**بسم الله الرحمن الرحيم
دعوة إلى الاعتناء بحديث الرسول (صلى الله عليه وسلم)**
الكاتب: ياسين بن علي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
للحديث النبوي مكانة عظيمة ومنزلة رفيعة في الإسلام، إذ يعبر عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهي المصدر الثاني من مصادر التشريع بعد القرآن الكريم. ونظرا لهذه المكانة العظيمة التي يتمتع بها الحديث النبوي فقد اعتنى الصحابة رضوان الله عليهم به، فدققوا في الأخبار التي ترد عليهم ووضعوا الموازين والمقاييس للتثبت منها. ومن ذلك أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان لا يقبل الرواية إلا بشاهد، وكان علي رضي الله عنه يستحلف الراوي، وبالجملة فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يقومون بنقد الروايات والتثبت منها. وها هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه ? كما في صحيح مسلم - يرد حديث فاطمة بنت قيس: “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها سكنى ولا نفقة” ويقول: “لا نترك كتاب الله وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت أو نسيت”.
لذلك فإن الاعتناء بنقل حديث النبي صلى الله عليه وسلم من أوجب الواجبات، وكيف لا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: “إن كذبا علي ليس ككذب على أحد. فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار” (أخرجه مسلم عن المغيرة)، ويقول: “كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع” (أخرجه مسلم عن أبي هريرة).
ومن مظاهر الاعتناء بحديث النبي صلى الله عليه وسلم التثبت في نقله، وذلك بالعودة إلى أمهات الكتب، والنظر في أقوال أهل العلم فيه من حيث القبول والرد، والتدقيق في ألفاظه، أو بعبارة أخرى تخريجه. والتخريج هو: “الدلالة على موضع الحديث في الكتب المعتبرة التي أخرجته بأسانيد مستقلة بمؤلفيها مع بيان درجته عند الحاجة. قال المناوي عند قول السيوطي “وبالغت في التخريج”: بمعنى اجتهدت في تهذيب عزو الأحاديث إلى مخرجيها من أئمة الحديث، من الجوامع والسنن والمسانيد، فلا أعزو إلى شيء منها إلا بعد التفتيش عن حاله وحال مخرجه…”. (1)
أما عن منزلة التخريج وفائدته فتقول الدكتورة رجاء مصطفى حزين: "هو من أشرف العلوم قدرا وأعلاها منزلة ?بعد كتاب الله عز وجل - لأنه يتعلق تعلقا مباشرا بالسنة المطهرة التي هي المصدر الثاني من مصادر الشريعة الإسلامية، إذ عن طريق التخريج يتوصل إلى ما يقبل ويرد من الحديث. ويجب على كل مشتغل بالعلوم الشرعية أن يتعلم هذا العلم، وطرقه، وقواعده، لكي يعرف كيفية التوصل إلى الحديث في مصادره الأصلية المعتمدة، وليبين للناس مراتب هذه الأحاديث، ودرجتها من الصحة والحسن أو الضعف أو الوضع. والحاجة إليه ملحة ضرورية من حيث أنه لا يسوغ لطالب العلم أن يستشهد بأي حديث أو يرويه إلا بعد توثيقه أي الرجوع إلى مواطن الأحاديث وأصولها الأولى من كتب الرواية، كالجوامع والمسانيد والمعاجم والسنن وغيرها، تلك التي كتبت بأسانيدها في العصور الأولى.
وإنما يفعلون ذلك دفاعا عن السنة وذودا عن الدين ونصحا للأمة، حتى لا يتورط مسلم في قبول حديث غير معتبر، أو اتخاذه دليلا وهو لا يصلح لذلك…". (2)
وعليه، فقد ساءنا أن نقرأ لبعض الكتاب فنجدهم يستدلون بالأحاديث دون تخريجها وعزوها لأهلها، كما ساءنا أن يعمد بعض الكتاب إلى رواية الأحاديث دون الاعتناء بألفاظها مع أن الدقة في اللفظ تعني الدقة في الفهم والاستنباط بل إن من الكتاب من ينسب الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو لم يقله، ويا ليته قال مثلا “فيما معناه”، بل رواه ونسبه إلى الصحاح بلفظه وهو غير موجود في الصحاح. وإننا لنعجب من هذا الصنيع من بعض الناس على جلالة قدرهم خصوصا وقد أصبحت - في زمننا هذا- كتب السنة وبعض برامج التخريج في متناول اليد.
**أمثلة: **
المثال الأول: يستدل بعض الكتاب في هذه الأيام بحديث: “…من فطر فيه [أي رمضان] صائما كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار وكان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجره شيء قالوا ليس كلنا نجد ما يفطر الصائم فقال: يعطي الله هذا الثواب من فطر صائما على تمرة أو شربة ماء أو مذقة لبن…”.
هذا الحديث أخرجه ابن خزيمة في صحيحه عن سلمان، والبيهقي في الشعب، والحارث في المسند. قال الحافظ ابن حجر في أطرافه مداره على علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، ويوسف ابن زياد الراوي عنه ضعيف جدا. وتابعه إياس بن عبد الغفار عن علي بن زيد عند البيهقي، قال ابن حجر: وإياس ما عرفته. فهذا الحديث قال العلماء إنه ضعيف، ومع ذلك فإن الكاتب يستدل به دون أن يخرجه، أو يشير إلى ضعفه. (3)
المثال الثاني: يستدل بعض الكتاب بحديث: “يبعث الله على رأس كل مئة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها” (رواه أبو داود). (4)
والصحيح أن أبا داود رحمه الله أخرج الحديث في سننه بغير هذا اللفظ، قال: حدثنا سليمان بن داود المهري، أخبرنا ابن وهب، أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن شرَاحيل بن يزيد المعافري، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة فيما أعلم، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: “إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لهذِهِ الأمَّةِ عَلَى رأْسِ كلِّ مائةِ سنةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَها”.
ولا شك أن اختلاف اللفظ يؤدي إلى اختلاف في الفهم والاستنباط، فما بالك إذا بني الفهم على لفظ لم يرد في الحديث.
المثال الثالث: يستدل بعض الكتاب بحديث: “من صام رمضان إيمانا واحتسابا دخل الجنة” (رواه البخاري). (5)
إن الكاتب سامحه الله قد استعجل في أمر كان له فيه أناة، فهذا ليس بحديث، ولا يوجد في صحيح البخاري مثل هذا الحديث بهذا اللفظ، فكيف يقول الكاتب رواه البخاري.
نسأل الله تعالى أن يحبب لنا السنة وأن يجعلنا من المتثبتين فيها حفظا لها وذودا عنها وعملا بأحكامها.
(1) نقلا عن الوسيط في البحث والمصادر والتخريج، للدكتورة رجاء مصطفى حزين، ص94
(2) المرجع نفسه، ص96
(3) ينظر: (في ظلال رمضان الحلقة السادسة والأخيرة)، للهادي بريك، على موقع الحوار نت.
(4) ينظر: (شهر يجدد أمة)، للشيخ راشد الغنوشي، على موقع النهضة نت.
(5) ينظر المقال نفسه للشيخ راشد.

