**ولكنه كان معروفا بأنه يريد قلب الحكومة والانسحاب من الحرب. وكان رأيه في الحرب معروفا، فلم يوافقوا عليه. إذ إنه كان يكتب للحكومة يحذرها من الاستمرار في الحرب، وكان يعتقد أن ألمانيا قد خسرت الحرب سياسيا، وأنه لم يعد بوسعها أن تكسبها حربيا. وكان يشك في إمكان بقاء تركيا بعيدة عن الحرب، لأنه يرى أنه من الضروري أن يتخذ الحلفاء لهم ممرا في الدردنيل لكي يتمكنوا من الاتصال بالدول المتحالفة الواقعة في الشرق، وكانت روسيا من الناحية الأخرى تعد عدو الإمبراطورية العثمانية اللدود. وهذه الآراء كلها كانت معروفة، وكان يصرح بها علنا. ولذلك فإنه ما من أحد كانت تداخله أدنى ريبة في أن مصطفى كمال إذا تسلم قيادة الجيش سيحدث انقلابا تاما في الحكومة وسياستها. ولهذا هدأ المطالبون بضرورة اعتزال أنور، وبدأوا يطالبون باسترداد بغداد في أقرب وقت.
وقصد أنور القيادة العليا الألمانية يطلب بإلحاح ولجاجة إمدادهم بالقوات لاسترجاع بغداد، فبذل الألمان كل ما وسعهم للانتصار لحليفهم أنور وإبقائه في مركزه، وكان من تدابيرهم التي لجأوا إليها أنهم وضعوا الجنرال فولنكهاين وعددا كبيرا من الفصائل تحت تصرفه. فنظم فولنكهاين قوات جديدة أطلق عليها إسم الصاعقة. وقد جعلوا مقر قيادتها العليا مدينة حلب، ورقي مصطفى كمال إلى رتبة جنرال، وعين في إحدى قيادات الجيش الرابع تحت إمرة فولنكهاين.
ولكنه لم يرض أن تكون القيادة بيد أحد الألمان، وكان يعد من العبث بذل أي جهد لاسترداد بغداد، وأن الجهود التي تبذل لاستردادها ضائعة عديمة الجدوى. بل كان يرى أن الإقدام على هذا العمل سيؤدي إلى خسائر جديدة فادحة للجيش العثماني. وعلى هذا أخذ يظهر للبلاد جهل المطالبين باسترداد بغداد، وخطل سياسة أنور، ويبين الأذى الذي سيلحقها جراء تنفيذ هذه السياسة العرجاء. ثم أخذ يفيض في خطبه يشرح الأضرار التي تكبدتها الدولة العثمانية بسبب استسلامها للألمان. وكان لا بد له من أن يصطدم مع القائد الألماني. وقد حاول القائد الألماني فولنكهاين استمالته واسترضاءه بشتى الوسائل فلم يفلح. وكان يحضره إلى اجتماعات القيادة.
وكانت الخطة مهاجمة بغداد برا، وقناة السويس جوا. فبالهجوم على قناة السويس تجمد القوات الإنجليزية هناك عن إمداد قواتها قي العراق. ولكن مصطفى كمال انتقد هذه الخطة وهاجمها بشدة. وكان يصرح بأن مصيرها إلى الفشل. ولكن الألمان لم يلقوا بالا إلى اعتراضاته وانتقاداته، ولم يظاهره على رأيه هذا سوى جمال باشا، لأن رأيه كان من رأيه، ولأنهما الضابطان المعروفان بكرههما للألمان، والقائلان بانسحاب الدولة من الحرب. ولذلك وقف جمال باشا إلى جانب مصطفى كمال في مناقشات القيادة، ولكن الخطة ظلت سائرة، لأن القائد العام فولنكهاين وسائر القواد كانوا يرون صحتها ونجاحها.
ثم توالت أسباب الخلاف بين مصطفى كمال وفولنكهاين. وذات يوم انعقد المجلس الحربي لمباشرة تنفيذ الخطط، وساده جو من النقاش الحامي، فوجه فولنكهاين إلى مصطفى كمال كلاما جارحا، فرد عليه مصطفى كمال بقارص الكلم. وعلى إثر ذلك قدم مصطفى كمال استقالته فرفضها أنور، وأمر بإعادته إلى القفقاس. ولكنه لم يخضع هذه المرة للأمر، ورفض الذهاب، فتراجع أنور، ورأى أن خير أسلوب للتخلص من هذا الموقف الشاذ، ولستر تمرده منحه إجازة مرضية إلى أجل غير مسمى، ولكن فولنكهاين لم يوافق على الإجازة، ورأى محاكمة القائد المتمرد أمام مجلس عسكري. وأخيرا استقر الرأي على إجازته، وكان حينئذ في حلب. فحاول تركها، وأظهر حاجته للمال، وكان يملك عشرة خيول أصيلة، فأراد بيعها، ولكنه لم يجد من يشتريها. فما كان من جمال باشا إلا أن تقدم لمساعدته فأعطاه (2000) جنيه، ثم أرسل له (3000) جنيه بعد عودته إلى استانبول. وبذلك ظهر مصطفى كمال بعمله هذا ظهورا جليا أنه يقف ضد الدولة العثمانية في اشتباكها مع الإنجليز.**