مواقف الخلفاء يوم كان للمسلمين دوله
بقلم : الأستاذ المهندس موسى عبد الشكور
أن الروم أسرت مسلما قرشيا في زمن معاوية رضي الله عنة : وادخل الأسير على ملكهم ، فتكلم على يديه بعز الإسلام ، فلطمه احد البطارقة . فقال الأسير: الله بيننا وبينك يا معاوية ، وليت أمورنا ثم ضيعتنا .وبلغت المقالة معاوية ، فأرسل في فدائه فافتدى ، وسأل عن اسم اللاطم فاخبر به . ثم أرسل معاوية إلى قائد له فطن ذي معرفة وخبرة ، وقال : أريد أن تتحيّل في إحضار ذلك البطريق من القسطنطينية.
فقال القائد : إني أريد أن أنشأ مركبا بمجاديف خفية يَلحق ولا يُلحق.
فقال معاوية : افعل ما بدا لك ، ولك ما تحتاجه ، فصنع المركب ، وأعطاه معاوية أموالا جزيلة ، وقال له : اذهب كأنك تاجر وبع واشتر ، واهد لوزير الملك والملك ولخواص الملك وبطارقته إلا ذلك الرجل الذي لطم المسلم فلا تقربه ولا تهاده ، فان عتب عليك فقل : ما عرفتك, وسأضاعف لك الهدية متى عدت.
وفعل القائد ورجع إلى معاوية واخبره ، فضاعف له الهدية ، وقال معاوية : هذه للملك وهذه لخواصه ، وهذه للاطم، فإذا عزمت على العودة فقل له إني أحب أن أصاحبك فسلني حاجة احضرها لك جزاء ما قصرتُ في حقك ، ففعل القائد ، فقال البطريق الظالم اللاطم : أريد بُسطا من حرير يحوز جميع الألوان، وصور الأطيار والوحوش والأزهار ، طوله كذا وعرضه كذا ، والموعد كذا.
رجع القائد إلى معاوية فأخبره ، فأمر الصناع بصنع هذا البساط في صورة تدهش الأنظار,
ثم قال معاوية : اذهب ، فإذا وصلت إلى فم البحر، فانشر البساط ، فان الشره والطمع سيحمله على النزول إليه ، فإذا أتاك فاشغله بالحديث ، واعرض عليه البساط وقدم له التحف ثم ابسط الشراع وقيد الذراع والكراع ثم الإسراع.
ومضى المركب حتى إذا وصل قريبا من الساحل ، إذا بالعلج في ستاره على فم البحر ، واقبل المركب فنشر البساط فلما رآه كاد عقله أن يذهب, فنزل إلى المركب فتلقاه القائد يعرض عليه البساط ، ويلعب به لعب الأفعال بالأسماء ، وأشار إلى أصحاب بالتجديف ، فما شعر البطريق إلا والشراع يرفع فقال : ما هذا ؟
فقيدوا الكراع والذراع .
واتوا به إلى معاوية موثقا ، فقال معاوية : الحمد لله ، على بالأسير ، فهجاءو بالأسير فقال معاوية: أهذا خصمك ؟ قال : نعم
فقال معاوية : قم فالطمه كما لطمك ولا تزد ، بمثل ما عوقبتم به . فتقدم المسلم فلطمه ، وحمد الله ، وشكر لأمير المؤمنين.
ثم الفت معاوية للبطريق وقال له : قل لملكك : “لقد تركت خليفة المسلمين يقتص ممن هم على بساطك من وزرائك وخواصك ، فاعرف قدرك وإياك وغدرك” ، ثم قال لقائده: خذه وألقه في فم البحر ، والق معه بساطة, فذهب به القائد حتى وصل إلى البحر فرمى به ، فذهب البطريق إلى الملك ، واخبره بالخبر, فهاب معاويةَ وعظمه وقال : “لله أبوه ، أمكر الملوك وأدهى العرب قدَموه فساس أمرهم , والله لو هم بأخذي من على بساطي لتمت له الحيلة في ذلك”. تاريخ القرطبي - مشارع الأشواق لابن النحاس.
رحم الله معاوية ولا حرمه أجر هذه المهمة, ورحم الله عمر بن الخطاب الذي كان إذا غضب فتل شاربه ونفخ.
موسى عبد الشكور