22 ?في الحملة العالمية للتشويش الفكري لتمرير الدجل الفكري يبرز بين الحين والآخر مفهوم على لسان إحدى المنظمات العالمية وكلها تابعة لأميركا مباشرة أو عبر الأمم المتحدة أو المنظمات الإقليمية، لإثبات أن ليس كل شيء كما تريده أميركا. غرض هذا الفرد أو المنظمة أولاً استرجاع مصداقيتها التي ضاعت بظهورها كداعم مطلق لحق أميركا بقتل الآخرين وإن كان بزعم إرهابٍ غير موجود أصلا إن لم تدعمه هي أو حليفتها بريطانيا. وثانياً تضييع الناس؛ شعوب الأرض، في حقيقة الموقف. أميركا تعتقل المئات وترسلهم إلى حظيرة في قاعدة عسكرية تغتصبها دون اتهام بل بحجة الحصول منهم على معلومات عن المتهم، عن أفكاره وميوله ومقاييس طموحه لا مقاييس جسده التي استطاعوا معرفتها بعبقرية خارقة من صورته في الإعلام المرئي. دون السماح بوجود مستشار قانوني لأي من المتهمين أثناء التحقيق، وهو المفخرة التي كانت تتباهى بها عبر نصف قرنٍ من برنامج دعائي لتعميم ناموس أميركا في العدل وتقديس الحرية الفردية. بعد أن داست أميركا على كل مفاخرها ومثلها وقيمها وهشَّمت وقبَّحت صورتها بسلاحها الأقوى، رأى أحد أبواق النطق في المسرح العالمي سكرتير الأمم المتحدة أن تشويه صورة أميركا عند العالم أصاب منظمته. إخلاصاً منه لأميركا، وإيمانا منه أنها قادرة على إعادة تجميل تلك الصورة قرر النطق بنصيحة لأميركا. غاية تلك النصيحة ليس إنقاذ أميركا بل إنقاذ منظمته من وصول التشويه القاتل إليها لتستطيع بالحد الأدنى من مصداقية أن تكون أداة مساعدة لأميركا عندما تريد ذلك. أذاع بوق منظمة الأمم المتحدة ورددت الأبواق الإعلامية كلها: لا يمكن مبادلة الحرب ضد الإرهاب بحقوق الإنسان والديمقراطية." جاء تصريحه هذا يوم السبت 19/1/2002 مباشرة بعد تسليم الستة الذين حكمت المحكمة العليا في البوسنة ببراءتهم من أي تهمة. وبعد قتل ما يزيد على خمسة عشر ألف مسلم في بيوتهم المبنية من الطين، وبعد صدور لوائح اتهام عشرات وعشرات دون دليل بحجة عدم تعريض المخبر للخطر. تصريحه في توقيته وغايته ليس الحفاظ على أكذوبة حقوق الإنسان والديمقراطية أنها خشبة خلاص الإنسانية. هذه المقولة يعلم هذا الطويل في قامته أنها سقطت في مستنقع الأفكار العفنة عند جميع المفكرين في العالم الغربي والإسلامي. لكنه يقولها لنقل موضوع اهتمام الرأي العام الإسلامي في هذا الظلم العجيب إلى اهتمامه بالرأي العام الغربي العجيب بحقوق الإنسان والديمقراطية بقدر ما يلزم في حملة تضليل شعوبهم للانقياد السلس لحكوماتهم. فالخطر على الغرب أن تنكشف حقيقة فظاعة جريمة حكوماته في تضليل شعوبها في موضوع الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية.
23 - معركة العالم ضد الإرهاب فرضت مسرحاً دولياً جديداً في كثيرٍ من المعايير والأمور. أحد هذه المعايير: ما يحق لأميركا لا يحق لغيرها. بدون أي دليل، ولو واحد يثبُتُ في أي محكمةٍ تمَّ اتهام ومحاكمة وإصدار حكمٍ على حكومةٍ وشعبٍ وميليشيا. لكن خطة تنفيذ الحكم كانت خطة انتقام من جميع شعوب الأمة الإسلامية، وفرضت تدمير شعبٍ لمجرد حاجة أميركا إلى من تجعله هدف انتقامها في تبرير خطة السيطرة المباشرة على أجهزة الأمن في بلاد المسلمين. بهذا ولهذا أوجدت وعممت قاعدة مشروعية محاربة وتدمير الدولة التي ينطلق منها “الإرهابي”، ولو هي اصطنعت هذا الإرهابي!
فجأة قامت مجموعة بتدمير مبنى برلمانٍ هندي وقُتل بضعة عشر نفراً في الحدث. بالأدلة والإثباتات ادَّعت الهند أنهم باكستانيون من منظمات تعمل في المسرح الباكستاني الذي تُمسك المخابرات الباكستانية بجميع أطراف اللاعبين أشباه الدمى المتحركة بحسب شدِّ حبالها أو إرخائها. حسب القانون الدولي الجديد للعلاقات الدولية الذي فرضته أميركا يحق للدولة فريسة الإرهاب الانتقام من الدولة حاضنة وحامية المنظمة وإن كانت الدولة لم تدبر، مباشرة أو غير مباشرة، هذا العمل. قامت الهند بالتعبئة العسكرية لمعاقبة باكستان. لكن أميركا جنَّ جنونها أنَّ أحداً في العالم يصدق أن قانون أميركا العالمي هو قانون للجميع. حاولت مع الهند بكل وسائل الإقناع لثنيها عن خطتها. لكن الهند وقد اتفقت مع إسرائيل على هذه الخطة ومع أسياد إسرائيل لم تخضع للضغط الأميركي بل دأبت على التصريح اليومي رفضها الوساطة الأميركية في أي شكل وعلى أي مستوى. عندها لم تر أميركا بداً من إفهام الهند حقيقة دورها الطفيلي في السياسة الإقليمية قبل الدولية. صدر التصريح الرسمي: إن أميركا لن تسمح بالحرب بين الهند وباكستان. بعد هذا التصريح انقلب موقف برويز مشرف “صقر” جيش باكستان الذي أمضى أسابيع في التذلل والتسليم بكل مطالب الهند. أعلن بلهجة الأبطال من الرجال في حديث متلفز بثته أميركا ليومين متتاليين عبر قناة cnn يومي الجمعة والسبت في 18 و19/1/2002 ما نصه: إنني فعلت أكثر مما يجب! يعني مما طلبته الهند استرضاءً لها، لكنه انتهى من ذلك بعد وقوف أميركا ضد الهند في التصعيد. تغيرت ملامح وجهه من ملامح الخائف الذي ركبه العار إلى ملامح المقدام الجريء صاحب الحق الذي يحافظ على كرامة الشعب. وبدأت الهند في محاولة الحفاظ على موقعها المتعالي والمتعاظم وهو بداية التقهقر. لكن إلى موعدٍ آخر حيث تكون الضغوط الأميركية قد أفلست من حجتها فلا يكون لها من سبيل غير المقايضة لإنقاذ ماء وجهها من قدرة الهند على ابتزازها.