وَهُدِمَت ألْخِلافَة

**ولكنه كان معروفا بأنه يريد قلب الحكومة والانسحاب من الحرب. وكان رأيه في الحرب معروفا، فلم يوافقوا عليه. إذ إنه كان يكتب للحكومة يحذرها من الاستمرار في الحرب، وكان يعتقد أن ألمانيا قد خسرت الحرب سياسيا، وأنه لم يعد بوسعها أن تكسبها حربيا. وكان يشك في إمكان بقاء تركيا بعيدة عن الحرب، لأنه يرى أنه من الضروري أن يتخذ الحلفاء لهم ممرا في الدردنيل لكي يتمكنوا من الاتصال بالدول المتحالفة الواقعة في الشرق، وكانت روسيا من الناحية الأخرى تعد عدو الإمبراطورية العثمانية اللدود. وهذه الآراء كلها كانت معروفة، وكان يصرح بها علنا. ولذلك فإنه ما من أحد كانت تداخله أدنى ريبة في أن مصطفى كمال إذا تسلم قيادة الجيش سيحدث انقلابا تاما في الحكومة وسياستها. ولهذا هدأ المطالبون بضرورة اعتزال أنور، وبدأوا يطالبون باسترداد بغداد في أقرب وقت.

وقصد أنور القيادة العليا الألمانية يطلب بإلحاح ولجاجة إمدادهم بالقوات لاسترجاع بغداد، فبذل الألمان كل ما وسعهم للانتصار لحليفهم أنور وإبقائه في مركزه، وكان من تدابيرهم التي لجأوا إليها أنهم وضعوا الجنرال فولنكهاين وعددا كبيرا من الفصائل تحت تصرفه. فنظم فولنكهاين قوات جديدة أطلق عليها إسم الصاعقة. وقد جعلوا مقر قيادتها العليا مدينة حلب، ورقي مصطفى كمال إلى رتبة جنرال، وعين في إحدى قيادات الجيش الرابع تحت إمرة فولنكهاين.

ولكنه لم يرض أن تكون القيادة بيد أحد الألمان، وكان يعد من العبث بذل أي جهد لاسترداد بغداد، وأن الجهود التي تبذل لاستردادها ضائعة عديمة الجدوى. بل كان يرى أن الإقدام على هذا العمل سيؤدي إلى خسائر جديدة فادحة للجيش العثماني. وعلى هذا أخذ يظهر للبلاد جهل المطالبين باسترداد بغداد، وخطل سياسة أنور، ويبين الأذى الذي سيلحقها جراء تنفيذ هذه السياسة العرجاء. ثم أخذ يفيض في خطبه يشرح الأضرار التي تكبدتها الدولة العثمانية بسبب استسلامها للألمان. وكان لا بد له من أن يصطدم مع القائد الألماني. وقد حاول القائد الألماني فولنكهاين استمالته واسترضاءه بشتى الوسائل فلم يفلح. وكان يحضره إلى اجتماعات القيادة.

وكانت الخطة مهاجمة بغداد برا، وقناة السويس جوا. فبالهجوم على قناة السويس تجمد القوات الإنجليزية هناك عن إمداد قواتها قي العراق. ولكن مصطفى كمال انتقد هذه الخطة وهاجمها بشدة. وكان يصرح بأن مصيرها إلى الفشل. ولكن الألمان لم يلقوا بالا إلى اعتراضاته وانتقاداته، ولم يظاهره على رأيه هذا سوى جمال باشا، لأن رأيه كان من رأيه، ولأنهما الضابطان المعروفان بكرههما للألمان، والقائلان بانسحاب الدولة من الحرب. ولذلك وقف جمال باشا إلى جانب مصطفى كمال في مناقشات القيادة، ولكن الخطة ظلت سائرة، لأن القائد العام فولنكهاين وسائر القواد كانوا يرون صحتها ونجاحها.

ثم توالت أسباب الخلاف بين مصطفى كمال وفولنكهاين. وذات يوم انعقد المجلس الحربي لمباشرة تنفيذ الخطط، وساده جو من النقاش الحامي، فوجه فولنكهاين إلى مصطفى كمال كلاما جارحا، فرد عليه مصطفى كمال بقارص الكلم. وعلى إثر ذلك قدم مصطفى كمال استقالته فرفضها أنور، وأمر بإعادته إلى القفقاس. ولكنه لم يخضع هذه المرة للأمر، ورفض الذهاب، فتراجع أنور، ورأى أن خير أسلوب للتخلص من هذا الموقف الشاذ، ولستر تمرده منحه إجازة مرضية إلى أجل غير مسمى، ولكن فولنكهاين لم يوافق على الإجازة، ورأى محاكمة القائد المتمرد أمام مجلس عسكري. وأخيرا استقر الرأي على إجازته، وكان حينئذ في حلب. فحاول تركها، وأظهر حاجته للمال، وكان يملك عشرة خيول أصيلة، فأراد بيعها، ولكنه لم يجد من يشتريها. فما كان من جمال باشا إلا أن تقدم لمساعدته فأعطاه (2000) جنيه، ثم أرسل له (3000) جنيه بعد عودته إلى استانبول. وبذلك ظهر مصطفى كمال بعمله هذا ظهورا جليا أنه يقف ضد الدولة العثمانية في اشتباكها مع الإنجليز.**

**بدء مصطفى كمال أول خطوة في ثورته ضد الخلافة

وكان من نتيجة إرسال هذه البرقية أن عزل والي سينوب من مركزه، وكان من جراء ذلك أن تبودلت البرقيات بين رئيس الوزراء باسم السلطان وبين مصطفى كمال، وأصر السلطان على عودة مصطفى كمال على جناح السرعة، ولكن مصطفى رفض وأرسل برقية قال فيها ما نصه: «سأبقى في الأناضول إلى أن يتحقق استقلال البلاد». فكان هذا الرفض الصريح هو الخطوة الأولى نحو الثورة، ومضى يجمع الناس، وينتقل في الأناضول إلى أن أشعل الثورة.

على هذا الوجه بدأ مصطفى كمال في ثورته التي انتهت بإزالة الخلافة وفصل تركيا عن باقي أجزاء الدولة العثمانية، أو على حد تعبيرهم: تحطيم الإمبراطورية العثمانية. ومن هذه الوقائع وحدها يبرز بشكل لا يحتمل اللبس، أن الإنجليز هم الذين هيأوا كل شيء للقيام بهذه الثورة، وهم الذين أرسلوا مصطفى كمال ليقوم بها. فهم الذين ادعوا أن هناك قلاقل في الأقاليم الشرقية، وهم الذين طلبوا إرسال مصطفى كمال بالذات لإخماد هذه القلاقل، وهم الذين هيأوا اليونانيين لاحتلال أزمير برعاية أسطولهم وتحت حمايته، والقيام بتلك الاستفزازات المثيرة، وهم الذين أحضروا مصطفى كمال لأزمير رغم طلب السلطات العثمانية إرجاعه، وأفسحوا له الطريق ليقوم فورا باستثمار هذه الاستفزازات، للبدء بجمع الناس حوله. فهذه الوقائع تنطق بذلك بأفصح لغة وأوضح بيان، وتضع أصبع كل من يعرفها على هذه الحقيقة القطعية.**

**تدابير الإنجليز لاحتلال اليونان أزمير

وفي هذه الأثناء، أي في الأسبوع الثاني من أيار سنة 1919 بلغت الحكومة العثمانية أن الحلفاء بناء على المادة السابعة من شروط الهدنة سيحتلون أزمير، وأنه طبقا لهذه المادة لهم الحق أن يفعلوا ذلك حينما تتعرض مصالحهم للخطر. فأعطى رئيس الوزارة الداماد فريد باشا التعليمات لوالي أزمير، وأمره بضرورة بقاء الجيوش في ثكناتها، وأجبره على منع أي مظاهرة يقوم بها سكان تلك المدينة بالقوة.

وفي الرابع عشر من أيار سنة 1919 ظهر في مياه أزمير الأسطول الإنجليزي. وكان القومندان هو الأميرال كالثورب. فبلغ الوالي بأن جيوش الحلفاء ستنزل إلى البر فليكن على استعداد. ثم أرسل يطلب مقابلة الوالي، فلما جاءه قال له: بلغني الآن أن اليونان هم الذين سينزلون إلى أزمير ويحتلونها، فصعق الوالي وتطلع إلى وجه قائد الأسطول وهو لا يكاد يصدق ما يسمعه، ولم يستطع حبس دموعه، فأخذت تنهمر بشدة وهو يقول بصوت تخنقه العبرات وفيه معنى الذل والانكسار: اليونان!! اليونان هم الذين جاؤوا لاحتلال أزمير؟ فأجابه القائد: هذه هي الأوامر التي جاءتني من باريس. فقال الوالي: إني لست مسؤولا، وإني لا أستطيع الآن أن أتكهن بما سيجري، فقال له القائد الإنجليزي: مستحيل أن يحتل أزمير غير اليونان، أفهمت؟ فما كان من الوالي إلا أن قال له: لا أريد أكثر من ثلاثمائة جندي من جنودكم لأدخل بهم الاطمئنان إلى قلوب المسلمين، ولأبين لهم بأن الاحتلال من الحلفاء وليس من اليونانيين، وأن هذا الاحتلال مؤقت وليس بالنهائي، فأجابه القائد: مستحيل، وأقفل الحديث.

وفي صبيحة اليوم الخامس عشر من أيار سنة 1919 أي في اليوم نفسه الذي ترك فيه مصطفى كمال استانبول موفدا من قبل الإنجليز والحكومة العثمانية لإخماد الاضطرابات في الأقاليم الشرقية، في هذا اليوم بالذات كانت الجنود اليونانية قد بدأت تنزل إلى البر، إلى رصيف اسكلة أزمير. وكان في استقبالهم كل أفراد الجالية اليونانية، وكان هياج اليونانيين لا يوصف، فأخذوا يهتفون هتافات متعددة، وطافت الجيوش اليونانية شوارع أزمير. أما الجيوش التركية فإنها قد أسرعت واختبأت في معسكراتها نزولا عند الأوامر المشددة التي صدرت إليها من رئيس الوزراء. ولكن الجالية اليونانية والجيش اليوناني كانوا يقومون بمظاهرات الفرح ويطوفون في الشوارع بشكل فيه كل التحدي والاستفزاز. ومع ذلك التزم أهالي أزمير السكينة والتزم الجيش العثماني في أزمير الهدوء.

إلا أنه ما إن وصلت الجيوش اليونانية أمام أبنية الحكومة حتى خرجت طلقة نارية واحدة لا يعلم أحد من أين جاءت، ولكن الشيء المؤكد أنها أطلقت قصدا لإثارة الجيش اليوناني؛ ولذلك ما إن سمع اليونانيون الطلقة حتى وقفوا فجأة، ثم أخذوا يمطرون الجنود العثمانيين وأهالي أزمير وابلا من الرصاص، ويردون الناس قتلى وجرحى. فأخذ البعض يدافع عن نفسه، وساد الهياج، وعمت الفوضى. وانتهز الجنود اليونانيون هذه الفرصة السانحة فشفوا غليلهم، وأفرغوا حقدهم، وأشفوا نفوسهم العطشى إلى سفك دماء المسلمين، وأخذوا يستفزون الضباط بالبصاق على وجوههم، وأجبروا كل تركي أن يدوس طربوشه بقدمه. ومن يخالف يمزق جسمه بالسيوف فورا بوحشية هائلة، ثم أخذوا ينزعون الحجاب عن وجوه النساء المسلمات، ومن لا تسفر كان مصيرها القتل فورا، وأخذوا ينهبون بيوت المسلمين، واستعملوا كل أنواع الإهانة، وجميع أساليب الاستفزاز. ولا شك أن ذلك ليس طبيعيا، وأنه عمل مقصود ومدبر لإتمام خطة مبيتة.

وخلال هذه الأعمال الوحشية والاستفزازات الفظيعة في التاسع عشر من أيار سنة 1919 رست الباخرة أنيبولي في ميناء أزمير بين الأسطول الإنجليزي والبواخر اليونانية، ونزل منها مصطفى كمال ودخل المدينة. وذلك أن مصطفى كمال كان قد ترك استانبول في 15 أيار على ظهر الباخرة أنيبولي على أمل الوصول إلى سمسون عن طريق البحر الأسود، ولكنه بدل أن يذهب إلى سمسون ذهب إلى أزمير.

ويبدو أن الوزارة علمت بذلك، ولهذا فإنه في ليلة 16 أيار سنة 1919 أي في منتصف الليلة نفسها التي غادر فيها استانبول طلب رئيس الوزارة الداماد فريد باشا أن يقابل ممثلا للمندوب السامي البريطاني في الحال، وأوضح له أن السلطان قد عدل عن رأيه في إرسال مصطفى إلى الأقاليم الشرقية، فقد جاءته الأنباء بأن مصطفى كمال يعتزم إثارة القلاقل في الأقاليم الداخلية، ومن هنا ينبغي وقفه أثناء رحلته بأي ثمن. فأظهروا له أنه ستصدر الأوامر باعتراض سبيله وإعادته، ولكنهم لم يفعلوا شيئا، فواصل مصطفى كمال رحلته على ظهر الباخرة إلى أزمير حتى وصلها في 19 أيار في إبان شدة التحدي والاستفزاز من اليونانيين.

وما إن وصل المدينة حتى جمع الولاة وأخبرهم بأنه سيقوم بتدابير ضد اليونان، وأن هذه التدابير قد وافقت عليها السلطة. ثم أخذ يشهر باليونانيين، وصار يجمع القادة من حربيين ومدنيين ويخطب فيهم ليعدوا الناس للمظاهرات القومية. وحذر من التعرض للنصارى، وطلب أن تكون المظاهرات سلمية، ومما قال لهم:

«في يوم الاثنين تكونون قد انتهيتم من تنظيم مظاهرة قومية، بعد عقد اجتماع عظيم يضم أكبر عدد من الأهلين، بعد أن تلقى الخطب النارية التي ينبغي أن يكون الغرض الأساسي منها استفزاز الشعور القومي، وإظهار حيوية الشعب التركي. نريد من مظاهراتنا السلمية أن تحرك حاسة العدالة في الحلفاء، وأن تجعلهم يشعرون بالحيف الذي وقع علينا، وإني على تمام اليقين أن مظاهراتنا القومية السلمية ستدفع نبلاء الإنجليز، وأشراف الغربيين، إلى وضع حد للتدخل المعيب في أدق شؤوننا القومية. ينبغي أن تقوم المظاهرات في كل أنحاء الولاية، وأن ترسل البرقيات المؤثرة للدول العظمى، وللباب العالي، وأحذركم تحذيرا تاما من السماح لأحد من الغوغاء بالتعرض للنصارى أدنى تعرض. فمظاهراتنا يجب أن تكون قومية سلمية».

أخذ يمطر السلطات ببرقيات شديدة من الأهالي، منها برقية نصها: «البلاد في خطر»، وبرقية أخرى نصها: «الحكومة المركزية لم تعد قادرة على القيام بوظائفها الأساسية» ومنها برقية نصها: «لا يمكن الاحتفاظ باستقلال بلادنا إلا بإرادة الأمة وجهود الأمة»، ومن أشد البرقيات برقية أرسلت إلى استانبول من ميناء سينوب الحربية المهمة، أظهر فيها الشعب هياجا شديدا، ومما جاء فيها: «إن الأمة التركية لا يمكن أن تقدر لها الحياة وفيها حكومة تحركها أوروبا كما تشاء، وتتحكم فيها كما تريد».**

الإنجليز يغيرون الأسلوب السياسي والقانوني
وقد بقي مصطفى كمال لا يقوم بأي عمل سوى بث الأفكار وجمع الأنصار حتى شهر أيار سنة 1919 حيث جاء دوره، وحيث بدأ الحلفاء يعملون بأسلوب آخر للوصول إلى غايتهم: فصل تركيا عن باقي أجزاء الدولة العثمانية، وهدم الخلافة، وإقامة جمهورية تركية، بعد أن أخفقت مساعيهم في الأزمات السياسية، وفي إيصال رجالهم إلى الحكم عن طريق الشرعية، وبشكل قانوني. وكانت الأعمال التي يقومون بها أعمالا سياسية، وأعمالا دولية، وأعمالا ثورية. وحملهم على ذلك تحرك إيطاليا لاحتلال أزمير، وإصرار فرنسا على أخذ (كيليكيا) غنيمة لها، فرأت إنكلترا أنه ما لم تقم بأعمال من تركيا نفسها ضد الحلفاء لا يمكن أن تنفذ خططها في تركيا، وتبعد منافستيها فرنسا وإيطاليا عن مراكزها الاستراتيجية. فإن إيطاليا بعد أن احتلت مدينة أضاليا والأملاك التي تجاورها في نيسان سنة 1919، واحتلت «فيوم» وهي جزء من يوغسلافيا، حاولت الاستيلاء على أزمير باسم الحلفاء، فعارضتها إنجلترا وفرنسا معا، وصممتا على الوقوف في وجهها، وعدم السماح لها باحتلال أزمير أو الساحل الغربي من الأناضول، حتى بدأتا تعارضان احتلالها لأضاليا بحجة أن ذلك يجعلها سيدة على الجانب الشرقي من البحر المتوسط. وعدت المعاهدة المعقودة بينهم وبين إيطاليا وروسيا والتي تنص على احتلال إيطاليا لأزمير والساحل الغربي باطلة، لأن روسيا انسحبت من الحرب ولم توقعها. ووضعوا خطتهم لجعل اليونان تحتل أزمير.
وساروا بتنفيذ هذه الخطة من جهة، ومن جهة أخرى، وفي نفس الوقت، ادعت إنجلترا أن في الأناضول داخل آسيا الصغرى اضطرابات، وأن أعمال قطاع الطرق والسلب والنهب قد اتسع نطاقها وازداد هولها، وأن فرق الجنود المطلقة تمرح في البلاد طولا وعرضا، وأنه لا بد من حفظ النظام، واستتباب الأمن، ووجود يد قوية تضرب العابثين بالأمن. فطلبت إنجلترا من الحكومة في استانبول أن ترسل شخصا قويا يركن إليه إلى الأقاليم الشرقية ليعيد الأمن إلى نصابه، ويعيد هيبة الحكومة.
وأوعزت بشكل غير رسمي أن يكون هذا الشخص مصطفى كمال. فاستشيرت وزارة الحربية في هذا الموضوع، فأجاب مستشار الحربية الأول جواد باشا بالموافقة، وكان لا يعرف شيئا عن خطط مصطفى كمال، ولكن وزير الحربية يرتاب في نيات مصطفى، إذ كان يعرف خططه. ومع هذا فقد قبل فورا وبلغ الخبر إلى مصطفى كمال. فأجاب بأن إجراء التحقيق السريع والأحوال المضطربة في الأقاليم الشرقية، واتخاذ التدابير الضرورية يتطلب حتما أن تعطى له سلطة واسعة، وان تكون كلمته نافذة. فأجابته الوزارة إلى كل ما طلب.
وكان حتى ذلك الحين لا يزال ساكتا هادئا ولا يعرف عنه أي عداء للسلطان ولا للوزارة، إذ كان يجمع الأنصار في منتهى الكتمان. وبلغ من حرصه على أخذ صلاحيات واسعة أنه حين جاءته التعليمات لم يقبلها كما هي، بل نقحها ووضعها على الوجه الذي يحقق الهدف الذي يرمي إليه، ثم عرضها بصيغتها التي وضعها هو بعد التنقيح على رئيس الوزراء الداماد فريد باشا فوقعها من غير تدقيق، ثم قدمها لوزير الحربية فتردد بعض التردد، ثم ذيلها بختمه. وأرسلت نسخ منها إلى المندوب السامي البريطاني، وإلى القائد العام لجيوش الحلفاء هارنتجتون، وإلى ضباط الحلفاء.
ومما ينبغي لفت النظر إليه أن إنجلترا وحدها التي كانت مهتمة كثيرا بمسالة القضاء على القلاقل، أما فرنسا فكانت لا تنتظر قيام قلاقل خطيرة في هذه المملكة المقهورة، ولذلك لم تعرها أية عناية.
وعلى أي حال فبعد أن أخذ مصطفى كمال التعليمات، وحصل على الصلاحيات التي يريدها، سافر إلى الأناضول وترك استانبول في الخامس عشر من أيار على الباخرة الصغيرة أنوبلي على أمل الوصول إلى سمسون عن طريق البحر الأسود.

**عمل الإنجليز على إيجاد الفراغ السياسي

ثم إن الإنجليز أرادوا أن يوجدوا في البلاد فراغا سياسيا ليقوموا هم بملئه كما يشاؤون. ومن أجل الوصول إلى ذلك تركوا أمر سياسة البلاد ظاهريا لأهلها ودفعوا عملاءهم للقيام بالأعمال السياسية، ووقفوا وراء الستار يوجدون في البلاد القلق وعدم الاستقرار السياسي، ليظهر العجز عن القيام بسياسة البلاد حتى يحصل الفراغ السياسي. وذلك أن الفراغ يعني عدم القدرة على العمل وعدم القدرة على الثبات، أي أن هناك قوة، ولكن هذه القوة لا تظهر بالمظهر اللائق بها وبالقدرة المناسبة لها.

والفراغ إما أن يكون فراغا سياسيا، أو فراغا عسكريا، أو فراغا استراتيجيا.

أما الفراغ السياسي فهو أن تكون الدولة غير مستقرة، وغير متناسقة، وفيها قلق وعدم استقرار سياسي، فتصبح الحاجة ماسة لسد هذا الفراغ بإعطاء الدولة القوة والمقدرة على العمل وعلى الثبات. والإنجليز قد جعلوا الدولة العثمانية بعد احتلالهم لها محصورة في الإقليم التركي، وتركوها قائمة بسياسة البلاد ورعاية شؤونها.

وبهذا وجدت في البلاد قوة سياسية. ولكنهم أخذوا يقومون بالأعمال التي تجعل هذه القوة لا تظهر بالمظهر اللائق بالدولة ولا بالقدرة المناسبة لها، وتجعلها غير قادرة على القيام بأعباء الحكم وغير قادرة على الثبات، ومن أجل ذلك قاموا بلعبتهم لحل البرلمان، لإيجاد القلق وعدم الاستقرار.

ثم دفعوا الناس للقيام بالأعمال السياسية التي توجد عدم التناسق، وتوجد البلبلة. وبالفعل أوجد حل البرلمان ضجة وقلقا، وصار الناس يلمسون عجز الدولة عن القيام بأعباء الحكم، فحاولت جماعة من رجالات البلاد إنقاذ الموقف.

ففي 29 تشرين الثاني( نوفمبر) سنة 1918 دعا الدكتور أسعد وهو طبيب يمني ومن المشتغلين بالأمور السياسة، دعا إلى عقد مؤتمر وطني في العاصمة ضم ثمانية أحزاب وعددا كبيرا من الكتل الصغيرة، للبحث في حالة البلاد. فعقد عدة جلسات، ثم انفض دون أن يثمر شيئا.

وتألفت جماعة من ثلاثين شخصا من الوزراء السابقين، وأصحاب المقامات العالية، ككتلة باسم الوحدة الوطنية، والتفوا حول رئيس مجلس النواب السابق، أحمد رضا الذي أسس جمعية تركيا الفتاة، ولكنها لم تحظ بأي نصيب من النجاح.

ونشط الاتحاديون نشاطا ملحوظا، ولكن ذلك لم يجد شيئا أيضا، وهكذا صار الناس يشعرون بوجود دولة، ويشعرون بعدم قدرتها على قيامها بأعباء الحكم والسياسة، وصار المشتغلون بالسياسة جماعات متعددة، وأفراد متعددين، ولكنه لا يوجد أي تناسق بينهم أو انسجام، ووجدت محاولات متعددة للقيام بالعمل السياسي المنتج ولكنها كلها كانت تخفق وتقف.

وصار الفراغ السياسي في البلد واضحا يشعر به كل إنسان. فلا مجلس يمثل الأمة يرجع إليه السلطان للاستشارة وإعطاء الرأي، فيحصل التناسق ويقوم السلطان بأمور البلاد وينهض بالأعباء السياسية. ولا وزارة تتصل بالأمة، وتقوم بأعمال متناسقة مع أعمال السياسيين ومع الناس، وتنهض بأعباء السياسة وأمور البلاد. ولا خليفة يشارك الناس الرأي، وينسق الجهود، ويوجد الأعمال السياسية. فالبرلمان قد حل، والوزارة مشلولة، والخليفة شبه سجين. ولذلك برز الفراغ السياسي، أي برز في الدولة عدم القدرة على العمل وعدم القدرة على الثبات. مع إحساس الناس بوجود الدولة ووجود الحكام.

كما برز عدم التناسق والقلق وعدم الاستقرار السياسي. ولم يستطع رجالات البلاد على كثرتهم أن يملأوا الفراغ السياسي، لعدم التناسق بينهم بسبب اختلاف آرائهم واختلاف مصالحهم. ولأن المناقشات والخطب وحدها لا تحدث وجودا سياسيا ولا تملأ الفراغ السياسي إلا إذا أثمرت شيئا. وإثمارها إما بحمل الدولة على النهوض بالأعباء الملقاة عليها وجعلها قادرة على العمل، قادرة على الثبات، وإما بالوصول إلى الحكم والاضطلاع بالمسؤولية كاملة، أو إظهار القدرة على العمل والثبات. أما الاقتصار على الخطب والمذكرات السياسية دون أن تنتج شيئا، وترك الدولة في هذه الحال من العجز، وترك البلاد في هذا الوضع من القلق وعدم الاستقرار، فإن هذه الخطب والمذكرات السياسية تكون جهدا ضائعا وحركة لولبية كدوران حمار الرحى ولا يلبث أن يظهر إخفاقه.

ولذلك لم تثمر محاولات رجالات البلاد ولا حركات الأحزاب، واستمر الحال في هذا الفراغ السياسي الفظيع مدة ستة أشهر، ودام ذلك من تشريع الثاني 1918 حتى نهاية نيسان 1919.

وأثناء ذلك كان الإنجليز يثيرون في البلاد فكرة الاستقلال، وأنه حق من حقوق الشعب، ويجب أن تكون تركيا للأتراك كما أن أمريكا للأمريكيين، ويجب خلق دولة حديثة على أسس ودعائم عصرية. تركيا الحديثة القائمة على إرادة الشعب، ولأجل الشعب، تركيا التي تتمتع بالسلطان المطلق، والسيادة التامة، تركيا الحديثة التي لا تترك مجالا لمهازل السلطان.

كانت هذه الأفكار تبث بين الناس خاصة في استانبول، وبين الشباب وضباط الجيش. ولكي يدرك المرء قدرة الإنجليز على بث هذه الأفكار وإيجاد أنصار لها، ينبغي أن يستعرض ما قام به الإنجليز حين كانت الدولة العثمانية قائمة، من بث النعرة القومية، والنزعة الانفصالية، باسم الاستقلال، وأثروا بها على البلقان حتى أوجدوا فيه القلاقل والاضطرابات، مما أدى إلى سلخ كثير من أجزائه عن الدولة العثمانية، وما قاموا به كذلك من بث النعرة القومية، والنزعة الاستقلالية أي الانفصالية في العرب والترك، حتى جعلوا رعايا الدولة فريقين. ولم يكن لهم من وسائل سوى شعاراتهم وعملائهم، فكيف وهم الآن يحتلون البلاد، ويستولون على جميع أمورهم. والسلطان ورئيس وزرائه دمى بين أيديهم، يحركونها كما يشاؤون. بهذا نجحوا في إيصال هذه الفكرة إلى كثير من الناس.

ثم تحرك مصطفى كمال للعمل ولكن بشكل سري جدا من غير أن يشعر به أحد، وكان الكثيرون في ذلك الحين يعدونه صديقا للسلطان وكان لا يبدو عليه مطلقا أنه يدس على الحكومة، أو نه غير راض عنها. وبذلك أخفى حركاته وسار على مهل يؤلف جماعة على أساس مقاومة الاحتلال وإنقاذ البلاد. ولكنه كان أصرح مع المقربين إليه. وذكر أنه مرة أخذ بشرح خطته لجماعة من أقرب المقربين إليه في استانبول فيقول لهم: «إن الحكومة ليست حرة في الوصول إلى أي قرار، وإن السلطان لا يفرق كثيرا عن السجين في أيدي الظافرين، وإن مركز الحكومة القومية ينبغي أن ينتقل إلى داخل البلاد إلى الأناضول. ففي الأناضول يمكن أن يغرى أهل البلاد بالاندماج في الحركة القومية والاشتراك فيها، وإن الحركة القومية قد ينجم عنها نجاة عرش السلطان المهدد، وخلاصه من أيدي المحتلين. وينبغي أن تبذل كل المساعي لتجنب الاصطدام بالشعوب الأوروبية، فإن الحركة التي ننوي القيام بها سلمية… وإن أول شيء ينبغي أن نفعله هو أن نخلص السلطان… وإني لا أجد كلمة طيبة أقولها عن حكومة الداماد فريد باشا. ولهذا أرى أن قلب هذه الحكومة يعد ولا شك من الأعمال الوطنية».

وقد ضم إلى نشاطه السري هذا سعيه إلى تولي قيادة الجيش ولكنه لم يوفق ويئس من ذلك فيما بعد، إذ قد قيل له بصراحة إنه لا أمل له على الإطلاق في قيادة الجيش، ولا في تعيينه في وظائف الدولة، فسكت ولم يظهر أي امتعاض. وظل يتظاهر بحفاظه على ولائه للخليفة وللوزارة، ولم يقم بأي عمل سوى جمع الأنصار، وبث فكرة الاستقلال، وأنه يكتسب ولا يوهب. وما شاكل ذلك من الأفكار التي كان يبثها الغرب ولا سيما الإنجليز.**

**محاولة الإنجليز هدم الخلافة

بالأعمال السياسية والقانونية

ويبدو أن الإنجليز كانوا يأملون في إحداث التغيير الجذري في نظام الحكم بهدم الخلافة وإقامة الجمهورية بالطرق الشرعية القانونية، من غير حاجة إلى انقلاب عسكري أو ثورة مسلحة. ولذلك أخذوا يعملون بالأساليب السياسية البحتة. فإن الخليفة، بعد أن اعتزل عزت باشا الوزارة، عهد في تأليف الوزارة إلى توفيق باشا، وهو معروف أنه من رجال الإنجليز. إذ كان موظفا في أيام حكم عبد الحميد، ثم أصبح فيما بعد سفيرا للدولة العثمانية في لندن، حيث استطاع أن يكسب عطف الإنجليز ورضاهم. ولكنه حين ألف هذه الوزارة كان شيخا في الثمانين من عمره، فلم يكن أهلا للقيام بالدور الذي يجب أن يقوم به. فلم يرتاحوا لتأليفه الوزارة.

ولكنهم قبل أن يحاولوا تغييره والإتيان بوزارة أخرى أرادوا حل مجلس النواب المعروف بمجلس المبعوثان، وذلك أن هذا المجلس قد انتخب من جميع أجزاء الدولة العثمانية، أي من دولة الخلافة. فهو إذن ليس مجلس نواب تركيا بحتا انتخب لتركيا وحدها. ثم إن هذا المجلس أكثره من حزب تركيا الفتاة وحزب الاتحاد والترقي، حزب طلعت وأنور وجمال. وهو يرى الاحتفاظ بالخلافة وبجميع أجزاء الدولة العثمانية، أي: الاحتفاظ بالإمبراطورية العثمانية جميعها. فليس من المحتمل أن يوافق على إلغاء الخلافة، ولا على سلخ باقي أجزاء الإمبراطورية عن تركيا. ثم إنهم أرادوا أن يوجدوا في البلاد فراغا سياسيا، وحل البرلمان يساعدهم على إيجاد هذا الفراغ السياسي، ولذلك صمموا على حله. وأرادوا في أول الأمر أن يأتي حله بشكل دستوري، دون حاجة إلى حل تحكمي من السلطان بطلب منهم. وهنا حاول مصطفى كمال أن يقوم بالحل الدستوري فلم ينجح، فحله السلطان حلا تحكميا بشكل فجائي، وهو لا يكون إلا بناء على طلب قنع به، أو لم يستطع عدم إجابته.

وتفصيل ذلك أنه كان لا بد لتوفيق باشا بعد أن ألف الوزارة من الحصول على الثقة البرلمانية طبقا للإجراءات الدستورية، وكانت جلسة الثقة على وشك الانعقاد، فسارع مصطفى كمال وكان قد عاد إلى استانبول من حلب وأضنة إلى العمل لإقناع النواب بحجب الثقة عن الوزارة، فقد كان له بعض الأصدقاء من الاتحاديين الذين يؤلفون أغلبية المجلس ومن بينهم فتحي بك الذي كان ذا نفوذ وسلطان، ولذلك سارع إلى حضور جلسة الثقة. فجمع له فتحي بك عددا من النواب وأخذ يتشاور معهم في غرفة مجاورة. وعرض مصطفى كمال اقتراحه عليهم وهو التصويت بعدم الثقة بالوزارة، ولكنهم اعترضوا بأن التصويت بعدم الثقة يؤدي حتما إلى حل المجلس، وهنا لم يستطع إخفاء غايته التي يسعى إليها، فرد فورا: وهذا خير وأبقى، فإنا نكسب الوقت عن هذا الطريق، ونعد أمورنا لتكوين الوزارة التي نريدها.

دق جرس الجلسة ودخل النواب قاعة البرلمان، ثم جاء وقت التصويت، وأعلن الرئيس النتيجة، فكانت الأغلبية الساحقة في جانب الثقة بوزارة توفيق.

فلما علم مصطفى كمال بذلك ترك أبنية البرلمان ولم يكد يصل إلى داره حتى اتصل تلفونيا بالقصر، والتمس مقابلة السلطان في أقرب وقت ممكن. وكان السلطان وحيد الدين يعرف أفكار مصطفى كمال، ويعرف طمعه في استلام الحكم، ولكنه كان يلمس منه قوة ويظن أن له أنصارا أقوياء في الجيش، وأنه يؤثر على الجيش. وكان هم وحيد الدين الاحتفاظ بعرشه، ويرى في مصطفى كمال خطرا عليه. ولهذا حين جاء طلبه وافق وحيد الدين فورا. إلا أنه حدد وقت الاجتماع في أقرب يوم جمعة. وأراد وحيد الدين اختيار هذا اليوم لأنه يوم الاجتماع بالسلاملك، يعني يوم استقبال الخليفة الناس للسلام عليه، فكان قصده أن يعلن مصطفى كمال صلاته بالسلطان، وأن يؤكد أمام الحاضرين الولاء للخليفة، وأن يؤدي صلاة الجمعة معه. ثم بعد ذلك يتخذ الخليفة التدابير لسماع حديثه - الذي يعرفه - على انفراد.

وبعد انتهاء الصلاة طلب السلطان وحيد الدين من مصطفى كمال أن يذهب معه إلى الصالون، وتعمد السلطان إطالة المقابلة، فاستغرق الحديث ساعة كاملة. وقد سأل السلطان مصطفى كمال قائلا: إني مقتنع تمام الاقتناع أن القواد وضباط الجيش يثقون بك أعظم الثقة، فهل تضمن لي أن لا يتخذ الجيش إجراءات ضدي؟. فأجاب مصطفى كمال قائلا: لا أعلم يا صاحب الجلالة عن المستقبل شيئا، ولكن الذي أراه في الوقت الحاضر أن القواد لا يجدون أي مبرر لتمردهم على عرشكم، بل إني أستطيع أن أؤكد لجلالتكم تأكيدا قاطعا أنه لا يوجد ما يبرر تخوفكم. فقال السلطان: إني لا أتكلم عن الوقت الحاضر ولكني أود أن أعلم ماذا ينتظر أن يحدث في المستقبل. ولم يعلم ماذا أجابه مصطفى كمال، ولكن يبدو أنه حدثه حديثا أدخل الاطمئنان إلى قلبه، بدليل أن السلطان قال له بعد ذلك: «إنك قائد حكيم ولا بد أنك تستطيع التأثير على رفاقك، لتدفعهم إلى الهدوء، وتحضهم على التروي».

وقد لفتت هذه المقابلة الخاصة التي لم يحضرها أحد اهتمام الناس الذين كانوا في القصر، وحاولوا استطلاع خفاياها. غير أن الخليفة أصدر في نفس اليوم الذي جرت فيه هذه المقابلة، مع أنه يوم جمعة والمقابلة حصلت بعد الصلاة، أصدر إدارة سلطانية بحل البرلمان دون أن تعين هذه الإرادة السلطانية موعد إجراء الانتخابات الجديدة. وكان هذا مفاجأة للناس جميعا، فوق كونه تدبيرا تحكميا ليس له ما يبرره. ولم تذكر أية مبررات أو أسباب دستورية لحله. فظن الناس أن مصطفى كمال نصحه بالحل وأثر عليه فحل البرلمان، ولا سيما أن طلب المقابلة جاء بعد محاولة مصطفى كمال إقناع النواب بعدم الثقة لأنه يؤدي حتما إلى حل البرلمان، ولكن الوقائع التي حصلت في الحل لا تدل مطلقا على أن الحل كان بتأثير من مصطفى كمال، وذلك لأنه حصل في يوم المقابلة، وهذا بعيد أن يكون من جراء ما حصل فيها من حديث، لأن الحل يحتاج إلى ترتيبات مسبقة، ولا سيما واليوم يوم عطلة. ومصطفى كمال يقابل السلطان أول مرة بعد توقيع الهدنة وانتهاء الحرب، فمهما كان تأثيره عليه لا يمكن أن تكون تلبية طلبه بهذه السرعة الخاطفة.

ولذلك فإن الوقائع تدل على أن موضوع حل البرلمان كان مهيأ من قبل المقابلة، وأن صدوره بهذا الشكل التحكمي لا شك أنه بناء على أمر خارج عن إرادة السلطان، ويستنتج أنه بناء على أمر الإنجليز. إذ هم الذين كانوا مسيطرين على الخليفة وعلى البلاد سيطرة مباشرة بالاحتلال.

وعلى أي حال فإن حل البرلمان أحدث الضجة الكبرى وأحدث البلبلة في البلاد، وراجت الإشاعات أن الاتحاديين قد سلحوا أنصارهم لكي يتمكنوا من إعلان الثورة في آسيا الصغرى، إذ كانت الضربة ضربة مميتة للاتحاديين. وأثناء هذه الضجة اختفى توفيق باشا وحل مكانه الداماد فريد باشا، وكان يطلق عليه الجنتلمان الإنجليزي، وهو زوج ابنة السلطان.

وأما مصطفى كمال فقد استأجر دارا في شيلي إحدى ضواحي بيرا، وصار يعيش في تلك الدار كفرد عادي، واعتزل السياسة ولزم جانب الصمت. وكان يشاهد في بعض الأندية يختلط بالأوساط الراقية، ولكنه كان شديد التحفظ. ولم يكن حديثه يدل على شيء، ولم يكن أحد يعرف هل هو مع السلطان أو ضده.

إلا أن السلطان كان يدرك مرامي مصطفى كمال، لأنه يعرف أفكاره وأغراضه. ولذلك كان يقاومه مقاومة شديدة، ويهاجمه ويقول لمن حوله عنه: إنه يريد تنفير الأتراك من أسرته، وإيجاد العداء بينه وبين الشعب لخلعه، ولكن اعتزال مصطفى كمال للأعمال السياسية لم يجعل له أي سبيل عليه. ولذلك كان الكثيرون يلومون السلطان على عداء مصطفى كمال.

وبعد تأليف الداماد فريد الوزارة، وإظهار الإنجليز الرضا عنها والقبول بها، وازدياد مخاوف السلطان على عرشه، صار يعتقد بأنه لا يستطيع الاحتفاظ بعرشه إلا بمعونة إنكلترا، ويرى أن الداماد فريد باشا أكبر أنصاره ومؤيديه. وقد عمل السلطان والداماد كل الوسائل لإرضاء الإنجليز. وتألفت جمعية سموها «أصدقاء الإنجليز» وكانت الحكومة تؤيد هذه الجمعية بكل أنواع التأييد. والإنجليز من جانبهم يغدقون عليها الذهب المغري، ولكن عامة الناس، وأكثر شباب البلاد وضباط الجيش، كانوا يبغضون الإنجليز، وينقمون على المحتلين.

وهكذا ارتمى السلطان ورئيس وزرائه ارتماء تاما في أحضان الإنجليز، واعتمدوا عليهم اعتمادا كليا. وكان الإنجليز قد عينوا مندوبا ساميا في استانبول ليتولى الأمور السياسية في البلاد، إلى جانب الجنرال هارنجتون الإنجليزي القائد العام لجيوش الحلفاء. فصاروا يملون أراءهم على السلطان ويتحكمون به كما يشاؤون. ففقد سلطانه السياسي الفعلي، وصار كالسجين، وأضحى السلطان الفعلي للحلفاء، أو على الأصح للإنجليز وحدهم ممثلين بالمندوب السامي البريطاني وبالجنرال هارنجتون.**

**تركيز الإنجليز على عاصمة الخلافة لإلغائها

وأما تركيز جهودهم على مركز الخلافة لاتخاذ الأساليب التي تكفل إلغاءها فإنهم مع مناوراتهم لحلفائهم وبذلك جهودهم في البلاد التي احتلوها كان اهتمامهم كله موجها إلى تركيا بالذات، أو بتعبير أدق إلى مركز الخلافة. ولذلك سارع الإنجليز حال إعلان الهدنة فاستولت بوارجهم على البسفور، واحتلت جيوشهم العاصمة، وكل قلاع الدردنيل، والمواقع الحربية الهامة في أنحاء تركيا. بينما احتلت الجيوش الفرنسية غلطة، واحتلت الجيوش الإيطالية بيرا وخطوط السكك الحديدية، وجعل القائد الإنجليزي هارنجتون القائد العام للحلفاء في تركيا.

وبذلك تكون الجيوش الإنجليزية هي التي احتلت تركيا حقيقة احتلالا كاملا، وهي التي تولت السيطرة عليها. وتكون فرنسا وإيطاليا قد احتلتاها احتلالا رمزيا يثبت وجودهما. وبذلك صار معنى اتصال الدولة المغلوبة بالحلفاء الغالبين في شؤون تركيا الداخلية هو اتصال بالإنجليز. وبذلك تمكن الإنجليز من لعب دورهم في تركيا منفردين، ولم يكن لحفائهم في الأمور الداخلية في تركيا أي دور ولا أي تأثير.

وقد بدأوا بالمناورات السياسية للتحكم في دولة الخلافة، أو على حد تعبيرهم بالإمبراطورية العثمانية منذ أن أعلنت الهدنة، وركزوا لعبتهم السياسية على تركيا بالذات لقلب الحكومة وهدم الخلافة.

ولذلك بدأوا بإيقاع الدولة في الأزمات السياسية منذ اللحظة الأولى لإعلان الهدنة. فقد قبلوا من الدولة العثمانية الهدنة وعقدوا معاهدتها مع طلعت وأنور، ولما طلب منهم إجراء المفاوضات للاتفاق على شروط أعلنوا أنهم لا يفاوضون طلعت وأنور لأنهما المسؤولان الرئيسيان عن دخول الدولة العثمانية الحرب، وطلبوا تأليف وزارة جديدة.

وكانت برقية مصطفى كمال التي أرسلها من حلب وأوعز فيها بأن يتولى المرشال عزت رئاسة الوزارة قد وصلت أثناء هذه الفترة. فألف الوزارة عزت باشا، وأرسل برقيته المعروفة بصفة خاصة إلى مصطفى كمال في حلب، وقال له فيها: «آمل أن نلتقي كرفيقين بعد عقد شروط الهدنة» وهنا يلاحظ أن حصول هذا من الحلفاء، ومن مصطفى كمال، في نفس الوقت، وفي نفس الموضوع، قد يظن أنه كان من قبيل الصدفة، ولكن الأحداث التي جاءت فيما بعد تستبعد أن يكون من قبيل الصدفة.

ومهما يكن من أمر فقد بدأ عزت باشا يجري المفاوضات لعقد شروط الصلح. وكان الاعتقاد السائد أنه إذا عقد صلح انفرادي سريع فمن الممكن أن تنجو البلاد من الورطة التي وقعت فيها دون أن تتحمل خسائر فادحة. وكان هناك أشخاص يحسنون الظن بالإنجليز، ويظنون أنهم سيقفون بجانبهم فيقبلون بالاكتفاء بخروج الدولة العثمانية من الحرب وبقائها دولة مسالمة. ولذلك حاولوا أن يوقفوا زحف الحلفاء، وأن يحولوا دون احتلال الدردنيل، فوسطوا الجنرال الإنجليزي طاونساند الذي كان سجينا في كوت العمارة لدى كالثورب قائد الأسطول الإنجليزي الذي كان قد دخل مرفأ جزيرة مودرس في مدخل الدردنيل ليوقف سيره إلى أن يجروا مفاوضات مع الحلفاء، ولكن رفض طلبهم وأجبروا على الاستسلام بعد أن قطعوا الأمل من الإنجليز.

وجرت المفاوضات على ظهر الباخرة سوبر التي كانت تقل قائد الأسطول الأميرال كالثورب في وقت قصير لم يسمح حتى باستشارة القوات الفرنسية الحليفة. وهكذا انفرد الإنجليز بعقد الهدنة عن الحلفاء مع الدولة العثمانية، وتم الاتفاق في 30 تشرين الأول سنة 1918، وبعد ذلك أخبر الإنجليز حلفاءهم الفرنسيين، ولكن بعد أن احتلوا أهم بلاد تركيا فعلا، وتركوا لفرنسا وإيطاليا الاحتلال الشكلي للمشاركة .

وبعد ذلك مباشرة أي قبل مضي شهر على عقد الهدنة طلبوا من الخليفة إقصاء عزت باشا عن الوزارة، وتأليف وزارة جديدة لأنها مسؤولة عن قرار طلعت وأنور، وكان يجب القبض عليهما وتسليمهما للحلفاء لأن هناك مادة من مواد شروط الهدنة تقول بتسليم الذين يعدون مسؤولين قبل غيرهم عن الحرب الكبرى. وهكذا بدأ الإنجليز بإيجاد الأزمات السياسية للخليفة.**

**تآمر مصطفى كمال على الدولة

أما الحادث الأول فإنه حصل أثناء وجوده في القفقاس. فقد قامت محاولة انقلاب يظن أن له صلة بها. فقد نظم الميجر يعقوب جميل بك مع بعض رفاقه مؤامرة لقلب الحكومة. وكان مما قاله لرفاقه: «إن أولئك الرجال الذين يعدون أنفسهم كبارا هم في الحقيقة صغار، وإن البلاد تطلب إزاحتهم عن مقاعدهم ليحتلها رجال أشد وطنية وأكثر إخلاصا« فاعترضه بعض رفاقه قائلين: «إن إزاحة هؤلاء من الأمور الهينة، ولكن قل لنا عن الشخص الذي ترى أن في وسعه إعادة النظام كما كان؟» فأجابهم فورا: «مصطفى كمال». وقد كشفت هذه المؤامرة وأعدم الميجر يعقوب ورفاقه. وسمع بهذا الخبر مصطفى كمال أثناء إقامته بالقفقاس، فكان وقعه عليه كالصاعقة. وقد وصلته هذه الأخبار عن طريق الدكتور حلمي بك الذي كان قد اشترك في تلك المؤامرة، ولكنه تمكن من الفرار من استانبول وذهب إلى مصطفى كمال. وقد طلبت الحكومة في استانبول من مصطفى كمال أن يلقي القبض على الدكتور حلمي وأن يعيده في الحال، فأبرق مصطفى لهذه السلطات يقول: «إن الدكتور حلمي قد أصبح منذ الآن تحت حمايتي» فما كان من الحكومة إلا أن سكتت، لما للاصطدام بمصطفى كمال من عواقب عليها. وبهذا ظهر للحكومة وللكثيرين في الدولة والجيش أن مصطفى كمال يطمع بالاستيلاء على السلطة، والانسحاب من الحرب. وبذلك ظهر مصطفى كمال على المسرح السياسي لا بأفكاره التي كان يحملها فحسب بل وبطريقته التي كان يريد أن ينفذ بها تلك الأفكار، ولذلك صارت تتخذ إزاءه الاحتياطات والتحفظات.

وأما الحادث الثاني فإنه حين هزمت الدولة في (ارضروم)، وسقطت بغداد في آذار (مارس) سنة 1917 في يد الإنجليز، برزت جرأة مصطفى كمال على الحكومة بشكل صارخ، وأخذ يطالبها علنا بالانسحاب من الحرب. وتفصيل ذلك أن الروس شددوا الهجوم على (أرضروم) فسقطت في أيديهم. وكان يمكن أن يسدل الستار على ضياع ذلك الحصن، وكان من الممكن أن تعمل السلطات على ستر هذه الفضيحة، ولكن حدث أن هاجم الإنجليز العراق وسقطت بغداد في أيديهم. فانكشف هزال الدولة وبرزت هزيمتها.

فقد غزا الإنجليز بجيش من الهند العراق، فتصدى لهم الجيش العثماني فأوقف زحف الحملة الإنجليزية، وصد جيشا إنجليزيا من جيوش النجدة، وأكره فرقة تومشند المحاصرة في كوت العمارة على الاستسلام في 29 نيسان 1916 وأسروها كلها. ولكن القوات الإنجليزية التي نزلت في العراق كانت أكثر من القوات العثمانية فيها، وكان تفوق الإنجليز العسكري قد بدأ يبرز في المعارك، ولذلك عادت كفة الإنجليز فرجحت.

وفي شهر شباط سنة 1917 أعاد الإنجليز احتلال كوت العمار. ثم في آذار سنة 1917 سقطت بغداد في أيديهم، واستأنفوا زحفهم نحو الموصل، فأدى ذلك إلى اضطراب في الوزارة. ووجد رأي عام لإخراج أنور من وزارة الحربية وإسنادها إلى غيره، حتى إن حزب الاتحاد والترقي وهو الحزب الحاكم، وأنور من أبرز أركانه، كان من هذا الرأي.

ولذلك جرى البحث فيمن يحل مكان أنور في وزارة الحربية من القادة الأكفاء، وكانت الأسماء التي ترشح لهذا المركز في هذه الظروف هي جمال باشا، والمارشال عزت، ومصطفى كمال. ولكن عجز جمال باشا في حكم الإقليم السوري الذي كان يديره، وعدم خبرة عزت باشا في الأمور السياسية، ووزارة الحرب تحتاج إلى دراية وخبرة في الأمور السياسية، قد جعل حلولهما مكان أنور عملا خاطئا، فلم يبق إلا مصطفى كمال.**

**مصطفى كمال يعمل لانسحاب الدولة

من الحرب وعقد صلح مع الإنجليز

والذي يلفت النظر أن مصطفى كمال عاد من الدردنيل إلى استانبول منتصرا عن الإنجليز، وكان نصرا له أثره في معنويات الجيش العثماني، وفي نفوس المسلمين في الدولة العثمانية كلها، وله أثره كذلك على الحلفاء. ومع هذا فقد عاد مصطفى كمال من المعركة التي كان قائدها وانتصر فيها ليشكك الناس في قدرة الدولة على محاربة الإنجليز، وليوجد فكرة انسحاب الدولة من الحرب وعقدها صلحا منفردا مع الإنجليز، عاد ليبدأ معركة داخلية مع الدولة ليجعلها تترك الألمان وتسير مع الإنجليز. وإذا كان قبل هذه المعركة يقول بهذا الرأي فإنه كان يحتفظ به لنفسه، أما الآن بعد أن رجع من المعركة مع الإنجليز فإنه صار يبث هذه الآراء بين الناس، وخاصة ضباط الجيش، ويحاول التأثير على أصحاب المراكز العالية وذوي النفوذ. وبلغ به الحال أن صار يقابل الوزراء ويخاطبهم علنا بآرائه، ويحاول التأثير عليهم.

ومن ذلك أنه ذهب لزيارة وزير الخارجية في مكتبه، وكان وزير الخارجية حينئذ نسيمي بك، وهو من الذين اقترحوا دخول تركيا الحرب إلى جانب ألمانيا، فرحب نسيمي بك بزيارة مصطفى كمال باعتباره بطل (أنافورطه)، وأخذ يتحدث معه حديثا طيبا، وكان حديثه كله تفاؤلا جميلا، لا سيما بعد النصر الذي أحرزته الدولة وهزمت جيوش الحلفاء من الدردنيل، وردتها على أعقابها. وكان وزير الخارجية يقدر قيمة هذا النصر، ومدى تأثير هذه الهزيمة على الحلفاء. إذ أن معناها إبقاء روسيا من غير إمداد بالذخائر الحربية التي كانت في اشد الحاجة إليها، وتعريض فرنسا لهجوم ألماني كاسح بسبب عجز روسيا عن الحرب لعدم إمدادها بالسلاح وجعل الألمان يأمنون الجبهة الشرقية. وبذلك ترجح كفة ألمانيا والدولة العثمانية على الحلفاء. ولهذا كان وزير الخارجية متفائلا. ولكن مصطفى كمال حاول إثارة التشاؤم، وحاول إقناع الوزير بآرائه، ويبدو أنه لمس القوة في حجج الوزير فلجأ إلى التهديد وقال للوزير: ينبغي أن تهتم بما سأحدثك عنه، إذا سمحت للساسة أن يستمروا في تأثيرهم عليك فإنك ستجد نفسك وجها لوجه أمام معضلة أكبر مما تتصور ويتصور الساسة معك. فاضطرب الوزير وقال في كبرياء: إني لا أدري ماذا ترمي إليه؟ فقال مصطفى كمال: أقول إن البلاد تسير في طريق الخراب، وإنك تدعي الآن بأنك لا تراها سائرة في هذا الطريق. طبعا إنك مضطر لأن تقول هذا القول بحكم وظيفتك كوزير، ولكن اعتقادك الشخصي ينبغي أن يكون غير هذا تماما، إنك ولا ريب لا تجهل الحقيقة بتمامها، وإنك ولا ريب تعرف مصدر الداء ومكان البلاء. فبهت الوزير، ثم التفت إلى مصطفى كمال وخاطبه بلهجة حازمة قائلا: إذا كنت قد جئت أيها الكولونيل لتبدي ارتيابك في حالة البلاد فليس هذا وقت إظهار هذا الارتياب، وليس هذا مكان إظهار هذا الارتياب. إنك قد أخطأت في حضورك إلي.

فإني مع زملائي الوزراء نثق ثقة مطلقة بقائد الجيش العام، وعلى هذا فإني أنصحك بالذهاب إليه ليبدد لك مخاوفك، ويقضي على الوساوس التي تساورك. ثم صرفه من مجلسه.

وفي صبيحة اليوم التالي أبلغ وزير الخارجية القائد العام ما دار من حديث بينه وبين مصطفى كمال، وطلب منه أن يوقع عليه القصاص الذي يستحقه. فقرر القائد العام إبعاد مصطفى كمال إلى القفقاس، وأبعد في الحال. وبقي هناك أكثر من سنة دون أن تسنح له الفرص لأن يؤدي عملا ذا بال.

فكان هذا الاتصال بوزير الخارجية أول بروز رسمي لمصطفى كمال في السعي لإخراج الدولة من الحرب، ومحاولته إقناع رجال الدولة من وزراء وضباط بذلك. ولم يكن يوجد ما يدل على أنه كان يفعل ذلك بناء على اتصالات معينة مع الإنجليز، ولذلك كان يحمل عمله هذا على أنه رأي شخصي له، واجتهاد منه، وبإبعاده استراحت الدولة من هذه الفكرة. إلا أنه حصلت بعد ذلك حوادث متعددة قام بها مصطفى كمال لتنفيذ أفكاره بالقوة، وللاستيلاء على الحكم بالقوة كما ظهرت فيها خيانته.**

**انسحاب مصطفى كمال من سورية وتركها للإنجليز

وأما الحادث الرابع فإنه كان حين سافر مصطفى كمال إلى الجبهة ليحارب الإنجليز فسلمهم البلاد، وانسحب إلى الأناضول. وذلك أنه بعد إصدار الأمر إليه سافر إلى مقر قيادته في الجبهة السورية، ووصل إليها في آخر آب (أغسطس) سنة 1918، وقدم نفسه إلى القائد العام الألماني (ليمان ساندروز). إذ إن فالنكهاين كان قد عاد إلى ألمانيا في الربيع، فرحب به ساندروز وهو يعرفه من قبل، من أيام معركة (أنافورطه)، وسلمه قيادة الجيش السابع الذي كان يسيطر على القطاع الأوسط من خط الدفاع، وبعد أن تسلم قيادة الجيش في الجبهة اشتكى من مرض كليتيه، فلزم فراشه في مركز القيادة في نابلس في أول أيلول (سبتمبر) 1918. وفي 19 أيلول بدأ الهجوم الإنجليزي على الجبهة، فانسحب مصطفى كمال بجيشه جاعلا ظهره إلى نهر الأردن، ثم عبر النهر وجمع فلول قوته ومضى بها نحو الصحراء، ثم انسحب وإياهم بمحاذاة الخط الحديدي إلى دمشق بسرعة دون أي توقف.

وفي دمشق أمره القائد العام «فون ساندروز» بتاريخ 27 أيلول أن ينشئ خطا دفاعيا جديدا في رياق، فذهب لإنجاز هذه المهمة، ثم رجع إلى ليمان فون ساندروز وأخبره أن لا فائدة من تنظيم خط دفاع في رياق، وأن تنظيم الصفوف يحتاج إلى متسع من الوقت، وأن الرأي أن ينسحب الجيش مسافة مئة ميل إلى حلب، متخلين عن سورية كلها، فيسدوا الطريق إلى تركيا ذاتها في وجه الأعداء الزاحفين.

فلما عرض هذا الرأي قال له القائد الألماني: إني لا أستطيع إصدار الأمر بتنفيذ هذه الخطة، وإني لا أتحمل مسؤولية ترك قطعة كبيرة من الإمبراطورية العثمانية لقمة سائغة للأعداء، دون أن أضرب ضربة أخيرة. فأجابه مصطفى كمال: أنا أتحمل المسؤولية الكاملة. ثم أصدر أمره بالكف فورا عن كل صدام مع العدو، وبالتأهب للانسحاب العام إلى حلب، للدفاع عن تركيا نفسها، وذهب إلى حلب ووصل إليها في 6 تشرين الأول.

وفي هذه الأثناء طلب منه الزعماء العرب بتحريض من ضابط الاستخبارات الإنجليزي لورنس، أن يستخدم نفوذه ليقنع الحكومة بعقد صلح منفرد مع الحلفاء.

وفي هذا الوقت أي بعد وصول مصطفى كمال إلى حلب كثرت حركات سفن الإنجليز في خليج الاسكندرون، وفي 14 تشرين الأول دخلت ثلاث نسافات إلى الخليج، ثم رفعت إحداها علما أبيض، وأنزلت إلى البحر قاربا نقل ضباط إنجليز وفرنسيين إلى البر حيث قابلوا قائد الموقع التركي ثم عادوا، فغادرت النسافات الخليج.

ثم إن مصطفى كمال، بعد أن أعد خطا دفاعيا على بعد عشرة أميال شمالي حلب، أرسل برقية إلى السلطان أوعز فيها بأن يتولى عزت باشا رئاسة الوزارة، واقترح تأليف وزارة جديدة من أشخاص أورد أسماءهم، وطلب لنفسه وزارة الحربية، وأن يكون الحاكم المطلق على الجيش التركي كله.

ولم يتلق أي رد من السلطان على برقيته، ولكن جاءته الأخبار بعد ذلك بقليل بأن طلعت وأنور قد سقطا، وأن عزت باشا قد عين رئيسا للوزارة. وأن أعضاء الوزارة الجديدة هم الأشخاص الذين جاء ذكرهم في برقيته. وأرسل إليه عزت باشا برقية خاصة قال فيها: «إذا شاء الله آمل أن نلتقي كرفيقين بعد عقد شروط الهدنة».

ومن هذا يتبين أن مصطفى كمال بعد أن أخفق في إقناع السلطان وحيد الدين في خطته، وأبعد إلى الجبهة، لم يذهب ليحارب، وإنما ذهب ليبحث عن وسيلة لتنفيذ خطته. وقعوده في نابلس عن الحرب بحجة المرض، ثم انسحابه منها توا إلى دمشق يثير الشكوك والريب. وأما ما فعله من الانسحاب من سورية كلها، وتركها لقمة سائغة للإنجليز، ومخالفة رأي القائد العام في ذلك فلا يبعد أن يكون بناء على اتفاق مع الإنجليز، بدليل الاتصال الذي حصل بينه وبين لورنس عن طريق الزعماء العرب الذين عرضوا عليه مشروع إقناع حكومته بالانسحاب من الحرب وعقد صلح منفرد، وبدليل أنه كان يقول: إنه يريد وضع خط دفاع في حلب للدفاع عن تركيا ليجعل ظهره إليها، ولم يأخذ معه سوى الأتراك من الجيش، وبدليل برقيته إلى وحيد الدين، ويؤكد ذلك ويعينه جواب عزت الخاص له، وقوله في برقيته: «آمل أن نلتقي كرفيقين بعد عقد شروط الهدنة».**

**تشبث مصطفى كمال بتسلم الحكم

وأما في الحادث الثالث فإن المسألة لم تعد إظهار رأي وتمرد، بل صار يتشبث عمليا بتسلم الحكم، وحصلت منه حوادث يمكن أن يستنتج منها أنه اتصل بالإنجليز لتنفيذ أفكاره.

فإنه في الثالث من تموز (يوليو) سنة 1918 توفي السلطان محمد رشاد، واعتلى العرش مكانه محمد وحيد الدين باسم محمد الخامس. فرأى مصطفى كمال أن الفرصة قد سنحت له لتسلم الحكم إذ كان قد صحب وحيد الدين إلى ألمانيا، واجتمعوا بهند نبرغ. فقد أرسله أنور مع وحيد الدين - وكان لا يزال وليا للعهد - ليرى بنفسه قوة ألمانيا، فلعله يقنع بترك آرائه.

وحين رجعوا من الرحلة مباشرة حصلت وفاة محمد رشاد، وتولى وحيد الدين للعرش. فسارع مصطفى كمال إلى اغتنام فرصة صحبته لوحيد الدين فحاول أن يقنعه بآرائه حتى يوليه الوزارة، فزار السلطان الجديد زيارة صداقة، فاستقبله وحيد الدين بكل مظاهر الود والترحيب، بل ذهب في إكرامه إلى حد أن أشعل له سيجارة بيده. فتشجع مصطفى كمال على أن يصارحه بآرائه، فشرح له خطته مؤكدا أن الدمار الذي يهدد البلاد قد صار قاب قوسين أو أدنى، وأنه ينبغي أن يتولى السلطان بنفسه السيطرة التامة على الجيش، وأن يجرد أنور والقواد الألمان من كل سلطة ليكون الأمر له حقا، ولا يكون سلطانا بالاسم فقط. وأكد استعداده لأن يضطلع بأعباء القيادة العامة، وبذلك ينقذ تركيا من الهاوية التي ستتردى فيها. وعليه أن يتحرر من التحالف الألماني، ويعقد صلحا منفردا على الفور قبل أن تفوت الفرصة.

فسأله وحيد الدين: هل هناك ضباط آخرون يشاطرونك هذا الرأي؟ فأجابه مصطفى كمال: «هناك كثيرون يا مولاي». ولكن وحيد الدين لم يعده بشيء، فقابله مرة ثانية، فظل وحيد الدين على عدم وعده بشيء، ثم قابله مرة ثالثة وعاد إلى شرح وجهة نظره، فسمع منه وحيد الدين وهو صامت حتى فرغ من قوله، فانبرى له السلطان قائلا في لهجة الحزم والتوكيد: «لقد نظمت كل أموري بالاشتراك مع صاحبي السعادة أنور باشا وطلعت باشا» ثم صرفه من حضرته على الفور.

ولم يمض أسبوعان حتى دعاه إليه فحضر مصطفى وكان السلطان بين حاشيته وبعض القواد الألمان. وبعد أن استقبله محتفيا مرحبا خاطبهم قائلا: «هذا هو مصطفى كمال باشا، وهو من أكفأ الضباط الذين أثق بهم»، ثم استدار إلى مصطفى وقال له: لقد عينتك يا صاحب السعادة قائدا لجبهة سورية، فهي ذات أهمية قصوى، وأنا أريدك أن تذهب إليها في الحال. وألا تدعها تقع في أيدي العدو، وأنا أعلم أنك ستؤدي المهمة التي أعهد بها إليك على خير الوجوه وأقربها إلى الكمال. ثم صرفه من حضرته على إثر ذلك مباشرة من غير أن يترك له أية فرصة للكلام.**

**الصراع بين الإسلام والكفر

منذ أن انبثق فجر الإسلام والصراع العنيف دائر على أشده بين أفكار الإسلام وأفكار الكفر، وبين المسلمين والكفار. وقد بدأ هذا الصراع فكريا بحتا حين بعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولم يصحبه أي صراع مادي، واستمر كذلك إلى أن قامت الدولة الإسلامية في المدينة ووجد الجيش ووجدت القوة. ومنذ ذلك الحين ضم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الصراع الدموي إلى جانب الصراع الفكري، ونزلت آيات الجهاد، واستمر الصراع كذلك، وسيظل على هذه الطريقة - صراع دموي إلى جانب الصراع الفكري - إلى قيام الساعة، حتى يرث الله الأرض ومن عليها. ومن هنا كان الكفر عدوا للإسلام، وكان الكفار أعداء المسلمين ما وجد في الدنيا إسلام وكفر، ومسلمون وكفار، إلى يوم يبعثون. وهذه حقيقة قطعية ودائمية، فلا بد أن يظل إدراكها واضحا لدى المسلمين في كل لحظة من لحظات الحياة، ولا بد أن تتخذ مقياسا من مقاييس العلاقات بين الإسلام والكفر وبين المسلمين والكفار.

وقد استمر الصراع الفكري البحت ثلاثة عشر عاما متتالية على أشد ما يكون من العنف والقسوة، إلى أن انتصرت أفكار الإسلام على أفكار الكفر، وأظهر الله الإسلام. فقامت في المدينة الدولة التي تحمي ذمار المسلمين وبيضة الإسلام، وتنشر الهدى بين الناس عن طريق الجهاد فبدأت الحروب بين الإسلام والكفر، وبين جيوش المسلمين وجيوش الكفار في معارك متلاحقة، وفي منتهى الغلظة والشدة. فكان النصر في هذه الحروب كلها للمسلمين. والمسلمون وإن هزموا في بعض المعارك ولكنهم كانوا يكسبون الحرب، وما خسروا حربا من الحروب مدة ستة قرون، بل ظلوا منتصرين في جميع الحروب ستة قرون متوالية، وظلت الدولة الإسلامية هي الدولة الأولى في العالم طوال هذه المدة. ولم يقع هذا في تاريخ الجنس البشري مع غير المسلمين أبدا، ولا حدث مع غير الدولة الإسلامية. ولكن الكفار ولا سيما الدول الأوروبية لم يكونوا غافلين عن الإسلام للبطش به، ولا عن المسلمين لتدمير كيانهم، فكانوا كلما سنحت لهم فرصة شنوا هجوما على المسلمين، أو دبروا لهم كيدا. وفي أواخر القرن السادس الهجري، (الحادي عشر الميلادي) وأوائل القرن السابع الهجري (الثاني عشر الميلادي) أحست دول أوروبا بما آل إليه نظام الحكم في الدولة الإسلامية من تفكك في الولايات عن جسم الدولة، واستقلال الولاة بأهم شؤون الحكم الداخلي من جيش ومالية وسلطان وغير ذلك، حتى كانت أشبه بالاتحاد بين دول منه بالوحدة للدولة الواحدة. ولم يبق للخليفة في بعض الولايات سوى الدعاء له على المنابر، وسك النقود باسمه، ومبلغ من المال يرسل من الخراج. أحست بذلك دول أوروبا فجردت الحملات الصليبية على المسلمين، وكانت الحرب الصليبية التي استمرت مدة قرن تقريبا.

وفي هذه الحرب هزم المسلمون، واستولى الكفار على بلاد الشام كلها: فلسطين، ولبنان، وسورية، ومكثوا فيها عشرات السنين، حتى إنهم احتفظوا ببعض البلدان كطرابلس الشام مدة مائة عام.

وإنه وإن كانت المعارك بين الصليبيين والمسلمين لم تنقطع طوال مائة عام، ومحاولات المسلمين لاسترداد البلاد التي غلبهم الصليبيون عليها لم تفتر، ولكن هذه الحروب ضعضعت الأمة الإسلامية، وأنزلت مكانة الدولة الإسلامية، وخسر المسلمون الحرب فيها، وهزموا أمام الكفار، وكان النصر فيها للكفار على المسلمين. وإن كان لم يحصل فيها نصر للكفر على الإسلام لا فكريا ولا روحيا. وقد أصاب المسلمين منها من الذل والانكسار والهوان ما لم يخطر على قلب بشر. ولذلك تعتبر هذه الفترة، فترة الحروب الصليبية، فترة هزيمة للمسلمين. فإنهم بالرغم من انتصارهم في النهاية على الصليبيين وطردهم من بلاد الإسلام لم يستأنفوا السير في الفتوحات، أي لم يستأنفوا الحروب مع الكفار. إذ ما ان انتهت الحروب الصليبية حتى جاء المغول فكانت مذبحة بغداد وكارثة الإسلام فيها، وذلك في سنة (656 هـ / 1258 م)، ثم كان سقوط دمشق في أيدي المغول بعد ذلك في نفس السنة، إلى أن كانت معركة عين جالوت في 3 أيلول سنة 1260 ميلادية، ثم كان القضاء على المغول. وعلى أثر القضاء عليهم تحركت مشاعر الجهاد في نفوس المسلمين، وأحسوا باستئناف حمل الدعوة إلى العالم، فبدأت غزوات المسلمين للكفار، وبدأ الجهاد ضد البيزنطيين، وبدأت المعارك، وبدأ تتابع النصر، وكان ذلك في أواخر القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي)، واستأنفت الأمة الإسلامية الفتوحات واستمرت الحروب، وتتالت المعارك، وكان النصر فيها دائما للمسلمين. فإنهم وإن كسروا في بعض المعارك فقد كانوا يكسبون الحروب وينتصرون فيها، ويفتحون البلدان، وكانت الدولة الإسلامية هي الدولة الأولى في العالم.

واستمرت كذلك مدة أربعة قرون أي حتى منتصف القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي). أي إلى أن ظهر الانقلاب الصناعي في أوروبا بشكل بارز ومؤثر في قوى الدول، ووقف المسلمون أمامه حيارى، فتغير ميزان القوى في العالم، فبدأت الدولة الإسلامية تنزل عن مرتبة الدولة الأولى في العالم، رويدا رويدا، إلى أن أصبحت مطمع الطامعين. فأخذت تجلو عن البلاد التي فتحتها، والبلاد التي كانت خاضعة لسلطانها، وأخذت الدول الكافرة تغتصب منها بلاد الإسلام قطعة قطعة، فبدأ الجزر الإسلامي بعد ذلك المد. وحينئذ بدأت الدول الأوروبية تفكر في إزالة الدولة الإسلامية من الوجود الدولي، وإزالة الإسلام كله من معترك الحياة، ومن العلاقات بين الناس. أي بدأوا يفكرون في حروب صليبية ثانية، ولكن لا كالحروب الصليبية الأولى غزوا عسكريا يهزمون به المسلمين ويدحرون الدولة الإسلامية، بل في حرب صليبية أعمق وأفظع، ويقتلعون بها جذور الدولة الإسلامية من أساسها حتى لا يبقى لها أثر، ولا يبقى منها جذر واحد ينبت، ويقتلعون الإسلام من نفوس المسلمين حتى لا يبقى منه سوى طقوس كهنوتية، وشعائر روحية.**

**وهُدِمَت ألْخِلافَة

مختارات من كتاب :

كيف هُدمت الخلافة

للعالم الجليل الشيخ عبد القديم زلوم

الطبعة الثالثة - مزيدة ومنقحة - 1410هـ - 1990م

بسم الله الرحمن الرحيم

( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)

ألمحتويات

ألرقم /ألموضوع

01.آيات الافتتاح 00000000000000000000000

02.الصراع بين الإسلام والكفر 000000000000

03.تآمر الدول الأوروبية على الدولة الإسلامية0

04.نشأة الوهابيين والحكم والسعودي 000000

05.تآمر الإنجليز ضد الدولة الإسلامية 0000000

06.محاولة فرنسا ضرب الدولة الإسلامية 0000

07.إثارة النعرات القومية والنزعات الاستقلالية 00

07.دور مركز بيروت في العمل ضد الخلافة 00000

08.دور مركز استانبول في العمل لضرب الخلافة 00

10.دور السفارات الأوروبية في تأسيس الجمعيات والأحزاب العربي…

11.الغزو التبشيري والغزو الثقافي 0000000000000

11.دور مركز مالطة في الغزو التبشيري 000000000

11.انتشار البعثات التبشيرية في بلاد الشام 00000

12.إثارة الفتن بين أهالي بلاد الشام 00000000000

13.محاولة إدخال الأحكام الدستورية الغربية 000000

14.محاولة مدحت باشا وضع دستور للدولة من النظم الغربية…

15.وقوف عبد الحميد في وجه دستور مدحت 0000000

17.أثر الفتاوى في إدخال القوانين الغربية 000000000

18.خطأ الفتاوى 0000000000000000000000000000

21.مناقضة الديمقراطية للإسلام 000000000000000

24.الحريات العامة في الديمقراطية تناقض الإسلام 00

25.أثر الغزو الثقافي والتشريعي 0000000000000000

26.محاولة تمزيق دولة الخلافة 00000000000000000

27.محاولة الحلفاء استمالة جمال باشا 0000000000

29.بروز مصطفى كمال 0000000000000000000000

30.مصطفى كمال يعمل لانسحاب الدولة من الحرب وعقد صلح مع الإنجليز

31.تآمر مصطفى كمال على الدولة 0000000000000

33.تشبث مصطفى كمال بتسلم الحكم 000000000

34.انسحاب مصطفى كمال من سوريا وتركها للإنجليز 00

35.استسلام الدولة العثمانية 00000000000000000

35.تمزيق الإنجليز لدولة الخلافة 0000000000000000

36.جعل القومية والوطنية أساسا لعملية التمزيق 000

37.تركيز الإنجليز على عاصمة الخلافة لإلغائها 000000

38.محاولة الإنجليز هدم الخلافة بالأعمال السياسية والقانونية …

39.عمل الإنجليز على إيجاد الفراغ السياسي 0000000

40.الإنجليز يغيرون الأسلوب السياسي والقانوني 0000

41.تدابير الإنجليز لاحتلال اليونان أزمير 0000000000000

42.بدء مصطفى كمال أول خطوة في ثورته ضد الخلافة 00

43.دعم إنجلترا ثورة مصطفى كمال 00000000000000000

44.الجولة الأولى في ثورة مصطفى كمال 000000000000

45.مسرحية احتلال سمسون 000000000000000000000

46.اتخاذ ثورة مصطفى كمال صفة الحرب المسلحة 00000

47.مؤتمر أرضروم 0000000000000000000000000000000

48.الإنجليز يمنعون السلطان من إرسال جيش للقضاء على ثورة مصطفى كمال

49.مؤتمر سيواس 000000000000000000000000000000

50.تفاهم مصطفى كمال مع الخليفة استعدادا لجولة أخرى

51.نجاح مصطفى كمال في جمع الناس حوله على فكرة تحرير البلاد

52.اتخاذ مصطفى كمال أنقرة مركزا له 00000000000000

53.عودة مصطفى كمال إلى الثورة في جولة ثانية 00000

54.احتلال الإنجليز استانبول 0000000000000000000000

55.نقمة الناس على السلطان لوقوفه بجانب إجراءات الإنجليز

56.مصطفى كمال يعلن عن إجراء انتخابات نيابية جديدة 0000

57.إقامة مصطفى كمال جهاز دولة في أنقرة 00000000000

58.السلطان يسير حملة عسكرية للقضاء على حكومة أنقرة

59.إذاعة شروط الصلح بدل الموقف لصالح مصطفى كمال بعد هزيمته

60.تركز حكومة أنقرة واتصال الدول بها مباشرة 0000000000

61.رئيس وفد السلطان لمؤتمر لندن يتنازل لرئيس وفد أنقرة ليتحدث باسم الوافدين

62.مصطفى كمال يستعد لتصفية المشكلة مع اليونان بالحرب

63.اليونان تبادر ببدء الحرب على الأتراك 0000000000000000

64.انسحاب الجيش اليوناني بضغط من الحلفاء رغم انتصاره 00

65.الإنجليز يعملون دعاية ضخمة لمصطفى كمال 000000000

66.السياسيون والضباط يحذرون مصطفى كمال من إلغاء الخلافة

67.فصل السلطنة عن الخلافة 00000000000000000000000

69.الإنجليز يشترطون إلغاء الخلافة وعلمنة الدولة 000000000

70.الضربة المميتة 00000000000000000000000000000000

72.القضايا المصيرية وإجراء الحياة أو الموت 00000000000000

73.القضايا المصيرية في نظر الإسلام 000000000000000000

77.إقامة الخلافة والحكم بما أنزل الله هي قضية المسلمين المصيرية

  1. تمّ والحمد لله رب العالمين 000000000000000000000000**

**بروز مصطفى كمال

وكان مصطفى كمال ضابطا صغيرا مغمورا عند بدء الحرب، وإن كان معروفا بأفكاره الغربية وبثورته على أفكار الإسلام، ومعروفا بميله للإنجليز وكرهه للألمان. ولم يظهر اسمه ويلمع إلا بعد اشتراكه في معركة (أنا فورطه). فإنه منذ ذلك الحين اكتسب دعاية واسعة، ونبه ذكره، وصار مشهورا.

ففي ربيع سنة 1915 أي في ابتداء السنة الثانية للحرب العالمية توقفت ألمانيا عن محاولتها الاستيلاء على الأراضي الفرنسية لأن كلا من ألمانيا وفرنسا لم تستطع قهر جارتها والانتصار عليها انتصارا حاسما. وكان الروس قد تعرضوا لانكسار شنيع ولا يستطيعون النهوض من كبوتهم والنضال من جديد قبل أن تعمل الدول الغربية على وجه السرعة وبأسلوب منتظم على مد روسيا بالذخائر الحربية التي كانت في أشد الحاجة إليها. وقامت الدول بشحن السفن ولكنها حوصرت في البحر الأبيض المتوسط ولم تستطع الوصول إلى روسيا. فكان لا بد من الهجوم على استانبول، وفتح المضايق، لدخول هذه السفن وإمداد روسيا بشكل منظم. وكانت قيادة الجيش العثماني في ذلك الحين في يد الجنرال الألماني (لمان فون ساندروز) وقد أوكل هذا القائد قيادة إحدى الفرق للقائمقام مصطفى كمال بك، وفي هذا الوقت حصل الهجوم من الحلفاء على استانبول.

ففي نيسان (إبريل) سنة 1915 حاول الإنجليز القيام بهجوم كاسح وتأهبوا واستعدوا استعدادا كافيا للقتال. فدخلوا المعركة واستطاع الجيش الإنجليزي الوصول إلى غاليبولي، وتمكن الإنجليز من تشتيت الفرق العثمانية، فاضطر الجنرال ساندروز أن يعزل القائد الذي تولى قيادة المعركة، وعين مكانة القائمقام مصطفى كمال، وكان لا يزال في رتبة قائمقام (كولونيل)، وظهر مصطفى كمال يقود الجيوش العثمانية بالقرب من (أنا فورطه) في موقعة من أشد المواقع خطورة بالقرب من الدردنيل، وكانت المعركة تدور على تل يحتل الأتراك أعلاه ويحتل الإنجليز سفحه ويحاولون الاستيلاء عليه، وظلت المعركة عدة أيام ولم تكمل الغلبة لواحد من الطرفين المتقاتلين، وظلت الأوضاع كما هي يحتفظ العثمانيون بمراكزهم ويحتفظ الإنجليز بمراكزهم والحرب دائرة بينهم.

واستمروا على ذلك عدة أشهر، وفجأة في ذات ليلة من ليالي كانون الأول في 15 منه، في جو محفوف بالكتمان الشديد قام الإنجليز بإخلاء المكان الذي احتلوه من ساحل غاليبولي، وأقلعت السفن الحربية بعد أن عبئت في سرعة تدعو إلى الدهشة، فكان ذلك الانسحاب هو الذي أنهى المعركة.

ولما انتهى القتال قدم القائد مصطفى كمال تقريره عن المعركة للقائد الألماني العام، وقدم مع التقرير ساعته التي تهشمت تهشيما تاما، فقد أصابتها رصاصة ولم تصب مصطفى كمال، فلما أخذها ليمان ساندروز أخرج فورا ساعته الذهبية وقدمها لمصطفى كمال وأخذ منه ساعته المهشمة ليحتفظ بها تذكارا.

وبهذه المعركة لمع نجم مصطفى كمال، وصارت له شهرة عظيمة في الجيش العثماني. إذ قد أحيطت هذه المعركة بدعاية واسعة، واعتبرت انتصارا باهرا لمصطفى كمال على الإنجليز، ولكن مصطفى كمال كان يحمل فكرة عدم الاشتراك في الحرب. وبالرغم من شهرته التي اكتسبها في موقعه أنا فورطه فإنه ظل على فكرته في انسحاب الدولة من الحرب. ولم يكتف بحمل هذا الرأي بل صار بعد أن وجدت له هذه الشهرة في الجيش وعند الناس، يحاول التأثير على الشخصيات القوية ليؤمنوا بها، ولكنه كان يقابل منهم بالفتور والتبرم، ولذلك صار محل ريبة. وبالرغم من ثقتهم بمقدرته الحربية بعد هذه المعركة إلا أنه لم يكن هناك من يريد تشجيعه على التغلغل في شؤون البلاد السياسية، بل كانوا يقفون في وجهه عندما يحاول أن يشترك في سياسة البلاد اشتراكا فعليا. فقد كان يحمل إكبارا للإنجليز، وثقة بهم، واعتقادا بمقدرتهم، ويرى أنهم هم المنتصرون لا محالة، وأن ألمانيا ستهزم، ومن هنا كان محل ريبة. حتى كان الرجل الذي تزداد صلاته به يصبح عرضه لريبة السلطات ومراقبتها.**

هذا هو نص الشروط التي وردت في البرقية ويبدو أن روسيا فاوضت الإنجليز والفرنسيين فلم يقبلوا بشروط أحمد جمال باشا، في حين أن روسيا قبلتها. فبتاريخ 12 كانون الأول( ديسمبر) سنة 1915 أرسل مستشار الشعبة الثانية في وزارة الخارجية الروسية برقية إلى سفير روسيا في بخارست رقمها (6130) جاء فيها «وفي الإمكان تقديم أي وعد بما يقترحه جمال باشا، وإذا اقتضى الأمر ففي مقدورنا الحصول على وعود من الحلفاء بتحقيق ما يريده». ولكن يبدو أن الحلفاء لم يوافقوا. فبتاريخ 27 كانون الأول سنة 1915 أرسل سفير روسيا في باريس برقية إلى حكومته جاء فيها: «أخذنا برقيتكم 6391، أبلغت نسخة من محتوياتها للمسيو بريان، فأظهر اهتماما كبيرا بهذه الأخبار، وصرح أنه سيعرضها غدا على مجلس الوزراء قبل أن يفوت الوقت، وقد قال لي في هذه المناسبة: إن هذه الشروط وإن كانت موافقة لنا إلا أنها على كل حال لا تتفق مع مطامع الإنجليز الذين لا يقبلونها».
ثم عاد الفرنسيون فرجعوا عن قبول الشروط. فبتاريخ 29 كانون الأول سنة 1915 أرسل السفير برقية ملحقة ببرقيته الأولى جاء فيها «الذي علمته أن الوزراء الفرنسيين عارضوا هذا الاتفاق بكل شدة، حتى إنهم لم يحجموا عن المجاهرة بمعارضتهم هذه»، ثم قال: « والمؤكد هو أن الفرنسيين هنا يقدرون بعض اقتراحاتكم، وليسوا في حالة يجهلون معها أهمية إحداث ثورة في السلطنة العثمانية. كلا بل هم يعتقدون أن هذه الثورة مفيدة جدا لهم في الحرب العالمية. إلا أنهم لا يرون في الاقتراحات المقدمة لمفاوضة جمال باشا إلا تحقيقا لأمانيكم في الاستيلاء على استانبول والمضايق، دون اقل ضمان للسيادة الفرنسية المقررة على الشرق».
وبعد ذلك أعلن الإنجليز رفضهم الدخول في هذه المفاوضات. فبتاريخ 27 كانون الثاني (يناير) سنة 1916 أرسل سفير روسيا في لندن برقية إلى وزير الخارجية الروسية في بطرسبرج جاء فيها: «أجابني نيكولسن أن الحكومة البريطانية بعد فحصها القضية من جديد، وتقليبها على سائر وجوهها، ترى من الضروري عدم اشتراكها في هذه المفاوضات، والتنازل عنها بصورة نهائية».
ومن هذا يتبين أن فكرة الحلفاء في انسحاب تركيا من الحرب وإثارة أطماع بعض الضباط في الحكم كانت موجودة. إلا أنهم كانوا يريدون تمزيق الدولة العثمانية وإلغاء الخلافة. ولما كان من شروط جمال باشا الإبقاء على وحدة البلاد الإسلامية ولو على صورة اتحاد دول، ولما كان من شروطه الإبقاء على الخلافة، رفضوا شروطه، ورفضوا المفاوضات معه. والأمر الطبيعي أن يكونوا بذلوا محاولات أخرى.
أما محاولاتهم مع شريف مكة الحسين بن علي فمعروفة. ولكنها لا تفيد في انسحاب الدولة العثمانية من الحرب، فلا شك أنهم كانوا يقومون بمحاولات مع ضباط أتراك، ولم يظهر ما يدل على وجود مفاوضات أخرى مع أحد من الأتراك، ولكن كان للإنجليز عملاء في الدولة مثل عارف باشا، الداماد فريد، وغيرهما، وقبيل الحرب العالمية الأولى كان الملحق الحربي لإنجلترا (هـ. س. أرمسترونج) كثير النشاط، كثير الحركة والاتصالات، وكان متروكا له الحبل على الغارب. وهذا الملحق الحربي قد عاد إلى استانبول بعد عقد الهدنة ولعب دورا كبيرا مع قائد جيوش الحلفاء هارنجتون في إلغاء الخلافة. فلا يبعد أن يكون قد أجرى اتصالات، وعقد ارتباطات، إلا أنه لم يظهر شيء منها.

**محاولة الحلفاء استمالة جمال باشا

إلا أن الدولة العثمانية لم يكن أحد قادرا على أن يؤثر عليها للانسحاب من الحرب، أو عقد صلح منفرد، إلا ضباط الجيش الذين لهم تأثير. أما غيرهم فلم يكن في وسعه أن يفعل أي شيء. وأما ما قام به الخونة من العرب الذين ساروا مع الإنجليز والفرنسيين فلم يكونوا في مستوى السياسيين، ولا كان ينتظر منهم أسيادهم الإنجليز والفرنسيون أن يؤثروا في الدولة، وكل عملهم هو أن يكونوا جواسيس على دولتهم، وأن يقوموا بأعمال تخريبية ضد دولتهم، حتى الخائن الأكبر (الشريف) حسين بن علي كان أضعف من أن يكون له تأثير في الدولة، وكل ما كان يريده الإنجليز هو أن يسخروه بأعمال تخريبية ضد الجيش الإسلامي الجيش العثماني، ولإيجاد رأي عام معهم، حتى لا يحمل المسلمون لهم العداء، ويعلنوا عليهم الجهاد الذي أوجبه الشرع لأنهم كفار. ولهذا لم يكن العرب محل عناية من الحلفاء أثناء الحرب في انسحاب الدولة العثمانية من الحرب، وإنما وجهوا عنايتهم للضباط الأتراك.

وكان في الضباط الأتراك ضابطان معروفا عنهما أمران: أحدهما كرههم للألمان ومعارضتهم لدخول الدولة العثمانية الحرب بجانب ألمانيا، والأمر الثاني هو طموحهما لتسلم الحكم وسعيهما له. وهذان الضابطان هما جمال باشا، ومصطفى كمال. أما مصطفى كمال فقد كان ضابطا صغيرا لا قيمة له، وإن كان ذكيا وطموحا وكثير الحركات ضد الدولة. في حين أن جمال باشا هو الذي يمكن أن يؤثر، ولا سيما أن الدولة العثمانية كلها كان يحكمها ثلاثة رجال: طلعت رئيس الوزراء، وأنور وزير الحربية، وجمال باشا قائد الفيلق الرابع وحاكم سورية. ولهذا حاول الحلفاء استمالة جمال باشا. فأثناء حملة الدردنيل، وعلى أثر إخفاق الحملة حاول الحلفاء الاتصال بجمال باشا للثورة على الدولة العثمانية. وذلك أن الإنجليز هاجموا استانبول واحتلوا غاليبولي في 25 نيسان 1915 ولكن الجيش العثماني صمد لهم وصدهم، ولم يستطيعوا أن يتقدموا خطوة واحدة، ومنوا بخسائر فادحة، حتى اضطر الجنرال هاملتون قائد قوات الحلفاء أن يبرق إلى اللورد كتشنر وزير الحربية الإنجليزية في 16 آب يطلب نجدات وذخائر. وفي 14 تشرين الأول (أكتوبر) أقالت الحكومة الإنجليزية قائد الحملة الجنرال هملتون وعينت مكانة الجنرال مونرو وكلفته أن يبحث حملة الدردنيل، وفي 28 تشرين الأول وصل إلى الدردنيل ودرس الحالة مع أركان حرب جيش الحلفاء على ساحل الدردنيل وبين الخنادق الإنجليزية. ثم كتب إلى وزارة الحربية ينصح بالانسحاب. غير أن وزير الحربية اللورد كتشنر اضطرب من برقية مونرو، وقرر السفر بنفسه إلى الدردنيل، وفي 3 تشرين الثاني (نوفمبر) أبرق إلى الجنرال مونرو برقية بهذا المعنى وضمنها ما يدل على أنه يفكر في متابعة الحملة وختمها قائلا: إنه يرفض إمضاء الأوامر بالانسحاب.

وفي 9 تشرين الثاني (نوفمبر) وصل اللورد كتشنر إلى الدردنيل، وزار المراكز الحربية على الشواطئ، وخنادق الجنود الإنجليزية والفرنسية، واستقر رأيه على «أن جنود الحلفاء تستطيع الاحتفاظ بمراكزها، إلا إذا تمكن الترك من الحصول على مدافع وذخائر من ألمانيا، فإن موقف جنود الحلفاء حينئذ يصبح حرجا جدا». ثم في كانون الأول (ديسمبر) انسحب الحلفاء فجأة. في أثناء هذه الفترة العصيبة التي كان يجتازها الحلفاء، وأثناء هذا الارتباك الذي يتخبطون فيه من جراء حملة الدردنيل حاول الحلفاء الاتصال بجمال باشا ومفاوضته للثورة على الدولة العثمانية. ويبدو أنه قد حصلت بالفعل هذه المفاوضات، ووافق جمال باشا وقدم شروطه. فبتاريخ 26 تشرين الثاني (نوفمبر) سنة 1915 أرسلت وزارة الخارجية الروسية إلى سفارتيها في باريس وروما برقية رقمها (6391) جاء فيها: «إن الأخبار الواردة إلينا من الدوائر الأرمنية في استانبول تفيد أن جمال باشا يرغب في القيام بحركة عداء لحكومة استانبول إذا حققت الشروط التالية:

أولا - أن تتعهد الدول المتحالفة بالاعتراف بسيادة الدولة العثمانية برئاسة السلطان على اتحاد السلطنة المؤلف من دول سورية، فلسطين، العراق، عربستنان، كيليكية، أرمينية، كردستان.

ثانيا - أن يتولى السلطنة أحمد جمال باشا، وأن يتولى السلطنة من بعده أولاده وأحفاده.

ثالثا - يتعهد أحمد جمال باشا أن ينادي بأن السلطان الحالي وحكومته أسرى بيد الألمان ويعلن الحرب عليهم.

رابعا - في حال إعلان جمال باشا ثورته هذه وزحفه لمقاتلة الحكومة يتعهد الحلفاء بتقديم السلاح والغذاء والعتاد الحربي اللازم لجيوشه.

خامسا - أن تقدم الدول إلى جمال باشا المساعدات المالية اللازمة إلى نهاية الحرب.

سادسا - يرضى جمال باشا بترك المضايق واستانبول للحلفاء.

سابعا - يتعهد جمال باشا أن يترك الطريق حرة لمساعدة الأرمن ».**

**جعل القومية والوطنية أساسا لعملية التمزيق

أما بالنسبة لعملية التمزيق فإن ما كانوا قد ركزوه من قبل من إثارة النعرة القومية، والنزعة الوطنية، قد آن أوانه عندهم لجعله أساسا لعملية التمزيق. وبالفعل اتخذوه أساسا. فجعلوا البلاد الناطقة باللسان التركي قطعة واحدة، وأخذوا بما لهم من سلطان مباشر ونفوذ كاسح يذكون نعرة القومية التركية، ويثيرون فكرة استقلال تركيا، ويعنون انفصالها عن باقي أجزاء الدولة الإسلامية، أو على حد تعبيرهم الإمبراطورية العثمانية، ويضفون على كلمة الاستقلال معنى التحرر من احتلال الحلفاء. ولكن الواقع العملي الذي كانت تدفع الناس إليه هو الاستقلال عن سائر أجزاء الدولة، أي الانفصال. وجعلوا البلاد الناطقة باللسان العربي قطعا متعددة. ومع أن الإنجليز كانوا قد احتلوا أكثرها فإنهم لم يجعلوها قطعة واحدة كما وجدوها حين احتلوها، بل جعلوها قطعا حسب الخرائط التي رسموها لها أثناء الحرب.

وبذلك نفذوا تمزيق الدولة المغلوبة عمليا، وجعلوها دولا متعددة قبل أن يعقدوا معها معاهدة الصلح، بل قبل أن يتفقوا معها على شروط الصلح، بل بمجرد احتلالها قسموها إلى أقطار مختلفة، وباشروا حكمها باعتبارها دولا متعددة احتلت من قبلهم. وهذا يخالف القانون الدولي، ويخالف ما عليه العلاقات الدولية، فإن احتلال الدولة الغالبة في الحرب لأراضي الدولة المغلوبة لا يكفي وحده ليقرر مصير الدولة المحتلة، أو الأراضي المحتلة، بل الذي يقرر ذلك إنما هو معاهدة الصلح أو شروط الصلح، حتى ولو أمليت هذه الشروط إملاء. وأقرب دليل على ذلك أن برلين بالرغم من مضي أكثر من أربعين سنة على احتلالها فإن مصيرها لم يقرره الاحتلال، وإنما تقرره شروط الصلح أو معاهدة الصلح، واتفاق الحلفاء عليها.

ولهذا فإن ما فعلته إنجلترا من مباشرة تقسيم الدولة العثمانية فور احتلال أراضيها، وفور استسلامها مغلوبة في الحرب، باطل وغير مشروع دوليا. إذ حصل بتصرفها منفردة قبل الاتفاق مع حلفائها على ذلك، وقبل عقد معاهدة الصلح أو الاتفاق على شروط الصلح، أو على أسوأ تقدير قبل إملائها إملاءا من قبل الحلفاء، على فرض صحة هذا الإملاء.

وفوق هذا فإن هذه البلدان كلها كانت أجزاء في الدولة. فلبنان وسورية والعراق وفلسطين وشرقي الأردن والحجاز واليمن كانت تحت راية الدولة العثمانية، وجزءا منها، وولايات من ولاياتها، وليس لها أي كيان، لا ذاتي ولا دولي. ولم تكن أي واحدة منها تملك بمفردها سيادة، لا داخلية ولا خارجية. ولذلك لا يملك أحد من أهلها المفاوضات الدولية، ولا بوجه من الوجوه. وكل تصرف دولي يصدر من أي شخص من هذه الولايات مع أية دولة من الدول تصرف باطل، ولا يعترف به ولا يكون له أي اعتبار. حتى مصر التي كان الإنجليز يسيطرون عليها، ويضعونها تحت حمايتهم. كانت جزءا من الدولة العثمانية، وأهلها حين كانوا يطالبون بخروج الإنجليز كانوا يطالبون بأن يعودوا - يعني أهل مصر - تحت راية الدولة الإسلامية، أي الدولة العثمانية، ليكونوا تحت راية خليفة المسلمين. فقد كان مصطفى كامل يطالب بجلاء الإنجليز وإرجاع مصر تابعة للخلافة في استانبول.

وعلى هذا فإن المفاوضات بين الحلفاء الغالبين في أي شأن من شؤون هذه البلاد إنما يكون مع الخليفة ليس غير، أي مع مركز الدولة في استانبول. وأما الشريف حسين بن علي فإنه تابع للخلافة، وقد تمرد، وتمرده هذا لا يعطيه الصفة الدولية. فهو لا يزيد على رجل خان دولته وأمته، وبهذه الخيانة لا يكتسب أي حق دولي. وأما الذين اعتبرتهم إنجلترا وفرنسا زعماء للعرب في دمشق وبيروت وبغداد فإنهم مثل الحسين خونة، وليست لهم أية صفة تعطيهم حق المفاوضة مع الحلفاء الغالبين، بل هم أقل شأنا من الحسين، لا من حيث التأثير فحسب، بل من حيث اعتبار الدولة الذين هم من رعاياها. إذ كان الشريف حسين معتبرا شريفا على الحجاز من قبل الدولة المغلوبة، أما هؤلاء فكانوا أفرادا عاديين خانوا أمتهم ودولتهم، واشتغلوا جواسيس لأعدائهم. فلا يحتمل أن يظن أحد بإمكانية إعطائهم صفة المفاوضين.

ولكن إنجلترا بالذات مع معرفتها بذلك أخذت تفاوض سكان البلاد التي احتلتها بشأن مستقبل بلادهم ومصيرها، مع معرفتها أن هذه المفاوضات لا قيمة لها دوليا، ولا يعترف بها، ولا يكون لها أي اعتبار. ولكنها فاوضت بالفعل وأعطتهم حق التكلم باسم بلادهم مع الدولة المحتلة، واتخذت ذلك وسيلة لتركيز نفسها في البلاد التي احتلتها، على حسب المخطط الذي وضعته لها، ووفق الخرائط التي قسمت بحسبها هذه البلاد، وتركت مسألة المفاوضات الدولية الرسمية مع الخليفة تأخذ الدور الثانوي بحيث تكون شكلية تستكملها حين تعقد معاهدة الصلح، وتملي شروطها على الخليفة، إن لم تستطع إلغاءها، أو مع من تضعه مكانه إذا أتيح لها إلغاء الخلافة. وعلى هذا الأساس سارت إنجلترا وبحسب هذا التصرف الباطل جرى تمزيق الدولة الإسلامية من قبل الإنجليز.

هذا من ناحية تقسيم الإنجليز للبلاد المحتلة قطعا قطعا. وأما مداورتهم لحلفائهم وإن كانت لا تهم المسلمين، ولكن هذا المداورة قد اتخذها الإنجليز أسلوبا استعانوا به للقيام بأعمال متعددة مكنتهم من إزالة الخلافة وهدمها، ولذلك لا بد من لفت النظر إليها لتدرك الألاعيب السياسية للإنجليز.

وبهذا دخل الحلفاء الحرب لغايات مختلفة، وهم وإن كانوا يحاربون في صف واحد فإنهم متنابذون متنافسون متباغضون، وكل دولة تكيد للأخرى في الخفاء. وكانت إنجلترا حينئذ الدولة الأولى في الموقف الدولي، وكانت تزاحمها فرنسا وروسيا وألمانيا وإيطاليا. فلما دخلت الحرب ضد ألمانيا وضد الدولة العثمانية كانت تحاول إغراء الدول حتى تشترك معها في الحرب، أو حتى تثبت معها في الحرب إلى نهايتها. ولذلك كانت تقوم بعقد الاتفاقات السرية مع الدول الكبيرة تطمعها فيها بالأسلاب الوفيرة التي سيتقاسمونها بعد النصر. فقد وعدت إيطاليا في الاتفاقية السرية التي أمضيت في لندن في 26 نيسان سنة 1915 بأن تعطى مكافأة لدخولها الحرب الإقليم التركي (أضاليا)، والأقاليم المتاخمة له الواقعة على البحر الأبيض المتوسط.

وبعد ذلك بسنة أي في سنة 1916 اتفقت إنكلترا وفرنسا وروسيا في معاهدة (سايكس بيكو) السرية اتفاقا تاما على تجزئة الإمبراطورية العثمانية، وعلى أساس هذه المعاهدة السرية وضعت شروط الصلح مع مصطفى كمال فيما بعد. إلا أن هذه المعاهدة السرية كانت مكتومة عن إيطاليا، وبقيت مكتومة عنها مدة، إلى أن اشتمت رائحتها فغضبت وبدأت تطالب بإنهاء توزيع الأسلاب، وتجزئة الإمبراطورية العثمانية.

وبتاريخ 27 نيسان سنة 1917 اشتركت إنكلترا وفرنسا وروسيا في عقد معاهدة وضعوا نصوصها. ووعدت إيطاليا في هذه المعاهدة بأن تعطى إقليم أزمير، وكل الجانب الغربي من الأناضول حتى قونية، على أن تعد هذه الأملاك تحت الانتداب الإيطالي. وغير ذلك من النصوص. فلما انتهت الحرب سارعت إنجلترا إلى احتلال استانبول، وجميع البلاد الناطقة باللسان العربي، فسارعت فرنسا لاحتلال ما اتفقوا عليه، فاحتلت لبنان، وحاولت إنجلترا صدها عن احتلال سورية ولكنها احتلتها سنة 1920.

وفي نيسان سنة 1919 احتلت إيطاليا مدينة أضاليا والأملاك التي تجاورها، فسكتت إنجلترا، ولكنها عارضتها في احتلال أزمير، ووقفت هي وفرنسا في وجهها ولم يسمحا لها باحتلالها واحتلال الساحل الغربي من الأناضول، باعتبار أن هذه المعاهدة التي أعطتها ذلك لم توقع من روسيا. فعدت فرنسا وإنجلترا هذه المعاهدة باطلة، ومن أجل مقاومة إيطاليا أوعزت لليونان باحتلال أزمير نيابة عن الحلفاء. وأخذت تقوم بمناورات متعددة مدة أربع سنوات حتى توصلت إلى جميع ما تريده من أخذ حصة الأسد وإلغاء الخلافة وضرب الإسلام من المعترك الدولي الضربة المميتة، فعقدت مؤتمر لوزان الثاني وبه أنهت ما تريد بشكل دولي.**

تركز حكومة أنقرة واتصال الدول بها مباشرة
على هذا الوجه انتهت الجولة الثانية، بتركيز الحكومة الثانية للبلاد في أنقرة وجعلها صاحبة القوة وصاحبة السلطان الفعلي، وأضحت حكومة استانبول لا حول لها ولا طول، وما إن استقر أمر هذه الحكومة الثانية وصارت لها السيطرة على البلاد حتى دعت إنجلترا بعد هذه الحوادث مباشرة إلى عقد مؤتمر لندن، يحضره بعض نواب من اليونان وتركيا، وقالت: إن الغرض من هذا المؤتمر البحث في حل المعضلة الشرقية. وهذا لا يعني إلا إعادة النظر في شروط الصلح التي عقدت في باريس، أي إعادة النظر في معاهدة سيفر، لأن عقد مؤتمر للبحث في المسألة الشرقية، وكانت قد سويت في مؤتمر صلح رسمي، إنما يعني أن معاهدة سيفر التي أقرت في مؤتمر باريس ستكون موضع نقاش وبحث قبل أن يكون لها أي تأثير بل قبل أن يعمل بها على الإطلاق، إذ لم يعمل بهذه المعاهدة مطلقا ولم يطبق بند واحد منها، وهذا ما يؤكد أن إنجلترا إنما عقدتها لتهديد تركيا واستعمالها وسيلة لتنفيذ أغراضها. ولم تعقدها للتنفيذ بدليل أنه مضى عليها أكثر من سنة ولم ينفذ شيء منها، مضى عليها أكثر من سنة وهي مكتومة، ولم تنشر إلا حين حوصر مصطفى كمال، وكاد يقضى عليه وتسحق ثورته. فكان مجرد دعوة الإنجليز لمؤتمر لندن لإعادة النظر في معاهدة سيفر موضع غرابة. لأن المعاهدة في صالح الإنجليز، إذ أن فرنسا لم تنظر مطلقا بعين الارتياح لمعاهدة سيفر، وكانت قد وافقت على هذه المعاهدة كارهة، لأنها قد وجدت أن الميراث العثماني أصبح من حظ حليفتها إنجلترا التي فازت منه بحصة الأسد، واضطرت أن تقنع على الرغم منها بسورية وكيليكيا. بيد أن سورية وكيليكيا كانت بالنسبة لفرنسا هبة فيها نظر. وإيطاليا كانت غاضبة من المعاهدة. فهي لا توافق على السيادة اليونانية في البحر المتوسط.
وخصوصا لأن توسع اليونان في آسيا الصغرى لم يكن في الواقع إلا على حساب منطقة النفوذ الإيطالي التي رسمتها المعاهدات التي عقدت بين الحلفاء أثناء الحرب. ولذلك فإنه بسبب مطامع هاتين الدولتين - أي فرنسا وإيطاليا - في مزيد من الغنائم فإنهما لم توقعا على المعاهدة إلا كارهتين.
وإذن فإنجلترا حين لم تنفذ من المعاهدة شيئا مع أن المعاهدة تحقق لها أعظم المغانم على حساب حليفاتها، يكون ذلك لافتا للنظر، وأمرا غير طبيعي، وحين تأتي الآن وتطلب إعادة النظر في تلك المعاهدة، يكون ذلك أدعى إلى العجب والاستغراب، غير أن الأغرب من ذلك هو أن يحضر وفد يمثل حكومة أنقرة الجديدة إلى جانب الوفد الذي سيمثل الحكومة العثمانية التي كان يتحتم أن لا تشترك في المؤتمر أية هيئة تركية أو عثمانية غيرها مطلقا. لأن الحكومة العثمانية كانت هي الحكومة الشرعية، وكانت هي التي دخلت الحرب وغلبت فيها، وكانت هي التي وقعت على معاهدة سيفر التي انعقد هذا المؤتمر لإعادة النظر فيها. فما هو محل حكومة أنقرة الجديدة والتي لم يتعرف بها أحد بعد، لأن تحضر هذا المؤتمر الدولي لإعادة النظر في شروط الصلح؟، أليس هذا وحده دليلا كافيا على أن إقامة هذه الحكومة في أنقرة إنما كان من الإنجليز لأجل أن تشركها أولا في مفاوضات الصلح، ثم تنفرد نهائيا في الشروط النهائية.
وكان يجب أن ترفض الحكومة العثمانية: حكومة الخلافة اشتراط حكومة أنقرة معها في المفاوضات، لأن قبولها بها يعني اعترفا رسميا بها أمام الدول، ولأن وجود حكومتين في بلد واحد أمام العدو، وفي مفاوضات في شروط الصلح هو منتهى الضعف والانهيار. ولذلك كان من الطبيعي أن ترفض حكومة الخلافة ذهاب ممثلين عن حكومة أنقرة، ولكن الواقع أنها قبلت، بل بلغ بها الضعف أن أرادت أن تتخذ دعوة مصطفى كمال إلى لندن وسيلة لمحاولة استرضائه ومسالمته، ولذلك تقدم توفيق باشا رئيس الوزراء من مصطفى كمال يحمل إليه دعوة الدول الأوروبية له لحضور مؤتمر لندن، وقال: باسم الدولة التركية، ولمصلحة الإمبراطورية العثمانية، يطلب أن تتقدم الوفود التركية إلى هذا المؤتمر جبهة واحدة قوية متحدة، وأن يكون البرنامج الذي يعرضه الأتراك برنامجا واحدا، يدل على تكاتف الأمة كلها واتحادها، لا على تنابذها وانشقاقها. ولكن مصطفى كمال رفض ذلك وقال: إن المجلس القومي وحده في أنقره هو الذي يتمتع بالسيادة الدستورية، وهو وحده صاحب النفوذ والحكم في البلاد، وكان ينبغي أن ترسل الدول الأوروبية الدعوة عن طريق هذا المجلس.
وكان المجلس القومي خلال هذه الفترة قد جعل نفسه مجلسا دائميا. ووضع دستورا جديدا استغرق وضعه تسعة أشهر كاملة، وكانت أكبر عقدة واجهت وضع الدستور، ودارت حولها المناقشات والمداولات كثيرا هي قضية «السلطنة والخلافة». وكان مصطفى كمال قد اضطر تحت تأثير الإجماع الكاسح والتيار الجارف في المجلس القومي - الذي كان يعتبر مجلس أتاتورك، فأعضاؤه كانوا كلهم من أنصاره - اضطر لأن ينص في الدستور صراحة على بقاء السلطنة والخلافة. ولذلك قال مصطفى كمال درا على رئيس الوزراء توفيق باشا حين وجه إليه الدعوة ودعاه لأن تظهر الوفود التركية بمظهر الوحدة والتآلف قال: إن المجلس القومي قد وضع في أول مادة من مواده عدم المساس بالسلطنة وقدسية الخلافة، وإن على السلطان أن يعترف بالمجلس القومي حتى يمكن اشتراك حكومة أنقرة في وفدها مع وفد حكومة السلطان.
ولكن السلطان رفض الاعتراف بالمجلس القومي وبالدستور الذي وضعه، لأن الاعتراف به يعني إزالة الخلافة ولو نص على بقائها شكليا، لأن هذا الدستور ينص أن السلطة كلها دون قيد أو شرط قد انحدرت إلى الأمة بأسرها، والأمة مصدر السلطات، وأن المجلس القومي هو وحده صاحب الحق المطلق في تمثيل سيادة الشعب، وهو الذي يقرر الحرب والسلم. وهذا يعني هدم الإسلام من أساسه، لأن التشريع ليس مصدره الأمة بل الشرع الإسلامي، ولأن الخليفة هو الذي يقرر الحرب والسلم. ولذلك كان من المستحيل أن يقبل السلطان ذلك، فانقطعت المفاوضات بين حكومة الخليفة وحكومة أنقرة حول تأليف الوفد.
ولكن الدول الأوروبية حين رأت أن مصطفى كمال قد رفض الدعوة إذ جاءته بواسطة حكومة السلطان، ورفض الذهاب بناء على دعوته عن طريق السلطان، أرسلت إليه إنجلترا دعوة مباشرة إلى أنقرة باسم دول الحلفاء، وكان إرسالها لهذه الدعوة بمنزلة اعتراف صريح منها بحكومة أنقرة. فذهب الوفدان منفصلين، وكان توفيق باشا رئيس وفد الخليفة، وكان بكير سامي بك رئيس وفد أنقرة، وعقد مؤتمر لندن في شباط سنة 1921.

**إذاعة شروط الصلح بدل الموقف لصالح مصطفى كمال بعد هزيمته

وفي هذه اللحظات بالذات أذيعت شروط الصلح التي كانت قد أمضيت في باريس، والمعروفة بمعاهدة سيفر، والتي كان السلطان قد وافق عليها، ووقعها رئيس الوزراء الداماد فريد باشا. أذيعت هذه الشروط في هذه اللحظات، بعد الهدنة بسنة ونصف السنة، أذيعت في هذه اللحظات وكانت مكتوبة ولا يعرف عنها الشعب في تركيا شيئا، أذيعت في اللحظات التي كانت قد عقدت المعاهدة نفسها للتلويح بها في مثلها، وأذيعت بأسلوب النشر الواسع في جميع أنحاء تركيا، فاهتاج الرأي العام في جميع أنحاء البلاد ضد الخليفة، وضد رئيس الوزراء فريد باشا، وبلغ الهياج أشده، وفي أوج هذا الهياج صرح لويد جورج رئيس وزراء إنجلترا في مجلس العموم قائلا: «إن غرض الحلفاء هو تحرير الأمم غير التركية من النير التركي»، ونشر هذا التصريح كذلك بين الناس، فازداد الهياج وصبت النقمة على الإنجليز، وعلى صنيعتهم الخليفة، ورئيس وزرائه فريد باشا.

وبذلك تبدل الموقف رأسا على عقب، وأخذ الناس ينصرفون عن الخليفة، ويلتحقون بمصطفى كمال، وطهرت جميع المناطق الثائرة ضد مصطفى كمال من جيش الخليفة، ومن مناوئي مصطفى كمال، وهزم جيش الخليفة شر هزيمة، وسقطت أسهم السلطان في كل مكان، وصار الناس يتعاهدون على الانتقام من فريد باشا الذي وقع المعاهدة وسلم البلاد. وبذلك عادت أنقرة إلى سيطرتها على الموقف، وصار الناس جميعا مع مصطفى كمال، ويرونه أنه هو المنقذ من الاحتلال. وعاد القائد الأول للبلاد، لأن هذه المعاهدة أطارت صواب الأتراك. لأنها تعني نهاية الإمبراطورية العثمانية وتقسيمها على الأوروبيين، أو تجزئتها إلى عدة ولايات مستقلة، فتصبح تركيا دولة صغيرة في داخل آسيا الصغرى، وتصبح استانبول عاصمة تركيا ومنفذها الوحيد إلى أوروبا تحت الحكم الدولي، وجعلت سيادة السلطان مجرد مظاهر لا معنى لها. وتصبح تركيا مناطق نفوذ لإنكلترا وفرنسا وإيطاليا.

فالمعاهدة تتضمن مواد في منتهى الفظاعة. وعلى سبيل المثال نذكر بعض المواد ليلمس مدى فظاعتها:

1- بلاد العرب: جردت تركيا من جميع البلاد العربية التي كانت تابعة لإمبراطوريتها، أما مملكة الحجاز فقد حصلت على الاعتراف بها دولة مستقلة، وقد تركت تركيا سيطرتها على فلسطين وسورية وبلاد ما بين النهرين، وترك مستقبل هذه البلاد يقرره الحلفاء.

2- تركيا الأوروبية: منحت غربي دماس إلى اليونان حتى خط تشاتالجا، وفي نفس الوقت تسلمت اليونان من الحفاء تراث الغربية، وهكذا وسعت حدودها حتى حوالي 20 ميلا من العاصمة التركية.

3- سميرنا والجزر الإيجية وضعت ومدينة سميرنا تحت الإدارة اليونانية لمدة خمس سنوات يسمح بعدها للسكان أن يطلبوا الانضمام إلى مملكة اليونان بالتصويت، وأما جزر جمبروس، تينيدس فقد منحت لليونان، واعترف بسلطة اليونان على جزر إيجية أخرى. وأما جزر دوديكانيز محتوية على رودس الاستراتيجية فقد منحت لإيطاليا.

4- أرمينيا: اعترفت تركيا بأرمينيا دولة مستقلة، وقبلت تركيا كذلك تحكيم الرئيس ولسن بخصوص الحدود بين الدولتين.

5- كردستان: وافقت تركيا أن تمنح الأراضي الكردية التي تقع شرقي نهر الفرات حكما ذاتيا محليا، وان تقبل أي خطة لذلك مقدمة من هيئة دولية مؤلفة من ممثلين إنكليز وفرنسيين وطليان. ووافقت تركيا أيضا على قبول تعديلات في حدودها مع إيران في المنطقة الكردية، وعلاوة على ذلك وفي خلال سنة من تنفيذ هذه المعاهدة إذا طلب الأكراد من عصبة الأمم الاستقلال عن تركيا، وإذا رأى مجلس عصبة الأمم أن الأكراد أهل لهذا الاستقلال وأوصى بمنحهم الاستقلال، فإن تركيا تقبل تنفيذ ذلك، وتترك كل سلطة لها على هذه الأراضي، وإن نصوص هذا الترك ستؤلف اتفاقية جديدة بين الحلفاء وتركيا.

6- المضائق والقسطنطينية: وافقت تركيا على أن تكون المضايق تحت إشراف دولي، وتجريد المناطق المجاورة من السلاح. وأما القسطنطينية (استانبول) فتبقى تحت السيادة التركية. وهذا عدا عن تحديد الجيش التركي بخمسين ألفا، وإخضاع الجيش لتوجيه وإرشادات الحلفاء، وعدا قبول تركيا سيطرة ذات أثر بعيد على ماليتها من إنكلترا وفرنسا وإيطاليا، وعدا إبقاء الامتيازات القديمة، وزيادة نصوص أخرى مهينة، وعدا عن قبول تركيا إعطاء الأقليات حقوقا وامتيازات، وبوجه خاص الأرمن واليونان والأكراد وبوجه عام النصارى عموما.

ولذلك كان نشر هذه المعاهدة الفظيعة والمهينة كافيا لإشعال الثورة في تركيا على السلطان الذي قبلها ووقعها، ولهذا أخذ التيار الجارف يتجه بسرعة في مصلحة أنقرة، وصارت البلاد كلها بجانب حكومة أنقرة الجديدة، واصطنعت لهذه الحكومة قوة عسكرية وقوة شعبية، حتى إن حكومة أنقرة هددت العاصمة استانبول ذاتها، هددت العاصمة التي كان يحتلها الحلفاء، والتي كانت تحت خفارة الأسطول الإنجليزي. وبهذا يكون مصطفى كمال قد ربح الجولة الثانية، ونجح في تأسيس حكومة ثانية في البلاد مركزها أنقرة، لها السيطرة الأولى على البلاد وعلى الجيش.

هذه هي الجولة الثانية لثورة مصطفى كمال وهذه هي وقائعها. وأي إنسان يرى هذه الوقائع يلمس لمس اليد أن الإنجليز هم الذي هيأوا لهذه الجولة، وهم الذين دفعوا للقيام بها، وهم الذين حموها ومنعوا تدميرها والقضاء عليها، فالحلفاء هم الذين بلغوا الحكومة التركية في مذكرة رسمية بأن استانبول والمضايق ينبغي أن تبقى تحت تصرف السلطان، ولم تطلب الحكومة ذلك، ولم يفهم حينئذ أسباب هذا الكرم مع بقاء الحلفاء هم المحتلين، وقد ظهر سببه بعد ذلك، إذ إنه مكن إنجلترا فيما بعد أن ترجع هي وحدها لاحتلال المضايق واستانبول، ولم تترك مجالا لإيطاليا وفرنسا أن ترجعا. فكان ذلك مناورة من الإنجليز لأن ينفردوا هم باحتلال العاصمة والمضايق.

ثم إن المال والسلاح الذي كان يذهب من استانبول لمصطفى كمال بعد أن جدد الثورة كان يذهب على علم من الإنجليز، وتحت سمع وبصر المندوب السامي الإنجليزي والمفوض الفرنسي، فلماذا هذا السكوت منهما؟ بل لماذا هذا التشجيع حتى تشحن العربات الكاملة من شبه جزيرة غاليبولي؟ ثم هذه الغضبة المصطنعة التي جعل فيها مصطفى كمال يصطدم بالحلفاء كان يجب أن تكون على مصطفى كمال لا على استانبول، فكان من الطبيعي أن يهاجم الحلفاء مركز الثورة أنقرة والجيش الثائر، لا أن يعود الإنجليز وحدهم بأساطيلهم إلى استانبول، ويأخذوا بالقيام بأعمال استفزازية في العاصمة، ولا يمسون الثائرين بسوء.

ثم إن الثائرين لم يصطدموا مع الإنجليز، وإنما اصطدموا مع الفرنسيين في سيسيليا، (كيليكيا) ومع الطليان في قونية، ولم يحصل أي اصطدام مع الجيش الإنجليزي، فكان الطبيعي إذا كان هناك غضب من ثورة مصطفى كمال أن يكون من فرنسا وإيطاليا لا من إنجلترا. ولكن الذي حصل أن الإنجليز رجعوا وحدهم لاحتلال البلاد، وحالوا دون رجوع الفرنسيين والطليان.

ثم بعد هذا كله لماذا تنشر إنجلترا معاهدة سيفر في اللحظة التي حوصر فيها مصطفى كمال في أنقرة، ولم يبق بينه وبين السقوط شيء، ولماذا كانت هذه المعاهدة مكتومة قبل ذلك؟ وكان قد مضى عليها أكثر من سنة. أليس هذا تحريضا للناس على الخليفة والحكومة، لأن رئيس الوزراء هو الذي وقعها؟ أليس هو إبرازا لثورة مصطفى كمال بأنها ضد الحلفاء؟ لا شك أن هذا العمل هو من مكائد الإنجليز بالذات. فهم الذين نشروا نصوص المعاهدة في هذا الوقت بالذات لإنقاذ مصطفى كمال وضرب الخليفة حتى تنشأ الحكومة الثانية في البلاد، وينتقلوا إلى الجولة الأخيرة، جولة المؤتمرات الدولية. والمعاهدات النهائية.**

**وقوف عبد الحميد في وجه دستور مدحت

ولما كان هذا الدستور نظاما ديمقراطيا، أي أحكام كفر، وهو كنظام ديمقراطي يناقض الإسلام، وهذه الأحكام نفسها تناقض الإسلام، وإذا طبقت فإن تطبيقها يعني إلغاء نظام الخلافة، وإقامة دولة كأي دولة أوروبية، كبلجيكا مثلا التي استوحي الدستور من دستورها. لذلك لم ينفذه الباب العالي، ووقف في وجهه عبد الحميد والعلماء وكبار المسلمين، وصار الباب العالي يتهرب من تنفيذ الدستور، ومن تنفيذ مطالب الدول الكبرى.

وقد لمس عبد الحميد ألاعيب إنجلترا وخصومتها. ويبدو أنه لاحظ محاولاتها الاتصال برجال الدولة، فأقال مدحت باشا كصدر أعظم في 5 شباط سنة 1877، ونفاه باعتباره مرتكبا للخيانة العظمي. وكان مدحت باشا على صلة مع الإنجليز، وهو الذي أوحى بإتباع سياسة الاعتماد على الدول الغربية، ولكن الدول الكبرى ولا سيما الإنجليز لم يغفلوا عن الدولة العثمانية، وظلوا يلاحقون وضع الدستور الذي وضعه مدحت باشا موضع التنفيذ، وسعت إنجلترا إلى عقد مؤتمر للبحث في البلقان، والدولة العثمانية، وفي الإصلاحات الداخلية لها.

فعقد بتاريخ 13 حزيران سنة 1878 مؤتمر برلين من الدول الكبرى: إنجلترا وفرنسا وروسيا وألمانيا، وكان دزرائيلي اليهودي رئيسا لوزراء إنجلترا وكان هو الممثل للإنجليز في المؤتمر، وكان بسمارك هو الممثل للألمان، وقد وقف بسمارك بجانب الدولة العثمانية حين وقف ضد الإنجليز في المؤتمر، واستغرقت اجتماعات المؤتمر أربعة أسابيع، واتخذ في النهاية مقررات، منها: الطلب إلى الدولة العثمانية بإدخال الإصلاحات العصرية إلى نظامها، فلم يأبه بهم عبد الحميد، وصرف همته إلى تدريب جيشه، وأخذ يبطش بكل من يدعو للاعتماد على الدول الغربية، أو يطالب بترك الإسلام وأخذ النظام الغربي، فاضطر هؤلاء إلى مغادرة البلاد لينشئوا مراكز لهم في باريس وجنيف.

وأخذ عبد الحميد يحاول القيام بتدعيم مركز الخلافة لدى المسلمين عن طريق الإسلام، وجعله يقف في وجه الأفكار الأوروبية. ولكنه لم ينجح في ذلك، ولكن ظلت الدول الأوروبية عاجزة عن إدخال النظام الديمقراطي للدولة، وإن نجحت في إدخال القوانين الغربية إليها. إلا أنها ظلت تلاحق ذلك، إلى أن ثار حزب تركيا الفتاة على السلطان سنة 1908، فأعلنوا الدستور في 21 تموز (يوليو) سنة 1908 في سالونيك، وفي الشهر نفسه زحفوا على استانبول واحتلوها، وأكرهوا السلطان عبد الحميد على إقرار الدستور، وتعيين وزراء يرضون عنهم.

وفي 17 كانون الأول صار من الميسور افتتاح البرلمان العثماني، وخضع عبد الحميد مؤقتا لحزب تركيا الفتاة، ولكنه كان مصمما على إلغاء الدستور والرجوع إلى الشريعة الإسلامية.

وبتاريخ 13 نيسان اندلعت الثورة ضد الحكام الجدد، وثار الجنود وحاصروا ضباطهم، وأخذوا يهتفون: فلتسقط تركيا الفتاة، فلتسقط تركيا الفتاة. وأعلنت الحرب الدينية على البدع العصرية، وسار السواد الأعظم في حماس ضد الدستور.

وفي 15 نيسان عين السلطان توفيق باشا صدرا أعظم، وعهد إليه بإعادة الشريعة الإسلامية والأحكام الشرعية إلى حيز التنفيذ، وإلغاء الدستور. ولكن الجيش في سالونيك عاد وثار مرة أخرى على السلطان، واستولى على الحكم، وعزل الوزارة.

وفي 26 نيسان عقدت في سان ستيفانو جمعية وطنية، فاتخذت بناء على فتوى من شيخ الإسلام قرارا بخلع السلطان عبد الحميد. ورفع إلى العرش أخوه محمد رشاد، وأعيد وضع الدستور موضع التنفيذ. وبذلك تغير نظام الحكم في الدولة العثمانية وصار دستوريا برلمانيا ولم يعد نظام خلافة. ولم يبق فيه إلا أن رئيس الدولة اسمه الخليفة وبيده السلطنة، فوجد برلمان ووجدت وزارة وصارت القوانين يضعها البرلمان وانتهى دور الأحكام الشرعية في الحكم والتشريع.

هذا من ناحية الأحكام الدستورية، أما من ناحية الأحكام الشرعية التي يحكم فيها القضاة فإن تغييرها إلى قوانين بدأ قبل ذلك. فإنه منذ سنة 1856 بدأت الحركة لأخذ القوانين الغربية. فإنه بناء على إلحاح الدول الغربية ولا سيما الإنجليز والفرنسيين وإلحاح عملائهم والمضبوعين بهم من أبناء المسلمين أخذت الدولة القوانين الغربية منذ أيام السلطان عبد الحميد وأدخلتها إلى الدولة، ووضعتها موضع التنفيذ يحكم القضاة بحسبها. ففي سنة 1275 هـ الموافق سنة 1857 م سنت الدولة قانون الجزاء العثماني، وفي سنة 1276 هـ الموافق سنة 1858 م سنت قانون الحقوق والتجارة، وفي سنة 1288 هـ الموافق سنة 1870 م جعلت المحاكم قسمين: محاكم شرعية، ومحاكم نظامية، ووضع لها نظام. ثم في سنة 1295 هـ الموافق سنة 1877 م وضعت لائحة تشكيل المحاكم النظامية. وفي سنة 1296 هـ الموافق سنة 1878م وضع قانون أصول المحاكمات الحقوقية والجزائية. وصدرت فيها الفتوى من شيخ الإسلام وفتاوى العلماء بجواز أخذها لأنها لا تخالف الإسلام. ولما لم يجد العلماء ما يبرر إدخال القانون المدني إلى الدولة وضعت المجلة قانونا للمعاملات، واستبعد القانون المدني، وذلك سنة 1286 هـ الموافق 1868 م وقد روعي فيها تقليد القانون المدني الفرنسي القديم, وأخذت من كتب الفقه مع مراعاة ما يحويه القانون المدني من أفعال، وما يمكن أخذه منه أحكام، إذا وجد قول فقهي يوافقها، حتى الأساس الذي عليه القانون المدني الفرنسي وهو النزعة النفسية أو ما يسمى عندهم روح النص لا نفس النص قد أخذ ووضعت له مادة وهي «العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني».**