نظرات في التاريخ أو عودة إلى كتابة التاريخ

**وللوصول إلى إعادة التشكيل الثقافي، وفق النمط الغربي، كان لا بد أيضاً من إلغاء عملية التواصل الفكري والثقافي بين الأجيال، ومحاولة فصل الحاضر عن الميراث الثقافي، وذلك بالتقليل من قيمته، والقيام بعملية التقطيع والتجزيء، أو قراءته بأبجدية النسق الغربي، وتفسيره تفسيراً مذهبياً، لا تفسيراً منهجياً من خلال قيمه التي صدر عنها، أو القيام بعملية الانتقاء من التراث الفكري، والأدبي، للمواضع التي تهز ثقة المسلم بتراثه، والاقتصار على إبراز النقاط السود، والتضخيم لحركات الرفض والخروج، والعناية بفكرها وطروحاتها، أو بمحاولة محاصرة اللغة العربية، التي تعتبر من أهم أدوات التوصيل والنقل التراثي، وذلك بتسييد العامية، والتشجيع عليها، إلى درجة الكتابة بها، وإلغاء الحرف العربي من لغات شعوب العالم الإسلامي، الذي يشكل حلقة التواصل الأساسية مع الموروث الثقافي والحضاري، لقطع الجيل عن ماضيه، وعزل اللغة العربية عن المعاهد، والمدارس، والجامعات، وتدريس العلوم باللغات الأوروبية، في محاولة ماكرة للتفريق بين لغة العلم ? وهي طبعاً الأوروبية لأنها لغة المنجزات العلمية الحديثة في الهندسة، والطب، والعلوم، والحاسبات الإلكترونية، فالكتب المدرسية والمصادر والمراجع لا تتحقق إلا بها! - وبين لغة الدين، وهي العربية التي يجب أن تحاصر في المساجد والمعابد وأداء المناسك والشعائر! وترسيب القناعة بأن العربية هي من أسباب التخلف العلمي في العالم الإسلامي، وحتى تتم التنمية ويحصل النهوض لا بد من لغة للمعهد، هي الأوروبية، وأخرى للمعبد، وهي العربية، وبذلك تكون الأوروبية لغة العلم، وتنتهي العربية إلى ألفاظ عبادية نفتقد معانيها شيئا فشيئاً، لقلة الاستعمال، وتنزوي في المعابد، شأنها شأن اللغات القديمة كالسريانية وغيرها، التي اقتصرت في نهاية المطاف على رجال الدين وبعض زوار المعابد الذين يرددونها بلا فهم ولا إدراك. والمشكلة أن هذه المحاولة الماكرة بدأت تتسرب إلى رأس كثير من الذين يشغلون مناصب مؤثرة في صنع القرار التربوي، والسياسي، في العالم الإسلامي. ولعلها في مغرب العالم الإسلامي أكثر وضوحاً وبروزاً منها في مشرقه.

وأكتفي في هذا المجال بالإشارة إلى أسبوع المحاضرات الذي نظمه المستشرقون المقيمون في تونس في معهد قرطاج التبشيري منذ سنة 1907م، وأصدروا فيه بيان موت اللغة العربية، والذي أعلن أن الشعوب المغربية لا يمكن لها أن تحقق التقدم، إلا من خلال تخليها عن اللغة العربية، واعتناق الفرنسية، كوسيلة للثقافة والحضارة والعلم. هذا من جانب ومن جانب آخر نرى المحاولات المستميتة لإحياء اللهجات واللغات القديمة، التي توشك على الانقراض، ومحاولة إحلالها محل العربية، وإقامة كراسي في الجامعات والمعاهد الأوروبية لإحيائها، وتقديم رسائل الماجستير والدكتوراه في دراساتها، ومحاولة وضع معاجم لها، ولعل قسم دراسات اللغة البربرية الذي أقامته فرنسا في السوربون مؤخراً خير شاهد لذلك، فالعربية لا تصلح لغة العلم، أما اللغات المنقرضة التي تم إحياؤها لمحاربة العربية وإثارة النعرات الإقليمية، التي تمزق عالم المسلمين، فتقام لها المراكز وتؤسس لها المعاهد، وتوضع لها المعاجم!

يضاف إلى ذلك تشجيع النماذج والأعمال الفكرية التي تسير وفق النمط الغربي، أو تحاكي مناهج الغرب، وتغادر أصولها المنهجية، ونسقها الثقافي، باسم الحداثة والتجديد، والتخلص من قواعد اللغة، التي تحبس انطلاق المعاني، وعمود الشعر التقليدي الذي يحول دون الدفقة الشعورية، والترويج لأصحاب هذا اللون من الإنتاج الفكري، واعتبارهم طلائع التحرر والتقدم والتنوير.

والحقيقة التي لا مناص من الاعتراف بها، أن إنتاج المستشرقين الذي يملأ الساحة الفكرية والأكاديمية اليوم، ويشكل المرجع والمصدر والمنهج، جاء ثمرة لغيابنا العلمي، وتخاذلنا الثقافي، ومواجهتنا العابثة التي لم تكلفنا شيئاً. . اكتفينا بالجلد، والإدانة، والتفاخر، والتعالي بالأصوات، والخطب الحماسية، بينما انصرف المستشرقون للإنجاز والإنتاج، والتصنيع الفكري، والتسويق في بلادنا الخالية من إنتاجنا. . فنحن نحاول أن نغطي عجزنا بإلقاء التبعة على الآخرين، وبقيت أنظارنا موجهة إلى الخارج، دون أن ننظر، ولو مرة واحدة، إلى الداخل الذي استدعى ذلك الخارج ومكن له.

لقد نشر المستشرقون، وحققوا عدداً ضخماً من المؤلفات العربية، لا تزال مرجعاً للباحثين والدارسين من الأوروبيين، والعرب أنفسهم.. ولم يكتفوا بالتحقيق والنشر لأمهات الكتب، في السيرة، والتاريخ، وعلوم القرآن، والتراجم، والملل والنحل، والنحو، والتفسير، بل تجاوزوا ذلك إلى التأليف في الدراسات العربية والإسلامية، حتى بلغ عدد ما ألفوه في قرن ونصف - منذ أوائل القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين ? ستين ألف كتاب في التاريخ والشريعة، والفلسفة، والتصوف، وتاريخ الأدب، واللغة العربية.

يتبع >>>>>>>>6**

نعود إلى القول: بأن الاستشراق بدأ خطواته الأولى باتجاه العقل الأوروبي ليحول بينه وبين اعتناق الإسلام، فكانت الترجمات الأوروبية المبكرة للقرآن الكريم، والسيرة، ومن ثم بدأت الدراسات التاريخية والاجتماعية والتراثية بعامة، في المعاهد والجامعات والمراكز العلمية، التي أنشئت لتخريج القناصل والسفراء، والكتبة، والجواسيس ، لتأمين مصالح بلادهم، وتوفير المعلومات عن بلاد العالم الإسلامي، وإقامة مراكز لدراسة هذه المعلومات، وتحليلها، لتكون بمثابة دليل للاستعمار، في شعاب الشرق وأوديته، من أجل فرض السيطرة الاستعمارية عليه، وإخضاع شعوبه، وإذلالها، وارتهانها للثقافة الغربية، والوصول بها إلى مرحلة العمالة الثقافية.. لذلك، لم يقتصر الاستشراق على مخاطبة العقل الأوروبي، كما لم تقتصر كتابات المستشرقين ودراساتهم على حماية الأوروبي من اعتناق الدين الإسلامي، وإن كان ذلك هو الهدف الأول، وإنما تجاوزت إلى محاولة إلغاء النسق الفكري الإسلامي، ومحاولة تشكيل العقل المسلم، وفق النسق الغربي الأوروبي، وإنجاب تلامذة من أبناء العالم الإسلامي، لممارسة هذا الدور والتقدم باتجاه الجامعات والمعاهد ومراكز الدراسات، والإعلام، والتربية في العالم الإسلامي، لجعل الفكر الغربي والنسق الغربي هو المنهج، والمرجع، والمصدر، والكتاب، والمدرس في كثير من الأحيان.
لذلك نرى أن علماء الاجتماع، والنفس، والتربية، هم الذين يمثلون الصورة الأحدث للمستشرقين، في الوقت الذي يمارس فيه الخبراء الذين يُستوردون إلى عالمنا، التسويق الثقافي.. فالصورة التي ترسمها وسائل الإعلام اليوم، والقرارات التي يتخذها أصحاب السلطان، التي تخص العالم الإسلامي، هي من صناعة علماء الاجتماع وتسويق الخبراء.
لقد تطورت أهداف وأساليب الاستشراق تطوراً مذهلاً، وإن كان الكثير منا لا يزال مصراً على المرابطة في المواقع القديمة والمحاربة في المعارك المنتهية، التي مضى عليها أكثر من نصف قرن على أحسن الأحوال، والخروج من الزمان والمكان. كذلك، فالقول بأن المستشرقين يكتبون لأبناء جلدتهم، إن صدق هذا، فإنه يصدق على مرحلة البدايات الاستشراقية التي ما نزال نقف عندها، أما تعميمه على كل إنتاج المستشرقين ففيه الكثير من المجازفة.
لقد اهتم المستشرقون بالتشكيل الثقافي للأمة المسلمة في ضوء رؤية معينة، وخطة مدروسة، لذلك ولجوا جميع الميادين، وحاولوا الوصول والتحكم بالموارد الثقافية كلها، وبحثوا ونقبوا وأثبتوا وجهة نظرهم، وتفسيرهم، في الكثير من القضايا المعرفية، إلى درجة يمكن معها القول: بأن الاستشراق استطاع أن يملي على الكثير منا وجهة نظره، في مجالات متعددة، بشكل أو بآخر، وإن كان مدى التأثير يختلف من شخص إلى آخر.
لقد كتبوا في الأدب، واللغة، والتاريخ، والثقافة، في محاولة لبناء الذهنية الإسلامية وفق النمط الغربي، من خلال المناهج ومصادر الدراسة، ومراجع البحوث، في الجامعات والمدارس، ومن خلال عملية الابتعاث والتلمذة على أيدي أساتذة الأقسام العربية والدراسات الشرقية، في الجامعات الأوروبية والأمريكية، لذلك نرى الكثير من المثقفين، لا يدركون أنفسهم إلا من خلال رؤية الآخرين، فلم يعد في وسع الكثير منهم أن يكتب عن التراث، والتاريخ، والأدب، دون الرجوع إلى كتابات المستشرقين، وأصبحت الموارد الفكرية الخارجية هي التي تصنع الثقافة الداخلية، أو أصبح الخارج هو الذي يتحكم بالداخل الإسلامي، بسبب من مركب النقص، وعقدة تفوق الآخر، الأمر الذي يؤدي إلى الاستلاب الحضاري، وذلك بتسليط نمط الحياة والعلاقات الاجتماعية الغربية، وصولاً إلى السيطرة الفكرية الكاملة.
ولما كان هذا الاستلاب يمكن أن يكون من المنبهات والاستفزازات الحضارية، خاصة بالنسبة لأمة تمتلك شخصية حضارية تاريخية، ولا تزال تحتفظ بخميرة الإمكان الحضاري، عدل المستشرقون بأساليبهم المتطورة، عن الطرح المباشر، إلى محاولة تحييد الإسلام عن واقع الحياة، والدعوة إلى العلمانية.
ولما اكتشف مدلول مصطلح العلمانية، وأنه كلمة حق أريد بها باطل، وأنها تعني فيما تعني: اللادينية، وإسقاط الأديان من البناء الحضاري والثقافي للأمة، كان لا بد من التفتيش عن البديل، فطرح مصطلح العقلنة والعقلانية، إذ كيف لا يقبل المصطلح والإسلام دين العقل!؟ ولما سقط، طرح فصل الدين عن الدولة، في العالم الإسلامي. . كان البديل جاهزاً أيضاً: إن المطلوب اليوم هو فصل الدين عن السياسة أو عدم تسييس الدين.
يتبع >>>>>>>>>5

**والذي ينظر اليوم إلى دوائر المعارف، والموسوعات التي شكلت لإنجاز الفقه الإسلامي بشكل عصري، يمكّن من الإفادة منه، أو إلى مراكز بحوث السيرة والسنة، في أكثر من بلد إسلامي، وما وضع تحت تصرفها من الإمكانات، ومضيّ السنين الطويلة وهي لا تزال دون إنجاز يذكر، في الوقت الذي نرى أنفسنا مضطرين إلى الرجوع والنظر في موسوعة المستشرقين “المعجم المفهرس لألفاظ الحديث” للتعرف على ما نريده، على الرغم من رأينا فيهم؛ يدرك خطورة التخاذل الفكري، وخطورة الادعاء والتفاخر، والفراغ الرهيب، الذي مكن المستشرقين وغيرهم من احتلال عقولنا واستلابنا الحضاري.

وليست مجامع اللغة العربية، التي تحبس نفسها اليوم في مجادلات عقيمة على حساب الإنتاج المطلوب في معركة التعريب والمعاجم، بأحسن حالاً من موسوعات الفقه، ومراكز السيرة والسنة. وحسبنا أن نقول: بأننا إلى اليوم لم ننتج معجماً للغة، يناسب ابن العصر الحاضر من خلال تقدم وسائل الطباعة والفهرسة والألوان، ولا نزال إذا أردنا أن نفتش عن معنى لفظة نضطر لتجريدها إلى مادتها الأصلية، وتحديد الباب والفصل، ومن ثم الرجوع إلى المعجم، بعد هذه الرحلة المضنية، التي قد يعزف المثقف معها عن الرجوع إلى المعاجم، في الوقت الذي تطورت خدمة اللغات ووسائل تعليمها ومعاجمها، إلى درجة مذهلة، بل يمكن أن نقول: إننا كنا الأقدر على نقد المعاجم العربية التي وضعتها المؤسسات التبشيرية ? مثل المنجد للأب لويس معلوف والأكثر عجزاً في وضع معجم مناسب، ولا يزال الكثير منا في المدرس والمعاهد يرجع إلى المنجد على كره منه حيث يفرض وجوده، لأنه الأيسر.

لقد نجحت العقلية الأوروبية الاستشراقية، في فرض شكليتها وآليتها على التحقيق، والتقويم، والنقد، والسيطرة على مصادر التراث العربي الإسلامي. . وعن طريق الاستشراق والمستشرقين، بادرت إلى التحقيق والطبع والنشر لمجموعة من أكبر وأهم المصادر التراثية. وعلى الرغم من أن بعض الدراسات كانت تقترب من صفة النزاهة والحياد، إلا أنها في النهاية، وبكل المقاييس تبقى مظهراً من مظاهر الاحتواء الثقافي.

لقد نجحت العقلية الأوروبية ? كما أسلفنا ? في فرض شكلية معينة من التحقيق والتقويم ومناهج النقد، ويمكن القول: بأن معظم الكتابات العربية المعالجة للتراث، قد سارت على هذا النهج في التاريخ والأدب وغيره، ولم تتجاوزه إلا في القليل النادر، وانتهت إلى إيجاد ركائز عربية معبرة عنها، ومتبنية لوجهة نظرها، ومدافعة عن المواقع الثقافية التي احتلتها. . حتى في الجامعات، والمؤسسات العلمية، لا يزال الخضوع والاحتكام للقوالب الفكرية، التي اكتسبها بعض المثقفين العرب من الجامعات الأوروبية. لقد ارتهنوا للمنهج والمصدر في آن واحد.

صحيح أن الاستشراق خرج من المناخ الثقافي للاهوت الغربي بكل مكوناته، وتأسس واستمر ضمن إطار المناخ الاستعماري، وبدأ خطواته الأولى باتجاه العقل الأوروبي، ليحول بينه وبين اعتناق الإسلام، لذلك جاءت معظم الدراسات والكتابات باللغات الأوروبية، ولمخاطبة أبنائها، وجاء جل هذه الدراسات، إن لم نقل كلها، محكومة بدوافعها وأهدافها بعيدة عن التزام الموضوعية والعلمية، لأن التزام الموضوعية سوف يفوت غرضها، ذلك أن التزام الموضوعية، سيكون بلا شك في صالح الإسلام، بوصفه دين الله الحق، البعيد عن مواضعات البشر وأخطائهم وتأثراتهم.

وهنا قضية لا بد أن نتنبه لها، لأنها قد تغيب عن أذهان كثير منا، ممن يعرضون لموضوع الاستشراق بشكل خاص، أو القضايا الفكرية والثقافية بشكل عام، وهي أن الإنتاج الفكري - والاستشراق بعض منه - هو في الحقيقة يمثل الوليد الطبيعي والشرعي للثقافة التي تنتجه ويربى في مناخها، فالمفكر هو إلى حد بعيد رهين الثقافة التي ينشأ فيها، وليس وليداً للموضوع المدروس، أو المطروح، باعتباره صاحب الحق الأول في الاهتمام والدراسة.

لذلك لا يستطيع أي مستشرق أن يتناول موضوعاته دون أن يخضع للقوالب والحدود الفكرية والعلمية، المفروضة عليه مسبقاً، بسبب من ثقافته التي يصعب عليه الانفلات منها.

لذلك قد يكون من الصعوبة بمكان وضع حدود فاصلة وواضحة بين الاستشراق، والتبشير، والاستعمار.

والذين يجهدون أنفسهم في التفريق، بين الاستشراق، والتبشير، والاستعمار، ليقيموا بذلك الجسور الثقافية الغربية إلى الداخل الإسلامي، كالذين حاولوا ? ولا يزالون ? إيجاد الفوارق، بين الصهيونية واليهودية، وكم تكون مأساتنا كبيرة إذا اكتشفنا أن هذا التفريق في النهاية ليس من اختراعنا واكتشافنا، وإنما هو من جملة الفخاخ الثقافية التي نقع فيها.

يتبع >>>>>>>>>4**

**إننا لا نزال في مرحلة العجز عن تمثل تراثنا بشكل صحيح، ومن ثم القدرة على غربلته وفحصه، والإفادة من العقلية المنهجية، التي أنتجته، والقدرة على إنتاج فكري معاصر يوازيه، من خلال الاهتداء بالقيم المحفوظة في الكتاب والسنة، حيث لا يزال بعضنا يصر حتى اليوم على نقل القدسية من الكتاب والسنة المعصومين، إلى أقوال واجتهادات البشر الفقهية والفكرية، وفعلهم التاريخي، وبذلك يلغي عقله تماماً، ويسقط في فخاخ التقليد الجماعي، ويقف أمام هذا التراث للتبرك والمفاخرة، دون أن تكون لديه القدرة على العودة إلى الينابيع التي استمد منها، فينتج تراثاً معاصراً، قادراً على قراءة مشكلات العصر، وتقديم الحلول الشرعية لحركة الحياة، ويفكر بوسائل تنزيل الإسلام على الواقع وتقويم الواقع به.

والمظهر الآخر للعجز نفسه يتمثل في فريق آخر، يحاول القفز من فوق الفهوم السابقة، والتراث الفقهي والفكري، ضارباً عرض الحائط هكذا بحكم عام، وعامي في الوقت نفسه، بكل الإنتاج الفكري، والحضاري الإسلامي، بدعوى التناول المباشر من الكتاب والسنة، دون امتلاك القدرة على ذلك. فكيف يمكننا - وهذا موقعنا وواقعنا - أن نمتلك الشوكة الفكرية، التي تمكننا من النزول إلى معركة الصراع الحضاري الفكري، ونأمل أن نحقق فيها انتصارات للإسلام والمسلمين؟

وقد نلاحظ هنا أن الكثير منا لا يزال مولعاً بالمعارك القديمة، التي انتهت بأصحابها وأهدافها وأسلحتها وزمانها، ومع ذلك فهو يصر على دخول المعركة المنتهية، ويستنزف طاقاته، وطاقات من يستمعون إليه فيها، ويحاول أن يحقق انتصارات في الفراغ، بعد أن تطورت المعركة، وتطورت أسلحتها، وتغير أشخاصها، وتبدلت ساحاتها، وبلغت أبعاداً وأمداء تفعل فينا فعلها، لكننا سوف لا ننتبه إليها إلا بعد فوات الأوان، ولا ندخل ساحتها إلا بعد أن تكون قد أدت أغراضها، وحققت أهدافها.

لقد دخلنا المعارك القديمة، ولا نزال ندخلها، وننشغل بها، على حساب الحاضر وما يدور فيه، والمستقبل وما يخطط له، ويمكننا هنا أن نقول: بأننا سوّقنا لأفكار المستشرقين عن حسن نية، وعملقنا أشخاصهم، دون حسابات دقيقة للآثار السلبية على أكثر من صعيد، لما يترتب على ذلك، وكأننا لكثرة ما نبدي ونعيد في هذه الموضوعات، ونكتب ونخطب، نوحي أننا ما زلنا دون مرحلة النصر، أو على أحسن الأحوال، لانزال نعاني من آثار الهزيمة الفكرية التي تعيش في أعماقنا، إلى جانب ما يمكن أن تورثه تلك المعارك من قدرة الخصم على التحكم بمسار تفكيرنا، ونشاطنا العقلي، لأنه يكفي أن يلقي إلينا ببعض التشكيكات، ليستثيرنا ويحول جهودنا وطاقاتنا إلى تلك المواقع الدفاعية، فينفرد هو بالتخطيط لتحقيق أهدافه، وكلما حاولنا أن ننتبه، ينتقل بنا من مشكلة إلى أخرى. فنبقى دائماً في مجال رد الفعل، ونعجز دائماً عن الفعل، ذلك أن رد الفعل يملكنا، بينما نحن الذين نملك الفعل.. وسوف تبقى هذه المواقف الدفاعية، والأفكار الدفاعية، على حساب البناء الداخلي، والإنجاز الأهم. ونحن هنا لا نقول: بأن الدفاعات غير مطلوبة، والحراسات لا قيمة لها، وإنما الذي نريد أن نوضحه: أنها عند الأمم التي تبصر مهامها تماماً، وتدرك مشكلاتها حقيقة، تقدر بقدرها.

ولنا في منهج القرآن خير دليل. . فلو أن القرآن الكريم استجاب لكل تمحلات الكافرين وشكوكهم وشبههم، لكانت آياته جميعها تمثل رد الفعل، والاستجابة لطلبات الكافرين، ولما تفرغ لبناء أمة، وإنجاز حضارة. . والذي نلمحه من منهج القرآن في ذلك، أنه طرح من الحقائق والأدلة ما يكفي لمن يريد الاستدلال، والذي لا يستدل بما طرحه من آيات وأدلة، فلن يستدل، فالمشكلة لم تعد في الدليل، وإنما بعناد المستدل الذي لا بد من تجاوزه، إلى مرحلة البناء المرصوص، بحيث لا يوجد بعد ذلك مداخل وفراغات يملؤها الأعداء.

ومن جانب آخر، فلعل الأساليب الدفاعية، أو الأفكار الدفاعية تشكل نوعاً من الراحة النفسية، لأنها في النهاية تعني فيما تعني إعفاء النفس من المسؤولية وإيجاد الذريعة لها عن عملية البناء، والواجب الحضاري المطلوب والغائب.

فإذا كان الكثير منا، على مستوى الأفراد، والمعاهد، والمؤسسات الأكاديمية، لا يزال يعيش على مائدة المستشرقين، لفقر المكتبة الإسلامية للكثير من الموضوعات التي سبقنا إليها في مراحل السبات العميق، وإذا كان مناهج النقد والتحليل، وقواعد التحقيق، ووسائل قراءة المخطوطات، من ابتكارهم، ووضعهم، فلا بد أن يصدق فينا قوله تعالى: ((فلا تلوموني ولوموا أنفسكم)) [إبراهيم:22] إلى حد بعيد.

وإذا تجاوزنا جهود علمائنا الأقدمين، في تدوين السنة من خلال وسائل عصرهم، وتأسيس ضوابط النقل الثقافي، وقواعد الجرح والتعديل، وتأصيل علم مصطلح الحديث، الذي حفظ لنا السنة، والذي كان من عطاء منهج القرآن في الحفظ والتدويل للوحي، فإننا لا نكاد نرى اليوم فيما وراء الشرح والاختصار، سوى النقل لجهود السابقين من الخطوط اليدوية إلى حروف الطباعة. فقد اقتصر عمل معظم المشتغلين بالحديث والسنة عندنا على تحقيق بعض الأحاديث تضعيفاً وتقوية، لإثبات حكم فقهي أو إبطاله، أو إثبات سنة، في مواجهة بدعة، وهذا العمل على أهميته وضرورته يبقى جهداً فكرياً فردياً دون سوية البعد المطلوب، الذي يمكّن من الانتفاع بكنوز الميراث الثقافي.

يتبع >>>>>>>>>3**

**وأمر لا بُدّ من التنبيه له:
المنهج في كتابات الغربيين عن التاريخ الاسلامي
بقلم: الدكتور عبد العظيم الديب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأنزل القرآن مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه، وبدأ الوحي بالكلمة: اقرأ، وجعل الجهاد الفكري، أو المجاهدة بالقرآن، وبناء الشوكة الفكرية هي أعلى أنواع الجهاد وأسماها، لأن الساحة الفكرية هي ميدان المعركة الحقيقي بين الإسلام وخصومه قال تعالى: ((فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً)) [الفرقان:52].
واعتبر الحوار والمناظرة والمجادلة بالتي هي أحسن الطريق الأمثل لنشر الدعوة ونصرها، وتحقيق الاقتناع الذي يتشكل في الأعماق، فيولد الإيمان، الذي لا يمكن أن يفرض بالإكراه.
والصلاة والسلام على الرسول القدوة، الذي كانت سيرته وقيادته أنموذجاً لدولة الفكرة دولة الشورى السياسية، والعدالة الاجتماعية، والحرية الإنسانية، وكان كل مطلبه إيصال الفكرة وكلمة الحق: “خلوا بيني وبين الناس”، وكان كل جهد الكفار الحيلولة دون وصول كلمة الحق إلى آذانهم والشغب عليها، لأنها ستهزمهم: “وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون” [فصلت:16]. .
وبعد:
فهذا كتاب الأمة السابع والعشرون: “المنهج في كتابات الغربيين عن التاريخ الإسلامي” للدكتور عبد العظيم الديب، في سلسلة الكتب التي يصدرها مركز البحوث والمعلومات، برئاسة المحاكم الشرعية، والشؤون الدينية، بدولة قطر، مساهمة في تحقيق الوعي الحضاري، والتحصين الثقافي، وإعادة بناء الشخصية المسلمة، وترميم عالم الأفكار، وتنقية الموارد الثقافية، وامتلاك القدرة على الاجتهاد، وإيجاد الأوعية الفكرية لحركة الأمة، وتنزيل الإسلام على واقع الناس، وتقويم سلوكهم به، بعد أن افتقدت تلك الشخصية الكثير من فعاليتها، ومنهجيتها، وصوابها، وانحسر شهودها الحضاري، وعجزت عن التعامل مع قيم الكتاب والسنة، وانتهت إلى التقليد الجماعي، والتخاذل الفكري، سواءً أكان هذا التقليد في الهروب إلى ملاجئ التراث الذي لا يخرج في النهاية عن أن يكون اجتهادات بشرية قابلة للخطأ والصواب، على أحسن الأحوال، جاء ثمرة لمشكلات العصر الذي نشأت فيه ? كنوع من التعويض عن مركب النقص، وحماية الذات، وأخذ جرعات من الاعتزاز والفخر بالتاريخ وإنجاز الأجداد، أم كان باللجوء إلى استيراد البديل الأسهل من الخارج الإسلامي، ومحاولة إيجاد الحلول في أوعية الآخرين الفكرية.
ولا شك أن الاستشراق كان ولا يزال يشكل الجذور الحقيقية، التي تقدم المدد للتنصير والاستعمار، والعمالة الثقافية، ويغذي عملية الصراع الفكري، ويشكل المناخ الملائم لفرض السيطرة الاستعمارية على الشرق الإسلامي، وإخضاع شعوبه، فالاستشراق هو المنجم، والمصنع الفكري، الذي يمد المنصرين والمستعمرين، وأدوات الغزو الفكري، بالمواد التي يسوقونها في العالم الإسلامي، لتحطيم عقيدته، وتخريب عالم أفكاره، والقضاء على شخصية الحضارة التاريخية.
لقد تطورت الوسائل، وتعددت طرق المواجهة الثقافية الحديثة، ويكفي أن نشير إلى أن مراكز البحوث والدراسات، سواءً أكانت مستقلة، أم أقساماً للدراسات الشرقية في الجامعات العلمية، وما يوضع تحت تصرفها من الإمكانات المادية، أو المبتكرات العلمية، والاختصاصات الدراسية، تمثل الصور الأحدث في تطور الاستشراق، حيث تمكّن أصحاب القرار من الاطلاع والرصد لما يجري في العالم يومياً.
ففي القارة الأمريكية وحدها حوالي عشرة آلاف مركز للبحوث والدراسات، القسم الكبير منها متخصص بشؤون العالم الإسلامي. . وظيفة هذه المراكز: تتبع ورصد كل ما يجري في العالم ومن ثم دراسته وتحليله، مقارناً مع أصوله التراثية التاريخية، ومنابعه العقائدية، ثم مناقشة ذلك مع صانعي القرار، لتبنى على أساسه الخطط وتوضع الاستراتيجيات الثقافية والسياسية، وتحدد وسائل التنفيذ.
لقد أصبح كل شيء خاضعاً للدراسة والتحليل، ولعل المختبرات التي تخضع لها القضايا الفكرية والثقافية، وجميع الدراسات الإنسانية اليوم، توازي المختبرات التي تخضع لها العلوم التجريبية، إن لم تكن أكثر دقة واهتماماً، حيث لم يعد مجال للكسالى والنيام، والمتخاذلين والأغبياء في عالم المجدين الأذكياء.
لقد اكتفينا نحن مسلمي اليوم بمواقف الرفض والإدانة، للاستشراق والتنصير، اكتفينا بالانتصار، والانحياز العاطفي للإسلام، وخطبنا كثيراً وانفعلنا أكثر، ولم تعْلُ إلا أصواتنا، ولا نزال نحذر من الغارة على العالم الإسلامي، القادمة من الشرق والغرب، ومن المخططات الصهيونية الماكرة والصليبية الحاقدة، لقد أصبح ذلك يشكل عندنا مناخاً ثقافياً، وإرثاً فكرياً، وطريقاً أمثل للوصول إلى المناصب والزعامات، دون أن تكون عندنا القدرة على إنضاج بحث ذي قيمة في الموضوع، أو إيجاد خطة أو وسيلة مدروسة في المواجهة، أو محاولة جادة لتقديم البديل الصحيح للسيل الفكري والثقافي، والإعلامي، والأكاديمي، القادم من هناك، إلا من رحم الله من جهود فردية تمثل إضاءات، كما أنها تمثل في الوقت نفسه إدانات لهذا الفراغ، والادعاء، والعجز، والتخاذل الفكري.
يتبع >>>>>>>>>2**

**فمما لا شك فيه أن اللغة أمر كسبي، بمقدور كل إنسان أن يتعلمها ويبدع فيها، والواقع يؤيد ذلك، ويؤكده، على مستوى اللغات جميعاً. ولو أخذنا ما يهمنا هنا، اللغة العربية، لأمكننا القول:

إن الكثر من أئمة، اللغة بصرفها، ونحوها، وفقهها، هم من الأعاجم، الذين أسلموا وتعلموا العربية، ولسنا بحاجة هنا، لذكر أولئك الأئمة، فالذي يمتلك حداً أدنى من الثقافة، أو يستخدم القدر الأقل من المراجع اللغوية، سيراهم موجودين أمامه باستمرار.. ولا أدري، إذا افترضنا أن اللغة لا يمكن معرفتها، وإدراك أسرارها إلا من أبنائها، ماذا سيكون موقفنا من الخطاب القرآني العالمي، الذي يتوقف فهمه على معرفة اللغة العربية، وإدراك معهود العرب بالخطاب؟ وكيف يمكن أن يتم التكليف، وتبنى أمة مسلمة - واللغة من أهم عوامل التفاهم والتواصل وبناء الثقافة، وصياغة الشعور، وترتيب التفكير - إذا قررنا أن اللغة وقف على أبنائها فقط؟ وما مصير المكتبة اللغوية، التي تعتبر مصدرنا، إذا أسقطناها بسبب أن مؤلفيها من غير العرب؟

لذلك نعتقد أن القول: بأن اللغة لا يدرك أسرارها إلا أبناؤها فيه الكثير من التجاوز، ومناقضة الحقائق الواقعة. . ولو أن إدراك اللغة على غير العرب مستحيل، لكان الخطاب القرآني تكليفاً بما لا يطاق، وهذا مستحيل شرعاً وعقلاً.

وقضية أخرى نرى من الضروري التنبه إليها أيضاً، وهي قضية الثقافة الذاتية للأمة.. فالأمر الذي لا بد من إيضاحه ابتداءً: أن الثقافة الإسلامية هي ثقافة عالمية، وأن الخطاب القرآني، أو الخطاب الإسلامي، الذي يشكلها خطاب عالمي، وأن الحضارة الإسلامية جاءت ثمرة لمساهمات عالمية لكثير من الشعوب والأمم، وكانت نتيجة للخطاب الإسلامي، يصعب تقطيعها، وفرز ألوانها القومية، فهي إنسانية في دعوتها، وهدفها، ومنطقها، وإنتاجها، وإن كانت قاعدتها البشرية الأولى من العرب. .

لذلك فالتجاوز أكثر من اللازم في التأكيد على الخصوصية الثقافية، يخشى أن يؤدي إلى نزع صفة العالمية ومحاصرتها، ويغلق الطرق أمام انسلاك، ومساهمة الشعوب البشرية الأخرى فيها، وتعطيل التبادل المعرفي، باسم التخوف من الغزو الفكري. وبذلك نعين الأعداء على الانتصار علينا.

أما النظر إلى موضوع التاريخ الإسلامي واعتباره هو الإسلام فأمر محل نظر.. فالمعروف أن مصدر التشريع في الإسلام هو القرآن الكريم، وبيانه السنة النبوية، وهو الحاكم على فعل البشر بالخطأ أو الصواب، وأن التاريخ الإسلامي لا يخرج عن اجتهادات بشرية في تنزيل القيم على الواقع، أو في تحويل القيم إلى فعل، قد تخطئ وقد تصيب، مثله مثل أي اجتهاد بشري فكري، أو فقهي آخر.. فاعتبار التاريخ الإسلامي هو الدين، وهو مصدر التشريع والأحكام، فيه الكثير من المجازفة.. فالتاريخ الذي هو وعاء الحياة الإسلامية العملية، في استجابتها للقيم الواردة في الكتاب والسنة، هو محل العبرة والعظة والدرس، وفيه من السلبيات والإصابات، التي كان فيها عدول عن القيم، ما يجب تجنبه، وفيه من الإنجازات العظيمة، المتسقة مع القيم، ما يجب الاهتداء والاعتزاز به.. وتبقى القيم هي الضابط، وهي الحاكم، على تصرفات البشر ومسالكهم.. وحبنا للتاريخ، وانتصارنا له، لا يجوز أن يجعلنا نتجاوز هذه الحقيقة. وكم ستكون الخطورة كبيرة إذا لم نضبط التاريخ، ونحكم عليه بالقيم، من التفسيرات والإسقاطات التاريخية، التي يحاول أعداء الإسلام توظيف التاريخ لها اليوم، وكم ستكون الخطورة أكبر، إذا أصبح التاريخ ديناً، وتفسيره ملزماً، واعتبر النص والفعل التاريخي، كالنص الإلهي.

وقد يكون الدافع لذلك كله، غياب روح النقد، والخوف من الاعتراف بالخطأ، الذي ما يزال يشكل المناخ العقلي المغشوش لكثير منا، ذلك أن هذا المناخ هو السبب وراء سقوطنا في الفخاخ المنصوبة لعقولنا، بأيد ماهرة من المستشرقين، الذين أدركوا ذلك فأتقنوا فن المديح، الإشادة بحضارتنا وتاريخنا، الأمر الذي حرك مكامن الفخر فينا، وساهم بحالة الاسترخاء، والسبات العام، والاكتفاء بإنجاز الآباء والأجداد، وأدى إلى شلل الأجهزة الفكرية، عن معالجة الحاضر، واستشراف المستقبل، فأصبح حالنا كما يقول الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله: شبيه بحال ذلك الفقير الذي لا يجد ما يسد به الرمق اليوم، عندما نتحدث له عن الثروة الطائلة التي كانت لآبائه وأجداده، إننا بذلك الحديث نأتيه بنصيب من التسلية عن متاعبه بوسيلة مخدر، يعزل فكره مؤقتاً، وضميره عن الشعور بها، إننا قطعاً لا نشفيها، فكذلك لا تشفى أمراض مجتمع بذكر أمجاد ماضيه.

يتبع >>>>>>>>8**

فتاريخ غير المسلمين هو تاريخ أشخاص فقط لأن الغاية التي هي أصل العلاقات والتي ترك لهم المبدأ الانطلاق منها هي المنافع والمصالح فقط والذي يقرر هذه المصالح والمنافع من حيث هي هي الخطوط العريضة التي تقوم على إطلاق الحريات أي العودة إلى الحيوانية والبهيمية .

فلا يجوز أن يقاس تاريخنا على تاريخهم ولا عيشنا وحياتنا على عيشهم وحياتهم وكل من كتب من غير المسلمين مؤرخا للمسلمين إنما يكتب انطلاقا من هذه الرؤية إضافة إلى الحقد الصليبي الذي يأكل أكبادهم فأصبحت كتابات بروكلمان وجورجي زيدان وفيليب حتى الذين كتبوا الكثير من تاريخ المسلمين أصبحت اليوم مرجعا يستقى منه ويقتدى به من أراد أن يؤرخ من المسلمين ويكتب تاريخهم وذلك بتأثير الثقافة الغربية على أذهان المسلمين في تفكيرهم وحياتهم اليومية أي في تبعيتهم .

فالقضية الأولى في كتابة التاريخ مع أهميتها وحتميتها فإنها ليست بكافية دون أن تقترن بتفسير الحدث التاريخي من الدوافع والعوامل التي اخرج بها هذا الحدث والنظرة في الظروف وكذلك الأساليب والخطط وأن يكون كل ذلك ضمن رؤية واضحة تقتضيها وجهة النظر .

والقضية الثانية مع أنها لا تقل عن الأولى ? التوثيق ? فان المغالطات والمخادعات كثيرا ما تتسرب إليها فتقلب الحقائق ويصور الحق باطلا والباطل حقا ثم تلوى النصوص وتحمل معان يريدها الكاتب والمؤرخ وهذا ما جرى عليه المستشرقون الذين اهتموا كثيرا بكتابة تاريخ الأمة الإسلامية وأفرطوا في التحريف والتزييف وحذا حذوهم الكثير من المضبوعين بالثقافة الغربية من أبناء المسلمين .

ونريد أن نأتي بأمثلة على المغالطات التاريخية التي تعمدها الكتاب والمؤرخون وانزلقوا فيها :-
1- محمد بن عبد الوهاب : وافق على إعلان الحرب من قبل السعوديين على دولة الخلافة وهذا من أكبر الكبائر .
2- إبراهيم باشا : حارب دولة الخلافة وزحفت جيوشه حتى وصلت جبال طوروس ومكث عشر سنوات في بلاد الشام حتى أخرجته بريطانيا بموجب اتفاقية لندن سنة 1840 وفي هذه الفترة دخلت المؤسسات التبشيرية بلاد الشام ولم تخرج منها .
3- الحسين بن علي : اتفق مع الإنجليز وأعلن الحرب على دولة الخلافة وأعلن قيام الثورة العربية الكبرى بإطلاق ما يسمى الرصاصة الأولى .
4- جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعزيز علي المصري وغيرهم المئات ممن أسموهم رواد النهضة وصناع التاريخ .

إن العالم اليوم سيصبح من جديد ساحة للصراع بين أمريكا من جهة وبين باقي العالم دولا وتكتلات وقارات من جهة ثانية وحيث أن العالم كما يقولون أصبح وكأنه قرية واحدة للإبداع التكنولوجي إلا أن القدرات الفائقة للولايات المتحدة الأمريكية والتي يشكل برنامجها النووي الرهيب عنصر حماية لها بل عنصر تحد كما تعطيها إمكانية الاحاطة بالعالم بأسره .

ولكننا يجب أن لا يغيب عنا ضرورة تصادم الحضارات الذي يعلو فوق التصادم المادي والتحدي المادي والنووي فكم من الحضارات عاشت حقبا وقرونا ولكنها بادت وانتهت .
أما في القرن العشرين الذي انتهى بالأمس فان الحضارات التي كانت موجودة على سطح الكرة الأرضية فهي :-
الحضارة الرأسمالية والحضارة الاشتراكية والحضارة الإسلامية وتلك حضارات مؤثرة وفعالة
يتبع >>>>>>>>>6

لأن الطريقة من جنس الفكرة والفكرة هي حمل الدعوة وتبليغها والطريقة هي الجهاد أي استعمال القوة وتجهيز الجيوش وتحريكها شرقا وغربا لإزالة العوائق المادية التي تحول دون وصول الفكرة إلى أذهان الناس بلا إجبار ولا إكراه ولذلك فقد طلب من المحاربين إذا بادروا لقاء القوم أن لا يبادئوهم بالقتال حتى يعرضوا عليهم الإسلام أو دفع الجزية مع الخضوع إلى حكم الإسلام وإما السيف .

فالمطلبان الأوليان ظاهر فيهما تحاشي القتال ولم يكن اللجوء إلى القتال إلا بعد الاستفراغ من عدم جدوى البلاغ المبين الذي وجه إلى القوم وبما أن السيادة لا بد أن تكون للإسلام فقط {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ }التوبة33 عندئذ لا بد من مبادءة القوم بالقتال لتكون كلمة الله هي العليا ولإخراج الناس من الظلمات إلى النور وإنقاذهم من عبادة العباد وحصر العبودية لله الواحد القهار .
فالمسلمون مأمورون بالجهاد فرضا دائميا لا يجوز تعطيله ومأمورون بإعداد القوة التي ترهب الأعداء ومن وراء الأعداء مأمورون ببذل المهج والأموال في سبيل الله {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ }التوبة33 وهكذا استمرت حياة الرسول في المدينة ومعه أصحابه على هذا الحال ثم استمرت الفتوحات وسارت الجيوش زاحفة متوجهة نحو الشرق والشمال والغرب . وكان المسلمون في فتوحاتهم يعطون ولا يأخذون لتحقيق القصد الذي من أجله فرض الجهاد وهو : ( لتكون كلمة الله هي العليا ) ( ليظهره على الدين كله) ( كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور )

فعند كتابتنا للتاريخ لا بد أن تكون مبنية على هذا الأصل ومن هنا يكون المؤرخ صادقا حريصا على توخي الدقة لإبراز الصورة الحقيقية كأنها تنبض بالحياة ولتفسير الأحداث كلها في ضوء هذه الرؤية فقط بعيدة عن الأهواء بعيدة عن مساس الأشخاص بخير أو بشر وهذا ينسحب على الفتوحات الإسلامية كلها ابتداءا من فتوحات الرسول محمد (ص) وأصحابه من بعده وحتى أواخر فتوحات الخلافة العثمانية .
فهذا عقبة بن نافع عندما فتح شمال أفريقيا ووصل إلى شواطىء الأطلسي خاض البحر بحصانة حتى وصل الماء إلى لبته وعندما وقف وقال : والله يارب لولا هذا البحر لمضيت مجاهدا في سبيلك أقاتل من كفر بك .

وهذا السلطان العثماني محمد الثاني الذي فتح القسطنطينية عندما دخلها خر ساجدا لله على نصره مغتبطا بانطباق حديث الرسول (ص) عليه وعلى جيشه حيث قال (ص) : ( لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش ) .

فكل حياة المسلمين طيلة ثلاثة عشر قرنا استمرت على هذا الحال ولهذا المقصد ولا شيء غيره لا طلبا للمال ولا للتشفي والانتقام ولا لاستعباد الشعوب وإذلالهم وأخذ ما يملكون ولا لطردهم من بيوتهم وتهجيرهم . فالمسلمون في الحقوق الواجبات سواء وأهل الذمة محفوظة حقوقهم وذمتهم ومرعية شؤونهم لا يضارون في عيشهم ولا يضيق عليهم في ممارسة طقوسهم الدينية .

فالأحكام الشرعية قيود تفرض على الناس يجب التقيد بها في كل عمل من الأعمال وهي في حد ذاتها توفر الخير وتحل المشاكل تنصف المظلوم وتؤمن الخائف وتتولى رعاية الجائع والفقير وليس لهوى النفس مكان في كل هذه التصرفات فكلها أحكام من عند الله .

أما تاريخ غير المسلمين تاريخ الأمم الأوروبية والأمريكية اليوم فانه تاريخ ينبع عن اصل تفرضه طبيعة المبدأ الذي يعتنقون وطراز العيش الذي يعيشون فالمبدأ هو الذي يفرض عليهم كل تصرفاتهم الحياتية وينظم لها علاقاتهم مع غيرهم ويدبرون بموجبه شؤونهم وبون بعيد بين حياة المسلمين التي تقوم على وجهة نظرهم عن الحياة والتي تنبني على العقيدة الإسلامية وبين حياة الغربيين التي تقوم على عقيدة فصل الدين عن الحياة .

فيقوم المبدأ الرأسمالي على إبعاد الدين عن الحياة والابتعاد عن أوامر الله ونواهيه وإهمال لليوم الآخر . فكانت المصالح والمنافع هي التي تحدد العلاقات وتقرر الغايات فكان الاستعمار واستعباد الشعوب وإذلالهم مطلبا يقرره المبدأ وهو الطريقة التي ينشرون بها المبدأ وبالتالي تعيش حفنة من الناس في ترف من العيش يملكون كل شيء ويتصرفون كما يشاؤون على حساب بقية الشعوب والأمم .
يتبع >>>>>>>>>5

**أولا : من حيث الغاية التي دفعت إلى القيام بالتخطيط لهذا الحدث ثم دراسة الظروف المحيطة به سواء الظرف المحلي أو الظرف الدولي ثم محاولة الغوص في أعماقه هل هو مكيدة من المكائد يراد نصبها للأعداء ؟

أم هو خطة يراد تدبيرها لإفساد أو إبطال مكيدة يدبرها الأعداء ؟

كما لا بد من العناية بفهم الأساليب التي تلجأ إليها لتنفيذ هذه الخطة ثم هل هي من السياسة العامة للدولة ؟

أم هي جزئية من الجزيئات التي تختلف باختلاف الناحية التي يراد توجيهها إليها .

إننا ونحن مفكرون سياسيون وسياسيون مفكرون يراد منا أن نكون رجال سياسة ويراد أن يكون منا رجال دولة أصبحنا نستبق الأحداث السياسية فهما وتحليلا كما أصبح باستطاعتنا سد الطريق على السياسيين المتنفذين بكشف خططهم وتعريتهم فما عهد علينا أحد من السياسيين الذين يمارسون السياسة الفعلية أننا أخطأنا في تفسير حدث سياسي أو انحرفنا في فهم سياسي بل أصبح فهمنا السياسي وعملنا في التحليل السياسي والكشف السياسي وتعميمه ونشره يطال سياسة الدول الكبرى مجتمعة ومنفردة وأي اختلال في الموقف الدولي أو أي تغيير في الهيكلية الدولية أصبحنا ندرك تأثير كل ذلك على العمل السياسي وتنفيذ الخطط السياسية سواء المحلية أو الدولية وهذا لاشك هو رصيد لنا يجعل منا فئة مؤهلة لأن تمارس العمل السياسي لتقارع السياسيين الدوليين ولتسحب البساط من تحت أقدامهم .

تبنى الحزب قضية فلسطين وسار مع أحداثها من بداية الخمسينات والى يومنا هذا يتابع الأحداث ويكشف المؤامرات ويوضح الخطط ويبرز الصراع على حقيقته بين أطراف هذه القضية سواء بريطانيا وأوروبا وأمريكا وضع النقاط على الحروف ويبين دور كل حاكم من حكام هذه المنطقة وما هي المهام الموكولة إليه تنفيذها .

ثم بين الحزب كيف تدرجت هذه القضية في سياسة القائمين على مجريات السياسة من رفض للتقسيم الذي إشعل النار في المنطقة واحتدام المعارك بين أهل فلسطين واليهود الدخلاء والأدوار التمثيلية التي قام بها الحكام المحليون وجيوشهم .

ثم وضعت اللاءات المشهورة في تاريخهم لا مفاوضات لا اعتراف لا صلح لا تفريط بشر لا لا الخ .

والآن نريد أن نأتي إلى نماذج عن كتابة التاريخ لنكتب تاريخنا بصدق وعلى حقيقته كما نريد أن نعيد كتابة تاريخنا السابق الذي دخله كثير من التشويهات والتفسيرات التي كانت ممسكا أو ورقة بين الأعداء يهاجمون بها الإسلام .

الأمة الإسلامية صاحبة رسالة فلا بد أن يكون الجهاد ابرز عمل من أعمالها ولا بد أن يكون الإعداد له الأولوية في حياة المسلمين . رسول الله محمد (ص) أنهى الدور المكي ببيعة العقبة الثانية وكانت بيعة حرب : إذ قال احد رجال البيعة :- ( أتدرون على ما تبايعون الرجل ؟ إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس ) .

وفور انتهائه من إجراءات البيعة أمر أصحابه بالهجرة إلى المدينة فبادروا إلى الهجرة خفية فرادى . فكان نهاية إخراجه من مكة وبداية هجرته إلى المدينة تحت غطاء إجراءات حربية . وعندما وصل الرسول (ص) المدينة جهز سرية بقيادة عبدالله بن جحش وطلب منه استطلاع أخبار القوم .

نعم بدأ الإعداد : إعداد القوة فاشترى الرسول السلاح واستعار السلاح وبعث من يتعلم صناعة السلاح

كما لا بد أن تكون السياسة الخارجية وفهمها ومتابعتها من قبل الدولة لتعطى الاهتمام البالغ الدقيق والسهر الدؤوب لتكون للدولة سياسة خارجية متميزة ينتدب لها الأكفاء من الرجال الذين لا يقلون في أشخاصهم مضاهاة للخليفة نفسه رجال الدولة يتقنون العمل ويحكمون القصد ويحسنون التصرف في كل ما له علاقة بالسياسة الخارجية وعلى راس هذا الأمر الجهاد ليكون العمل لحمل الدعوة وتبليغ الرسالة سائرا سيره الطبيعي دون تعثر أو توقف .

كل هذا مبني على الآية الكريمة قوله تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }سبأ28 وقول الرسول (ص) أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأني رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) وهذا يعني أن الحياة الأصلية والطبيعية للمسلمين أنهم حملة رسالة وأنهم امة جهاد ومن هنا كانت العقيدة الإسلامية عقيدة روحية وسياسية .

إذن :

هكذا يجب أن ينظر إلى الأحداث السياسية أي إلى تاريخ الأمة الإسلامية يجب أن ينظر إليها من قاعدة الأصل أن الأمة صاحبة رسالة لا بد من الاستمرار في حملها وتبليغها إلى العالم استمرارا لعمل الرسول في تبليغه الرسالة إلى العالم فكان الجهاد هو الطريقة الشرعية لحمل الدعوة ونشر الرسالة .

يتبع >>>>>>>>>4**

**وبناء على ما تقدم:

اعرف التاريخ كيف سقطت الخلافة ؟

بقلم عبدالعزيز كحيل

بسم الله الرحمن الرحيم

في يوم 3 مارس 1924م صوَّت البرلمان التركي على إلغاء نظام الخلافة، بعد أنْ كان مصطفى كمال قد أعلن قيامَ الجمهورية التركية، وبذلك طُوِيَت صفحة بدأت مسيرتها منذ وصل الرسول إلى المدينة المنورة، وأقام أوَّل دولة إسلامية؛ لتستمرَّ بعد وفاته حاملة اسم الخلافة؛ لتكون رمز وحدة الأمة الإسلامية، وراعية شئونها الدينية والدُّنيوية، فلم يكن للمسلمين جنسية إلاَّ هي، ولا عرفوا دُولاً قوميَّة، ولا انضَوَوا تحت رايات جاهلية، حتى احتلَّ الغربيون معظم البلاد الإسلامية، وعملوا على إزالة هذا الرَّمز الذي يمثِّل قوة المسلمين، حتَّى في حالات الضَّعف التي آل إليها أمرهم في القرون المتأخِّرة.

وحدث ما لم يكن يتصوَّره مسلم، فقد تولَّى مصطفى كمال أتاتورك مُهمة إلغاء الخلافة؛ ليتفرَّغ لتغيير وجه تركيا جذريًّا؛ حتَّى لا تبقى لها صلة بالإسلام والعربية، فبدأ بإعلان “أنقرة” عاصمة للبلاد، خلفًا لمدينة الإسلام (إسلامبول)، بعد أن توَّج نفسه رئيسًا للجمهورية، ثم اتَّخذ تدابير صارمةً لبلوغ غاياته، فأعلن الحرب على التديُّن، وجعل مدار نشاطه توطيد أركان العلمانيَّة، وإعادة “الهوية التركية” للشعب، وتخليصه من التأثير والقيم الإسلامية؛ ففي 1925م فرض ارتداء القبعة للرِّجال بدل الطربوش كإجراء رمزي لتطليق العادات الإسلاميَّة، وتبنِّي التحول إلى العادات الغربيَّة، فَعَل هذا باسم الديمقراطية التي زعموا أنَّها تحترم الحياة الخاصة والاختيارات الشخصية فلا تتدخل فيها.

لكنه كان يرفع شعارها؛ ليغطي نزعته الاستبداديَّة التي تغذيها عداوته الشرسة لدين الله ولغة القرآن، حتَّى إنه منع الحجاب وكلَّ الملابس الدينيَّة على الرِّجال والنِّساء، وقد سمح برفع الأذان في المساجد لكن باللُّغة التركية، وكم كان يتضايق من لفظ الشهادتين؛ لأن فيهما تعظيمًا للرسول ، وقد كان يرى أنه أجدرُ بالذِّكر منه!

مسجد أيا صوفيا

وحوَّل مسجد “آية صوفيا” في مدينة الإسلام (إسلامبول) إلى متحف، وأعاد الحياة لماضي تركيا ما قبل الإسلام، وألغى التاريخ الهجري؛ ليعتمد التاريخ الميلادي، كما اعتمد الحروف اللاتينية لكتابة اللُّغة التركية بدل الحروف العربيَّة، وغيَّر العطلة الأسبوعيَّة من الجمعة إلى الأحد، وألغى كُلَّ الضوابط الشرعية المتعلقة بالمرأة؛ لتتساوى مع الرجل تمامًا من غير اعتبار للفوارق الطبيعية بين الجنسين، كلُّ هذا؛ لِيُخرجَ تركيا -بزعمه- من الظلمات إلى النُّور، ولا نورَ عنده إلاَّ بإلغاء الشخصية الإسلامية، والذَّوبان في الحضارة الغربية، واعتمادها بخيرها وشرِّها، وحُلْوِها ومرِّها، ما يُحمد منها وما يُعاب.

لذلك أقْدَمَ على أخطر إجراءاته على الإطلاق، وهو إلغاء أحكام الشَّريعة الإسلاميَّة، وتبنِّي القوانين الوضعية، ففرض القانون المدني السويسري، والقانون الجنائي الإيطالي، والقانون التجاري الألماني، فاحتكم المسلمون لأول مرَّة في تاريخهم إلى قوانين غير ربَّانية، بل وضعية وأجنبية.

وقد اعتمد مصطفى كمال في حملته الشرسة لِمَحْو آثار الإسلام والعربيَّة على سياسة قمعيَّة وحشية، استهدفت علماءَ الدِّين بالدرجة الأولى، وطالت كُلَّ من اعترض على توجُّهاته، فكان التقتيل والسجن والتشريد إلى جانب السُّخرية الرسمية بمظاهر التديُّن كلِّها، وانتهاك أبسط الحريات الشخصية، كلُّ هذا باسم الديمقراطية.

وأغرب من هذا أنَّ الغربيين وأتباعهم في البلاد العربية ما زالوا يمتدحون مصطفى كمال، باعتباره مستنيرًا أخرج تركيا من ظلمات القرون الوسطى، وأدخلها أنوار الحضارة والازدهار، ويُعدِّدون “مآثره” العظيمة، وعلى رأسها: النظام العلماني المعادي للدِّين -وليس الفاصل بين الدولة والدين فقط كما كان في الغرب- وتحرير المرأة من قيود الشريعة، وهم يعلمون أنه كان مستبدًّا طاغيةً، لم يفوضه الشعب لمُعاداة الإسلام، ولا لتغيير وجهة البلاد، كما لم يحترم رأيًا مخالفًا؛ أي إنَّه لم تكن له علاقة بما يَدْعونه بالديمقراطية في قليل ولا كثير.

وبعد أن ألغى الخلافة، وضيَّق على المسلمين في عباداتهم وشعائرهم، وقطع صِلَةَ تركيا بماضيها الإسلامي، وحوَّلها إلى دُويلة فقيرة ضعيفة تخطب وُدَّ الغرب، وتعتمد على اليهود، وبعد أن وضع البلاد تحت سيطرة العسكر، وجعل من العلمانيَّة دينًا بديلاً عن الإسلام، وعيَّن مؤيديه في جميع مفاصل الدَّولة، وظنَّ أنَّه قد قضى على الإسلام نهائيًّا. مات مصطفى كمال يوم 10/11/1938م بمرض أصاب كبده؛ بسبب إسرافه في تناول الخمر، مات مَن سَمَّاه أتباعه -وليس الشعب التركي، كما يوهم بذلك بعض المؤرخين والكتاب- أتاترك أو أتاتورك؛ أي: أبو الأتراك، وقد أحيا القومية الطورانية، وغالى فيها أشدَّ المغالاة؛ لتحلَّ محلَّ الانتماء العقدي للإسلام.

هكذا سقطت الخلافة بعد أن عمَّرت 1292 سنةً، فانفرط عقدُ الأمَّة، وتهدَّدها الضياع، لكن الأمل في عودة الخلافة لم يبرح المسلمين، وها هي تركيا أخذت تعود إلى الإسلام، فهل هي بُشرى بين يدي عودة الخلافة الإسلاميَّة؟

المصدر:ـ موقع قصة الاسلام**

ثانيهما :- بناء القوة المادية والعمل الجدي المخلص في بناء القوة العسكرية للدولة والإسراع في الصناعة التي تنتج أحدث الأسلحة و أفتكها لتلقي الرعب في قلوب الأعداء {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ }الأنفال60 وأن يكون لرئيس الدولة (الخليفة) الإشراف المباشر على التصنيع الثقيل ولكن لا من الناحية الفنية وإنما سياسة التصنيع الحربي لا بد أن تكن له وهو الذي يشرف عليها الإشراف الفعلي كما أن له القيادة الفعلية للجيش .

كل ذلك والعسكريون لا بد أن يكونوا بمنأى عن هذا كله سواء في رسم الخطط السياسية أو في سياسة التصنيع الحربي .
كل ذلك من اجل حماية كيان الأمة والذود عن حياضها ثم لتسيير الجيوش شرقا وغربا لنشر المبدأ وحمله وتوصيله للناس لاستكمال عملية التبليغ وهو الواجب الأهم في حياة الأمة والدولة {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ }الأنفال60 ولنعد الآن إلى تدوين التاريخ وكتابة الأحداث السياسية وسردها وترتيبها وربطها بعضها مع بعض . إن الأمة الإسلامية في تاريخها التليد وعمرها المديد وأحداثها الكبيرة وتراثها الناصع يحتاج إلى كتابة جديدة وتفسير جديد يتناسب مع حجم الأحداث وتأثيرها في مراحل الإنسانية المتلاحقة .
فالأمة الإسلامية كانت تشكل كيانا ضخما وهيكلا شامخا يشع مئة نور كان له تأثير كبير في تحويل العديد من الشعوب ونقلها من حياة البؤس والشقاء وإنقاذها من براثن الزعامات المستبدة وانتشالها من وهدة العبودية والعودة بها إلى إنسانيتها ولمسها لعزتها وكرامتها وربطت الجميع برباط المبدأ وصهرتهم في بوتقة العقيدة أي حلت لهم العقدة الكبرى فأنارت بصائرهم وأدركت تلك الشعوب جميعا التي تكونت منها الأمة الإسلامية والتي كانت تعيش في دولة واحدة بقيادة إمام واحد أدركت أنها خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر كما أدركت أنها صاحبة رسالة تخرج بها الناس من الظلمات إلى النور كما أدركت أن الحياة الدنيا هي طريق للآخرة فكرست كل وقتها وبذلت كل مجهوداتها للجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله وكان النصر حليفها في كل معاركها مع الأعداء .

أما هزيمتها الأخيرة التي قضي فيها على دولة الخلافة سنة 1924 فلم تكن إلا نتيجة مؤامرات من أبنائها انقلبوا عليها وتعاونوا مع أعدائها وتمت مشيئة الله في ذلك .

إن سرد الوقائع التاريخية وترتيبها وربطها بأشخاص صانعيها لا يكون تاريخا للأمة ولا يكون تاريخا بمعناه الحقيقي يصور شخصية الأمة ويبرزها على حقيقتها بل يكون فقط تاريخا لأشخاص وعندئذ يصبح تشويها للتاريخ وقلبا للحقائق كما يكون عرضة لتوجيهه الوجهة التي يريدها لها الكاتب أو المؤرخ .

فتاريخ الأمة الإسلامية تاريخ متكامل يشمل كل مناحي حياتها فالعلاقات وتنظيمها بين الناس في حياتهم وتنفيذ الأحكام والقوانين وتطبيقها على أحسن وجه ممكن والاهتمام برعاية الشؤون عموما ثم سير القضاء ونزاهته وعدالته وإعداد الجيوش وتسييرها في الفتوحات لنشر المبدأ ولحماية بيضة المسلمين والدفاع عن حوزة الدين وحماية المستضعفين ونصرة المظلومين وتنفيذ العقوبات وإقامة الحدود ووجود حشد كبير من الفقهاء والعلماء والسياسيين والمخترعين والمفكرين كل هذه أجزاء يكمل بعضها بعضا يتشكل منها تاريخ الأمة ولا يجوز الاهتمام بناحية أو بواحدة من هذه وإهمال غيرها من مظاهر الحياة في شتى مناحيها لأن ذلك خلل في وصف الواقع وإساءة لفهم الواقع فليس هذا هو التاريخ .

إننا اليوم عندما نفهم الأحداث ونسهر على متابعتها وربطها بعضها مع بعض وتفسيرها من زاوية المبدأ نكون قد قاربنا الصواب في تفسير هذه الوقائع التي تكون فيما بعد تاريخا صحيحا فالواقع والأحداث كلها أعمال سياسية يقوم بها من بيدهم زمام الأمور وهذا لا ينتج إلا من وجهة النظر أي لمصلحة المبدأ ورعاية الشؤون للأمة فلا يجوز أن نأخذ الحدث ونعطي فيه رأيا معينا إلا بعد ربطه بكل ما له علاقة به .

يتبع >>>>>>>>>3

نظرات في التاريخ
بقلم :العالم الشيخ فتحي محمد سليم
( أبو غازي )
ندعو له بالرحمة

بسم الله الرحمن الرحيم
نظرات في التاريخ أو عودة إلى كتابة التاريخ

لكل أمة من الأمم تاريخها الخاص بها فتاريخ الأمة جزء من ثقافتها فيكون مستجمعا في أحداثه ووقائعه لحضارتها والتاريخ في تعريفه هو : ( التفسير الواقعي للحياة ) فيكون التاريخ أحداثا صنعت وخطط لها ونفذت فلا بد من دراستها وتفسيرها وفهمها من حيث دوافعها ومقدماتها كما هو فهم لنتائجها وثمراتها فالأحداث السياسية اليومية المتتالية والمتشابكة في عالمنا اليوم هي تاريخ الأجيال فصناعة الأحداث السياسية وتدبيرها والتخطيط لها ثم تنفيذها كل ذلك يكون متعلقا بوجهة النظر في الحياة ولا يكون ذلك إلا من الفئة القائمة على تسيير دفة الأحداث .

فالتاريخ هو إجراءات يتطلبها تنفيذ المعالجات فهي من الطريقة فوعي القائمين على رعاية الشؤون وإخلاصهم وحسن تدبيرهم للأمور تعطي تاريخا ناصعا يصبح مفخرة للأجيال حتى تنال شهادة الأعداء فتظهر الاستقلالية والتفرد والسيادة للمبدأ ويصبح للأمة في كل يوم جديد أحداثا مستجدة تضاف سطورا في صحائف المجد تلهج بها الألسنة ويخلد التاريخ ذكر صانعي هذه الأحداث وبناة هذا المجد .

ولا بد أن تكون صناعة الأحداث وتسيير دفة السياسة في الأمة المبدئية نابعة عن وجهة النظر في الحياة كما أن فهمها وتحليلها لا بد أن يكون مبنيا على وجهة النظر في الحياة .

أما تسجيل الأحداث وتنسيقها وسردها كوقائع لتصبح تاريخا أي عملية التدوين والتأريخ فهي كذلك لا بد أن تكون نابعة عن وجهة النظر في الحياة ليظل التاريخ صحيحا وليظل المؤرخ صادقا لأن التأريخ الحقيقي هو إبراز شخصية الأمة وإظهارها في صورتها التي تمثل كيانها بكل مقوماته كي يرى القارىء للتاريخ وكأنه يتلمس نبض الحياة ويعيش مع الواقع نفسه ولو بعد قرون عديدة .

كل ذلك يحدث للأمة وفي الأمة في حال قوتها وتأثيرها في الأحداث أو في صناعتها هي للأحداث وكأن صدى صوتها تردده جنبات الأرض من أقصاها إلى أقصاها فالمؤرخون الصادقون لن يفرطوا في جزئية من أحداث تاريخ أمتهم ولن يتركوا شيئا من ذلك تزل به الأقلام أو تنحرف به الأذهان لأن الفهم والوعي والإخلاص للمبدأ يفرض عليهم ذلك .

أما عند ضعف الأمة أو عند اساءتها للتطبيق أو الانحراف في تنفيذ الأحكام أو التفريط في رعاية الشؤون أو الغفلة عن المحافظة على صيانة المبدأ أو القعود عن العمل لحمل المبدأ ونشره أو عدم إعطاء الأولوية لاستكمال بناء القوة بشكل دائمي ومستمر فان حصول واحدة من هذه الأمور المذكورة يفضي إلى المداخلة في صناعة الأحداث والارتباك في تسيير دفة السياسة وبالتالي يكون لمن في قلوبهم نفاق ولمن وراءهم ممن يتربصون بالأمة الدوائر ويتحينون الفرص وينصبون لها الحبائل والمصائد يكون لمثل هؤلاء نصيب في صناعة الأحداث السياسية ويبدأ التداخل عند صناعة هذه الأحداث و هذا التدخل إن سلبا أو إيجابا يكون له تأثير في حياة الأمة وفي سياسة الدولة وهذا ما فعلته بريطانيا بالأمة الإسلامية عند بدو الضعف في مقدرة الدولة على ضبط الأمور ومعالجة المشاكل وفي إساءتها للتطبيق .

فلا بد من الحرص عند قيام الدولة وبناء المجتمع أن يكون بناءا سليما وتنقية جسم الدولة وكيان الأمة من أية شائبة تؤثر على هذا الجسم . وبناء الأمة وقوة الدولة يتمثل في ناحيتين اثنتين :-
أولاهما :- البناء الفكري بنشر الثقافة الإسلامية وتعميقها مبنيا على أساس ثابت وهو العقيدة ليصبح البناء الفكري أساسا للبناء المجتمعي أي يصبح كيان الأمة كيانا مصمتا مصونا من أية لوثة ومحصنا من أي فكر يتناقض مع أفكار المبدأ فلا يخترق ولا مجال لأن يكون هناك ثغرات يدخل منها أي فكر غريب .

يتبع >>>>>>>>>2

**وبعد:

فإن الكتاب الذي نقدمه اليوم في السلسلة للأخ الدكتور عبد العظيم الديب حول المنهج في كتابات الغربيين عن التاريخ الإسلامي، والذي تعقب فيه بعض المستشرقين في واحد من أهم مجالات التراث الإسلامي، في التاريخ وهو المجال الأخطر، فقدم نماذج لفساد المنهج، وسوء المقصد، وهو أحد المهتمين بالتاريخ رغم اختصاصه في الفقه وأصوله، بل لعل اختصاصه بالأصول هو الذي منحه القدرة على الكلام في المنهج، ومكنه من هذا التتبع والتعقب الذي يحتاج إلى الكثير من الدأب والصبر والتدبر، ذلك أن التدليل على فساد المنهج، يغني عن متابعة النواتج الفكرية وينزع عنها صفة العلمية والحياد بشكل عام.

وإذا كان كتاب الأمة الخامس الذي بحث فيه الدكتور محمود حمدي زقزوق: “الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري” يمكن أن يصنف في إطار التنظير، فإن كتاب الدكتور عبد العظيم الذي يقدم النماذج العملية في إطار التاريخ، يعتبر ضميمة مكملة

الشبكة الاسلامية? كتاب الأمة **

**كان هذا حال المستشرقين المداحين الذين قصوا علينا تلك النشوات التي تخامر عقولنا، حتى تتعلق عيوننا على صورة سامرة لماض مترف.

وكثيراً ما كان المديح أو حتى إعلان اعتناق الإسلام، مدخلاً، ووسيلة تعتبر الأخطر للدخول علينا، وتخريب ثقافتنا من الداخل، لأن المديح حال بيننا وبين البصارة الصحيحة للأمور، وعطل فينا أجهزة الاستقبال، والفحص، والاختبار تحت عنوان: الخير ما شهدت به الأعداء.

لقد عطل فينا هذا الشعار الاستجابة للمنبهات الحضارية إلى حد بعيد، وقبلنا من المداحين كل شيء تقريباً.. ولعل إصابات المداحين، كانت هي الأخطر في النهاية، خاصة عندما نكتشف أن دخولهم في الإسلام كان ممراً إلينا، وليس حقيقة.

ونستطيع القول: بأن الحملات الاستشراقية بعامة، لم تتمكن من القضاء على ثقافتنا، وإن ألحقت بها بعض الإصابات، التي يمكن اعتبارها من قبيل الأذى ((لن يضروكم إلا أذى)) [آل عمران:111]، وأن معظمها كان إلى حدٍ بعيد أشبه بالمنبهات الحضارية.. ورب ضارة نافعة.

إن عمليات الاستشراق والتغريب، لم تستسلم، ولم تلق السلاح.. لكن لما أعياها السعي، فبدل أن تقر بفساد نظرياتها، وطروحاتها، وعدم إمكانية القبول لها في العالم الإسلامي، تحاول اليوم أن تعتبر، أن المشكلة والعلة في بنية العقل المسلم أصلاً، لتأتي على البنيان الإسلامي من القواعد، وترسب في النفوس، أن السبب في التخلف، والعجز، والتخاذل الثقافي، وعدم القدرة على الإبداع، وقبول الفكر الغربي، هو في بنية هذا العقل، وتكونه، وميراثه الثقافي.

فهو عقل مولع بالجزئية، وعاجز عن النظرة الكلية للأشياء، وهو عاطفي يحب الإثارة والانفعال، ويعجز عن الفعل، وهو محكوم أيضا بموروث ثقافي، لا يستطيع الفكاك منه، فهو لا يفكر بطلاقة، وحرية، لأنه محكوم بوحي مسبق، وهو يقوم على منهج التفكير الاستنتاجي، ويعجز عن التفكير الاستقرائي، وهو معجب بالمنهج البياني، وعاجز عن المنهج البرهاني، وهو يخلط بين الواقع المعاش، والمثال الخيالي، وصاحبه يحب الثأر، ويغرق في الملذات!

وأن الإسلام الذي يكوّن هذا العقل، هو دين أمر ونهي، وزجر وكبت للحرية، وإلغاء للاجتهاد، الأمر الذي أدى به إلى التقليد وفقدان الشخصية، والقدرة على الإبداع، وأن العنصر العربي مادة الإسلام الأولى، عنصر متخلف بفطرته، وطبيعته الجنسية، والمناخية، وأن دور العلماء المسلمين تاريخيا اقتصر على النقل لميراث الحضارات الأخرى، وأن علاج الأمة المسلمة، سوف لا يتحقق، إلا بإعادة بنية العقل العربي وفق الأنموذج الغربي.

لذلك رأينا الكثير من الدراسات اليوم لخريجي المدرسة الاستشراقية تتجه إلى طروحات، من مثل: بنية العقل العربي، ونقد العقل العربي، وخطاب إلى العقل العربي. . . . إلخ، وأن أول ما نلاحظ أن منهج النقد يتم طبقاً لآليات ومعايير وطروحات الفكر الغربي، وينطلق غالباً من الترسبات التي تركها الاستشراق في ضحاياه، لذلك نراها تتخبط كثيراً في الخلط بين العقل كآلة للتفكير، وبين الإنتاج الفكري لذلك العقل.

وقد يلفت انتباهنا أحياناً بعض القضايا التي يطرحونها، لكن لا نلبث أن نطلع عليها في مصادرها الاستشراقية، فنتأكد من جديد أن هؤلاء التلامذة لا تخرج مهمتهم عن الشحن من هناك، والتفريغ هنا. لذلك نراهم يخطئون في أبسط القضايا، إنهم يخطئون حتى في الأسماء العربية الواضحة، لأنهم يقرءونها قراءة أعجمية استشراقية، ولا نرى هنا أننا بحاجة إلى إيراد الأمثلة.

وخلاصة القول في هذا الأمر: إن مناهجنا في المعالجة لا يزال يعوزها الكثير من التأصيل، والتخطيط والتقويم، ودراسة الجدوى، وطبيعة التناول ومساحته، والتنبه إلى مخاطر المستشرقين الذين يمدحون الإسلام، ويحركون غرائز الزهو والافتخار عند المسلمين تجاه الماضي، ليتسللوا من خلالها، وهذا هو الأخطر لأنهم يساهمون بحالة الخدر العام، من أولئك المستنفرين، الذين يستثيرون فينا غرائز الدفاع عن النفس، وحماية الذات، ذلك أن المديح إنما يكون في كثير من الأحيان تحويلاً إلى الماضي، والاستغراق فيه على حساب مشكلات الحاضر، واستشراف آفاق المستقبل.

صحيح أن الماضي هو الذي يدعم التماسك الثقافي، ويشكل الجذور التي تحول دون الاقتلاع، إلا أن هذا الماضي بالرغم مما قدم في إطار تحقيق الذات، وضمان تماسكها، كاد ينقلب الاقتصار عليه إلى ظاهرة مرضية، تحبس الإنسان في ملاجئها، وتحول بينه وبين النهوض، وذلك عندما يصبح الاستغراق في التشبث بالماضي صارفاً للإنسان عن صناعة حاضره ومعالجة مشكلاته، والتفكير في مستقبله.

وحتى نكون في مستوى الحوار الفكري، والتبادل المعرفي، ونوقف فعلاً الغزو الفكري، والإغراق الاستشراقي، لا بد لنا بدل البكاء على الأطلال، والاكتفاء بجرعات الفخر والاعتزاز بالماضي، أن نكون أيضاً قادرين على امتلاك الشوكة الفكرية، أن نكون قادرين على الإنتاج الفعلي، لمواد ثقافية تمثل ثقافتنا، وتأتي استجابة لها، وتغري الناس بها، وبذلك وحده نكون في مستوى الحوار، والتبادل المعرفي.. فالمواجهة لا تكون بإدانة الآخرين، والنظر إلى الخارج دائماً، وإنما تبدأ حقيقة من النظر إلى الداخل.. أولاً لملء الفراغ، بعمل بنائي مستمر، وتحصين الذات، وتسليحها بالمقاييس الثقافية السليمة، وإنتاج مناهج، وآليات للفهم، تأتي وليداً شرعيًّا لثقافتنا.

ذلك أن المناهج وآليات الفهم، التي تحكم الكثير من جامعاتنا، ومعاهدنا، لا تزال من صناعة الفكر الغربي، انتهت إلينا بسبب التخاذل الفكري الذي نعيشه. . وتلك المناهج هي ثمرة لتشكيل ثقافي معين، تصنعه وتُصْنع به، غير منفكة عنه. . لذلك فمن الصعب نقلها واستخدامها في إنتاج ثقافي آخر، والاطمئنان عندها إلى نتائج الفكر.

يتبع >>>>>>>>9**

**ولا يزال تاريخ الأدب العربي “لكارل بروكلمان”، مرجعاً لا يستغني عنه أي باحث في الدراسات العربية والإسلامية!

ولا يقتصر هذا الكتاب على الأدب العربي، وفقه اللغة، بل يشمل كل ما كُتب باللغة العربية، من المدونات الإسلامية، فهو سجل للمصنفات العربية، المخطوط منها والمطبوع. وقد عمل به المؤلف نصف قرن تقريبا.

ولا بد أن نشير هنا أيضاً إلى الأطلس الجغرافي التاريخي، للشرقين الأدنى والأوسط، الذي هو قيد الإعداد الآن، ويتوفر على إنجازه مجموعة من المستشرقين في ألمانيا الاتحادية، ويشمل الأقطار الممتدة من السودان غرباً، إلى أفغانستان شرقاً، ومن جنوب بلاد العرب، إلى البحر الأسود في الشمال، وخرائطه لا تتناول المواضع الجغرافية والتاريخية بالمعنى التقليدي، بل تتجاوز إلى مواضع لم يسبق لأحد أن تناولها في الأطالس، مثل: المدارس الفقهية، والفتن السياسية، وبعض مظاهر الاتصال، وأماكن العبادة، وتوزيع السكان.. وسوف ينتهي في أواسط التسعينيات.

ولا يتسع المجال في هذه العجالة، للتفصيل، في مجال الدراسات المتعددة الأخرى، والمعاجم، والترجمات، من العربية إلى اللغات الأوروبية. . فماذا فعلنا نحن إذا ما قيس إنتاجنا لتراثنا بإنتاجهم لتراثنا!؟ إننا مازلنا نستغرق طاقاتنا كلها في التهجم على الآخرين دون إنتاج مقدور.

ويضاف إلى ذلك: إصدار أكثر من خمسمائة مجلة تتعلق بالاستشراق، وثلاثمائة أخرى متخصصة به، إلى جانب ذلك العدد الهائل من الكتب والأبحاث، والدراسات، والمقالات، التي تصب على رأس أبناء المسلمين، سواءً عن طريق الترجمة، أو التمدرس على اللغات الأصلية للمستشرقين، وفي مؤسساتهم، ومعاهدهم، أو ما يمكن أن يتم عن طريق الابتعاث العشوائي، غير المخطط، أو المبرمج، من عمليات التأثير والنقل الثقافي، وإيجاد المعابر والجسور للوصول إلى المعاهد، والجامعات، والمناصب المؤثرة في العالم الإسلامي، ووقوعه في دائرة التحكم والاحتواء الثقافي.

ونحن هنا في العالم الإسلامي لا نقتصر على الابتعاث العشوائي إلى جامعات ومعاهد الغرب، بدون أن نزود الطالب بدليل فكري، ومقياس ثقافي لكيفية التعامل مع ثقافة الغرب، وإنتاجه الفكري، بل نصر على تكريس حالة التخلف، والتخاذل الثقافي، أمام الآخرين. وبدل أن نقيم ندوات ومؤتمرات تُطرح من خلالها مشكلات المبتعثين العلمية، والفكرية، والثقافية، ونكون على إدراك مسبق بما تقدمه مراكز البحوث والدراسات والجامعات، ومراكز الإعلام هناك، ونفتش له على المتخصصين، القادرين على معالجته، ومناقشته مع الطلبة، والمبتعثين، وتبصيرهم بدوافعه، وأهدافه، ومنطلقاته، وأغواره، وكيفية التعامل معه، وكيفية الإفادة من إيجابياته؛ نقيم مؤتمرات لاتحادات الطلبة، ونحمل إليها مشكلاتنا، وقضايانا، وخلافاتنا في العالم الإسلامي، وإن لم توجد خلافات معاصرة، نستنجد بالتاريخ ليمدنا بمشكلات فكرية، وعقيدية، مضت بخيرها وشرها، وقد لا يكون الطلبة سمعوا بها من قبل، فنصبها فوق رؤوسهم، لنمزق وحدتهم ونكرس خصوماتهم، ونفرق جمعهم، ونحضّرهم، شئنا أم أبينا، ليكونوا ضحايا الاستشراق والغزو الثقافي.

والذي يراجع قوائم الخطباء، والمتحدثين، في تلك المؤتمرات من سنوات، يراهم هم أنفسهم، يصلحون لكل المناسبات، وكل الموضوعات، وكل المواسم، وقد لا يرى بجوار ذلك، ندوة متخصصة بحاجات المبتعثين الأصلية، ونوعية دراساتهم، واهتماماتهم، والمستقبل الذي نعدهم له، ونطلبه منهم، إلا ما رحم الله.

فمتى نرتقي بندواتنا ومؤتمراتنا، ونبصر الساحة الثقافية والفكرية، التي يخضع لها هؤلاء الطلبة، ونرسل لهم المتخصصين في العالم الإسلامي، يلتقون بهم ويعالجون قضاياهم العلمية والثقافية؟ فذلك أجدى من أن يبقى كياننا الفكري قائماً على مهاجمة الآخرين، دون أن نقدم البديل، وفي تلك الحال سوف ينتهي هجومنا إلى مصلحة الآخرين.

وهنا قضية قد يكون من المفيد أن نعرض لها، ونحن بسبيل الكلام عن بعض ملامح التحكم الفكري، والاحتواء الثقافي، الذي يمارسه الاستشراق، في المعاهد والجامعات، والأطر الأكاديمية، والغزو الفكري، في نطاق الإعلام والتشكيل الثقافي، وهي قضية اللغة بشكل عام.

يتبع >>>>>>>>7**

**فأحداث التاريخ عندما تصنع تكون عبارة عن وقائع موزعة على شتى مناحي الحياة في الدولة والمجتمع لتستكمل كافة عناصر نهضتها وحضارتها وتكون منفردة بسيادتها واستقلالها مؤهلة لأن يكون لها دور عالمي في التأثير في توجيه دفة السفينة التي هي تعبير عن وضع المجموعات البشرية في إطار معين كما تفعله الولايات المتحدة الآن .

ولكن مبدأ الإسلام في تشريعاته يقوم على أساس ثابت وهو العقيدة الإسلامية التي تنبثق عنها حلول المشاكل كافة فتشكل الاقتصاد والاجتماع والحكم والسياسة والتعليم والقضاء والجهاد وكلها تسير سيرا طبيعيا في تطبيقها وتنفيذها ليكتمل بناء المجتمع وبناء الدولة وكيان الأمة وعندئذ يصبح تاريخها مثالا يحتذى وظاهرة تظل بارزة عبر القرون وبالتالي تعد نوعا فريدا في حياة الدول والأمم لا يتناولها الفناء بل يكتب لها الخلود والبقاء فهي إنسانية ما دامت هناك إنسانية أي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

فتاريخ الأمة الإسلامية مدون ومحفوظ فهو موجود في الموسوعات الفقهية يمثل تنظيم العلاقات في القضاء والعقوبات وفي الأموال كسبا وإنفاقا أي من مصادرها ووجوه إنفاقها وفي العلاقات الشخصية ونظام الأسرة والأحوال الشخصية عموما وفي العلاقات الخارجية وحمل الدعوة والجهاد لنشر المبدأ .

كل ذلك تضمنته تلك الموسوعات استنبط أحكاما منبثقة عن العقيدة تنزلت على وقائع فأحسن تطبيقها إلى حد كبير تناوله رجال الحكم ورجال القضاء ورجال السياسة فكانت الأمة آنذاك تربة خصبة تنبت الرجال تنبت القادة العلماء والعظماء .

فتاريخ الأمة الإسلامية تاريخ لمبدأها عقيدة وشريعة أفكارا و أحكاما قابلة للتطبيق وقد طبقت في وقائع الحياة بعيدة عن التنظير والافتراض بعيدة عن الاعتماد على التجارب . فالفكرة واضحة وطريقة تنفيذها واضحة تعالج الدخائل قبل أن تعالج المظاهر .

فتاريخ الأمة جزء من ثقافتها وهو خاص بها لأنه متعلق بوجهة النظر في الحياة اعتقادا وتشريعا فلا يجوز الخلط بين تاريخ وتاريخ ولا يجوز قياس تاريخ على تاريخ والأفذاذ من شخصيات التاريخ وجهة نظرهم في الحياة هي التي تجعل منهم رجالا تكبرهم أمتهم ولكن حسب متطلبات المبدأ فكم من صناع التاريخ في العالم لا قيمة لهم عند المسلمين وان كانوا كبارا عند أممهم وشعوبهم لأن المبدأ ووجهة النظر في الحياة هي التي تقرر سمو الرجل وعلو كعبه .

فهذا كلينتون يمد ذراعيه شرقا وغربا ليحرك الأحداث في العالم ولكنه تدنس بعلاقاته الجنسية وهذا لا ضير فيه عند معتنقي المبدأ الرأسمالي ولكنه يسقط شخصية الرجل وعدالته في الإسلام وهذا بوش الأب صنع لأمريكا ولكنه خطط لبوش الابن وأوصله إلى سدة الحكم بالتزوير وهذا غش في نظر الإسلام وفاعله يسقط اعتباره في المجتمع فهذه الحقبة التي يعيشها العالم اليوم حقبة القرن العشرين هي حقبة انتهاك حقوق الإنسان بكل تأكيد من قبل من بيدهم القوة والمال ولم يضعوا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلا للتمادي في انتهاك هذه الحقوق والتاريخ لن يرحمهم وستكتب أعمالهم وتصرفاتهم ويسألون وما زمن تقطيع العبيد وإحراقهم أحياء في أمريكا ببعيد فلن تمر مذابح الشيشان ولا فظائع البوسنة والهرسك ولا مؤامرات تسليم فلسطين والأقصى لليهود ليعيثوا فيها فسادا لن تمر كل هذه دون حساب بل لا بد وأن تطال يد العدل كل أولئك قريبا عند التمكين لعباد الله المؤمنين في الأرض وما ذلك على الله بعزيز .

والحمد لله رب العالمين

فتحي محمد سليم

أبو غازي

20/4/2001**

**جرى التصادم بين الحضارتين الرأسمالية والحضارة الاشتراكية وآلت الاشتراكية إلى زوال وتفردت الحضارة الرأسمالية في هذا العالم اليوم تواكبها قوى مادية هائلة والى هنا فقد آن الأوان للحضارة الإسلامية أن تأخذ موقعها الحقيقي لتعود من جديد سافرة متحدية فقد انفتح الطريق أمامها وبدأ رسل هذه الحضارة يظهرون في مشارق الأرض ومغاربها يواجهون الضربات ويسددون السهام لحضارة المبدأ الرأسمالي والذي سهل الطريق وأزال العقبات أمام الحضارة الإسلامية هو العولمة وليس إلا فترات قصيرة تتخللها هزات سياسية .

وما نرى بعدها إلا والحضارة الرأسمالية تتهاوى وتتساقط أركانها تعود السيادة عودا طبيعيا للحضارة الإسلامية كما كانت خلال عشرة قرون لها السيادة وبيدها القيادة .

انطلقت بريطانيا من قاعدة ورسمت المخططات لاستعمار الشعوب ونهب خيراتهم ليستمتع بها المواطن البريطاني ومعروف كم هي الشعوب والمناطق التي استعمرتها بريطانيا في العالم إلى حد لم تكن الشمس تغيب عن ممتلكاتها كما يقولون .

وهكذا فعلت فرنسا ولكن إلى مدى اقل مما فعلته بريطانيا ومن طبيعة المبدأ نفسه الذي يعتنقه الطرفان كان الصراع بينهما والقتال على أشده وفي كل بقعة من بقاع العالم .

وكل بلد دخله الإنجليز أو الفرنسيون لم يخرجوا منه إلا وهو محترق ومدمر تدميرا بالغا ولا يزال ما يسمى دول العالم الثالث تئن وتعاني من وطئه الاستعمار وتعيش عيش الذل وعيش البؤس والفاقة وهذه هي مخلفات الاستعمار فماذا سيكتبون عن تاريخهم فالاستعمار هو طريقة نشر المبدأ الرأسمالي وهو في طبيعته يعني فرض السيطرة السياسية والفكرية والاقتصادية والعسكرية على الشعوب الضعيفة لاستغلالها .

لقد رأت الولايات المتحدة الأمريكية وبدوافع من طبيعة المبدأ الرأسمالي وبعد أن أحرزت النصر للحلفاء في الحرب العالمية الأولى تم لدراستها ومتابعتها للنفوذ البريطاني والهيمنة البريطانية على معظم مناطق العالم تستأثر بالخيرات وتنهب الثروات وتستعبد الملايين من البشر في خدمة الرجل الإنجليزي رأت أنها هي أولى بذلك وأنها صاحبة الحق لتكون هي البديل والوريث للسيطرة على العالم فأخذت تخطط لذلك وأوصلها تخطيطها وانتهت بدراستها إلى أن ذلك لا يتم وفي الساحة عمالقة الاستعمار بريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا .

والذي كرس اهتمامها بهذا الأمر ووضعته موضع الجدية هو قيام الدولة البلشفية سنة 1917 وتبنيها لنظرات اقتصادية على النقيض من نظريات الاقتصاد الرأسمالي وتطبيقها عمليا في واقع الحياة والعمل على نشرها بواسطة الأحزاب الشيوعية وبطريقة إيجاد المتناقضات فرأت أنه لا بد من الجدية القصوى والاهتمام الشديد لتنفيذ مخططها .

إذن لا بد من خلو الساحة الميدانية في العالم للمستعمر الأمريكي وتمهيد السبيل لرأس المال الأمريكي لينتقل في العالم بحرية وأمان دون أن يكون هناك حواجز أمام أمريكا لإشعال الحرب العالمية الثانية وبدأت بالتنفيذ وتم لها ما أرادت .

إذن :- لم ينته الاستعمار وإنما جاء بزخم جديد في ثوب جديد ولم ينته التمييز العنصري وإنما اتسعت الشقة بين من نصبوا أنفسهم أسيادا لا سيما وهم الذي أحرزوا الانتصار في الحرب العالمية الثانية وأنقذوا الإنسانية من براثن النازية فتحملوا الخسائر والتضحيات والأذى وهم أحق بالسيادة والقيادة السيادة على من صنفوهم العالم الثالث أو الدول النامية كما لم ينته الفقر والجوع وإنما أناخ بجرانة على أصقاع وقارات واسعة من هذه المعمورة . هذه هي أحداث التاريخ وهذا هو التاريخ الآن تاريخ الوقائع والأحداث تاريخ الصراع تاريخ القتل والفتك تاريخ انتهاك حقوق الإنسان

يتبع >>>>>>>>>7**