نظام العُقوبات — موضوع مستورد

**على من يجب دفع الدية

أما مَنْ الذي يدفع الدية ففيه تفصيل: أما دية القتل العمد فهي في مال القاتل، وليست على العاقلة. لما روي عن عمرو بن الأحوص أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يجني جانٍ إلاّ على نفسه، لا يجني والد على ولده، ولا مولود على والده " وعن الخشخاش العنبري قال: " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ومعي ابن لي، فقال: ابنك هذا ؟ فقلت نعم، فقال: لا يجني عليك، ولا تجني عليه " . وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه " فهذه الأدلة دليل على أن قتل العمد لا تحمل عاقلة القاتل دية ال مقتول، ومثل ذلك المقرّ بالقتل فإن عاقلته لا تحمل ديته، عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تجعلوا على العاقلة من دية المعترف شيئاً " وعن عمر قال: " العمد والعبد والصلح والاعتراف لا تعقله العاقلة " وعن ابن عباس قال: " لا تحمل العاقلة عمداً ولا صلحاً ولا اعترافاً ولا ما جنى المملوك " وما عدا ذلك من القتل، وهو شبه العمد، والخطأ، وما أُجري مجرى الخطأ، فإن الدية على العاقلة. أما شبه العمد فقد روى أبو هريرة قال: " اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم أن دية جنينها عبدٌ أو وَليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها " ومعلوم أن القتل بالحجر من قتل شبه العمد، لأنّ القتل بالحجر هو قتل بما لا يقتل غالباً.

وأما القتل الخطأ وما أُجري مجرى الخطأ فقد روي عن جابر: " أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى، ولكل واحدة منهما زوج وولد، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية المقتولة على عاقلة القاتلة، وبرأ زوجها وولدها، قال: فقال عاقلة المقتولة: ميراثها لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، ميراثها لزوجها وولدها " وصح عن النبي ïپ²: " أنه قضى بدية الخطأ على العاقلة " فهذه النصوص دليل على أن دية الخطأ على العاقلة، ومثل الخطأ ما أُجري مجراه لأنّه من نوع الخطأ.

والعاقلة هم العصبات فقط، وأما غيرهم من الإخوة من الأم وسائر ذوي الأرحام والزوج وكل من عدا العصبات فإنهم ليسوا من العاقلة. والعاقلة هم عصبة الرجل، وهم أخوته وأعمامه وأولادهم وأن سفلوا. وأما أبوه وأولاده فإنهم ليسوا من العاقلة، والسبب في ذلك أن العاقلة هم العصبة الذين لا يرثون إلاّ بقية الميراث، روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم " أن عقل المرأة بين عصبتها من كانوا لا يرثون منها شيئاً إلاّ ما فضل عن ورثتها، وأن قتلت فعقلها بين ورثتها " والأب والأولاد يرثون ميراثاً أصلياً، وليس تعصيباً. وأيضاً فإن الرسول ïپ² جعل الدية على العاقلة، ولم يجعل على الولد شيئاً منها، فعن جابر: " أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى، ولكل واحدة منهما زوج وولد، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلمدية المقتولة في عاقلة القاتلة، وبرأ زوجها وولدها، قال: فقال عاقلة المقتولة ميراثها لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، ميراثها لزوجها وولدها " . فهذا صريح بأن الرسول لم يجعل الولد من العاقلة، ومثله الأب لأنّه في معناه، ولأنّ مال ولده كماله، ولأنّ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " أنت ومالك لأبيك " . وعليه لا يكون الأب والابن من العاقلة في الدية، والعاقلة هي العصبات ما عدا الابن والأب، ومن لم يكن له عاقلة أخذ من بيت المال، لما ورد في حديث سهل بن أبي حشمة عن قتيل خيبر: " فعقله النبي ïپ² من عنده " وفي حديث عمرو بن شعيب " فوداه بمائة من إبل الصدقة " ، وتضمين العاقلة الدية مخالف لقوله تعالى: ï?© ولا تزر وازرة وزر أخرى ï?¨ غير أن هذه الآية عامة، وجاءت أحاديث تضمين الدية للعاقلة فخصصتها، فصارت استثناء من عموم الآية، وتخصيص الكتاب بالسنة جائز وواقع بغير شك.

والحاصل أن دية القتل شبه العمد، والقتل الخطأ وما جرى مجرى الخطأ تجب على العاقلة فقط، ولا يجب على الورثة منها شيء، فتدفعها العاقلة وحدها، وعاقلة الرجل هم عشيرته: إخوته وأعمامه وأولاد عمه حتى الجد الثالث، فيبدأ بفخذه الأدنى، فإن عجزوا ضُم إليهم الأقرب فالأقرب المكلف الذكر الحر من عصبة النسب ثمّ من عصبة السبب، هؤلاء هم الذين يدفعون الدية، فإن عجزوا أو لم يوجدوا فهي أي الدية على بيت المال، وتؤخذ من جميع العاقلة بالتساوي، ولكن تؤخذ من القادر، ولا تؤخذ من العاجز. وأما لمن تعطى هذه الدية فإنها تعطى لورثة القتيل فقط، ولا تعطى العاقلة منها شيئاً، لحديث جابر المار: " فقال عاقلة المقتولة ميراثها لنا، فقال رسول الله ïپ²: لا، ميراثها لزوجها وولدها " .**

**الشريك للقاتل والمساعد له

إنه مما لا شك فيه أن الجماعة تُقْتَلُ بالواحد، لأنّ نص الأحاديث التي جاءت في عقوبة القاتل تشمل الواحد، وتشمل الجماعة، فقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " مَنْ قُتِل له قتيل فهو بخير النظريْن، إما أن يفتدي، وإما أن يَقْتُل " فإنّه يشمل ما إذا كان قد قتله واحد، أو قتله جماعة، وقد سأل عمر علياً عن قتل الجماعة بالواحد، فقال له أرأيت لو أن جماعة سرقت متاعاً أكنت قاطعهم جميعاً ؟ قال: بلى، قال: فكذلك القتل. فإذا اشترك جماعة، اثنان أو أكثر في قتل واحد عوقبوا جميعاً، فيقتلون جميعاً، ولو كان المقتول واحداً.

أما معنى الشراكة في القتل فإنّه يتوقف على دوره في القتل، فإن اشترك في ضرب المقتول، كان شريكاً في القتل قطعاً، أما إن لم يشترك في الضرب، فينظر فيه فإن كان مسهلاً للقتل، كأنّ أمسك بالمقتول فضربه القاتل، أو أحضره للقاتل، أو ما شكل ذلك فإنّه لا يعتبر شريكاً، بل معاوناً فلا يقتل، وإنما يحبس. فقد أخرج الدارقطني عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أمسك الرجل الرجل، وقتله الآخر يقتل الذي قتل، ويحبس الذي أمسك " فهو صريح في أن المساعد والمعين لا يقتل، وإنما يحبس، ولكنه يحبس مدّة طويلة حتى ثلاثين عاماً، وعلي بن أبي طالب يقول بحبسه حتى يموت، فقد روى الشافعي عن علي رضي الله عنه أنه قضى في رجل قتل رجلاً متعمداً، وأمسكه آخر، قال: " يقتل القاتل، ويحبس الآخر في السجن حتى يموت " فكل من كان ليس بشريك يحبس ولا يقتل، أما الشريك فيقتل قطعاً، مهما كان دوره في الشراكة. وعليه فالشريك المباشر، والشريك المحرض، والشريك المدبر، والشريك المتآمر، كل هؤلاء يعتبرون شركاء، لأنّهم قاموا بفعل القتل، فيعتبرون شركاء، سواء اشتركوا بالضرب، أو اشتركوا في تدبير القتل، لأنّه عمل من أعمال القتل. فكل من يعتبر عمله مشاركة بالقتل، يقتل كالقاتل المباشر، ولكن المسهل لا يعتبر مشاركاً، لا بشكل مباشر، ولا بشكل غير مباشر، لا سيما والحديث دليل على ذلك.

كيفية قتل القاتل

الصحيح أنه يجوز أن يقتل القاتل بأي شيء يكون أكثر إحساناً في القتل، فالقتل بالسيف ليس شرطاً، فيجوز أن يقتل بالسيف، وبالشنق وبإطلاق النار، وبغير ذلك، وليس هناك إلاّ شرط واحد، وهو إحسان القتل، أي أن يكون القتل بخير أداة تسهل عليه الموت. فقد أخرج مسلم عن شداد بن أوس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِبْحة " فالمطلوب هو إحسان القتل، ولم يصح نص بآلة معينة للقتل. وأما حديث: " لا قود إلاّ بالسيف " فإن جميع الطرق التي روي بها ضعيفة، حتى قيل إنه حديث منكر، فلا يصح أن يكون دليلاً.

أما متى يتم استيفاء القتل، فإن الأفضل أن لا يبادر بتنفيذ الحكم فوراً، بل يمهل المدة التي يجري فيها اليأس من عفو أهل الدم، لأنهم مخيرون بين القتل والدية والعفو، فلا بد أن يعطوا مدّة يختارون فيها، لا سيما وأن الشارع قد حض على العفو، فالله تعالى يقول: (فمن عُفِيَ له من أخيه شيء ) أي من عفا له أخوه في الدين من أولياء الدم، عن شيء من حقهم في القصاص، ولو واحداً إن تعددوا، وجب إتباعه، وسقط القصاص، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: " مَنْ قُتِل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يعفو وإما أن يَقتُل " وعن أنس قال: " ما رفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر فيه القصاص إلاّ أمر فيه بالعفو " . فلأجل أن يكون أمام أهل الدم مجال للعفو، أو لأخذ الدية فإن الأولى أن يؤخر تنفيذ الحكم مدّة ينتهي بها الأمر إلى حال معينة من القتل، أو أخذ الدية، أو العفو.

أما مَنْ هم الذين يخيرون بين القتل والدية والعفو فهم ورثة القتيل، فالمستحق للدم هم جميع ورثة القتيل، من غير فرق بين الذكر والأنثى، والسبب والنسب فيكون القصاص لهم جميعاً، ولا يكون للعاقلة، لأنّ القتل العمد تجب الدِيَة في مال القاتل، ولا تجب على العاقلة، ولأنّ دِيَة القتيل هي لورثته، وليست للعاقلة، ومِنْ هنا كان العفو للورثة، فأي واحد منهم عفا فقد سقط القصاص.**

**بيِّنة القتل

ويثبت القتل بالإقرار والبينة. أما ثبوته بالإقرار فلما روى البخاري عن أنس بن مالك: " أن يهودياً رض رأس جارية بين حجرين، فقيل لها من فعل بك هذا أفلان، أم فلان ؟ حتى سُمي اليهودي، فأومأت برأسها، فجيء باليهودي فاعترف، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فرضّ رأسه بالحجارة " . وأما البينة فلما روى البخاري عن بشير بن يسار: " زعم أن رجلاً من الأنصار يقال له سهل ابن أبي حتمة أخبره أن نفراً من قومه انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها ووجدوا أحدهم قتيلاً، وقالوا للذي وجد فيهم: قتلتم صاحبنا، قالوا: ما قتلنا ولا علمنا قاتلاً، فانطلقوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله انطلقنا إلى خيبر فوجدنا أحدنا قتيلاً، فقال: الكُبْر الكُبْر. فقال لهم: تأتون بالبينة على من قتله ؟ قالوا ما لنا بينة قال فيحلفون، قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُطَلّ دمه فوداه مائة من إبل الصدقة " وعن رافع بن خديج قال: " أصبح رجل من الأنصار بخيبر مقتولاً، فانطلق أولياؤه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فقال: لكم شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم ؟ فقالوا يا رسول الله لم يكن ثمة أحد من المسلمين، وإنما هم يهود قد يجترئون على أعظم من هذا، قال: فاختاروا منهم خمسين فاستحلفوهم، فوداه النبي صلى الله عليه وسلم من عنده " وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: " أن ابن مُخيِّصة الأصغر أصبح قتيلاً على أبواب خيبر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أقم شاهدين على من قتله أدفعه إليكم برمته، فقال: يا رسول الله ومن أين أصيب شاهدين ؟ وإنما أصبح قتيلاً على أبوابهم، قال فتحلف خمسين قَسامَة، فقال: يا رسول الله فكيف أحلف على ما لا أعلم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فاستحلف منهم خمسين قَسامة، فقال يا رسول الله كيف تستحلفهم وهم اليهود: فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ديته عليهم وأعانهم بنصفها " . فهذه الأحاديث الثلاثة طلب الرسول فيها البينة على دعوى القتل شاهدين، ففي الحديث الأول قال لهم: " تأتون بالبينة على من قتله " وفي الحديث الثاني قال: " لكم شاهدان يشهدان على من قتل صاحبكم " وفي الحديث الثالث قال: " أقم شاهدين على من قتله " وهذا صريح بأنه لإثبات القتل لا بد من البينة، وصريح بأن البينة شاهدان اثنان، وهذا يعني أن القتل يثبت بشاهدين، فإن وجد شاهدان يثبت القتل وإلا فلا، ولا خلاف في ذلك، وإنما الخلاف في الشاهدين هل هما رجلان، وهذه شهادة خاصّة بالحدود والعقوبات، أم هما شاهدان كسائر الشهادات، رجلان أو رجل وامرأتان ؟ يقول الأوزاعي إن القصاص كالأموال، فيكفي فيه شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ( واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان) وعموم الأشخاص مستلزم الأحوال، أي أنه عام فيحتاج الاستثناء منه إلى دليل، ولا يوجد نص مخصص، فيبقى النص منطبقاً على عموم القضايا. ومذهب الشافعية أن الشهادة في عقوبة لله تعالى، كحد الشرب، وقطع الطريق، أو لآدمي كالقصاص، رجلان. واستدلوا على ذلك بما رواه مالك عن الزهري قال: " مضت السنة أنه لا يجوز شهادة النساء في الحدود، ولا في النكاح والطلاق " . وقيس على الثلاثة ما هو مثلها.

والحق أن شهادات القتل قد جاء النص بشاهدين " لكم شاهدان " " أقم شاهدين " فلا يجوز فيها غير ذلك، لصراحة النص فلا بد من شاهدين اثنين. أما كون الشاهدين رجالاً فإنّه لا يوجد ما يدل عليه، لأنّ لفظ الشاهد ورد في الأحاديث يدل على الرجل والمرأة، وجاء في الحدود والقصاص عاماً صادقاً على الرجل والمرأة. فقال تعالى: ( لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء ) ولفظ الشهداء يشمل الرجل والمرأة. وقال صلى الله عليه وسلم : " أربعة وإلا حد في ظهرك " وكلمة أربعة تشمل الرجل والمرأة. والذي يدل على جواز شهادة النساء في الحدود والجنايات أن الله تعالى قال: ( واستشهدوا شهيدين ) ثمّ قال: ( فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان). وروي عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث الشهادة: " فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل " وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث الشهادة: " أليس شهادة المرأة نصف شهادة الرجل، قلنا بلى يا رسول الله " . فهذه الأدلة عامة في كل دعوى، ولا يوجد ما يخصصها بغير الحدود والجنايات، فتبقى عامة. وأما قول الرسول: " شاهدان " ، " أقم شاهدين " فإنّه مثل قوله تعالى: ( واستشهدوا شهيدين ) وقوله: ( فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ) جاء تعقيباً على شاهدين، فيعم كل شاهدين، وفي الحديث فإنّه وإن لم يصرح به ولكنه مفهوم من الآية. وعلى ذلك تكون أدلة الشهادة شاملة للحدود والجنايات، وعلى ذلك فبينة القتل هي شاهدان: رجلان، أو رجل وامرأتان. إلا أن نص الرسول على شاهدين يفهم منه أنه لا يقبل فيه الا كمال الشهادة، وهو رجلان، أو رجل وامرأتان، أو أربع نسوة، وإذا نقصت الشهادة عن الكمال كان فيها شبهة، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: " ادرأوا الحدود بالشبهات " فلا تقبل في الحدود، وقول الرسول في بينة القتل: " شاهدان " نص على كمال الشهادة كذلك، فلا تقبل في الجنايات أيضاً إلاّ كمال الشهادة. فتكون شهادة القتل الشهادة الكاملة التي جاءت في النصوص، أي في الأحاديث.

فيبقى حديث مالك عن الزهري الذي استدلوا به على أن شهادة القتل لا بد أن تكون رجلين وهو " مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين بعده أنه لا يجوز شهادة النساء في الحدود والنكاح والطلاق " فهذا الحديث لو صح لكان مخصصاً للأدلة العامة ولكان رأي الشافعية صحيحاً، ولكن هذا الحديث حديث منقطع من طريق إسماعيل بن عباس وهو ضعيف فلا يحتج به. قال الشوكاني في نيل الأوطار: ( وقد أخرج قول الزهري المذكور ابن أبي شيبة بإسناد فيه الحجاج بن أرطأة، وهو ضعيف مع كون الحديث مرسلاً لا تقوم بمثله الحجة، فلا يصلح لتخصيص عموم القرآن، باعتبار ما دخل تحت نصه، فضلاً عما لم يدخل تحته، بل أُلْحِقَ به بطريق القياس ) فهذا أيضاً يدل على ضعف الحديث بالطريق الثاني الذي روي منه. وما دام الحديث ضعيفاً فإنّه لا يصح الاستدلال به، وعليه يسقط الاستدلال بهذا الحديث وتبقى الأدلة على عمومها فتكون شهادة النساء مقبولة في القتل.**

القَوَد

القود هو قتل القاتل عمداً، قال عليه السلام: " مَنْ قَتَلَ عامداً فهو قَوَد " فمَنْ قَتَل شخصاً عامداً متعمداً يُقتَل به، لصريح الأحاديث. والمقتول يقاد به قاتله، وإن كان مجدع الأطراف، معدوم الحواس، والقاتل صحيح سوي الخَلْق، أو كان بالعكس، وكذلك إن تفاوتا في العلم والشرف، والغنى والفقر، والصحة والمرض، والقوة والضعف، والكبر والصغر، والسلطان والسوقة، وغير ذلك، ولا فرق بين أن يكون حراً أو عبداً، رجلاً أو امرأة، مسلماً أو غير مسلم. فالنفس بالنفس بغض النظر عن جميع الاعتبارات، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث ابن مسعود المار: " والنفس بالنفس " وهو عام. وهذا كاف للدلالة لأنّه حديث صحيح، ونص في الموضوع.
وكلمة النفس اسم جنس تشمل كل نفس، فَيُقتَل الرجل بالرجل. والرجل بالأنثى، والحر بالحر، والحر بالعبد، والمسلم بالكافر، والكافر بالمسلم، من غير أي فرق بين نفس ونفس. أما قتل الرجل بالمرأة فثابت بنص الحديث، أخرج مالك من حديث عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب في كتابه لأهل اليمن: " إن الذكر يقتل بالأنثى " وروى البخاري عن أنس " أن يهودياً رضّ رأس جارية بين حجرين، فقيل لها من فعل بك هذا ؟ فلان أو فلان حتى سُمِّي اليهودي، فأومأت برأسها، فجيء به فاعترف، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلمفرضّ رأسه بحجرين " فهذا الحديثان دليل صريح على أن الرجل يقتل بالمرأة، ويكفي قول الرسول صلى الله عليه وآله سلم: " إن الذكر يقتل بالأنثى " وأما قتل الحر بالعبد فقد روى مسلم والبخاري عن الحسن عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من قَتل عبده قتلناه، ومن جَدع عبده جدعناه " فإذا كان السيد يقتل بعبده، فغير السيد يقتل بالعبد من باب أولى.
وأما قَتْلُ المسلم بالكافر، فإنّه يفرق فيه بين الكافر الحربي، الذي لم يُعطَ أماناً، لا عاماً مع دولته، ولا خاصاً له، وبين الكافر الذمي، والكافر المستأمن. أما الكافر الحربي، الذي لم يُعطَ أماناً فإنّه لا يُقتَل به لا مسلم ولا ذمي، سواء أكان محارباً بالفعل، كما كانت قريش مع الرسول صلى الله عليه وسلم، أم كان غير محارب بالفعل، كما كانت سائر القبائل قبل إعلان الرسول الحرب عليها، لأنّ المحارب بالفعل لا خلاف في أن المسلم يقتله حيثما وجده، وأن دمه هدر. وأما غير المحارب بالفعل، فإنّه إن لم يكن معاهداً، إذا قتله المسلم لا يقتل به، وإنما عليه فقط نصف دية المسلم. لما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " عقل الكافر نصف عقل المسلم " لأننا لم نعلن الحرب عليه، وحالة الحرب الفعلية غير قائمة بيننا وبينه، فلا يقتل مسلم بكافر حربي، غير معاهد مطلقاً، بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد صرح في حديثه بأن المسلم لا يقتل بالكافر، والكافر المعاهد لا يقتل بالكافر، فقد روى أحمد عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أَلاَ لا يُقتَلُ مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده " وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا يُقتَل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده " ومعنى الحديث لا يقتل مؤمن بكافر حربي، ولا يقتل كافر معاهد، بكافر حربي، أي لا يقتل مسلم بكافر، ولا كافر ذو عهد بكافر، أي حربي لأنّ المعاهد، مستأمناً كان أو ذمياً كافر. فهذا دليل على أن المسلم والمعاهد لا يقتلان بالكافر الحربي.
أما الكافر غير الحربي، فإنّه إما أن يكون ذمياً، أو مستأمناً، فإن كان الكافر ذمياً، فإنّه يعامل معاملة المسلم في صيانة دمه وماله وعرضه، ودمه حرام على المسلمين كدم المسلم. روى البخاري عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مَنْ قَتَل مُعَاهَداً لم يَرِحْ رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاماً " وروى الترمذي في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ألا مَنْ قَتَل نفساً معاهدة لها ذمة الله، وذمة رسوله فقد أخفر ذمة الله، ولا يَرِحْ رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين خريفاً " . فهذان الحديثان دَلاّ على تحريم قتل المعاهد والذمي، واشتملا على تشديد الوعيد على قتل المعاهد والذمي، لدلالتها على تخليده في النار، وتحريم الجنة عليه. وأخرج البيهقي من حديث عبد الرحمن البيلماني: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل مسلماً بمعاهد وقال: أنا أكرم من وَفى بذمته " وهذا الحديث يدل على أن من قتل معاهداً قُتِلَ به، وأن المسلم يُقتَل بالكافر الذمي. وقد أخرج الطبراني " أن علياً أتِيَ برجل من المسلمين قَتَلَ رجلاً من أهل الذمّة، فقامت عليه البينة، فأمر بقتله، فجاء أخوه فقال إني قد عفوت، قال: فلعلهم هددوك وفرقوك وقرعوك قال: لا، ولكن قتله لا يرد عليّ أخي، وعرضوا لي ورضيت، قال، أنت أعلم، من كان له ذمتنا فدمه كدمنا، وديته كديتنا " . وهذا الأثر وإن كان عمل صحابي وقول صحابي، فلا يصلح دليلاً، ولكنه يستأنس به عند الاستدلال بالحديث، فيستأنس به بالاستدلال بحديث أن الرسول قتل مسلماً بمعاهد. وأما ما رواه الترمذي عن أبي جحيفة قال: " قلت لعلي: هل عندكم شيء من الوحي ما ليس في القرآن ؟ فقال: لا والذي فلق الحَبَّ وبرأ النَسَمَةَ إلاّ فهماً يعطيه الله رجلاً في القرآن، وما في هذه الصحيفة، قُلْتُ: وما في هذه الصحيفة ؟ قال العَقْل وفِكاك الأسير، وأن لا يُقتَل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده " وما رواه أحمد وأبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده " فإنّه يحمل فيهما المطلق على المقيد، فيكون الحديث قد ذكر في الشطر الأول منه نصاً مطلقاً هو " لا يقتل مسلم بكافر " وذكر في الشطر الثاني نصاً مقيداً ودل النص على القيد بدلالة الاقتضاء، وهو " ولا ذو عهد في عهده " أي ولا يُقتَل كافر ذو عهد بكافر، وحذف كلمة كافر من الشطر الثاني من قِبَل الاكتفاء، لأنّها ذكرت في الشطر الأول، فقوله لا يُقتَل كافر بكافر، ووصف الكافر الأول بأنه ذو عهد يقتضي أن يكون الكافر الثاني كافراً حربياً، أي يقتضي أن يكون الكافر الثاني مقيداً بأنه حربي، وعليه فإنّه يحمل الكافر في الشطر الأول وهو المطلق على الكافر في الشطر الثاني وهو المقيد، فيكون معنى الحديث: لا يُقتَل مسلم بكافر حربي ولا مُعَاهَد بكافر حربي، وعليه لا يصلح هذان الحديثان دليلاً على عدم قتل المسلم بالذمي. وأما الكافر المستأمن فإنّه يعامل معاملة الذمي، من أنه يحرم دمه، ويُقتَلُ المسلم به، وذلك لأنّ حديث عبد الله بن عمرو ذكر المعاهد، وحديث البيلماني ذكر المعاهد، والمستأمن معاهد، فكما يطلق على الذمي معاهد، يطلق على المستأمن معاهد، سواء أكان أمانه له وحده، أم أمانه مع دولته أماناً عاماً لرعاياها، فإنّه كله يعامل معاملة الذمي، ما دام في دارنا، لأنّه بأخذه الأمان عصم نفسه وماله وعرضه، فيحرم على المسلمين قتله بلا خلاف بين أهل الإسلام، قال تعالى: ( وإنْ أَحَدٌ من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثمّ أبلغه مأمنه ) فإذا قتله مسلم قُتِلَ به كالذمي سواء بسواء، ويؤيد ذلك أن قتله خطأ حكمه حكم المسلم، كما ورد في القرآن قال تعالى: ( وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلّمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ) فدل على أن قتله عمداً كقتل المسلم العمد

**أموال المرتد

المرتد قبل استتابته يملك ماله، ويملك ما يكسبه، فإذا عُرِض عليه الإسلام وأبى وقتل، أو مات بعد الردة من غير قتل فإنّه يبدأ بقضاء دينه، وأرْشِ جنايته، ونفقة زوجته ومن تجب عليه نفقتهم، لأنّ هذه الحقوق لا يجوز تعطيلها، فإن وفى ماله بها، ولم يبق شيء من ماله، فقد انتهى الأمر، وإن بقي من ماله شيء فهو فيء، يجعل في بيت المال مع أموال الدولة، كأموال الفيء سواء بسواء، وكذلك الحال إن لحق بدار الحرب، بأن فرّ لدولة من الدول الكافرة. إلاّ أنه إن فرّ لدولة كافرة توضع أمواله تحت يد أمين ( تجمد بقرار من الدولة )، وتجري محاولة لاستتابته، فإن لم تفد المحاولة، وأصر على الردة يعتبر مستحقاً للقتل، فيعامل معاملة المقتول، ويكون ماله فيئاً. والدليل على ذلك ما فعله أبو بكر بالمرتدين فإنّه قاتلهم، وقتلهم واستباح دماءهم وأموالهم على ارتدادهم، وكانت أموالهم غنائم، ووافقه على ذلك سائر الصحابة. ولهذا لو أن أهل بلد ارتدوا، وطبقوا أحكامهم صاروا دار حرب، في اغتنام أموالهم، وأخذ أسراهم، وسبي ذراريهم ونسائهم، فعلى الإمام قتالهم، عملاً بما فعله أبو بكر رضي الله عنه، لأنّه قد أجمع عليه الصحابة.

الباب الثاني

الجنايات

الجنايات جمع جِناية، وهي لغة التعدي على بدن أو مال أو عرض، واصطلاحاً التعدي على البدن مما يوجب قصاصاً أو مالاً. وأطلقت على العقوبات التي توقع على هذا التعدي، فالجناية تطلق على نفس الجريمة، وتطلق على العقوبة التي توقع على هذه الجريمة، وتطلق على كسر السن، كما تطلق على القتل العمد، وتطلق على الجرح، كما تطلق على القتل شبه العمد وهكذا، فكل واحدة منها يقال لها جناية، وعقوبة كل واحدة منها جناية.

ومن أعظم الجنايات القتل، ومن أعظم الجنايات أيضاً عقوبة القتل. ومن أبرز الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة تحريم القتل بغير حق. وتحريم القتل ثابت بالكتاب والسنة. أما الكتاب فقد قال الله تعالى: ( ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلاّ بالحق، ومن قُتِل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً ) وقال تعالى: ( وما كان لمؤمن أن يَقْتُل مؤمناً إلاّ خطأ ) وقال تعالى: ( ومن يَقْتُل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً ) فهذه الآيات قطعية الثبوت قطعية الدلالة في تحريم القتل، فهو من الأحكام القطعية. وأما السنة فعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلاّ الله وأني رسول الله إلاّ باحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة " وعن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " لا يحلّ قتل مسلم إلاّ في إحدى ثلاث خصال: زان محصن فيرجم، ورجل يقتل مسلماً متعمداً، ورجل يخرج من الإسلام فيحارب الله عز وجل ورسوله " فهذا نص في تحريم القتل " لا يحلّ دم امرئ مسلم " " لا يحلّ قتل مسلم " فالقتل حرام، وحرمته مما هو معلوم من الدين بالضرورة.**

**وأما كون دية الذمي كدية المسلم، فلعمومات الأحاديث التي جاءت دليلاً على الدية، ولا سيما قوله صلى الله عليه وسلم : " وإن في النفس الدية مائة من الإبل " وكلمة النفس تشمل الكافر والمسلم، غير أن الكافر الحربي جاءت نصوص أخرى تهدر دمه، فلا دية له، فتكون قد أخرجت الكافر الحربي فقط، ويبقى الذمي داخلاً في عمومها. على أن هناك نصوصاً صريحة من الكتاب والسنة تدل على أن دية الذمي كدية المسلم. أما القرآن فقد قال الله تعالى: ( وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فَدِيَةٌ مسلّمة إلى أهله ) ووجه الاستدلال بهذه الآية أنها ذكرت الدية مطلقة غير مقيدة " فَدِيَةٌ مسلّمة " وإطلاق الدية هذا يفيد أنها الدية المعهودة وهي دية المسلم. وأما السنة فقد أخرج الترمذي عن ابن عباس: " أن النبي صلى الله عليه وسلم ودى العامرييْن اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضميري، وكان لهما عهد من النبي صلى الله عليه وسلم لم يشعر به عمرو، بدية المسلمين " وأخرج البيهقي عن الزهري: " أنه كانت دية اليهودي والنصراني في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مثل دية المسلم، وفي زمن أبي بكر وعمر عثمان، فلما كان معاوية أعطى أهل المقتول النصف، وألقى النصف في بيت المال. قال: ثمّ قضى عمر بن عبد العزيز بالنصف، وألقى ما كان جعل معاوية " وعن عكرمة عن ابن عباس قال: " جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية العامرييْن دية الحر المسلم وكان لهما عهد " وأخرج البيهقي " أنه صلى الله عليه وسلم جعل دية المعاهَدين دية المسلم " وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " دية اليهودي والنصراني مثل دية المسلم " وعن ابن عمر: " أن النبي صلى الله عليه وسلم ودى ذمياً دية مسلم " ، فهذه الأحاديث كلها صريحة بأن دية الذمي والمعاهَد كدية المسلم سواء بسواء، فهي تؤيد عموم الأدلة. ولذلك كانت دية الذمي ودية المعاهد مثل دية المسلم من غير فرق بينهما. وأما الأدلة الواردة بأن دية الكافر نصف دية المسلم فإنها لا تعارض هذه الأحاديث، لأنّ تلك الأدلة بحق الكافر، وهذه الأدلة جاءت بحق المعاهَد والذمي فلا تعارض بينهما. فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " عقل الكافر نصف دية المسلم " وأخرج أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين، وهم اليهود والنصارى " . وروى عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف أربعة آلاف " وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم " قضى أن دية عقل الكتابي نصف عقل المسلم " . فهذه الأحاديث تدل على أن دية الكافر نصف دية المسلم، ولكنها لا تعارض الأحاديث الأخرى، التي تجعل دية الذمي والمعاهد كدية المسلم، لأنّها تقول " عقل الكافر " ، " عقل أهل الكتابين " ، " دية اليهودي والنصراني " ، " عقل الكتابي " فهي عامة تشمل الحربي والمعاهَد والذمي. فلما جاءت الأحاديث الأخرى الدالة على أن دية المعاهَد والذمي مثل دية المسلم خصصتها، فيكون المراد بالكافر وأهل الكتابين واليهودي والنصراني والكتابي المراد بهم هم الحربيون، بدليل الأحاديث الأخرى التي استثنت المعاهَد والذمي، فتكون الأحاديث التي جعلت دية المعاهَد والذمي مثل دية المسلم خصصت الأحاديث الأخرى العامة، وعليه لا تكون هذه الأحاديث العامة دليلاً على أن دية المعاهد والذمي نصف دية المسلم، بل دليلاً على الحربي فقط.

وهنا قد يقال إن الكافر الحربي أٌمِرْنا أن نقاتله حيث وجدناه، ودمه هدر فكيف تكون على المسلم نصف ديته ؟ والجواب على ذلك أن الكافر الحربي الذي أمرنا بقتله حيثما وجدناه ودمه هدر إنما هو الكافر الذي أعلنا عليه الحرب، أي الذي بيننا وبينه حالة حرب فِعْليه، كما كانت الحال بين قريش والرسول صلى الله عليه وآله وسلم. أما الكافر الحربي الذي لسنا معه في حالة حرب فعلية فإننا لسنا مأمورين بقتله حيثما وجدناه، وأمرنا بقتاله كدولة أو كجماعة مشروط بدعوة الجماعة للإسلام أولاً، ثمّ طلب الجزية إن أبوا، والثالثة أن نقاتلهم، وذلك كحال القبائل غير قريش مع الرسول ، فإنها لم تكن محاربة بالفعل، ولكنهم كانوا كفاراً حربيين، والمسلمون لم يكونوا يقتلون هذه القبائل حيثما وجدوها أثناء الحرب مع قريش، وقبل نزول سورة التوبة، وإنما كان يخالطهم المسلمون، فهؤلاء الكفّار الحربيون الذين لم تعلن الحرب بيننا وبينهم، هم المقصودون بأحاديث دية الكافر نصف دية المسلم. فمثلاً إذا كانت الحرب قائمة فعلاً بيننا وبين الإنجليز فإننا مأمورون بقتلهم حيثما وجدناهم ودمهم هدر، ولكن إذا لم تكن الحرب قائمة بيننا وبين ألمانيا مثلاً، ولم تكن بيننا وبينها معاهدة، فإننا لا نقتل الألمان حيثما وجدناهم، لعدم وجود حالة حرب فِعْليَة بيننا وبينهم، وحينئذ لا يكون دمهم هدراً، فإذا قتل مسلم كافراً من هؤلاء فإن على المسلم نصف الدية، ولا يقتل بالكافر. وعليه تكون أحاديث دية الكافر نصف دية المسلم في الكافر الذي ليس بيننا وبينه حالة حرب فِعْلِيّه، لأنّ ذاك دمه هدر، وتكون أحاديث دية المعاهَد مثل دية المسلم خاصّة في الذمي والمستأمن، وبذلك يظهر أن دية الذمي والمعاهد كدية المسلم سواء بسواء.**

الدية

الدية قسمان: دية مغلظة، وهي مائة من الإبل، أربعون منها في بطونها أولادها، وهي تؤخذ في القتل العمد، إذا اختار الولي العقل، أي الدية، وهي عقوبة القتل شبه العمد.
أما القسم الثاني فهو الدية من غير تغليظ، وهي مائة من الإبل، وتؤخذ في القتل الخطأ، وفي ما أُجري مجرى الخطأ. والدليل على ذلك ما رواه النسائي من أن عمرو بن حزم روى في كتابه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن: " وأن في النفس المؤمنة مائة من الإبل " وعن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن كتاباً، وكان في كتابه " أن من اعتبط مؤمناً قتلاً عن بيّنة فإنّه قود، إلاّ أن يُرْضِيَ أولياءَ المقتول، وإن في النفس الدية مائة من الإبل " ، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ألا أن قتيل الخطأ شبهِ العمد قتيلَ السوط أو العصا فيه مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها " . هذا في النعم، ولا تؤخذ من غيرها من النعم، لأنّ النص جاء ناصاً عليها، فلا تؤخذ من البقر، ولا الشاة ولا غيرها، لعدم ورود دليل عن الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك. وأما ما روي عن عطاء عن جابر قال: " فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على أَهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاة ألفي شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة " فإنّه حديث ضعيف فهو من رواية محمد بن اسحق عنه وهو ضعيف إذا عنعن لما اشتهر عنه من التدليس، وفيه ذكر عطاء عن جابر بن عبد الله، ولم يسم من حدثه عن عطاء فهي رواية عن مجهول، ولذلك يرد ولا يصح الاستدلال به، وأما ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال " قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من كان عقله في البقر على أهل البقر مائتي بقرة، ومن كان في الشاة ألفي شاة " فإنّه كذلك ضعيف فإن في إسناده محمد بن راشد الدمشقي المكحولي، وقد تكلم فيه غير واحد، فلا تقبل روايته، فيرد ولا يستدل به. وعليه فإن النصوص الصحيحة إنما وردت في الإبل ليس غير ولم تذكر غيرها، وما ورد في الأحاديث الضعيفة لا قيمة له ولا يحتج به فلا يستدل به على غير الإبل، فتعين أن تكون الدية من الإبل فقط إذا كانت من النعم. وأما ما ورد عن عمر بأنه " فرض الدية على أهل البقر مائتي بقرة " فإن عمل عمر ليس حجة فلا يكون دليلاً. على أن الحديث الذي روي عن عمر روي من طريق ابن لهيعة فإسناده ضعيف من أجل ابن لهيعة فهو اثر غير معتبر فيرد. وأما ما أخرجه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن عمر وقف خطيباً فقال: " ألا إن الإبل قد غَلَتْ فقوّم على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الوَرِق اثني عشر ألفاً، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة " فإنّه لا يصلح دليلاً لأنّه قول لعمر، وقول الصحابي ليس دليلاً شرعياً، ولأنّ هذا اجتهاد من عمر في تقويم الإبل وليس تعداداً لأصول الدية، ولذلك جاء فيه " ألا إن الإبل قد غَلَتْ فقوّم على أهل الذهب… الخ " فهو تقويم للإبل، أي هو اجتهاد لعمر في تقويم الإبل، واجتهادات الصحابة ليست من الأدلة الشرعية.
والإبل في الدية أصل من أصول الدية، فلا يؤخذ بدلها، ولا تُقَوَّم، فلا يؤخذ بقر ولا غنم ولا حُلَلٌ ولا غير ذلك، وتؤخذ الإبل وليس غير، ولا تقوّم بالنقد، لأنّه لم يرد نص بتقويمها به، ولأنها دِيَةٌ أصلٌ وليست بدلاً.
هذا كله في دية النعم، وهي دية الإبل، وأما دية النقد فَقَدْرُها في الذهب ألف دينار وفي الفضة اثنا عشر ألف درهم. أما الدليل على الدية من الذهب فهو ما رواه النَّسائي عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده " وعلى أهل الذهب ألف دينار " . وأما الدليل على الدية من الفضة فهو ما روي عن عكرمة عن ابن عباس: " أن رجلاً قتل فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ديته اثني عشر ألفاً " ، أي اثني عشر ألف درهم. فتدفع دية القتيل من النقد إما ألف دينار، وإما اثنا عشر ألف درهم، ولا تدفع بغير ذلك من النقد لأنّ النص ورد بالذهب والفضة، ويجب أن يتقيد بالنص.
والدينار الشرعي يساوي وزن [ 4,25 ] غراماً ذهباً، وهو وزن المثقال الشرعي. والدرهم الشرعي يساوي وزن [ 2,975 ] غراماً فضة.
وعلى ذلك تكون دية القتيل من الذهب تساوي وزن [ 4250 ] غراماً ذهباً. ومن الفضة تساوي وزن [ 35700 ] غراماً فضة. وتدفع بالنقود الورقية عن الألف دينار ذهباً مقدار ثمن ( 4250 ] غراماً من الذهب، وعن الاثني عشر ألف درهم من الفضة مقدار ثمن [ 35700 ] غراماً من الفضة.
ودية الحر والعبد والذكر والأنثى والمسلم والذمي سواء من غير فرق بينها. أما كون دية الذكر والأنثى والحر والعبد سواء فلقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المسلمون تتكافأ دماؤهم " ولقوله عليه السلام: " في النفس المؤمنة مائة من الإبل " ولقوله عليه السلام: " عقل شبه العمد مغلظ " وقوله: " ألا إن قتيل الخطأ شبهِ العمد قتيلَ السوط أو العصا فيه مائة من الإبل " ولما ورد في كتاب النبي لأهل اليمن: " وان في النفس الدية مائة من الإبل " فهذه الأدلة عامة يدخل فيها الذكر والأنثى والحر والعبد، فقوله: " تتكافأ دماؤهم " يدل على أن دياتهم تتكافأ، فلا تميز دية الحر على دية العبد، ولا دية الذكر على دية الأنثى، وقوله: " شبه العمد " و " قتيل الخطأ " عام يشمل كل شبه عمد، وكل قتيل خطأ، فتدخل فيه المرأة والرجل والحر والعبد، وقوله: " في النفس المؤمنة " وقوله: " وإن في النفس " يدخل تحت كلمة النفس الرجل والمرأة والحر والعبد . فهذه الأدلة صريحة في أن الدية واحدة للرجل والمرأة والحر والعبد ولا تفاضل بينها. وأما ما رُوي عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " دية المرأة نصف دية الرجل " فهو حديث ضعيف لا يحتج به، وقد قال البيهقي عن هذا الحديث: إسناده لا يثبت مثله. وأما ما أخرجه البيهقي عن علي عليه السلام أنه قال: " دية المرأة على النصف من دية الرجل في الكل " فإنّه قول صحابي ولا يعتبر دليلاً شرعياً. وفوق ذلك فإنّه من رواية إبراهيم النخعي، وفيه انقطاع فيرد. وعلى ذلك فإن الذين يقولون إن دية المرأة نصف دية الرجل لا يوجد لهم دليل صحيح، فلم يبق إلاّ الأدلة العامة فهي تدل على العموم، ويكفي قول الرسول: " وإن في النفس المؤمنة " وقوله: " وإن في النفس " دليلاً على أن دية الرجل كدية المرأة. وأما الذين يقولون إن دية العبد والأمة قيمتها، بالغة ما بلغت، أن لا تبلغ بها دية الحر أجمع، فإنّه لا دليل لهم مطلقاً، لا حديث صحيح، ولا حديث ضعيف، ولا رواية صحيحة، ولا رواية سقيمة، وكل ما استندوا إليه إجماع أهل العلم، فيقولون " أجمع أهل العلم " ومعلوم أن إجماع أهل العلم لا قيمة له، ولا يعتبر دليلاً شرعياً، وكيف يقف إجماع أهل العلم أمام النصوص العامة، ولا سيما أمام قوله صلى الله عليه وسلم : " في النفس المؤمنة مائة من الإبل " وقوله صلى الله عليه وسلم : " وإن في النفس الدية مائة من الإبل " وهل ينكر أحد في الدنيا أن العبد والأمة نفس، لذلك يرد قول من احتج بإجماع أهل العلم، وتكون دية العبد والأمة كدية الحر والحرة سواء بسواء.

**أوجه القتل

والقتل على أربعة أوجه: عمد، وشبه العمد، وخطأ، وما أجري مجرى الخطأ. أما العمد فواضح من قوله تعالى: ( ومن يقتل مؤمناً متعمداً ) وأما شبه العمد فواضح مما روى عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ألا إن دِيَةَ الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها " وأما الخطأ فواضح من قوله تعالى: ( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ ) وأما ما أجري مجرى الخطأ فإنّه قسم من الخطأ إلاّ أنه لا ينطبق عليه تعريف القتل الخطأ فواقعه غير واقع الخطأ، إذ الخطأ تصحبه إرادة الفعل من حيث هو، ولكنه يخطئ في الجهة التي يقع عليها الفعل، أما ما جرى مجرى الخطأ فإنّه لا تصحبه إرادة الفعل مطلقاً، فالفعل يقع منه على غير إرادته، فكان واقعه غير واقع الخطأ.

القتل العمد

القتل العمد هو أن يضرب شخص شخصاً بشيء، الغالب أن يقتل مثله، أو يفعل شخص بشخص فعلاً، الغالب من ذلك الفعل أن يقتل به. ويدخل تحت هذا ثلاثة أنواع:

أحدها: أن يضربه بما يقتل غالباً كالسيف والسكين والمسدس والقنبلة، وما شاكل ذلك من الأشياء التي تقتل غالباً. أو أن يضربه بمثقل كبير يقتل مثله، سواء كان من حديد كالسندان والمطرقة، أو حجر ثقيل، أو صخرة كبيرة، أو خشبة ضخمة، أو ما شاكل ذلك. فهذه يعتبر القتل فيها من نوع القتل العمد، وتطبق عليه أحكام العمد.

النوع الثاني: أن يضربه بما لا يقتل غالباً، ولكن اقتران شيء آخر به يجعله مما يقتل غالباً، كالعصا إذا كانت فيها حديدة مثقله، أو كانت قد دق قي رأسها الثقيل مسامير كبيرة، أو تكرر الضرب بها تكراراً يقتل غالباً، وكالحجر إذا كان قد حددت أطرافه بحيث غدا كالسكين، أو تكرر الضرب به تكراراً يقتل غالباً. فهذه وأمثالها يعتبر القتل فيها من نوع القتل العمد، فقد روي عن أنس: " أن يهودياً رض رأس جارية بين حجرين، فقيل لها من فعل بك هذا فلان أو فلان حتى سمي اليهودي، فأومأت برأسها، فجيء به فاعترف، فأمر به النبي  فرضّ رأسه بحجرين " أي قتله، وفي رواية لمسلم: " فقتلها بحجر، فجيء بها إلى النبي  وبها رمق " .

النوع الثالث: أن يفعل به فعلاً الغالب من ذلك الفعل أن يتلف به، وذلك كأنّ يربط عنقه، بحبل ويشنقه، أو أن يلقيه من شاهق كرأس جبل، أو بناية عالية، أو من قطار أو من سيارة مسرعة، أو يلقيه في البحر إلقاء يغرق منه، أو يلقيه في النار، أو أن يجمع بينه وبين أسد أو نمر في مكان ضيق كقفص مثلاً، أو أن يحبسه في مكان ويمنع عنه الطعام والشراب مدّة لا يبقى فيها حتى يموت، أو يسقيه سماً، أو يطعمه شيئاً قاتلاً، أو أن يتسبب في قتله بما يقتل غالباً، كأنّ يكره رجلاً على قتل آخر فيقتله، فيكون هو القاتل مع القاتل المباشر، وهكذا. فإن كل فعل يكون الغالب منه القتل يعتبر من القتل العمد، لما روى أبو داود في خبر اليهودية التي أتت النبي صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة، فإن أبا سلمة قال فيه: " فمات بشر بن البراء فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فقتلت " .

عقوبة قتل العمد

حكم القتل العمد - بجميع أنواعه - أن يُقتَل القاتل، أي يجب في القتل العمد القود، وهو قتل القاتل جزاء على ارتكابه القتل العمد، إذا لم يعف أولياء المقتول. فإن عفوْا فَدِيةٌ مُسَلَّمةٌ إلى أهله، إلاّ أن يَصَّدَّقوا. والدليل على ذلك قوله تعالى: ( ومن قُتِل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القَتْل ) وقوله تعالى: ( كُتِبَ عليكم القصاصُ في القتلى ) وقوله تعالى:( ولكم في القصاص حياة ) والقصاص المماثلة، أي قتل القاتل. وروى البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من قُتِل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يفتدي، وإما أن يَقتُل " وروى أبو داود عن أبي شريح الخزاعي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من أصيب بدم أو خَبَل - والخبل الجراح - فهو بالخيار بين إحدى ثلاث، إما أن يقتص، أو يأخذ العقل، أو يعفو، فإن أراد رابعة فخذوا على يديه " وقال صلى الله عليه وآله وسلم: " العمد قود إلاّ أن يعفو ولي المقتول " وأخرج أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " مَنْ قَتَل عامداً فهو قَوَد " وأخرج ابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مَنْ قَتَل عامداً فهو قَود، ومَنْ حال بينه وبينه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبَل منه صَرْف ولا عدل " وروى الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " مَنْ قَتَلَ متعمداً دُفِعَ إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوه، وإن شاءوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حِقَّة، وثلاثون جَذَعَة، وأربعون خَلِفَة، وما صولحوا عليه فهو لهم " . فهذه الأدلة صريحة الدلالة بأن حكم قاتل العمد القود، أي أن يُقْتَل القاتل، أو يأخذ الولي الدية، أو يعفو.**

**القتل شبه العمد

القتل شبه العمد هو أن يقصد قتله بما لا يقتل غالباً، إما لقصد العدوان عليه، أو لقصد التأديب له فيسرف فيه، كالضرب بالسوط والعصا، والحجر الصغير، والوكز واليد، وسائر ما لا يقتل غالباً، لعدم اقترانه بشيء آخر يجعله يقتل غالباً. فإذا قَـتَل بهذه الأشياء ومثلها فهو شبه عمد، لأنّه قصد الضرب دون القتل. ويسمى عمد الخطأ، وخطأ العمد، لاجتماع العمد والخطأ فيه، فإنّه عمد الفعل، وأخطأ في الفعل، لما روى أبو هريرة قال: " اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم أن دية جنينها عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها " . فأوجب ديتها على عاقلتها، والعاقلة لا تحمل عمداً.

عقوبة القتل شبه العمد

وأما حكم القتل شبه العمد فدية مغلظة، وهي مائة من الإبل، أربعون منها في بطونها أولادها، وذلك لما روى أحمد وأبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " عقل شبه العمد مُغَلَّظ مثل العمد، ولا يُقتَل صاحبه، وذلك أن ينزو الشيطان بين النّاس، فتكون دماء في غير ضغينة، ولا حمل السلاح " وروى البخاري عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ألا أن قتيل الخطأ شبه العمد قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها " .

القتل الخطأ

القتل الخطأ على ضربين: أحدهما أن يفعل فعلاً لا يريد به إصابة المقتول، فيصيبه ويقتله، كأنّ يرمي صيداً فيصيب إنساناً فيقتله، أو يفعل فعلاً فيؤول هذا الفعل إلى قتل شخص لم يكن قاصداً قتله، أو ضربه من هذا الفعل، سواء أكان الفعل الذي فعله مما يجوز له فعله أم لا يجوز، وذلك كأنّ يرجع في السيارة إلى الخلف فيقتل شخصاً لم يكن يراه، أو كأنّ يقصد قتل شخص، فيصيب شخصاً غيره فيقتله، فإنّه يكون من نوع القتل الخطأ. الضرب الثاني من الخطأ: أن يقتل في بلاد الكفّار كأوروبا أو أمريكا مثلاً شخصاً يظنه كافراً حربياً، ويكون هذا الرجل قد أسلم، وكتم إسلامه إلى أن يقدر على التخلص إلى أرض الإسلام، فيكون هذا القتل من نوع القتل الخطأ.

هذان النوعان يمثلان القتل الخطأ، فكل ما دخل تحتهما فهو قتل خطأ. وأما حكم القتل الخطأ ففيه تفصيل، فإن كان من النوع الأول من الخطأ، وهو أن يفعل فعلاً لا يريد به إصابة المقتول، فإنّه في هذه الحال يجب فيه الدية مائة من الإبل، وتجب فيه الكفارة عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين. وإن كان من النوع الثاني، وهو قَتْل كافر في بلاد العدو، وظهر بعد ذلك أنه مسلم يكتم إسلامه، فإنّه في هذه الحال تجب فيه الكفارة فقط، ولا تجب الدية. ودليل ذلك قوله تعالى: ( وما كان لمؤمن أن يَقْتُل مؤمناً إلاّ خطأ، ومَنْ قَتَل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة وَدِيَةٌ مسلمة إلى أهله إلاّ أن يصّدقوا. فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة، وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فَدِيَة مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، توبة من الله وكان الله عليماً حكيماً ). ففي هذه الآية قال الله تعالى: ( ومَنْ قَتَل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلّمة إلى أهله إلاّ أن يصدقوا ) فهذا يدل على أن عقوبة القتل الخطأ هي الدية والكفارة معاً، ولا فرق في ذلك بين أن يكون المقتول مسلماً، أو كافراً له عهد، بدليل قوله تعالى في الآية نفسها: ( وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ) وفي هذه الآية أيضاً قال الله تعالى: ( فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ) فقال هنا بجانب الذي كان من قوم عدو للمسلمين وهو مؤمن: فتحرير رقبة مؤمنة فقط، ولم يذكر غيرها، مع أنه ذكر الدية مع تحرير الرقبة في الآية التي قبلها، والآية التي بعدها مما يدل على أن الحكم في هذه يختلف عنها، فدل على أن الحكم في هذه الحالة هو كفارة فقط، أي تحرير رقبة مؤمنة، أو صيام شهرين متتابعين، وهذا هو دليل الحالة الثانية فتكون الآية كلها دليلاً على القتل الخطأ.

ما أجري مجرى الخطأ

ما أُجري مجرى الخطأ هو أن يصدر من الشخص فعل بغير إرادته، فيتسبب عنه قتل شخص، وذلك كأنّ ينقلب نائم على شخص فيقتله، أو يقع عليه من علو فيقتله، أو يصيبه العثار فيقع على شخص فيقتله، أو يكون يلعب بالسلاح فيفلت منه جبراً فيقتل إنساناً، أو ينكسر شيء في السيارة فتفلت من السائق وتقتل شخصاً، أو ما أشبه ذلك من الأفعال، فإنّه يجري مجرى الخطأ، وإن كان قد وقع جبراً على الفاعل. وذلك لأنّه يشبه النوع الأول من القتل الخطأ. فالرجوع في السيارة إلى الخلف قتل خطأ، فيشبهه في ذلك كسر شيء في السيارة وانفلاتها منه، فيكون قتلاً خطأ، وكذلك إصابة الإنسان حين رمي الصيد قتل خطأ، وكذلك لعبه بالسلاح وقتل إنسان قتل خطأ، فالشبه بينهما واضح، سوى أن الخطأ حصلت في الفعل إرادة من الفاعل، ولكن لا لما حصل من الفعل، أما ما أُجري مجرى الخطأ فانه لم تحصل إرادة من الفاعل مطلقاً، لا لما حصل من الفعل ولا من غيره، ولهذا لم يُقَل إنه خطأ بل أُجري مجرى الخطأ. ولهذا فإن حكمه كحكم القسم الأول من الخطأ، أي تجب فيه الدية مائة من الإبل، وتجب فيه الكفارة وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين.**

**وأما آية ( الحرّ بالحرّ، والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ) فإن منطوقها يدل على أن الحر إذا قَتَل حراً يُقتَل به، والعبد إذا قَتَل عبداً يُقتَل به، والأنثى إذا قتلت أنثى تُقتَل بها، فلا دلالة في منطوق الآية على غير هذا، إلاّ أن مفهوم المخالفة في الآية يدل على أن الحرّ إذا قَتَل عبداً لا يُقتَل به، وأن الذكر إذا قَتَل أنثى لا يُقتَل بها، ومفهوم المخالفة مفهوم صفة لا مفهوم لقب، فيعمل به إذا لم يرد نص أخر يلغيه. أما إذا ورد نص يلغيه فيعطل المفهوم، ولا يعمل به، ولا يعتبر النص الذي ألغى المفهوم ناسخاً للمفهوم، لأنّ النسخ إنما يكون للمنطوق، أما المفهوم فإن النص يعطله. فمثلاً قوله تعالى: ( ولا تُكرِهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً ) يدل مفهوم المخالفة فيه على أنه إن لم يردن تحصناً يجوز إكراههن على البغاء، ولكن هذا المفهوم قد ألغي وعُطل بنص يدل على خلافه، وهو قوله تعالى: ( ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً )وقوله تعالى: ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) فإن هذا النص عطل مفهوم المخالفة لآية: ( ولا تكرهوا ) والغاه. ومثل قوله تعالى: ( لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة ) فإن مفهوم المخالفة للآية أن يؤكل الربا إذا لم أضعافاً مضاعفة، إلاّ أن هذا المفهوم يلغى ويعطل ولا يعمل به، لأنّ هناك نصاً يدل على خلافه، وهو قوله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا ) وقوله تعالى: (وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم ) وآية: ( الحرّ بالحر?ّ ) من هذا القبيل، فإن الله تعالى يقول: ( كتب عليكم القصاص في القتلى الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ) فإن مفهوم المخالفة لها أن الحرّ لا يُقتَل بالعبد، وأن الذكر لا يُقتَل بالأنثى. إلاّ أن هذا المفهوم يلغى ويعطل ولا يعمل به، لأنّ هناك نصاً يدل على خلافه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم في حديث سمرة: " مَنْ قَتَل عبده قتلناه " وقوله عليه السلام في كتابه لأهل اليمن: " أن الذكر يقتل بالأنثى " فبقي في الآية منطوقها فحسب، وبقي الاستدلال بالأحاديث الصحيحة، الدالة على أن الحر يقتل بالعبد، وأن الذكر يقتل بالأنثى.

وعلى ذلك فإن حديث ابن مسعود: " النفس بالنفس " عام فأي نفس قُتِلت فإنّه يُقتَل قَاتِلُها، فيكون القَوَد إنساناً بإنسان، نفساً بنفس، فمن قَتَل نفساً قُتِل بها، ذكراً كان أو أنثى، حراً أو عبداً، مسلماً أو كافراً.

وهذه النصوص في قتل النفس بالنفس عامة فتنطبق على كل نفس، إلاّ ما جاء النص مستثنياً له فيستثنى، وبمراجعة النصوص يتبين أنه لم يرد نص يستثني قتل القاتل العمد إلاّ نص واحد يستثني الأب والأم إذا قتل أي منهما ابنه أو بنته وإن سَفَل. فلا يُقتَل الأب بولده، ولا يُقتَل الجدّ بولد ولده، وإن نزلت درجته، وسواء في ذلك ولد البنين، أو ولد البنات. وكذلك لا تُقتَل الأم بولدها، ولا الجدة بولد ولدها، وإن نزلت درجته، سواء في ذلك ولد البنين، أو ولد البنات. والدليل على ذلك ما رواه عمر بن الخطاب وابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يُقتَل والد بولده " وهذا نص صريح ويعتبر الحديث من الحديث المشهور. وأما قتل الولد بأبيه وأمه فإنّه لم يرد نص صحيح باستثنائه، فيقتل به عملاً بعموم النصوص. فإذا قَتَل الولد أباه وإن علا فإنّه يُقتَل به، وإذا قتل الولد أمه وإن علت فإنّه يُقتَل بها لعموم قوله: ( كتب عليكم القصاص في القتلى ) ولعدم ورود نص صحيح يخصصه في غير الابن، كما ورد نص يخصصه بغير الأب. وأما ما رُوي عن سُراقة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يقاد الأب من ابنه، ولا الابن من أبيه " فإن هذا الحديث لم يرد في كتب السنن المشهورة، ويقول الفقهاء بأنه لا يظن أن له أصلاً، وما دام الحديث لم تثبت صحته، فإنّه لا يصح الاستدلال به، فلا يخصص به العموم، وفوق ذلك فإنّه روي عن سراقة نفسه: " أنه صلى الله عليه وسلم كان يقيد الأب من ابنه، ولا يقيد الابن من أبيه " وقد رواه الترمذي، وهذا يعارض الحديث الأول، ولا يعلم تاريخهما، فلا يمكن أن يدعى النسخ، ولا يمكن الجمع بينهما، لأنهما متعارضان تعارضاً تاماً، فهما إذاً حديثان متدافعان، فيجب اطراحهما، والعمل بالنصوص الصريحة الواضحة.**

**حكم إتيان المرأة في دبرها

إتيان المرأة في دبرها حرام، فيحرم على الرجل أن يأتي المرأة في دبرها، واعتبرها بعض الأئمة من الزنا، وهو وإن كان لا يسمى لواطاً ولكنه كاللواط. وقد يقال اللواطة بالمرأة، فيفهم منه إتيان المرأة في دبرها، ولكن اللواط إذا أطلق، معناه إتيان الرجلِ الرجلَ، وليس له معنى آخر، فلا يقال عن إتيان المرأة في دبرها أنه اللواط. ولهذا فإن حرمة إتيان المرأة في دبرها ليس آتياً من حيث كونه زنا، ولا آتياً من حيث كونه لواطاً، فإنّه ليس بزنا، ولا هو باللواط، وإنما آت من الأدلة الشرعية التي دلت عليه. قال الله تعالى: ( فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله ). فهو نص بتقييد إتيان المرأة من حيث أمر الله إتيانها وهو الفرج، ومفهومه أن لا تأتوها من غير المكان الذي أمركم الله إتيانها منه، وهذا راجع إلى ما أمر الله به من النكاح من مثل قوله: ( فانكحوا ما طاب لكم ) وقوله: ( وأنكحوا الأيامى منكم ) وقوله: ( فانكحوهن بإذن أهلهن ) وهو الزواج. فالأمر نص في أن يأتي الرجال النساء في المكان الذي أمر الله به وهو الفرج، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: " ( فأتوهن من حيث أمركم الله ) يقول في الفرج، ولا تعدوه إلى غيره، فمن فعل شيئاً من ذلك فقد اعتدى " . وقال مجاهد: " ( من حيث أمركم الله ) يعني الفرج " . ولا يقال إن هذا راجع لقوله: ( فاعتزلوا النساء في المحيض ) لأنّ الآية: ( ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يَطْهُرْنَ فإذا تَطَهّرْنَ فأْتوهن من حيث أمركم الله ) لا يقال ذلك لأنّ المحيض زمن، وليس بمكان، فلو كان هو المقصود لقال ائتوهن في غير وقت المحيض، ولكنه عبر بحيث الدالة على المكان، فلا يمكن أن ينصرف للحيض، لوجود حيث وهي لا تدل إلاّ على المكان، فمعناه ليس المحيض، بل المكان، أي ائتوهن من حيث أمركم الله، أي في المكان الذي أمركم وهو الفرج، فإنّه هو الذي أمر بإتيانه بآيات النكاح والزواج، ويؤيد هذا أنه عقب ذلك بالآية التي بعدها ببيان وضعية النساء بأنها للنسل وقال: ائتوا ما يأتي منه النسل وذلك لا يكون الا في الفرج. ولذلك قال: ( فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) فإن هذه الآية (نساؤكم حرث لكم ) بيان لما قبلها وهو قوله: ( فأتوهن من حيث أمركم الله ) فهي بيان للمكان الذي أمر الله به وهو الفرج، وقوله: ( حرثكم ) كناية عن مكان الزرع، وقوله: ( أنّى شئتم ) أي كيف شئتم لأنّ  أنّى  معناها كيف وليس معناها من أين فإن كلمة ( أنّى ) تستعمل بمعنى كيف، ولا تستعمل بمعنى من أين إلا في النادر القليل، على أنه لو فرض أنها تستعمل في المعنيين فإن قوله ( حرثكم ) قرينة على أن معناها هنا " كيف " وليس من أين، وهذه القرينة جاءت في موضعين، فإنّه قال: ( نساؤكم حرث لكم ) وهذا كاف بأن معنى كونهن حرثاً أن يؤتَيْنَ في مكان الحرث، ولكنه كرره فأعاد كلمة الحرث عند أمره بالإتيان فقال:( فأْتوا حرثكم أنّى شئتم ) ولم يقل فأتوهن أنى شئتم، للتأكيد ولنفي كل احتمال. فكأن الله يقول: لا حرج عليكم في إتيان النساء بأي كيفية شئتم من موضع الحرث، فقوله: ( فأْتوا حرثكم ) نص في الإتيان في الفرج. على أن سبب نزول الآية وهو الموضوع الذي نزلت فيه دال على أن الموضوع هو السؤال عن كيفية الإتيان فيكون خاصاً به. عن سفيان بن سعيد الثوري أن محمد بن المنكدر حدثهم أن جابر بن عبد الله أخبره أن اليهود قالوا للمسلمين من أتى امرأة وهي مدبرة جاء الولد أحول فأنزل الله ( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ) قال ابن جريح في الحديث فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مقبلة ومدبرة إذا كان في الفرج " . وعليه فإن قوله تعالى: ( فأْتوهن من حيث أمركم الله ) يدل على تحريم إتيانها في غير ما أمر الله به، وقوله: ( نساؤكم حرث لكم ) الآية بيان لما أمر الله الإتيان منه وهو الفرج، علاوة على ما جاء في آيات النكاح والزواج. وهذا دليل على تحريم إتيان المرأة في دبرها. على أن هناك أحاديث تنص صراحة على أن النهي عن إتيان المرأة في دبرها. عن خزيمة بن ثابت: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يأتي الرجل امرأته في دبرها " وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً أو امرأة في الدبر " وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الذي يأتي امرأته في دبرها هي اللوطية الصغرى " وعن علي بن طلق قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تؤتى النساء في أدبارهن فإن الله لا يستحي من الحق " وأخرجه أحمد أيضاً عن أبي معاوية، وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن سهيل بن أبي صالح عن الحارث عن مخلد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الذي يأتي امرأته في دبرها لا ينظر الله إليه " وقال أحمد أيضاً: حدثنا عفان حدثنا وهيب حدثنا سهيل عن الحارث بن مخلد عن أبي هريرة يرفعه قال: " لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها " . فهذه الأحاديث كلها دليل على تحريم إتيان النساء في أدبارهن. فيحرم على الرجل إتيان امرأته في دبرها. إلاّ أن الشرع لم يجعل له حدّاً مقدراً من العقوبة فلا يكون من الحدود، وإنما يدخل في باب التعزير، ولذلك على الإمام أو القاضي أن يقدر له عقوبة موجعة تكون زاجرة، لأنّ العقوبة ولو كانت تعزيراً لا بد أن تكون رادعة، فلا بد أن تكون موجعة، والأولى ترك تقديرها للقاضي.**

**حد اللواط

عقوبة اللواط غير عقوبة الزنا، لأنّ الزنا غير اللواط. فواقع هذا غير واقع هذا، وكل منهما يختلف عن الآخر. فاللواط ليس نوعاً من أنواع الزنا حتى يقال إنه يدخل تحت عموم الأدلة الواردة في الزنا، لأنّ الزنا إيلاج رجل في فرج امرأة، واللواط إيلاج رجل في دبر ذكر، والإيلاج في الفرج غير الإيلاج في الدبر، ومن هنا كان هذا غير ذاك. وأيضاً لا يقاس اللواط على الزنا، لأنّ النص الوارد في الزنا لم يعلل حتى يصح القياس بجامع العلة. وفوق هذا فإن إتيان المرأة في دبرها لا يكون لواطاً، ولا يسمونه لواطاً، لأنّ اللواط ليس الإتيان في الدبر، وإنما هو إتيان الرجل الرجل، أي إيلاج الرجل في دبر ذكر. وعليه فالزنا غير اللواط، ولا يقاس عليه. وأما حديث: " إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان، وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان " ففي إسناده محمد به عبد الرحمن، وكذّبه أبو حاتم، وقال البيهقي لا أعرفه، والحديث منكر. ولو فرض صحته فإن المراد منه التشبيه، أي كالزانيين، بدليل أنه لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رجم في اللواط، ولا أنه حكم فيه، وثبت عنه أنه قال: " اقتلوا الفاعل والمفعول " فلو كان قوله " زانيان " على الحقيقة لكان حد اللواط كحد الزنا، وحتى إن الحديث الذي يروونه برجم اللوطية يروونه برجم البكر، أي برجم المحصن وغير المحصن، وهذا يعني أن حكم اللواط غير حكم الزنا، لذلك كله فإن عقوبة اللواط غير عقوبة الزنا.

أما الحكم الشرعي في عقوبة اللواط فهو القتل، سواء أكان محصناً أم غير محصن، فكل من ثبت عليه اللواط سواء أكان فاعلاً أم مفعولاً به يقتل حدّاً، والدليل على ذلك السنة وإجماع الصحابة. أما السنة فعن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به " رواه الخمسة إلاّ النسائي، وقال الحافظ رجاله موثوقون، إلاّ أن فيه اختلافاً. وقال ابن الطلاع في أحكامه ( لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رجم في اللواط، ولا أنه حكم فيه، وثبت عنه أنه قال: " اقتلوا الفاعل والمفعول به " رواه عنه ابن عباس وأبو هريرة انتهى ). فهذا دليل من السنة أن حكم اللواط هو القتل. وأما ما روي عن سعيد بن جبير ومجاهد عن ابن عباس " في البكر يوجد على اللوطية يرجم " فإن المراد منه يقتل بالرجم، وليس معناه أن حدّه الرجم، ويدل على ذلك أن الأدلة الواردة في قتل الفاعل والمفعول به مطلقاً لم تفرق بين البكر والثيب، والرجم حد للثيب فقط، ونص الحديث أنه يفعل ذلك بالبكر، مما يدل على أنه غير حدّ الرجم. وعليه فإن حديث ابن عباس من طريق سعيد بن جبير ومجاهد لا يعارض حديث ابن عباس من طريق عكرمة، فإن كلا منهما يدل على القتل، إلاّ أن حديث الرجم يدل على القتل بأسلوب معين، وحديث القتل يدل على القتل مطلقاً. فالحكم هو القتل ويجوز أن يقتل بالرجم، ويجوز أن يقتل بالشنق، ويجوز أن يقتل بالرصاص، ويجوز أن يقتل بأية وسيلة من الوسائل. فالحكم هو القتل، وليس الأسلوب، ولا الوسيلة التي يقتل بها.

وأما إجماع الصحابة فإن الصحابة قد اختلفوا في أسلوب قتل اللوطي ولكنهم أجمعوا على قتله. فقد أخرج البيهقي عن علي رضي الله عنه أنه رجم لوطياً، وأخرج البيهقي عن أبي بكر أنه جمع النّاس في حق رجل يُنكَح كما يُنكَح النساء، فسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فكان أشدهم يومئذ قولاً علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: " هذا ذنب لم تعص به أمة من الأمم إلاّ أمة واحدة صنع الله بها ما قد علمتم، نرى أن نحرقه بالنار " ، وروي عن جعفر بن محمد أن أبيه عن علي في غير هذه القصة قال: " يرجم ويحرق بالنار " . وأخرج البيهقي عن ابن عباس أنه سئل عن حد اللوطي فقال: " ينظر أعلى بناء في القرية فيرمى به منكساً، ثمّ يتبع الحجارة " . وروي عن علي: " أنه يقتل بالسيف، ثمّ يحرق لعظم المعصية " وذهب عمر وعثمان: " إلى أنه يلقي عليه حائط " . فهذه كلها أراء تدل جميعها على القتل، وإنْ اختلفت في أسلوب القتل. على أنه قد حكى صاحب الشفاء: " إجماع الصحابة على القتل " . وعليه يكون الإجماع، أي إجماع الصحابة قد انعقد على أن اللوطي حكمه القتل، سواء أكان فاعلاً، أم مفعولاً به، محصناً كان، أو غير محصن. وإجماع الصحابة وحده دليل شرعي فكيف إذا تأيّد ذلك بالسنة. وعليه فإن الحدّ المقدر شرعاً للوطية ليس حدّ الزنا، وإنما هو القتل بغض النظر عن الوسيلة التي يقتل بها.

وبينة اللواط ليست كبينة الزنا، وإنما كبينة أي حد من الحدود غير الزنا، لأنّه ما دام لا يصدق على اللواط أنه زنا فلا يصدق عليه دليل بينة الزنا، فيدخل تحت أدلة باقي الحدود. وعليه يثبت اللواط بالإقرار، ويثبت بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، كبينة السرقة وغيرها من بينات الحدود. ويشترط في حد اللواط أن يكون اللوطي، فاعلاً كان أو مفعولاً به، بالغاً عاقلاً مختاراً، وأن يثبت اللواط عليه بالبينة الشرعية، وهي شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، فلو كان صبياً أو مجنوناً أو مكرهاً إكراهاً ملجئاً لا حد عليه.**

**ثالثها: الحبل: أي ظهور الحبل عليها، وإذا حبلت المرأة، ولا زوج لها، عليها الحدّ، لقول عمر: " والرجم واجب على كل من زنى من الرجال والنساء إذا كان محصناً، إذا قامت بينة، أو كان الحبل والاعتراف " . وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: " يا أيها النّاس إن الزنا زناءان: زنا سر، وزنا علانية، فزنا السر أن يشهد الشهود، فيكون الشهود أول من يرمي، وزنا العلانية أن يظهر الحبل، أو الاعتراف، فيكون الإمام أول من يرمي " وهذا قول سادة الصحابة، ولم يظهر لهم في عصرهم مخالف، وهذا الأمر مما ينكر، ولم يوجد منكر فكان إجماعاً.

إلاّ أنه في حالة الحبل يدرأ الحدّ عن المرأة إذا بينت سبباً للحبل، لأنّه يكون حينئذ شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات، فإذا قالت المرأة إنها حبلت من إدخال ماء رجل في فرجها دون زنا، سواء بفعلها أو بفعل غيرها، أو قالت إني أكرهت على الزنا إكراهاً ملجئاً، أو قالت غير ذلك من أسباب الحبل التي تكون شبهة يُدرأ الحد عنها ولا يقام عليها، فقد روى سعيد: حدثنا خلف بن خليفة حدثنا هاشم " أن امرأة رُفعت إلى عمر بن الخطاب ليس لها زوج وقد حملت، فسألها عمر فقالت: إني امرأة ثقيلة الرأس، وقع علي رجل وأنا نائمة، فما استيقظت حتى فرغ، فدرأ عنها الحدّ " . وروى البراء بن صبرة عن عمر " أنه أُتي بامرأة حامل، فادعت أنها أكرهت، فقال: خلّ سبيلها، وكتب إلى أمراء الأجناد ( أن لا يقتل أحد إلا بإذنه ) " . وفعل عمر وإن كان ليس دليلاً شرعياً ولكنه حكم شرعي، فيجوز تقليد عمر بهذا أي يجوز للخليفة أن يأمر بعدم الحكم بالقتل بعد استكمال أسباب الحكم إلاّ بإذنه.

هذه هي بينة الزنا، ولا يثبت الزنا بغيرها مطلقاً، فهي ليست داخلة تحت نصوص الشهادات، ولا تحت نصوص البينات، بل هي بينة خاصّة لأمر خاص، وتعتبر جزءاً لا يتجزأ من أحكام حدّ الزاني، فهي نص ويجب التقيد بهذا النص. وعليه لا يثبت الزنا بشهادة طبيب على بكر بأنها ثيب، أو بأنها زنت، أو بأنها قد وُطِئت، أو ما شاكل ذلك، وكذلك لا يثبت بشهادة قابلة، ولا يثبت بأي شيء سوى واحد من هذه الثلاثة، حتى لو تحقق القاضي من الزنا، لأنّ المقصود ليس إقامة بينة على الزنا، بل إقامة بينة معينة عينها الشرع، وليس المقصود إقامة الأمارات، والأمور التي تثبت للقاضي وقوع الزنا، أو تجعل القناعة تحصل عند القاضي، بأن الزنا قد وقع، بل المقصود هو ثبوت الزنا بهذه البينة المخصوصة، وليس ثبوت الزنا فقط، بل ثبوته ببينة معينة. ولهذا نجد الرسول صلى الله عليه وسلم: يظهر قناعته بأن امرأة معروفة زانية ومع ذلك لم يحدّها لعدم وجود البينة، فعن ابن عباس قال: قال رسول الله : " لو كنت راجماً أحداً بغير بينة لرجمت فلانة، فقد ظهر منها الريبة في منطقها، وهيئتها، ومن يدخل عليها " وعن ابن عباس " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاعَنَ بين العجلاني وامرأته، فقال شداد بن الهادي هي المرأة التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:: لو كنت راجماً أحداً بغير بينة لرجمتها ؟ قال: لا تلك امرأة كانت قد أعلنت في الإسلام " وفي لفظ البخاري " كانت تظهر في الإسلام السوء " أي كانت تعلن بالفاحشة ولكن لم يثبت عليها ذلك ببينة الزنا ولا اعتراف، وأيضاً فقد جاء في حديث ابن عباس عن قذف هلال بن أمية لامرأته بشريك بن سمحاء ونزول آية اللعان، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم: فأرسل إليهما فجاء هلال فشهدوا النبي صلى الله عليه وسلم: يقول " إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب " ثمّ قامت فشهدت، فلما كان عند الخامسة وقفوها، فقالوا إنها موجبة، فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثمّ قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:: " أنظروها، فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الاليتين، خدلج الساقين فهو لشريك بن سمحاء " فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:: " لو لا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن " وفي رواية البخاري " من حكم الله " ففي هذه الحادثة ظهرت الإمارات بشكل واضح أنها زانية، وأظهر الرسول قناعته بأنها زانية ومع ذلك لم يحدّها لأنّ الزنا لم يثبت بالبينة الشرعية التي جاء بها القرآن، وهو يؤيد أنه لا يحدّ الشخص إلاّ إذا ثبت الزنا بالبينة الخاصة بالزنا، أي الإقرار، أو أربعة شهود، أو الحبل.**

**بينة الزنا

يثبت الزنا بأحد ثلاثة أمور:

أحدها: الإقرار: وهو إقرار الزاني أربع مرات إقراراً صريحاً، وأن لا يرجع عن إقراره حتى يتم عليه الحدّ، فان رجع عن إقراره، أو هرب كف عنه. والدليل على ذلك ما روي عن أبي هريرة قال: " أتى رجلٌ من الأسلميين رسولَ الله وهو في المسجد فناداه، فقال يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه حتى ردد عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبك جنون ؟ قال: لا، قال: فهل أحصنت ؟ قال: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اذهبوا به فارجموه ". وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا رسول الله إني زنيت وإني أريد أن تطهرني، فرده فلما كان الغد أتاه فقال يا رسول الله إني قد زنيت، فرده الثانية، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومه هل تعلمون بعقله بأساً تنكرون منه شيئا ؟ قالوا ما نعلمه إلا وَفيَّ العقلِ من صالحينا فيما نرى، فأتاه الثالثة فأرسل إليهم أيضاً فسأل عنه، فأخبره أنه لا بأس به ولا بعقله. فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم ". وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: " جاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله إني قد زنيت فطهرني، وإنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول الله لم تردّدُني ؟ لعلك تُرَدّدُني كما ردّدت ماعزاَ، فوا لله إني لحبلى، قال: إما لا، فاذهبي حتى تلدي، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته أتته بالصبي وفي يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها، فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها " وقوله في هذا الحديث " إما لا فاذهبي " معناه إذا أبيت أن تشتري نفسك وتتوبي عن قولك فاذهبي حتى تلدي فترجمين بعد ذلك. وإما هي بكسر الهمزة وتشديد الميم. فهذا دليل على أن الرجم يثبت بالإقرار أربع مرات، إلا أنه إذا رجع المقر عن إقراره وهرب أثناء الرجم كف عنه. فعن أبي هريرة أن ماعزاً لما وجد مس الحجارة فَرَّ يشتد حتى مر برجل معه لحي جمل فضربه به وضرب الناس حتى مات، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فَرَّ حين وجد مس الحجارة ومس الموت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هلا تركتموه " وكذلك ثبت الجلد بالإقرار. فعن سهل بن سعد أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " إنه قد زنى بامرأة سماها، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المرأة فدعاها فسألها عما قال: فأنكرت، فحدّه وتركها " فهذا الحديث يدل على أن الجلد يثبت بالإقرار.

والإقرار بالزنا يكفي فيه مرة واحدة، ولا يحتاج لأربع مرات، والدليل على ذلك ما جاء في حديث عبد الله بن بريدة المار، فانه يدل على أن الرسول رجمها قبل أن تقر أربعاً، وفي حديث جابر " أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر عنده رجل أنه زنى بامرأة، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فجلد الحدّ، ثم أخبر أنه محصن فرجم " وحديث سهل بن سعد المار فإن الرجل أقرّ مرة واحدة فحدّه الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذه الأحاديث دليل على أن الإقرار مرة واحدة كاف لإثبات الزنا. وأما ما ورد في الأحاديث الأخرى من تكرار الإقرار أربعاً، ومن قول الرسول " شهدت على نفسك أربع مرات "، وغير ذلك من الأحاديث فإنها لا تدل على أن شرط الإقرار أن يكون أربعاً وإنما تدل على التثبت من الإقرار، وعلى جواز تأخير الحدّ بعد الإقرار، ولا تدل على أن شرط الإقرار أن يكون أربعاً، لا سيما وقد ثبت أن الرسول أقام الحد بالإقرار مرة واحدة. ويؤيد ذلك ما ورد في حديث الغامدية المار، إذ قالت " يا رسول الله لم تُردِّدُني ؟ لعلك ترددني كما ردّدت ماعزاً " ولم ينكر عليها الرسول ذلك، فلو كان تربيع الإقرار شرطاً لقال لها إنما رددته لكونه لم يقر أربعاً. فهذا كله يدل على أن تربيع الإقرار ليس شرطاً، بل يكفي الإقرار مرة واحدة.

ثانيها: أن يشهد عليه في مجلس واحد بزنا واحد أربعة رجالٍ من المسلمين، أحرار عدولٍ، يصفونه بالزنا وصفاً صريحاً، واشتراط الأربعة لا خلاف فيه لقول الله تعالى: ( واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ) وقال تعالى: ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ) وقال تعالى: ( لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ) وقال سعد بن عبادة لرسول الله صلى الله عليه وسلمصلى الله عليه وسلم: " أرأيت لو وجدتُ مع امرأتي رجلاً أمهله حتى آتي بأربعة شهداء ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم " فهذه الأدلة قطعية الدلالة على أن إثبات الزنا لا بد له من أربعة رجال، يشهدون شهادة صريحة واضحة، واصفين عملية الزنا وصفاً تاماً، فإذا لم يكمل النصاب أربعاً لا يثبت الزنا، وإذا أخل واحد منهم بالوصف، أو وصف وصفاً غير صريح لا يثبت الزنا، لأن بينته جاءت نصاً صريحاً، فلا بد من التقيد بالنص.*

وإنما جعل من حدّ غير المحصن التغريب سنة مع الجلد مع أن الأحاديث في ذلك متعارضة، فأكثرها أن الرسول صلى الله عليه وسلم جمع الجلد مع التغريب، وفيها أن الرسول صلى الله عليه وسلمجلد ولم يغرب، إنّما جعل ذلك هو الحد جمعاً بين الأحاديث، فلا يقال في حديث " إذا زنت أمة أحدكم " ، وفي حديث سهل بن سعد، أن ذلك كان قبل مشروعية التغريب، لأنه لم يثبت تقدم أحاديث التغريب على أحاديث عدم التغريب، فيبقى التاريخ مجهولاً، وبذلك لا يعلم أي الأحاديث كانت قبل الأخرى فانتفى النسخ، ولا يوجد مرجح لأحدهما على الآخر فيعمل بهما. غير أن ترك الرسول صلى الله عليه وسلم للتغريب مرة، وفعله مرة قرينة على أنه جائز، وليس بواجب، فيكون الحديث الذي ذكر الزيادة قد أتى بزيادة، فتكون الزيادة التي فيه جائزة، وليست بواجبة، والواجب هو الذي ذكر في جميع الأحاديث، سواء التي فيها زيادة، والتي ليس فيها زيادة، أي الذي فعله الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الحالات، ولم يتركه مطلقاً وهو الجلد. والجائز للإمام أن يفعله وأن لا يفعله هو ما ذكر في بعض الأحاديث، ولم يذكر في بعضها، أي ما فعله الرسول، وما تركه وهو التغريب. وقد حصل التغريب مع الجلد من الصحابة، الذين هم أعرف بمقاصد الشرع، فقد غرب عمر من المدينة إلى الشام، وغرب عثمان إلى مصر، وغرّب ابن عمر أمته إلى فدك. والتغريب المذكور في الأحاديث شرعاً هو إخراج الزاني عن موضع إقامته بحيث يعدّ غريباً، وهذا المعنى هو المعروف عند الصحابة للتغريب.
وأما دليل عقوبة المحصن فأحاديث كثيرة، فعن أبي هريرة وزيد بن خالد أنهما قالا إن رجلاً من الأعراب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " يا رسول الله أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله، وقال الخصم الآخر وهو أفقه منه: نعم، فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قل، قال: إن ابني كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته، وإني أُخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم ردّ، وعلى ابنك جلد مائة، وتغريب عام، وأغدُ يا أنيس - لرجل من أسلم - إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها، قال: فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت " والعسيف الأجير. فالرسول أمر برجم المحصن ولم يجلده. وعن الشعبي " أن علياً رضي الله عنه حين رجم المرأة ضربها يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم " وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " فالرسول يقول إن عقوبة المحصن الجلد والرجم، وعلي يجلد المحصن ويرجمها. وعن جابر بن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم ماعز بن مالك، ولم يذكر جلداً، وفي البخاري عن سليمان بن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم الغامدية، ولم يذكر جلداً، وفي مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بامرأة من جهينة فشدت عليها ثيابها ثمّ أمر بها فرجمت، ولم يذكر جلداً. فدل ذلك على أن الرسول رجم المحصن ولم يجلده، وأنه قال: " الثيب بالثيب جلد مائة والرجم " فدل على أن الرجم واجب، وأما الجلد فهو جائز، ويترك لرأي الخليفة. وإنما جعل من حد المحصن الجلد مع الرجم جمعاً بين الأحاديث. ولا يقال إن حديث سمرة في أنه صلى الله عليه وسلم لم يجلد ماعزاً، بل اقتصر على رجمه، هو ناسخ لحديث عبادة بن الصامت الذي يقول: " الثيب بالثيب جلد مائة والرجم " لا يقال ذلك لأنّه لم يثبت ما يدل على تأخر حديث ماعز عن حديث عبادة، ومع عدم ثبوت تأخره لا يكون ترك ذكر الجلد موجباً لإبطاله، وناسخاً لحكمه، فعدم ثبوت المتقدم من المتأخر من الحديثين ينفي النسخ، ولا يوجد مرجح لأحدهما على الآخر، وما جاء في الحديث من زيادة على الرجم يعتبر أمراً جائزاً لا واجباً، إذ الواجب هو الرجم، وما زاد على ذلك فالإمام مخير فيه للجمع بين الأحاديث. والمحصن هو الذي قد وطئ في نكاح صحيح، وهو حر بالغ عاقل، هذا هو تعريف المحصن في باب الزنا. وما عداه فغير محصن، ويشترط في الجلد والرجم أن تنفى الشبهة: بأن يكون حراماً محضاً، وأن يكون الفاعل مختارا، بأن لا يكون مكرهاً على الزنا الإكراه الملجئ، وأن يكون بالغاً عاقلاً، فلا حد على صبي، ولا مجنون، ولا سكران، من غير إرادة منه. وأن يثبت الزنا عليه ببينة الزنا الواردة في الأدلة الشرعية، لما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعاً " وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إدرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة ". وعن علي مرفوعاً: " إدرأوا الحدود بالشبهات ". ولأنّ المكره إكراهاً ملجئاً لا يعاقب على فعله. لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "، ولأنّ الرسول لم يوقع العقوبة على الزاني إلاّ بعد أن ثبت الزنا عليه.
ومتى ثبت الزنا وجبت المبادرة بالحدّ، ولا يصح تعطيله، ولا الشفاعة فيه، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حدّ يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً " وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من حالت شفاعته دون حدّ من حدود الله فهو مضاد الله في أمره " . غير أنه إذا كان من عليه الحدّ مريضاً فيؤخر حتى يبرأ من مرضه، إذا كان يرجى برؤه، فإن كان المرض لا يرجى برؤه ضرب ضرباً خفيفاً يحتمله، عن أبي أمامة بن سهل عن سعيد بن سعد بن عبادة قال: " كان بين أبياتنا رويجل ضعيف مخدج فلم يَرُعِ الحيَّ إلاّ وهو على أمة من إمائهم يخبث بها، فذكر ذلك سعد بن عبادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك الرجل مسلماً، فقال: اضربوه حدّه، قالوا يا رسول الله إنه أضعف مما تحسب، لو ضربناه مائة قتلناه، فقال: خذوا له عثكالاً فيه مائة شمراخ، ثمّ اضربوه به ضربة واحدة، قال: ففعلوا " فهذا الحديث يدل على أن الضعيف الذي لا يحتمل الحدّ سواء أكان ضعيفاً من مرض لا يرجى برؤه، أو ضعيف البنية يضرب ضرباً خفيفاً، فقد ورد في رواية أخرى للحديث: " ولو حملناه إليك لتفسخت عظامه ما هو إلاّ جلد على عظم " فالضعف مطلقاً يحدّ حداً خفيفاً والمرض ضعف، ومفهوم الحديث أنه إن كان يقوى بعد الضعف، ويبرأ بعد المرض ينتظر حتى يحدّ الحد كما ورد.
وكذلك ينتظر على الحامل حتى تضع حملها، وعلى المرضع حتى تفطم وليدها. عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: " جاءت الغامدية فقالت يا رسول الله إني قد زنيت فطهرني، وأنه ردها، فلما كان الغد قالت يا رسول الله لم تُرَدّدني، لعلك تردّدني كما ردّدت ماعزاً، فوا لله إني لحبلى، قال: إمّا لا فاذهبي حتى تلدي: فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: اذهبي فارضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي الله قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها " فهذا الحديث صريح في الدلالة على أن الحامل ينتظر عليها حتى تلد، وعلى أن المرضع ينتظر عليها حتى تفطم وليدها.

**الباب الأول

الحدود

أصل الحدّ ما يحجز بين شيئين فيمنع اختلاطهما، وحدّ الدار ما يميزها، وحدّ الشيء وصفه المحيط به، المميز له عن غيره، وسميت عقوبة الزنا ونحوها حداً لكونها مقدرة من الشرع، وقد تطلق الحدود ويراد بها نفس المعاصي، كقوله تعالى: ( تلك حدود الله فلا تقربوها) وتطلق على شرائع الله ومحارمه. كقوله تعالى: (وتلك حدود الله ومن يتعدّ حدود الله فقد ظلم نفسه ) وحدود الله محارمه. والحدود اصطلاحاً عقوبة مقدرة شرعاً في معصية، لتمنع من الوقوع في معصية مثلها. والمعاصي المتفق على أن عقوبتها من الحدود، أي الواجب الحدّ بها ستة هي: الزنا واللواط، والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، والردة، والحرابة أي البغاة. وقد ورد التحذير من جميع هذه الحدود، فقد ورد التحذير من الزنا في القرآن والحديث، قال تعالى: ( ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ) وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع النّاس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن " وورد التحذير من اللواط في القرآن والحديث. أما القرآن فإن الله قد سمى فيه اللواط فاحشة فقال: ( ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين، إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون ) وبين عقاب الله لقوم لوط بأنه عاقبهم بالخسف. قال تعالى: ( فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود ) وقد قص الله علينا ذلك لنتعظ به، وأما الحديث فقد روى محمد بن إسحق عن عمرو بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ملعون من عمل عمل قوم لوط " وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به " . وورد التحذير من القذف في القرآن والحديث. قال الله تعالى: ( إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لُعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم ) وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اجتنبوا السبع الموبقات " قيل وما هن يا رسول الله ؟ قال: " الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلاّ بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " وورد التحذير من الخمر في القرآن والحديث قال الله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ) وقد أكد القرآن في هذه الآية تحريم الخمر والميسر وجوهاً من التأكيد: منها تصدير الجملة بإنما، ومنها أنه قرنها بعبادة الأصنام، ومنها أنه جعلها رجساً. كما قال: ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان ) ومنها أنه جعلها من عمل الشيطان، لا يأتي منه إلاّ الشر البحت، ومنها أنه أمر بالاجتناب، وجعل الاجتناب من الفلاح، وهو قرينة على أن الأمر بالاجتناب طلب جازم، ومنها أنه ذكر ما ينتج عنها من الوبال، وهو وقوع التعادي والتباغض من أصحاب الخمر والميسر، وما يؤديان إليه من الصد عن ذكر الله، وعن مراعاة أوقات الصلاة. وختم كل ذلك بالنهي نهياً جازماً بصيغة الاستفهام الإنكاري بقوله: ( فهل أنتم منتهون ) أي انتهوا، وهذا من أبلغ ما ينهى به، كأنه قيل قد تلي عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والموانع، فهل أنتم مع هذه الصوارف والموانع منتهون. وعن ابن عباس قال: " كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم صديق من ثقيف ودوس، فلقيه يوم الفتح براحلة أو راوية من حجر يهديها إليه، فقال: يصلى الله عليه وسلم ا فلان أما علمت أن الله حرّمها ؟ فأقبل الرجل على غلامه فقال اذهب فبعها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الذي حَرّم شربها حَرّم بيعها، فأمر بها فأفرغت في البطحاء " وورد التحذير من السرقة في القرآن والحديث. قال الله تعالى: ( يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ) وبيعة الرسول على عدم السرقة صريح بتحريم السرقة، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لَعَنَ الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده " والمراد بالبيضة هنا بيضة الحديد، وورد التحذير عن الردة بالقرآن والحديث قال الله تعالى: ( ومن يرتدِدْ منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) وفي حديث معاذ " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسله إلى اليمن قال له: أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه، فإن عاد، وإلا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها، فإن عادت وإلا فاضرب عنقها " وورد التحذير من قطع الطرق في القرآن والحديث. قال الله تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ) وعن أنس " أن ناساً من عِكل وعُرَيْنَة قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وتكلموا بالإسلام فاستوخموا المدينة فأمر لهم النبي صلى الله عليه وسلم بذَوْدٍ وراعٍ، وأمرهم أن يخرجوا فليشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحَرّة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي صلى الله عليه وسلم ، واستاقوا الذَوْد، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فبعث الطلب في أثرهم، فأمر بمسامير فأحميت فكحلهم، وقطع أيديهم وأرجلهم وما حسمهم، ثمّ ألقوا في الحَرّة، يستسقون فما سقوا حتى ماتوا " وورد التحذير من البغي وإشهار السيف في وجه الخليفة. قال تعالى: ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ) وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " سيخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم إلى يوم القيامة " وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من حمل علينا السلاح فليس منا " فهذه الأدلة من الكتاب والسنة تبين أنه قد ورد التحذير من جميع الحدود، فكان ارتكاب أي منها معصية، وبما أنه قد حدّ الشارع لهذه المعاصي حدوداً، أي عقوبات معينة، لذلك وجب التقيد بهذه الحدود.

ولا يجب الحدّ إلاّ على بالغ عاقل، ملتزم أحكام المسلمين، مسلماً كان أو ذمياً. ويضرب الرجل قائماً بسوط وسط، لا جديد ولا قديم، ولا يمدّ ولا يجرد المحدود من ثيابه عند جلده، لقول ابن مسعود: " ليس في ديننا مدّ، ولا قيد ولا تجريد " ولا يبالغ بضربه بحيث يشق الجلد، لأنّ المقصود زجره لا إهلاكه، ولا يرفع الضارب يده بحيث يبدوا إبطه، وسن أن يفرق الضرب على بدنه ويتقى وجوباً الرأس، والوجه، والفرج، والمَقَاتِل كالفؤاد والخصيتين، لأنّه ربما أدى ضربه على شيء من هذا إلى قتله، أو ذهاب منفعته. والمرأة كالرجل فيما ذكر، إلاّ أنّها تضرب جالسة. وقد قال علي رضي الله عنه: " تضرب المرأة جالسة والرجل قائماً " . وأشد الجلد جلد الزنا، ثمّ جلد القذف، ثمّ جلد الشرب، ثمّ جلد التعزير. لأنّ الله خص الزنا بمزيد تأكيد بقوله تعالى:(ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ) وما دونه أخف منه في العدد فلا يجوز أن يزيد عليه في الصفة.**

أنواع العقوبات

العقوبات أربعة أنواع هي: الحدود، والجنايات، والتعزير، والمخالفات. أما الحدود فالمراد منها عقوبات المعاصي المقدرة لأجل حق الله. وسميت حدوداً لأنّها تمنع العاصي من العود إلى تلك المعصية التي حدَّ لأجلها في الغالب، ويطلق الحد على نفس المعصية ومنه قوله تعالى: ( تلك حدود الله فلا تقربوها ) كما يطلق على عقوبة تلك المعصية. وكلمة حد وحدود بمعنى عقوبات المعاصي لا تطلق إلاّ على المعاصي التي فيها حق الله تعالى، ولا تطلق على غيرها، ولا يصح فيها العفو، لا من الحاكم، ولا من الذي اعتدى عليه، لأنّها حق الله، فلا يملك أحد من البشر إسقاطه، ولا بحال من الأحوال.
وأما الجنايات فإنها تطلق على التعدي على البدن، مما يوجب قصاصاً أو مالاً، فتشمل الاعتداء على النفس، والاعتداء على أعضاء الجسم. والمراد منها هنا العقوبات التي توقع على هذا التعدي. وهذه العقوبات فيها حق العبد، وما دامت متعلقة بحق العبد فإنّه يجوز لصاحب الحق أن يعفو، وأن يسقط حقه. قال الله تعالى: ( فمن عُفي له من أخيه شيء ) بعد قوله: ( كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ) أي فمن عفا له أخوه في الدين من أولياء الدم عن شيء من حقهم في القصاص، مما يدل على جواز أن يعفو صاحب الحق في الجنايات عن حقه. وقد وردت أحاديث كثيرة تبين جواز أن يعفوا صاحب الحق. فعن أبي شريح الخزاعي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من أصيب بدم أو خبل ( والخبل الجراح ) فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: إما أن يقتص، أو يأخذ العقل، أو يعفوا، فإن أراد رابعة فخذوا على يديه " عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما عفا رجل عن مَظْلِمة إلا زاده الله بها عزاً " وعن أنس قال: " ما رُفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر فيه القصاص إلاّ أمر فيه بالعفو " . وهذه كلها أدلة على جواز العفو. وما دامت ليس فيها حق الله تعالى فإن عفو صاحب الحق يستوجب عفو الحاكم، فيعفو الحاكم عن المعتدي عفواً تاماً، بمجرد صدور العفو من صاحب الحق. ولا يقال إن في هذه الجنايات حق عامة الرعية وهو الأمن، لا يقال ذلك لأنّ وجود حق فيها لعامة المسلمين يحتاج إلى دليل يدل عليه، ولا دليل على ذلك. ولأنّ المعمول به في عصر الصحابة رضوان الله عليهم أنه كان إذا عفي عن المعتدي من قبل صاحب الحق أسقطت عنه العقوبة. فقد أخرج الطبراني: " أن علياً رضي الله عنه أُتي برجل من المسلمين قتل رجلاً من أهل الذمّة فقامت عليه البينة: فأمر بقتله، فجاء أخوه فقال: إني قد عفوت، قال: فلعلهم هددوك وفرقوك وقرعوك ؟ قال: لا، ولكن قتله لا يرد علي أخي، وعرضوا لي ورضيت، قال: أنت أعلم، من كان له ذمتنا فدمه كدمنا، وديته كديتنا " مما يدل على أن العفو عن المعتدي من قبل صاحب الحق يسقط عنه العقوبة.
وأما التعزير فهو عقوبة على معصية لا حد فيها ولا كفارة. فالمعصية إذا ارتكبت ينظر فيها، فإن كانت مما قدّر الله لها عقوبة معينة، أي كانت داخلة تحت الحدود، فإنّه يعاقب مرتكبها بالحد الذي شرعه الله ولا تعزير، وكذلك إن جعل لها كفارة معينة فإنّه يجبر مرتكبها على الكفارة. وأما إن لم تكن داخلة تحت الحدود، ولم يجعل الشارع كفارة لها، فإنها تدخل تحت عقوبة التعزير. وأما التعدي على البدن فلا تعزير فيه لأنّ عقوباته قد بينها الشارع.
والتعزير يختلف عن الحدود والجنايات فالحدود والجنايات عقوبات مقدرة معينة من الشارع، وهي لازمة ولا يجوز استبدالها ولا الزيادة والنقصان فيها، أما التعزير فهو عقوبة غير مقدرة بعينها، ولا لازمة بعينها. وأيضاً فإن الحدود والجنايات لا تقبل العفو، ولا الإسقاط من قبل الحاكم إلاّ العفو من صاحب الحق في الجنايات وهذا بخلاف التعزير، فإنّه يقبل العفو والإسقاط. فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يعزر من قال له: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله، وعفا عنه، مع أن القائل ارتكب معصية تستحق العقوبة. ثمّ إن الحدود والجنايات لا تختلف باختلاف النّاس، فجميع النّاس فيها سواء لعموم الأدلة بخلاف التعزير فإنّه يجوز أن يختلف باختلاف النّاس، فتراعى فيه عدم السوابق، وأصحاب السلوك الحسن، وغير ذلك، فقد ورد عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلاّ الحدود " والمراد بعثراتهم هنا مخالفتهم لأوامر الله ونواهيه، بدليل قوله " إلا الحدود " فهو قرينة على المعنى المراد، وعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الأنصار كرشي وعيبتي والناس سيكثرون ويقلون فاقبلوا من محسنهم وتجاوزا عن مسيئهم " والمراد بالتجاوز العفو، والمسيء يشمل مرتكب المعصية لأنّه مسيء. فهذا كله يدل على أن التعزير يصح فيه أن يختلف قدر العقوبة باختلاف أحوال النّاس وظروفهم، فيعاقب شخص على معصية بالسجن، ويعاقب شخص آخر على نفس المعصية بالتوبيخ، أو اللوم والتأنيب.
وأما المخالفات فهي العقوبات التي يوقعها الحاكم على من يخالف أوامر السلطان، سواء الخليفة أو غيره من المعاونين والولاة والعمال ونحوهم، ممن عمله من أعمال الحكم، وكانت له صلاحية في إعطاء الأوامر. فهذه العقوبة على مخالفة الأمر هي عقوبة المخالفة، وكذلك تطلق المخالفة على نفس الفعل الذي خالف فيه أمر الحاكم، فهي تطلق على الفعل وتطلق على عقوبة الفعل. وإنما جعلت المخالفة عقوبة من العقوبات التي أمر بها الشارع، لأنّ مخالفة أمر الحاكم معصية من المعاصي، فإن الله قد أمر بطاعة أولي الأمر بصريح القرآن. قال تعالى: ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) وأمر بطاعة الأمير بصريح الأحاديث، عن أم الحصين الأحمسية أنّها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " اسمعوا وأطيعوا وان أُمِّر عليكم عبدٌ حبشي ما أقام فيكم كتاب الله عز وجل " وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اسمعوا وأطيعوا وإن استُعمِل عليكم عبد حبشي كأنّ رأسه زبيبة " فهذا دليل على وجوب طاعة الأمير، والياً كان أو عاملاً، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني " وفي رواية أخرى " ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني " فهذا صريح بأن مخالفة الحاكم معصية. ومن هنا كانت عليها عقوبة، وبما أن الشارع لم يعين لها عقوبة معينة فإن للقاضي أن يقدر العقوبة عليها، وللحاكم أن يقدر العقوبة التي يراها على تلك المعصية، ولهذا فإن بعض الفقهاء يدخلون المخالفات في باب التعزير، لأنّها عقوبة على معصية لم يقدرها الشارع، لكن الحق أنها ليست من باب التعزير، لأنّها ليست مخالفة لأمر الله، والتعزير خاص بمخالفة أوامر الله ونواهيه، وهذه ليست كذلك، ولكنها لأنّها مخالفة لأمر الله بطاعة الحاكم، فكانت عقوبة خاصّة يقدرها الحاكم، وبقدر ما تستحق مخالفته من أوامره ونواهيه من عقوبات، وعليه فإن المخالفات خاصّة بمخالفة الأوامر التي يصدرها الحاكم من عنده، لما له من صلاحيات أعطاه إياها الشرع.
وينبغي أن يعلم أن الأوامر التي يصدرها الحاكم من عنده، سواء أكانت من نوع المأمورات، أم من نوع المنهيات محصورة فيما جعل الشرع له أن يدبره برأيه واجتهاده، وذلك كإدارة بيت المال، وكإقامة المدن، وتنظيم الجيوش، وغير ذلك. فهذه التي جعل الشارع له أن يقوم بها برأيه واجتهاده هي التي له أن يأمر فيها بأشياء، وينهى عن أشياء، وهذه هي التي تعتبر مخالفته فيها معصية. عملاً بحديث: " ومن يعص الأمير فقد عصاني " وهذه هي التي تدخل تحتها المخالفات، أما غيرها فلا تعتبر من المخالفات، ولو أمر بها أمير المؤمنين. وذلك أن الخليفة لا يحّل حراماً، ولا يحرّم حلالاً، فلا يحل له أن يجعل المندوب أو المباح واجباً، ولا أن يجعل المكروه حراماً. فإن فعل ذلك لم تجب طاعته، ولا تعتبر مخالفة أوامره معصية فإذا ألزم النّاس بمباح، أو بمندوب فإنّه يكون قد أوجبه عليهم، وإذا منع النّاس من مكروه فإنّه يكون قد حرمه عليهم، وكذلك لا يجوز له أن يبيح حراماً، أو يحرّم مباحاً، لأنّه يكون قد حرّم الحلال وأحل الحرام. وذلك قد جاء النهي عنه صريحا في القرآن، وجاء عاماً يشمل الخليفة وغيره، وإنما للخليفة أن يأمر وينهى فيما جعل الشرع له أن يقوم به برأيه واجتهاده، وعليه فالمخالفات محصورة في نوع واحد هو الأمور التي للحاكم أن يدبرها برأيه واجتهاده.
هذه هي أنواع العقوبات، ولا يوجد غيرها مطلقاً، وكل ما يصدر من الإنسان من أفعال يستحق عليها العقاب داخلة تحت هذه الأنواع الأربعة، لأنّها إما معاصٍ قد قدر الشرع لها عقوبة، أو معاصٍ لم يقدر لها الشرع عقوبة، وإما اعتداء على بدن، فهذه ثلاثة أفعال، والفعل الرابع هو معصية الحاكم، فهذه أربعة أنواع، وتفصيلاتها تكون في أربعة أبواب.

**بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحيمِ

نظام العقوبات

العقوبات

شرعت العقوبات لزجر النّاس عن الجرائم، قال الله تعالى( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ) أي في شرع القصاص لكم، وهو قتل القاتل، حكمة عظيمة، وهي بقاء المهج وصونها، لأنّه إذا علم القاتل أنه يقتل إن كف عن صنعه، فكان في ذلك حياة للنفوس، ولأن الغالب من حال العاقل أنه إذا علم أنه إذا قَتل قُتل، أنه لا يُقدم على القتل، وهكذا جميع الزواجر. ومعنى كونها زواجر أن ينزجر النّاس.

والجريمة هي الفعل القبيح، والقبيح هو ما قبحه الشرع، ولذلك لا يعتبر الفعل جريمة إلاّ إذا نص الشرع على أنه فعل قبيح، فيعتبر حينئذ جريمة، وذلك بغض النظر عن درجة قبحه، أي بغض النظر عن كون الجريمة كبيرة أو صغيرة، فقد جعل الشرع الفعل القبيح ذنباً يعاقب عليه، فالذنب هو الجريمة بعينها.

وليست الجريمة موجودة في فطرة الإنسان، ولا هي مكتسبة يكتسبها الإنسان، كما أنّها ليست مرضاً يصاب به الإنسان، وإنما هي مخالفة النظام، الذي ينظم أفعال الإنسان، في علاقته بربه وبنفسه، وعلاقات النّاس بعضهم ببعض. وذلك أن الإنسان قد خلقه الله تعالى، وخلق فيه غرائز وحاجات عضوية، وهذه الغرائز والحاجات العضوية طاقات حيوية في الإنسان، تدفعه لأنّ يسعى لإشباعها. فهو يقوم بالأعمال التي تصدر عنه من أجل هذا الإشباع. وترك هذا الإشباع دون نظام يؤدي إلى الفوضى والاضطراب، ويؤدي إلى الإشباع الخاطئ، أو الإشباع الشاذ. وقد نظّم الله إشباع هذه الغرائز والحاجات العضوية، حين نظّم أعمال الإنسان. بالأحكام الشرعية، فبين الشرع الإسلامي الحكم في كل حادثة تحدث للإنسان، وشرع الحلال والحرام، ولهذا ورد الشرع بأوامر ونواه، وكلف الإنسان العمل بما أمر به، واجتناب ما نهى عنه. فإذا خالف ذلك فقد فعل القبيح، أي فعل جريمة، فكان لا بد من عقوبة لهذه الجرائم، حتى يأتمر النّاس بما أمرهم الله به، وينتهوا عما نهاهم عنه، وإلا فلا معنى لتلك الأوامر والنواهي، إذا لم يكن عقاب على مخالفتها. وقد بين الشرع الإسلامي أن على هذه الجرائم عقوبات في الآخرة، وعقوبات في الدنيا. أما عقوبة الآخرة فالله تعالى هو الذي يعاقب بها المجرم، فيعذبه يوم القيامة قال الله تعالى: ( يُعرَف المجرمون بسيماهم فيؤخذُ بالنواصي والأقدام ). وقال تعالى: ( والذين كفروا لهم نار جهنم ). وقال عز شأنه: ( والذين يكنزون الذهب والفضة، ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بهم جباههم وجنوبهم وظهورهم، هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ). وقال جلّ جلاله: ( وإن للطاغين لشر مآب، جهنم يصلونها فبئس المهاد ). ومع أن الله أوعد المذنبين بالعذاب، إلاّ أن أمر المذنبين موكول إليه تعالى إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، قال تعالى: ( إن الله لا يغفر أنْ يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ). وتوبتهم مقبولة لعموم الأدلة.

وأما عقوبة الدنيا فيقوم بها الإمام أو نائبه، أي تقوم بها الدولة، بإقامة حدود الله، وتنفيذ أحكام الجنايات والتعزير، وتنفيذ المخالفات. وهذه العقوبة في الدنيا للمذنب على ذنب ارتكبه تسقط عن المذنب عقوبة الآخرة، فتكون العقوبات زواجر وجوابر، أما كونها زواجر فلأنها تزجر النّاس عن فعل الذنوب وارتكاب الجرائم، وأما كونها جوابر فلأنها تجبر عقوبة الآخرة. فتسقط عن المسلم عقوبة الآخرة بعقوبة الدولة في الدنيا. والدليل على ذلك ما رواه البخاري عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: " كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس فقال: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا ولا تزنوا، وقرأ هذه الآية كلها، فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله عليه إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه " . فهذا الحديث صريح في أن عقوبة الدنيا على ذنب معين، وهي عقوبة الدولة للمذنب، تسقط عنه عقوبة الآخرة، ومن أجل ذلك اعترف ( ماعز ) بالزنا فرجم حتى مات، واعترفت الغامدية بالزنا فرجمت حتى ماتت، واعترفت امرأة من جهينة بالزنا فرجمت حتى ماتت، وقال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم " فإن هؤلاء قد اعترفوا ليعاقبوا على الذنب من الدولة في الدنيا حتى تسقط عنهم عقوبة الآخرة، ولذلك تجد الغامدية تقول للرسول: " يا رسول الله طهرني ". وقد كان كثير من المسلمين يأتون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقرون بالجرائم التي ارتكبوها ليوقع عليهم الرسول الحد في الدنيا، حتى يسقط عنهم عذاب الله يوم القيامة، فيحتملون آلام الحد والقصاص في الدنيا، لأنّه أهون من عذاب الآخرة. وعليه فالعقوبات زواجر وجوابر.

وهذه العقوبات من الدولة على الذنوب والجرائم هي الطريقة الوحيدة لتنفيذ أوامر الله ونواهيه، فالله تعالى شرع الأحكام، وشرع أحكاماً أخرى لتنفيذها، وهي أحكام العقوبات، فأمر بالمحافظة على المال قالصلى الله عليه وسلم: " لا يحل مال امرئ مسلم إلاّ بطيب نفسه " ، وقال: " إن دمائكم وأموالكم عليكم حرام " وشرع أحكام قطع اليد لتنفيذ أمر الله هذا، ونهى عن الزنا قال تعالى: ( ولا تقربوا الزنا )وشرع أحكام الجلد والرجم لتنفيذ نهي الله هذا، وهكذا جميع الأوامر والنواهي جعل طريقة تنفيذها العقوبة على عدم التنفيذ من قبل الدولة، ومن هنا كانت طريقة تنفيذ أحكام الشرع عقوبة من لم ينفذها، أي عقوبة من خالفها بعقوبات محددة حددها، أو بجعله للحاكم تقدير عقوبتها.**

محتويات كتاب نظام العقوبات
آية الافتتاح … 2
نظام العقوبات …4
العقوبات … 4
الأفعال التي يعاقب عليها …5
أنواع العقوبات … 6
الباب الأول … 7
الحدود … 7
حد الزنا … 8
بينة الزنا…10
حد اللواط … 12
حكم إتيان المرأة في دبرها …13
حد القذف … 14
حد شارب الخمر …15
مقدار عقوبة شارب الخمر …16
حد السرقة … 18
ما لا قطع فيه…20
مقدار ما يقطع … 21
حد السرقة حق الله …22
حد قطَّاع الطرق … 23
حد أهل البغي …24
استعانة البغاة بالكفار … 25
حد المرتد … 26
أموال المرتد … 27
الباب الثاني … 28
الجنايات … 28
أوجه القتل … 29
القتل العمد … 29
عقوبة قتل العمد … 29
القَوَد … 30
القتل شبه العمد … 31
عقوبة القتل شبه العمد …31
القتل الخطأ … 31
ما أجْرِيَ مجرى الخطأ …31
بيّنة القتل … 32
الشريك للقاتل والمساعد له …33
كيفية قتل القاتل…33
الدِّيَة … 34
على من يجب دفع الدية …36
دية الجنين …37
الجناية فيما دون النفس … 38
دية أعضاء جسم الإنسان وعظامه …40
الأعضاء التي في الرأس…41
أعضاء الجسم دون الرأس …43
عقوبة الشجاج … 45
عقوبة الجراح … 45
الباب الثالث … 46
التعزير … 46
أنواع العقوبات التعزيرية … 48
وقائع من التعزير وعقوبات متبناة له…54
أنواع وقائع التعزير … 55
الاعتداء على الأعراض … 56
الأفعال المنافية للحياء … 56
الخطف … 56
الأفعال المخلة بالآداب … 57
الأفعال المتعلقة بالزواج … 57
الاعتداء على الكرامة … 57
الذم والقدح والتحقير… 57
فعل ما يؤذي العقل…58
التعدي على الأموال … 59
الأموال المنقولة … 59
في الاحتيال وضرب الغش … 59
خيانة الأمانة بالمال … 60
الغش في المعاملات …60
الإفلاس … 60
الغصب … 60
متفرقات … 60
الإخلال بالأمن … 61
أعمال العنف … 61
التعرض لسلامة الدولة … 61
الكتابة والخطابة … 61
التكتلات … 61
التجسس … 61
العملاء … 61
الدسائس … 61
فعل ما يمس الدين … 62
أنواع أخرى من التعزير … 62
بقية أنواع التعزير … 62
الباب الرابع … 63
المخالفات … 63
أنواع المخالفات … 63
العفو…64

**حد المرتد

المرتد هو الراجع عن دين الإسلام. ومن ارتد عن الإسلام من الرجال والنساء وكان بالغاً عاقلاً دعي إلى الإسلام ثلاث مرات، وضُيّق عليه، فإن رجع وإلا قُتِل، قال الله تعالى: ( ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) وروى البخاري عن عكرمة قال: أٌتيَ أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بزنادقة فاحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " لا تعذبوا بعذاب الله، ولقتلتهم، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ بدل دينه فاقتلوه " . أما قتل الرجال فظاهر من الحديث، وأما قتل النساء فلعموم الحديث لأنّه قال: " مَنْ بدل " ومَنْ، مِنْ ألفاظ العموم، وأيضاً فقد أخرج الدارقطني والبيهقي عن جابر: " أن أم مروان ارتدت فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يعرض عليها الإسلام فإن تابت وإلا قتلت " وأما عدم صحة الردة من الصبي والمجنون فلأنهما غير مكلفين، فلا يحدّان حدّ المرتد، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق " . وأما كونه يستتاب ثلاثاً فلحديث أم مروان أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن تستتاب. وذلك ما سار عليه عمر، عن محمد بن عبد الله بن عبد القارئ قال: " قدم على عمر بن الخطاب رجل من قبل أبي موسى، فسأله هل من مغربة خبر ؟ قال: نعم، كفر رجل بعد إسلامه، قال فما فعلتم به ؟ قال: قربناه فضربنا عنقه، فقال عمر: هلا حبستموه ثلاثاً، وأطعمتموه كل يوم رغيف، واستتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله ؟ اللهم إني لم أحضر ولم أرض إذ بلغني " وسار على ذلك من قبل عمر أبو بكر. أخرج الدارقطني والبيهقي " أن أبا بكر استتاب امرأة يقال لها أم قرفة كفرت بعد إسلامها فلم تتب فقتلها " وبذلك ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم استتاب المرتد، وكذلك استتابه من بعده أبو بكر وعمر، وعليه يستتاب المرتد قبل قتله، وأما استتابته ثلاثاً، فالثلاث ليس قيداً، وإنما هي أقل ما يحصل فيه الأعذار عادة، وإلا يجوز أن يستتاب أكثر، لأنّ المقصود أن يعرض عليه الإسلام ليرجع إليه، ويعطى المدة الكافية للرجوع، ويروى أن أبا موسى استتاب المرتد الذي طلب منه معاذ قتله وقتله، استتابه شهرين قبل قدوم معاذ، وروي عن عمر أن مدّة الاستتابة ثلاثة أيام، فإن تاب قبلت توبته ولم يُقتَل.

غير أن التوبة تُقبَل من المرتد إذا لم تتكرر ردته، أما من تكررت ردته فلا تقبل توبته، بل يقتل سواء تاب أو لم يتب، لقول الله تعالى: ( إن الذين آمنوا ثمّ كفروا، ثمّ آمنوا ثمّ كفروا ثمّ ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً). فقول الله: ( لم يكن الله ليغفر لهم ) معناه لا يقبل الله توبتهم، وكذلك الدولة لا تقبل توبتهم. روى الأشرم عن ظبيانا بن عمارة: " أن رجلاً من بني سعد مَرّ على مسجد بني حنيفة فإذا هم يقرأون برجز مسيلمة، فرجع إلى ابن مسعود فذكر ذلك له، فبعث إليهم فأُتي بهم، فاستتابهم فتابوا، فخلى سبيلهم إلاّ رجلاً منهم يقال له ابن النواحة قال: قد أتيت بك مرة، فزعمت أنك قد تبت، وأراك قد عدت فقتله " . والذي يَقْتُل المرتدَ هو الدولة بحكم حاكم، فإن قتله أحد من المسلمين عمداً فعليه القصاص، كقتل أي كافر من رعايا الدولة.

والمرتد هو من كفر بعد إسلامه، فكل من كفر بعد إسلامه يكون مرتداً. ويكفر المسلم بأربع: بالاعتقاد، والشك، والقول، والفعل. أما الاعتقاد فإن فيه ناحيتين: إحداهما التصديق الجازم بما جاء النهي الجازم عنه، أو الأمر الجازم بخلافه، كالاعتقاد بأن لله شريكاً، أو الاعتقاد بأن القرآن ليس كلام الله. والناحية الثانية إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة، كإنكار الجهاد، وإنكار تحريم شرب الخمر، وإنكار قطع يد السارق، وما شاكل ذلك. وأما الشك فإنّه الشك في العقائد، وكل ما كان دليله قطعياً، فمن شك بأن الله واحد، أو شك بأن محمداً رسول، أو شك بجلد الزاني، أو ما شابه ذلك فقد كفر، وأما القول فإن المراد به القول الذي لا يحتمل أي تأويل، فمن قال إن المسيح ابن الله، ومن قال إن الإسلام جاء به محمد من عنده، أو ما شاكل ذلك، فإنّه يكفر بكل تأكيد، وأما القول الذي يحتمل التأويل فلا يكفر قائله، ولو كان القول يحتمل الكفر تسعة وتسعين في المائة، ويحتمل الإيمان واحداً في المائة فإنّه يرجح جانب الواحد على التسعة والتسعين لأنّه جانب الإيمان، إذ بوجود هذا الواحد وجد احتمال التأويل فلا يكفر، إذ لا يعد كافراً إلاّ إذا كان القول كفراً بشكل جازم، وأما الفعل فالمراد به الفعل الذي لا يحتمل أي تأويل بأنه كفر، فمن سجد للصنم، وصلى بالكنيسة صلاة النصارى، فإنّه يكفر ويرتد عن الإسلام، لأنّ صلاة النصارى كفر لا يحتمل التأويل، فمن فعلها فقد فعل كفراً لا يحتمل التأويل. وأما الفعل الذي يحتمل التأويل فإنّه لا يكفر فاعله، فمن دخل الكنيسة لا يكفر، لأنّه يحتمل أن يكون دخلها للفرجة، ويحتمل أن يكون دخلها للصلاة، ومن قرأ في الإنجيل لا يكفر، لأنّه يحتمل أن يكون قرأه ليطلع عليه للرد عليه، ويحتمل أن يكون قرأه معتقداً به وهكذا. فكل فعل يحتمل التأويل لا يكفر فاعله، ولا يكون مرتداً إذا فعله. وتثبت الردة بما تثبت به الحدود غير الزنا، وهي شهادة رجلين عدلين، أو رجل وامرأتين، أي البينة الشرعية، لأنّه لم يرد نص خاص بها.**