان البحث. لا يوجد في فلسفات المفكرين في أيديولوجيات البشر أن اجتمعت عقولهم على إنكار واقعِ أساسِ الفكر كما فعل فلاسفةُ فكرِ ديمقراطية أوروبا الحديثة. مفكروا المسيحية لم ينكروا قاعدةَ فِكرِ الأفكار إنما منعوا البحث فيها لعدم وجود برهانٍ عندهم أو منهم لها. كانوا أكثر واقعية وأكثر فهماً. قاعدة فكر الأفكار في المسيحية غيرها في الديمقراطية، لكن هذا لا يؤثر على المقارنة لأن مواصفات قاعدة الأفكار تتعلق بطبيعة القاعدة الفكرية التي هي طبيعة واحدة. لا تتعلق بنوع الفكر، لا بصوابه ولا بخطئه. فلاسفة الثورة على المسيحية أنكروا واقع عقيدة أفكار الإنسان للحياة والوجود والمصير لأنهم أيضا لا يملكون برهان البحث.

جهلهم برهان البحث ليس عن عدم قدرة على الفهم كما هو حال فلاسفة(19) المسيحية بل كراهية وحقداً وإمعاناً في انفصالهم عن الكنيسة. ثورةُ المفكرين أساساً كانت ضد ظلم الكنيسة لهم، وتضليلها عقولهم وتلاعبها في مصيرهم. ثورتهم كانت لتخليص الشعب من الظلم والتضليل وتخليص الفرد من تلاعب الكنيسة بمصيره إلى جنة أو نار. هذا الهدف، مع الكراهية والحقد سبباً أساسُ الوحدة بين المفكرين والشعب وليس فكر الفلاسفة ولا قناعة الشعب بفكر الفلاسفة.

قاعدةُ فكر المبدأ الديمقراطي(20) تتناول قاعدة حياة الإنسان الأولى وهي كما في أي مبدأ للحياة تتعلق بفكر سبب الوجود وغاية الإنسان (21) ومصير الحياة؛ من أين جاء الإنسان، لماذا وُجد وإلى أين يكون هو الفكر الذي يحدد وجهة نظر الإنسان في كافة الأمور. لما تخلت الديمقراطية عن بحث هذه المواضيع هي في الحقيقة ألغت واقعا. غير أن الفلاسفة رأوا استحالة ذلك على الإنسان لأن الإنسان بطبيعته يحتاج أن يعرف من أين جاء أو كيف وُجد. لماذا جاء أي ما هي الغاية التي يلزمه السعي لها، وإلى أين يذهب في رحلة الموت أو ماذا يكون مصيره بالموت. هذه المواضيع يتفرع عنها نقاط بحث، لذلك أفكار المواضيع الرئيسية مع أفكار النقاط الفرعية تشكل معرفة الإنسان بحل العقدة الكبرى التي على كل فرد واجبٌ طبيعي وحاجة ملحة للتفكير بها. قال الفلاسفة عن موضوعي من أين جاء الإنسان وأين يصير بعد الموت إنه موضوع فردي لكلٍّ أن يقتنع بما يريد لأن معرفته لا علاقة لها بالحياة. لم يقولوا لا علاقة لها بسبب ومصير الحياة لأن ذلك يدينهم في حقيقتهم أنهم ليسوا مفكرين. فصلوا بين واقع الحياة وسبب الحياة وهو رغم ما فيه من ضياعٍ ليس بعده ضياع إلا أنهم احتاجوا إلى هذا الفصل. همهم كان التخلص من نير الكنيسة وكهانها والتحرر من الجهل الذي تفرضه عليهم أفكار المسيحية. لم يكن همهم إيجاد هذه المعرفة ولم يكن عندهم النفسية التي تسمح لهم بالتفتيش عنها ولا الوعي الفكري للاهتداء إليها. واقعهم أنهم مفكرون في قيادةِ غوغاءٍ لا مفكرون في الحياة والإنسان والكون. لم يكن أحد يعلم الفرق بين الكون والعالم كما نعرفه اليوم، إذ لم يكن لهذا التفريق ضرورة أو في أقله حاجة فكرية. قصروا بحثهم على دور الإنسان في إشباع حاجاته ورغباته ومسؤولياته في هذا الإشباع بدل البحث العام في سبب وجوده وغاية وجوده ومصير هذا الوجود. بذلك سفّهوا غاية الحياة وجعلوا العقل طاقةً مسخّرةً في تحقيق إشباع الغرائز بدل أن يكون طاقة مُنظِّمة لهذا الإشباع. ولأن ذلك مستحيل أيضاً في طبيعة الإنسان والعقل والإشباع عمدوا إلى وضع صِيَغٍ كلاميةٍ سموها قوانين وأنظمة لتنظيم تحقيق هذا الإشباع. ولأن ذلك أيضاً مستحيل في الإشباع والإمكانيات انتقلوا إلى موضوع الحريات فأطلقوها. ولأن ذلك مستحيل في حياة المجتمع حوَّلوا القوانين والأنظمة في تنظيم الإشباع أو تحقيق الإشباع إلى قوانين وأنظمة تضبط الحريات وتقيدها. هذا بدوره ألغى الحريات وحوَّل إنسان الديمقراطية إلى حيوان داجنٍ يرعى في نهاره لينام في ليله.


**(17)- كان يجب أو كان يمكن أن نقول هنا طريقة المفكرين في الثورة الديمقراطية الرأسمالية بدل طريقة الديمقراطية. لكن لأن الفكر هو فكر عام وفكر أساسي فإنه يصبح فكراً عقدياً أو فكرَ مبدأ. هذا النوع أو هذا الفكر في جنسه أنه يتبع أيديولوجية محددة إما أنه يوجدها ابتداءً أو يؤثر فيها مباشرة. لذلك، ولو أنه أساساً انطلق من شخص إلا أنه ينفصل عنه في نموه وتناميه وتأثيره ونتيجته، ليلتحق بالمجرة الفكرية التي من جنسه، أو التي تزداد به نضجاً أو إنضاجاً. فكر الفرد في نشوئه فقط أنه فكرٌ فردي أما في فهم معناه وبحث دوره في سلوك الفرد والمجتمع فإنه يصبح جزءاً من أفكار وجهة النظر في الحياة التي تعلقت به أو تعلق بها. فالوصف الأدق هو التعبير الذي اخترناه في أعلى الصفحة، أو هكذا نظن.

(18)- المنع هنا دائماً يتعلق بعقل الفرد الأوروبي أساسا، أما المسلم الذي تخلى عن إسلامه وأعلن أنه ديمقراطي فهو لم يكن مقصوداً. هو إذا ادَّعى أنه ديمقراطي وهو جزء من نظام حكم يكون كذاباً لأنه لا يوجد نظام حكم ديمقراطي. أما إذا لم يكن طرفاً في حكم فهو أيضاً كذاب في أمر وصادق في أمر. صادق أنه تخلى عن الإسلام ديناً. كذاب أنه ديمقراطي لأنه يدعي شيئاً لا يفهمه. حتى الأوروبي عليه أن يصدق أنه على دين الديمقراطية دون أن يفهم شيئاً من فلسفتها للحياة لأنه إذا فهمها تركها.

(19)- فلاسفة المسيحية لاهوتيوها. عندما احتاجت الكنيسة إلى معانٍ تخالف المعاني الإنجيلية اعتمدت طريقة الفلسفة في التفكير لإنتاج معانٍ من نصوص لا تحتمل هذه المعاني، لكنهم يصمونها أنها مسيحية بعد تمريرها في أقنية التفلسف.

(20)- المبدأ الديمقراطي هو الاسم الأول الأساسي وليس المبدأ الرأسمالي الذي يُعرف به اليوم. ذلك لأن سيطرة رأس المال كانت أبرز أفكار النظام الاقتصادي في المبدأ حيث أن نظرية النفعية هي أحد أبرز أسس النظام الاقتصادي الرأسمالي طغت على بقية أبحاث أو

نقاط النظام. تبعاً لقاعدة يُعرفُ الشيءُ بأبرز ما فيه أضيفت الرأسمالية على الديمقراطية فأصبح اسمه المبدأ الديمقراطي الرأسمالي أو الرأسمالي الديمقراطي عند الذين لا يكترثون للتدقيق. لكن سرعان ما وُجدت آلية عند الدولة للتحكم بالديمقراطية في معناها وممارستها ودورها فكان أن أفقد الكلمة سحرها وليس جوهرها لأنها أساساً كانت كلمة جوفاء لا مادة فكرية لها. بالرغم من استمرار استعمالها للتضليل إلا أن اسم المبدأ الواقعي اليوم أصبح المبدأ الرأسمالي. نحن هنا نستعمل الاسم التضليلي الأول لأن بحثنا فكري يتعلق بعقيدة المبدأ الديمقراطي التي تبقى عقيدته في تغيير واقعه أنه المبدأ الرأسمالي.

(21)- نستعمل غاية الإنسان بصيغة المفرد ونعني غاية الحياة في الإنسان وليس بمعنى أن للإنسان غايات عليه تحقيقها مثل تحقيق طموحه في الوصول إلى منصب أو جمع ثروة أو تكوين عائلة للإنجاب وما هنالك. هذه في حقيقتها غايات للإنسان في إشباع رغباته لكنها ليست جميعها غاية الحياة في الفرد، إذ يستطيع الإنسان أن يحقق إشباع جميع هذه الرغبات دون تحقيق غاية الحياة التي من أجلها وُجد الإنسان. لكن تحقيق غاية الحياة في الإنسان أو غاية الإنسان في الحياة يؤدي حتماً إلى الاكتفاء بالقناعة أن جميع رغباته تم إشباعها في الحياة بالنسبة التي ترضيه دون البحث في كمية تلك النسبة. إذ دور مقاربة نسبة إلى مطلق ينعدم في غياب مقياس مشترك.**

التفريقُ بين الأصل والمظهر أو عدم التفريق أساسٌ في فكر المفكر أنه مفكر في جهلٍ أو مفكرٌ في معرفة. المفكرُ في جهلٍ إذا بلغ به الجهل أن يكتب فكره ويدعو إليه أصبح مفكراً في التضليل بدل مفكراً في جهل. وإذا تحول المفكر في معرفة إلى داعية لفكره أصبح مفكراً في هداية. سبب رفضنا للفكر الغربي الأوروبي الفلسفي وخاصة الأميركي هو عدم فهم طبيعة الإنسان. كيف يكون الإنسان إنساناً دون أن يفهم طبيعته؟ جهلُ المفكر الأوروبي والأميركي في طبيعة الإنسان هو الذي جعله يصف نفسه أنه حيوان. العامة صدَّقت مفكِّرها أنه حيوان، لحاقاً به اقتنع جمهورُ الأوروبيين والأميركيين أنهم حيوانات في حديقة حيوان المفكرِ الذي يقودهم في زي الحيوان الأول؛ عاريا من القيم والفضيلة! حين نظر للمرآة ورأى أنه أول من اكتشف نفسه حيواناً باسم إنسان، تماماً كما حيواناً باسم الذئب، أو حيوانً باسم الثعلب. وشيئاً فشيئاً بدأ تبرير الاتصاف العملي بأفعال الذئب والثعلب، وبذلك تحولت المجتمعات بالجهد المستمر النابع من قناعة الناس في الغرب أنهم حيوانات إلى مجتمعات تبيح كل الأفعال الحيوانية.

**فكرُ المفكرين الغربيين لا يمكن محاجته في طروحاته، لأن الطروحات هي في الفروع. مظاهر الطبيعة مواضيع في الفروع لا في الأصول. دحضُ فكرِ الفروع لا يؤدي إلى دحض فكر الأصول إذا وُجِد وهو عند الغرب نادر في وجوده. أيضاً، لا يؤدي إلى تغيير قناعات الناس. قناعاتُ الناس هي خشبةُ العوم للفرد في المجتمع، وخشبة العوم للمجتمع في الحياة. تمسك الفرد بالقناعات مثل تمسك المجتمع بالقناعات مظهر من مظاهر الخوف من الغرق، أيُّ محاولةٍ لضرب هذه القناعات لن تنجح إلا بفرض موضوعِ أساس هذه القناعات أن يكون هو موضوع البحث. هذا يستحيل دون مفكرين من جنس أولئك المفكرين الغربيين.**عدم التفريق بين حاجة الإشباع ومظهر الإشباع هو الستارة السميكة التي تفصل بين النور والظلام عند الفلاسفة والمفكرين من أي جنس كانوا. حبُّ التملك طبيعة أما حجم التملك، نوع التملك، غاية التملك، كيفية التملك هو فعلُ الطبيعةِ أي مظهرُ الطبيعة أو يتعلق بها. المظهر أو المظاهر يمكن التلاعب بها بالقناعات الفكرية وبمدى نجاح هذا التلاعب يكون الاقتناع بتحقيق إشباع الغاية. مقياس صوابية التلاعب بمظاهر الطبيعة والتوافق مع الإشباع هو تحقق السعادة من إشباع هذه الطبيعة.

شرطُ الفوضى الفكرية أن تكون الأبحاث الفكرية تجري في أمرٍ فرعي دون إحكام ربطه بفكرٍ أساسي. لا يوجدُ عند الإنسان فكرٌ حياتي لا يرتبط بفكرٍ أساسي. إحكامُ الربط يعني البحث الفكري في ضوء الفكر الأساسي لذلك البحث. خطأ أو فسادُ الفلسفة الغربية أن أبحاثها الفكرية الغنية والكثيرة تبحث في الحالة باستقلاليةٍ بل تعتبر فَرْضَ الفصلِ عبقريةً وهو في الواقع شذوذٌ فكري وفي حقيقته جنونٌ فكري. بهذه المعرفة نجحت أجهزةُ الحكم في الأوروبيين في إبطال فاعلية معرفة الفرد الأوروبي بتآمر أميركا على دوره في الحياة أولاً وعلى دوره السياسي ثانياً وعلى مصالحه ثالثاً. لا يمكن الجزم، على الأقل عندنا، أن أجهزة الحكم تقوم بذلك عن وعي لحجم خيانتها لشعبها. رجاحةُ عوامل الجهل أكثر من عوامل الخيانة، مهما كان السبب فإن تحقيق قصد العمل تحقق. **قصد العمل هو أن يكون الموضوع موضوعاً فردياً لا موضوعاً من المواضيع العامة. الفرقُ بين الموضوع الفردي والموضوع العام هو أن الموضوع الفردي لا يؤثر في الرأي العام. الرأي العام هو الذي يفرض التغيير أما الرأي الفردي فلا قيمة له إن لم يصل إلى درجة التأثير في الرأي العام.**أجهزةُ الحكم نجحت في منع الرأي العام من التأثر بالقناعة الفردية عند الفرنسي والإنكليزي والألماني والإيطالي ومن يلحق بهم. لذلك تبقى أميركا في منأى عن تعبيرٍ أوروبي جماعي عما يجيش في نفس الفرد الأوروبي من حسرة في ضعفه وجبنِ حكومته بسياسييها وأجهزتها عن الوقوف بوجه خطة أميركا لتطويعهم واستخدامهم في تطويع غيرهم. وهذا هو برهان القائل أن أجهزة الحكم في الدول الأوروبية تنفذ الخطة الأميركية في السيطرة على مفاصل التفاعل في مفاعل(4) الرأي العام. كذلك، عمل الأجهزة الأوروبية، منع انتشار كراهيةٍ جماعية تكتسح الرأي العام في حظائر الشعوب الأوروبية، كان يمكن أن تقلب موازين قوى الربع الأخير من القرن العشرين.

القلمُ يسطرُ في كثير من الأحيان اتجاهاً في موضوع لم يكن في كلامية الكاتب قصدٌ فيه. وفي هذه المقدمة كثير من الشواهد على ذلك وخاصة، أو منها، موضوع أجهزة الحكم. عنها، أردت أن أضع حاشية في معناها أولاً وفي دورها ثانياً وفي اختلاف نشوئها ثالثاً. عجزت، إرادياً، عن ذلك لأن البحث يستحق بجدارة أن يُقرأ بقياس حرف الكتاب وليس بقياس حرف الحاشية(5). أما أنه يستحق بجدارة فهو لأهميته الذاتية في موقع هذا البحث وليس لعمق البحث، لأن تناوله من أجل فهم موضوع المقدمة فهم إحاطة وليس تناوله من أجل كشف أسراره أو جلاءِ حقائقه أو الإحاطة به كموضوع.


**(4)-كلمة مفاعل ترتبط في أذهاننا بالمفاعل النووي وهي تعني المصنع الذي فيه تتفاعل المواد وهو غير المصنع الذي ينتج مواد. فالاختلاف في طريقة الإنتاج وأدواته لكن ليس في أنه مصنع يُنتج. الرأي العام في أي مجتمع أثبت التاريخ أنه يُحدث التغيير الجذري في حياة المجتمع عندما يجتمع على رأي في ذلك. كما أثبت أنه وراء سقوط أكابر مجرمي البشر الذين حكموا بالبطش والقهر ملوكاً، رؤساءَ جيوشٍ أو رؤساءَ ديمقراطيين منتخبين بنسبة 51 ـ 99%. استعرنا لفظة “مفاعل” لأن الرأي العام في أي بلد أوروبي هو قنبلة موقوتة قابلة للاشتعال إذا أُعيد تفعيل مفاصل التفاعل المعطلة في المجتمع بفضل هيمنة القصد الأميركي على خطة أجهزة الحكم الأوروبي.

(5)- سبب هذا التبرير أن البحث قد يتجاوز الفقرة العادية في عدد أسطرها مما يجعل قراءته بحرف الحاشية وهو بقياس 8 أو 9 أمراً يؤثر في تبرير تحاشيه. أما علاقة ذلك بأهمية البحث فليس ذلك وارداً ولا يجوز أن يرد ذلك. إذ لا يجوز للكاتب أن يكتب مهماً وغير مهم، أو أن يكتب بمسؤولية وبغير مسؤولية، لذلك الحاشية، في رأينا، منبرٌ لفكرٍ في غير موقع الصدر في مسرح الخطاب.**

الأوروبيون في مجموعهم يفهمون هذا لكن هذا الفهم المنتشر بين أكثر الأشخاص عملت أجهزة الحكم الأوروبية، كل في نطاق شعبه، على حصره في صدر الفرد.أجهزة الحكم لم تمنع الفرد الأوروبي أن يفهم أن أميركا تريد تحويله إلى لا شيء في الوجود الحاضر. لكن منعته أن يبحث هذا الموضوع مع غيره. لم تتدخل في قناعة الفرد لكن منعت تفاعل هذه القناعة مع الآخر. نجحت في جعله موضوعاً يتعلق بالفرد لا بالمجتمع. منعته أن يكون موضوعاً عاماً. الموضوعُ العام هو الموضوع الذي يهم الرأي العام. من صفاته أنه موضوع يؤثر في حياة الفرد جماعياً. إذ الإنسانُ في طبيعة فرديته أنه كائن اجتماعي. اجتماعي تعني أنه يحب العيش مع غيره وليس منعزلاً أو منفرداً. هذه طبيعة فيه ما زالت حيةً حتى في إنسان حضارة الديمقراطية الأوروبية، خاصة الأميركية، التي تحاول أن تفرض عليه أن يتحول إلى ذئبٍ متفرِّدٍ في شراسته لا يختلط بغيره إلا بعد دراسة الذئب لقوة وحركة فريسته حتى ينقض عليها انقضاض الموت. وكلما ازداد شذوذُ فكر الفردية في الفرد الأوروبي وخاصة الأميركي نرى في المقابل تحركاً في عاطفة الاجتماع عند الفرد بسبب اضطرار الطبيعة للتوازن مع غيرها.

لذلك، المواضيع التي توصف أنها اجتماعية هي تلك المواضيع التي تؤثر في اجتماع الأفراد بداية. أما المواضيع التي تؤثر في تفريق أفراد الجماعة فهي يجب أن تكون مواضيع غير اجتماعية لأنها تفكك الجماعة بضرب المصالح التي يجتمع عليها الأفراد، وتهدم القناعات التي تفرض اجتماع الأفراد، وتقضي على الرغبة التي تولد مع الفرد في وجوب الائتلاف مع آخرين في الفكر والمصلحة والعلاقة. لكن، في خضم الفوضى الفكرية العارمة في أوروبا وأميركا خاصة، برَّر بعضُ المفكرين جعل موضوع تفريق المجتمع من مواضيع المجتمع. ليس من قبيل بيان خطر عوامل تفكيك المجتمع كما يمكن للبسطاء أن يحللوا بل من قبيل المساواة في قوة حجة الهدم وهو الفردية مع قوة حجة بناء المجتمع وهو التقاء الناس في رؤيةٍ للعلاقة والمصلحة والرغبة.

الفوضى الفكرية العارمة حالة يلزم بيان حجتها حتى يستمر القارئ الرصين في المحافظة على خيط الضوء الذي يلزمه لفهم ما نقول. الفوضى الفكرية لها شرط واحد حتى تتحقق بالفعل والواقع، لكن لها حالات متعددة. الفرق بين شرطها وحالتها أنه لا يمكن معالجتها بدون التعامل مع شرطها. معالجتها تعني القضاء عليها، أي لا يمكن الخروج منها إلا بمعالجة السبب الذي أوجدها والسبب هو واحد وليس عدة أسباب. الذي يقول أن هناك عدة أسباب للفوضى الفكرية هو ذلك الذي لا يفرق بين السبب والحالة. السبب هو شرط الوجود، الحالة هي مظهر الوجود. في توضيح ذلك نأخذ مثلاً التملك. حبُّ التملك في الفرد طبيعةً فيه، لا يوجدُ إنسان لا يوجد فيه حب للتملك. الزهدُ هو فعلُ كبتٍ وليس طبيعةً والكبت للطبيعة يحتاج إلى قوة خارقة من الذات أو من الغير. كلاهما قهر لطبيعةٍ في الفرد. الزاهد يكبت في نفسه الطاقة التي اختار عدم التجاوب معها أي إشباعها. إذا قرر كبتَ حب التملك تخلى عما يملك وعاش دون سعي للمزيد من التملك. لكن حتى هذا يبقى نجاحه نسبياً لا مطلقاً، لأن التملك طبيعة إنسانية وليس اكتساباً فردياً فلا بد من الإشباع ولو بأحطِّ مستوياته. الزهد لا يعني التخلي المطلق عن التملك بل يعني القناعة بالتملك القليل. لذلك نرى الزاهد يحتفظ بثوب يستر عورته ومكانٍ ينام فيه ووعاءٍ يأكل منه. حتى أكثر الزهاد شذوذاً تراه يحمل كوبه لا يشارك به غيره لكن إمعاناً في شذوذه قد يشارك فيه كلبه. مع هذا يبقى الزهدُ شذوذاً أو فضيلةً حالةً مكتسبةً لا طبيعة. لهذا نرى الرأي العام يحتقر من يدعو إلى كبت طبيعةٍ في الإنسان، ويزداد احتقاراً لمن يفرض كبت طبيعة في الإنسان بقوة القهر. مثلاً أكثر الناس المحتقرين في التاريخ الحديث هم لينين وستالين والشيوعيون الذين فرضوا كبتَ عاطفة الأمومة عند النساء. فالأمومة طبيعة في المرأة ليست نتيجة اكتساب معرفة. يليهم في المرتبة بين المحتقرين أولئك المفكرون ـ الفلاسفة ـ الذين دعوا أو يدعون إلى كبت هذه الطبيعة في أنثى الإنسان على رأسهم أفلاطون ومن اتبعه في شذوذ فكره. الطبيعةُ شرط الوجود، أي أن شرط الحياة أن تكون بقانون السعادة حتى تتحقق غاية الحياة(3)، فالتملك والأمومة والبنوة والأبوة وغيره كثير طبيعة وليس مظهراً لطبيعةٍ. الفرق بين الطبيعة والمظهر أن الطبيعة أصل لا يمكن التلاعب فيه، والمظهر حالة يمكن التلاعب فيه.


(3)- قد يتوقف القارئ طويلاً عند هذا القول ويظن أننا نسطره دون إدراك معناه. الحقيقة أننا نقوله كما نقول أي كلمة أخرى بوضوح معناها وبقصد لكن الترجمة في بعض الأحيان واللغات التي نجهلها تضعف الوضوح والقصد. في هذا الموضوع نحن واعون أن الحياة وُجدت وفي شرطها السعادة. الذي يحيا بدون سعادة هو الذي يحيا بغير قانون الحياة. حتى يسعد الإنسان عليه معرفة قانون الحياة أولا. نحن لا نوافق المفكرين الأوروبيين وخاصة الأميركيين الذي يضللون شعوبهم في حقيقة السعادة، رغم إدراكنا أن تضليلهم ليس مؤامرة منهم على الرأي العام بل بسبب حقيقة جهلهم. المفكر الجاهل أخطر على مجتمعه من جيش العدو. لم يبتل الله أمةً بجهل مفكريها مثلما ابتلى أمة المسلمين بمفكريها اليوم. لكن رحمة الله بهم أنه بتراثهم إمكانية قيام مفكرين بحقائق الحياة تنقذهم من تضليل فساد المثقفين بزبالة الفكر الإنساني.

انتصار مع انتصارٍ لم يشف غليل الساسة الذين يرفضون فرحةَ المذاق بعصير الورد ويفضلون مرارة المذاقِ في بول الشيطان، عصيرُ البصل يظنونه. إنهم يريدون انتصاراً دون توافقٍٍ مع “الأسرة الدولية” التي فرضوها لتكون عصا البطش بأيديهم. يريدون انتصاراً بدون مساومات دولية تراعي حاجة الأوروبيين إلى هواء يتنفسونه، خاصة أولئك أجداد بوش وكلينتون. انتصارُ أميركا بدون مساوماتٍ أو مراعاةِ خواطرِ الأسرة الدولية التي أصبحت دميةً أكثر تطلباً للاستمرار بعطاءات الخضوع للسياسات الأميركية أصبح ملحاً عندهم. فلو لم يكن ملزماً في حرب الخليج لاستطاعت أميركا احتلال العراق أبدياً كما تفعل في أفغانستان. بذلك كانت تستطيع إعادة تشكيل “الأمة” في العراق كما تحاول أن تفعل في أفغانستان إيجاد أمة بدون حضارة الإسلام وبدون حضارة الديمقراطية بالطبع ولو أصبح الحكم انتخابيا. بذلك تجعل من أهل أفغانستان كما تريد أن تفعل بأهل العراق زبالةً بشريةً بين شعوبِ الأرض مثالاً على جنس المسلمين في مستقبلهم.

في هذا المجال وجد الساسة الكبار فيها حاجة أميركا للانعتاق من الأعراف الدولية التي تضبط انحرافها الوحشي في استعمال قوتها. لقد استعملت “الأسرة الدولية” في بداية مخططها للسيطرة على العالم لأنها كانت هي خارج الأسرة الدولية التي تستعمر وتسيطر على سياسة الدول. **الأسرة الدولية وأعرافها وقوانينها كانت كلها أوروبية على رأسها بريطانيا وفي وسطها فرنسا والباقي أيدٍ وأرجل وأصابع في اليدين والقدمين لكن بدون أذنين ولسان.**أميركا نجحت بخطة مشاركة “الأسرة الدولية” أن تطرد بريطانيا وفرنسا من بلاد كثيرة لتنفرد ببسط سيطرتها المطلقة على أكثر دول الأرض. لكنها في كثير من الأحوال تضطر إلى خداع الدول الأوروبية والمناورة عليهم حتى التآمر عليهم وعلى مصالحهم. هذا كان يضطرها في كثير من الأحوال أن تكون متهمة في الأعمال التي تضرب مصالح شعب بريطانيا أو أمة فرنسا أو أوروبا مجتمعة. في أحوال كثيرة أيضا كانت تضطر لاصطناع خلافات مع حكومات أو منظمات عميلة لها لخداع الأوروبيين والظهور بمظهر البريء من التآمر عليهم. كما حصل في ثورة الضباط على الجيش الإنكليزي في مصر وثورة المشايخ على الشاه في إيران وثورة المليون شهيد لإخراج فرنسا من الجزائر، وغيرها لا يمكن حصره هنا. كل هذه الثورات كانت أميركا وراءها لضرب النفوذ الإنكليزي أو الفرنسي. لكن أميركا لم تستطع أن تظهر بوضوح أنها وراء هذه الثورات حرصا على مركز الزعامة للأسرة الدولية التي كانت تخونها في كل صباح ومساء. في أحيان كثيرة كانت أميركا تحرك هؤلاء العملاء ليجهروا بعدائهم لأميركا حتى يكون ذلك شهادة براءة من الواقع أنها لا تغدر بالأوروبيين.

محافظة أميركا على عفتها في العلن يضطرها إلى كثير من اللف والدوران الذي يستغرق وقتا ومجهوداً جبارا. ضرره أنه يمنعها من التقدم بما يتزامن مع طاقتها في التقدم. يجدون أن حال أميركا في كثير من الأمور الدولية أقل أو أضعف بكثير من حجم أو قدرة أميركا الدولية. مثلاً أطراف الصراع في موضوع قبرص هم الأتراك واليونان. مضى على أميركا عشرات السنين وهي تحاول تسوية قضية قبرص دون جدوى. أطراف النزاع على المسرح لا شيء ولا بأي نسبة في القياس يقاربون حجم أميركا الدولي في أي شيء. لكن حسابات العمل الدولي من ضمن مجموعة دولية متعددة المصالح يُبطِلُ هذا التمايز الأميركي عن بقية الدول خاصة أعضاء **“الأسرة الدولية”**وهم دول أوروبا الكبرى. مثل موضوع قبرص العشرات من القضايا الدولية العالقة التي لم تستطع أميركا التأثير في حلها. حتى تلك التي تدعي أنها كانت سيدة الأمر فيها خرج الأمر من يدها بعد أن رعت حلها مثل موضوع تفكيك يوغوسلافيا وحرب البوسنة. ومثل كامب ديفيد الذي أرادته بين العرب وإسرائيل فإذا به يتحول بين عميل لها ومتمردٍ عليها. ومثل موضوع ثورة الأكراد وما آلت إليه في مصير أوجلان وحزب العمال الكردستاني الذي كانت تموله وتزوده بالسلاح والمعلومات. ومثل ثورة السودان حتى اليوم، وكثير كثير غيرها. جميع هذه الأمور لم تنجح فيها أميركا لاضطرارها للتخفي في مساعدة عملائها خوفَ أن تكتشف شعوب أوروبا غدر أميركا بهم وبمصالحهم.

الأوروبيون كانوا يعرفون جيداً خيانة أميركا لهم وتآمرها عليهم منفردين ومجتمعين. لكنهم لم يجرؤوا على فضح أميركا أمام شعوبهم. هم أيضاً كانوا يخونون سيدتهم، خيانتهم كانت أقل خطراً من خيانة أميركا لهم. أميركا تستطيع سحقهم، هم يعلمون. هم في جمعهم أو تفرقهم لا يقدرون على أكثر من خدشِ أميركا في مصالحها مهما حاولوا، هذا أيضاً يعلمونه.

لذلك ارتضوا أن يخضعوا لأحكام دور الخيانة التي كانت تفرضها أميركا. مع مرور الزمن، نصف قرنٍ من السنين، وجدت أميركا أن أحكام التآمر التي فرضتها هي لن تسمح لها بالسيطرة المطلقة على دول الأرض إلا بعد مائة سنة على أقل تقدير. إذ لن تستطيع أميركا إخراج بريطانيا وفرنسا من الدول التي تحافظ فيها على المصالح الأوروبية بحسب معدلات النجاح في خمسين سنة مضت إلا بعد مائة سنة. بعض خبرائها يقولون أنها لن تستطيع ذلك حتى ولا بعد ألف عام.

هذا اضطر أميركا إلى التفكير بتغيير قواعد التآمر الدولي في تصفية النفوذ البريطاني والفرنسي لضرب المصالح الأوروبية في استقلاليتها أولاً. ثم للإمساك بخناق أوروبا مجتمعة ومنفردة حتى التحكم بمقدار الحاجة للهواء، حجم الغذاء ـ وهو المصالح ـ، وفاعلية الدواء ـ وهو حرية القرار ـ في أي موضوع سياسي، تجاري، مالي وأمني.