**وللوصول إلى إعادة التشكيل الثقافي، وفق النمط الغربي، كان لا بد أيضاً من إلغاء عملية التواصل الفكري والثقافي بين الأجيال، ومحاولة فصل الحاضر عن الميراث الثقافي، وذلك بالتقليل من قيمته، والقيام بعملية التقطيع والتجزيء، أو قراءته بأبجدية النسق الغربي، وتفسيره تفسيراً مذهبياً، لا تفسيراً منهجياً من خلال قيمه التي صدر عنها، أو القيام بعملية الانتقاء من التراث الفكري، والأدبي، للمواضع التي تهز ثقة المسلم بتراثه، والاقتصار على إبراز النقاط السود، والتضخيم لحركات الرفض والخروج، والعناية بفكرها وطروحاتها، أو بمحاولة محاصرة اللغة العربية، التي تعتبر من أهم أدوات التوصيل والنقل التراثي، وذلك بتسييد العامية، والتشجيع عليها، إلى درجة الكتابة بها، وإلغاء الحرف العربي من لغات شعوب العالم الإسلامي، الذي يشكل حلقة التواصل الأساسية مع الموروث الثقافي والحضاري، لقطع الجيل عن ماضيه، وعزل اللغة العربية عن المعاهد، والمدارس، والجامعات، وتدريس العلوم باللغات الأوروبية، في محاولة ماكرة للتفريق بين لغة العلم ? وهي طبعاً الأوروبية لأنها لغة المنجزات العلمية الحديثة في الهندسة، والطب، والعلوم، والحاسبات الإلكترونية، فالكتب المدرسية والمصادر والمراجع لا تتحقق إلا بها! - وبين لغة الدين، وهي العربية التي يجب أن تحاصر في المساجد والمعابد وأداء المناسك والشعائر! وترسيب القناعة بأن العربية هي من أسباب التخلف العلمي في العالم الإسلامي، وحتى تتم التنمية ويحصل النهوض لا بد من لغة للمعهد، هي الأوروبية، وأخرى للمعبد، وهي العربية، وبذلك تكون الأوروبية لغة العلم، وتنتهي العربية إلى ألفاظ عبادية نفتقد معانيها شيئا فشيئاً، لقلة الاستعمال، وتنزوي في المعابد، شأنها شأن اللغات القديمة كالسريانية وغيرها، التي اقتصرت في نهاية المطاف على رجال الدين وبعض زوار المعابد الذين يرددونها بلا فهم ولا إدراك. والمشكلة أن هذه المحاولة الماكرة بدأت تتسرب إلى رأس كثير من الذين يشغلون مناصب مؤثرة في صنع القرار التربوي، والسياسي، في العالم الإسلامي. ولعلها في مغرب العالم الإسلامي أكثر وضوحاً وبروزاً منها في مشرقه.
وأكتفي في هذا المجال بالإشارة إلى أسبوع المحاضرات الذي نظمه المستشرقون المقيمون في تونس في معهد قرطاج التبشيري منذ سنة 1907م، وأصدروا فيه بيان موت اللغة العربية، والذي أعلن أن الشعوب المغربية لا يمكن لها أن تحقق التقدم، إلا من خلال تخليها عن اللغة العربية، واعتناق الفرنسية، كوسيلة للثقافة والحضارة والعلم. هذا من جانب ومن جانب آخر نرى المحاولات المستميتة لإحياء اللهجات واللغات القديمة، التي توشك على الانقراض، ومحاولة إحلالها محل العربية، وإقامة كراسي في الجامعات والمعاهد الأوروبية لإحيائها، وتقديم رسائل الماجستير والدكتوراه في دراساتها، ومحاولة وضع معاجم لها، ولعل قسم دراسات اللغة البربرية الذي أقامته فرنسا في السوربون مؤخراً خير شاهد لذلك، فالعربية لا تصلح لغة العلم، أما اللغات المنقرضة التي تم إحياؤها لمحاربة العربية وإثارة النعرات الإقليمية، التي تمزق عالم المسلمين، فتقام لها المراكز وتؤسس لها المعاهد، وتوضع لها المعاجم!
يضاف إلى ذلك تشجيع النماذج والأعمال الفكرية التي تسير وفق النمط الغربي، أو تحاكي مناهج الغرب، وتغادر أصولها المنهجية، ونسقها الثقافي، باسم الحداثة والتجديد، والتخلص من قواعد اللغة، التي تحبس انطلاق المعاني، وعمود الشعر التقليدي الذي يحول دون الدفقة الشعورية، والترويج لأصحاب هذا اللون من الإنتاج الفكري، واعتبارهم طلائع التحرر والتقدم والتنوير.
والحقيقة التي لا مناص من الاعتراف بها، أن إنتاج المستشرقين الذي يملأ الساحة الفكرية والأكاديمية اليوم، ويشكل المرجع والمصدر والمنهج، جاء ثمرة لغيابنا العلمي، وتخاذلنا الثقافي، ومواجهتنا العابثة التي لم تكلفنا شيئاً. . اكتفينا بالجلد، والإدانة، والتفاخر، والتعالي بالأصوات، والخطب الحماسية، بينما انصرف المستشرقون للإنجاز والإنتاج، والتصنيع الفكري، والتسويق في بلادنا الخالية من إنتاجنا. . فنحن نحاول أن نغطي عجزنا بإلقاء التبعة على الآخرين، وبقيت أنظارنا موجهة إلى الخارج، دون أن ننظر، ولو مرة واحدة، إلى الداخل الذي استدعى ذلك الخارج ومكن له.
لقد نشر المستشرقون، وحققوا عدداً ضخماً من المؤلفات العربية، لا تزال مرجعاً للباحثين والدارسين من الأوروبيين، والعرب أنفسهم.. ولم يكتفوا بالتحقيق والنشر لأمهات الكتب، في السيرة، والتاريخ، وعلوم القرآن، والتراجم، والملل والنحل، والنحو، والتفسير، بل تجاوزوا ذلك إلى التأليف في الدراسات العربية والإسلامية، حتى بلغ عدد ما ألفوه في قرن ونصف - منذ أوائل القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين ? ستين ألف كتاب في التاريخ والشريعة، والفلسفة، والتصوف، وتاريخ الأدب، واللغة العربية.
يتبع >>>>>>>>6**
مسجد أيا صوفيا