نبقى في بحث عناصر العمل وهي المبرر، رجال العمل، فكر الخطة، قوى العمل. حتى لا يكون الكلام عاماً نبدأ في بحث موضوعٍ في خطة أميركا اليوم في هذا الزمن التي أطلقت هي عليها اسم “أميركا في حرب”. سأل رجل الثلج رئيس “أميركا في حرب”:مع من سيدي الرئيس؟ بعد كل هذه الشهور من إصرار الرئيس أن أميركا في حرب، وبعد ملايين الكلمات التي لاكها لسانه وكل الأيمان الغليظة التي أقسم بها أن يعتقل “الإرهابيين” يفاجئه هذا السؤال. ليس لأن الرجل طوال هذه الشهور لم يسمع جواب الرئيس بل لأن الرئيس بوش وجد نفسه أنه بحاجة إلى تكرار مقولته **“أميركا في حرب مع الإرهابيين”**بعد أن أذاعتها محطات التلفزة 10078 مليون مرة(8) . قهقه الرئيس بحماس ظاهر حتى وضع يده على اسفل بطنه (9) . وأحنى قامته كأنه يريد أن يُخرج ما في بطنه. هدأ واستقام واستعاد جديته وسأل سائله: ألم تعلم أن أميركا في حرب أيها الأميركي الأحمق؟ أجاب الأميركي الذي لم يكن أحمقاً بل كان أحمراً: “أعلم سيدي الرئيس، أريد أن تقول لي مع من وأين حتى أتطوع في حملةِ قتله”. عادت القهقهة من بطن الرئيس حتى استقام ثانية وقال وعيناه قد انتصف إغلاقها وبدتا لؤلؤتين أكثر منهما بصّارتين: **كيف لي أن أعرف، ارحل عني، اذهب إلى دونالد رامسفيلد ربما يقتلك إذا سألته"**وانفجر في القهقهة ثانية. عندما سمع حارس الأمن اسم رامسفيلد هرع إلى الرئيس ليتأكد أن الرئيس لم يفضح وزير “أميركا في حرب” وسأله: "هل قلت شيئاً سيدي الرئيس"أجاب:“لا، أرسلته إلى دونالد هدفاً سهلاً ليطلق عليه صاروخاً، عنده كثير يريد تفجيرها، لكن هذا غير مسلم! يا ربي أطلبه بالهاتف الجوال ?”
هذه ليست قصة حادثة تشاهدها حضرة القارئ للتسلية، في حقيقتها سر فشل خطة أميركا في محاولة مصادرة حق الأوروبيين بالعيش أحراراً بدون طوق العبودية الذي يلف شعوب العالم الثالث. البحث في المبرر لا في رجال العمل، والبحث في قوى العمل لا في فكر الخطة. مبرر أميركا في مؤامرة “اختطاف أوروبا أو اختطاف العالم” مصطنع. لم يصدر عن رجلٍ عنده عقل يعمل في موطنه، جمجمة رأسه، إلا وقال إن “عاصفة الطائرات” في أيلول حادث مصطنع، لا أحد يمكنه القيام به إلا السلطة التي تسيطر على الاتصالات والسلام الجوي الأميركي. لا يوجد عاقل إلا واعتبرها جريمة نكراء يلزم محاكمة منفذيها. وحدها الحكومة ترفض محاكمة منفذيها. مبررُ أميركا غامضٌ في عناصره. تقول إن التفجير عملٌ إرهابي إسلامي، قال المسلمون لها لكن الإسلام في فكره وأحكامه يمنع قتل الأبرياء في هكذا عمل وأسلوب وظرف. قالت إذن هم إرهابيون مسلمون لكن جميع المسلمين مسؤولون مباشرة بأموالهم وأرواحهم. أذاعت أميركا 19اسما في لائحة قالت إنهم إرهابيون مسلمون فجَّروا أنفسهم في تفجير الطائرات. تسعة منهم صرخوا من زوايا الأرض السبعة أنّا نحن هنا أحياء منذ شهر وسنة وثلاث سنوات. لم تعتقل الأحياء ممن قالت إنهم أموات، لم تتراجع عن لائحتها، لم تخجل من فعلتها في العلن، حتى ينسى العالم ضعف حجتها في مبررها “تفجير الطائرات” بدأت في حرق جثثِ أحياء المسلمين في أفغانستان. التعجيل في قتل المسلمين في أفغانستان في أهدافه الحيوية بدء مسيرة احتلال بلاد المسلمين حيث أوروبا ـ بريطانيا وفرنسا ـ صاحبة نفوذ فيها تخضع لأجواء عصبيةٍ تقضي بفرض الصمت المطلق على أي معارض لخطة “اختطاف العالم”، أو حتى غير مصدقٍ لائحة الاتهام الأميركية.
قوة المبرر إما ذاتية تكون في حجته قولاً وبرهانه عملياً، أو مصطنعةً مفروضةً من قوة أقوى من قوة الطرف الآخر. قوةُ المبرر إذا كانت ذاتية صادقة الفكر والبرهان تكون ينبوع قوة دائمٍ للدولة التي وقع بيدها. أما إذا كان المبرر مزوراً في إيجاده وواقعه وهو ما نسميه مزوراً في فكره أو حجته، ومزوراً في برهانه وهو يعني دليله وحيثياته وظروفه فإنه يكون كعبَ أخيلليس دائم.
كعبُ أخيلليس يذكِّرنا بالخرافات والأساطير الإغريقية والرومان الآلهة وأباطرة الرومان. يتذكر القارئ أساطير الإغريق فيضحك من سخافة إنسان الإغريق الذي كان منه فيلسوف وفلكي وغبي لم يقبل أن يحجب الإسكندر عليه نور شمس في ثوانٍ يستزيد بها معرفة. هل يكون صاحب معرفة مَنْ لا يشارك فيها غيره؟ هل يكون صاحب مالٍ من لا يُنفقه؟ نعم، بعضكم يقول، الحمار يحمل ذهباً لا ينفقه! الحقيقة تقول إن الحمار لا ينفق ذهبه لأنه ليس في طبيعة استطاعته أما الإنسان ففي طبيعته القدرة على إنفاق ماله. إذا خالف طبيعة قدرته يكون قد قرر العيش بطبيعة الحمار(10) . هكذا حال المفكر الذي يمنع الآخرين من فكره. هذا حال القوي الذي يفرض مبرراً مزوَّراً في فكره وواقعه. الذي يصطنع نفسه في سلوكه حماراً هو الذي يقوم بتشويه طبيعته أو تشويه مظهرٍ من مظاهر طبيعته أو يفرض على غيره تشويهاً في الطبيعة أو مظهرها.
**(8)- هذا هو قيمة رقم مؤشر أسهم داو النيويوركي بالنقاط وليس بالدولار وهو رقم سجله في تسلسل هبوطه حتى بلغه يوم الإثنين.
(9)- قريباً من المكان الذي كانت تحبه مونيكا في بطن رئيس منهم.
(10)- الحمار هو حيوان اشتهر عند الإنسان بكمال أوصاف مظاهر الغباء في بشاعة لفظه وعدم تجاوبه مع أوامر سيده وظهوره في عمله أنه لا يعلم لماذا يعمل، أي لا يعلم بفائدته. لذلك، إذا أراد أحد الناس الأقوياء إهانة غيره يصفه بالغباء يقول عنه حماراً، عادة بعد هذه الإهانة يستعد الطرفان للعراك المادي. غير أن هذا التراث في أمم الإنسان لم يصل أميركا بسبب المحيط الأطلسي والباسيفيكي. أحد الحزبين الحاكمين لا أدري ـ دون الرجوع إلى الموسوعة ـ أيٌّ منهما اتخذ الحمار شعارهُ الوطني. الأميركي يتفاخر في قوله إنه وحده يتخذ الحمار مثلاً أعلى له في حياته من دون بقية البشر، بغض النظر عن نجاح وصول صاحب صورة حمار الحزب إلى البيت في المزرعة أو المدينة أو إلى مكب النفايات.**