11 أيلول اختطاف العالم خطة أميركية

نبقى في بحث عناصر العمل وهي المبرر، رجال العمل، فكر الخطة، قوى العمل. حتى لا يكون الكلام عاماً نبدأ في بحث موضوعٍ في خطة أميركا اليوم في هذا الزمن التي أطلقت هي عليها اسم “أميركا في حرب”. سأل رجل الثلج رئيس “أميركا في حرب”:مع من سيدي الرئيس؟ بعد كل هذه الشهور من إصرار الرئيس أن أميركا في حرب، وبعد ملايين الكلمات التي لاكها لسانه وكل الأيمان الغليظة التي أقسم بها أن يعتقل “الإرهابيين” يفاجئه هذا السؤال. ليس لأن الرجل طوال هذه الشهور لم يسمع جواب الرئيس بل لأن الرئيس بوش وجد نفسه أنه بحاجة إلى تكرار مقولته **“أميركا في حرب مع الإرهابيين”**بعد أن أذاعتها محطات التلفزة 10078 مليون مرة(8) . قهقه الرئيس بحماس ظاهر حتى وضع يده على اسفل بطنه (9) . وأحنى قامته كأنه يريد أن يُخرج ما في بطنه. هدأ واستقام واستعاد جديته وسأل سائله: ألم تعلم أن أميركا في حرب أيها الأميركي الأحمق؟ أجاب الأميركي الذي لم يكن أحمقاً بل كان أحمراً: “أعلم سيدي الرئيس، أريد أن تقول لي مع من وأين حتى أتطوع في حملةِ قتله”. عادت القهقهة من بطن الرئيس حتى استقام ثانية وقال وعيناه قد انتصف إغلاقها وبدتا لؤلؤتين أكثر منهما بصّارتين: **كيف لي أن أعرف، ارحل عني، اذهب إلى دونالد رامسفيلد ربما يقتلك إذا سألته"**وانفجر في القهقهة ثانية. عندما سمع حارس الأمن اسم رامسفيلد هرع إلى الرئيس ليتأكد أن الرئيس لم يفضح وزير “أميركا في حرب” وسأله: "هل قلت شيئاً سيدي الرئيس"أجاب:“لا، أرسلته إلى دونالد هدفاً سهلاً ليطلق عليه صاروخاً، عنده كثير يريد تفجيرها، لكن هذا غير مسلم! يا ربي أطلبه بالهاتف الجوال ?”

هذه ليست قصة حادثة تشاهدها حضرة القارئ للتسلية، في حقيقتها سر فشل خطة أميركا في محاولة مصادرة حق الأوروبيين بالعيش أحراراً بدون طوق العبودية الذي يلف شعوب العالم الثالث. البحث في المبرر لا في رجال العمل، والبحث في قوى العمل لا في فكر الخطة. مبرر أميركا في مؤامرة “اختطاف أوروبا أو اختطاف العالم” مصطنع. لم يصدر عن رجلٍ عنده عقل يعمل في موطنه، جمجمة رأسه، إلا وقال إن “عاصفة الطائرات” في أيلول حادث مصطنع، لا أحد يمكنه القيام به إلا السلطة التي تسيطر على الاتصالات والسلام الجوي الأميركي. لا يوجد عاقل إلا واعتبرها جريمة نكراء يلزم محاكمة منفذيها. وحدها الحكومة ترفض محاكمة منفذيها. مبررُ أميركا غامضٌ في عناصره. تقول إن التفجير عملٌ إرهابي إسلامي، قال المسلمون لها لكن الإسلام في فكره وأحكامه يمنع قتل الأبرياء في هكذا عمل وأسلوب وظرف. قالت إذن هم إرهابيون مسلمون لكن جميع المسلمين مسؤولون مباشرة بأموالهم وأرواحهم. أذاعت أميركا 19اسما في لائحة قالت إنهم إرهابيون مسلمون فجَّروا أنفسهم في تفجير الطائرات. تسعة منهم صرخوا من زوايا الأرض السبعة أنّا نحن هنا أحياء منذ شهر وسنة وثلاث سنوات. لم تعتقل الأحياء ممن قالت إنهم أموات، لم تتراجع عن لائحتها، لم تخجل من فعلتها في العلن، حتى ينسى العالم ضعف حجتها في مبررها “تفجير الطائرات” بدأت في حرق جثثِ أحياء المسلمين في أفغانستان. التعجيل في قتل المسلمين في أفغانستان في أهدافه الحيوية بدء مسيرة احتلال بلاد المسلمين حيث أوروبا ـ بريطانيا وفرنسا ـ صاحبة نفوذ فيها تخضع لأجواء عصبيةٍ تقضي بفرض الصمت المطلق على أي معارض لخطة “اختطاف العالم”، أو حتى غير مصدقٍ لائحة الاتهام الأميركية.

قوة المبرر إما ذاتية تكون في حجته قولاً وبرهانه عملياً، أو مصطنعةً مفروضةً من قوة أقوى من قوة الطرف الآخر. قوةُ المبرر إذا كانت ذاتية صادقة الفكر والبرهان تكون ينبوع قوة دائمٍ للدولة التي وقع بيدها. أما إذا كان المبرر مزوراً في إيجاده وواقعه وهو ما نسميه مزوراً في فكره أو حجته، ومزوراً في برهانه وهو يعني دليله وحيثياته وظروفه فإنه يكون كعبَ أخيلليس دائم.

كعبُ أخيلليس يذكِّرنا بالخرافات والأساطير الإغريقية والرومان الآلهة وأباطرة الرومان. يتذكر القارئ أساطير الإغريق فيضحك من سخافة إنسان الإغريق الذي كان منه فيلسوف وفلكي وغبي لم يقبل أن يحجب الإسكندر عليه نور شمس في ثوانٍ يستزيد بها معرفة. هل يكون صاحب معرفة مَنْ لا يشارك فيها غيره؟ هل يكون صاحب مالٍ من لا يُنفقه؟ نعم، بعضكم يقول، الحمار يحمل ذهباً لا ينفقه! الحقيقة تقول إن الحمار لا ينفق ذهبه لأنه ليس في طبيعة استطاعته أما الإنسان ففي طبيعته القدرة على إنفاق ماله. إذا خالف طبيعة قدرته يكون قد قرر العيش بطبيعة الحمار(10) . هكذا حال المفكر الذي يمنع الآخرين من فكره. هذا حال القوي الذي يفرض مبرراً مزوَّراً في فكره وواقعه. الذي يصطنع نفسه في سلوكه حماراً هو الذي يقوم بتشويه طبيعته أو تشويه مظهرٍ من مظاهر طبيعته أو يفرض على غيره تشويهاً في الطبيعة أو مظهرها.


**(8)- هذا هو قيمة رقم مؤشر أسهم داو النيويوركي بالنقاط وليس بالدولار وهو رقم سجله في تسلسل هبوطه حتى بلغه يوم الإثنين.

(9)- قريباً من المكان الذي كانت تحبه مونيكا في بطن رئيس منهم.

(10)- الحمار هو حيوان اشتهر عند الإنسان بكمال أوصاف مظاهر الغباء في بشاعة لفظه وعدم تجاوبه مع أوامر سيده وظهوره في عمله أنه لا يعلم لماذا يعمل، أي لا يعلم بفائدته. لذلك، إذا أراد أحد الناس الأقوياء إهانة غيره يصفه بالغباء يقول عنه حماراً، عادة بعد هذه الإهانة يستعد الطرفان للعراك المادي. غير أن هذا التراث في أمم الإنسان لم يصل أميركا بسبب المحيط الأطلسي والباسيفيكي. أحد الحزبين الحاكمين لا أدري ـ دون الرجوع إلى الموسوعة ـ أيٌّ منهما اتخذ الحمار شعارهُ الوطني. الأميركي يتفاخر في قوله إنه وحده يتخذ الحمار مثلاً أعلى له في حياته من دون بقية البشر، بغض النظر عن نجاح وصول صاحب صورة حمار الحزب إلى البيت في المزرعة أو المدينة أو إلى مكب النفايات.**

**11 أيلول

اختطاف العالم

خطة أميركية

يوسف بعدراني

حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف

28-9-2002**

نجاح خطة أميركا يعتمد على نجاحها في التخلص من شروط الالتزام الدولي ومن علاقاتها أو قواعد علاقاتها مع حلفائها أولاً قبل نجاحها في استعداء العالم. أما نجاحها في استعداء عملائها فأمر مسلّم به، وهو أمر ضروري لتوجد مبرر ضرب أي بلد مهما كان مطيعا في تبعيته أو متمردا. في خطتها إعادة صياغة لكثير من دوائر الحكم في بلاد المسلمين.

إنّها خطة جديدة في غزو العالم؛ إنّها مرحلة جديدة في الانفراد بالسيطرة على العالم دون عون أو مشاورة أو معرفة أي دولةٍ في العالم خاصة الأوروبية وبالأخص بريطانيا. هذا هو السر في قول رئيس روسيا الذي لم يكشفه عندما قال قوله(1). أميركا تريد أن تكون وحش العالم الذي يقتل ولا يوجد من يمنعه لانعدام القوة في غيرها؛ أو أن تكون مجنون العالم الذي لا يوجد فيه من عنده العقل ليقف بوجه جنونها. أميركا تريد التفرد بالسيطرة على العالم لا أن تكون المسيطر الأكبر على ثروات العالم. التفرد وحده يحوّل أمثال توني بلير أو الذين يأتون بعده إلى دور ناظر ملعب المدرسة، ويحوّل دور المستشار أيا كان إلى دور مختار، ودور رئيس فرنسا إلى ما يشبه دور مدير نادي الليدو. أما رئيس روسيا فأقل من رئيس جورجيا ورئيس الصين يساوي رئيس تايوان. هذا التفرد هو الذي يسمح لها بقتل صدام وتقسيم العراق وتركيا. وهو الذي يسمح لها بالقضاء على نسل عبد العزيز وتقسيم بلاد المسلمين الواحد تلو الآخر. غاية خطة أميركا بالتخلص من قيود السياسة الدولية تؤدي إلى فرض السياسة الفردية بالأمر الواقع. غايتها تحويل علاقة إنسان بإنسان إلى علاقة قاتل بإنسان أو علاقة لص بإنسان أعزل يسير على عكاز!.

خطة أميركا في السيطرة على العالم منفردة تقتضي أن تقف دول العالم البارزة في منطقتها بوجهها. هكذا نرى أميركا تستعدي أخلص حلفائها في المنطقة التي تريد ضرب بلد فيها. تفرض على أخلص عملائها مهاجمة ضعف الحجة الأميركية وسياستها العدوانية وكذبها على الشعوب. تعطيهم المبرر تلو المبرر بل تدوس كرامتهم وكرامة شعوبهم(2) لاستفزازهم للوقوف بوجهها ووجه خطتها. أميركا تصطنع أعداء من عملائها لتبرز تفردها بقتل من تريد ولتحتل البلد الذي تريد. أميركا في خطة التفرد بالسيطرة على العالم تحتاج إلى أعداء تقتلهم باستمرار وإذا لم تنجح في إيجاد حالة عداء دولية لها تفشل في صنع من تقتله وتفشل في مبرر احتلال البلد الذي تريد. لذلك نجد أخلص عملاء أميركا أكثرهم هجوما ومعارضة وربما عداء لسانيا لها. يهاجمونها بكل العبارات والحجج الإعلامية ثم يقفون بالصف ينتظرون مقابلة " كرزاي " يتبرعون له ويعتبرونه " بطل " الإنقاذ و" رجل " الاستقرار و" أمل " السلام ويصرحون أنّهم يدعمون مسيرته(3)!. أخلص عملاء أميركا تراه يقف ضد أميركا وضد خطتها بضرب العراق. هل يستطيع عميل استخبارات أن يكون عدواً لإدارة الجهاز وللجهاز وخططه إن لم يكن ذلك الموقف جزءاً من خطة إدارة الجهاز؟

حالة العداء العالمي لأميركا هي خطة أميركا لبعث الحيوية في أميركا الدولة وسياستها الدولية وفي مؤسستها العسكرية. بعث الحيوية هو حجر الزاوية في سياسة أميركا العدوانية تجاه دول هذه الكرة الأرضية أو أجهزة الحكم على شعوبها.

جميع إجراءات الحكم الأميركي بعد 11/9 كانت تنصب على بعث الحيوية في ألوية الجيش الأميركية لا في الأمة الأميركية ولا في المجتمع أو الفرد. لذلك نرى جميع إجراءاته ليس لها علاقة بالحدث نفسه ولا يأتي الحكم وسلطاته على ذكر حادثة التفجير في 11/9 إلا بالإشارة ليكون المبرر في تحريك الآلة العسكرية. جميع الإجراءات وردود الفعل الرسمية الأميركية كانت تهدف إلى توجيه الشعب لتأييد ترتيبات وخطط تحريك وتشغيل الآلة العسكرية قبل تحديد مجال العمل. فرض الكرة الأرضية كمجال عمل للقوات الأميركية ليس تحديدا لمجال عمل بل إعلان احتلال العالم بدون عمل. هذا القول لا يعني أنّهم يريدون احتلال العالم هذا العام بل يعني أنّهم يريدون أن يضربوا بلدا ويحتلوه ليس لخوفهم منه بل ليبدؤوا باحتلال العالم منه.


**(1)-مع هذا القول بدا الناس في وصف رئيس روسيا أنّه " فروج " روسيا. في هذا القول يفصح أنّه لم يعد لروسيا دور في العالم. في الماضي كان يطالب بدور لروسيا يتناسب مع حجم قوتها لا مع حجم ذكائها أو غبائها! في هذا التصريح تخلى عن المطالبة بأي دور. لكن قوة الرئيس بوتين ارتبطت ليس بدور روسيا بل بدوره في منع الفروج الأميركي من الوصول إلى أسنان أهل روسيا. ظهور قوة الرئيس في موضوع الفروج وتخليه عن قوة روسيا الدولية أوحى بلقب " فروج روسيا " في الفكر الكاريكاتوري. لكن يبقى هذا اللقب خاصاً به وليس بكل رئيس لروسيا. اللقب السابق كان " دبّ روسيا "، دائما نعوت بأسماء لا يعرف في أصحابها ذكاء.

(2)-أو ما تبقّى منها، لأن ليس للحاكم العميل كرامة وليس للشعب الذي يحكمه عميل طوعا أو كرها كرامة.

(3)-لا يوجد بلد في العالم اليوم توقفت فيه مسيرة الحياة مثل أفغانستان ولا يوجد رئيس بدون عمل يتعلق بمسيرة شعبه مثل رئيس أفغانستان. المسيرة في أفغانستان اليوم هي مسيرة أميركا في أفغانستان وليست مسيرة أفغانستان؛ وعمل الرئيس ما زال كما هو عمل رئيس تحميه القوات**

خطة تعميم الرعب والخوف في المجتمع أو الأمة هي خطة في ارتكاب أخطر الجرائم الاجتماعية والسياسية والحضارية. عواقب هذا النوع من الجرائم لا يمكن حصرها، أذاها لا يمكن وقفه ونتائجها لا يمكن تعدادها. إنّه من السهل جدا على أي حكم في أي بلد أن يعمم الخوف والرعب في مجتمعه. وهو عمل لا يحتاج إلى أي ذكاء بل يشترط الغباء المطلق في الحاكم أو الخيانة المتناهية للمجتمع والأمة. خطط أميركا السياسية جميعها تقوم على دراسات وأبحاث من رجال عباقرة في مجالهم. لا ينكر هذا أحد لأنّه واقع محسوس يستحيل نقضه. لكن دراسات أهل الفكر عندهم مقيدة بطريقة التفكير أو بغاية التفكير أو بتمويل التفكير. لا يسمح الموضوع أن نخوض في هذه القيود لأنّها ليست موضوعنا لكن نوضح أنّ التفكير الذي يجري يفترضون أنّه لا تحكمه حدود سلفا. هكذا يقولون ويعتقدون بكل صدق وإخلاص. لكن هذه القيود بطبيعتها تضع حدودا للفكر دون معرفة المفكر، وهذا شر عظيم ليس على المفكر بل على الذي يأخذ هذا الفكر على أنّه يقيني لأنّه نتيجة دراسة مفكر. هذه الحدود تبدو واضحة في أي عمل أو فكر أو خطة للمجتمع أو تؤثر فيه. الدراسة تبحث في الخطة بتفاصيلها وتبحث في نتائجها أو تأثيراتها على المجتمع أيضا بتفصيل متناه. فإذا كان فهم المجتمع في تركيبته فهما خاطئا أو منقوصا جاءت دراسة تفاصيل التأثيرات للخطة كلها أو بعضها خاطئة أو ناقصة. وإذا كان فهم المفكر للمجتمع فهما سليما كانت دراسته صحيحة في العمل أو الخطة ونتائجها. هكذا دراسة يعتبرونها كاملة صحيحة محكمة إذا اكتملت أو اشتملت على كافة التفاصيل في شقيها أي في العمل والنتائج. هم يدرسون احتمالات النتائج بتفاصيلها لأنّ الدراسة تشمل العمل ونتائجه الاجتماعية. هذه الدراسة بطبيعتها حسابية أو تستعير مشابهة من الطريقة العلمية. هذه الطبيعة لا تسمح ببحث تفاعلات النتائج أو ائتلاف التفاصيل في النتائج. في الأعمال التي تطال المجتمع، الخطر لا يكمن في نتائج العمل لأنّه يكون محسوبا، بل يكمن في تفاعلات النتائج، وهذا أمر عسير جدا على أي مفكر وإن كان ليس مستحيلا بالمطلق لكنّه مستحيل بالواقع، خاصة على المفكر الأميركي أو الغربي الذي يعتمد قواعد أفكار نقلها عن غيره دون إجراء العملية الفكرية في برهانها واكتفى بإجراء العملية الفكرية في فهمها. هذه طريقة فهم الأفكار لا طريقة أخذ الأفكار؛ ومن البديهي أنّ شروط الأمرين من طبيعتين مختلفتين.

خطة أميركا في ترويع المجتمع الأميركي هي جزء من خطة ترويع الجنس البشري وليست غاية في ذاتها. لذلك لم يكترثوا في بحث نتائجه وتفاعلاته. في حسابهم أنّه مرحلة عابرة يسهل تجاوزها بعد ركوب الحكم لموجتها. ينظرون إليها أنّها حالة مصطنعة تضمحل بمجرد وقف اصطناعها. هم أسياد اللعبة يسيطرون على قوى التأثير في المجتمع الذي كانوا يديرونه بأجهزة الحكم ومؤسساته، وأصبحوا يتحكمون به بفرض أجواء الرعب فيه عندما يحتاجون إلى ذلك. إيجاد حالة الرعب في المجتمع الأميركي يصلح في خطتهم ليكون قاعدة لانطلاقهم في خطة ترويع العالم وفرض حالة الخوف والرعب في الأجناس البشرية الأخرى أو الدول التي يريدون اقتناصها وهي غارقة في حيرتها، ليس لأنّ أميركا تخاف من قوة تلك الدول بل لإرباك الرأي العام الأميركي والعالمي وتضييعه عن حقيقة سبب خطة التهويل والتخويف فلا يكون لخطتها في الاحتلال والقتل والنهب معارض. خوف أميركا من معارضة الرأي العام العالمي لها ليس خوفا من طائراته ومدافعه. بل خوفها من أن يوقظ روح الحيوية في فكر الأميركي، الروح التي قتلوها أو دفنوها في قلب الذي فرضوا عليه الخوف والرعب بإجراءاتهم الاحتياطية ضد الإرهاب(1). في خطة تعميم الرعب في الأمة الأميركية تمكنت أميركا من إطلاق خطتها في إرهاب العالم واستعدائه.

عداوة دول العالم لأميركا حالة ضرورية لأي دولة قوية تريد أن تبطش بدولة أضعف منها قوة. اتهامات أميركا التي توزعها يمينا وشمالا ليست عملا من أعمال الجنون الأميركي بل تندرج في خطة استعداء العالم. أميركا تفرض على أخلص تابعيها وأضعف عملائها وأحطّ الذين عيّنتهم في حكم شعوبهم أن يستجيبوا لحالة الاستعداء لتعميم العداوة عند الدول وشعوبها لأميركا. حالة العداء الدولي تسمح لأميركا أن تتصرف مع أي دولة أو شعب تصرف العدو مع العدو وهذا يلغي قواعد تصرف القوي مع الأضعف. أهم من ذلك، يلغي دور قواعد التعامل بين الدول القوية والضعيفة؛ يلغي دور البرهان في الجريمة والبراءة. كذلك يلغي دور الدبلوماسية ودور الأحلاف والحلفاء، ويلغي دور أميركا السابق ليوم 11/9. إلغاء هذه القواعد كلها يوجد الظرف والشرط لإعلان دور أميركا الجديد، دور الحكم في أميركا ودور أميركا في العالم. أميركا قررت تغيير دورها لتكون مفترس العالم الوحيد: لها وحدها الحق في القتل والنهب وامتلاك المال والسلاح. لهذا يصرح المسؤول والمفكر والعسكري والسياسي فيها: لا خيار لدى أميركا غير ضرب العراق وتغيير صدام؛ أو: لا يمكننا أن نسمح بحرب بين الهند وباكستان؛ أو: لسنا بحاجة لأي حليف أو حلفاء لضرب أي بلد منه تطلع رائحة الإرهاب أو فيه تصب؛ أو: إنّ ضرب أي بلد مسألة تتعلق بالأمن القومي الأميركي وحده.


(1)-وقف الرئيس ـ رئيس تخويف الأميركيين بحجة مكافحة الإرهاب ـ يخطب في تلامذة فسألهم: هل تعرفون إلى من يتبع مكتب خفر السواحل؟ لما عجبوا من سخافة السؤال لم يستطيعوا الإجابة فصمتوا. ظنهم بلهاء فأجابهم: إنهم يتبعون وزارة المواصلات! قالها وكأنّه اكتشف البارود، وبدا عليه الذهول والتعجب المتناهي وكأنّه لم يعلم الإجابة إلا في تلك اللحظة. التلامذة، من براءةٍ وذكاء، ظنوا أنّ رئيسهم لا يعلم ما يعلمونه وأنّهم أكثر علماً منه فلم يتمالكوا أنفسهم من الانفجار بالضحك وضرب اليد بالأخرى تعبيرا عن سرورهم ببراءة رئيسهم من معلومة حتى هم، الصغار، يعرفونها. هل كان الرئيس غبياً كما ظنه الذي كان يستمع إلى سؤاله؟ طبعا لا، تعجب الرئيس من ارتباط خفر السواحل بالمواصلات لم يكن عن جهلٍ به بل كان تلاعباً بنفسية المستمع حتى يفقد قدرة معارضة تبرير الرئيس في إجراءات إرهاب الأميركيين بحجة منع الإرهاب!

الثاني، أنّ أهل الحكم المؤثرين، وهم الرئيس، نائبه، سكرتير دفاعه ومستشار الأمن القومي، جميعهم كانوا كأعضاء الكورس بدون مايسترو. كل يصرح بدوره بما قاله غيره. بدوا وكأنهم عصابة حكم أكثر منهم رجال حكم يعملون بطريقة كشفِ خططٍ كبديل عن إعلان هدف. هذه طريقة سائدة في العمل السياسي وتنم عن ذكاء؛ لكن إذا كان كشف الخطط أو الإجراء ? مثل تدريب سائقي الشاحنات لمكافحة الإرهاب الذي يمكن أن يواجهوه ? هو ذاته الهدف فهذا يدل على سطحية في التفكير وسذاجة في الحاكم لم نعهدها إلا في حاكم جمهورية الموز. نحن نعتقد أنّ أهل الحكم المؤثرين لم ينتبهوا أو يدركوا أنهم يرتكبون أخطر جريمة يمكن أن يرتكبها حاكم بشعبه في أي زمن بسبب أنّهم سطحيون ليس في أحدهم صفة السياسي وليس عند أحدهم رؤية الحاكم. جميعهم أعمت حماسة تحقيق الغاية بصيرتهم في عقلِ الأمور.

أميركا بلد المؤسسات، مرجعيات للحكم لا تُعد ولا تحصى، مستشارون بالمئات والآلاف، مجالس للدراسات، معاهد للتفكير ودوائر للتخطيط في كل مجال. أميركا، يفترض الناس في داخلها وخارجها أنّها محمية من الخطأ في التفكير والتخطيط والتنفيذ. هي، يظنون أنّها أيضا محمية من وصول الحاكم السطحي في فكره، الساذج في عقله لكن ليس من الحاكم الماكر في عمله. يقولون إنها محمية من الحاكم الغبي أيضا بوجود المؤسسات وخاصة مجلس الشيوخ والنواب. هنا يأتي دور الحاكم عندما يستمع إلى المؤسسات أو يُلغي دورهم في مراقبته ونصحه. الدستور الأميركي يفرض على الحاكم أن يستمع للمؤسسات وخاصة الكونغرس، ويفرض على الكونغرس مراقبة الرئيس وأعوانه ومحاسبتهم بالقلم أو بالزجر. عندما يعمل الرئيس منفردا تبدأ الدولة بالتفكك. الرئيس عندما يعطل دور مؤسسات الحكم يتحول في ممارسته من حاكم يرعى مصالح شعبه إلى متسلط يفرض إجراءات تنفيذ خطته: بداية مسيرة في عداء الشعب. دور الرئيس في إلغاء دور المؤسسات يكون بطريقتين: باستعمال جميع صلاحياته الدستورية في كل أمور الحكم؛ أو بإيجاد رأي عام حماسي وراءه يعطل فعالية التفكير في المؤسسات ويضعف دور الكونغرس في التأثير السياسي.

**إجراءات الحكم داخل أميركا ? مثل فرض تمارين وإجراءات على رجال الإطفاء والممرضين وسائقي القطارات لمكافحة الإرهاب ? كانت غايتها إيجاد الحماس الذي يعطل دور العقل في الأمة والمؤسسات ومنها الكونغرس. لكن عندما لم تفلح تلك الإجراءات في تعطيل دور الكونغرس، جاء دور أعمال مثل تفشي " الجمرة الخبيثة " في مبانيه والمستشفيات. دور " الجمرة الخبيثة " كان تعميم الرعب والخوف في الأمة من أجل الموافقة على إجراءات الحكم دون تردد من الكونغرس.**أيضا عندما بدأ دخان " الجمرة " يتلاشى بفعل حرارة الحقيقة ورأى الناس بأم أعينهم أنّه لا يوجد " جمرة " بل يوجد خبث في ترويع الناس، تنادى رجال الكورس في كلامية جديدة لكن بدون موسيقى(1). كل بدوره(2) يظهر على الشاشة ويردد: " الموضوع ليس إذا كان عمل إرهابي سيقع أم لا. السؤال هو: متى وأين وكيف؟ ترديدة ببغاء ظنها أو وصفها بعض المفكرين؛ نحن نراها ترديدة أصم، والأصم هو الذي لا يسمع. هل يعقل أن يردد نائب الرئيس هذا القول لو سمع أنّ سكرتير الدفاع قاله؟ أو أن يردد كل واحد من الأربعة هذا القول لو سمع أحدا غيره يقوله؟ الترديدة لا يقولها واحد إلا وهو يقوم بدور. عندما يقول الترديدة أكثر من واحد، تكون الغاية في الترديدة لا في المعنى. غاية هذا الترديد كان إذكاء أجواء الخوف والرعب في الأمة وتأمين وقود جديد في حملة تعميم الرعب والخوف في الأمة.


**(1) ـ الموسيقى الجماعية دائما تحتاج إلى مايسترو

(2) ـ طبعا أولهم الرئيس حتى يظهروا أنّ هناك مايسترو، لكن هذا الإخراج كان مصطنعا جدا.**

أميركا، شعبا وثقافة كانت تفخر بالمبادئ التي قام عليها دستورها. مع استمرار هذه المفاخرة أخذ الدستور الأميركي في فكر الحضارة الأميركية موقعا لم يأخذه دستور دولة أخرى في العالم. رغم أن أميركا لم تكن يوما ملكية إلا أن دستورها أو مفاخرتها به كدولة، ومفاخرة الشعب به كإنجاز له جعله تاجًا على رأس الدولة والفرد، يعلو فوقَ تيجان الممالك الأخرى. هذه العراقة للدستور في ثقافة الأميركي جعلته قاعدة نمو الفكر الحضاري الأميركي، كما جعلته قلب المادة الكلامية الفلسفية والقانونية والسياسية. هكذا، كان من الطبيعي أن تكون مبادئ الدستور الأميركي معيناً من ينابيع الحيوية للفرد والمجتمع والأمة. وكان من الطبيعي أن يكون تمسك الحكم في أميركا(1) به والمحافظة الشديدة على الالتزام بممارسته حتى عندما لا يخدم توجهات الحكم وغاياته فهو مصدر الحيوية المهم في نظام الحكم وممارسته ورسم غاياته. الوسط السياسي كان يدرك دائما دور الدستور في حيوية الحكم، ويدرك دائما سبب كونه مصدراً من مصادر الحيوية للأمة الأميركية. لم يقم حاكم في أميركا يجعل مصلحةً لأميركا في إلغاء دور الدستور الأميركي الذي هو مصدر من مصادر حيوية أميركا قبل حاكمِ اليوم. بل لم يجرؤ حاكم في أميركا على التفكير في خطة تتضارب غايتها مع دور الدستور في المحافظة على حيوية أميركا قبل حاكم اليوم. لم تكن أميركا يوما بحاجة إلى خطة تقضي على مصدر من مصادر حيويتها قبل خطة الحكم الحالي في قيادة شعب أميركا لمحاربة إرهابٍ من عملائهم ومنظماتٍ أوجدوها هياكل جوفاء بحجة محاربتها يسيرون بخطة الرومان في احتلال العالم مرة ثانية.

عمَلُ حكمِ **“محاربة الإرهاب”**دولياً بطريقة دون كيشوت ليس عملا خاطئا أو عملَ جريمة يرتكبها بغيره من الشعوب بل جريمة في عقل ونفس وتراث الفرد والمجتمع والأمة الأميركية مثل جريمته بقتل مسلمين يهزجون بفرح بحجة أنّ فرح المسلمين موقف قتالي ضد طائرات القتل الأميركي.

خداع الحكم لشعبه ليؤيده في مشروع سياسي لقهر غيره أو ليوافقه في مشروع اقتصادي لنهب غيره من الشعوب، أو ليسير معه في حرب لقتل غيره من الأمم أمر سارت عليه معظم أنظمة الحكم التي تقوم على قاعدة النفعية في النظام الرأسمالي. يكاد لا يوجد نظام حكم رأسمالي يستطيع قهر غيره أو نهبه أو قتله ولم يفعل ذلك بعد موافقة شعبه على معاونته في قهر ونهب وقتل غيره. لكن لم يتواجد في دول الحكم الرأسمالي الديمقراطي من يخدع شعبه بإثارة حماسه في أمور مصطنعة من أجهزة الحكم لضرب الحيوية في الأمة مثلما فعل هذا الحكم في خطة تدريب فرقة بوليس في اليمن أو الفليبين لمكافحة إرهاب لا تراه إلا عين صقر يلبس نظارة. هل حاكم أميركا أو صقرها بالنظارة أو صقورها كانوا يدركون هذه الجريمة التي يرتكبونها في مجتمعهم وأمتهم ؟ لماذا لم يكتشف مثقفو أميركا عمق هذه الجريمة ويجتمعوا لوضع خطة تسد الطريق على خطر هذه الجريمة في الفرد والمجتمع؟ مَنْ أكثر إجراما؛ سياسي أو حاكم يفرض عليه توالي ظروف في خطة يسيطر على مقوماتها ولا يسيطر على ترابطها أن يرتكب جريمة لم تخطر في باله وليست في حساباته، أو مثقف يسير مع الحاكم في تغطية حقيقة جريمته؟.

المجال الرابع في خطة أميركا لاحتلال العالم بسبب أحداث 11/9 ليس للغوص في جريمة أميركا جيشاً وسياسيين وشعبا بقتل المسلمين في أفغانستان وفي فلسطين وفي العراق أو في غيرها. وليس في موضوع خطة فرض دين جديد على المسلمين وعلى الأوروبيين الذين يقتنعون بفساد الفكر الغربي أميركياً كان أو أوروبيا. أيضا ليس في موضوع تصميم أميركا في خطة محاربة الإرهاب “الدولي” الذي أوجدته أساسا من أجل إلغاء الدور الأوروبي على المسرح الدولي. هذا المجال هو في فهم كيف ارتكب الحكم جريمة البدء بتجفيف مصادر الحيوية في الأمة الأميركية دون قصد منه ودون تنبّه المثقفين الأميركيين على هذه الجريمة والاستنفار لوقفها أو منع خطرها اللاحق قبل الحاضر. نحن نفترض أنّ حكام أميركا اليوم ارتكبوا هذه الجريمة التاريخية دون وعي منهم أو تصميم لسببين:

الأول، أنّ هذه الجريمة نتيجة في الإجراءات التي اتخذوها بعد 11/9 وليست غاية لهذه الإجراءات. واضعو أية خطة يضعونها لتحقيق غاية، لكن في حسابهم لتحقيق الغاية يبحثون في نتائج العمل المحتملة. الأمر الطبيعي أنّ العقل لا يستطيع أن يحدد كافة النتائج لكن يتم تحديد النتائج الكبيرة، وما يبقى لا يكون أثره كارثة أو خطيرا على الغاية والمخططين أهل الحكم. لكن إذا كان تحقيق الغاية هو الأهم أصبحت الظروف ثانويةً بمعنى أنّ الغاية هي الأساس وما عداها ثانوي يمكن استيعابه. فإذا كان هذا هو الرأي الذي يسيطر على بحث النتائج عندها يمكن أن تكون النتائج أسوأ من تحقيق الغاية. وهذا ما وقع فيه حكام أميركا عندما جعلوا أحداث 11/9 خلفيةً لتحقيق غايةٍ بإجراءاتٍ ليس لها علاقة بالغاية، وإن كان يمكن اعتبار التفجير أجواء صالحة للقيام بها وفرضها. هنا أيضا لم يدرك أهل الحكم الأميركي أنّ انفصال الإجراء عن الغاية أو تجاوزه كثير الضرر وخيم العواقب؛ لا بل هو في كل زمن حجة على كل أقوال وتبريرات الرئيس ونائبه وسكرتير عدليته وسكرتير الدفاع في ربط الإجراءات الداخلية بالهدف.


(1)?الحكم نقصد به الوسط السياسي في البلد.

**المجال الرابع

بعث الروح العسكرية

أو

إطفاءُ حيوية الأمة الأميركية**

حيوية الفرد، حيوية المجتمع والأمة مثل حيوية الفكر والنفس والحياة تتواجد أو تنمو وتتلاشى ليس بذاتها بل بحسب شروطٍ أو نظام خاص بها. الحيوية في الفكر والنفس والحياة أو في الفرد والمجتمع والأمة أصدق تشبيه حسّي لها هو الزهرة في النبتة. الزهرة ليست جزءاً من حياة النبتة فالزهرة تنبعث وتذبل ثم تسقط وتبقى النبتة. وقد تكون النبتة ولا تزهر، النبتة أساس الزهرة في وجودها لكن لا علاقة للنبتة في عمرها بعمر الزهرة. كذلك تعهد النبتة في تربتها وسقايتها شرط لحياة النبتة وانبعاث الزهرة. الحيوية كالزهرة تخضع لنظام دقيقٍ في ذاتها يرتبط بنظام دقيقٍ آخر في نبتة ترتبط بتربة. فالحيوية ليست نظاماً ولا طريقةَ عيشٍ ولا فكراً بل نتيجة تنبثق من نظام وطريقة عيش وفكر. هذا، ببساطة، واقع الحيوية التي تطبع الفرد، المجتمع، الأمة، الفكر، النفس والحياة. لكن تبقى الحيوية أغلى كنوز الذات في الوجود.

التلاعب بالحيوية له قواعد غير قواعد التلاعب بالفكر أو النفس أو غيرها. لذلك إيجاد الحيوية في الفرد أو الأمة غير إيجاد الفكر في الفرد أو المجتمع وغير إيجاد السعادة وتعميمها في نواحي الحياة. ظروف الحيوية أو شروط انبثاقها في النفس أو المجتمع غير شروط بناء النفس والمجتمع. لذلك هو أمر خطير جداً التلاعب بحيوية المجتمع أو الأمة دون وعي كامل على طبيعة الحيوية في النفس أو الأمة. والنفس الأميركية هي نفس إنسانية وليست نفسا شيطانية كما يحاول النظام الفكري الهوليوودي أن يجعلها. والأمة الأميركية تبقى أمة بشرية وليست أمة من القتلة اللصوص الذين يعتمد وجودهم الحياتي على امتصاص دماء غيرهم ونهب ثرواتهم كما يحاول مثقفوهم أن يجعلوا منهم. لذلك محاولة السياسيين والحكام بعد 11/9 التلاعب بحيوية الفرد والمجتمع والأمة الأميركية بهذا الجهل المطلق بطبيعة الحيوية أمر أخطر بكثير من نجاحهم في تغيير أدوار عملائهم أو تفريخ عملاءٍ لهم جدد في حكم أفغانستان. جميع إجراءات بعث الحيوية في الفرد والمجتمع الأميركي بعد 11/9 إجراءات تثبت جهلهم أولاً وتثبت أنهم استغلوها لتضليل الأمة الأميركية لإخفاء جهلهم ثانياً. جريمتهم في التاريخ والمستقبل ليست جهلهم وخداعهم للفرد الأميركي والمجتمع والأمة بل ضرب الحيوية نفسها. أما جريمتهم اليوم فتبقى على ما هي عليه خداعاً وتضليلاً ليس للعالم بل فقط للأميركي. إنسان العالم، إنسان غير أميركا، اقتنع بوضوح أن محاولة حكام أميركا بعث الحيوية في الأمة الأميركية بعد أحداث 11/9 لم يكن في أساس غايات خطة التفجير أو نتائجها بل كان عملا لاحقا استوجبه العمل في المجالات الثلاثة الأخرى. إجراءات بعث الحيوية في المجتمع الأميركي قام بها الحكم لإخفاء عثراته وفجوات خطته وللاستقواء على غيره في المجالات الثلاثة الأخرى. جميع إجراءاته لم ترتبط ببحث فكري ولا أيديولوجي، ولما اصطدمت مع دستوره الذي كان يفرضه بقدسية تعلو على قدسية كتاب متّى أو رسائل بولس، تخلى عن دستوره! بل فرض التهويل بالسجن والتعذيب على كل من يحترم ذلك الدستور. جميع إجراءاته ليست لها علاقة بموضوع حيوية الأمة أو النفس، بل ضدّ لطبيعة الحيوية في ذاتٍ فكريةٍ كانت أو في مجتمع. بعث الحيوية لم يكن في غايات خطة الحكم بل جاء ملحقا، تمّ توضيب خطته بعجل لذلك كان التفكير في الإجراء وليس في الحيوية، ولذلك جاء بهذا الجهل الذي يُخزي هؤلاء الساسة في مكانتهم التاريخية. وأيضاً هذا الجهل هو سبب الجريمة التي ستعاني منها أميركا؛ فردا، مجتمعا وأمة فترة طويلة لا يستطيع أحد في هذه المرحلة التنبؤ بعواقبها أو مراحلها.

موضوع حيوية الأمة ليس موضوعنا في هذا المجال الرابع ولا في هذا الكتاب. موضوعنا في المجال الرابع هذا إجراءات الجريمة وأقوال الكذب وأعمال الخداع في موضوع جريمة الحكم في واقع حيوية الأمة الأميركية. حيوية أميركا مثل حيوية أي أمّة تنبثق من تراثها وحضارتها وفكرها الأيديولوجي. وقد كانت مصادر الحيوية في أميركا غزيرة قبل 11/9 وبعد 11/9، ولا يمكن لأحداث مثل أحداث 11/9 أن تؤثر في حيوية الأمة ولا في مصادرها. وكان يمكن لأي حكم أن يواجه تبعات أحداث 11/9 بأي إجراء يعالج طبيعة الحدث ونتائجه دون أن يصل إلى تعريض هذه الحيوية أو مصادرها للخطر. فالأمران منفصلان في كل معطياتهما خاصة في إجراءات مواجهة عوامل وقوى ونتائج. عمل 11/9 عمل تدمير، تخريب أمن وقتل جماعي. دون البحث فيمن قام به من داخل أميركا أو من خارجها، من داخل الحكم أو خارجه، تبقى إجراءات مواجهته إجراءات مواجهة مجرم والتعامل مع جريمة. فليس من طبيعة الموضوع أن يؤدي إلى ضرب مفاهيم الحياة أو ضرب أنابيب الحيوية في الأمة. ليس هناك علاقة بين إجراءات مواجهة هذه الجريمة وبين الحيوية في الأمة. الإجراءات عمل أجهزة من أجهزة الحكم، الحيوية عملية تجري في الأمة عشرات وعشرات من السنين. الحيوية ليست عمل حكم وليست عمل أمة بل ثمرة ارتباط الأمة بفكرها الأيديولوجي وثمرة نمو فكرها الحضاري.

أميركا أمرت الدول، عفواً، أجهزة الحكم في بلاد المسلمين، بإدارة مدارس تدريس الإسلام مباشرة. هي تعرف أن هذه المدارس لا تدرس غير الإسلام الذي تسمح به أجهزة الحكم، وأن هذه المدارس من أجهزة وبرامج تضييع المسلمين عن إسلام القرآن وإسلام محمد صلى الله عليه وسلم ضرورية. لكن هذا التغيير في الشكل كان ضرورياً لإخفاء هدفها، خطة أميركا في فرض تصديها لمكافحة الإرهاب في العالم ينقل سلطة الحكم المركزية لأميركا لتكون سلطة الحكم المركزية لدول العالم وخاصة “دول” العالم الإسلامي. فرض أميركا إيجاد تشكيل **“مكتب مكافحة الإرهاب”**في كل بلد من بلاد المسلمين كانت غايته في إيجاد الأرضية التي يحق لأميركا منها السيطرة على الأمن في تلك الدول. أمن الدول مثل سياسة الدول، فالسياسة تقوم على المسرح السياسي للبلد والحكام هم السياسيون من هذا المسرح. المسرح الأمني للدولة هو عناصر قوة الحكم وعناصر قوة القوى التي تؤثر في الحكم. أهمية مكتب مكافحة الإرهاب الذي فرضته أميركا في كل بلد من بلاد المسلمين ليست في دوره في مكافحة الإرهاب. هذا المكتب تم تشكيله بفرز عناصر من منشأة موجودة لمكافحة أي إرهاب. أجهزة أمن الحكم في كل بلد ليس لها دور غير مكافحة أي عمل ضد الحكم ووأده في مهده. لم يكن من مبرر في خطة استتباب الأمن في بلاد المسلمين إيجاد مكتب لمكافحة الإرهاب. المبرر هو في دور المكتب أو في غاية أميركا التي لا تتحقق إلا بوجود هكذا يافطة على باب في مبنى. غاية أميركا السيطرة المباشرة على أجهزة قوى الدولة من خلال فرض مبرر إيجاد مكتب مكافحة الإرهاب هدفاً أعلى في السياسة الأمنية العليا. هذا يعطي أميركا التغطية القانونية لفرض اعتبارها شريكاً أمنياً رئيسياً في المسرح الأمني المحلي في كل بلد على حدة . هذا يجعلها صاحب الحق الأول في صياغة البرامج الأمنية وما يشمله من تمويل وتدريب وتسليح وصلاحيات وممارسات وغايات. وهذا يجعلها مباشرةً الفريق الأمني الأقوى على الساحة الأمنية في كل بلد على حدة، ما يعطيها السيطرة المطلقة على قوى أمن الدول وقوى أمن القوى التي تؤثر في أمن الحكم والبلاد.

غاية أميركا في أن تتسلم أجهزة الحكم المحلية في بلاد المسلمين معاهد تدريس الإسلام الخاصة هي مثل غايتها في إيجاد مكتب مكافحة الإرهاب في كل بلد. تسلُّم السلطات مباشرةً سلطة صياغة معاني الإسلام يعني ببساطة أن صاحب هذه الخطة، أميركا، يريد أن يباشر هو تعليم الإسلام في بلاد المسلمين. أميركا نجحت كثيراً في صياغة إسلام أميركي يمكن لأي أميركي أن يقتنع به دون أن يخرج من دائرة الأيديولوجية الأميركية للحياة. لم تترك المعاهد أو الجمعيات أو مراكز الأبحاث والدعوة أو السلطات أو المفكرون “الإسلاميون الأميركيون” فكرَ كفرٍ ينبع من الأيديولوجية الديمقراطية إلا وألصقوه بفكرٍ إسلامي زوراً أو تحريفاً لإسلام. هذه التجربة الناجحة في هدم الإسلام في أميركا تريد مباشرة تنفيذها في بلاد المسلمين عبر جعل صياغة الإسلام مهمة تتعلق بالأمن القومي الأميركي. لكن كما في حال مكتب مكافحة الإرهاب غاية هذه المباشرة هو أن تكون أميركا ـ منفردةً ـ المسؤولَ عن السياسة الثقافية في بلاد المسلمين.

أهمية خطة تحريف الإسلام الأميركية تكمن في أنها جزء أصيل في خطة أميركا الأساسية باقتلاع نفوذ الإنكليز ومن يلحق بهم من الأوروبيين من بلاد المسلمين والانفراد بهذا النفوذ. عندما وجدت أميركا أنها لن تستطيع النجاح في اقتلاع نفوذ الأوروبيين ـ بحسب التعبير السائد ـ عمدت إلى تقسيم المسرح السياسي في بلاد المسلمين إلى دوائر أربع: الأمن، الحسابات المصرفية، الإجراءات القضائية والثقافة الإسلامية. بهذا تأمل عن طريق إدارة المرافق والقوى والخطط في كل دائرة مباشرة عبر الإشراف على الممارسة المحلية أن تنجح في فرض نفوذها الكلي. لذلك نقول إن أميركا لن تستطيع أن تكون أكثر نجاحاً في تحريف معاني نصوص الإسلام من ممارسة الشياطين المباشرة لهذا العمل. وطلبها تحريفاً جديداً للإسلام خدعة أميركية تخدع بها شركاءها بالنفوذ. وأن أميركا تحرص على المستوى السائد في التحريف لأنها الثقافة التي تساعدها على إيجاد تيارات إسلامية مثل تلك التي أوجدتها في الجزائر وتركيا وأفغانستان وإيران وغيرها. وهذا الإسلام “العصري” أو “الأصولي” هو الذي تستطيع به أن توجد زعامات إسلامية مثل الملا وبن لادن والظواهري وأربكان ومدني وعشرات غيرهم. يبقى أن تحقيق غايتها بالتفرد في السلطة أو التسلط على أنظمة الحكم في بلاد المسلمين عبر أكذوبتها العالمية أن العالم يريد إسلاماً حضارياً يتماشى مع العصر. وعبر خدعتها أن أمنها القومي بحاجة إلى إصلاح برامج التدريس الإسلامية في لعبة خداع الكبار ستفشل في تحقيق هدفها. قوى الساحة السياسية المحلية في بلاد المسلمين كما قوى الساحة السياسية الدولية تعي حقيقة الخدعة والأكذوبة الأميركية.هذا الوعي وإن كان ما زال محصوراً في أعلى مراتب الحكم إلا أنه يكفي لإفشال هذه الهجمة الأميركية. هذا يجعل فشلها الحتمي في المناورة يصاحبه إصرار أعمى على اختيار فرض الحرب على الدول التي لا تستطيع مصادرتها بالخدعة الفكرية أو الثقافية أو الأمنية أو غيرها. لهذا نرى خيار الحرب جزءاً من خطة اغتصاب العالم حين لا ينفع الكذب، الخداع أو تمويه الحقائق. ونرى الإصرار على تحديث مناهج تحريف الإسلام بوصف المناهج أنها شريرة لجعل عدم التحريف تهمةً جزءاً من لائحة الاتهام في ملف الدولة التي تهيئ لضربها واحتلالها وتفكيكها بتهمة الإرهاب عندما تحتاج ذلك ولو بعد حين.

هذا الزخم هو في أوج طاقته وإفرازاته الفكرية في تنفيذ حكم أميركا بقتل فكر الإسلام في خطة صراع الحضارات. الجميع يتفرج على آلاف المناورات الكلامية اليومية بل في كل ساعة في كل مدرسة ومنبر للقول أو للفكر في بلاد المسلمين في ممارسة اغتصاب فكر الإسلام بتحريف معانيه عن المقاصد الشرعية التي أنزله الله لها. قوانين الحكومات تتغير وتتعدل كل يوم وفي كل جلسة تشريعية من أجل مواكبة مرحلة الإعدام الفكري لحضارة الإسلام. مع كل هذا الزخم والقوانين والتنفيذ التسلسلي بقتل فكرٍ بعد فكر، وضجيج الإعلام في بيان عورة الفكر الإسلامي والإصرار على عجزه وهشاشته وفشله وتخلفه، ترى الجميع غير فرحٍ بهذا الانتصار الساحق الماحق في آونته لأميركا والمفكرين والعلماء والمشايخ “الإسلاميين”. جميعهم غير فرحٍ لأنه حذر يخاف من الفشل. حذره يأتي من معرفته أن الذي يسمعه يقارن قوله بقول عمالقة الفكر الإسلامي الذين سخرهم الله لحفظ فكر الإسلام أمثال جعفر الصادق والشافعي والقرطبي والبخاري وأبن هشام وعشرات ومئات مثلهم وآلاف من تلامذتهم. عندما يتذكر هذه المقارنة يتحول حذره إلى يقين أن الذين يسمعونه يعرفون أنه منافق. عندها يتحول حذره إلى حيرة. حيرته تجعل كلامه ثرثرة. الثرثرة هي القول الذي لا يرتبط ببرهان أو يرتبط ببرهان مزوَّر. البرهان المزور هو البرهان الذي يُلصقُ بالقول لأنه ليس من جنسه أو ليس في موضوعه. لذلك ترى “العالم” الذي يتبنى تحريف الإسلام محتاراً في موقعه؛ في ارتباطه بقوله وفي تبرير غايته في معنى تحريفه أنه من أجل مصلحة المسلمين. المنافق في حيرته يجعل مصلحة المسلمين فوق مصلحته في علاقته مع الله. هل يوجد أكثر جهلاً من هكذا عالم؟ أو هل يوجد أكثر نفاقاً من هكذا مخلص لغيره؟

**تحريف معاني نصوص الإسلام خطة دائمة في بلاد المسلمين. ترعاها أنظمة الحكم والمنظمات العالمية في كل بلاد المسلمين وغير بلاد المسلمين. ترعاها أنظمة الحكم والمنظمات العالمية في كل بلد ومجتمع. قوة هذه الخطة في إمكانياتها وأدواتها هي قوة دول المجتمع الدولي كافةً لذلك لها ينبوع طاقة لا ينضب. لذلك أيضاً لا توجد قوة مادية تستطيع أن توصد باباً بوجهها أو تنشئ سداً يمنع أو حتى يشوِّش على تعميم تحريفها. إنهم يعرفون قدرتهم الهائلة في خداع المسلمين بواسطة سياسيي ومفكري وعلماء المسلمين. يعرفون أنهم نجحوا بتحريف معاني نصوصٍ يكاد يكون في كل أمرٍ وقضية.**يقيسون نجاحهم بمدى تعميم الجهل بأفكار الإسلام بين المسلمين. يعتبرون ترك المسلمين أو ترك مسلمين لفرض التثقف بأفكار الإسلام هو نجاح لحملة تحريف معاني النصوص الإسلامية. بمعنى أن ذلك ثمرة من ثمرات برنامج تحريف الإسلام بل هو نتيجة أو هدف أهم في خطة تجهيل المسلمين بإسلامهم. ترك المسلمين لفرض معرفة الحكم الشرعي لعمل قبل مباشرة العمل هو في واقعه ارتداد عن طريقة عبادة الله في الحياة. لكن يبقى التحريف هو العمل الرئيسي في تضييع المسلم الذي يصر على الالتزام بأحكام الإسلام وهو سبب الخطة الدائمة في برامج التثقيف الدائمة للرأي العام المسلم.

برامج تحريف الإسلام تنفذها الدول الغربية صاحبة النفوذ في بلاد المسلمين مباشرة منذ احتلال بلاد المسلمين وحتى اليوم. هذه البرامج عامة شاملة؛ عامة في جميع مراحل الحياة؛ في المدارس وفي المنابر. مع تعليم معاني ألفاظ القرآن إلى ما يكتب ويذاع. شاملاً جميع أمور الحياة، تحريف أفكار الإسلام في الحكم يجري كما يجري تحريف أفكار الإسلام في الاقتصاد أي في الزراعة والصناعة والتملك والمال أو الحرب في الدفاع والهجوم أو الجمارك أو الصيد أو الاجتماع أو الاستشفاء أو أي أمر من أمور الحياة الأخرى. حتى في نصوص لباس المرأة جرى التحريف وتعميم قبول المرأة بالتزام هذا التحريف في لباسها على أنه من التقوى!

مع هذا النجاح الهائل في فرض أفكارِ كفرٍ أنها أفكارُ إسلام؛ برزت أميركا فجأة وكأنها تكتشف حاجة العالم إلى تحريف الإسلام. فجأة تعلن أن الأمن القومي الأميركي في خطر وسلام دول العالم قاطبة يعتمد على وجوب تغيير التراث الإسلامي بإسلام معاصر. لكن في الواقع لا يوجد إسلام تراثي وإسلام معاصر. “الإسلام” السائد هو “الإسلام” العصري. منذ عشرات العقود لا يسمح لأي “عالم” بلحية أو بنظارة، ولا لأي شيخ بعمامة أو بشهادة أن يكون داعية لإسلام أو متحدثاً بإسلام وأن يكون له مريدون وأتباع إلا إذا كان مثقفاً بإسلام “معاصر”. أي مثقفاً بإسلام محرَّف. أجهزة حكم دول الغرب في بلاد المسلمين لا تسمح بإسلام على الساحة السياسية وهي أطراف الحكم والمعارضة إلا من نوع الإسلام الذي توافق عليه.

الزخم الجديد الذي تفرضه أميركا على برامج تحريف معاني الإسلام ليس له مبرر في الواقع ولن يزيد شيئاً في برامج التحريف ولن يفرح به أي شيطان ولن يزيد عدد المرتدين عن الإسلام ولا عدد المُجهَّلينَ بالإسلام. لكن في خطة الزخم برامج تعميق للتحريف وهو سبب مسارعة كل حاكم في بلاد المسلمين للإعلان من باب حرصه على الإسلام وضع يده على معاهد تدريس الإسلام لإنقاذ الإسلام من الذين يحرفونه. خطط إصلاح هذه المعاهد هي خطط في تغيير مناهج ومادة التدريس. هذا لا يعني أن المناهج التدريسية الجديدة والمادة الإسلامية الجديدة هي أحسن أو أسوأ من المادة الفكرية السابقة. فالمناهج التدريسية السابقة والمادة الإسلامية التدريسية السابقة هي التي عممت بل أوجدت هذا الجهل العام بأفكار الإسلام. وهي التي ضيَّعت مقاييس التفريق بين فكر الشريعة وفكر تحريف الشريعة. وهي كانت وكيلة الحكم وأجهزته في تثقيف الناس بإسلام يرضى الحكم عنه. اليوم قرر الحكم أن يستعيد سلطته الإدارية المباشرة في إدارة ثقافة الإسلام. ثقافة تحريف الإسلام بعينها لن تتغير لأنها في خصائصها وأهدافها لا يمكن إجراء تغيير فيها. لذلك تكون أهمية الزخم في هدفه لا في خطته.

المادة الفكرية الأميركية في خطة صراع الحضارات تتهم الفكر الإسلامي بأنه فكر إرهابي بعد اتهام المسلمين أنهم إرهابيون. اتهام المسلمين تبعته خطوات المحاكمة بالفرض وتبعه صدور الأحكام بقتل المسلمين واحتلال بلادهم بلداً بعد بلد. وقد تم تنفيذ حكم القتل بشعب أفغانستان وستستمر أميركا ولا شك في تنفيذ بقية أحكام القتل حسب توافق الظروف مع ذلك القتل. أو حسب قدرتها على اصطناع ظروف لذلك القتل. أما موضوع اتهام الفكر الإسلامي فالغرض منه إجراء محاكمة فكرية أيضا ًبالفرض وإصدار حكم بقتله في نتيجة خلاصةِ المحكمةِ التي تجري على غرار توزيع أدوار الإدعاء والدفاع بين أميركي وعميل فدراليي أميركي. لكن المحكمة الفكرية هي بين فكر أميركي ومفكر بثقافة الفكر الأميركي. أي أن أميركا تجري محاكمة الفكر الإسلامي في معهد الفكر الأميركي. اتهام الفكر الإسلامي ومحاكمته على مرأى ومسمع كل مسلم بفكرٍ أو بدون فكر. أمام كل مسلم سياسي أو حاكمٍ عميلٍ لأميركا أو غير عميل لها. يفترضون أو يفرضون أن يشارك كل مسلم عالم أو غير عالم في الرد على لائحة الاتهام ، بحق وبغير حق. لكنهم أبطال في قبول الاتهام والمشاركة في إجراءات المحاكمة التي انتهت بإصدار حكم الإعدام على فكر الإسلام. لم يبق أمام الحكام في بلاد المسلمين إلا الأمر بتنفيذ هذا الحكم مع كل مظاهر المرارة والامتعاض من أدوات التنفيذ أو سلطاته؛ المفكرين، الإعلاميين، الجامعات، أساتذة الشريعة وعلمائها، خطباء المساجد، الكتاب “الإسلاميين” أصحاب الفضيلة، الأحزاب والحركات الإسلامية، الجمعيات والمعاهد، أصحاب العمائم واللحى الطويلة والقصيرة.

قتل فكر الإسلام هو زرع عوامل الاندثار والتلاشي في أي فكر، هو في تحريف معاني نصوصه بعد أن عرفوا أنه يستحيل تحريف نصوصه. أحبار يهود حرفوا نصوص التوراة من أجل أن يكون لهم الحق في رعاية شؤون قومهم كما يريدون هم لهم لا كما يريد الله. أما الرومان فقد حرفوا نصوص النصرانية لتكون مطية لهم أو مبرراً لهم في فرض توحيد قدسية الطاعة للإمبراطور على رعايا الدولة وعبيدهم في البلاد المحتلة. في الإسلام لا يمكن تحريف النصوص لأن هذه النصوص تتناقلها الأمة كما تتناسل فيها الأرواح. ليست كتباً تورَّث وليس كنزاً للعالِمِ دون بقية الناس وليست مادة فكرية للذكي دون الجاهل. الإنسان الحي من جسدٍ وروح لكن شخصية الإنسان من عقلٍ ونفس. العقل يحتاج إلى روح كالجسد، والنفس تحتاج إلى روح كالعقل. روح عقل المسلم هو الإسلام؛ القرآن والسنة وعمل الصحابة. كذا روح نفسِ المسلم هي الإسلام: القرآن والسنة وعمل الصحابة. لذلك نصوص الإسلام كالروح لا يمكن التلاعب بها. لكنها، كنصوص رأت أميركا في حكم محكمتها بقتل فكر الإسلام أن كيفية القتل تكون بفرض تغيير معاني الإسلام أي تغيير معاني نصوص القرآن والسنة وأعمال الصحابة الكرام رضوان الله عليهم. معاني نصوص القرآن والسنة هي أفكار الإسلام.

تحريف معاني الإسلام ليس عملاً جديداً في خطة صراع الحضارات أو تأمراً أميركياً أو غربياً جديداً. في التاريخ والوثائق وأعمال كل يوم نمط جديد في التحريف أو فكر محرِّف جديد تصوغه عقول الغربيين أو عقول مسلمين مثقفين بثقافة الغربيين وتسوِّقه بالفرض الإعلامي والتثقيفي والتطبيقي جميع أجهزة الحكم. الجديد في تحريف الإسلام هو الزخم الجديد الذي تدفعه به أميركا. التحريف كان يجري قبل التفرد الأميركي بجعله موضوع اليوم في سياستها ليلاً ونهاراً لكن دون تبنٍّ ظاهرٍ واضحٍ من قبل الهيئات المسؤولة عن الإسلام في مجتمعات بلدان المسلمين. خطة تحريف معاني نصوص الإسلام تفرض أميركا تبنيها بكل وضوح وشفافية من كل مَنْ يريد أن يُسمَح له أن يكون “إسلامياً” مفكراً بعمامة “شيخ” أو بدون عمامة، لكنه إسلامياً يرضى عنه النظام وفتح له مسارح منابره لأفكاره وآرائه وفتاويه. يجب أن يعلن كل داعية للإسلام “إننا بحاجة إلى تطوير نظرتنا الإسلامية” أو “تطوير أفكارنا الدعوية” أو “تغيير رؤيتنا إلى الإسلام، وإلى الآخرين، وإلى أن تكون رؤيتنا إنسانية”. على كل إنسان مسلم أن يعلن للكفار أنه إنسان مثلهم يستحق الحياة.? على كل جهاز حكم أن يمنع بالإرهاب المعنوي، النفسي والجسدي وجودَ مَنْ يُصِرُّ على تعلم معاني الإسلام من القرآن بقواعد تفسيره التي هي جزء من فكره، ومن السنة بقواعد ارتباط قول الرسول عليه الصلاة والسلام بالحدث، ومن أعمال الصحابة الكرام في اجتماع قولهم وإفراد حجتهم.

زخمُ الحملة الأميركية الجديدة في تحريف معاني نصوص الإسلام يعتمد على تجاوب “علماء” المسلمين و"مفكريهم" أولاً وآخراً وليس على قدرة أميركا في قتل المسلمين. تجاوب “العلماء” و"المفكرين" مع أميركا في تحريف الإسلام يعتمد على مدى ارتباطهم بأجهزة الحكم في بلاد المسلمين. من المسَلَّم به لدى الناس أن أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة تحتاج إلى ترخيص من السلطات الرسمية وتخضع لمراقبة أجهزة رسمية. لا أحد ينكر أن كل شيء تقوله هذه الوسائل الإعلامية يرتبط بسياسة الدولة. لا أحد أيضاً يستطيع أن ينكر أن هذه الوسائل لا تستطيع أن تسمح لأحد بالظهور إذا كان ظهوره بما يمثله أو قوله بما يعنيه في غايته يخالف غاية الدولة ومخططها التوجيهي. الناس يفهمون أن ندوات الرأي الآخر والاتجاه المعاكس كلها مسرحيات فكرية لبيان عجز الإسلام الفكري عن الوقوف بوجه الفكر المعاصر أو السائد أو الغربي. يفهمون أن جميع التعاليم الإسلامية التي تبثها الوسائل الإعلامية هي لتعميم شعور الحاجة إلى تحريف معاني نصوص الإسلام بالإصرار على عدم جواز التلاعب بالنصوص. أيضاً يفهمون أن جميع المناهج التعليمية والبرامج الإعلامية تهدف إلى تعميم معارف تحريف معاني نصوص الإسلام وبالتالي تعميم ثقافة إسلام جديد. أصبح في بريطانيا منهج فكري إسلامي يستطيع التعامل مع المجتمع. هكذا في أميركا إسلام خاص من صناعة المجلس الفقهي الأميركي. هكذا في فرنسا وفي كل دولة أخرى إسلام خاص بالمسلمين الذين يعيشون فيها. هكذا أيضاً في كل بلد من بلاد المسلمين إسلام يختص بفهم الحاكم للإسلام ورؤيته “الإسلامية” بما يتوافق والموضوع الدولي المعروض. إسلام أميركا أو الإسلام الذي تسمح به أوروبا هو الذي يقبل معتقده طرح الغرب في أي موضوع ويتبنونه بعد اعتماد فتوى تجيز الكفر أو الحرام الظاهر فيه.

**بعد عقودٍ وعقودٍ من تضليل السياسيين والإعلاميين والحكام وعلماء الحكام للمسلمين عن أحكام الإسلام نجح الغرب نجاحاً منقطع النظير في تضليل أمة كاملة بمجموع أفكارها. ومن أجل التنفيس عن الإحباط من الواقع الفاسد الذي أوجدته الأفكار التضليلية التي صدقها المسلمون. أنشأ الغرب عشرات بل مئات الحركات الإسلامية في عموم بلاد المسلمين حتى تصرف غضب المسلمين في أقنية مجارير الصرف الشعبي. ولهذا وبهذا لا يتأثر أي جيشٍ من غضب المسلمين ونقمتهم عليه وإحباطهم من أفكار غير الإسلام. لهذا وبهذا لا يتأثر أي جيشٍ أو ضابط جيشٍ من عشرات آلاف الضباط في بلاد المسلمين ولا يتفاعل مع الحركات الإسلامية لأنه يعلم أن مخابرات الجيش والحكم هي التي تحرك هذه الحركات. لكن هذا الصرف النفسي لإحباط المسلمين في قنوات رسميةٍ تتعهدها أجهزة الحكم بالرعاية والتطوير لاستيعاب تقلب التيارات من المسلمين لا يزيل الإحباط. هي فقط تصرف طاقته بغير طائلٍ في تغيير أي واقعٍ أو التأثير في أي إجراء. الغربُ مطمئن أنه يستطيع الاستمرار في قهر المسلمين بواسطة جيشِ الحاكم مئات السنين.**ومطمئنٌ أنه يستطيع الاستمرار في تضليل المسلمين عن حقيقة أفكار الإسلام بواسطة علماء الحكام مئاتٍ من السنين. وأكثر من ذلك كله مطمئن إلى أنه يستطيع الاستمرار بالتلاعب بقوى الأمة الإسلامية بواسطة الأحزاب والحركات الإسلامية مئاتِ السنين.

اطمئنان الغربِ هو في الأساس اطمئنانُ الإنكليز والفرنسيين ويلحق بهم دول أوروبا التي أوجد لها الإنكليز والفرنسيون مصالح لهم في بلاد المسلمين لتقف معها في الساحة الدولية في إبقاء الطوق الدولي حول رقاب المسلمين. أميركا اللاعبة الجديدة في الساحة الدولية لم يكن لها رأي في صياغة طوق أوروبا لاستعباد المسلمين بسلطة حكمٍ تكفر بالإسلام، وأحزابٍ وحركاتٍ وجبهاتٍ وجهادٍ لخيانة المسلمين، وعلماء ومفكرين وإعلاميين لتضليل المسلمين عن الإسلام. في امتداد نصفِ قرنٍ من العمل الجبار وبذلِ الإمكانيات الهائلة ما زال الطوق الاستعماري ليس بيد أميركا وحدها. ما زال دور أميركا أو واقع سلطتها أنها تشارك بالإمساك بهذا الطوق في بعض مناطق بلاد المسلمين. أميركا في إحباطها رأت الطوق الإنكليزي ـ الأوروبي الذي يُطبق على أنفاس المسلمين بواسطة الحكام والجيوش والحركات الإسلامية هو في حقيقته سداً يمنع النفوذ الأميركي من الإمساك بالقرار السياسي في حياة المسلمين. في إحباطها قامت أميركا بإشعال معظمِ الحروب في بلاد المسلمين حتى تستطيع القفز فوق السور. فشلت في معظمها إن لم يكن في جميعها إلا في واحدةٍ منها ويبدو أنه أيضاً مؤقت. لا علاقة لتعداد هذه الحروب في موضوع تحريف معاني الإسلام بأفواه “المثقفين”.

في كل قولٍ أو فعلٍ أو اقتراحِ عملٍ تقوم به دول الغرب مجتمعة أو من دولةٍ تبدر منها مبادرة يكون مبرر القول أو الفعل أو الاقتراح من مرتكزات صراع الحضارات. قاعدة سياسة الاقتصاد الدولية وسياسة استراتيجية كل دولة غربية وكل قرار سياسي أو عسكري أو ثقافي أو اقتصادي أو اجتماعي، وفي مبرر كل قرارٍ بإجماعٍ دولي ضمان سيطرة الغرب على المسلمين في صراع الحضارات. هذا الضمان يعتمد أساساً في البداية والنهاية على منع المسلمين من امتلاك أي عنصر من عناصر الكفاح في صراع الحضارات. هم لا يريدون ضمان استمرار تفوقهم في قوى صراع الحضارات، يريدون أن يكونوا أصحاب كل عناصر القوة دون أن يكون للمسلمين أي عنصر قوة. وقد نجحوا في تحقيق ذلك نجاحاً كاملاً مذهلاً فالمسلمون منذ عقود مجردون من أي عنصر من عناصر القوة في صراع الحضارات. هذا هو الواقع في صراع الحضارات والجميع يعرفه؛ حكام وسياسيو الغرب والمسلمون بمن فيهم مفكروهم وعلماؤهم وأحزابهم العلمانية الملحدة “والإسلامية”. في هذا الواقع لم تجد أميركا لها دوراً في صراع الحضارات أو رأت أنها استنفذت قدرتها أو طاقتها في هذا المجال. فهي كانت وراء فرض قوانين تحرير المرأة من أي فضيلة، وقوانين فرض فتح جميع مجالات الفسق والرذيلة لكل امرأة مسلمة. وهي كانت وراء مؤتمرات “الإسلام” أو “المسلمين” لإعطاء صفة شرعية لكثير من القرارات التي كان يعتبرها المسلمون أنها أعمال خيانة للإسلام والمسلمين. نفاذ القدرة أو الطاقة في السياسات الحية يعني الإفلاس وليس الفشل. عناصر الإفلاس غير عناصر الفشل. الدول تستطيع العيش مع الفشل لكن لا تستطيع العيش بالإفلاس.

أميركا، في موضوع صراع الحضارات، رأت وجوب إخراج صراع الحضارات من واقعه الذي صاغته بريطانيا والدول الأوروبية إلى واقع جديد. نقل الواقع أو تغييره يؤدي إلى أخذ زمام المبادرة في أعمال الواقع الجديد. أميركا في خطتها أن تكون اللاعب الأوحد أو العدو الأوحد أو الأقوى في مجابهة المسلمين في مسرح صراع الحضارات. هذا الانفراد الأميركي بالمسلمين يفرض على الأوروبيين الانسحاب من مسرح الصراع وبالتالي انفراد أميركا بالنفوذ على المسلمين. خطة فرض أميركا نفسها عدواً شرساً وحيداً في عداوته وقدراته بكراهية ظاهرةٍ تفوق كراهية غيره تحتاج إلى مادة فكرية يقاومها المسلمون ولا تستطيع أوروبا مقاومتها. هذه الخطة تفرض واقعاً لا تستطيع فيه أوروبا إلا الإذعان لمادته الفكرية وسيحتم استسلام المسلمين له بسبب فقد المسلمين لأي قوة تمكنهم من مجابهة أميركا وليس مجابهة المادة الفكرية في الخطة. لقد نجحت أميركا في تهميش دور أوروبا في صراع الحضارات ونجحت في فرض مادتها الفكرية على المسلمين، بهذا الإفلاس الأوروبي تحاول أميركا أن توجِد حقلاً جديداً لقدرتها وطاقتها.

كراهية الأوروبي للإسلام منعته من فتح عقله لحجة الإسلام ومنعته من فتح قلبه حتى يحب غيره. لكن كراهية الأوروبي للمسلم لم تمنع المسلم من التواصل مع الأوروبي ومنه الأميركي. أميركا قررت فجأة أن توقف هذا التواصل. خطتها في قتل المسلمين أنى وُجدوا إذا اعترضوا على قتلهم أو تألموا من قتلهم وهم من دون جيشٍ يدافع عنهم أو نظام حكمٍ لهم يرعاهم بأحكام دين الله، تقضي بأن يتحوَّل مَن يبقى حياً إلى كارهٍ للأميركي يمتنع عن التواصل معه. أميركا تريد إيجاد الواقع الذي يضطر فيه المسلم إلى أن يكره أميركا والأميركيين وحلفاؤها الأوروبيين حتى يكون لها مبرر في قتل أي فردٍ أو جماعة مسلمةٍ بحجة أنهم يكرهون أميركيين. بهذه الذريعة تستطيع أميركا تطويعَ أي نظام ليقهرَ شعبَهُ في عبودية مطلقةٍ لأميركا كما حصل فعلاً في بلاد المسلمين. وبهذه الذريعة يتوقفُ المسلم عن حمل الدعوة الإسلامية للناس أجمعين وهذا ما حصل في الواقع. وبهذه الذريعة تحصرُ التواصل بين الإسلام والغرب في قنوات من صناعتها وبأفكارٍ من صياغتها برجالٍ يُرضونها في غضب الله، يحرِّفون كلام الله عن مواضعه أي فيما نزل فيه، وفي معناه أي في علته، وفي غايته أي في أثره. حتى إذا نجحوا بخداعِ أميركيٍ بقبول الإسلام يكون قد أسلمَ بفكرٍ أقرب إلى فكر المسيحية أو البوذية منه إلى الإسلام. بهذه الذريعة تستطيع تسخير “علماء الحاكمين” أو “علماء العصر” في هدفها الأكبر تحريف الإسلام!

**الجبهة الثانية:**التدميرُ المعنوي للنفسية المسلمة أكثر خطرا من قتل المسلمين بحماسٍ بلغ نسبة 90 بالمائة من مجموع الشعب الأميركي. أعلى نسبة إجماعٍ على قتلٍ جماعي في القرن الماضي. خطة تدمير النفسية المسلمة لم تعتمد إيقاعَ القتل لوحده. جعلت القتل يترافق مع حملة تخويفٍ بالتصفية الجسدية لكل مسلم في وجوده وماله وأهله. الشعبُ المسلم لم يأبه لحملة التخويف الأميركية. الحاكم في المسلمين في أي مستويات الحكم أو مستويات السلطة العسكرية لا يملك مقوِّمات الخوف والجرأة. ولا يملك حقَّ القبول أو الرفض في أي أمر تأمره به الدولة صاحبة النفوذ. في حملة قتل المسلمين تعهدت جميع أجهزة الحكم في المسلمين بالموافقة على قتلهم عندما تدعو حاجة أميركا إلى ذلك. كل واحد منهم كان “المشرَّف” برويز في موقعه، أدى دوره في تذليل العقبات والتدجيل على المسلمين في أنَّ السير مع أميركا في عملية قتل المسلمين أمرٌ لا بد منه. حملة تخويف النفس المسلمة من أجل تدمير النفس المسلمة اقتضت ليس انحياز الحاكم أو نظام الحكم إلى أميركا بل استقالة الحاكم أو النظام من دوره في حماية رعيته. حتى إن أي نظام حكم لم يجرؤ حتى على التظاهر أنه بجيشه الشجاع موجود ولو في الثكنات والأقبية. حكومة، جيشاً حاكماً بمؤسساته وأجهزته اختفى من مسرح خطة التدمير المعنوي للنفسية المسلمة. لم يبق إلا أجهزة إعلام الأنظمة التي تبنت تبرير خطة التخويف لتفرض الخوف فرضاً في نفس المسلم التي انتزعوا منها كل لباسٍ يقيها الخوف. لباس النفس المسلمة من الخوف هو تقواها أولاً، وحاكمها ثانياً، وثالثها جيشها وما يلحق بذلك من أردية لا يملك المسلمون منها شيئاً. وإذا ملكوا شيئاً يمنعها الحاكم عنهم. في حملة التخويف للتدمير النفسي اضطرت أميركا إلى إصدار لوائح بأسماء مسلمين على أنهم إرهابيون. وإلى تصنيف جمعيات خيرية بحجة أنها تموِّل إرهاباً. لما ضجَّ المسلمون بهذا الإذلال طالبوا الحاكمَ بأدلة على هذه الأقوال، بذلك وافق الحاكم على القرار الأميركي الجديد في حق المسلمين؛ إن كلَّ مَنْ يعارض أميركا في قول من أقوالها أو يجابهُ مؤامرةً أميركية في نهب ثرواتِ المسلمين هو إرهابي. لذلك أجابت أميركا أنه ليس لديها أدلة على أيٍّ من المصنفين أنه إرهابي. لكنها تشك أنهم يكنون مشاعرَ غيرَ ودية لأميركا وبذلك هم يجب أن يُصنفوا إرهابيين! حكامٌ بموافقة وزرائهم ونوابهم الذين انتخبهم الشعب أو الذين عينوهم في مجلسٍ سمّوه “شورى”. وبموافقة “قواد” جيوشهم وافقوا على اتخاذ إجراءات التعامل مع لوائح أميركا الإرهابية حسب البرنامج الذي وضعته لهم أميركا. جميع الحكومات فرضت تجميد أرصدة الأفراد والجمعيات الذين شكّت أميركا بنياتهم. جميع الأجهزة استدعت وحققت مع مَن عندها من الأفراد والجمعيات المصنفين. الحكام تبرؤوا من هذه الأسماء حتى إنَّ البعض حاول أن ينكر مواطَنَتَهم بالاسم بعد إنكارها بالفعل. والبعض الآخر كحاكمِ اليمن قرر إعلان “الجهاد” العام ضدهم. جرَّد الجيوش لقتلهم لا لاعتقالهم لأن التحقيق معهم قد يكشف كذبَ أميركا في العالم أن تصنيفها ليس هدفه المصنفين بل الذين هم خارج التصنيف؛ عموم أمة المسلمين. تماماً كما كان قتل المسلمين في أفغانستان ليست غايته قتل مَن جرى قتله بل موت مَن لم يُقتل بأن يحيا ميتا!

حملةُ تدميرِ النفسية في المسلمين حملة في تسويق الخنوعِ المطلق لأميركا قامت بها لتحقيق هدفين؛ الأول إبدال خوف الله في قلوب المسلمين بالخوف من معصية أوامر أميركا أو معارضة خطة سياسة أميركا في بلاد المسلمين. الهدف الثاني تحويلُ أنظمةُ الحكمِ العميلة لها أو العميلة للإنكليز إلى مخافر شرطةٍ تأتمر بإدارة الأجهزة الأمنية الأميركية مباشرة. ووضع الملفات الشخصية والمالية لجميع المسلمين تحت المراقبة المباشرة لأميركا في كل وقت. الهدف الثاني سلَّمت به أكثر الأنظمة وخضعت له وأضافت له رغبتها واستعدادها لتسليم أي فردٍ من رعيتها لظلم الافتراء الأميركي. لكن هذه الإضافة أو الإمعان في ظهور الحاكم أنه العدو الأول لشعبه لم يكن كذا في حقيقته. تمَّ إخراجُ هذا الأمر بهذه الصورة الخيانية لإقناع المسلمين بالفعل الملموس أن أميركا هي التي تحكمهم بجزمتها وأن الحكم لها ومنها وليس للمسلمين ولا منهم. وأن الحاكم الذي يحكمهم بالقهر والتجسس والسجن والتعذيب إنما يحكمهم بالجزمة الأميركية. هذا التشويهُ المقرف لواقعِ الحاكم في المسلمين كان ضرورةً في خطة التدمير المعنوي للمسلمين. خاصة في قبول الحاكم هذا الإذلال دون أن يتظاهر حتى بالتذمر! ليس لأنه لا يحس بالإذلال بل ليفرض على المسلمين التسليم بقبول الإذلال والرضا بالعيش به وبما يفرضه من التسليم المطلق لسياسة التدمير للشخصية الإسلامية في نفوس المسلمين.

في طبيعة زخمِ التصميم النادر في قتل المسلمين أنه لا يبحث فيمن يقتل. لا يتأثر في كم يقتل، لأن القتل هنا لا يتعلق في نوع المقتول ولا في عدد القتلى. إنه القتل الذي يُبرِز الزخمَ الذي يجري به القتل، فالزخم هو العنصر الأساسي في مؤامرة تبرير قتل المسلمين بعد تلفيق اتهامهم باجتماعهم وتآمرهم على قتل 2800 أميركي ربعهم من المسلمين. مع هذا الزخم النادر في التصميم على قتل المسلمين نشطت أجهزة الإعلام الدولية والإقليمية والمحلية في قلب البلاد الإسلامية في موضوعٍ إعلامي لم يسبق أن تطرقت إليه في خطة متكاملة، متوازنة الإيقاع، منسقة في تفصيلاتها وتحليلاتها ومجراها.

هدفها: بعد أن فرضت أميركا على العالم أن يصدق أن أحد عملائها انقلب عليها ودمرها بغفلة منها. وبعد أن فرضت بالمنع الجسدي أيَّ مذياعٍ ولو من فم فردٍ أن ينطق برفضه أن يصدق افتراء أميركا. وبعد أن منعت الحديث ولو من أخرسٍ يطالب بدليل واحدٍ على أن مسلماً واحداً فقط كان مشاركاً فعلياً لا مشاركاً ملصقاً بالعملية زوراً. وبعد أن فرضت على جميع حكام الأرض الإعلان عن تصديقهم اتهام أميركا أن المسلمين قاطبةً قاموا بهذا التدمير الذي يخالف دين جميع المسلمين دون أن يعلنوا عن دليل واحدٍ حتى اليوم. بعد أن نجحت أميركا بإلصاق تهمة التفجير زوراً بمسلمين، ونجحت بتعميم التهمة لإلصاقها بالأمة الإسلامية أسودها وأحمرها. بسكوت وطأطأةِ رأسٍ من حكامٍ في المسلمين وقوادِ جيوشهم. هدفها: بعد أن كان الأمر صدودَ الأوروبيين عن الإسلام بسبب برامج الكراهية التي فرضها الحكام عليهم في برامجهم التعليمية والإعلامية والسياسية فقط أن يتلازم معه فرضُ كراهية الأوروبي على المسلمين، بتحويل المسلمين إلى كارهين!

جدارُ كراهية الأوروبي للإسلام كان وهماً فرضه سياسيوهم عليهم في خطة الحرب الصليبية. بقيت خطةُ فرضهِ ناجحةً ألفَ عام وما زالت ناجحةً في منع الأوروبي من محاولة فهم الإسلام. فجأة أرادت أميركا تدعيم هذا الجدار بخطة لا تخطر إلا على بال من مثل الذين كانوا وراء قتلِ مواطنيهم في أميركا. ثم لفقوا تهمةً ألصقوها بتسعة عشر اسماً مسلماً خمسةً منهم ثبتَ أنهم أحياء في مناطق أخرى وأربعة ماتوا من زمنٍ قبل إيقاع ضربتهم، والتسعة الباقون لم يثبت أي دليل أنهم كانوا بالطائرة. بل الحقيقة أن الإثبات القانوني أنهم لم يكونوا بالطائرة وعجزهم عن الرد أن الأجهزة قامت بتصفيتهم قبل إلصاق التهمة بهم. ثم عمدوا إلى تحويل التهمةِ إلى أمة المسلمين. ثم قرروا إن المسلمين مجرمون يقتلون الأبرياء يجب قتلهم قبل أن يكثروا في الأرض.

**فرضت أميركا اتهام المسلمين ـ بموافقة الأوروبيين في هذا الموضوع ـ أنهم يقتلون الأميركيين لأنهم يكرهون أميركا. وانطلقت أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة في مؤامرة البحث عن سبب كراهية المسلمين لأميركا والغرب قاطبة. لم يتركوا جاهلاً أو مرتداً أو منافقاً أو مثقفاً بثقافتهم من المسلمين إلا واستحضروه ليدلي برأيه في سبب كراهية المسلمين للغربيين، ليس للكفار بل للأميركيين والأوروبيين حصراً. وتناولت أجهزة الإعلام الغربية موضوع كراهية المسلمين للأوروبيين بكثير من التفصيل. وتألفت وفود أميركية ووفود أوروبية تجول في بلاد المسلمين. في تفتيشها عن سبب كراهية المسلمين لهم تُثبِتُ التهمةَ على المسلمين وتفرضُ عليهم كراهيةَ الغربِ فرضاً.**إعلاميون أوروبيون وأميركيون بعد أن صدمهم الواقع الذي يرد تهمتهم خافوا فشل خطة أميركا في تحويل المسلمين إلى كارهين. أخذوا يصرخون كالكلب الذي عُضَّ في ذيله: لماذا تكرهوننا أيها المسلمون؟ أحدهم مسعوراً في غضبه؛ مثلَ كلبٍ كَلِبَ بداءِ الكَلَب، تعب من جهله في سبب عضِّه لغيره. أرهقه عويله لماذا يكره المسلمون الأميركيين والإنكليزَ والفرنسيين والسلاف وكل البشر دون أن يجد لذلك سبباً يقنعه. طلب ـ أو فرض وجيوش أميركا من ورائه وأمامه وحاخامات العالم من فوقه ومن تحته ـ أن يجتمع مع “مثقفين” وأكاديميين وجامعيين في بلاد الحرمين الشريفين. وافق خادم الحرمين الشريفين على الأمر ووضع مرافقين من التشريفات في تصرفه وهيأ له لقاء مع “مثقفين” مسلمين. سألهم: لماذا تكرهوننا ونحن لم نفعل لكم شيئاً؟ قام أحد “المثقفين” وذكّره بقتل السلاف لمئات الآلاف من المسلمين في الأمس القريب في البوسنة والهرسك وكوسوفا. وكيف قتل الفرنسيون مليوناً من المسلمين بالأمس في الجزائر. باحتلال بريطانيا لجميع بلاد المسلمين وقتلها الآلاف لترسيخ احتلالها وإزالة دولة الخلافة من الأذهان، ونهب خيراتِ المسلمين وإيجاد إسرائيل. وقتل إسرائيل للمسلمين منذ عشرات السنين بإدارة إنكليزية وتمويلٍ أميركي. واليوم أميركا تقتلنا في أفغانستان بالآلاف دون مبررٍ أو دليل اتهام. عقله المريض في خبثٍ من غير جمرة لم يستطع أن يحتمل “مثقفاً” يئنُّ من قتل أخيه وأبيه وأمه وبنيه لكنه لا ينطق بكراهية ولا بسبب. في هربه من ألم التذكيرِ لا من ألم الفعلِ يقاطعُ المتكلم بوقوفه المعترض وفي خروجه من القاعة بدا وكأنه يصرخ بقول مصاصي الدماء: نترككم تعيشون لكنكم تحزنون على قتلنا أهلكم وإخوانكم وجيرانكم؟ أنتم عنصريون تكرهوننا لأننا نقتلكم! أنتم ساميون أو أنتم لا ساميون، أأنتم بشر! لا أنتم عرب، يا للهول، يا لمصيبة البشر! إنهم عربُ الإسلام الذي لا تموتُ فيهم عزتهُ ولا حجتهُ أو الاهتداء بسيرة نبيه. إنكم ما زلتم تصدقون الله ربكم في وعده نصر الذين ينصرون دينه بعد كل هذا الذل الذي ألبسناكم إياه! ما زالوا يميزون بين الكفر والإيمان والصحيح في دينهم من التضليل الذي نفرضه عليهم بناطورنا عليهم. ما زلتم ترفضون سلطة الكافر بدينكم أو حكم الكفر برجل منكم لأن ربكم الله يحرِّمُ عليكم ذلك في القرآن! ما زلتم تصدقون القرآن أن الجنة لا يدخلها إلا الذين أطاعوا الله وحده في هذه الدنيا ولم يُشرِكوا بطاعته أحداً أو هوى نفسٍ وأنَّ هذا جزء من توحيد العبودية لله! لأشكونَّكم إلى الابن، بوش..!!

نعترفُ أمام برلسكوني وهو مَنْ هو فيمَ يُتَّهم به. نعترفُ أمام الابن في البيت الأبيض الذي يبرُّ أباه في حفظِ تراث العائلة في قتلِ المسلمين. نعترفُ أمام سيدتهم. نعترفُ أمام آلاف الملايين وأسياد الجيوش التي تقتلنا، وأسيادِ الجيوش فينا الذين يتفرجون على قتلنا: **إننا حضاريين على غير نهجِ حضاريي الديمقراطية. وإننا على حضارة الإسلام التي أكرمنا الله بها لنحيا عليها بِفِطرة الإنسان. وإننا مصممون أن لا نجاري حضاريي أوروبا بالعيش في وِديان الانحطاط الفكري والشقاء النفسي الذي تعيش فيه شعوبهم. ولن نهوي للعيش في حضارة الضلالِ والتضليلِ التي يتبناها ويعيش بها أمثالهم. وإن الفرق بين حضارة الإسلام وحضارة الغرب هو الفرق بين الكفر والإيمان، هو الفرق بين العاقل وغير العاقل.**أو كالعيش من دون روح أو الموت من دون جسد. وننصحكم حيث النصيحةُ في ديننا صدقةٌ للكافر كانت أو للمسلم. إذ هي تصدرُ بقولٍ شرعي من مصدرٍ(1) شرعي. ننصحكم أن تستعجلوا النظرَ في مصدر حضارة الإسلام ومصدر حضارة فرضِ السيطرةِ للاستغلال؛ حضارتكم، هل يلتقيان؟ وننصحكم بالنظر في وِجهة نظرِ الحياة في حضارة الإسلام ووِجهة نظرِ الحياة في حضارة فصل المصير في الموت عن طريقة العيش في الحياة، هل يلتقيان؟ وننصحكم بالنظر في قول حضارة الإسلام بمصير الإنسان في الموت وعلاقة عمل الحياة بدوام الحياة، وفيما تقول به حضارةُ الغباء في علاقة الحياة بما بعد الحياة، هل يلتقيان؟

هكذا نستطيع أن نستمر بالنصح، لكن هل ينفع النصح مع الشياطين وسيدتهم؟ أو سادتهم، وهم قادرون على قتلنا في غياب دولةٍ منا ولنا؟ الله يخبرنا أن الخير بِذْرةً في كل إنسان، لا يدري الإنسان متى تنبت فيه. كما لا يدري الذي هداه الله إلى طريقِ الخير متى تنبت في الكافر الضال. حتى الذي يُضِلُّ مثل تاتشر وبرلسكوني وعشرات الآلاف بل الملايين غيرهم، يأمرنا الله أن لا نلعنهم بكراهيتهم وضلالهم وجهلهم قبل أن يموتوا على هذا الكفر. حتى الذين يقتلوننا مثل بلير وتشيني ورامسفيلد وعائلة بوش التي بَنَت مجدها في قتل المسلمين، لا يستطيع المسلمُ لعنهم قبل أن يموتوا غيظاً على كفرهم. مظنةُ الخير فيهم واجبة بأمرٍ من الله الذي خلقهم وليس لأننا نرى فيهم بصيص خير. مظنَّةُ الخير فيهم تمنعنا أن نكرههم، تفرضُ علينا مصارحتهم بضلالهم، ومشاركتهم نبتة الخير التي أنبتها الله فينا. نعرضُ(2)عليهم سعادة الدنيا والحياة إذا ارتقوْا للتوفيق بين سبب الدنيا والموت وسبب الحياة في المصير.


**(1)المصدر الشرعي هنا ليس الكاتب بل تتعلق بمصدر القول أنه من المصادر الشرعية.

(2)ليس للمسلمين في الوقت الراهن منبر منه يعرضون عروضهم على دول الكفر وشعوبها، لكن عرض الهداية هو حمل الدعوة بالتزام أحكام الإسلام وهو فرض قائم على المسام حتى آخر نفسٍ فيه. منبر هذا الفرض هو النفس في الإنسان، وهو وضوح الإيمان في العقل، وهو القدرة على النطق، والكتابة من أدوات أو صيغ النطق. لذلك لا يعجبن القارئ المسلم أننا في ضعفٍ أو من ضعفٍ نعرض. غير المسلم، في مسيحيته يتذكر أن المعلق على صليبه بقي يعرض خلاصه على يهود الذين أصروا على صلبه رغم معارضة الرومان، لذلك هم يعلمون أن المؤمن لا يحتاج إلى منبرٍ لأن مسرح الإيمان هو العقول والقلوب ليس المدفع والطائرة. أما غير المسلم، في ديمقراطيته، يتذكر حجة القول التي يقرأ عنها ولا يعرف لها مواصفات. يتذكر حرية القول ولا يعرف لها فائدة. يتذكر حرية الحياة والموت في عقيدته من دون غايةٍ فيتذكر أن منبر الحجة هو برهانها، وأن منبر الفكر هو مقولته.**

**الجبهة الأولى:**قتل المسلمين بتصميم نادر في زخمه. القتل هو القتل والتصميم على القتل هو نفسه في كل قتل. التصميم على القتل ضروري لتحقيق الهدف. الزخم غير التصميم وغير القتل فهو يتعلق بغير هدف التصميم وغير هدف القتل، له هدف خاص به. هدف الزخم الذي وراء القصف الذي وصل في شراسته أن كان يُقصف قِنّ دجاج بصاروخٍ من أجل قذف الرعب في قلب كل مسلم يؤمن بالله ورسوله والقرآن كما أنزله الله للناس أجمعين هدى لهم ورحمة بهم. هدى لهم لأن التزام هدي القرآن والسنة النبوية يؤدي إلى سعادة العيش في الدنيا والخلود في جنات النعيم السرمدي. رحمة بهم لأنه ينقذهم من شقاء العيش وتعاسته وبؤسه في الدنيا وعذاب الآخرة في لعنة الله. هذه الشراسة في القتل رافقها حملة إذلالٍ لكل حاكم في بلاد المسلمين. لم يكن هناك مبرر لإذلال الحاكم في بلاد المسلمين إذ لم يصدر عن مجموعهم موقف يعارض قتل المسلمين لا في السابق ولا في الحاضر. لكن قصد إذلال الحاكم كان إذلال الفرد المسلم. كأنه قول صارخ من أميركا: اعلم أيها المسلم أن الذي يقدر على إذلال حاكمك وحكومتك قادر على إذلالك ومصادرة أموالك. وحتى مصادرة حريتك بالاعتقال وروحك بالقتل الصاروخي بموافقة حاكمك وتعاون قواد الجيوش ووزراء الحكم وعلماء الحكومات في بلادك! إذا اقترن فهم الزخم النادر أو ربطه في التصميم على قتلٍ غير مبرَّرٍ للمسلمين، مع إذلالهم غير المبرر في وسيلته، يتضح أن مقصود هذا الاقتران بالعمل هو قلب طاولة التاريخ في موضوع كراهية الأوروبيين للإسلام أنها في بدايتها مؤامرة الحكم الأوروبي ليمتنع الأوروبي عن التحول لاعتناق الإسلام، لتصبح أن إعلان الغرب الأميركي عداوته للإسلام حتى يعلن المسلمون خضوعهم لشروط هذه العداوة بكراهية!

مسرحُ الكراهية بين الأوروبيين والمسلمين أنه كان دائما باتجاهٍ واحد: الأوروبيون يكرهون المسلمين. في التاريخ كله مجرى الكراهية في اتجاه واحد: الكفر يكره الإيمان، أهل الكفر يكرهون أهل الإيمان. لم تمر في التاريخ حقبة يَكرَهُ فيها المؤمنون. الكراهيةُ دائماً حرام في كل إيمان. هكذا كانت محرّمة في إيمان عبّاد الله وأنبيائه عيسى ويعقوب وموسى إلى آدم، وهكذا تجلت في صريح آيات القرآن الكريم الذي به نُسِخت أديان الله السابقة له كلها. وهكذا اكتمل بيان أحكامها في سنة محمّد صلوات الله عليه التي ألغت أحكام سنن جميع أنبياء الله من قبله. هذه الكراهية المستمرة في غياب مواجهة إسلاميةٍ ماديةٍ أرهقت النفس الألمانية والفرنسية والسلافية وعموم نفوس الأعراق الأخرى. طبعا باستثناء النفس الإنكليزية لأسباب تتعلق بارتباط هذه النفس بغير علم النفس الإنسانية. منذ نشوئها ارتبطت ـ بفرض من الحاكم ـ في تكوينها ورؤيتها في تشكيل نفسية خاصة، لذلك نستثنيها في هذا الموضوع. أثـقل أحمال النفس البشرية البريئة تأتي من مواجهة الحق بباطل. أو إيقاع الذنب على بريء، أو ظلمِ من لا يستطيع ردّ الظلم. لا تحمل هذه الأحمال إلا نفس من جنس نفس إبليس أو نفس حاكم يستبيح كل شيء لاستمراره في الحكم.

النفس الأوروبية نفس بشرية في طبيعتها، بريئة في بدايتها كنفس المسلم. لكن في تراثها وثـقافتها ترتوي من أفكار الباطل لتتـشكل عقليتها بما عليه عقلية برلسكوني وشيطانةُ الإنكليز. عقلية تستبيح ظلم الحق في كل قولٍ وإنكارِ برهانِ الواقع في كل فكر. عندما أنكرت سيدتهم حق المسلمين بالاحترام لم تقل ذلك اعتباطاً بل قناعةً أن جنس الشياطين خيرٌ من جنس البشر. بمعنى أنَّ فكرَ الكفرِ وعقيدةَ التضليلِ خيرٌ من فكرِ الإيمان وعقيدة التوحيد التي جاء بها الإسلام. وعندما أنكر برلسكوني حقَّ المسلمين بالمساواة بإنسانٍ من جنسه، جنسُ مزوِّري حقيقة الوجود، لم يقل ذلك اعتباطاً بل قناعةً أن اللص خيرٌ من الذي يسكت عن سرقته أو من الذي يمكن سرقته. بمعنى أن مفاخرته واستعلاءه بحضارته عن حضارة المسلمين هو في واقعه أن حضارةَ الغرب منذ بدءِ تلك الحضارة مع الإمبراطورية الرومانية في وثنيتها ومسيحيتها كانت حضارة نهبٍ وسرقةٍ لكنوزِ الشعوب المغلوبة. لا تتساوى مع حضارة الإسلام التي كانت تمنع النهبَ والقتلَ للنهب، وتحملُ أفكارَ الحياة والموت والبعث للنفوس الحائرة في سبب وجودها وسبب موتها. فحضارة الإسلام تطرح حياة السعادة بديلَ شقاء الحياة أمام كل عقل. وهي ليس لها في ثروة الناس شأن إلا أن يكون دور تلك الثروة مزيداً في قدرة تعميم الخير على الغني والفقير، وسبيلاً من سبل الحياة في طاعة الله صاحب قرار المصير في جنةٍ أو نار. حضارةُ برلسكوني التي يتعالى بها برلسكوني وسيدتهم تاتشر وقد يلحق بهما مئات من أسياد الجيوش وملايين ومئات ملايين من أبناء الأرض الذين يفنون على الضلال. حضارةُ اغتصابِ عِرضٍ ومالٍ وحقيقةٍ في عقلٍ وبرهان. لا حاكمٌ ولو واحد ولا سياسيٌّ واحد أو فضائية أو صحيفة أو منبرٌ إعلاميٌّ من آلافها في بلاد المسلمين وقف وِقفةَ حاكمٍ ولو في نعاجٍ يردُّ الباطل بالحق!فعلامَ إذلال الحاكمِ فينا؟

بعد مرور ستين عاما على دخولها للمسرح الدولي وجدت أميركا أنها في وتيرة سيطرتها على الدول الخاضعة لبريطانيا وفرنسا تحتاج إلى قرون قبل تصفية هذه الدول من نفوذها وسيطرتها على دولٍ كثيرةٍ في العالم. لذلك كان لا بد لقوة الحكم في أميركا من إعادة درس خطتها في دورها في المسرح الدولي.لقد بلغ من ضعف أميركا في رؤيتها السياسية ودورها الذي تفرضه تلك الرؤية أن أميركا بكل طاقاتها لم تستطع وقف تلاعب سياسيي دولة يهود بها وكأنها كرة تتقاذفها أقدام أولئك الأقزام في تجمع الليكود والمخادعين في حزب العمل. لقد بلغ من ضياع أميركا في رؤيتها وقضيتها أن قام رئيسها بكل طاقته لإطفاء ثورة شعب أيرلندا لتحرير بلاد أيرلندا من احتلال الإنكليز لها. علما أن أميركا التزاما برؤيتها ودورها أثَّرت كثيراً بتحريك تلك الثورة لتحرير أيرلندا من احتلال الإنكليز.

ضياعُ أميركا في عهد كلينتون جعله ذليلا في تعامله مع سياسيي دولة يهود. إذلاله في شخصه تجاوزه ليكون تسفيها لرؤية أميركا ودورها. تبعية أميركا لخطط غيرها في حرب البلقان أذلّت أميركا في دورها وقوتها ذلك أنها في تلك الحرب لم تكن ذات رؤية ولا قضية. إذلال أميركا في البلقان أيضا تجاوزه ليكون تسفيها لدورها وقوتها العسكرية في العالم.

في هذا الضياع وقع التفجير ووقع الاتهام وبدأ قتل المسلمين بدون ذنبٍ ارتكبوه إلاّ أنهم مسلمين، رغم أنهم مسلمون بدون فكر الإسلام بدأوا بقتلهم. ورغم أنهم عزّل من سلاحٍ يماثل سلاح المعتدي أنشئوا حلفا دوليا لقتل المسلمين. أثناء القتل الجماعي الهمجي يصرح أحد أقوى أطراف الحكم في الرئاسة الأميركية أنه مع غيره خططوا منذ مدة لهذا العمل!(1) لكن هذا العمل جزء من خطة فلا بد أن حكام أميركا قاموا سرا في عهد كلينتون بوضع خطة تقلب موازين القوى في العالم. أميركا لا تريد الانتهاء من المسلمين فالمسلمون أنهت بريطانيا كيانهم الدولي منذ زمن بعيد. أميركا لا تريد الانتهاء من الإسلام كعقيدة في النفوس لأنها تعلم أن ذلك ليس في مقدور البشر أن يفعلوه. لأنه ثبت لديهم أن الشيطان حاول وفشل وهو سيدهم فكيف بهم. **أميركا قررت أن استمرار وجودها ككيان ودولة وقوة عظمى يقتضي ضرب العقيدة الإسلامية ليس في صدور المسلمين بل في صياغة فكر العقيدة. فكر العقيدة هو ماء الحياة للمؤمن قبل أن يكون ماء الحياة للعقيدة. لأن عقيدة الإسلام في جوهر وجودها، وهو غايتها في دورها وتأثيرها، أنها تؤدي إلى إحياء الإنسان الذي يعتقدها. أميركا تعتبر أنه في غياب دولة الخلافة التي تطبق أحكام الإسلام مجال صراع الحضارات محصور بين غير متعادِلَيْن صاحبِ فكرٍ وصاحبِ سلاح. إن المعركة التي وجدت أميركا نفسها في خضمّها بعد فشلها في أن تكون القوة السياسية الوحيدة في العالم، حتى بعد تسليم روسيا المطلق لأميركا بدون شروط، هي أن بريطانيا نجحت في تحريك دول أوروبا العظمى في مشروعها لتشارك أميركا فعليا في المسرح الدولي.**رغم أنها القوة العسكرية الوحيدة في العالم كانت دائما في حاجة إلى دعم أوروبا والإنكليز خصوصا في قهر المسلمين وقتلهم. ساحة المعركة هذه التي تصارع فيها أميركا للسلطة السياسية في العالم لم تكن في معاييرها أميركية ابتداء. حتى اليوم لم تنجح في مصادرة معايير ساحة المعركة للسيطرة على السياسة الدولية؛ ومعايير الساحة هي نفسها المعايير الثلاثة لأي مسرح.

خطة أميركا في ركائزها الثلاث هدفها نزع سلاح الإسلام من الإسلام. سلاح الإسلام فكرُ عقيدته لا يمكن نزعه لأنه جزء من طبيعةٍ، مثل قلب الفرد لا يمكن للفرد أن يحيا بدون قلب. كذلك عقيدة الإسلام لا يمكن أن تكون عقيدة فردٍ دون فكرها. لذلك تقول عقيدة الإسلام إن من يدّعي أنه مسلم دون فكر العقيدة هو مُكذِّب بنبوّة محمد عليه الصلاة والسلام منافق في دين الله مرتد عن دين الإسلام؛ بغض النظر عن كون هذا الكذاب المنافق المرتد بعمامة أو بغير عمامة، مثقفاً بشهادة دكتوراه بالإسلام أو بتربة الأرض. أو كونه حاكما انتخبه البرلمان أو فرضه ضباط جيش. نزع سلاح الإسلام سارت فيه أميركا على ثلاث جبهات:

ا**لجبهة الأولى: قتل المسلمين بتصميم نادر في زخمه.

الجبهة الثانية: التدمير المعنوي للنفسية الإسلامية.

الجبهة الثالثة: فرض المباشرة في نزع سلاح الإسلام بتحريف معاني الإسلام بأفواه أصحاب العمائم والمثـقفين في فنِّ دجلِ الكلام.**

هذه الجبهات الثلاث، البعض يقول إنها جبهة واحدة وحجته في ذلك أن أميركا دمجتها مع بعضها. قولهم صحيح وهذا ما تحاول أميركا أن تفعله في الظاهر. لكن الأوروبيين فهموا أن هذا الدمج مصطنع لتمرير المؤامرة عليهم. المؤامرة في حقيقتها على الأوروبيين وعلى رأسهم الإنكليز، ليست على المسلمين. المسلمون ليسوا طرفا في أي نزاع لا دولي ولا إقليمي ولا داخلي. لكن سبب أميركا في فتح هذه الجبهات الثلاث هو اصطناع مسرحٍ جديد في ساحة السياسة الدولية تكون عناصره الثلاثة من صناعتها وحدها. ساحة المعركة في السياسة الدولية فيها مسارح عدة ، لكن هذا المسرح هو المسرح الوحيد الذي تصطنعه أميركا ليطغى على بقية المسارح لأنه المسرح الوحيد الذي ـ تظن وتريد ـ أن ترقص فيه لوحدها وتكون فيه دول أوروبا متفرّجة في المقاعد. دول العالم الأخرى بما فيها روسيا والصين في الكواليس خدمٌ لمسح الأحذية وخياطة الثياب ومهندسو صوت وإضاءة، أما الصين فهي تكنس الغبار وروسيا ليست أكثر من مصفف شعر! هذا المسرح تريده أميركا دائماً لذلك تحتاج إلى رواية متسلسلة وهذا هو سبب تصنيفنا لجبهة أميركا أنها ثلاث جبهات.


(1)الموضوع الذي كان يقصده المسؤول الأميركي هو ليس عمل 11 أيلول بل فرض الاحتلال المباشر للعالم بفرض مشروع محاربة الإرهاب.

بحْثـُنا في موضوعه يرتبط في صراع الدول الكبرى بإمكاناتها الهائلة مع فكر الإسلام الذي ليس له دولة ولا إمكانات اللهم إلا الحجة العقلية والبرهان المحسوس. صراع الفكر الديمقراطي الرأسمالي بأهله مع فكر الإسلام من دون أهله. أهل الفكر ليسوا حملته أو معتقديه بل القوة التي تحمي حَمَلَةَ فكره. ظرفُ البحث غير موضوعه. ظرفُه اليوم هو تصميم أميركا على قتل المسلمين جسديا، إذلالهم لقتلهم معنويا، وتحريف الإسلام بغير طريقة تحريف التوراة والنصرانية للقضاء على فكره.

موضوعُ صراع الحضارات بقي منذ ابتدائه قبل مرحلة الحروب الصليبية فكريا مقارعة برهانِ الإسلام بأقوال المسيحية. الحروب الصليبية كانت لنقل الصراع من فكريٍّ بين فكرٍ في برهانٍ وافتراضٍ في قولٍ إلى فرض كراهية الإسلام والمسلمين على الأوروبيين. الكراهيةُ تقضي على امتياز الإسلام في برهان فكره على أقوال المسيحية في غياب برهان قولها. هكذا عاش الأوروبي في حصن كراهية الإسلام والمسلمين منذ الحروب الصليبية التي كانت لترسيخ هذه الكراهية، حتى زوال دولة الإسلام في عام 1924م. بعد هدم دولة الخلافة وهي سلطة الحكم التي تقوم على أساس نظام الإسلام بقي فرضُ كراهية الإسلام على الأوروبيين ومنعِ الإسلام أن يكون له منبر. حتى إن المنع طاول أي فرد مؤمن. في احتلالهم بلاد المسلمين قام الإنكليز باصطناع أحزاب وجمعيات وزعماء بإسلام مجتزأ، مبهم، مختلط بغير إسلام ـ كفرـ لإيهام المسلمين أنهم ما زالوا يصارعون الكفر. لأن صراع الكفر ـ أفكار غير الإسلام ـ جزء أساسي في فكرِ الإسلام، وفرض أساسي في فروض الإسلام. لكن هذه الأحزاب “الإسلامية” والجمعيات والزعامات “الدينية” كانت في خبثٍ ومكرٍ وخيانةٍ مصمَّمَةٍ لهدر طاقات الأمة الإسلامية والتلاعب بمقدرتها. وقد استمر هذا الحال حتى دخول أميركا المسرح السياسي العالمي.

أميركا لم يكن عندها خطة سياسية للعالم أو لسيطرتها على العالم. لذلك دخلت المسرح بقوتها العسكرية واستمرت على المسرح السياسي الدولي بقوتها العسكرية، لكن دائما بدون خطة سياسية للعالم(?). **أميركا لم تقنع يوما أن هناك مقوّمات للصراع العسكري تغاير مقومات الصراع الفكري أو الصراع السياسي أو الصراع الاقتصادي. أميركا لم تنتصر يوما من دون سلاحها العسكرِي.**لذلك عندها، حسمُ أي صراع لا يمكن أن يتم إلا بصراع عسكري. أو إن الصراع العسكري هو نهايةُ كل صراعٍ حتى ولو كان صراعاً على نظافة البيئة، أو صراعاً مع قوى تمنع تفشي الرذيلة في مجتمعها وتصر على العيش بقيمٍ وفضائل. حتى إنها في صراع الحضارات لم تفهم أنها أكذوبةٌ في خطة أوروبية ـ بعد أن أبدلوا أوروبية بإنكليزية تهذيباً ومكراً وخداعاً ـ في تضليل المسلمين عن حقيقة الصراع وتحويلهم عن حقيقة الهدف الإسلامي في وجود أمة المسلمين. أميركا صدّقت الكذبة الأوروبية ـ الإنكليزية ـ أن هناك صراع حضارات بالمعطيات التي فرضوها!

كذلك، أميركا لم يكن عندها قضية سياسية عندما باشرت السياسة الدولية. لما دخلت المسرح الدولي وجدت دول أوروبا تفرض سيطرتها على بلاد المسلمين وغير بلاد المسلمين لتستغل طاقاتهم وتنهب ثرواتهم. لم يكن أمامها بحسب اعتناقها للنظام الرأسمالي غير المشاركة في هذا الاستغلال وهذا النهب. أما ادعاء أميركا أنها تحمل الديمقراطية للشعوب فهي ليست أكثر من مادة لإثارة الشعوب لتتخلص من حكامها عملاء الحكومات الأوروبية المستعمرة وإبدالهم بحكام من عملاء أميركا في تلك الشعوب.وقد نجحت في هذا في بلادٍ كثيرة من أبرزها في بلاد المسلمين مصر، إيران وإندونيسيا. هذا عن طريق الثورات الشعبية، أما عن طريق شراء ذمم ضباط الجيش لتسليمها البلاد بكل ما فيها فقد نجحت أيضا في بلاد كثيرة لكن استمرار نفوذها في هذه البلاد ما زال يعتمد على الجيش ولم تنجح في أخذ الشعب ليسير معها.


(? )كان عند أميركا أن حقها الطبيعي هو وراثة الاستعمار الأوروبي للعالم، هذا كان غاية أميركا وسبب دخول أميركا للحرب. لكن هذا ليس خطةً بل هدفاً يحتاج إلى خطة. فيما بعد وضعت أميركا خططاً كثيرة لمناطق مختلفة من العالم لم تتجاوز أن تكون خططاً إقليمية لا خطة للعالم. لما أدركت ضعفها في هذا وحاجتها إلى خطة للعالم قامت بتجميع خططها الإقليمية لكن هذا أيضاً لا يجعل هذا التجمع خطة للعالم. كذلك في خطتها لاستيعاب الوجود الروسي الدولي في جلبابها وإنهاك روسيا عسكرياً في سباق التسلح واقتصادياً في سياسة الحرب الباردة كانت خطة إقليمية لكن في منبر المسرح الدولي وليس خطة للسيطرة على العالم. اصطناع الإرهاب شبحا مخيفاً ونفخ الروح فيه في كل يوم بعد اصطناع أحداث التفجير في أيلول هو أول خطة سياسية متكاملة لأميركا في محاولة السيطرة على العالم بغض النظر عن ضعف هذه الخطة أو قوتها وفشلها أو نجاحها.

الفئة الثانيةترفض البحث فيمن كان وراء تدبير عاصفة الطائرات وتعتبره شأنا أميركيا. تحصر بحثها في رد فعل أميركا فقط. سبب هذا الفصل عند هؤلاء يختلف من حاكم لآخر ومن منبرِ إعلامٍ لآخرَ أيضا. كذلك يختلف عند السياسيين والعسكريين. ليس مهمًّا معرفة سبب حاكمٍ ومقارنته بسبب حاكم آخر وليس مهمًّا تعداد هذه الأسباب عند هذا الفريق أو ذاك. المهم أن القاسم المشترك عند جميع هؤلاء، المتزلف منهم أو الجبان، المنافق أو الملوث بالرذيلة المخبأة في ملفه الذي وصل للمخابرات الأميركية أو يمكن فضحه، عاملٌ واحد. إن هذا الفصل يمكِّن الذي يُبدي رأيه في رد الفعل فقط دون البحث في أصل الفعل أن يستطيع أن يفعل ذلك وهو مطمئن إلى أنه في هذا المجال لن تغضب عليه أميركا الغضبة القاتلة. والأهم أنه في هذا المجال يستطيع أن يكذب أكثر ويتملق أميركا بدل انتقادها وهو مطمئن إلى أن شعبه لن يكتشف كذبه، لأنه يركب موجة التيار الإعلامي العام. يبقى أن هذه الفئة تقول إن أميركا تغالي بردة فعلها وأن انتقام أميركا العسكري وقتلها للمسلمين يجب أن ينتهي في أفغانستان. عندهم، فرض النظام العالمي الجديد لا يحتاج إلى قتل مزيدٍ من المسلمين.

في الفئتين يبرز تصميم مشترك، كما في الإعلام الذي تسيطر عليه أميركا وهو أكثر الإعلام العالمي. كذلك في الإعلام الذي توجهه بريطانيا وهو أكثر الإعلام في بلاد المسلمين. التصميم والتركيز في أميركا وبريطانيا هو أن أميركا بطائراتها وصواريخها وقنابلها التي تسوِّي الجبال تقتل المسلمين. الإعلام الغربي في بلاده والإعلام في بلاد المسلمين ـ وجميعه إعلام موجه مخابراتياً وتشرف عليه مباشرةً سلطة الحكم السياسية ـ يركز على قتل أميركا للمسلمين. الجميع، رغم رؤيته وسماعه لهذا الإعلام، ورغم رؤيته وسماعه تصريحات حاكمه في تذلـله وخنوعه وخضوعه في تأييد أميركا في قتل المسلمين وهما موقفان متناقضان في الساحة نفسها ومن السلطة نفسها، لا يستطيع الربط بين الموقفين. تراه يلعن حاكمه الخانع المتذلل في خضوعه المطلق لأميركا وإذا عارض نقطة أو إجراءً أو تصريحا فبإذنٍ مسبق لتزيينه بورقة توت حتى لا تفتك به شياطينُ قصره. في الوقت نفسه يمدح ويمجِّد الإعلامي التابع للنظام الذي يبرِزُ ويستثير الهمم ويدعو لجمع الصفوف في كراهية أميركا وبريطانيا والغرب. لا ينتبه إلى أن الإعلامي من خبثٍ ومكرٍ لا يدعو إلى جمع الصفوف لإقامة كيان يقف بوجه هجمة الغرب لقتل المسلمين، ولا يبيِّن كيف تجتمع الصفوف بطبيعتها. بل يدعو لجمع الصفوف لكره الأوروبيين الذين يقتلون المسلمين.

نعود إلى الفصل بين سبب خطة قتل المسلمين وسبب فرض النظام الأميركي للعالم. قتل المسلمين أو خطة قتل المسلمين وسيلة فرض النظام. كما أن عاصفة الطائرات هي الحجة أو الوسيلة لفرض قتل المسلمين.

**في الربط المنطقي:**إذا كانت هذه الحلقات متلازمة غير قابلة للانفكاك عن بعضها، وإذا كانت متوحِّدةً في وِحدة وجودها، أي إن الأولَ عاصفةَ الطائرات سببُ الثاني قتلِ المسلمين.

**والثاني سبب الثالث أي قتل المسلمين سبب النظام العالمي الجديد.**عندها يكون الفهم السليم أن الذي صنع الثالث ?النظام العالمي الجديد? ابتداءً هو الذي احتاج إلى الثاني ? قتل المسلمين ? فصنعه. هذا عام في الخطط كلها. فالخطة لا تنشأ قبل الهدف، ولا يُفكَّرُ بها قبل تحديد الهدف. الأصلُ أن يتمَّ تحديد الهدف ثم يُبحثُ في خطة تحقيق الهدف وصنع الوسيلة. هذا في طبيعة عمل القول، وفي الخداع يمكن غش الطبيعة لا تغييرها.

بعد كل هذا يبقى البحث في أساس الموضوع مغيبا، لا يتطرق إليه أحد وكأنه من الممنوعات. أساس الموضوع هو: ما هو سبب حملة أميركا على الإسلام كفكرٍ عقدي ومبدأٍ لأفكار الحياة كلها عبر حملة ظالمة تبررها بأكاذيب تفرضها على أنها حقائق بهدير الطائرات وتحريك الأساطيل والقصف المدمر، والاعتقال على الساحة الدولية والضجيج اللفظي في ترويع المسلمين ونشر اللوائح العشوائية في تركيبها والتهديد بخيارات أميركا في قصف عدد لا يحصى من بلاد المسلمين؟! ما هو سبب حملة أميركا في خطة تأليب العالم وجعله تحالفا دوليا ضد الإسلام بحجة أن فِكره الأيديولوجي يصنع إرهابيين؟! لماذا في أساس خطتها ثلاثة أركان بارزة في التصريحات والأعمال والمؤتمرات؟

الركيزة الأولى: الإصرار على استباحة دماء المسلمين بأقصى درجات القسوة، والتفاخر بقتلهم، والكذب المكشوف في تفصيل وبيان سبب هذا القتل.

**الركيزة الثانية:**الإذلال العلني للمسلمين في وجودهم كأمة وفي كيانهم الفكري وفي إيمانهم النفسي. الركيزة الثالثة: الدعوة الصريحة لتغيير معاني ألفاظ آيات القرآن والسنة وتغيير معاني أفكار القرآن والسنة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

**سبب حملة أميركا على الإسلام هو الموضوع الذي لم يتطرق إليه أحد في أبحاثه وتعليقه إن كان مع هذه الحملة أو ضدها. لا أميركياً و لا أوروبياً، ولا أحد من المنافقين بين المسلمين الذين يُسمح لهم بالظهور كمفكرين علمانيين ومفكرين “إسلاميين”، ولا أي سياسي تطرق إليه بلسانه أو تعالى إليه بموضوعه. نعم تطرقوا إليه على أنه يتعلق بصراع الحضارات، لكن لم يجرؤ أحد على القول إنه للانتهاء من صراع الحضارات. خطة أميركا في قتل المسلمين حول الكرة الأرضية ليست موضوعا في صراع الحضارات ولا جزءاً أو مرحلة في موضوع صراع الحضارات.**إنها خطة في الانتهاء بالضربة القاضية من صراع الحضارات، أي من صراع كفر الفكر الديمقراطي الرأسمالي مع فكر إيمان الإسلام.

**لذلك كانت الخطة تعتمد على ثلاث ركائز:

1- قتل المسلمين بتصميم نادر في زخمه.

2- إذلال المسلمين علنيا وهي خطة التدمير النفسي.

3- فرض تحريف معاني الإسلام بأفواه أصحاب العمائم.**

**المجال الثالث

تحريف معاني النص الإسلامي

في صراع الحضارات**

الحقيقة الثانية: صراع الحضارات في خطة فرض كراهية الإسلام على الأوروبيين وتحريف معاني نصوص الإسلام. خطة فرض هذه الكراهية كانت ضمن فكرة وطريقة صراع الحضارات الذي يمتد منذ مئات السنين. صراع الحضارات في جوهره وحقيقته خلافٌ فكري في قاعدة الأفكار المتعلقة بالحياة، وخلاف فكري في طريقة العيش المنبثـقة عن هذه النظرة الأساسية للحياة. من طبيعة هذا الفكر أن الإنسان لا يأخذه إلا اقتناعاً أي لا يمكن فرضه. ومن طبيعة هذا الفكر أن تكون طاقته ذاتية من تفاعل أفكاره مع طبيعة الإنسان، أي مع ميوله ورغباته. صراع الحضارات في معناه هو صراع الأفكار التي من أصلٍ مختلف. لأن الحضارة ـ على خلاف ما يظنه السطحيون ـ هي الثروة الفكرية للأمة أو للفرد أو للمجتمع. وصراع الأفكار لا يكون إلا بين أفكارٍ متغايرة في نظرتها إلى الموضوع نفسه. النظرة إلى الموضوع تكون في تحديد واقع البحث وصفات هذا الواقع ودور هذا الواقع في الحياة. فلو أخذنا مثلاً غريزة الجنس نجد أنها من المواضيع التي تغاير نظرةُ الإسلام إليها نظرةَ الرأسمالية الديمقراطية. وهي جزء من طبيعة الإنسان مثل قدرة الإنسان على التفكير، ونظرة الإسلام إلى هذه القدرة المستودعة مغايرة لنظرة الرأسمالية الديمقراطية إليها. ولو أخذنا موضوع الخمر وهو من خارج طبيعة الإنسان، ونظرة الإسلام إليه مخالفة للنظرة الرأسمالية الديمقراطية إليه. أو أخذنا موضوع تنمية المال وزيادته وهو أمرٌ يتعلق بنظام وليس بطبيعة من الإنسان ولا بطبيعة من خارجه، نجد أن نظرة الرأسمالية الديمقراطية إلى تنظيم هذا العمل تغاير وتختلف عن تنظيم الإسلام له. كذلك إذا أخذنا أساس علاقة المجتمع الإسلاميـ في ظلِّ نظامِ حكمٍ يحكم بإسلامِ القرآن لا بإسلام أميركا أو أوروبا أو إسلام الفضائيات? مع غيره من المجتمعات، فإنه يختلف عن أساس العلاقة بين مجتمعٍ يقوم على الرأسمالية الديمقراطية وغيره. وهكذا الاختلاف في النظرة إلى كل طبيعة في الإنسان أو ما هو من غير طبيعته، أو تنظيمٍ لأي علاقة.

اختلافُ الأفكار العقدية هو أساس صراع الحضارات، ومقارعة الحجة بالحجة هو الإطار الطبيعي لهذا الخلاف. وقد حافظ المسلمون على هذا الإطار للخلاف في مختلف عصور وجودهم حتى زوال دولتهم. فلم تُعرف حادثة في التاريخ الطويل لسيادتهم على المعمورة أن قتلوا أحداً لأنه على غير دينهم أو فرضوا على أحدٍ أن يتحوَّل إلى دين الإسلام. لكن التاريخ أثبت أن جميع أمم الكفر كانت تقتل المسلمين وتغدر بهم لأنهم مسلمين. وكانت تفرض على المسلمين التحول عن الإسلام إلى كفر الآخر. وفي جميع مراحل تاريخ وجود مسلمين كانت أمم الكفر تغدر بالمسلمين قِتلةً وذبحاً. وآخر حادثةٍ في الغدر بالمسلمين هي ذريعة نقض أميركا لاتفاقية قبولها بطالبان عميلة في رداء البرقع الأفغاني. غدرت أميركا بعميلتها حركة طالبان لتقتل المسلمين الأبرياء من جميع ذنوب الخيانة. ليس لجريمة فعلوها بل لنقل صراع الحضارات الذي تخوضه مع فكرِ الإسلام من مسرحٍ إلى مسرحٍ آخر تكون لها فيه عناصر الغلبة بالضربة القاضية. من مسرح الحجة والبرهان على ضلالهم وكفرهم وجهلهم رغم علمهم وقوتهم وسيطرتهم. إلى مسرح معركةٍ عسكرية بين أمةٍ أضاعت ارتباطها بعقيدتها وهو دينها فتجردت من قوتها، وأمة اتخذت ضلالها وكفرها وجهلها عقيدة لها وبنت قوتها لفرضها.

أجمعَ محللو السياسة في العالم؛ وهم قنوات التلفزة والإذاعات والصحف، أن سبب مغالاة أميركا إلى أقصى الحدود في نفخ حجم ?خطر الإرهاب? إلى حدود الخيال واللامعقول هو سبب سياسي مصطنع. وأجمعوا أنه هو نفسه سبب شراسة القصف وشدته، وسبب القتل العشوائي للمسلمين المتفرجين بالآلاف الذي لا تبرره أي حاجة عسكرية أو استراتيجية. كذلك، هو السبب نفسه في إطالة الحرب حتى بعد قتل كل طائر ونعجة وفأرٍ في أفغانستان. أما السبب فيقولون إنه ظاهر واضح وهو تطبيق النظام العالمي الجديد وفرض تنفيذ خطواته وتطبيق إجراءاته بعد سنِّ قوانينه قبل إسكات المدفع الأميركي في أفغانستان. إن سقف الحرب في أفغانستان محدود بهدفين: الأول قدرة ?العدو? والثاني القبض على الشخصين. بعد الاعتراف بتدمير قدرة العدو ووصول جيوش أوروبا لاحتلال أفغانستان ليأخذ احتلال أميركا صفة الاحتلال الدولي، فإن أميركا مضطرة لنقل أساطيلها إلى مسرح آخر تقتل فيه مسلمين بقنابل طائراتها وصواريخها. ذلك أن قتل المسلمين بهمجية وشراسة ليس لها سابقة في التاريخ الحديث، هو وقود زخم فرض النظام العالمي الجديد الذي تريد فرضه على العالم. فأميركا في دور التفتيش عن المكان الثاني لاستمرار عملياتها العسكرية، هل تختار المسلمين الذين يقطنون العراء متخفين من المطر تحت أوراق شجر الموز؟ أم تقتل المسلمين الذين تمنع عنهم حتى الهواء منذ اثني عشر عاما؟ خياراتها كثيرة لكن حتى تقرر لا تستطيع طي ملف الشرط الثاني لوقف قتل المسلمين في أفغانستان. اعتقال الشخصين لا تستطيع القيام به قبل تقرير مَنْ ستقتل من فئات المسلمين؛ أحمرها أم أسودها؟

وجهة النظر هذه تكاد تكون عامة عند المفكرين والسياسيين والإعلاميين وهي لا شك صحيحة في رأينا أيضا. لكن هذا في واقعهِ سبب يتعلق بخطة القتل وخطة تطبيق النظام وليس بسبب فرض النظام. الجميع يعلم أن الإرهابَ حجةَ أميركا لفرض النظام الجديد هو حجة سخيفة وكاذبة تستهزئ بعقول الجنس البشري خاصة مفكريه وسياسييه وعسكرييه. هم ينقسمون فئتين: فئة تقتنع أن أميركا، بمراكز القوة الحقيقية فيها، هي افتعلت هذه الحجة؛ أي افتعلت تخطيطا و تنفيذا عاصفة الطائرات. على رأس هذه الفئة ليندون لاروش مرشحاً ليكون مرشحَ الحزب الديمقراطي للرئاسة في أميركا في عام 2004. جميع الحكام والبارزين في مجالهم الفكري، السياسي والعسكري لا يجرؤون على التصريح العلني أو الكتابة بما يعرفون من حقائق خوف إيقاع أميركا بهم بعد أن أصبحت جميع الملفات الشخصية في جميع الدول مفتوحة للأجهزة الأميركية بحجة التعاون المخابراتي في مكافحة الإرهاب.

هندوستان تملك برهان الفعل وبرهان الفاعل. ليس عند أميركا حتى شبهة دليل عن الفاعل. مجرد افتراض ظنون في برهان الفاعل بل تلفيق افتراض. أميركا دمرت شعباً بكل مقوِّماته وتفرض تدمير أمة بكل مرتكزات عقيدتها بظنون هي فرضتها، لا علاقة لها بافتراض الاتهام شبهة فكيف بتهمة على جميع المسلمين! وفرضت إجراءات الحرب على كل فردٍ مسلم، ليس على أنظمة الحكم في المسلمين. لكنها منعت الهند بقوة السلاح من الانتقام من فاعلٍ محقق. أين التساوي بين الدول في تنفيذ القانون الدولي الجديد؟ إسرائيل اتخذت ذريعة باطلة ضد مسلمي فلسطين. تبنت القانون الدولي الجديد وفرضت تطبيقه بتدمير جميع مقومات المجتمع في فلسطين كما فعلت أميركا في أفغانستان. أميركا عارضت ذلك بشدة بكل ما تستطيع دون توجيه الإنذار العسكري. لماذا تستطيع توجيه هذا الإنذار إلى الهند ولا تستطيع توجيهه إلى إسرائيل؟ لماذا يسمح لإسرائيل بصلاحية القانون الجديد ولا يسمح للهند؟ لماذا تحتفظ أميركا لنفسها ولمن هي تسمح له حق تطبيق هذا المبدأ العالمي الجديد في مبررات الحرب؟ الأجوبة تثبت أن حرب أفغانستان هي لفرض هذا الحق أنه خاص لأميركا وليس حقاً عاماً لدول العالم. ويثبت أن إسرائيل تعرف جريمة أميركا في 11 أيلول وخوف أميركا من قدرة إسرائيل على فضح أدوار أقوياء الحكم من أبطال مؤامرة التفجير!

24 ? الحملة العسكرية على الإرهاب كانت فردية في قوتها أنها أميركية صرف. أميركية صرف في إدارة العمليات وفي تحديد السلاح والهدف والزمن في مسرحه. وكل من يشارك تحت هذه المظلة لا يعتبر شريكاً في ائتلافٍ حربي. لذلك لا يقال إن مشاركة بريطانيا كانت مشاركة الشريك ولا يقال إنه ائتلافٌ دولي في حملة عسكرية. الحملة العسكرية على المسلمين في أفغانستان أميركية بحتة ومن شارك ليس له صفة الشريك عند أميركا لأنه كان دوراً محدداً بالتعليمات اليومية التي تصدرها أميركا. لكن بريطانيا تعتبر نفسها شريكاً من منظار هدفها من المشاركة. هدف بريطانيا لم يكن أكثر من دور المراقب الذي يريد تسجيل ما تفعله التي يدعي أنه حليفها وليس الذي يمكر بها. المراقب هنا هو تسمية مؤدبةٌ للجاسوس ليس أكثر. لكن رافق الحملة العسكرية حملة إعلامية أنها ائتلاف دولي لمحاربة الإرهاب. واقتنع الجميع أن جميع الدول ستشترك مع أميركا في حملتها العسكرية أولاً في أفغانستان وبعدها حيث تقرر أميركا بالتشاور مع حلفائها. لكن، لم يحصل أبداً أن أحداً شارك مع أميركا في حملتها. بلغ الحال بكثير من المسؤولين السياسيين في الصف الأول في السلطات الأوروبية أن أظهرت امتعاضها وغضبها ـ لكن ليس رفضها ـ إهمال أميركا لها، وأن أميركا لا تطلعها على شيءٍ وأنها لا تعرف شيئا مما يجري. مع هذا الفصل بين ادعاء الإعلام أنه ائتلاف دولي ضد الإرهاب وما يجري في الواقع بقي العمل أميركياً أحاديا في مشروع محاربة الإرهاب. هذا الفصل يعني في حقيقته أن أميركا وحدها صاحبة خطةٍ أطلقت عليها محاربة الإرهاب. وأن أميركا تعني بالائتلاف الدولي ضد الإرهاب معنى واحداً هو الخضوع الدولي لحاجة أميركا في حجتها محاربة الإرهاب.

25 ? **حملة أميركا ضد الإرهاب ليس لها مسرح لأنه ليس هناك إرهابي أو إرهابيون. ضعف أميركا يكمن في أنها لم تحضِّر عدداً كافياً من الإرهابيين لترسل الجيوش لاحتلال بلادهم بحجة قتلهم.**لا نقول لمحاربتهم لأنه بتسليم الجميع ليس هناك من عنده العقل الذي يقول سأحارب أميركا. جميع الحكام والإرهابيين الذين قد تريد أميركا محاربتهم هم من ذوي العقول التي تقول لا نريد محاربة أميركا. جيش أميركا لم يدخل حرباً بل قام بمجزرةٍ، فهو استعمل في قتل الناس صواريخه وقنابله بدل ذبحهم بالسكاكين وهم نائمون. لا يمكن تسميتها حربا، وشعار محطات التلفزة الدولية “أميركا في حربٍ” إعلامٌ كاذب. لا نقول إنه مخطئ لأن هذه التسمية لا تأتي إلا عن قصد. وقصدها يتحتم أن يكون نتيجة فكرٍ من خطةٍ سياسية. لذلك، التسمية ينقضها الواقع الذي يقول إنه لا يوجد من يحارب أميركا. من أجل تدعيم وتطويل نفس خطة أميركا في محاربة الإرهاب، احتاجت أميركا إلى تحديد إرهابيين من لحمٍ وعظم لا من شراشف بيضاء تموج في الهواء لا يراها إلا هم. قبل أن ينفد صبر العالم “المتحضر” والمتخلَّف أصدرت لائحة بأسماءِ أحزابٍ وجمعيات وأفراد أنهم إرهابيون. الجميع كان ينتظر هذه اللائحة، لكن أحداً لم يتوقع أن تكون أميركا بهذا السخف والسذاجة أن تعتقد أننا سنصدق أن لائحتها المعلنة تستحق هذا الائتلاف الدولي وتجييش كل هذه الأساطيل، ورصد هذه الميزانيات الطائلة من أجل محاربة رجلٍ أو جمعيةٍ تساعد لاجئ الكوارث أو تتصدق على فقراء. أو ميليشيا مضى عليها سنوات لا يصل حجم قوتها إلى قدر يذكر من حجم طالبان التي لم تستطع إطلاق رصاصة على جندي أميركي. بل لم تستطع الاختباء في جحورها. أو حزبٍ معروفٍ أنه يخضع لسيطرتها المطلقة أو تنظيمٍ “جهادي” تعلم ونعلم أنه لا يجاهد إلا بأمرٍ منها أو من حليفتها.

**إن الذي يراقب لائحة قدرات الإرهابيين التي أعلنتها أميركا مع قدرات أميركا والائتلاف الدولي أو مع شروط ومستلزمات العمل الجدي يصل إلى الحقيقة في القصد من إعلان الحملة على الإرهاب. في المقارنة بين قدرات أميركا ولائحتها التي تريد شن حربٍ عليها يميل الذي ينظر في اللائحة إلى القول إنها تستخف في عقله أو إنها هي نفسها سخيفة. الحقيقة ليس هناك استخفاف مقصود وإن أميركا ليست سخيفة.**لم يكن في خطة أميركا قصد إجراء المقارنة لكنها لم تستطع تجنب هذا الاحتمال لأنه ليس لها طريق آخر لتبرير استمرار حملتها. بدت سخافة اللائحة متلازمة مع سخافة الإجراء ضد أصحاب اللائحة. طلبت منهم كشف حساب مصرفي وفرضت على بعضهم تجميد حساباتهم وترجو بعضاً آخر الكف عن عملياته لأنها لا تريده أن يكف. أما في الحقيقة فهذه كلها أعمال للتغطية على حقيقة المساعي الأميركية التي تتمثل في وفود القوى الأمنية التي تجوب دول الخليج والشرق الأوسط وشرق إفريقيا. حجتها التعاون الأمني والمخابراتي والإعلامي. هذه الوفود تفرض على الدول الخضوع المطلق في هذه المجالات. إذا ظهرت صورها في الاستقبالات الرسمية تكون دون الحديث عن موضوعاتها. إذا تردد نظامُ حكمٍ في التسليم المطلق لفتح ملفات الدولة في أي موضوع أو اختصاص لهذه الوفود، سرعان ما تبدأ تسريبات احتمال وجود إرهابيين في هذا البلد تطفو. إرسال هذه الوفود الأمنية جاء بعد أن سارع الحكام إلى سن القوانين التي تؤدي إلى فرض الإجراءات العملية التي فرضتها أميركا في المعاملات النقدية والتربوية والإعلامية والأمنية. هي رسالة علنية للشعوب أن لجاننا اليوم هي التي تحكمكم مباشرة في كيف تفكرون أولاً وماذا تتعلمون ثانياً. وماذا تقولون أولاً وماذا تسمعون ثانياً. وكيف تنفقون أولاً وأين تنفقون ثانياً. وأهم من كل ذلك مخابراتكم تحصي لحسابنا ألفاظكم وحركاتكم وكيف تشبعون غرائزكم! رسالة إلى الشعوب: إننا كنا نحكمكم مباشرة عبر سياسييكم، اليوم نحكمكم مباشرة عبر مخابراتكم. رسالة إذلالٍ للحكام وإجراءاتُ إذلالٍ للناس. أميركا ليست بحاجة لهذه الإجراءات لكنها بحاجةٍ إلى حالةٍ متجدِّدةٍ في إحباط المسلمين!