نظَامُ العُقُوبَات

حد المرتد

المرتد هو الراجع عن دين الإسلام. ومن ارتد عن الإسلام من الرجال والنساء وكان بالغاً عاقلاً دعي إلى الإسلام ثلاث مرات، وضُيّق عليه، فإن رجع وإلا قُتِل، قال الله تعالى:( ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) وروى البخاري عن عكرمة قال: أٌتيَ أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بزنادقة فاحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " لا تعذبوا بعذاب الله، ولقتلتهم، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ بدل دينه فاقتلوه " . أما قتل الرجال فظاهر من الحديث، وأما قتل النساء فلعموم الحديث لأنّه قال: " مَنْ بدل " ومَنْ، مِنْ ألفاظ العموم، وأيضاً فقد أخرج الدارقطني والبيهقي عن جابر: " أن أم مروان ارتدت فأمر النبي  بأن يعرض عليها الإسلام فإن تابت وإلا قتلت " وأما عدم صحة الردة من الصبي والمجنون فلأنهما غير مكلفين، فلا يحدّان حدّ المرتد، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق " . وأما كونه يستتاب ثلاثاً فلحديث أم مروان أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن تستتاب. وذلك ما سار عليه عمر، عن محمد بن عبد الله بن عبد القارئ قال: " قدم على عمر بن الخطاب رجل من قبل أبي موسى، فسأله هل من مغربة خبر ؟ قال: نعم، كفر رجل بعد إسلامه، قال فما فعلتم به ؟ قال: قربناه فضربنا عنقه، فقال عمر: هلا حبستموه ثلاثاً، وأطعمتموه كل يوم رغيف، واستتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله ؟ اللهم إني لم أحضر ولم أرض إذ بلغني " وسار على ذلك من قبل عمر أبو بكر. أخرج الدارقطني والبيهقي " أن أبا بكر استتاب امرأة يقال لها أم قرفة كفرت بعد إسلامها فلم تتب فقتلها " وبذلك ثبت أن الرسول  استتاب المرتد، وكذلك استتابه من بعده أبو بكر وعمر، وعليه يستتاب المرتد قبل قتله، وأما استتابته ثلاثاً، فالثلاث ليس قيداً، وإنما هي أقل ما يحصل فيه الأعذار عادة، وإلا يجوز أن يستتاب أكثر، لأنّ المقصود أن يعرض عليه الإسلام ليرجع إليه، ويعطى المدة الكافية للرجوع، ويروى أن أبا موسى استتاب المرتد الذي طلب منه معاذ قتله وقتله، استتابه شهرين قبل قدوم معاذ، وروي عن عمر أن مدّة الاستتابة ثلاثة أيام، فإن تاب قبلت توبته ولم يُقتَل.

غير أن التوبة تُقبَل من المرتد إذا لم تتكرر ردته، أما من تكررت ردته فلا تقبل توبته، بل يقتل سواء تاب أو لم يتب، لقول الله تعالى: ( إن الذين آمنوا ثمّ كفروا، ثمّ آمنوا ثمّ كفروا ثمّ ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً) فقول الله: ( لم يكن الله ليغفر لهم ) معناه لا يقبل الله توبتهم، وكذلك الدولة لا تقبل توبتهم. روى الأشرم عن ظبيانا بن عمارة: " أن رجلاً من بني سعد مَرّ على مسجد بني حنيفة فإذا هم يقرأون برجز مسيلمة، فرجع إلى ابن مسعود فذكر ذلك له، فبعث إليهم فأُتي بهم، فاستتابهم فتابوا، فخلى سبيلهم إلاّ رجلاً منهم يقال له ابن النواحة قال: قد أتيت بك مرة، فزعمت أنك قد تبت، وأراك قد عدت فقتله " . والذي يَقْتُل المرتدَ هو الدولة بحكم حاكم، فإن قتله أحد من المسلمين عمداً فعليه القصاص، كقتل أي كافر من رعايا الدولة.

والمرتد هو من كفر بعد إسلامه، فكل من كفر بعد إسلامه يكون مرتداً. ويكفر المسلم بأربع: بالاعتقاد، والشك، والقول، والفعل. أما الاعتقاد فإن فيه ناحيتين: إحداهما التصديق الجازم بما جاء النهي الجازم عنه، أو الأمر الجازم بخلافه، كالاعتقاد بأن لله شريكاً، أو الاعتقاد بأن القرآن ليس كلام الله. والناحية الثانية إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة، كإنكار الجهاد، وإنكار تحريم شرب الخمر، وإنكار قطع يد السارق، وما شاكل ذلك. وأما الشك فإنّه الشك في العقائد، وكل ما كان دليله قطعياً، فمن شك بأن الله واحد، أو شك بأن محمداً رسول، أو شك بجلد الزاني، أو ما شابه ذلك فقد كفر، وأما القول فإن المراد به القول الذي لا يحتمل أي تأويل، فمن قال إن المسيح ابن الله، ومن قال إن الإسلام جاء به محمد من عنده، أو ما شاكل ذلك، فإنّه يكفر بكل تأكيد، وأما القول الذي يحتمل التأويل فلا يكفر قائله، ولو كان القول يحتمل الكفر تسعة وتسعين في المائة، ويحتمل الإيمان واحداً في المائة فإنّه يرجح جانب الواحد على التسعة والتسعين لأنّه جانب الإيمان، إذ بوجود هذا الواحد وجد احتمال التأويل فلا يكفر، إذ لا يعد كافراً إلاّ إذا كان القول كفراً بشكل جازم، وأما الفعل فالمراد به الفعل الذي لا يحتمل أي تأويل بأنه كفر، فمن سجد للصنم، وصلى بالكنيسة صلاة النصارى، فإنّه يكفر ويرتد عن الإسلام، لأنّ صلاة النصارى كفر لا يحتمل التأويل، فمن فعلها فقد فعل كفراً لا يحتمل التأويل. وأما الفعل الذي يحتمل التأويل فإنّه لا يكفر فاعله، فمن دخل الكنيسة لا يكفر، لأنّه يحتمل أن يكون دخلها للفرجة، ويحتمل أن يكون دخلها للصلاة، ومن قرأ في الإنجيل لا يكفر، لأنّه يحتمل أن يكون قرأه ليطلع عليه للرد عليه، ويحتمل أن يكون قرأه معتقداً به وهكذا. فكل فعل يحتمل التأويل لا يكفر فاعله، ولا يكون مرتداً إذا فعله. وتثبت الردة بما تثبت به الحدود غير الزنا، وهي شهادة رجلين عدلين، أو رجل وامرأتين، أي البينة الشرعية، لأنّه لم يرد نص خاص بها.

الجناية فيما دون النفس

الجناية فيما دون النفس هي الجناية على عضو من أعضاء جسم الإنسان، أو على عظم من عظامه، أو على رأسه بالشج، أو على أي جزء من جسمه بالجرح، وذلك بغض النظر عن كونه رجلاً أو امرأة حراً أو عبداً مسلماً أو ذمياً أو مستأمناً. ويرى بعض الفقهاء أن قصاص ما دون النفس من الأعضاء هو ما ورد في آية:( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص ) فيجعل قصاص ما دون النفس من الأعضاء قاعدة " السن بالسن " فمَنْ قَلَعَ عين أحد قُلِعَت عَينُه وهكذا، مع أن هذه الآية نزلت في حق بني إسرائيل، وهي حكاية عنهم، وليست خطاباً لنا، وشرع من قبلنا ليس شرعاً لنا، ولذلك أخطأ الذين استشهدوا بها واتخذوها دليلاً، لاننا لم نخاطب بها.

والحقيقة أن الجناية فيما دون النفس لا يستدل عليها بهذه الآية، وإنما يستدل عليها بما ورد في ذلك من الأحاديث. لأنّ هذه الآية حكاية عن بني إسرائيل، وهي شريعة اليهود، ونحن غير مخاطبين بها، فلا تصلح دليلاً، بل لا يصح أن تكون دليلاً ما دمنا لسنا مخاطبين بها، وفوق هذا فإنّه لم يرد في القرآن دليل ينص على الجناية فيما دون النفس. وأما قوله تعالى: ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) فانها نزلت في معاملة المسلمين للكفار، لا في عقوبات ما دون النفس، فإن نص الآية هو: ( الشهر الحرام بالشهر بالحرام والحرمات قصاص، فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين ) ذلك أنه لم يكن هنالك قتال في الشهر الحرام، فبين الله في هذه الآية أنه إذا قاتلكم المشركون في الشهر الحرام فقاتلوهم في الشهر الحرام، ومن اعتدى عليكم فقاتلوه بمثل ما اعتدى عليكم، والمراد به أن يقابل الكفّار بمثل ما حصل منهم، فالله تعالى يقول إن القاعدة مع المشركين هي أن الشهر الحرام بالشهر الحرام، ثمّ قال الحرمات قصاص، أي تجري المماثلة في الحرمات، ثمّ فَرَّع على هذه القاعدة بأن أي عدوان عليكم قابلوه بالعدوان بمثله. فالموضوع موضوع القتال بين المسلمين والكفار، وليس الموضوع موضوع عقوبة فيما دون النفس. والدليل على ذلك الآيات التي قبلها، والمتصلة بها فإنها نص في القتال، فالله يقول: ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، واقتلوهم حيث ثقفتموهم، وأخرجوهم من حيث أخرجوكم، والفتنة أشد من القتل، ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلونكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين، فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم، وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله، فإن انتهوا فلا عدوان إلاّ على الظالمين، الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص، فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) فهذا صريح بأن الموضوع هو موضوع الحرب بين المسلمين والكفار، فتكون الآية خاصّة بهذا الموضوع. وعليه لا تصلح دليلاً على عقوبة ما دون النفس. وأما قوله تعالى: ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ) فإنّه مثل قوله تعالى: ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) المراد منه دفع الأذى عن النفس، ومقابلة الاعتداء بمثله، فليس هو بيان عقوبة ما دون النفس، بل هو متعلق بدفع الاذى، بانه لا يصح أن يكون إلاّ بمثل ما أوذي به، ولا يصح أن يزيد على ذلك، بدليل قوله بعدها: ( ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ). وعليه لا تصلح هذه الآية دليلاً على عقوبة ما دون النفس من قبل الدولة. ومن ذلك يتبين أنه لا يوجد في القرآن ما يدل على عقوبة ما دون النفس، ولذلك كان الدليل هو السنة ليس غير.

أما ما ورد في السنة في عقوبات ما دون النفس فإن المدقق فيه لا يرى أن هناك قصاصاً في عضو من أعضاء الجسم مطلقاً، ولا في عظم من عظامه سوى السن. وأما ما ورد عن الحسن عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه " وما أخرج أبو داود بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من خصى عبده خصيناه " فإنّه خاص في عقوبة السيد لعبده، وليس عاما، فإنّه في موضوع معاملة السيد لعبده، وليس في موضوع بيان العقوبات، فيختص بعقوبة السيد إذا فعل بعبده ذلك، ولا يعم كل إنسان، فلا يكون عاماً لعقوبة جميع النّاس، حتى لو جدع أنف عبدٍ، غير عبده، لا يُجدَع به، ولو خصى عبداً غير عبده، لا يخصى به، لأنّ الحديث لا يدل على ذلك، إذ يقول " عبده " فقال: " جدع عبده " وقال: " خصى عبده " ولم يقل عبداً، ولا قال أحداً، فالإسناد هو للفظ " عبده " فيختص به، ولا يتجاوزه إلى غيره ولا بوجه من الوجوه، فلا يدل على القصاص في أعضاء الجسم، ولا بدلالة من الدلالات.

**ونصاب السرقة لا يقدر إلاّ بالذهب، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجنّ، قيل لعائشة ما ثمن المجنّ ؟ قالت: ربع دينار " فالنصاب قدّر بالذهب، فيجب تقديره بالذهب عملاً بالنص. ويجعل الذهب أساساً في التقدير، فتقدر به الفضة، وكانت قد قدّرت به أيام الرسول صلى الله عليه وسلم ، كما تقدر به النقود الورقية اليوم، إذ يبقى الذهب هو الأساس في تقدير نصاب السرقة. وكان قد وردت أحاديث تقدّر ربع الدينار بثلاثة دراهم أيام الرسول  والدرهم يساوي 2,975 غراماً فضة على أساس أن دينار الذهب كان يساوي 12 درهماً فضة تقريباً أيام الرسول صلى الله عليه وسلم ، بينما اليوم يزيد ثمن دينار الذهب على 60 درهماً فضة، لذلك فإن ربع الدينار الذهب في هذه الأيام يساوي أكثر من 15 درهماً فضة تقريباً. فقد ورد في رواية " وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم " وورد في رواية لأحمد " أنه كان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم " وأخرج ابن المنذر " أنه أُتي عثمان بسارق سرق أترجّة فقوّمت بثلاثة دراهم من حساب الدينار باثني عشر فقطع " . فذلك كله يدل على أن النصاب ربع دينار، وتقدر به الفضة والنقود الورقية، وإن المال المسروق يقدر على أساس ذلك.

الشرط الثالث: أن يكون المسروق مالاً محترماً، أذِنَ الشارع بتملكه، فيشترط أن يكون مالاً، وأن يكون هذا المال محترماً، أي أذِنَ الشارع بتملكه. فإن سَرَق غير مال، أي ما لا يعتبر مالاً، فلا يقطع. فلو سرق حُراً لا يقطع، لأنّه لا يعتبر مالاً، وإن سرق مالاً غير محترم، أي لم يأذن الشارع بتملكه فإنّه لا يقطع. فلا قطع في سرقة الخمر والخنزير من المسلم، لأنّها ليست مالاً محترماً، أما سرقتها من غير المسلم ففيها القطع، لأنّ الشارع أذِنَ لهم بتملك الخمر والخنزير، فهي بالنسبة لهم مال محترم، وكذلك يقطع في سرقة آنية الخمر إذا بلغت نصاباً، ويقطع في سرقة المصحف، وكتب العلم إذا بلغ ثمنها نصاباً.

الشرط الرابع: أن يسرقه من حرز، ويخرجه منه، فإن وجد باباً مفتوحاً، أو حرزاً مهتوكاً فلا قطع عليه، لما رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: " سمعت رجلاً من مزينة يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم  عن الحريسة التي توجد في مراتعها، قال: فيها ثمنها مرتين، وضَرْبُ نَكال، وما أُخِذ من عطنة ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن " والحريسة هي التي ترعى وعليها حرس. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً من مزينة سأل النبي صلى الله عليه وسلم  عن الثمار فقال: " ما أخذ في غير أكمامه فاحتمل ففيه قيمته ومثله معه، وما كان في الخزائن ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن " وروى النسائي وأبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: " سُئِل رسول الله  صلى الله عليه وسلم عن الثمر المعلق فقال: مَنْ أصاب منه بفيه مِنْ ذي حاجة، غير متخذ خُبْنَة فلا شيء عليه، ومَنْ خرج بشيء فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومَنْ سرق منه شيئاً بعد أن يأويه الجَرِين فبلغ ثمن المِجنّ فعليه القطع " فدل كل ذلك على أن الحرز شرط في القطع. فالماشية إذا أخذت من المرعى فلا قطع بأخذها، لأنّها لم تؤخذ من حرز مثلها، فإذا أخذت من عطنها، أو زريبتها أو ما شاكل ذلك مما هو حرز مثلها ففيها القطع. والثمر إذا أخذ عن الشجر فلا قطع بأخذه، فإذا أخذ من المكان الذي يحفظ فيه، وهو الجرين ففيه القطع، وهكذا كل شيء لا قطع فيه إذا أُخذ مِنْ غير حرز مثله، وفيه القطع إذا أُخذ مِنْ حرز مثله، وبلغ ثمنه ربع دينار ذهباً.

**ومن ذلك يتبين أن اختلاف الصحابة في مقدار الحدّ إنما هو اختلاف فيما زاد على الأربعين، لا في الأربعين، وأن قول علي بأن الرسول لم يقدر حداً معيناً في الخمر، وما ورد من أحاديث " أن الرسول لم يفرض في الخمر حداً " إنما هو فيما زاد على الأربعين، بدليل قول علي بأن الرسول جلد أربعين وبدليل الأحاديث التي تنص على الأربعين. ويتبين أن النص على الأربعين إذا قرن بأن الرسول لم يحدد حدّاً وبقول الرسول نحو أربعين يكون دليلاً على أنه تجوز الزيادة على الأربعين. إلاّ أن هذه الزيادة لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها حد معين، فلم يثبت أنّها ثمانون، ولا أقل ولا أكثر، وإنما ثبت مطلق الزيادة ليس غير.

غير أن الصحابة رضوان الله عليهم، وإن كان اجتهادهم لا يعتبر من الأدلة الشرعية، ولكنه حكم شرعي توصلوا إليه باجتهاد صحيح، فهو فوق كونه يصح أخذه لأنّه حكم شرعي رآه مجتهد، فإنّه يؤتنس بقولهم، ويؤنس برأيهم، ولذلك يعين ما زاد على الأربعين بحدّ معين هو ثمانون جلدة، فيكون الحدّ أربعين، ويجوز أن يأمر الخليفة بجلده ثمانين. فإن الرسول صلى الله عليه وسلم جلد أربعين، والصحابة رضوان الله عليهم جلدوا أربعين، وجلدوا ثمانين، فيكون الحدّ أربعين وثمانين. أما الدليل على أن الصحابة قد ضربوا أربعين، وضربوا ثماني فأحاديث كثيرة تدل على ذلك: روى أحمد ومسلم عن أنس: " أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتِيَ برجل قد شرب الخمر فَجُلِدَ بجريدتين نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عهد عمر استشار النّاس فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانين فأمر به عمر " وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال: " شرب نفر من أهل الشام الخمر وتأولوا الآية الكريمة، فاستشار فيهم ( يعني عمر ) فقلت: أرى أن تستتيبهم فإن تابوا ضربتهم ثمانين، وإلا ضربت أعناقهم لأنّهم استحلوا ما حرم، فاستتابهم فتابوا، فضربهم ثمانين ثمانين " وعن حضين بن المنذر قال: " شهدت عثمان بن عفان أُتِيَ بالوليد قد صلى الصبح ركعتين، ثمّ قال: أزيدكم، فشهد عليه رجلان أحدهما حُمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيؤها، فقال عثمان: إنه لم يتقيأها حتى شربها، فقال: يا علي قم فاجلده، فقال علي: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: ولِّ حارّها من تولى قارّها، فكأنه وجد عليه، فقال: يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده، فجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك، ثمّ قال: جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سُنّة، وهذا أحب إلي " وعن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه في شرب الخمر قال: " إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة " فهذه الأحاديث والآثار صريحة في أن ما عليه الصحابة هو أنهم كانوا يجلدون شارب الخمر أربعين، ويجلدونه ثمانين، وأن عملهم استقر على هذين الحدين، أما الأربعون فثابتة بنص الحديث فهم قد جلدوا أربعين عملاً بنص الحديث لا باجتهادهم بدليل قول علي: " جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين " وأما الثمانون فقد جلدوها الشارب باجتهادهم، لما فهموه من جواز الزيادة على الأربعين، ولأنهم رأوا أن أخف الحدود ثمانون، أو لأنّ الشارب إذا سكر هذى وإذ هذى افترى فجعلوا عليه حد المفتري أي حد القذف وهو ثمانون. هذا هو ما سار عليه الصحابة، وما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، فجلد الأربعين ثابت بالسنة، وجلد الثمانين ثابت عن كبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون حد شارب الخمر أربعين وثمانين.

هذان الحدان هما حدّ شارب الخمر، ولا يجوز غير هذين الحدّين مطلقاً، لأنّه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة رضوان الله عليهم أنه جلد غير الأربعين والثمانين، فلا يجوز أن يكون خمسين ولا تسعين ولا غير ذلك لأنّه حد وليس تعزيراً، ولأنه ثبت فيه مقداران عن الرسول وعن الصحابة فيقتصر على أخذ المقدارين ليس غير. إلاّ أنه يجوز للخليفة أن يوجب أحدهما، أي يجوز له أن يأمر بأحدهما إلزاماً ويجعله واجباً، لأنّه إن أوجب الثمانين فقد دخلت فيها الأربعون الثابتة بالسنة والزيادة الجائزة بالتقدير الذي اتفق عليه الصحابة وهو الثمانون، وإن أوجب الأربعين فإنها ثابتة بالسنة، وما زاد عليها جائز للإمام، وليس واجبا عليه، فيكون لا شيء عليه بإيجاب الأربعين فقط.

وإنما يضرب من شرب الخمر الحدّ إذا كان عالماً أن كثيره يسكر، فأما غيره فلا حد عليه لأنّه غير عالم بتحريمها، ولا يجب الحدّ حتى يثبت شرعاً بأحد شيئين: الإقرار أو البينة، ويكفي أن يشهد أحد الشاهدين على شرب الخمر والآخر على القيء، لما جاء في حديث حُضّيْن: " فشهد رجلان: أحدهما حُمْران أنه شرب الخمر وشهد آخر أنه رآه يتقيؤها " .

حد أهل البغي

أهل البغي هم الذين خرجوا على الدولة الإسلامية، ولهم شوكة ومنعة، أي هم الذين شقوا عصا الطاعة على الدولة، وشهروا في وجهها السلاح، وأعلنوا حرباً عليها، ولا فرق في ذلك بين أن يخرجوا على خليفة عادل، أو خليفة ظالم، وسواء خرجوا على تأويل في الدين، أو أرادوا لأنفسهم دنيا، فإنهم كلهم بغاة ما داموا شهروا السيف في وجه سلطان الإسلام. وهؤلاء على الخليفة، أو من ينيبه عنه في الولاية أن يراسلهم، فيسألهم ما ينقمون من السلطان، فإن ذكروا مَظْلِمَةً أزالها، وإن ادّعوا شبهة كشفها، وإن البِسَ عليهم فاعتقدوا أن ما فعله مخالف للحق وهو ليس كذلك، عليه أن يبين لهم دليله، ويظهر لهم وجه الحق. لأنّ الإسلام أمر المسلمين أن يشهروا السيف في وجه الحاكم إذا رأوا كفراً بواحاً عندهم فيه من الله برهان، أو لم يطبق أحكام الإسلام. فقد يجوز أنهم خرجوا لشيء من ذلك إجابة لطلب الشرع، فيجب عليه أن يبين لهم وجه ما يشتبهون فيه، فإن رجعوا عن البغي تركهم، ولا يجوز بقاؤهم على خروجهم، وإن لم يرجعوا قاتلهم وجوباً، ولكن لا قتال حرب، بل قتال تأديب. ولذلك يحرم قِتَالُهم بما يعم إتلافهم إلاّ لضرورة. فلا يصح أن يُضرَبوا بالطائرات، ولا بالقنابل المحرقة، ولا بالمدافع الثقيلة، إلاّ إذا كانت هناك ضرورة قصوى تقتضيها الأساليب التأديبية، لا الأساليب الحربية. ويحرم قَتْل ذُريتهم أو قتل الهارب منهم. ومَنْ تَرَك القتال منهم تُرِك، وإذا قَتَلوا أحداً لا يُقْتَلون به، وإذا أُسِر منهم أحد حُبِس وعُومِل معاملة المذنب، لا معاملة الأسير، لأنّه ليس بأسير، وأموالهم لهم لا يحل أخذ شيء منها، لأنّهم رعية اقتضى تأديبهم اتّباع أسلوب القتال معهم، ولذلك لا يعتبر قِتالُهم حرباً ولا جِهاداً.

والأصل في حدّ البغاة قول الله سبحانه وتعالى: ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين)(. فهذه الآية قد اعتبرت هؤلاء البغاة مؤمنين، فلم يخرجوا بالبغي عن الإيمان، وهي صريحة بوجوب قتالهم، وفي إسقاط قتالهم إذا فاءوا إلى أمر الله، وفي أنهم قد أسقط عنهم التبعة فيما أتلفوه في قتالهم، سواء أكان مالاً أم نفساً. وهي تدل في قوله: ( فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) على وجوب مراسلتهم قبل قتالهم. فهذه الآية تثبت الحدّ على البغاة، وتبينه ما هو، وهو قتالهم حتى يرجعوا، ولكن بعد مراسلتهم، ومحاولة إزالة ما دفعهم إلى الخروج، من مظلمة أو شبهة أو خطأ فهم، أو ما شاكل ذلك.

وإذا تمركز أهل البغي في جزء من البلاد الإسلامية، ونصبوا قضاة لهم يقضون بين النّاس، وأقاموا حكاماً يحكمون النّاس، مطبقين أحكام الإسلام، فإن حكم قضاتهم نافذ كحكم أهل العدل، وتصرفات حكامهم كتصرفات أهل العدل، ما دامت سائرة حسب أحكام الشرع. فإذا قدر الخليفة عليهم، أو رجعوا إلى حظيرة الدولة، كانت جميع أحكامهم نافذة، لأنّها أحكام إسلامية من حكام نصبوا بناء على شبهة الخروج. وما دام القرآن اعتبرهم مؤمنين، وما داموا لا يصح أن يتعرض لهم، إلاّ بما لا بد منه لتأديبهم فقط، فتصرفاتهم كلها كتصرفات أي مسلم، ممن هم في طاعة الخليفة، وتحت سلطان الدولة، وقتالهم إنما هو حدّ من حدود الله كحدّ السرقة، ولا يؤثر اعتبارهم واعتبار أحكامهم، ما داموا مسلمين ويطبقون الإسلام.

وقائع من التعزير وعقوبات متبناة لها

إن التعزير هو عقوبة على معصية لا حد فيها ولا كفارة، يعني هو عقوبات على معاصٍ لم يقدّر الشارع عقوبات لها، وقد ترك الشارع تقدير عقوبة هذه المعاصي للقاضي الذي ينظر في أمر المعصية، بوصفه نائباً عن الخليفة في القضاء، وهذا يعني أنه تركه للخليفة وبالتالي تركه للقاضي، ومن هنا نجد الفقهاء قد فَصّلوا في أحكام العقوبات واجتهدوا ودونوا أراء متعددة، ولكنهم في التعزير اقتصروا على الأبحاث العامة، ولم يخوضوا في التفصيلات، لأنّها متروكة للقاضي يضع العقوبات على الحوادث التي ترفع إليه ليفصل فيها وهي حوادث متجددة ومختلفة، بل قد تكون متباينة فوضع قواعد لها قد لا يكون ضابطاً مطرداً لها.

والواقع أن ترك التعزير للقاضي أكثر انطباقاً على الحوادث لأنّها تختلف باختلاف الظروف، وأخذ بيد القاضي لأنّ يسير في طريق الاجتهاد من حيث العقوبة، وفي طريق الإبداع من حيث فهم الوقائع. ولذلك كان ترك الأمر للقاضي هو عين الحكمة والصواب. غير أن هذا إنما يكون كذلك حين يكون القضاة يحكمون بالشرع، وقد ساروا على ذلك مدّة حتى صارت لديهم دُرْبَة واكتسبوا ملكة قضائية، أو ملكة فقهية على الأقل. أما القضاة اليوم في أواخر القرن الرابع عشر الهجري سنة 1385، وأوائل النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي 1965 فإنهم وقد مضى على المسلمين وهم يطبقون أحكام الفقه الغربي في العقوبات مدّة تزيد عن نصف قرن، فإنّه قد بعدت بهم الشقة عن أحكام الشرع، وضعف لديهم تصورها، لا سيما وأن القضاة الذين يتربعون على كرسي القضاء ليس فيهم من مارس تطبيق أحكام الشرع في العقوبات، بل ليس فيهم من عني بدراستها إلاّ النزر اليسير دراسة نظرية كمعلومات، لا دراسة عملية كقوانين وأحكام، ولذلك فإنّه من غير الحكمة ترك التعزير لهؤلاء القضاة تركاً كلياً، لأنّه ترك لغير الخبراء بالشريعة في العقوبات، بل لخبراء في شرائع الكفر بشأن العقوبات. وفوق ذلك فإن أذواق المسلمين لا سيما المتعلمين ومنهم القضاة قد طغى عليها ما طغى على المجتمع من التحسين والتقبيح العقليين، وهان عليها رفض أذواق الشرع، فصارت ترى أن عقوبة الصلب وحشية، وأن قطع اليد عمل غير إنساني، وأن يحمى المسمار في النار ثمّ تكوى به العيون عمل همجي، لذلك فإنّه من غير الصواب ترك تقدير العقوبات لأصحاب هذه الأذواق. وأيضاً فإن هناك جرائم فظيعة قد أثبت الواقع فظاعتها فلا تردع فيها إلاّ العقوبة القاسية، فإذا ترك أمر هذه الجرائم لهؤلاء القضاة، وهم لم يمارسوا السياسة لا نظرياً في محاسبات الحكام، ولا عملياً في تولي السلطة، والقضاء الذي يتولونه ليس سلطة، لذلك قد يستكثرون الحكم بالعقوبات القاسية التي لا بد منها ليحصل الزجر، فقد يستكثرون الحكم على من يحمل الدعوة القومية بالجلد والسجن عشر سنوات، وقد يستكثرون أن يحكم على من يقيم حزباً سياسياً على أساس القومية بالقتل أي بالإعدام، فيوقعون عقوبات غير زاجرة تكون مشجعة لهذه الجرائم البالغة الفظاعة. لهذا فإن حماية كيان الأمّة تقتضي أن لا يترك تقدير مثل هذه العقوبات لأمثال هؤلاء القضاة. ومن هنا كان لا بد من أن يتبنى الخليفة عقوبات معينة، لوقائع معينة من وقائع التعزير، فترة من الزمن إلى أن تصحح المفاهيم والأذواق لدى جمهرة المسلمين.

الشفتان: إذا قطعت الشفتان أو أتلفتا أو أصابهما بالشلل ففيهما الدية لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وفي الشفتين الدية " فإن كان ذلك في إحداهما ففيها نصف الدية، فإذا ذهبت منفعتهما كالنفخ ومخارج الحروف ورد الريق وستر الأسنان ووقاية ما يؤذي الفم ينظر فإن ذهبت كل منافعهما ففيها الدية، وإن ذهبت منفعة واحدة فتقدر ويعطى مقدار ما تساويه من منافعها من الدية، فيعطى - حسب ما هو معروف عن منافعها - النفخ خمس الدية، وتعطى وقاية الفم من الأذى خمس الدية وهكذا.

اللسان: اللسان الناطق إذا أتلف ففيه الدية، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وفي اللسان الدية " سواء أكان كبيراً يتكلم أم صغيراً لم يتكلم بعد. وإن جنى عليه فذهبت منفعته ففيها الدية، ومنفعة اللسان الكلام والذوق، فإن أذهب الكلام وحده ففيه الدية كاملة، وإن ذهب الذوق، وحده ففيه الدية، لأنّ الذوق حاسة كالشم. غير أنه إن ذهبا معاً فإن في المنفعة كلها الدية، لأنّ منفعة اللسان كاللسان فيها الدية، ولما كانت منفعة اللسان هي الكلام كان فيها الدية، ولما كان الذوق حاسة كالشم كان فيها الدية. وإن قطع بعض لسانه فإنّه يطبق عليه ما طبق على الأذن من مقدار ما يقطع، فيحسب ويعطى من الدية النسبة التي قطعت من اللسان، وكذلك إن نقصت منفعته يعطى من الدية بمقدار ما نقص حسب قول أهل الخبرة.

هذا كله في اللسان الناطق، أما اللسان الأخرس، فإنّه لا تجب فيه الدية كاملة، إذ هو ليس كالأنف والأذن لا يؤثر ذهابه على نفعه بل هو كاليد والرجل إذا شلت فإنها تؤثر على نفعها وكذلك لسان الأخرس يعتبر كاللسان المشلول فيؤثر على نفعه، ولهذا ينقص من الدية الكاملة بمقدار ما نقص اللسان الأخرس عن اللسان الناطق من النفع.

الأجفان: الأجفان أو الأشفار في الإنسان أربعة لكل عين جفنان، ففي هذه الأجفان الأربعة الدية، وذلك عملاً بالقاعدة التي استنبطت من مجموع أحاديث الرسول في أعضاء البدن بأن ما يوجد منها شيء واحد ففيه الدية، وما وجد منها اثنان ففيه نصف الدية، وما وجد منها أكثر ففيه من الدية بقدر ما له من أجزاء، ومن هنا كان في الأجفان الدية، وفي كل جفن منها ربع الدية، ومثل ذلك أهداب العينين وهو الشعر الذي على الأجفان، وهو غير الأجفان، فللإنسان أهداب أربعة ففيها الدية، وفي كل هدب ربع الدية، وهي دية أخرى غير دية الأجفان.

الحاجبان: الحاجبان يعتبران عضواً واحداً كالعينين، ففيهما الدية وفي كل واحد منهما نصف الدية، والحاجبان منفعتهما ليست ناتجة عنهما، فهما كالأذن، ولهذا فإن تلفا وذهبت منفعتهما كانت فيهما الدية، وإن ذهبت منفعتهما، ولم يتلفا كانت فيهما الدية، وإن تلفا وبقيت منفعتهما كانت فيهما الدية، فهما كالأذن سواء بسواء.

الأسنان: الأسنان كلها عضوا واحد، وكل سن منها جزء من هذا العضو، ولكن الدية في الأسنان لا تحسب بحسب ما يوجد للإنسان منها لأنّ النص قد عين الدية لكل سن ولذلك يتبع النص. ودية كل سن خمس من الإبل، لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: " في السن خمس من الإبل " وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " في الأسنان خمس خمس " ولا فرق في ذلك بين السن والضرس لما روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الأصابع سواء، والأسنان سواء الثنية والسن سواء هذه وهذه سواء " غير أنه يفرق بين أن تعود وبين أن لا تعود، فإنّه إذا سقطت السن ولم تعد أخذت ديتها خمس من الإبل، وإن نبت مكانها أخرى لم تجب ديتها، لكن إن عادت قصيرة أو مشوهة ففيها حكومة، لأنّ الظاهر أن ذلك سبب الجناية عليها، فإن أمكن تقدير نقصها عن نظيرتها ففيها من ديتها بقدر ما نقص، وكذلك إن كانت فيها ثلمة يمكن تقديرها ففيها بقدر ما ذهب منها. وإذا كسرت السن ففيها بقدر ما ذهب منها من الدية.

** 5 - الهجر: وهو أن يأمر الحاكم النّاس أن لا يكلموا الشخص مدّة معينة. ودليله ما حصل مع الثلاثة الذين خلفوا عندما منع الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين من كلامهم، فإن ذلك كان عقوبة لهم، وقد فعل عمر مثل ذلك فإنّه لما عاقب صبيغاً بجلده ونفيه أمر النّاس أن لا يكلموه، غير أن هذه العقوبة تستعمل إذا كانت تزجر، أي مع النّاس الذين لديهم إحساس، ويقدرون معنى هجر النّاس لهم، أما الذين ضعف لديهم الإحساس فإن مثل هذه العقوبة لا تؤلمهم، ولذلك لا تستعمل معهم.
6 - الصلب: وهو يحصل في حالة واحدة إذا كانت عقوبة المجرم القتل فيجوز أن يحكم عليه بالصلب أيضاً، لقوله تعالى: ( أَن يُقتَّلوا أو يُصَلَّبوا ) وأو بمعنى الواو، أي أن يقتلوا ويصلبوا، أو يقتلوا من غير تصليب، ولكن أن يكون الصلب عقوبة وحده لا يصح، لأنّه تعذيب، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تعذيب الحيوان، فالنهي عن تعذيب الإنسان من باب أولى. وأما قولهم إن النبي صلى الله عليه وسلم صلب الحيّ تعزيراً فإنهم لم يوردوا سنده، وآية الصلب جعلته بعد القتل، والحكم الشرعي أن يجمع مع القتل، أو أن يكون القتل بغيره، وفي عقوبة قطاع الطرق لم يقل أحد بالصلب وحده. لذلك فإن الصلب للأحياء لا يكون عقوبة من العقوبات، وإنما الصلب لمن يَقْتُل فيحكم عليه بالقتل والصلب، فالصلب يصاحب القتل، على هذا الوجه تكون عقوبة الصلب.
7 - الغرامة: وهي الحكم على المذنب بدفع مال عقوبة على ذنبه، وهي ثابتة بالسنة، فقد روى النسائي في حديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ومنه: " قال: يا رسول الله والثمار وما أُخذ منها في أكمامها ؟ قال: من أخذ منه بفيه ولم يتخذ خُبْنةً فليس عليه شيء، ومن احتمل ففيه غرامة مثليه وجلدات نكال " وزاد النسائي في آخر الحديث: " وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثليه وجلدات نكال " وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " وكاتم الضالة عليه غرامتها ومثلها معها " وكذلك تعزير مانع الزكاة بأخذ شطر من ماله. فهذا كله يدل على أن الرسول أمر بعقوبة الغرامة في التعزير، وما لم يرد حد معين لها، فتترك لتقدير الخليفة، أو للقاضي إذا لم يتبن الخليفة فيها مقداراً معيناً. وإذا عجز المذنب عن دفع الغرامة هل يحبس بمقدارها أم يعفى منها ؟ والجواب على ذلك هو أنه إذا حكم بعقوبة معينة فلا يصح أن يعاقب عقوبة غيرها، لأنّ حكم القاضي يجب أن ينفذ كما نطق به، ولذلك لا يحبس عوضاً عن الغرامة، وكذلك لا يعفى منها، لأنّ العفو إلغاء لحكم القاضي، وإذا حكم القاضي بشيء فلا يصح إلغاء حكمه، والأولى في مثل هذه الحالة أي حالة عجز المذنب عن دفع الغرامة أن تؤخذ من ظاهر ماله إن وجد، وإن لم يوجد ينتظر عليه حتى يوجد معه مال فتحصل من قبل الدولة.
8 - إتلاف المال: وذلك بإهلاك المال إهلاكاً تاماً بحيث لا ينتفع به، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأصنام المعلقة في الكعبة، فانه أمر بها فحطمت وأُتلفت، وما فعله المسلمون حين نزلت آية تحريم الخمر، فقد أراقوا ما كان لديهم من جرار الخمر وكسروا جرارها وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإراقة الخمر وكسر الدنان، وقد سار الصحابة على ذلك، فقد روي أن عمر أراق اللبن المغشوش.
9 - التغيير في عين المال: وذلك بتغيير شكله أو صفته، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أنه نهى عن كسر العملة الجائزة بين المسلمين كالدراهم والدنانير إلاّ إذا كان بها بأس، فإذا كانت كذلك كسرت " أي نهى الرسول عن كسر قطع النقد الفضية أو الذهبية - إلاّ إذا كانت مغشوشة فإنها حينئذ يحكم بكسرها وتفتيتها عقوبة ويعاقب الغاش. وقطع الرسول صلى الله عليه وسلم رأس التمثال فصار كالشجرة، وهكذا إذا صار المال على شكل محرم فإنّه يغير هذا المال على الشكل الذي تزول به الحرمة، فضلاً عن معاقبة من فعله على الوجه الذي يراه الحاكم.
10 - التهديد الصادق: وذلك أن يهدد المذنب بإيقاع العقوبة عليه إذا فعل كذا، والدليل على ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " رحم الله امرءاً علق سوطه بحيث يراه أهله " .
11 - الوعظ: وذلك أن يعظ القاضي المذنب بتخويفه من عذاب الله، والدليل على ذلك قوله تعالى: (_ واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن).
12 - الحرمان: وذلك أن يحكم على المذنب بالحرمان من بعض الحقوق المالية التي يستحقها كحرمان النفقة للناشز، وكالحرمان من سَلَبِ القتيل، وكالحرمان من حصته في أموال الملكية العامة وهكذا.
13 - عقوبة التوبيخ: وهو إهانة المذنب بالقول. وقد ثبت التوبيخ بالسنة، فقد روى أبو ذر أنه سابَّ رجلاً فعيره بأمه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أبا ذر أعيرته بأمه ؟ انك امرؤ فيك جاهلية " وخاصم عبد عبد الرحمن بن عوف إلى النبي صلى الله عليه وسلم فغضب عبد الرحمن وسبَّ العبد بقوله يا ابن السوداء، فغضب النبي لذلك غضباً شديداً ورفع يده قائلاً: " ليس لابن بيضاء على ابن سوداء سلطان إلا بالحق " فخجل عبد الرحمن بن عوف واستخذى، ووضع خده على التراب ثمّ قال للعبد طأ عليه حتى ترضى. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سب الرجلين اللذين خالفا نهيه حين نهى أن يشرب من البئر قبل وصوله إليها. فهذا كله يدل على أن التوبيخ والسب من العقوبات في التعزير، وقد سار على ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، فقد روي عن عمر أنه وبخ عبادة بن الصامت بأن قال له: " يا أحمق " وعلى هذا يجوز للقاضي أن يوبخ المذنب، ولا يكون ذلك شتماً من القاضي، وإنما يكون عقوبة يوقعها القاضي على المذنب، وليس لعقوبة التوبيخ لفظ معين، وإنما كل لفظ يعتبر من قبيل التوبيخ يصح استعماله من قبل القاضي والحاكم إلاّ الألفاظ التي تعتبر من قبيل القذف فلا يجوز استعمالها، لورود النهي عنها عامّاً فيشمل الحاكم وغيره.

حد السرقة حق الله

حد السرقة كسائر الحدود حق الله تعالى، ولو كان فيه حق لآدمي. ولذلك تقبل فيه شهادة الحسبة، ولا يحتاج إلى مطالبة المسروق منه بماله، ولا يسقط بإسقاط صاحب الحق. ثمّ إن الآية عامة كآية حد الزنا، فالله تعالى يقول: ( والسارق والسارقة فاقطعوا ) ولأنّ موجب القطع ثبت، فوجب من غير مطالبة، كحدّ الزنا، بدليل حديث المخزومية، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم غضب من شفاعة أسامة بحدّ السرقة، وقال: " إنما هلك من كان قبلكم بأنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها " أي أن هلاكهم كان من تضييع الحدود. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حدٌّ يُعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً " وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من حالت شفاعته دون حدّ من حدود الله فهو مضاد لله في أمره " . فهذه الأدلة كلها صريحة في عدم سقوط الحدّ، وفي أنه حق الله تعالى، ولذلك لا يحتاج إلى مدع، وتجوز فيه شهادة الحسبة.

غير أن تنازل صاحب الحق عن حقه قبل أن ترفع الدعوى إلى الحاكم هل تسقط الحدّ أم لا ؟ هناك من يقول بأن القطع يسقط بالعفو قبل الرفع. ويستدلون على ذلك بما روي عن صفوان بن أمية قال: " كنت نائماً في المسجد عَلَيَّ خميصة لي فسُرِقتْ، فأخذنا السارق فرفعناه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بقطعه، فقلت يا رسول الله أفي خميصة ثمن ثلاثين درهماً، أنا أهبها له، أو أبيعها، قال: فهلا كان قبل أن تأتيني به " وبما أخرجه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب " وبما أخرج الدارقطني من حديث الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اشفعوا ما لم يصل إلى الوالي، فإذا وصل إلى الوالي فعفا فلا عفا الله عنه " . ولكن المدقق في النصوص يجد أن القطع لا يسقط بالعفو مطلقاً، لا قبل الرفع إلى الحاكم ولا بعده. والدليل على ذلك عموم آية السرقة، ولأنه إذا ثبت موجب القطع وجب القطع من غير مطالبة، وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على أنه يجب على السلطان الإقامة إذا بلغه الحدّ، وكذلك حكى في البحر الإجماع على ذلك. ولأنّ أحاديث النهي عن الشفاعة عامة فتشمل ما قبل رفع الدعوى وبعدها، ولأنّ حد السرقة حق الله بلا خلاف، وإن كان فيها حق الآدمي، وحق الله لا يسقط بالإسقاط. فهذا كله يثبت أن حدّ السرقة لا يسقط بالإسقاط. وأما الأحاديث المارة وهي حديث صفوان، وحديث عمرو بن شعيب، وحديث الزبير، فإنها لا تدل على إسقاط الحدّ، وإنما تدل فقط على جواز العفو من صاحب المال، وعفو صاحب المال لا يعني إسقاط الحدّ، ولا يعني عفو الحاكم. فحديث صفوان يقول: " أنا أهبها له أو أبيعها " فقال الرسول: " فهلا كان قبل أن تأتيني به " ، أي فهلا كان عفوك قبل أن تأتيني به. وهذا لا يعني أنه لو عفا صاحب الحق قبل أن تصل الحاكم عن طريقة، ثمّ جاء شاهد حسبة وادعى أنه سرق لا تقبل دعواه، وأنه يعفى عنه، فإن الحديث لا يدل على ذلك إذ أن صاحب الخميصة قال للرسول حين رأى أن السارق سيقطع بسبب خميصته: أنا أهبها له أو أبيعها له، وهذا كناية عن طلبه العفو عن السرقة، فأجابة الرسول كان ينبغي أن تهبها له أو تبيعها له قبل أن تأتيني، أي كان ينبغي أن تعفو قبل أن تأتيني، أما بعد أن أتيتني فلا، أي أن حقك في العفو إنما هو قبل أن تبلغ الحاكم، أما بعد التبليغ فلا حق لك. وهذا لا يدل على أن السرقة التي عفا صاحبها قبل أن تبلغ الحاكم يسقط الحدّ عن السارق فيها، ولا يدل على أنه إذا بلغت الحاكم من غير طريق صاحبها لا ينظر الحاكم فيها، بل يعفو بناء على عفو صاحبها، لا يدل على ذلك، ولا بوجه من الوجوه، وإنما دلالته محصورة بسقوط حق صاحب السلعة بالعفو بعد التبليغ عن السرقة، وجواز عفوه قبل التبليغ، ولا يدل على غير ذلك. وأما حديث عمرو بن شعيب فإنّه يدل على أن العفو بينهم جائز، ولهذا قال " فما بلغني من حدّ فقد وجب " وهذا عام سواء بلغه بادعاء صاحب الحق، أو بلغه بادعاء غيره، وحديث الزبير كذلك فإنّه يقول: " اشفعوا ما لم يصل الوالي " أي اشفعوا بعضكم لبعض ولهذا قال: " فإذا وصل إلى الوالي فعفا فلا عفا الله عنه " وهذا عام سواء وصل إلى الوالي من طريق صاحب المال، أو وصل من طريق غيره فلا عفو. فعموم حديث عمرو بن شعيب، وحديث الزبير يؤيد أن عفو صاحب المال قبل الوصول إلى الحاكم لا يسقط الحدّ فيما لو وصل إلى الحاكم، وكل ما في الأمر أن أصحاب المال يصح أن يصدر منهم العفو قبل الوصول إلى الحاكم.

وعليه فإن السرقة حق الله تعالى، ولا يسقط فيها الحدّ مطلقاً، سواء عفا صاحبها قبل الوصول إلى الحاكم أو بعده، فإذا بلغت الحاكم السرقة فيجب أن يسمع الدعوى، سواء رفعت من صاحبها أو من شاهد الحسبة أو من الشرطة، لأنّها لا تحتاج إلى مدع، ولا يحل له أن يرفض قبول الدعوى. وإذا ثبتت السرقة وجب أن يقيم الحدّ، لأنّه لا يسقط بالإسقاط، ولا يشفع به، ولا يدخله العفو، " فما بلغني من حدّ فقد وجب " . " فإذا وصل إلى الوالي فعفا فلا عفا الله عنه " .

مقدار ما يقطع

إن آية القطع وهي قوله تعالى: ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) قد نصت على قطع اليد، فقالت ( أيديهما ) ويرجع في تفسير اليد لمعناها اللغوي، ولفظ اليد في اللغة إذا أطلق ينصرف إلى الكف وإلى طرف الأصابع إلى آخر الكف، أي إلى الرسغ، ولا يطلق على غير ذلك إلاّ بقرينة، ولهذا قال في آية الوضوء: ( وأيديكم إلى المرافق ) فبين غسل اليد بأنها إلى المرفق، ولو لم يذكر كلمة إلى المرافق لكان الغسل إلى الرسغين، أي لكان غسل اليد بما يفهمه معناها اللغوي. وعليه فإن السارق تقطع يده من مفصل الكف وهو الكوع، وقد روي عن أبي بكر الصديق وعمر رضي الله عنهما أنهما قالا: إذا سرق السارق فاقطعوا يمينه من الكوع، ولا مخالف لهما في الصحابة. وإن الآية تقول ( أيديهما ) فهي أطلقت اليد، ولم تعينها فتدل على أنه يجوز قطع اليد اليمنى، ويجوز قطع اليد اليسرى من غير فرق، ولكن قراءة ابن مسعود " فاقطعوا أيمانهما " والثابت عن أبي بكر وعمر أنهما قالا: " فاقطعوا يمينه " فيكون القطع هو قطع اليد اليمنى إلى الكوع، أي إلى الرسغ، يعني إلى نهاية الأصابع من آخر الكف، وهو العظمة التي بين الرسغين وبين الكف، وهو ما يطلق عليه اسم اليد لغة عند الإطلاق من غير قرينة.

وحين يقطع السارق يحسم، لما روي عن أبي هريرة: " أن رسول الله إن آية القطع وهي قوله تعالى:  والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما  قد نصت على قطع اليد، فقالت  أيديهما  ويرجع في تفسير اليد لمعناها اللغوي، ولفظ اليد في اللغة إذا أطلق ينصرف إلى الكف وإلى طرف الأصابع إلى آخر الكف، أي إلى الرسغ، ولا يطلق على غير ذلك إلاّ بقرينة، ولهذا قال في آية الوضوء:  وأيديكم إلى المرافق  فبين غسل اليد بأنها إلى المرفق، ولو لم يذكر كلمة إلى المرافق لكان الغسل إلى الرسغين، أي لكان غسل اليد بما يفهمه معناها اللغوي. وعليه فإن السارق تقطع يده من مفصل الكف وهو الكوع، وقد روي عن أبي بكر الصديق وعمر رضي الله عنهما أنهما قالا: إذا سرق السارق فاقطعوا يمينه من الكوع، ولا مخالف لهما في الصحابة. وإن الآية تقول  أيديهما  فهي أطلقت اليد، ولم تعينها فتدل على أنه يجوز قطع اليد اليمنى، ويجوز قطع اليد اليسرى من غير فرق، ولكن قراءة ابن مسعود " فاقطعوا أيمانهما " والثابت عن أبي بكر وعمر أنهما قالا: " فاقطعوا يمينه " فيكون القطع هو قطع اليد اليمنى إلى الكوع، أي إلى الرسغ، يعني إلى نهاية الأصابع من آخر الكف، وهو العظمة التي بين الرسغين وبين الكف، وهو ما يطلق عليه اسم اليد لغة عند الإطلاق من غير قرينة.

وحين يقطع السارق يحسم، لما روي عن أبي هريرة: " أن رسول الله  أُتي بسارق قد سرق شملة، فقالوا: يا رسول الله إن هذا قد سرق، فقال رسول الله  ما أخاله سرق ؟ فقال السارق: بلى يا رسول الله، فقال: اذهبوا فاقطعوه ثمّ احسموه " . والحسم أن يغلى الزيت، فإذا قطع غمس عضوه في الزيت، لتسد أفواه العروق لئلا ينزف الدم فيموت. وليس الحسم واجباً، لأنّه حسم، بل هو واجب لعلة هي عدم هلاكه، ولذلك يجوز أن يستعمل غير الحسم لإيقاف نزيف الدم، فيجوز استعمال الوسائل الطبية بدل الحسم.

ويقطع السارق بأسهل ما يمكن، لأنّ المقصود عقوبته لا تعذيبه ولا قتله، وإذا كانت يده قد قطعت، وليس له يد تقطع، كأنّ كانت يده ذهبت بآفة، أو تعدى عليه معتد، فإنّه في هذه الحالة يسقط القطع عنه، ولا شيء عليه، وذلك لأنّ الله أمر بقطع اليد، فإذا لم توجد سقط القطع، ولا يصار إلى غيرها. لعدم وجود نص غير هذا النص الدال على قطع اليد لا على غيرها. ولا تقطع حامل حال حملها، ولا بعد وضعها حتى ينقضي نفاسها، لئلا يفضي إلى تلفها وتلف ولدها، ولا يقطع مريض في مرضه، فينتظر حتى يشفى، لئلا يأتي على نفسه، وإذا سرق مرات قبل القطع أجزأ قطع واحد. وإذا قطعت يد السارق، ثمّ عاد فسرق بعد قطع يده لم يقطع منه شيء آخر، ولكنه يحبس. أما كونه لم يقطع منه شيء فلأن الآية نصت على قطع يده وقد قطعت، ولم تنص على قطع شيء آخر فيكون الحدّ المقدر قد نفذ، وأما أنه يحبس فلأن السرقة في المرة الثانية لم يأت نص على حد لها فتكون من باب التعزير.

أُتي بسارق قد سرق شملة، فقالوا: يا رسول الله إن هذا قد سرق، فقال رسول الله إن آية القطع وهي قوله تعالى:  والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما  قد نصت على قطع اليد، فقالت  أيديهما  ويرجع في تفسير اليد لمعناها اللغوي، ولفظ اليد في اللغة إذا أطلق ينصرف إلى الكف وإلى طرف الأصابع إلى آخر الكف، أي إلى الرسغ، ولا يطلق على غير ذلك إلاّ بقرينة، ولهذا قال في آية الوضوء:  وأيديكم إلى المرافق  فبين غسل اليد بأنها إلى المرفق، ولو لم يذكر كلمة إلى المرافق لكان الغسل إلى الرسغين، أي لكان غسل اليد بما يفهمه معناها اللغوي. وعليه فإن السارق تقطع يده من مفصل الكف وهو الكوع، وقد روي عن أبي بكر الصديق وعمر رضي الله عنهما أنهما قالا: إذا سرق السارق فاقطعوا يمينه من الكوع، ولا مخالف لهما في الصحابة. وإن الآية تقول  أيديهما  فهي أطلقت اليد، ولم تعينها فتدل على أنه يجوز قطع اليد اليمنى، ويجوز قطع اليد اليسرى من غير فرق، ولكن قراءة ابن مسعود " فاقطعوا أيمانهما " والثابت عن أبي بكر وعمر أنهما قالا: " فاقطعوا يمينه " فيكون القطع هو قطع اليد اليمنى إلى الكوع، أي إلى الرسغ، يعني إلى نهاية الأصابع من آخر الكف، وهو العظمة التي بين الرسغين وبين الكف، وهو ما يطلق عليه اسم اليد لغة عند الإطلاق من غير قرينة.

وحين يقطع السارق يحسم، لما روي عن أبي هريرة: " أن رسول الله  أُتي بسارق قد سرق شملة، فقالوا: يا رسول الله إن هذا قد سرق، فقال رسول الله  ما أخاله سرق ؟ فقال السارق: بلى يا رسول الله، فقال: اذهبوا فاقطعوه ثمّ احسموه " . والحسم أن يغلى الزيت، فإذا قطع غمس عضوه في الزيت، لتسد أفواه العروق لئلا ينزف الدم فيموت. وليس الحسم واجباً، لأنّه حسم، بل هو واجب لعلة هي عدم هلاكه، ولذلك يجوز أن يستعمل غير الحسم لإيقاف نزيف الدم، فيجوز استعمال الوسائل الطبية بدل الحسم.

ويقطع السارق بأسهل ما يمكن، لأنّ المقصود عقوبته لا تعذيبه ولا قتله، وإذا كانت يده قد قطعت، وليس له يد تقطع، كأنّ كانت يده ذهبت بآفة، أو تعدى عليه معتد، فإنّه في هذه الحالة يسقط القطع عنه، ولا شيء عليه، وذلك لأنّ الله أمر بقطع اليد، فإذا لم توجد سقط القطع، ولا يصار إلى غيرها. لعدم وجود نص غير هذا النص الدال على قطع اليد لا على غيرها. ولا تقطع حامل حال حملها، ولا بعد وضعها حتى ينقضي نفاسها، لئلا يفضي إلى تلفها وتلف ولدها، ولا يقطع مريض في مرضه، فينتظر حتى يشفى، لئلا يأتي على نفسه، وإذا سرق مرات قبل القطع أجزأ قطع واحد. وإذا قطعت يد السارق، ثمّ عاد فسرق بعد قطع يده لم يقطع منه شيء آخر، ولكنه يحبس. أما كونه لم يقطع منه شيء فلأن الآية نصت على قطع يده وقد قطعت، ولم تنص على قطع شيء آخر فيكون الحدّ المقدر قد نفذ، وأما أنه يحبس فلأن السرقة في المرة الثانية لم يأت نص على حد لها فتكون من باب التعزير.

ما أخاله سرق ؟ فقال السارق: بلى يا رسول الله، فقال: اذهبوا فاقطعوه ثمّ احسموه " . والحسم أن يغلى الزيت، فإذا قطع غمس عضوه في الزيت، لتسد أفواه العروق لئلا ينزف الدم فيموت. وليس الحسم واجباً، لأنّه حسم، بل هو واجب لعلة هي عدم هلاكه، ولذلك يجوز أن يستعمل غير الحسم لإيقاف نزيف الدم، فيجوز استعمال الوسائل الطبية بدل الحسم.

ويقطع السارق بأسهل ما يمكن، لأنّ المقصود عقوبته لا تعذيبه ولا قتله، وإذا كانت يده قد قطعت، وليس له يد تقطع، كأنّ كانت يده ذهبت بآفة، أو تعدى عليه معتد، فإنّه في هذه الحالة يسقط القطع عنه، ولا شيء عليه، وذلك لأنّ الله أمر بقطع اليد، فإذا لم توجد سقط القطع، ولا يصار إلى غيرها. لعدم وجود نص غير هذا النص الدال على قطع اليد لا على غيرها. ولا تقطع حامل حال حملها، ولا بعد وضعها حتى ينقضي نفاسها، لئلا يفضي إلى تلفها وتلف ولدها، ولا يقطع مريض في مرضه، فينتظر حتى يشفى، لئلا يأتي على نفسه، وإذا سرق مرات قبل القطع أجزأ قطع واحد. وإذا قطعت يد السارق، ثمّ عاد فسرق بعد قطع يده لم يقطع منه شيء آخر، ولكنه يحبس. أما كونه لم يقطع منه شيء فلأن الآية نصت على قطع يده وقد قطعت، ولم تنص على قطع شيء آخر فيكون الحدّ المقدر قد نفذ، وأما أنه يحبس فلأن السرقة في المرة الثانية لم يأت نص على حد لها فتكون من باب التعزير.

دية الجنين

إذا ضُرِبَت امرأة حبلى، فسقط جنينها من جراء ضربها، سواء ماتت من الضرب، أم لم تمت فإن على الضارب دِيَةً للجنين، وهي عبد أو أمة، فإن لم توجد، فعشر من الإبل. أما وجوب الدية، فلما روي عن المغيرة: " أن امرأة ضربتها ضرتها بفسطاط فقتلتها وهي حبلى، فأُتِيَ بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى فيها على عصبة القاتلة بالدية في الجنين غُرَّة، فقال عصبتها: أتدي ما لا طَعِمَ ولا شَرِبَ ولا صاح ولا استهلّ، مِثْلُ ذلك يُطَلّ، فقال: سجع مثل سجع الأعراب " وعن ابن عباس في قصة حَمَل بن مالك قال: " فأسقطت غلاماً قد نبت شعره ميتاً، وماتت المرأة، فقضى ( أي النبي صلى الله عليه وسلم ) على العاقلة بالدية، فقال عمها: إنها قد أسقطت يا نبي الله غلاماً نبت شعره، فقال أبو القاتلة: إنه كاذب، إنه والله ما استَهَلَّ ولا شرب، فمِثْله يُطَلّ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أسجعُ الجاهلية وكُهّانها ؟ أدِّ في الصبي غُرّة " فهذا دليل على أن الواجب في الجنين هو الدية، وأما كون الدية هي غرة: عبدٌ أو أمَةٌ، فلِما رُوي عن أبي هريرة قال: " قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتاً بغرةٍ عبدٍ أو أمةٍ " وفي رواية " فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية جنينها غرةٌ: عبدٌ أو وليدة " وأما كونه إذا لم يوجد عبد أو أمة فعشر من الإبل، فلما ورد في رواية ابن أبي عاصم: " ما له عبد أو أمة، قال عشر من الإبل، قالوا: ما له شيء إلاّ أن نعينه من صدقة بني لحيان فأعانه بها " .

وعن ابن عباس قال: " كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم صديق من ثقيف ودوس، فلقيه يوم الفتح براحلة أو راوية من حجر يهديها إليه، فقال: يا فلان أما علمت أن الله حرّمها ؟ فأقبل الرجل على غلامه فقال اذهب فبعها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الذي حَرّم شربها حَرّم بيعها، فأمر بها فأفرغت في البطحاء " ) وورد التحذير من السرقة في القرآن والحديث. قال الله تعالى: ( يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ) وبيعة الرسول على عدم السرقة صريح بتحريم السرقة، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لَعَنَ الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده " والمراد بالبيضة هنا بيضة الحديد، وورد التحذير عن الردة بالقرآن والحديث قال الله تعالى: ( ومن يرتدِدْ منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) وفي حديث معاذ " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسله إلى اليمن قال له: أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه، فإن عاد، وإلا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها، فإن عادت وإلا فاضرب عنقها " وورد التحذير من قطع الطرق في القرآن والحديث. قال الله تعالى: ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض (وعن أنس " أن ناساً من عِكل وعُرَيْنَة قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وتكلموا بالإسلام فاستوخموا المدينة فأمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بذَوْدٍ وراعٍ، وأمرهم أن يخرجوا فليشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحَرّة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي ، واستاقوا الذَوْد، فبلغ ذلك النبي  صلى الله عليه وسلم فبعث الطلب في أثرهم، فأمر بمسامير فأحميت فكحلهم، وقطع أيديهم وأرجلهم وما حسمهم، ثمّ ألقوا في الحَرّة، يستسقون فما سقوا حتى ماتوا " وورد التحذير من البغي وإشهار السيف في وجه الخليفة. قال تعالى: ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ) وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " سيخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم إلى يوم القيامة " وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من حمل علينا السلاح فليس منا " فهذه الأدلة من الكتاب والسنة تبين أنه قد ورد التحذير من جميع الحدود، فكان ارتكاب أي منها معصية، وبما أنه قد حدّ الشارع لهذه المعاصي حدوداً، أي عقوبات معينة، لذلك وجب التقيد بهذه الحدود.

ولا يجب الحدّ إلاّ على بالغ عاقل، ملتزم أحكام المسلمين، مسلماً كان أو ذمياً. ويضرب الرجل قائماً بسوط وسط، لا جديد ولا قديم، ولا يمدّ ولا يجرد المحدود من ثيابه عند جلده، لقول ابن مسعود: " ليس في ديننا مدّ، ولا قيد ولا تجريد " ولا يبالغ بضربه بحيث يشق الجلد، لأنّ المقصود زجره لا إهلاكه، ولا يرفع الضارب يده بحيث يبدوا إبطه، وسن أن يفرق الضرب على بدنه ويتقى وجوباً الرأس، والوجه، والفرج، والمَقَاتِل كالفؤاد والخصيتين، لأنّه ربما أدى ضربه على شيء من هذا إلى قتله، أو ذهاب منفعته. والمرأة كالرجل فيما ذكر، إلاّ أنّها تضرب جالسة. وقد قال علي رضي الله عنه: " تضرب المرأة جالسة والرجل قائماً " . وأشد الجلد جلد الزنا، ثمّ جلد القذف، ثمّ جلد الشرب، ثمّ جلد التعزير. لأنّ الله خص الزنا بمزيد تأكيد بقوله تعالى: ( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ) وما دونه أخف منه في العدد فلا يجوز أن يزيد عليه في الصفة.

الباب الأول - الحدود

أصل الحدّ ما يحجز بين شيئين فيمنع اختلاطهما، وحدّ الدار ما يميزها، وحدّ الشيء وصفه المحيط به، المميز له عن غيره، وسميت عقوبة الزنا ونحوها حداً لكونها مقدرة من الشرع، وقد تطلق الحدود ويراد بها نفس المعاصي، كقوله تعالى:  تلك حدود الله فلا تقربوها  وتطلق على شرائع الله ومحارمه. كقوله تعالى: ) وتلك حدود الله ومن يتعدّ حدود الله فقد ظلم نفسه ( وحدود الله محارمه. والحدود اصطلاحاً عقوبة مقدرة شرعاً في معصية، لتمنع من الوقوع في معصية مثلها. والمعاصي المتفق على أن عقوبتها من الحدود، أي الواجب الحدّ بها ستة هي: الزنا واللواط، والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، والردة، والحرابة أي البغاة. وقد ورد التحذير من جميع هذه الحدود، فقد ورد التحذير من الزنا في القرآن والحديث، قال تعالى:  ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا  وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع النّاس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن " وورد التحذير من اللواط في القرآن والحديث. أما القرآن فإن الله قد سمى فيه اللواط فاحشة فقال:  ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين، إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون  وبين عقاب الله لقوم لوط بأنه عاقبهم بالخسف. قال تعالى:  فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود  وقد قص الله علينا ذلك لنتعظ به، وأما الحديث فقد روى محمد بن إسحق عن عمرو بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قال: " ملعون من عمل عمل قوم لوط " وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به " . وورد التحذير من القذف في القرآن والحديث. قال الله تعالى:  إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لُعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم  وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اجتنبوا السبع الموبقات " قيل وما هن يا رسول الله ؟ قال: " الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلاّ بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " وورد التحذير من الخمر في القرآن والحديث قال الله تعالى: ) يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ( وقد أكد القرآن في هذه الآية تحريم الخمر والميسر وجوهاً من التأكيد: منها تصدير الجملة بإنما، ومنها أنه قرنها بعبادة الأصنام، ومنها أنه جعلها رجساً. كما قال: ) فاجتنبوا الرجس من الأوثان )  ومنها أنه جعلها من عمل الشيطان، لا يأتي منه إلاّ الشر البحت، ومنها أنه أمر بالاجتناب، وجعل الاجتناب من الفلاح، وهو قرينة على أن الأمر بالاجتناب طلب جازم، ومنها أنه ذكر ما ينتج عنها من الوبال، وهو وقوع التعادي والتباغض من أصحاب الخمر والميسر، وما يؤديان إليه من الصد عن ذكر الله، وعن مراعاة أوقات الصلاة. وختم كل ذلك بالنهي نهياً جازماً بصيغة الاستفهام الإنكاري بقوله: ) فهل أنتم منتهون ) أي انتهوا، وهذا من أبلغ ما ينهى به، كأنه قيل قد تلي عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والموانع، فهل أنتم مع هذه الصوارف والموانع منتهون.

** وأما المخالفات فهي العقوبات التي يوقعها الحاكم على من يخالف أوامر السلطان، سواء الخليفة أو غيره من المعاونين والولاة والعمال ونحوهم، ممن عمله من أعمال الحكم، وكانت له صلاحية في إعطاء الأوامر. فهذه العقوبة على مخالفة الأمر هي عقوبة المخالفة، وكذلك تطلق المخالفة على نفس الفعل الذي خالف فيه أمر الحاكم، فهي تطلق على الفعل وتطلق على عقوبة الفعل. وإنما جعلت المخالفة عقوبة من العقوبات التي أمر بها الشارع، لأنّ مخالفة أمر الحاكم معصية من المعاصي، فإن الله قد أمر بطاعة أولي الأمر بصريح القرآن. قال تعالى:  أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم  وأمر بطاعة الأمير بصريح الأحاديث، عن أم الحصين الأحمسية أنّها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " اسمعوا وأطيعوا وان أُمِّر عليكم عبدٌ حبشي ما أقام فيكم كتاب الله عز وجل " وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اسمعوا وأطيعوا وإن استُعمِل عليكم عبد حبشي كأنّ رأسه زبيبة " فهذا دليل على وجوب طاعة الأمير، والياً كان أو عاملاً، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني " وفي رواية أخرى " ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني " فهذا صريح بأن مخالفة الحاكم معصية. ومن هنا كانت عليها عقوبة، وبما أن الشارع لم يعين لها عقوبة معينة فإن للقاضي أن يقدر العقوبة عليها، وللحاكم أن يقدر العقوبة التي يراها على تلك المعصية، ولهذا فإن بعض الفقهاء يدخلون المخالفات في باب التعزير، لأنّها عقوبة على معصية لم يقدرها الشارع، لكن الحق أنها ليست من باب التعزير، لأنّها ليست مخالفة لأمر الله، والتعزير خاص بمخالفة أوامر الله ونواهيه، وهذه ليست كذلك، ولكنها لأنّها مخالفة لأمر الله بطاعة الحاكم، فكانت عقوبة خاصّة يقدرها الحاكم، وبقدر ما تستحق مخالفته من أوامره ونواهيه من عقوبات، وعليه فإن المخالفات خاصّة بمخالفة الأوامر التي يصدرها الحاكم من عنده، لما له من صلاحيات أعطاه إياها الشرع.

وينبغي أن يعلم أن الأوامر التي يصدرها الحاكم من عنده، سواء أكانت من نوع المأمورات، أم من نوع المنهيات محصورة فيما جعل الشرع له أن يدبره برأيه واجتهاده، وذلك كإدارة بيت المال، وكإقامة المدن، وتنظيم الجيوش، وغير ذلك. فهذه التي جعل الشارع له أن يقوم بها برأيه واجتهاده هي التي له أن يأمر فيها بأشياء، وينهى عن أشياء، وهذه هي التي تعتبر مخالفته فيها معصية. عملاً بحديث: " ومن يعص الأمير فقد عصاني " وهذه هي التي تدخل تحتها المخالفات، أما غيرها فلا تعتبر من المخالفات، ولو أمر بها أمير المؤمنين. وذلك أن الخليفة لا يحّل حراماً، ولا يحرّم حلالاً، فلا يحل له أن يجعل المندوب أو المباح واجباً، ولا أن يجعل المكروه حراماً. فإن فعل ذلك لم تجب طاعته، ولا تعتبر مخالفة أوامره معصية فإذا ألزم النّاس بمباح، أو بمندوب فإنّه يكون قد أوجبه عليهم، وإذا منع النّاس من مكروه فإنّه يكون قد حرمه عليهم، وكذلك لا يجوز له أن يبيح حراماً، أو يحرّم مباحاً، لأنّه يكون قد حرّم الحلال وأحل الحرام. وذلك قد جاء النهي عنه صريحا في القرآن، وجاء عاماً يشمل الخليفة وغيره، وإنما للخليفة أن يأمر وينهى فيما جعل الشرع له أن يقوم به برأيه واجتهاده، وعليه فالمخالفات محصورة في نوع واحد هو الأمور التي للحاكم أن يدبرها برأيه واجتهاده.

هذه هي أنواع العقوبات، ولا يوجد غيرها مطلقاً، وكل ما يصدر من الإنسان من أفعال يستحق عليها العقاب داخلة تحت هذه الأنواع الأربعة، لأنّها إما معاصٍ قد قدر الشرع لها عقوبة، أو معاصٍ لم يقدر لها الشرع عقوبة، وإما اعتداء على بدن، فهذه ثلاثة أفعال، والفعل الرابع هو معصية الحاكم، فهذه أربعة أنواع، وتفصيلاتها تكون في أربعة أبواب.

أنواع العقوبات

العقوبات أربعة أنواع هي: الحدود، والجنايات، والتعزير، والمخالفات. أما الحدود فالمراد منها عقوبات المعاصي المقدرة لأجل حق الله. وسميت حدوداً لأنّها تمنع العاصي من العود إلى تلك المعصية التي حدَّ لأجلها في الغالب، ويطلق الحد على نفس المعصية ومنه قوله تعالى: ( تلك حدود الله فلا تقربوها ) كما يطلق على عقوبة تلك المعصية. وكلمة حد وحدود بمعنى عقوبات المعاصي لا تطلق إلاّ على المعاصي التي فيها حق الله تعالى، ولا تطلق على غيرها، ولا يصح فيها العفو، لا من الحاكم، ولا من الذي اعتدى عليه، لأنّها حق الله، فلا يملك أحد من البشر إسقاطه، ولا بحال من الأحوال.

وأما الجنايات فإنها تطلق على التعدي على البدن، مما يوجب قصاصاً أو مالاً، فتشمل الاعتداء على النفس، والاعتداء على أعضاء الجسم. والمراد منها هنا العقوبات التي توقع على هذا التعدي. وهذه العقوبات فيها حق العبد، وما دامت متعلقة بحق العبد فإنّه يجوز لصاحب الحق أن يعفو، وأن يسقط حقه. قال الله تعالى:( فمن عُفي له من أخيه شيء ) بعد قوله: ( كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ) أي فمن عفا له أخوه في الدين من أولياء الدم عن شيء من حقهم في القصاص، مما يدل على جواز أن يعفو صاحب الحق في الجنايات عن حقه. وقد وردت أحاديث كثيرة تبين جواز أن يعفوا صاحب الحق. فعن أبي شريح الخزاعي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من أصيب بدم أو خبل ( والخبل الجراح ) فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: إما أن يقتص، أو يأخذ العقل، أو يعفوا، فإن أراد رابعة فخذوا على يديه " عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما عفا رجل عن مَظْلِمة إلا زاده الله بها عزاً " وعن أنس قال: " ما رُفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر فيه القصاص إلاّ أمر فيه بالعفو " . وهذه كلها أدلة على جواز العفو. وما دامت ليس فيها حق الله تعالى فإن عفو صاحب الحق يستوجب عفو الحاكم، فيعفو الحاكم عن المعتدي عفواً تاماً، بمجرد صدور العفو من صاحب الحق. ولا يقال إن في هذه الجنايات حق عامة الرعية وهو الأمن، لا يقال ذلك لأنّ وجود حق فيها لعامة المسلمين يحتاج إلى دليل يدل عليه، ولا دليل على ذلك. ولأنّ المعمول به في عصر الصحابة رضوان الله عليهم أنه كان إذا عفي عن المعتدي من قبل صاحب الحق أسقطت عنه العقوبة. فقد أخرج الطبراني: " أن علياً رضي الله عنه أُتي برجل من المسلمين قتل رجلاً من أهل الذمّة فقامت عليه البينة: فأمر بقتله، فجاء أخوه فقال: إني قد عفوت، قال: فلعلهم هددوك وفرقوك وقرعوك ؟ قال: لا، ولكن قتله لا يرد علي أخي، وعرضوا لي ورضيت، قال: أنت أعلم، من كان له ذمتنا فدمه كدمنا، وديته كديتنا " مما يدل على أن العفو عن المعتدي من قبل صاحب الحق يسقط عنه العقوبة.

وأما التعزير فهو عقوبة على معصية لا حد فيها ولا كفارة. فالمعصية إذا ارتكبت ينظر فيها، فإن كانت مما قدّر الله لها عقوبة معينة، أي كانت داخلة تحت الحدود، فإنّه يعاقب مرتكبها بالحد الذي شرعه الله ولا تعزير، وكذلك إن جعل لها كفارة معينة فإنّه يجبر مرتكبها على الكفارة. وأما إن لم تكن داخلة تحت الحدود، ولم يجعل الشارع كفارة لها، فإنها تدخل تحت عقوبة التعزير. وأما التعدي على البدن فلا تعزير فيه لأنّ عقوباته قد بينها الشارع.

والتعزير يختلف عن الحدود والجنايات فالحدود والجنايات عقوبات مقدرة معينة من الشارع، وهي لازمة ولا يجوز استبدالها ولا الزيادة والنقصان فيها، أما التعزير فهو عقوبة غير مقدرة بعينها، ولا لازمة بعينها. وأيضاً فإن الحدود والجنايات لا تقبل العفو، ولا الإسقاط من قبل الحاكم إلاّ العفو من صاحب الحق في الجنايات وهذا بخلاف التعزير، فإنّه يقبل العفو والإسقاط. فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يعزر من قال له: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله، وعفا عنه، مع أن القائل ارتكب معصية تستحق العقوبة. ثمّ إن الحدود والجنايات لا تختلف باختلاف النّاس، فجميع النّاس فيها سواء لعموم الأدلة بخلاف التعزير فإنّه يجوز أن يختلف باختلاف النّاس، فتراعى فيه عدم السوابق، وأصحاب السلوك الحسن، وغير ذلك، فقد ورد عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلاّ الحدود " والمراد بعثراتهم هنا مخالفتهم لأوامر الله ونواهيه، بدليل قوله " إلا الحدود " فهو قرينة على المعنى المراد، وعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الأنصار كرشي وعيبتي والناس سيكثرون ويقلون فاقبلوا من محسنهم وتجاوزا عن مسيئهم " والمراد بالتجاوز العفو، والمسيء يشمل مرتكب المعصية لأنّه مسيء. فهذا كله يدل على أن التعزير يصح فيه أن يختلف قدر العقوبة باختلاف أحوال النّاس وظروفهم، فيعاقب شخص على معصية بالسجن، ويعاقب شخص آخر على نفس المعصية بالتوبيخ، أو اللوم والتأنيب.

وأما عقوبة الدنيا فيقوم بها الإمام أو نائبه، أي تقوم بها الدولة، بإقامة حدود الله، وتنفيذ أحكام الجنايات والتعزير، وتنفيذ المخالفات. وهذه العقوبة في الدنيا للمذنب على ذنب ارتكبه تسقط عن المذنب عقوبة الآخرة، فتكون العقوبات زواجر وجوابر، أما كونها زواجر فلأنها تزجر النّاس عن فعل الذنوب وارتكاب الجرائم، وأما كونها جوابر فلأنها تجبر عقوبة الآخرة. فتسقط عن المسلم عقوبة الآخرة بعقوبة الدولة في الدنيا. والدليل على ذلك ما رواه البخاري عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: " كنا عند النبي ïپ² في مجلس فقال: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا ولا تزنوا، وقرأ هذه الآية كلها، فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله عليه إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه " . فهذا الحديث صريح في أن عقوبة الدنيا على ذنب معين، وهي عقوبة الدولة للمذنب، تسقط عنه عقوبة الآخرة، ومن أجل ذلك اعترف ( ماعز ) بالزنا فرجم حتى مات، واعترفت الغامدية بالزنا فرجمت حتى ماتت، واعترفت امرأة من جهينة بالزنا فرجمت حتى ماتت، وقال عنها رسول الله ïپ²: " لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم " فإن هؤلاء قد اعترفوا ليعاقبوا على الذنب من الدولة في الدنيا حتى تسقط عنهم عقوبة الآخرة، ولذلك تجد الغامدية تقول للرسول: " يا رسول الله طهرني ". وقد كان كثير من المسلمين يأتون إلى رسول الله ïپ² فيقرون بالجرائم التي ارتكبوها ليوقع عليهم الرسول الحد في الدنيا، حتى يسقط عنهم عذاب الله يوم القيامة، فيحتملون آلام الحد والقصاص في الدنيا، لأنّه أهون من عذاب الآخرة. وعليه فالعقوبات زواجر وجوابر.
وهذه العقوبات من الدولة على الذنوب والجرائم هي الطريقة الوحيدة لتنفيذ أوامر الله ونواهيه، فالله تعالى شرع الأحكام، وشرع أحكاماً أخرى لتنفيذها، وهي أحكام العقوبات، فأمر بالمحافظة على المال قال ïپ²: " لا يحل مال امرئ مسلم إلاّ بطيب نفسه " ، وقال: " إن دمائكم وأموالكم عليكم حرام " وشرع أحكام قطع اليد لتنفيذ أمر الله هذا، ونهى عن الزنا قال تعالى: ( ولا تقربوا الزنا )¨ وشرع أحكام الجلد والرجم لتنفيذ نهي الله هذا، وهكذا جميع الأوامر والنواهي جعل طريقة تنفيذها العقوبة على عدم التنفيذ من قبل الدولة، ومن هنا كانت طريقة تنفيذ أحكام الشرع عقوبة من لم ينفذها، أي عقوبة من خالفها بعقوبات محددة حددها، أو بجعله للحاكم تقدير عقوبتها.

العُقُوبَات

بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحيمِ
شرعت العقوبات لزجر النّاس عن الجرائم، قال الله تعالى: ( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب )¨ أي في شرع القصاص لكم، وهو قتل القاتل، حكمة عظيمة، وهي بقاء المهج وصونها، لأنّه إذا علم القاتل أنه يقتل إن كف عن صنعه، فكان في ذلك حياة للنفوس، ولأن الغالب من حال العاقل أنه إذا علم أنه إذا قَتل قُتل، أنه لا يُقدم على القتل، وهكذا جميع الزواجر. ومعنى كونها زواجر أن ينزجر النّاس.
والجريمة هي الفعل القبيح، والقبيح هو ما قبحه الشرع، ولذلك لا يعتبر الفعل جريمة إلاّ إذا نص الشرع على أنه فعل قبيح، فيعتبر حينئذ جريمة، وذلك بغض النظر عن درجة قبحه، أي بغض النظر عن كون الجريمة كبيرة أو صغيرة، فقد جعل الشرع الفعل القبيح ذنباً يعاقب عليه، فالذنب هو الجريمة بعينها.
وليست الجريمة موجودة في فطرة الإنسان، ولا هي مكتسبة يكتسبها الإنسان، كما أنّها ليست مرضاً يصاب به الإنسان، وإنما هي مخالفة النظام، الذي ينظم أفعال الإنسان، في علاقته بربه وبنفسه، وعلاقات النّاس بعضهم ببعض. وذلك أن الإنسان قد خلقه الله تعالى، وخلق فيه غرائز وحاجات عضوية، وهذه الغرائز والحاجات العضوية طاقات حيوية في الإنسان، تدفعه لأنّ يسعى لإشباعها. فهو يقوم بالأعمال التي تصدر عنه من أجل هذا الإشباع. وترك هذا الإشباع دون نظام يؤدي إلى الفوضى والاضطراب، ويؤدي إلى الإشباع الخاطئ، أو الإشباع الشاذ. وقد نظّم الله إشباع هذه الغرائز والحاجات العضوية، حين نظّم أعمال الإنسان. بالأحكام الشرعية، فبين الشرع الإسلامي الحكم في كل حادثة تحدث للإنسان، وشرع الحلال والحرام، ولهذا ورد الشرع بأوامر ونواه، وكلف الإنسان العمل بما أمر به، واجتناب ما نهى عنه. فإذا خالف ذلك فقد فعل القبيح، أي فعل جريمة، فكان لا بد من عقوبة لهذه الجرائم، حتى يأتمر النّاس بما أمرهم الله به، وينتهوا عما نهاهم عنه، وإلا فلا معنى لتلك الأوامر والنواهي، إذا لم يكن عقاب على مخالفتها. وقد بين الشرع الإسلامي أن على هذه الجرائم عقوبات في الآخرة، وعقوبات في الدنيا. أما عقوبة الآخرة فالله تعالى هو الذي يعاقب بها المجرم، فيعذبه يوم القيامة قال الله تعالى: ( يُعرَف المجرمون بسيماهم فيؤخذُ بالنواصي والأقدام )¨. وقال تعالى: ( والذين كفروا لهم نار جهنم )¨. وقال عز شأنه:( والذين يكنزون الذهب والفضة، ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بهم جباههم وجنوبهم وظهورهم، هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون)¨. وقال جلّ جلاله: ( وإن للطاغين لشر مآب، جهنم يصلونها فبئس المهاد )¨. ومع أن الله أوعد المذنبين بالعذاب، إلاّ أن أمر المذنبين موكول إليه تعالى إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، قال تعالى: ( إن الله لا يغفر أنْ يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء )¨. وتوبتهم مقبولة لعموم الأدلة.

الباب الثاني :الجنايات

الجنايات جمع جِناية، وهي لغة التعدي على بدن أو مال أو عرض، واصطلاحاً التعدي على البدن مما يوجب قصاصاً أو مالاً. وأطلقت على العقوبات التي توقع على هذا التعدي، فالجناية تطلق على نفس الجريمة، وتطلق على العقوبة التي توقع على هذه الجريمة، وتطلق على كسر السن، كما تطلق على القتل العمد، وتطلق على الجرح، كما تطلق على القتل شبه العمد وهكذا، فكل واحدة منها يقال لها جناية، وعقوبة كل واحدة منها جناية.

ومن أعظم الجنايات القتل، ومن أعظم الجنايات أيضاً عقوبة القتل. ومن أبرز الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة تحريم القتل بغير حق. وتحريم القتل ثابت بالكتاب والسنة. أما الكتاب فقد قال الله تعالى: ( ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلاّ بالحق، ومن قُتِل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً ) وقال تعالى: ( وما كان لمؤمن أن يَقْتُل مؤمناً إلاّ خطأ ) وقال تعالى: ( ومن يَقْتُل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً ) فهذه الآيات قطعية الثبوت قطعية الدلالة في تحريم القتل، فهو من الأحكام القطعية. وأما السنة فعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلاّ الله وأني رسول الله إلاّ باحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة " وعن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " لا يحلّ قتل مسلم إلاّ في إحدى ثلاث خصال: زان محصن فيرجم، ورجل يقتل مسلماً متعمداً، ورجل يخرج من الإسلام فيحارب الله عز وجل ورسوله " فهذا نص في تحريم القتل " لا يحلّ دم امرئ مسلم " " لا يحلّ قتل مسلم " فالقتل حرام، وحرمته مما هو معلوم من الدين بالضرورة.

**وهذه الأحاديث التي تنص على أن الرسول لم يحد حداً للخمر هي نفي وليس إثباتاً، فتحمل على أنه حسب علمهم لم يعرفوا أنه قد حدّ حدّاً معيناً، بدليل أن غيرهم قد روى أن الرسول قد حدّ حدّاً معيناً. مثل حديث أبي سعيد: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب في الخمر بنعلين أربعين " ومثل ما رواه أبو داود من حديث عبد الرحمن بن أزهر: " أنه صلى الله عليه وسلم أمر بجلد الشارب أربعين " فيكون من نفى تحديد الحدّ نفى بحسب علمه، فلا يعارض الحديث الصحيح الذي أثبت العدد. على أن هذه الأحاديث نفي وأحاديث الأربعين إثبات، والقاعدة الأصولية إذا تعارض النفي والإثبات قدم الإثبات على النفي، فتقدم الأحاديث التي تثبت حدّاً معيناً، على الأحاديث التي تنفي وجود حدّ معين. على أن إعمال الدليلين أولى ولذلك يحمل النفي على أنه حسب علمهم، وهذا لا ينفي أن غيرهم يعلم غير هذا، أي يعلم أن لحدّ الشرب حداً معيناً عينه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

ومن ذلك كله يتبين أن شارب الخمر يجلد أربعين جلدة عملاً بالأحاديث التي نصت على الأربعين، والتي نصت على أنه حول الأربعين. فيكون لحدّ الشرب حدّ معين هو الأربعون. وأما الدليل على أنه يجوز أن يزيد عن أربعين، ولكن لا ينقص عن الأربعين، فهو الأحاديث التي نصت على نحو الأربعين وهي حديث أنس: " فجلد بجريدتين نحو أربعين " وحديث النسائي: " ضربه بالنعال نحواً من أربعين " وحديث البيهقي: " فأمر نحواً من عشرين رجلاً فجلده كل واحد جلدتين " فإنها كلها تدل على أنه يجوز أن يكون قد جلد أقل من أربعين أو أكثر من أربعين، غير أنه لما كان قول الرسول " أربعين " قد ثبت في أحاديث متعددة فإن النص على الأربعين ينفي أن يكون أقل من أربعين فيمنع احتمال تفسير كلمة " نحو أربعين " بأقل من أربعين ويبقى معناها أربعين أو أكثر من أربعين، وهذا إشارة إلى جواز الزيادة على الأربعين، ويؤيده حديث الزهري بأنه عليه السلام " كان يأمر من حضر أن يضربوا بأيديهم ونعالهم حتى يقول لهم ارفعوا " فإنّه إذا قرن بالأحاديث التي تنص على " الأربعين " يفهم منه أنه لم يقل لهم ارفعوا قبل الأربعين ولكن يجوز أن يكون قد قال لهم ارفعوا بعد الأربعين، وعلى ذلك فإنّه تصح الزيادة على الأربعين. ولعل هذا هو الذي اختلف فيه الصحابة أي اختلفوا بمقداره، فإنا نجد عمر رضي الله عنه يستشير في حد شارب الخمر فعن أنس: " أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عهد عمر استشار النّاس، فقال عبد الرحمن أخف الحدود ثمانين فأمر به عمر " وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال: " شرب نفر من أهل الشام الخمر وتأولوا الآية الكريمة، فاستشار فيهم ( يعني عمر ) فقلت: أرى أن تستتيبهم، فإن تابوا ضربتهم ثمانين، وإلا ضربت أعناقهم لأنّهم استحلوا ما حرم، فاستتابهم فتابوا، فضربهم ثمانين ثمانين " فهذان الحديثان يدلان على أن عمر استشار الصحابة في مقدار حد الخمر، وإذا كان يمكن أن يقال إن عمر لم يستشر الصحابة في جلد هؤلاء الشاربين من النفر من أهل الشام حد الخمر، وإنما استشارهم فيما فعلوه من شرب الخمر ومن تأولهم الآية الكريمة، فالاستشارة قد وقعت في الشرب على أساس التأول وليس في حد الشارب، ولذلك أشار عليه علي بأن يستتيبهم لأنّهم أحلوا الحرام فإن لم يتوبوا قتلهم وإن تابوا جلدهم ثمانين. فيمكن أن يقال هذا عن استشارة عمر في حديث النفر من أهل الشام، ولكن حديث أنس صريح في أن الاستشارة في مقدار حد الشرب، ويدل عليه قول عبد الرحمن له " أخف الحدود ثمانين " فهو نص في أن الاستشارة في مقدار الحد. فكيف يستشير عمر في مقدار الحدّ، وأحاديث ضرب الشارب أربعين ونحو أربعين ثابتة ويعرفها عمر، فالاستشارة في مقدار الحد إذا قرنت بأحاديث الأربعين وأحاديث نحو الأربعين تدل على أنه كان يستشير فيما زاد على الأربعين، أي كان يستشير في ضرب الشارب فوق أربعين فأشار عليه عبد الرحمن بأن أخف الحدود ثمانين، وبذلك يظهر أمران: أحدهما أن الصحابة قد فهموا أنه يجوز زيادة الحدّ على أربعين، والثاني أن اختلاف الصحابة في مقدار حدّ الخمر إنما هو فيما زاد على الأربعين لا في الأربعين.

وأيضاً فقد روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: " ما كنت لأقيم حداً على أحد فيموت، وأجد في نفسي منه شيئاً إلا صاحب الخمر، فإنّه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله  لم يَسُنّه " وقد قال فيه أبو داود وابن ماجة: لم يسن فيه شيئاً إنما قلناه نحن. ومعنى لم يسنه يعني لم يقدره ولم يوقته بلفظه ونطقه. فهذا الحديث يقول فيه علي أن الرسول لم يقدر لحدّ الخمر مقداراً معيناً، في حين أن علياً نفسه يقول: " جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌ سُنّة " فكيف يتأتى أن يقول: " وذلك أن رسول الله لم يَسُنّه " مع أنه يقول: " جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين " إلاّ أن يكون قد قصد في قوله " لم يَسُنّه " أي لم يقدّر له حدّاً فيما زاد على الأربعين، فكأن البحث إنما هو فيما زاد على الأربعين، إذ مسألة الأربعين مبتوت فيها بالأحاديث التي جاءت نصاً صريحاً بها.

مقدار عقوبة شارب الخمر

عقوبة شارب الخمر من الحدود، فيجب الحد على من شرب الخمر، أي على من شرب أي شراب مسكر، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من شرب الخمر فاجلدوه " وقد ثبت أن كل مسكر خمر فيتناول الحديث قليله وكثيره. وقد انعقد إجماع الصحابة على أن للشراب حدّاً، وعلى جلد شارب الخمر، وقد اتفقوا على ثبوت حد الشارب، وأجمعوا على أنه لا ينقص عن أربعين.

والناظر في الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم في موضوع جلد شارب الخمر يجد أنّها تدل على أن شارب الخمر يجلد أربعين، وأنه يجوز أن تزيد على أربعين فأما الأحاديث الدالة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم جلد أربعين فقد أخرج مسلم في حديث حُضَين بن المنذر في جلد الوليد أن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: " جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سُنّة " وأخرج الترمذي عن أبي سعيد: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب في الخمر بنعلين أربعين " وعن أبي سعيد قال: " جلد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر بنعلين أربعين "، وعن أبي سعيد قال " جلد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر بنعلين أربعين، فلما كان زمن عمر جعل بدل كل نعل سوطاً " . فهذه الأحاديث صريحة في الدلالة على أن شارب الخمر يجلد أربعين، فإنها كلها تدل على الأربعين نصاً، ويكفي فيها حديث علي وهو قوله: " جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين " ويؤيدها في ذلك الأحاديث الدالة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم جلد نحواً من أربعين، فقد أخرج مسلم عن أنس قال: " أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتِيَ برجل قد شرب الخمر فَجُلِدَ بجريدتين نحو أربعين " وأخرج النسائي: " أن النبي صلى الله عليه وسلم ضربه ( أي شارب الخمر ) بالنعال نحواً من أربعين " وأخرج أحمد والبيهقي: " فأمر نحواً من عشرين رجلاً فجلده كل واحد جلدتين بالجريد والنعال " أي أن الرسول أمر نحواً من عشرين رجلا. فهذه الأحاديث لم تعين الأربعين تحديداً بل قالت نحواً من أربعين فيجوز أن تكون أكثر، ويجوز أن تكون أقل، غير أن أحاديث التحديد بالأربعين قد منعت أن تكون أقل من أربعين، لأنّها نصت على الأربعين، ولا يوجد أحاديث أخرى قد نصت على أقل من أربعين، فينفى احتمال أن يكون أقل من أربعين ويبقى احتمال أن يكون أكثر من أربعين، لأنّ اقتران قوله ( أربعين ) بقوله نحواً من أربعين ينفي النقصان عن الأربعين، وبذلك تكون هذه الأحاديث مؤيدة القول بأن الحدّ أربعون، ولكنها تعطي معنى آخر وهو جواز الزيادة على الأربعين، غير أن هناك أحاديث لم تبين عدداً معيناً للحدّ، بل جاءت تقول إن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر أن يضرب الشارب، ولم تبين مقدار ما يضرب. فعن أنس: " أن النبي صلى الله عليه وسلم  جلد في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين " . عن عقبة بن الحارث قال: " جِئَ بالنعمان أو ابن النعمان شارباً فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مَنْ كان في البيت أن يضربوه فكنت فيمن ضربه، فضربناه بالنعال والجريد " ، وعن السائب بن يزيد قال: " كنا نُؤْتى بالشارب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي إمْرَةِ أبي بكر وصدراً من إِمْرَة عمر فنقوم إليه نضربه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا، حتى كان صدراً من إِمْرَة عمر فجلد فيها أربعين، حتى إذا عتوا فيها وفسقوا جلد ثمانين " . وعن الزهري: " أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفرض في الخمر حدّاً، وإنما كان يأمر من حضره أن يضربوه بأيديهم ونعالهم حتى يقول ارفعوا " وأخرج أبو داود بسند قوي عن ابن عباس: " أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوقت في الخمر حداً " ، وأخرج النسائي عن ابن عباس: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَقِتْ في الخمر حدّاً " ، وكلمة يقت من التوقيت أي لم يقدره بقدر، ولم يحدّه بحدّ. فهذه الأحاديث لم تذكر حدّاً معيناً لشارب الخمر، بل إن بعضها صرح بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفرض في الخمر حداً. وهذا يعني أن تحديد الجلد بعدد معين أي بأربعين لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهو يعارض تحديد الحد بأربعين. بل إن الأحاديث تنفي صراحة تحديد الحدّ بـعدد معين، فيكون ذلك معارضاً لتحديد الحدّ بأربعين وتكون هذه الأحاديث معارضة للأحاديث التي حددت الحدَّ بأربعين. والجواب على ذلك بالنسبة للأحاديث التي لم تذكر عدداً معيناً تعتبر من قبيل المطلق، أي كأنها تقول إن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بضرب شارب الخمر، ولم تذكر مقدار ما أمر أن يضربه من الحدّ. فحديث أنس يقول: " جلد في الخمر بالجريد والنعال " فهو مطلق، وحديث عقبة يقول: " فأمر رسول الله من كان في البيت أن يضربوه " فهو مطلق، فهذان الحديثان واضح فيهما أنهما من قبيل المطلق، وإذا ورد نص مطلق من قيد عدد أو صفة، وورد نص مقيد بعدد أو صفة فإنّه يحمل المطلق على المقيد ويسري القيد على الجميع، وهنا ورد نص مطلق من غير أن يقيد بعدد، وورد نص مقيد بعدد معين، فإنّه من غير شك يحمل المطلق على المقيد، فتحمل الأحاديث التي لم تذكر العدد على الأحاديث التي ذكرت العدد. وأما حديث السائب فإنّه يدل على أنهم كانوا يضربونه من غير التقيد بعدد معين فهو ليس من قبيل المطلق بل من قبيل الإخبار بأنه لم يكن لحدّ الخمر مقدار معين فهو مثل الأحاديث التي بعده أي مثل حديث الزهري وابن عباس.