أبو الهمام الخليلي كتب:
وقع خطأ مطبعي في الفقرة الأولى: الصحيح رضا وليس رضى.
بسم الله الرحمن الرحيم
نرحب ثانية بالأخ " أبو الهمام الخليلي " فأهلا وسهلا بك في منتداك.
تمّ التصحيح بمعرفتي
أبو الهمام الخليلي كتب:
وقع خطأ مطبعي في الفقرة الأولى: الصحيح رضا وليس رضى.
بسم الله الرحمن الرحيم
نرحب ثانية بالأخ " أبو الهمام الخليلي " فأهلا وسهلا بك في منتداك.
تمّ التصحيح بمعرفتي
وقع خطأ مطبعي في الفقرة الأولى: الصحيح رضا وليس رضى.
**وإن الملاحظ في حديث عبادة بن الصامت، أن الحاكم إن حكم بتسع وتسعين بالمئة إسلاماً إلا أنه أظهر كفراً بواحاً فإن ولايتَه تَسقط، بينما نرى أولئك الدَّجاجِلةَ من علماء السوء الذين يجعلون القرآنَ عِضين، أي أجزاءَ وتفاريق، يأخذون ببعض الكتاب ويتركون بعضاً، نراهم يأخذون بحديثِ الصلاة على ظاهره، ويُهوِّنون من الكفر البواح ويُشككون فيه، فيكون لسان حالهم، أنهم يقولون لو أن الحاكم حكم بتسع وتسعين بالمئة بغير شرع الله، فولايته قائمة، مادام يصلي، ويقول عن نفسه أنه مسلم! قاتل الله جهلَ أتباعهم، ودجلَ وخطلَ كُبرائِهم.
إن الحديثَ عن ظهور الكفر البواح، يَستدعي بالضرورة الوقوفَ عند آية: “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون”، هذه الآية، توضح عملياً الكفر البواح من خلال سببب نزولها، إذ أن هذه الآية لها سببا نزول، ثبتا، أما الأول فعند الإمام مسلم من حديث البراء ابن عازب،" مُرّ على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمماً(أي مسوَّد الوجه) مجلوداً. فدعاهم صلى الله عليه وسلم فقال ( هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ ) قالوا: نعم. فدعا رجلاً من علمائهم. فقال ( أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ ) قال: لا. ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك. نجده الرجم. ولكنه كثر في أشرافنا. فكنا، إذا أخذنا الشريف تركناه. وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد،(…) فأنزل الله تعالى: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } [5 /المائدة /44]. { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } [5 /المائدة /45]. { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } [5 /المائدة /47]. في الكفار كلُّه"، قلتُ والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل من أتى نوعَ فعلهم استحق ذاتَ حكمهم.
وأما الآخر ففي قصة العزيزة والذليلة، عند الإمام أحمد بسند صحيح، أنَّ ابن عباس قال: إن الله أنزل: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] وفأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45] فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47] قال: قال ابنُ عباس : “أنزلها الله في الطائفتين من اليهود ،أي: قبيلتين من اليهود، وكانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقاً، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق.”
فأياً من سببي النزول أخذتَ وصلت إلى ذات النتيجة، وهي أن اليهود كانوا يعلمون، لا سيما كُبراؤهم وأحبارُهم، حكمَ الله في الزاني المحص، وكذلك حكم الله في الدية، ومع ذلك فقد شرعوا تشريعاً كلياً عاماً مناقضاً لحكم الله، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن حكم فيهم، أي حكم في من ترك شرع الله، وشرع تشريعاً هو الكفر البواح الذي عندنا فيه من الله برهان، حكم فيهم حكم الله تعالى: “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون” ،ولو أنشدتَ بالله اليومَ،كما أنشد النبي أحبار يهود، علماءَ السوء، محامي الدفاع باسم الدين عن هؤلاء الطغاة الطواغيت، هم وأسيادَهم، على طول بلاد الإسلام وعرضها، أنشدكم بالله أتجودن في كتابكم: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد مئة جلدة)، فسيقولون نعم، أنشدكم بالله أتجودن في كتابكم : (السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جواءاً بما كسبا نكالا من الله)، فسيقولون: نعم، أتجدون في كتابكم: (وأحل الله البيع وحرم الربا)، فسيقولون: نعم، فَرْدُد إذاً عليهم في وجهِهِم، واحكم فيهم حكمَ الله تعالى في أنظمتهم، “ومن لم يحكم بما أنزل الله فألئك هم الكافرون”.
نعم، إن الله تعالى وصف من لم يحكم بما أنزل الله، بصريح العبارة، بأنه له أوصاوف ثلاثة، كافر وفاسق وظالم، ومن يرد أن يُخرج أحداً من الحكام عن منطوق الآية، فليأتِ بالدليل، فمن يتلفظ بالكفر الصُراح، كافرٌ، كمن يكفر بتشريعه تشريعاً كلياً عاماً مناقضاً لشرع الله، يحكم عليه بالكفر، إلا أن تأتي قرائن تصرفه عن الكفر، كأن يُعتذر له بالجهل، أو الإكراه، أو التأول أو نحو ذلك، ولكن، كما أسلفنا من قبل في المقالة، كُفْرِيَّةُ شخص الحاكم من عدمها لا تعنينا، لأنها لا تؤثر عملياً في المطلوب الشرعي تُجاه هذا الواقع، الذي فية تشريعٌ كفري كلي عام بواحٌ عندنا من الله فيه برهان.
كما ألفتُ النظرَ إلى ما قد يقال، بأن كفرَ الحكام هو كفر غير ناقل عن الملة، استشهاداً بقول ابن عباس رضي الله عنه، أو قول التابعي طاوسَ أو التابعيِّ أَبي مِجْلَزٍ وهو يحاور نفراً من الإباضية، في شأن علي رضي الله عنه، ومعاوية رضي الله عنه وغفر له، فأقول هذا قول صحابي وذَانِــكُما قولا تابعيين فليسوا بدليل ، فضلاً عن أن ابن عباس ثبت عنه عند القرطبي بإسناد أقوى، كلامٌ عكسُ ذلك تماماً ، ولكن على أي حال، الواقع الذي قيلت فيه هذه العبارة(كفر دون كفر) ،أي كفر أصغر، غير مخرج من الملة، قيلت في علي ومعاوية وحكام بني أمية، حيث لم يكن هناك تجاوزات، حتى عند من طغى من بني أمية ومن بعدَهم، في دائرة التشريع والسيادة، إذ كان الحكم والقضاءُ بحسب الشرع، وإنَّ كل ما حصل من تجاوزات ثبتت هي في دائرة التنفيذ، أي في وقائع الأعيان، وليست في قضايا قانونيةٍ عامةٍ مناقضةٍ لشرع الله، ففرق كبيرٌ بين واقع حكام اليوم، وقوانينهم المدنية الوضعية، التي إن أشبهت شيئاً كفرياً في تاريخنا في قبحه وشناعتِه فإنها تشبه قوانين جنكيز خان في الياسق، فرق كبير شاسع بين حكام اليوم، إلا عند من عمي بصره وبصيرته، وببن حكام المسلمين، عبر تاريخ الخلافة وإن عصوا وارتكب منهم من ارتكب من الجرائم.
نعم، هناك فرق بين بين طاعة الإمام الفاسق الذي يحكم في دولته تنفيذاً وقضاءاً بالإسلام، أي دارُه دارُ اسلام، وبين طاعةِ من لا يحكمُ بشرع الله في الدولةِ تنفيذاً وقضاءاً، فدارُه دارُ كفر، فهؤلاء لا طاعة لهم، وليسوا بولاة أمر علينا، فولاية الفاسق في دار الإسلام فاسدة يصطبر عليها، تَقبل الترميم والإصلاح، أما ولاية من لا يحكم بما أنزل الله، أي يحكم بقوانين مدنية كلية عامة مناقضة لشرع الله، هي الكفر البواح الذي عندنا فيه من الله برهان، فهي باطلة، لا يصطبر عليها، ولا تقبل الترميم والإصلاح، بل يلزمها التغيير الجذري.
إنَّ كل شرع غيرَ شرع الله من قوانينَ وضعيةٍ، مناقضةٍ لشرع الله مناقضة تامة، هو كفرٌ صريحٌ بواح، واضح وضوحَ الشمس، لا خفاء فيه ولا مداورة، لأنه ليس مما أنزل الله، والإحتكام إليه احتكام إلى الطاغوت، )أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا( سورة النساء،الآية 60، فإن قولَه تعالى" يَزْعُمُونَ " هو تكذيب لهم فيما ادعوه من الإيمان، فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما أنزل على النبي، صلى الله عليه وسلم، مع الإيمان في قلب عبد أصلاً، هذا في من يتحاكم، فكيف بالله عليكم، فيمن يحكم من دون الله بكامل إرادته، فيشرع من دون الله،أو ينفذ من دون الله أو يفصل الخصوماتِ من دون الله، عن سبق الإصرار والترصد، إنه هو الطاغوت بعينه. فسن القوانين الوضعية، أي الحكم في القضايا الكلية العامة، لا مجرد الحكم في وقائع الأعيان، على وجه مناقض للإسلام كل المناقضة هو ليس مجرد مخالفة للشريعة، بل هو اهدار لها! إذ يجعل القانون المناقض لشرع الله المعصية سافرة ظاهرة تجري بين الناس مُسْتَعلِنةً محميةً من أي تغيير أو نكير بسلطان الدولة وبصرامة الشرطي !، فمُمارسة المعصية ليس كتشريعِها، فتشريعُ المعصية القطعيةِ هو كفرٌ بَواح بَراح عندنا فيه من الله برهان.
إن حديث عبادة بن الصامت وحديث أم المؤمنين أم سلمة وحديثَ عوف بن مالك الأشجعي تقطع جميعُها بمشروعية مقاتلة الحكام، أي منابذتهم بالسيف دفاعاً عن سيادة الشرع، فإذا أظهروا كفراً بواحاً أو لم يقيموا الصلاة التي هي كناية عن الحكم بالإسلام كما أسلفنا شُرع الخروج عليهم بالسيف، فهذه الأحاديث الثلاثةُ وإن كانت تمنع المنابذة المسلحة للحكام الشرعيين ولكنها لاتمنع ما دون ذلك من المنابذة باللسان ونحوه، بل إن المنابذة باللسان هي أفضل الجهاد كما عند النَّسائي وأحمد والبَيْهقي، بإسناد صحيح، غاية في الصحة، أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الجهاد أفضل؟قال:“كلمةُ حق عند سلطان جائر”، فالشرع وإن منع حمل السلاح ضد انحراف الحاكم دون الكفر البواح ولكنه لم يحمِ هذا الانحرف معاذَ الله، كما يزعمُ الدَّجاجلةُ والجهلة الذين بلعوا لسانَهم عن الحكام الظلمة إلا دفاعَ محاماةٍ عنهم أو نهشاً وطولَ لسان في المغيرين عليهم، بلى، إنّ الشرع حرَّضَ ضدَّ هذا الانحراف! وجعل محاسبة الحكام فرضاً،كما في حديث أمِّ سَلمة عند أبي داود الطيالسيّ: «ستكون عليكم أئمة، تعرفون منهم وتنكرون، فمن أنكر بلسانه فقد بريء، ومن كره بقلبه فقد سلم، ولكن من رضي وتابع»، وكما قال أبوبكر رضي الله عنه: "يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: {ياأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} وإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالمَ فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمَّهمُ الله بعقابٍ من عنده». رواه أحمد وأبوداود والترمذى، وقال:حديث حسن صحيح، والأحاديث في هذا السياقِ كثيرة ، فالأمة إن تركتْهُم بلا مراقبةٍ ولا محاسبة جاؤوا بالطامةِ الكُبرى!، فلهذا حثنا النبي عليه السلام، على الأخذ على يد الحكام عند أدنى انحراف، فقد أخرج الحاكم بسندِه عن عبدِ الله بن مسعود، مرفوعاً: “يكون عليكم أمراء، يتركون من السنة مثلَ هذا(وأشار إلى أصل إصبعه، يريد التقليل) ،وإن تركتموهم جاؤوا بالطامةِ الكبرى، وإنها لم تكنْ أمة ٌإلا كان أول ما يتركون من دينهم السنةَ، وآخر ما يدعون الصلاةَ، ولولا أنهم لا يستحيون ماصلوا!!”، هذا حديث صحيح، وقال الحاكم: (على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
إن بين أيدينا حشداً من النصوص، يسقط ولاية هؤلاء الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله، الذين يطفئون السنة، فلا يستنون بسنة النبي عليه السلام، ولا يهتدون بهديه، ولا يأتمرون بأمره، ونقتصر كي لا نطيلَ، على حديثين واضحين صريحين صحيين:
أما الأول: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " سَيَلِي أُمُورَكُمْ بَعْدِي رِجَالٌ يُطْفِئُونَ السُّنَّةَ ، وَيَعْمَلُونَ بِالْبِدْعَةِ ، وَيُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ مَوَاقِيتِهَا " ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنْ أَدْرَكْتُهُمْ كَيْفَ أَفْعَلُ ؟ ، قَالَ : " تَسْأَلُنِي يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ ، كَيْفَ تَفْعَلُ ؟ لَا طَاعَةَ لِمَنْ عَصَى اللَّهَ" (قالها ثلاثاً) بحسب رواية أحمد، والرواية لابن ماجة واللفظ له، الحديث صححه العلامة أحمد شاكر و اللألباني.
وأما الثاني: فقد أخرج أحمد في المسند، وأبويعلى في المسند، بسند صحيح على شرط ابن حبان، وصححه الألباني في (صحيح الجامع الصغير) : أن معاذاً قال: يا رسول الله أرأيت إن كان علينا أمراء لا يستنون بسنتك، ولا يأخذون بأمرك فما تأمر في أمرهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا طَاعَةَ لِمَنْ لَمْ يُطِعِ الله عَزَّ وَجَلَّ» .
وهذان الحديثان ليسا في موضوع الطاعة في المعصية، بل هما واضحان في اسقاط الولاية، واسقاط حق السمع والطاعة لمن لا يستنون بالسنة، ويطفئونها، أي لا يحكمون بما أنزل الله.
إن معاونةَ الحكام الظلمة ومـُمالَأتَهم، لا سيما الذين لا يحكمون بما أنزل الله، وتصديقَ الأمراء السفهاء الكذبة، جريمةٌ موبقة، ومعصيةٌ بيِّنة، ولا تدخل في طاعة وليِّ الأمر الذي أمر الله بطاعته، كما لا يلجُ الجملُ في سمِّ الخياط، و من يرتكبُها فليس من النبي، وليس النبي منه، ولن يرد عليه الحوض، صلوات ربي عليه، ففي حديث كعب بن عُجْرة، بروايات صحيحةٍ عدة وشواهدَ متقاربةِ الألفاظ، عند الإمام أحمد والترمذي والنَّسائي،قال النبي عليه السلام: “يا كعبَ بن عجرة!، أعيذك بالله من إمارة السفهاء”، قال: “وما ذاك يا رسول الله؟!”، قال :“أمراء سيكونون من بعدي، من دخل عليهم فصدقهم بحديثهم، وأعانهم على ظلمهم، فليسوا منى، ولستُ منهم، ولم يردوا علي الحوض، ومن لم يدخل عليهم، ولم يصدقهم بحديثهم، ولم يعنهم على ظلمهم، فأولئك مني، وأنا منهم، وألئك يردون عليّ الحوض!”
إنما أهلك أمتنا الحكامُ، والأئمة المضلون الموظفون منهم والمتبرعون، عليمو اللسان، فهم من يخافهم النبي عليه السلام على أمته،:“إنما أخاف على أمتي الأئمةَ المضليين” رواه ابن حبان وصححه الالباني في صحيح الجامع، “أخوف ما أخاف عليكم، جدال المنافق عليم اللسانِ!”،قال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط البخاري، وهم أخطر على أمته من الدجال كما ثبت، وأكثرهم عذاباً يوم القيامة، وهؤلاء ليسوا علماء، فالعلماء يخشون الله، ولا يخشون أحداً غيره، ويبلغون رسالات ربهم، فالعلماء ورثة الأنبياء، أما هؤلاء فإنما هم حَمَلة كُتُب وأسْفار، هم “قُرَّاء”، و"أكثر منافقي أمتي قراؤها، أو “قراؤه”،يعني القرآن، كما ثبت عن النبي عليه السلام عند الإمام أحمد، ولا شك أن فقهاء السلطة ومثقفيها، هم الركيزة الأولى لسلطة الحكام، فهم المنظرون الذين يفلسفون لشرعية الحكام، ويتفلسفون بإقناع الكافة بالتسليم لهم والاستلام، أخزاهم الله وقبحهم.
وفي الختام، نقول: إن وليَّ الأمر الشرعي، هو من بايعته الأمةُ بالرضا والإختيار على الحكم بالإسلام، مستوفياً شروطَ الانعقاد في شخصه، في دولةٍ مستوفيةٍ شروطَ الانعقاد في ذاتها، على أن يكونَ وليُّ الأمر هو المبايَع الأول، لأن الثاني ولو حكم بالإسلام، لاطاعةَ له، لقوله عليه السلام: (فاقتلوا الآخر منهما) رواه مسلم. نعم، إنَّ وليُّ الأمر هو ذاك، أما غيره فليس بوليِّ أمر علينا.
نسأل اللهَ تعالى أن يثبتنا على الحق، وأن نقوم بالحق ونقول به أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم، اللهمَّ لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أبو الهمام الخليليّ**
من هو وليُّ الأمرِ الذي تجبُ طاعتُه؟
محاور المقالة:
1.من هو ولي الأمر المراد بقوله تعالى" وَاُولي الاْمْرِ منكم"، وهل العلماء يندرجون في هذا المصطلح؟
2. طاعة ولي الأمر الشرعي واجبة ولكنها ليست مطلقة، وهي أثر مترتب على عقد البيعة.
3. اسقاط الشرعية والولاية بأحاديث المنابذة بالسيف وحديث أم الحُصين.
4. الصلاة في حديث أمِّ سلمة وحديث عوف بن مالك الأشجعي هي كناية عن الحكم بالإسلام.
5. وقفةٌ عند آية: “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون”، وعبارةِ: “كفر دون كفر”.
6. كل شرع مناقض لشرع الله مناقضة تامة هو كفر.
7. هلاك أمتنا بالحكام، والأئمة المضلين.
من هو ولي الأمر المقصود بقوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاُولي الاْمْرِ مِنْكُمْ) ? الجواب على هذا السؤال هو: إن وليَّ الأمر هو من تجب طاعته على نحو ملزم، بحيث يجوز له شرعاً إنزال العقوبة فيمن يعصيه، فليس البحث إذاً عن مجرد الطاعة عن رضا واختيار، كما أن البحثَ ليس في الاتباع أو التقليد لعالم أو فقيه، اللذان لا يكونان الا عن قناعة ورضى واختيار، فالمراد بقوله تعالى" وَاُولي الاْمْرِ منكم" هنا الأمراء، وهو قول جمهور السلف والخلَف، وليس المرادُ العلماءَ أو أهلَ الحل والعقد أو الصحابةَ أو أبا بكر وعمر كما جاء في كتب التفسير.فمن لا يطيع فقيهاً أو غيره، لا يُسمى نزع يداً من طاعة، أو خرج على إمامه وفارق الجماعة!
كما أن من يجعلُ للعلماء سلطة أمر ملزمة بصفتهم علماء فحسب، يكون قاب قوسين أو أدنى من “ولاية الفقيه”، ومن مفهوم “الدولة الكهنوتية الكنسية” والعياذ بالله، إن نظرية ولاية الفقيه العامة تجعل كل فقيه صاحب سلطة عامة، وهذا يؤدي إلى تعدد الحكام وتفتيت الأمة والدولة، فإن قيل إن ولاية الفقيه يُسار فيها تبعاً للفقيه الأعلم، بحيثُ يَتبعُ الفقيهُ الأقلُّ علماً الفقيهَ الأكثرَ علماً منه ويخضع لرأيه، قلنا: هذا يوقع في التناقض والاضطراب، وقد حصل ومازل يحصل، فمن ذا الذي تستسلمُ له العلماء وتسلم له بأنه هو الأعلم فوقَهم، فإن قيل يعقدُ له بانتخاب من العلماء، قلنا إذاً القائد استمد سلطتَه لا من علمِه وإنما من عقدِ مجلس الخبراء له كما هو الحال في ايران، وكان فقههُ مجردَ شرط، لا يلزم من وجوده وجود،أي لا يلزم من توفر الفقه فيه أن يكون ذا سلطان.
فولي الأمر إذاً هو الذي له شرعاً صلاحية الأمر والنهي، وله حق الالزام وتنفيذ الأمر والنهي بقوة السلطان، أي بقوة الجندي وصرامة القانون. وما تجب له من طاعة تنسحب على كل من ينوب عنه في أجهزة الدولة من حكم وإدارة، فلهم ما له من وجوب الطاعة.
إن طاعة ولي الأمر الشرعي واجبة ولا ريب، ولكنها طاعة ليست مطلقة، لأن إطلاق وجوب الإطاعة لا يصحّ إلاّ إذا كان المطاع معصوماً، ولا عصمةَ إلا لله ورسوله، لذا نجد سياق آية الطاعة لم يجعل لأولي الأمر طاعةً مطلقة، كما جعلها لله والرسول، فقال تعالى:“وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول”، ولم يقل وأطيعوا أولي الأمر منكم، إشارةً منه سبحانه، إلى أن أولي الأمر ليست لهم طاعةٌ مستقلة، بل طاعةٌ تابعة لطاعة الله والرسول، ومن لايطيعُ الله والرسول فلا طاعةَ له، وهذا ما سنثبتُه بمنطوق النصوص الشرعية فضلاً عن مفهومها، وإن الطاعة في المعصية لا تجوز،كما هو معلوم فلا تجوز طاعته في ظلم الناس وتعذيبهم وأخذ أموالهم بغير حق، حتى إن النبي عليه السلام، حينَ بايع النساء، في بيعة العقبة الأولى، بايعهن على ألا يعصينه في معروف! وهو بأبي وأمي، معصوم من الأمر بغير المعروف، بل أمره ونهيه هو عين المعروف، وإليه يرد تحديد المعروف، قال لهنّ:“ولا تعصوني في معروف” أخرجه البخاري، تماما ًكما في آية{سورة الْمُمْتَحِنَة }: […ولا يعصينك في معروفٍ، فبايعهنّ..]، وهذا كله خرج مخرج التعليم والإرشاد، لأمته أن الطاعة للحاكم، لاتكون إلا في المعروف.
إن طاعة ولي الأمر واجبة لأنها مترتبة على عقد البيعة بينه وبين الأمة ترتيباً وجوبياً، والعقود شرعاً مبناها على الرضا والإختيار، وتفرض التزاماتٍ متقابلةً على طرفي العقد، فعلى ولي الأمر الذي جاء بالرضا والإختيار أن يفيَ بما عاقدَ عليه الأمة، وعلى الأمة أن تفي له بموجَب العقد بالسمع والطاعة، إن الأحاديث صريحةٌ وواضحة بمنطوقها، بأن الأمة هي التي تبايع الحاكم، أي هي صاحبة السلطان وهي من تجعله حاكماً عليها، فمثلاً حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “… ومن بايعَ إماماً فأعطاه صفقةَ يده وثمرةَ قلبه فليطِعْه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر” هذا الحديث وحديث أبي هريرة عند مسلم:“فو ببيعة الأول فالأول” وحديث عبادة بن الصامت عند مسلم" بايعنا رسول الله…" ، وحديث أبي هريرة الذي أخرجه أحمد و الحاكم وصححه الذي حذر فيه النبي من الشرك بالله ونكث الصفقة وترك السنة، فقال له الصحابة: “يا رسول الله هذا الشرك بالله قد عرفناه، فما نكثُ الصفقة وترك السنة؟ قال: فأما نكثُ الصفقة أن تعطيَ رجلاً بيعتَك ثم تقاتله بسيفك، وأما ترك السنة فالخروج من الجماعة!” والأحاديث كثيرة تدل على أن ولي الأمر أو الإمام أو الخليفة إنما صار إماماً ببيعة الناس له، وأنه لم يأخذ السلطان إلا بهذه البيعة، فأوجب الله تعالى طاعته بهذه البيعة، فالحديث الأول على سبيل المثال واضح صريح: “من بايعَ إماماً…فليطِعْه..” حتى إن الرسول عليه السلام ، مع كونه رسولاً بأبي هو وأمي، فإنه أخذ البيعةَ التي توجب الطاعة على الناس بيعةَ حكم وسلطان، ثم يأتي بعد ذلك من يزعم أن للمتغلب على الأمة، الغاصب لسلطانها، طاعة وأي طاعة!
إن ولي الأمر، أي الخليفة أو الأمير، يبايع على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله، أي على الحكم بالشريعة، فإن بويع حاكم على غير ذلك فليس بولي أمر علينا، ولا طاعةَ له في رقابنا، أما إن بويع على الحكم بالشريعة ثم تراجع عنها، فاستبدل بشرع الله شرعاً آخر، سقطت شرعيته وطاعتُه، فحديث أم الحُصيْن ،في حجة الوداع، عند مسلم والنَّسائي وأحمد وابن ماجة، بأسانيد عدة، غاية في الصحة، صريح لا يحتاج لعبقرية لكي نفهمه: “إن أُمر عليكم عبد مُجدَّع يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا” ، وفي رواية: “ما أقام لكم كتاب الله”، وفي رواية: “ما عمل بكتاب الله”، فالقيادة بكتاب الله أو إقامة كتاب الله أو العمل بكتاب الله، قيد وشرط لوجوب طاعة الحاكم، وهو منتف كليةً عن الحكام الحاليين دون شك.
ثم إن أحاديثَ، المنابذة بالسيف ، وإن كانت تُشرع للثورة المسلحة، وهي ليست موضوعنا هنا، إلا أنها جميعاً تُسقط الوِلايةَ عن الحكام الحاليين، ولا تعطيهم الشرعية. وأحاديث المنابذة بالسيف هي ثلاثة أحاديثَ رئيسة: حديثُ عبادةَ بنِ الصامت، وحديث أم المؤمنين أمِّ سلمة، وحديثُ عوفِ بن مالك الأشجعي.
أما حديث عبادة بن الصامت، في الصحاح، فمتعدد الرويات، وهذه رواية البخاري: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، على السمع والطاعة، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرةٍ علينا، وعلى أن لا ننازع الأمرَ أهلَه إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومةَ لائم "
وقبل الخوض في تفصيل روايات حديث عبادة بن الصامت نسجل هذه الملاحظاتِ الهامةَ التالية:
أولاً: الحديث هنا لم يقل (إلا أن يكفر) الحاكم أو (إلا أن يرتد)، بل قال: (إلا أن تروا كفراً) ، فكفانا مُؤْنَة البحث في ذات الحاكم، هل كفر أم لا، إذ ذلك لا يؤثر عملياً في الأحكام المترتبة على الحديث، خصوصاً (سقوط الولاية). بمعنى، أن الكفر البواح الذي عندنا فيه من الله برهان، يبقى كفراً ، حتى لو عُذِر شخصُ الحاكم، بجهل أو تأويل أو إكراه، لأن البحث في النظام من حيثُ هو نظام، وليس في الحكم على شخص الحاكم.
ثانياً: (إلا أن تروا) أي أن نعلمه علم يقين، كأنه رؤية عين ومشاهدة.
ثالثاً: (كفراً بواحاً) أي كفراً ظاهراً مُعلناً لا خفاء فيه، ووقع في رواية للطبراني: " كفراً صُراحاً"، وهي بنفس المعنى، وكفراً هنا نكرة في سياق النفي تفيد العموم، أي يكفي كفراً واحداً لإسقاط الولاية، سواءاً أكان كفراً بواحاً، مما يناقض الإسلام مناقضةً تامة، في الحاكم أو في الحكم، أو في الحياة العامة دون نكير.
رابعاً: (عندكم فيه من الله برهان) أي دليل يقيني من الكتاب والسنة لا يقبل التأويل أو الاجتهاد، فهو من المعلوم من الدين بالضرورة.
وَلْنَعدْ إلى تفصيل روايات حديث عبادة بن الصامت، هذه الروايات تبين ثلاث حالاتٍ من حالات انحراف الحاكم التي تسقط شرعيته، بل وتصرح بمشروعية استخدام القوة المسلحة في مواجهة السلطة:
أما الحالة الأولى ففي الرواية المتفق عليها،التي بين أيدينا: " إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان " ، هنا اسقاط الشرعية حال بروز الكفر البواح.
وأما الحالة الثانية تبينها رواية ابن حبان في صحيحه: “إلا أن تكون معصيةٌ لله بواحاً” ، فهنا اسقاط الشرعية حال كون معصية لله بواحاً.
وأما الثالثة ففي رواية عند أحمد، بسند ٍحسن: “ما لم يأمروك بإثم بواحاً” وفي رواية حسنة جيدة أخرى عند الطبراني في (مسند الشاميين) : “إلا أن يأمرك بإثم بواحٍ عندك تأويله من الكتاب، قال خُضَيْرٌ، أَوْ حُضَيْرٌ (بالحاء المهملة، من ثقات ابن حِبان، وهو حُضَيْرٌ السُّلَمِيُّ ،بحسب ما سماه البخاري، في ترجمتة)، فإن أنا أطعته؟! قال: يؤخذ بقوائمك، فتلقى في النار، وليجئ هو فَلْينقذك!” ، فهنا اسقاط للشرعية حال كون الحاكم أمر بمعصيةٍ قطعيةٍ بواحاً.
والمتأمل في هذه الحالات الثلاث جميعاً، يجدُها تحمل معنى متحداً، وهو أن معصيةَ الله التي عندنا فيها من الله برهان، إن كانت بواحاً، مأموراً بها، فهذا هو الكفرُ البَواح المسقط للشرعية.
أما حديثُ أمِّ المؤمنين، أمِّ سلمة، في الصحاح، فمتعدد الرويات، وهذه رواية مسلم: " إنه يستعملُ عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع! ، قالوا يا رسول الله: ألا نقاتلهم؟ قال: لا ماصلوا" ، وعند أحمد، بنحوه، بطرق صحاح عدة، إلا أنه قال في بعض الروايات الصحيحة: “لا ما صلوا لكم الخمس”، “لا ما صلوا لكم الصلاة”، وفي رواية في المعجم الكبير للطبراني،بإسناد حسنٍ جيد، بزيادة في اللفظ: “ما صلوا وصاموا”.
فهنا، في حديث أم سلمة اسقاط الشرعية عن الحاكم حال كون الحاكم ترك الصلاة، وحال كون الحاكم ترك الصيام، وعليه، نكون أمامَ حالتين رابعةٍ وخامسة ، تضافان إلى الحالات الثلاثِ المذكورة في روايات حديث عبادةَ بنِ الصامت.
أما حديث عوف بن مالك الأشجعي، فيضيف حالة سادسة، وهي ترك الحاكم إقامةَ الصلاة في الأمة، وهذا نص الحديث عند مسلم في صحيحه من طرق، والدارمي وأحمد: “خيار أئمتكم: الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم: الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم. قيل: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟! فقال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصلاة، (قالها مرتين أو ثلاثة) وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه، فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يداً من طاعة” وفي لفظ: “ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعة”.
فهنا، في حديث عوف بن مالك الأشجعي، اسقاط الشرعية عن الحاكم حال كون الحاكم ترك إقامة الصلاة في الأمة، ومعنى إقامة الحاكم للصلاة، هو دعوة الأمة إلى الصلاة، ومحاسبتهم على تركها، بحيث يفضي ذلك إلى أن لا يظهر على الأفراد، ولا في المجتمع، الاستخفافُ واللامباةُ بهذه الشعيرة من شعائر الاسلام.
وعليه، فإن الحالات الست المسقطة لشرعية الحاكم في أحاديث المنابذة هي:
إن الصلاةَ في حديث أم سلمة وفي حديث عوف بن مالك الأشْجَعي، هي كنايةٌ عن الحكم بالإسلام، وهي من قبيل اطلاق الجزء وإرادة الكل، والذي دعانا للقول بأن الصلاة كناية عن الحكم بالإسلام هو الجمع بين النصوص في الموضوع الواحد عند الاستباط والتفسير، إذ لا يجوز خطفُ النصوص خطفاً بالنظر في قسم منها دون آخر، فالجمع بين عبارة : “أفلا ننابذهم بالسيف، فقال: لا ماصلوا”، وعبارة: “ما أقاموا فيكم الصلاة” مَعَ عبارة حديث عبادة بن الصامت:“وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً” يوصل إلى نتيجة مفادها أن الذي يمنعنا من الخروج على الحاكم هو: عدم رؤيتنا كفراً بواحاً، وعدم رؤيتنا كفراً بواحاً تعني أن الحاكم يحكم بالإسلام، فيكون قد كَنَّى عن الحكم بالإسلام بالصلاة، لأن الحكم بالإسلام بداهةً هو عكس “كفراً بواحاً” ، كما أن حديث أم الحصين ?وهو كذلك في ذات موضوع الطاعة- يقول:“ماقادكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا” والعمل بكتاب الله يعني الحكمَ بالإسلام، وعليه إذاً، فإن الذي لا يحكم بالإسلام يُنابذ بالسيف ويُخرج عليه ولا سمع له ولا طاعة، ومن ذلك يظهر جلياً، أن كلمة الصلاة في حديث أمِّ سلمة وحديثِ مالك بن عوف تعني الحكمَ بالإسلام، وقل الشيء ذاتَه في عبارة “ما صلوا وصاموا”. نعم قلنا إنَّ الصلاةَ هنا كناية، رغم أن التفسير الظاهريَّ الصريحَ في الأصل مقدم على الكناية، كما أن الحقيقةَ في اللغة مقدمةٌ على المجاز، قلنا ذلك لأن بين أيدينا نصوصاً في ذات الموضوع، كلها قرائن يأخذ بعضُها برقاب بعض، تصرفنا إلى القول بان الصلاةَ هنا كناية. ورغم قولنا هذا فإن من فسَّرها بالصلاة المعهودة، تمسكاً بظاهر النص، له وجه شرعيٌ لا نُعيبه، وتفسيره هذا لا يغير من الأمر شيئاً، إلا أنه يوقعهم في تناقضٍ، فهل يشهرون السلاح في وجه الحاكم لرؤيتهم كفراً بواحاً، أم يمتنعون عن اشهار السلاح في وجهه لكونه يصلي؟!، على كل حالٍ إذاً، نحيلُهم إلى الحالاتِ الستِ جمعِها.