مكانة سيد قطب وكتبه ونشاطاته

ولأمانة البحث أنقل آراء مخالفة لمن سبق نشره هنا:

**سيد قطب… ذلك العملاق..!

بقلم : شاب مصري

سيد قطب انسان… اعده اكثر شخصية اسلامية اسلامية اثرت في خلال القرن الماضي بلا جدال.. سواء اتفقنا او اختلفنا معه… لكن لا يستطيع ان ينكر ابداً اى شخص تاثير سيد رحمه الله.. حتى ان مؤرخي الحركة الاسلامية حين يتكلمون عن القرن العشرين.. يتكلمون عن سيد قطب كملة فاصلة.. فيتحدقوا عن مرحلة ما قبل قطب ومرحلة ما بعده…

حتى الذين يكيلون له اشد التهم ويهجمون عليه اشد الهجوم… اظن انهم لم يكونوا ليفعلوا هذا لولا التاثير الرهيب الذي احدثه قطب والمفاهيم التى غيرها في عقول عشرات الشباب “سواء اختلفنا او اتفقنا معها”…

وبعد تخرجه كان من اصدقاءه عباس العقاد وطه حسين ونجيب محفوظ وكان مقرباً بشدة من مجلس قيادة الثورة حتى انهم كانوا ينون تعيينه في منصب وزير التعليم الا انه رفض لما لم ير منهم عزماً على تغيير التعليم واصلاحه… كانوا يجتمعون في بيته في حلوان وكان له شان عظيم بينهم… بل وكانت كتبه تنزل اولاً باول في كتب الوزارة للمدارس… “يذكر الشيخ محمد اسماعيل المقدم انه بعد تحول قطب للحركة الاسلامية كانوا يمرون على المدارس وكان وقتها هو تلميذاً وكانوا يامرون التلاميذ بقطع الصفح التى بها مؤلفت قطب من الكتاب”…

من شدة وعلو قيمة سيد رحمه الله لدى المجتمع في ذلك الوقت انه كان المدني الوحيد الذي كان يحضر اجتماعات قيادة الثورة..

كتب سيد قطب احد اول كتبه “التفسير الفني في القران”.. وكان هذا قبل التزامه الحركة الاسلامية وتحوله .. ثم اثر فيه بشدة القران فبدأ يتحول الى النهج الاسلامي وترك كل اصحابه “الذين يلقبون الان بالمفكرون العمالقة”.. يقول الشيخ محمد المقدم هو ترك الشهرة بارادته لكنه تربع على قلوب ملايين المسلمين…كتب بعدها العدالة الاجتماعية في الاسلام ثم سافر الى امريكا 3 سنوات… واثر فيه بشدة فرح الامريكان باستشهاد الشيخ حسن البنا.. وعندما عاد الى مصر وبدأ يعلن انتهاجه النهج الاسلامي حورب بشدة واعتقل لمدة عشر سنوات “حكم عليه بالاعدام ولكن توسط له الرئيس العراقي عبدالسلام عارف”.. ثم افرج عنه.. ثم اعتقل مرة اخرى وحكم عليه بالاعدام وتوسط له ابن باز رحمه الله لكم يلغى الحكم ولكن رفض التوسط وتم تنفيذ الحكم… وخلال كل سنوات اعتقاله تعرض سيد رحمه الله لابشع انواع التعذيب التى من الممكن ان نتخيلها “واحسب انه لو وضع احد الذين يهاجمونه باشبع الالفاظ فيما وضع فيه يوماً واحدا لابتعد عن الطريق نهائياً..!”

لماذا اشتهر قطب خصيصاً رغم وجود عشرات من الكتاب الاسلامين من قبله ومن بعده وفي عصره… ولما احدثت كتبه ضخة هائلة حتى اصبح الغربي قبل المسلم يعرف اسم قطب رحمه الله عليه..!

ما احدث هذه الضجة في كتابات سيد رحمه الله عليه شئ واحد… الاستعلاء…!

في الوقت الذي كان يعيش فيه سيد رحمه الله وهو يماثل وقتنا الان.. كان الجميع يعيشون في حالة انهزام نفسية وتراجع امام السطوة الغربية واولهم الاسلاميون والدعاة والمفكرين الاسلامين… فاذا كان الهوجة الان في العالم هي الاشتراكية “مثل الخمسينات”.. تكلموا عن اشتراكية الاسلامية.. واذا كانت الهوجة الان الديموقراطية مثل وقتنا الحالي تكملوا عن ديموقراطية الاسلام… واذا كان الحديث عن الليبرالية تكلموا عن ليبرالية الاسلام وهكذا… الا نرى هذا الواقع امامنا الان؟؟

كان الدور الرئيس لكل كتابات قطب رحمها الله.. هو الاستعلاء .. اشعار كل مسلم انه الافضل وزرع اليقين بداخله ان منهج الاسلام ليس كاى منهج ارضي .. الاسلام منهج منزل من رب العالمين.. انت الاعلى بكونك صاحب هذا المنهج.. انت لست كمثلهم وان طغوا وتكبروا… هم الادنى فاياك اياك ان تحاول ان تكون مثلهم وتتقرب منهم…

ولكن لكي تكون الاعلى لهذا شروط.. والشرط الاول والاعظم.. هو الاقرار لله عزوجل بالحاكمية في كل امورك.. أغلب كتاب معالم على الطريق مثلاً يدور حول هذه النقطة.. حول العقيدة…!

الاستعلاء والعقيدة والمجتمع المسلم وشروطه… تكلم فيها سيد رحمه الله فابدع وتميز حتى انتشرت كتبه في كل بقاع الارض…

حقيقة من يقرأ كتب سيد بتمعن.. خصوصاً افضل كتبه المعالم وفي ظلال القران.. يستشعر معاني لم يستشعرها في اى كتاب اخر لاى كاتب…

قرات خلال السنوات الثلاث الماضية عشرات الكتب في شتى الفروع الاسلامية… ولكن حقيقة لم يؤثر في كتاب مثلما اثر كتابه الرائع “معالم على الطريق”…

كنت اقراه وكاني والله استشعر ان هذا وقته.. بعد ان انتشر الالتزام المتميع والسياسين الاسلامين الذين هم اقرب لليبرالية والعلمانية منهم للمنهج الاسلامي.. وبعد ان اصبح حال المسلمين في غاية الضنك.. وكل مسلم متمسك بدينه ينال اشد التعذيب… فوالله فعلاً حقيقة هذا الكتاب كان يعيد للنفس الاستعلاء.. وانه رغم ما يحدث انت القوي العزيز لانك تعمل لله عزوجل لانك تعمل اجيراً لدى الله عزوجل… لانك صاحب منهج رباني لانك لانك لانك..!!

اصدقكم القول.. كنت منذ فترة قصيرة اتعرض لبعض المضايقات…هذه المضايقات امتدت لفترة ليست بالقصيرة.. والله الذي لا اله الا هو يا اخوة كنت كلما استشعر الاضطراب قليلاً اذهب لاقرأ بعض الصفحات من كتابه الرائع “معالم على الطريق”… والله العظيم يا اخوة بلا مبالغة بعد القراءة استشعر بعدها ان روحي في السماء… وانك الاعلى الاكرم وهم الاذلون…وان طغوا .. وتكبروا.. واعتقلوا.. وعذبوا .. وظلموا..!

تتمنى ان تدوم لديك هذه المعاني لاطول فترة.. فعلاً لما الواحد يقرا كتابه ويستشعر معاني القران والايات… ترتفع روحه في السماء…

اثرت هذه المعاني في عشرات الشباب الذين قرأوها… فبعضهم تصرف في الاتجاه الخاطئ كما فعل من فعل من الجماعات الاسلامية من عمليات طائشة في بلاد الاسلام… ولكن في نفس الوقت بعضهم اخذها ماخذ الجد فالتزم الطريق بعدما حاد عنه الكثير… ودافع عن حمى الاسلام وقت ان تكالب على نهشها الكثير…نهض .. وقام.. وثار.. رغم تخذيل القاعدين.. حافظ على هويته…قام وثبت ضد كل ما يتعرض له مسلم صادق في هذا الزمن.. فما اهتز له جبين .. وما فكر ولو للحظة في النكوص عن منهج الله عزوجل…

قام هؤلاء الشباب.. سواء في بلادهم الاسلامية بالعمل الجاد الدؤوب للدعوة لله عزوجل من اجل اعادة المجد لامتهم المنكوبة… وفي البلاد التى فيها احتلال قاموا كالليوث الهصورة والاسود التى تتلهف للقضاء على فرسيتها.. فاوغلوا في دماء الصهيوني والنصراني المحتل.. وانتقموا لاعراض نساء هتكت ودماء مسلمة سفكت..!

حين تتابع احوال المجاهدين في جميع انحاء العالم.. تجد رغم اختلاف فكرهم الا انهم اجتمعوا على سيد قطب كمفكر لهم… فحي تقرأ في كل ادبياتهم باختلاف فكرهم .. سواء اخوان-حماس في فلسطين او سلفية جهادية في افغانستان والعراق او حتى اخوة مجاهدين لا هذا ولا ذاك مثل مجاهدي الصومال والشيشان وكشمير والفلبين.. حينما تدخل على مواقع وتقرا في ادبيات اى فصيل من هؤلاء.. تجد كتب سيد قطب رحمه الله دوماً في المقدمة… فسبحان الله .. كل هؤلاء في ميزان حسناته…

ادخل على اى موقع لاى فصيل جهادي في اى مكان في العالم.. وستجد ركن مميز لسيد قطب.. ومكانة خاصة لسيد رحمه الله في قلوب مناصري وكوادر هذا الفصيل اياً كان اتجاهه..

يقول الشيخ عبدالله عزام.. امام المجاهدين في حرب افغانستان والاب الروحي لاغلب المجاهدين في الحقبة الماضية “والذين دخلوا أفغانستان يدركون الأثر العميق لأفكار سيد في الجهاد الإسلامي وفي الجيل كله فوق الأرض كلها ، إن بعضهم لا يطلب منك لباسا وإن كان عاريا ولا طعاما وإن كان جائعا ولا سلاحا وإن كان أعزلا ولكنه يطلب منك كتب سيد قطب.”

ويقول الشيخ عزام رحمه الله في كتابه الماتع “سيد قطب عملاق الفكر الاسلامي”.. وبالمناسبة هنا الشيخ عزام عندي افضل من الف شيخ مستشيخ جالس في التكيف وحوله منعمات الدنيا ويهجم على قطب رحمه الله…

يضيف الشيخ عزام..وهو كما قلت يعتبره المجاهدون في كل مكان الاب الروحي والمرشد لهم… يقول الشيخ عزام “والحق أنني ما تأثرت بكاتب كتب في الفكر الإسلامي أكثر مما تأثرت بسيد قطب ، وأني لأشعر بفضل الله العظيم علي إذ شرح صدري وفتح قلبي لدراسة كتب سيد قطب ، فقد وجهني سيد قطب فكريا وابن تيمية عقديا وابن القيم روحيا والنووي فقهيا ، فهؤلاء أكثر أربعة أثروا في حياتي أثرا عميقا .”

لو كتبت مقالات وكتب عن سيد رحمه الله عليه فلن اوفيه حقه مهما فعلت… وما كتبت هذا الا للزود عنه رحمه الله بعد ان طعن فيه الكثير وسب فيه الكثيرون..!!

مررت منذ فترة قدراً على موقع لاحد هؤلاء المستشخين.. فوجدته عامل سلسلة كاملة على سيد قطب وفي بعض شرائطها استهزاء بسيد قطب.. فشريط بعنوان الموسيقى في القران وشريط مش عارف ايه… ثم تجد التعليقات اييه باة.. ناصر السنة وحامي حمى الاسلام والمدافع عن حياض الاسلام..! كتكم خيبة..!

حقيقة وقتها تذكرت قول سيد رحمه الله عليه وهو يعدم حينما احضروا له احد شيوخ الازهر ليذكره بالشهادة.. فقال له يا هذا انتم تسترزقون بها ونحن نموت من اجلها…!

شيخ اخر فاضل من مشاهير الشيوخ الذين احبهم في الله… ساله احد الاخوة مارايك في كتب سيد قطب.. قال له انصح الاخوة بالابتعاد عنها لانها كتب فكرية لا منهجية…!!

ذهلت حين سمعت الرد غير المنطقي على الاطلاق لكني صمت.!

كم من عشرات دشوا عشرات الكتب المنهجية دشا وحفظاً دون عمل.. وشخص حافي القدمين هناك في افغانستان القاحلة قرا كتاب لقطب فلم يترك نفسه الا بعد ان انضم لقافلة الجهاد والمجاهدين.. فايهما اشد اثراً يا شخينا الفاضل…!!

اذن لماذا هذا الهجوم الشديد الذي يتعرض له سيد قطب.. من بعض الاخوان.. ومن بعض السلفين التقليدين “من اصحاب طاعة ولي الامر”..؟؟؟

في الحقيقة سيد اخطأ رحمه الله اخطاء لا شك في هذا فلا يوجد انسان معصوم…وله اخطاء لا نقره عليها ابدا.. بل يجب ان نردها عنه بصراحة ونقول اخطا في كذا وكذا.. لكن بكل انصاف.. ليس ان اتصيد له الاخطاء واطلع القطط الفطسانة في كتبه.. لا اقول اخطاءه بكل انصاف.. وهناك كثير ممن شرحوا اخطاء سيد رحمه الله عليه بكل انصاف.. اولهم الشيخ الفاضل محمد اسماعيل المقدم حفظه الله وغيره الكثير… ولكن البعض يغالي.. ويهدم كل ما فعله سيد قطب.. وفي الحقيقة هو لا يهدم فكر سيد فهو قد توغل في قلوب ملاين المسلمين اولهم خط الدفاع و ابطال هذه الامة وهم المجاهدون.. لكنه يعيب نفسه هو…!

فاما من يهاجمونه من الاخوان.. لانهم يروه قد تجاوز منهج الاخوان السلمي وتعامل مع المجتمع بفظاظة .. وهذه حقيقة اراها مبالغة… فسيد في كتاباته كان يحلل واقعاً.. كان يرفض بحجة المنهج السلمي البالغ الوداعة.. ان اهادن الطغاة ومن والاهم… كان يرفض انصاف الحلول… رحمك الله يا قطب.. ياترى لو كان عايش بيننا الان ماذا كان سيقول ؟

النوع الثاني هم بعض السلفيون التقليديون.. وهم يوجهون له اخطاء جلها اخطاء علمية.. ولكن اين تكمن اغلب هذه الاخطاء؟؟

تكمن في اول كتبه “التصوير الفني في القران” وهو كتاب كتبه اصلاً قبل ان يلتزم المنهج الاسلامي.. فانظر مدى خسة البعض.. ان يستخدم اشياء كنت تفعلها قبل الالتزام وتركتها كاملة ليستخدمها ضدك..!

الكتاب الاخر: هو كتاب “العدالة الاجتماعية في الاسلام”.. وهو كتاب كتبه في اول التزامه.. وقد اختلف فكره تماماً بعد نضوجه الفكري الاسلامي عن فكره في بداية الالتزام وتراجع عن كل هذه الكتابات تماماً..

فقد روى اخاه محمد قطب رحمه الله ان سيد قطب في محنة عام 1965 قبل اعدامه اوصى باعادة طبع 6 كتب فقط هم خلاصة فكره ..

يقول المستشار عبدالله العقيل في مجلة المجتمع العدد 112 تاريخ 8/8/1972 م :

(( إن سيد قد بعث لإخوانه في مصر والعالم العربي أنه لا يعتمد سوى ستة مؤلفات له وهي : هذا الدين , المستقبل لهذا الدين , الإسلام ومشكلات الحضارة , خصائص التصور الإسلامي , في ظلال القرآن , ومعالم في الطريق))

بل ان احد الاخوة قابله في السجن عام 1965 في السجن فقال له لقد اصبح لك منهجين كالشافعي منهج قديم واخر جديد.. قال نعم ولكن الشافعي غير في الفروع اما انا فقد غيرت في الاصول…!

اذن من الخسة الشديدة ان اتصيد اخطاء لسيد رحمه الله في افكار تراجع عنها.. وانما من الاسلوب العلمي المنطقي ان تكون الاخطاء في هذه ال 6 كتب التى تعبر عن خلاصة فكره..!

ما اردت ان اقوله.. ان البعض في عصرنا هذا يسمع ما يقوله الشيخ كانه امر الهي.. يسمع ويطيع دون مناقشة.. الشيخ فلان قال محدش يقرا لسيد قطب اسمع واطيع دون مناقشة.. دون ان افهم دون ان اقرا دون دون.. حقيقة الي بيتبع هذه السياسة دون ان يستمر هو بجهد كبير في البحث والسؤال لن يصل الى شئ.. مثال.. الشيخ الذي ذكرته انه لا ينصح بعدم قراءة كتب قطب هو الشيخ حسان حفظه الله.. ارجع مثلاً لشريط الدكتور محمد اسماعيل المقدم وعشرات العلماء الاخرين عن حياة قطب.. وستجد كل تقدير واحترام لسيد رحمه الله.. وستجد هكذا اختلاف بين الكثير من المشايخ والعلماء… وينبغي عليك انت تقرا بنفسك وتقدر وتفهم…!

فاقراوا يا شباب كتب سيد رحمه الله … اقرءوا المعالم.. فوالله اني اجده حالياً في غاية الاهمية ويجب على كل ملتزم ان يطلع عليه.. اطلعوا على الظلال.. وباقي كتبه الستة… وصدقوني سيفرق معكم كثيراً.. في هذا الزمن.. زمن الغرباء..!


من روائع كلماته… حقيقة والله ذات مرة اردت ان اقتبس من كتابه الاروع المعالم.. فكنت كلما اهم باقتباس جزء اجد الجزء الاعلى منه او الاسفل منه اروع منه.. فانتهى بي المطاف في النهاية الى ان اردت اقتباس كل الكتاب .. لكني هنا ساضع جملتين او ثلاث من بعض ما كتب:

“وليس في إسلامنا ما نخجل منه ، وما نضطر للدفاع عنه ، وليس فيه ما نتدسس به للناس تدسساً ، أو ما نتلعثم في الجهر به على حقيقته .. إن الهزيمة الروحية أمام الغرب وأمام الشرق وأمام أوضاع الجاهلية هنا وهناك هي التي تجعل بعض الناس .. المسلمين .. يتلمس للإسلام موافقات جزئية من النظم البشرية ، أو يتلمس من أعمال " الحضارة " الجاهلية ما يسند به أعمال الإسلام وقضاءه في بعض الأمور … إنه إذا كان هناك من يحتاج للدفاع والتبرير والاعتذار فليس هو الذي يقدم الإسلام للناس . وإنما هو ذاك الذي يحيا في هذه الجاهلية المهلهلة المليئة بالمتناقضات وبالنقائض والعيوب ، ويريد أن يتلمس المبررات للجاهلية . وهؤلاء هم الذين يهاجمون الإسلام ويلجئون بعض محبيه الذين يجهلون حقيقته إلى الدفاع عنه ، كـأنه متهم مضطر للدفاع عن نفسه في قفص الاتـهام !”


“قليل هم الذين يحملون المبادىء وقليل من هذا القليل الذين ينفرون من الدنيا من اجل تبليغ هذه المبادىء وقليل من هذه الصفوة الذين يقدمون أرواحهم ودمائهم من اجل نصرة هذه المبادىء والقيم فهم قليل من قليل من قليل.”


إن الدخول في الإسلام صفقة بين متبايعين.. .الله هو المشتري والمؤمن فيها هو البائع ، فهي بيعة مع الله ، لا يبقى بعدها للمؤمن شيء في نفسه ، ولا في ماله.. لتكون كلمة الله هي العليا ، وليكون الدين كله لله


عندما تم ابلاغه انه اذا اعتذر فسيتم العفو عن الاعدام فرد قائلاً:عن أي شئ أعتذر يا حميدة “شقيقته”!! عن العمل مع الله?! والله لو عملت مع أي جهة غير الله لاعتذرت ، ولكني لن أعتذر عن العمل مع الله إن أصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة ليرفض أن يكتب حرفا واحدا يقر به حكم الطاغية..!


اختم بما كتب به الشيخ عبدالله عزام كتابه عن قطب..

لقد مضى سيد قطب إلى ربه رافع الرأس ناصع الجبين عالي الهامة ، وترك التراث الضخم من الفكر الإسلامي الذي تحيا به الأجيال ، بعد أن وضح معان غابت عن الأذهان طويلا ، وضح معاني ومصطلحات الطاغوت ، الجاهلية ، الحاكمية ، العبودية ، الألوهية ، ووضح بوقفته المشرفة معاني البراء والولاء ، والتوحيد والتوكل على الله والخشية منه والإلتجاء إليه

منقول : مدونة " شاب مصري "

shabmasrey.blogspot.com

كما إنّ كتاب ( معالم في الطريق ) قد أثار ضجة عند الحكام لوصفه أنظمة الحكم القائمة بالجاهلية فإنّه قد أثار ضجة لدى الحركات التي تأخذ بالمشاركة في أنظمة الحكم القائمة … ونأخذ هنا رأي الشيخ القرضاوي في الكتاب وصاحبه كمثال

**موقع القرضاوي

/9-8-2009

قال العلامة الشيخ يوسف القرضاوي إن كتابات المرحلة الأخيرة من حياة المفكر سيد قطب تؤكد “خروجه عن أهل السنة والجماعة بوجه ما” بخصوص التكفير، لافتا إلى أنه لو قدر له أن يعيش لعدل من أفكاره في هذه القضية، مثنيا في الوقت ذاته على قطب باعتباره عالما مسلما عظيما قدم عنقه فداء لدعوته في سبيل الله.

وفي حوار مع ضياء رشوان، الباحث في شئون الحركات الإسلامية، في برنامجه “منابر ومدافع” الذي تبثه فضائية “الفراعين” المصرية مساء الجمعة، قال القرضاوي إن أهل السنة والجماعة يقتصدون في عملية التكفير حتى مع الخوارج".. فهم لا يكفرون إلا “بقواطع تدل على أن الإنسان مرق من الدين الإسلامي تماما”.

وعبر عن اعتقاده " أن الأستاذ قطب في هذا الأمر بعد عن الصراط السوي لأهل السنة والجماعة"، مرجعا هذا البعد إلى عدة أسباب أهمها أن هذه الكتابات كتبت في السجن، فقد كان يرى أن الدولة من خلال تمكينها للشيوعيين بعدت عن الإسلام.

وعلى الرغم من هذا البعد يرى القرضاوي أن قطب لو قدر له أن يعيش ويخرج من السجن ويناقش الناس في أفكاره لكان تراجع عن الكثير منها.

قطب والمدرسة الإخوانية

وردا على سؤال حول تصنيف سيد قطب وانتمائه إلى المدرسة الإخوانية من عدمه قال القرضاوي إن سيد قطب كان من المعجبين بالإمام حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، وكتب عنه مقالته “حسن البنا وعبقرية البناء” معبرا فيها عن قدرات البنا التنظيمية في تأسيس الجماعة وتشكيل هياكلها التنظيمية.

لكن قطب لم ينقل عن فكر البنا -والكلام للقرضاوي- مثلما نقل عن الشيخ أبو الأعلى المودودي، فقد تأثر قطب بالمودودي كثيرا وأخذ عنه فكرة الحاكمية والجاهلية، ولكن قطب خرج في النهاية بنتائج عن تكفير المجتمع وجاهليته تختلف تماما عما قاله المودودي.

وقال القرضاوي إنه لا غبار على الحاكمية فهي فكرة إسلامية أصيلة، وتعني أن تكون المرجعية للشريعة الإسلامية، وقد تحدث عنها الإمام أبو حامد الغزالي وغيره من علماء المسلمين.

أما “الجاهلية” فدلالتها تختلف عند قطب عما جاءت عليه في القرآن الكريم اختلافا كليا وجزئيا، حسبما يقول القرضاوي مستشهدا بما كتبه قطب نفسه في كتابه “معالم في الطريق”، والذي اعتبر فيه أن المجتمع بالأساس غير مسلم ومهمة المصلحين هي رد الناس أولا إلى العقيدة الإسلامية الصحيحة وأن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.

وأكد القرضاوي أن قطب أخطأ في قضية تكفير مجموع المسلمين وليس فقط الحكام والأنظمة، مشيرا إلى أن قطب يتحمل بعض المسئولية عن تيار التكفير، فقد أخذ أفكار المودودي ورتب عليها نتائج لم تخطر على بال المودودي نفسه، وهذا أيضا ما فعله شكري مصطفى وغيره، حيث أخذ شكري أفكار قطب وخرج منها بنتائج لم تخطر على بال قطب، حيث اعتبر شكري أن جماعة “جماعة المسلمين” هم فقط المسلمون ومن دونهم فهم كفار.

أين الإشكالية؟

ونفى القرضاوي في الوقت ذاته أن تكون شهادته عن قطب هي افتئات على قطب، معتبرا أنها محاكمة للرجل من خلال كلامه والنصوص التي وردت في كتبه، وذلك ردا على ما قاله د. محمود عزت الأمين العام لجماعة الإخوان المسلمين، بأن الخطأ فيمن قرأ سيد قطب وليس فيما كتبه.

وقال القرضاوي إن الكلام الذي نقله عن قطب عن التكفير والجاهلية كلام واضح ولا يحتمل أي تأويل، مستشهدا في حديثه برواية للدكتور محمد عبد الله المهدي، والذي كان معتقلا عام 1965، حيث أكد له أن قطب اعترف أن الكتابات التي كتبها في المرحلة الأولى من حياته كـ"العدالة الاجتماعية في الإسلام"، و"السلام العالمي والإسلام"، و"مشاهد القيامة في القرآن"، لا تمثل رأيه ومذهبه الجديد، ولكن ما يذهب إليه ويتبناه هي ما كتبه في كتبه الأخيرة في السجن مثل “معالم في الطريق” والطبعة الثانية من “الظلال” و"هذا الدين" و"الإسلام ومشكلات الحضارة".

وفي النقاش الذي جرى في السجن يعترف قطب بأن له منهجين قديما وجديدا تماما كالإمام الشافعي، لكن الشافعي غيّر في الفروع أما هو-قطب- فقد غير في الأصول، أي في أصول العقيدة، وهذه هي الإشكالية، حسبما يتحدث القرضاوي.

وقال القرضاوي إن الذي يتأمل كتابات قطب لا يشك في أنه تجاوز في مسألة التكفير، مؤكدا أن منهج قطب ليس هو منهج الإخوان المسلمين الذي وضع الإمام البنا أسسه في “الأصول العشرين”، وأشار إلى أن قطب لم يعش داخل الجماعة ولم يترب “على حصيرها”، فقد كانت فترة وجوده في صفوف الجماعة قليلة وما لبث أن دخل السجن، وفي السجن ظهرت التغيرات والمؤثرات الهائلة على أفكاره.

واعتبر القرضاوي أن المهم الآن ليس هو نسب سيد قطب لجماعة الإخوان أو غيرهم، ولكن المهم هو أفكاره، قائلا: نحن نحاكم أفكارا.. والذي يتحمل مسئولية هذه الأفكار هو صاحبها وليس الإخوان.. وأنا أرى أن هذه الأفكار لا توافق فكر الإخوان المسلمين، لأن فكر الإخوان ليس فيه تكفير".

وفي النهاية أشار القرضاوي إلى أن هذه الشهادة واختلافه مع قطب في قضية التكفير لا تمنعه من أن يقول إن هذا الرجل أديب عظيم بمقياس الإبداع في النقد الأدبي وداعية عظيم وعالم ومفكر عظيم، وهو أيضا مسلم عظيم يكتسب هذه العظمة ليس فقط من أفكاره، ولكن من خلال التضحية بنفسه وتقديم عنقه فداء لدعوته في سبيل الله.


  • المصدر: موقع الإسلاميون / شبكة إسلام أون لاين. نت / بتصرف.

www.qaradawi.net

المصدر :

www.islamonline.net

**رأي سلمان العوده

سيد قطب رحمه الله اختلف في منهجه الكثيرون , فالبعض أسماه مكفرا والبعض الآخر أسماه مشبها والبعض الاخر أسموه متكلما ؛ والأدهى من ذلك والأَمَر أن البعض يكفره ويمزق كتبه ويكفرونه ويسمون كتابه ( في ظَلال القرآن ) الظَّلال بالفتح !! علما بأنه حمل لواء الجهاد في سبيل الله بالكلمة الصادقة - كما نحسبه والله حسيبه - ومات وهو على كلمة الحق التي دعا إليها .

فما صحة ما يقوله المتقولون ؟

أما عن سيد قطب فقد قرأت معظم كتبه ، وإن شئت فقل : كل كتبه ، كما قرأت كثيراً مما كُتِبَ عنه , ولعل أوفى كتاب في هذا الباب هو كتاب ( سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد ) للدكتور صلاح الخالدي ، وللدكتور عناية خاصة بالأستاذ سيد ، وآخر مؤلفاته حوله رسالة كبيرة نشرت ضمن سلسلة أعلام المسلمين .

والملحوظ أن الناس في سيد ، وفي غيره ، يكون فيهم المتوسط المعتدل الذي ينظر بعين الإنصاف والتجرد والتحري ، ويكون فيهم المتطرف الذي يقع في التعصب والهوى ؛ وسيان أن يكون التعصب ضد الشخص مما يحمل على رد الحق الذي معه وتصيد الأخطاء عليه وتفسير كلامه على أسوأ الوجوه وعدم الاعتبار بالمتقدم والمتأخر من كلامه ? أو أن يكون التعصب له مما يحمل على أخذ أقواله بدون تحفظ ، والغفلة عن أخطائه وعثراته ، والدفاع عنه بغير بصيرة ، بل : وربما اعتقاد العصمة في المتبوع بلسان الحال ، أو بلسان المقال .

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود : (الكبر بطر الحق وغمط الناس) .

والذي يخاف الله يتورع عن أعراض عامة المسلمين ، فضلاً عن خاصتهم من أهل العلم ، والدعوة والجهاد والدين .

والذي أدين الله به أن الأستاذ سيد قطب من أئمة الهدى والدين ومن دعاة الإصلاح ، ومن رواد الفكر الإسلامي … سخّر فكره وقلمه في الدفاع عن الإسلام ، وشرح معانيه ، ورد شبهات أعدائه ، وتقرير عقائده وأحكامه ، على وجه قلّ من يباريه أو يجاريه في هذا الزمان .

وكان حديثه حديث المعايش الذي لابس همّ الإسلام قلبه ، وملك عليه نفسه ، قد شغله الحزن على الإسلام ، والغضب له ، حتى عن ذاته وهمومه الخاصة .

وكتابه الظلال يعتبر إضافة كبيرة لدراسة التفسير ، واستطاع فيه أن يستوعب كثيراً مما كتبه المتقدمون ، وأن يبنى عليه رؤيته الخاصة المتميزة ، وفهمه الثاقب ، ودرسه الغزير ، وأن يقرن آي الكتاب بحياة الناس المعاصرة حتى يشعر قارئه أن القرآن ليس كتاباً نزل لبيئة خاصة في المكان والزمان ، ولكنه هداية للناس أجمعين ، أياً كان زمانهم أو مكانهم .

ولقد استفاد الأستاذ سيد من تفسير ابن كثير فائدة غنية ، ونقل عنه ، وربما اعتمد عليه خصوصاً في باب المرويات والأقاويل ، بل وفي أوجه الاختيار والترجيح .

كما انتفع بما كتبه الشيخ محمد رشيد رضا في المنار فيما يتعلق بربط هداية القرآن بنتائج العلم والبحث الإنساني والاجتماعي والعمراني ، وفيما يتعلق بالتجرد عن التعصب والتقليد .

ولكن يبقى الظلال شيئاً آخر ، غير هذا وذاك 0

نعم ؛ ليس الكتاب تفسيراً لآيات الأحكام ، ولهذا فهو لا يغني عن مثل كتاب القرطبي أو ابن العربي أو الجصاص أو غيرهم , خصوصاً للمهتمين بمعرفة المذاهب الفقهية ، والترجيح بينها وليس تقريراً مفصلاً أو تعليمياً لكليات العقيدة وجزئياتها ، فهو لا يغني عن قراءة ما كتبه الإمام الفذ ابن تيمية ، أو تلميذه العَلَمْ ابن القيم ، في تقرير العقيدة ، والذب عنها ، ومناظرة خصومها

بل ووقع في الظلال عثرات في هذا الباب وفي غيره ، ولكنها يسيرة إلى جنب ما فيه من الخير والعلم والإيمان 0

ومن ذلك - تمثيلاً - اضطرابه في باب الاستواء كما يعرفه من راجع تفسير هذه الآية في مواضعها السبعة المعروفة , ووقع منه في بعضها أن الاستواء كناية عن السيطرة والاستعلاء ، وهذا خطأ ، والصواب أن الاستواء ، كما قال مالك : معلوم ، من حيث المعنى ، مجهول ، أو غير معقول ، من حيث الكيفية ، وقد ذكر الأئمة في معناه : العلو ، والاستقرار ، والارتفاع ، والصعود ، والله أعلم.

ومن ذلك أنه يسمى توحيد الألوهية - الذي هو توحيد العبادة - باسم توحيد الربوبية ، ويسمي توحيد الربوبية باسم توحيد الألوهية ، وهذا خطأ في اللفظ ، لكنه رحمه الله كان شديد الوضوح في إدراك هذه المعاني والحقائق وتقريرها .

ومن ذلك أنه كتب فصولاً موسعة في موضوع الدعوة ومنهجها , والموقف من المجتمعات المعاصرة ، وكتب ذلك بعاطفة مشبوبة ولغة قوية وغيرةٍ على الدين وعلى المسلمين .. حملها بعض قارئيه ما لا تحتمل من المعاني واللوازم , وتعاملوا معها على أنها نصوص تقرأ بحروفها وألفاظها ، وتحفظ وتتلى ويستشهد بها في مواطن النزاع ، ومضايق الجدل والمناظرة والخصام .

وبنى بعض هؤلاء على هذه القراءة الحرفية الضيقة تكفير الناس كافة ، أو التوقف بشأنهم أو الهجرة من ديارهم … إلى أين ؟ لا أدري !

وبنى آخرون عليها فكرة الانفصال عن المجتمعات وترك العمل فيها واعتزالها ، وفهمت كلمة سيد - رحمه الله - عن ( العزلة الشعورية ) بتكثيف قوي ، وترميز شديد ، جعلها بؤرة العمل والانطلاق .

والحق أن القراءة الحرفية الظاهرية لتراث كاتب ما ، ليست أمراً خاصاً وقع مع سيد قطب رحمه الله وحده ، لكنها مشكلة تراثية يعاد إنتاجها الآن مع عدد كبير من رموز العلم والفقه والدعوة والاجتهاد ، من المتقدمين والمعاصرين.

ولقد يكتب العالم بحثاً ، أو يقدم اجتهاداً ، أو ينتحل رأياً في مسألة ، وينتصر له بحسب ما توفر لديه آنذاك ، فيأتي الخالفون فيقرؤون نصه بقدسية تأسر عقولهم ، وتجعل همهم مقصوراً على إدراك النص وفهمه ، ثم تقريره وتوسيع دائرته ، ثم الاستشهاد له ومدافعة خصومه .

ولذلك يدري كل أحد ، أن الأئمة ، أصحاب المذاهب ، الفقهية وغير الفقهية ، لم يكونوا يشعرون أنهم يؤسسون مذهباً ، ويقيمون بناءً خاصاً ، راسخ القواعد ، مكتمل الأركان ، حتى جاء من بعدهم فأصّل وفصّل ، وجمع النظير إلى النظير ، وتعامل مع كلام الأئمة بحرفية بالغة ، بل عدّ بعضهم كلام الإمام ككلام الشارع ، من جهة المنطوق والمفهوم ، واللازم ، والقياس عليه ، والناسخ والمنسوخ ، والظاهر والنص … الخ . هذا مع شدة نهي العلماء عن التقليد ، حتى إن منهم من كان ينهى عن تدوين آرائه الفقهية ، ويحذر من تناقلها .

وكلما كان العالم أوسع انتشاراً ، وأكثر أتباعاً ، وأوغل في الرمزية - لأي سبب - كان الأمر بالنسبة له أشد ، وكانت المشكلة أظهر ، لكنها تخف تدريجياً بتقدم الزمن ، ولو من بعض الوجوه . هذه ليست مشكلة العالم أو المفكر ، بقدر ما هي مشكلة القارئ أو المتلقي ؛ وأياً ما كانت فهي مما يحتاج إلى بحثٍ ودراسة 0

وقديماً كان علي رضي الله عنه يقول قولته المشهورة : يهلك فيّ رجلان : غالٍ وجاف 0

والخلاصة : أن سيد قطب وغيره من أهل العلم يؤخذ من قولهم ويترك ، ويصيبون ويخطئون ، ويردون ويرد عليهم ، وهم إن شاء الله بين أجر وأجرين ، ولئن حرموا أجر المصيب في عشر مسائل ، أو مائة مسألة فلعلهم - بإذن الله - ألا يحرموا أجر المجتهد .

ومن أفضل ما كتبه سيد قطب كتاب ( خصائص التصور الإسلامي ) ، والذي ظهر جزؤه الأول في حياته ، وأخرج أخوه الأستاذ محمد قطب حفظه الله جزءه الثاني بعد وفاته . وهو كتاب عظيم القدر في تقرير جملة من أصول الاعتقاد ، معتمداً على نصوص الكتاب الكريم بالمقام الأول ، مؤيداً لها بحجج العقل الظاهرة ، راداً على مقالات المخالفين والمنحرفين . وفيه رد صريح ومباشر على أصحاب مدرسة وحدة الوجود ، والحلولية ، وأضرابهم ، وحديث واضح عن الفروق العظيمة بين الخالق والمخلوق ، وبيان أن هذا من أعظم خصائص عقيدة التوحيد ، كما بينها الإسلام . فلا مجال مع هذا لأنه يحمل أحد الفيض الأدبي الذي سطره سيد في تفسير سورة الإخلاص على تلك المعاني المرذولة ، التي كان هو رحمه الله من أبلغ من رد عليها ، وفند شبهاتها .

وأذكر من باب الإنصاف أن أخانا الشيخ عبدالله بن محمد الدويش رحمه الله تعالى لما أشار عليه بعضهم بتعقب الظلال ، واستخراج ما وقع فيه ، فكتب مسوّدة كتابه ( المورد العذب الزلال ) ورد على ذلك الموضع في سورة الإخلاص ، فبلغني أنه فهم منه تقرير مذهب وحدة الوجود ، فبعثت إليه مع بعض جيرانه بالموضوع المتعلق بذلك من كتاب الخصائص والذي هو بيان جلي للمسألة لا لبس فيه ، فكان من إنصافه رحمه الله ، أن أثبت ذلك في كتابه ، ونقل عن الخصائص ما يرفع اللبس .

علماً أن الحري بالباحث إجمالاً أن يفهم كلام الشيخ أو العالم بحسب ما تقتضيه نصوصه الأخرى فيرد بعضها إلى بعض ، ويفسر بعضها ببعض ، ولا يتمسّك بكلمة يضع لها أقواساَ ، ثم يعقد لها محكمة ! وقد يخطىء المرء في اللفظ وهو يريد معنى صحيحاً ، كما وقع للذي قال : اللهم أنت عبدي وأنا ربّك ، يريد : أنت ربي وأنا عبدك ، وما كفر بذلك ولا أثم بل لعله كان مأجوراً مثاباً .

ومن المعلوم المستفيض أن سيداً رحمه الله مرّ في فكره وحياته بمراحل مختلفة ، وكتب في أول حياته مجموعة كتب أدبية مثل : كتب وشخصيات ، مهمة الشاعر في الحياة ، طفل من القرية ومجموعة من الدواوين الشعرية . وكتب مجموعة من الكتب الإسلامية مثل : التصوير الفني في القرآن ، مشاهد القيامة في القرآن ، العدالة الاجتماعية في الإسلام .

ثم في مرحلة النضج كتب الخصائص , المعالم , الظلال , هذا الدين ، المستقبل لهذا الدين ، الإسلام ومشكلات الحضارة … وربما كتباً أخرى نسيتها .

ومع ذلك كان يتعاهد كتبه بالتصحيح والمراجعة والتعديل - كما هو ظاهر في الظلال خاصة - حيث كان يعمل فيه قلمه بين طبعة وأخرى ، وهذا دأب المخلصين المتجردين .

وليعلم الأخ الكريم الناصح لنفسه أن الوقيعة في آحاد الناس ، فضلاً عن خاصتهم ، من أهل العلم والإصلاح والدعوة من شر ما يحتقب المرء لنفسه ، ولا يغتر المرء بمن يفعل ذلك ، كائناً من كان ؛ لأن الحساب في القيامة بالمفرد لا بالقائمة 0

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخوكم : سلمان بن فهد العودة

22/6/1421 هـ

شكبة الصحوة الإسلامية define_like_share **

نائل سيد أحمد كتب:
**حقاً لماذا تأخر النصر …

ولا بد من عودة لقراءة المزيد .**

**.

لماذا تأخر النصر؟

ذكر سيد قطب رحمه الله: " والنصر قد يبطئ على (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ)، فيكون هذا الابطاء لحكمة يريدها الله:

…والنصر قد يبطئ على الذين ظلموا وأخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله. فيكون هذا الإبطاء لحكمة يريدها الله.

قد يبطئ النصر لأن بنية الأمة المؤمنة لم تنضج بعد نضجها، ولم يتم بعد تمامها، ولم تحشد بعد طاقاتها، ولم تتحفز كل خلية وتتجمع لتعرف أقصى المذخور فيها من قوى واستعدادات. فلو نالت النصر حينئذ لفقدته وشيكا لعدم قدرتها على حمايته طويلا!

وقد يبطئ النصر حتى تبذل الأمة المؤمنة آخر ما في طوقها من قوة، وآخر ما تملكه من رصيد، فلا تستبقي عزيزا ولا غاليا، لا تبذله هينا رخيصا في سبيل الله.

وقد يبطئ النصر حتى تجرب الأمة المؤمنة آخر قواها، فتدرك أن هذه القوى وحدها بدون سند من الله لا تكفل النصر. إنما يتنزل النصر من عند الله عندما تبذل آخر ما في طوقها ثم تكل الأمر بعدها إلى الله.

وقد يبطئ النصر لتزيد الأمة المؤمنة صلتها بالله، وهي تعاني وتتألم وتبذل ولا تجد لها سندا إلا الله، ولا متوجها إلا إليه وحده في الضراء. وهذه الصلة هي الضمانة الأولى لاستقامتها على النهج بعد النصر عندما يتأذن به الله. فلا تطغى ولا تنحرف عن الحق والعدل والخير الذي نصرها به الله.

وقد يبطئ النصر لأن الأمة المؤمنة لم تتجرد بعد في كفاحها وبذلها وتضحياتها لله ولدعوته فهي تقاتل لمغنم تحققه، أو تقاتل حمية لذاتها، أو تقاتل شجاعة أمام أعدائها. والله يريد أن يكون الجهاد له وحده وفي سبيله، بريئا من المشاعر الأخرى التي تلابسه. عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْقِتَالُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً. فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ - قَالَ وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا - فَقَالَ «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِىَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» ( صحيح البخارى- المكنز [1/ 221] (123) ).

كما قد يبطئ النصر لأن في الشر الذي تكافحه الأمة المؤمنة بقية من خير، يريد الله أن يجرد الشر منها ليتمحض خالصا، ويذهب وحده هالكا، لا تتلبس به ذرة من خير تذهب في الغمار! وقد يبطئ النصر لأن الباطل الذي تحاربه الأمة المؤمنة لم ينكشف زيفه للناس تماما. فلو غلبه المؤمنون حينئذ فقد يجد له أنصارا من المخدوعين فيه، لم يقتنعوا بعد بفساده وضرورة زواله فتظل له جذور في نفوس الأبرياء الذين لم تنكشف لهم الحقيقة. فيشاء الله أن يبقى الباطل حتى يتكشف عاريا للناس، ويذهب غير مأسوف عليه من ذي بقية!

وقد يبطئ النصر لأن البيئة لا تصلح بعد لاستقبال الحق والخير والعدل الذي تمثله الأمة المؤمنة. فلو انتصرت حينئذ للقيت معارضة من البيئة لا يستقر لها معها قرار. فيظل الصراع قائما حتى تتهيأ النفوس من حوله لاستقبال الحق الظافر، ولاستبقائه!

من أجل هذا كله، ومن أجل غيره مما يعلمه الله، قد يبطئ النصر، فتتضاعف التضحيات، وتتضاعف الآلام. مع دفاع الله عن الذين آمنوا وتحقيق النصر لهم في النهاية.

وللنصر تكاليفه وأعباؤه حين يتأذن الله به بعد استيفاء أسبابه وأداء ثمنه، وتهيؤ الجو حوله لاستقباله واستبقائه: «وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ، وَآتَوُا الزَّكاةَ، وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ» ..

فوعد الله المؤكد الوثيق المتحقق الذي لا يتخلف هو أن ينصر من ينصره .. فمن هم هؤلاء الذين ينصرون الله، فيستحقون نصر الله، القوي العزيز الذي لا يهزم من يتولاه؟ إنهم هؤلاء: «الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ» .. فحققنا لهم النصر، وثبتنا لهم الأمر .. «أَقامُوا الصَّلاةَ» .. فعبدوا الله ووثقوا صلتهم به، واتجهوا إليه طائعين خاضعين مستسلمين .. «وَآتَوُا الزَّكاةَ» .. فأدوا حق المال، وانتصروا على شح النفس، وتطهروا من الحرص، وغلبوا وسوسة الشيطان، وسدوا خلة الجماعة، وكفلوا الضعاف فيها والمحاويج، وحققوا لها صفة الجسم الحي - عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِى تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» (صحيح مسلم- المكنز [16/ 471] 6751 وأخرجه الجماعة المسند الجامع [15/ 802] (11888) ) …

«وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ» .. فدعوا إلى الخير والصلاح، ودفعوا إليه الناس .. «وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ» .. فقاوموا الشر والفساد، وحققوا بهذا وذاك صفة الأمة المسلمة التي لا تبقى على منكر وهي قادرة على تغييره، ولا تقعد عن معروف وهي قادرة على تحقيقه ..

هؤلاء هم الذين ينصرون الله، إذ ينصرون نهجه الذي أراده للناس في الحياة، معتزين بالله وحده دون سواه. وهؤلاء هم الذين يعدهم الله بالنصر على وجه التحقيق واليقين.

فهو النصر القائم على أسبابه ومقتضياته. المشروط بتكاليفه وأعبائه .. والأمر بعد ذلك لله، يصرفه كيف يشاء، فيبدل الهزيمة نصرا، والنصر هزيمة، عندما تختل القوائم، أو تهمل التكاليف: «وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ» ..

إنه النصر الذي يؤدي إلى تحقيق المنهج الإلهي في الحياة. من انتصار الحق والعدل والحرية المتجهة إلى الخير والصلاح. المنظور فيه إلى هذه الغاية التي يتوارى في ظلها الأشخاص والذوات، والمطامع والشهوات ..

وهو نصر له سببه. وله ثمنه. وله تكاليفه. وله شروطه. فلا يعطى لأحد جزافا أو محاباة ولا يبقى لأحد لا يحقق غايته ومقتضاه ..

( في ظلال القرآن - سيد قطب)**

** الخاطرة الحادية عشره :

الاستسلام المطلق للاعتقاد في الخوارق و القوى المجهولة خطر، لأنه يقود إلى الخرافة.. ويحول الحياة إلى وهم كبير إ… ولكن التنكر المطلق لهذا الاعتقاد ليس أقل خطرا: لأنه يغلق منافذ المجهول كله، وينكر كل قوة غير منظورة لا لشىء إلا لأنها قد تكون أكبر من إدراكنا البشري في فترة من فترات حياتنا! وبذلك يصغر من هذا الوجود - مساحة وطاقة، قيمة كذلك، ويحده بحدود " المعلوم " وهو إلى هذه اللحظة حين ! يقاس إلى عظمة الكون- ضئيل.. جدآ ضئيل!..

إن حياة الإنسان على هذه الأرض سلسلة من العجز عن إدراك القوى الكونية أو سلسلة من القدرة على ادراك هذه القوى، كلما شب عن الطوق وخطا خطوة إلى الامام في طريقه الطويل!.

إن قدرة الإنسان في وقت بعد وقت على إدراك إحدى قوى الكون التى كانت مجهولة له منذ لحظة وكانت فوق إدراكه في وقت ما.. لكفيلة بأن تفتح بصيرته على أن هناك قوى أخرى لم يدركها بعد لأنه لا يزال في دور التجريب!.

إن احترام العقل البشري ذاته لخليق بأن نحسب للمجهول حسابه في حياتنا لا لنكل إليه أمورنا كما يصنع المتعلقون بالوهم والخرافة، ولكن لكى نحس عظمة هذا الكون على حقيقتها، ولكى نعرف لأنفسنا قدرها في كيان هذا الكون العريض. وإن هذا لخليق بأن يفتح للروح الانسانية قوى كثيرة للمعرفة وللشعور بالوشائج التي تربطنا بالكون من داخلنا وهى بلا شك أكبر وأعمق من كل ما أدركناه بعقولنا حتى اليوم بدليل أننا ما نزال نكشف في كل يوم عن مجهول جديد، وأننا لا نزال بعد نعيش.

الخاطرة الثانية عشرة:

من الناس في هذا الزمان من يرى في الاعتراف بعظمة الله المطلقة غضا من قيمة الإنسان وإصغارا لشأنه في الوجود: كأنما الله والإنسان ندان يتنافسان على العظمة والقوة في هذا الوجود !.

أنا أحس أنه كلما ازددنا شعورأ بعظمة الله المطلقة زدنا نحن أنفسنا عظمة لأننا هن صنع إله عظيم !.

إن هؤلاء الذين يحسبون أنهم يرفعون أنفسهم حين يخفضون في وهمهم إلههم أو ينكرونه إنما هم المحدودون الذين لا يستطيعون أن يروا إلا الأفق الواطىء القريب!.

إنهم يظنون أن الإنسان إنما لجأ إلى الله إبان ضعفه وعجزه، فأما الآن فهو من القوة بحيث لا يحتاج إلى إله! كأنما الضعف يفتح البصيرة والقدرة تطمسها!.

إن الإنسان لجدير بأن يزداد إحساسآ بعظمة الله المطلقة كلما نمت قوته لأنه جدير بأن يدرك مصدر هذه القوة كلما زادت طاقته على الإدراك…

إن المؤمنين بعظمة الله المطلقة لا يجدون في أنفسهم ضعة ولا ضعفا، بل على العكس يجدون في نفوسهم العزة والمنعة باستنادهم إلى القوة الكبرى المسيطرة على هذا الوجود. إنهم يعرفون أن مجال عظمتهم إنما هو في هذه الأرض وبين هؤلاء الناس، فهى لا تصطدم بعظمة الله المطلقة في هذا الوجود. إن لهم رصيدأ من العظمة والعزة في إيمانهم العميق لا يجده أولئك الذين ينفخون أنفسهم كـ " البالون " حتى ليغطي الورم المنفوخ عن عيونهم كل آفاق الوجود !.

الخاطرة الثالثة عشرة :

أحيانأ تتخفى العبودية في ثياب الحرية فتبدو انطلاقا من جميع القيود: انطلاقأ من العرف والتقاليد، انطلاقآ من تكاليف الإنسانية في هذا الوجود!.

إن هنالك فارقا أساسيا بين الانطلاق من قيود الذل والضغط والضعف، والانطلاق من قيود الإنسانية وتبعاتها، إن الأولى معناها التحرر الحقيقى، أما الثانية فمعناها التخلي عن المقومات التى جعلت من الانسان إنسانا وأطلقته من قيود الحيوانية الثقيلة!.

إنها حرية مقنعة لأنها في حقيقتها خضوع وعبودية للميول الحيوانية، تلك الميول التى قضت البشرية عمرها الطويل وهى تكافحها للتخلص من قيودها الخانقة إلى جو الحرية الإنسانية الطليقة…

لماذا تخجل الانسانية من إبداء ضروراتها؟ لأنها تحس بالفطرة أن السمو مع هذه الضروريات هو أول مقومات الانسانية، وأن الانطلاق من قيودها هو الحرية، وأن التغلب على دوافع اللحم والدم وعلى مخاوف الضعف والذل كلاهما سواء في توكيد معنى الإنسانية!.

الخاطرة الرابعة عشرة:

لست ممن يؤمنون بحكاية المباديء المجردة عن الأشخاص لأنه ما المبدأ بغير عقيدة حارة دافعة؟ وكيف توجد العقيدة الحارة الدافعة في غير قلب إنسان؟.

إن المباديء والأفكار في ذاتها- بلا عقيدة دافعة- مجرد كلمات خاوية أو على الأكثر معان ميتة! والذي يمنحها الحياة هي حرارة الإيمان المشعة من قلب إنسان! لن يؤمن الآخرون بمبدأ أو فكرة تنبت في ذهن بارد لا في قلب مشع.

آمن أنت أولا بفكرتك، آمن بها إلى حد الاعتقاد الحار! عندئذ فقط يؤمن بها الآخرون ! وإلا فستبقى مجرد صياغة لفظية خالية من الروح والحياة !..

لا حياة لفكرة لم تتقمص روح إنسان، ولم تصبح كائنا حيا دب على وجه الأرض في صورة بشر!.. كذلك لا وجود لشخص - في هذا المجال- لا تعمر قلبه فكرة يؤمن بها في حرارة وإخلاص…

إن التفريق بين الفكرة والشخص كالتفريق بين الروح والجسد أو المعنى واللفظ، عملية - في بعض الأحيان- مستحيلة، وفي بعض الأحيان تحمل معنى التحلل والفناء!. كل فكرة عاشت قد اقتاتت قلب إنسان!

أما الأفكار التى لم تطعم هذا الغذاء المقدس فقد ولدت ميتة ولم تدفع بالبشرية شبرا واحدا إلى الأمام !.

الخاطرة الخامسة عشرة :

من الصعب على أن أتصور كيف يمكن أن نصل إلى غاية نبيلة باستخدام وسيلة خسيسة!؟ إن الغاية النبيلة لا تحيا إلا في قلب نبيل: فكيف يمكن لذلك القلب أن يطيق استخدام وسيلة خسيسة؟ بل كيف يهتدي إلى استخدام هذه الوسيلة؟! حين نخوض إلى الشط الممرع بركة من الوحل لابد أن نصل إلى الشط ملوثين.. إن أوحال الطريق ستترك آثارها على أقدامنا وعلى مواضع هذه الأقدام، كذلك الحال حين نستخدم وسيلة خسيسة: إن الدنس سيعلق بأرواحنا، وسيترك آثاره في هذه الأرواح، وفي الغاية التى وصلنا إليها!. إن الوسيلة في حساب الروح جزء من الغاية، ففى عالم الروح لا توجد هذه الفوارق والتقسيمات! الشعور الانساني وحده إذا أحس غاية نبيلة فلن يطيق استخدام وسيلة خسيسة.. بل لن يهتدي إلى استخدامها بطبيعته! " الغاية تبرر الوسيلة!؟ ": تلك هى حكمة الغرب الكبرى!! لأن الغرب يحيا بذهنه، وفي الذهن يمكن أن توجد التقسيمات والفوارق بين الوسائل والغايات!.**

** الخاطرة السادسه:

حين نعتزل الناس لأننا نحس أننا أطهر منهم روحأ، أو أطيب منهم قلبأ، أو أرحب منهم نفسأ، أو أذكى منهم عقلأ، لا نكون قد صنعنا شيئآ كبيرأ.. لقد اخترنا لأنفسنا أيسر السبل وأقلها مؤونة!.

إن العظمة الحقيقية: أن نخالط هؤلاء الناس مشبعين بروح السماحة والعطف على ضعفهم ونقصهم وخطئهم وروح الرغبة الحقيقية في تطهيرهم وتثقيفهم ورفعهم إلى مستوانا بقدر ما نستطيع ! ..

إنه ليس معنى هذا أن نتخلى عن آفاقنا العليا ومثلنا السامية، أو أن نتملق هؤلاء الناس ونثنى على رذائلهم، أو أن نشعرهم أننا أعلى منهم أفقأ.. إن التوفيق بين هذه المتناضات وسعة الصدر لما يتطلبه هذا التوفيق من جهد: هو العظمة الحقيقية !..

الخاطرة السابعه:

عندما نصل إلى مستوى معين من القدرة نحس أنه لا يعيبنا أن نطلب مساعدة الآخرين لنا، حتى أولئك الذين هم أقل منا مقدرة!

ولا يغض من قيمتنا أن تكون معونة الآخرين لنا قد ساعدتنا على الوصول إلى ما نحن فيه. إننا نحاول أن نصنع كل شىء بأنفسنا، ونستنكف أن نطلب عون الآخرين لنا، أو أن نضم جهدهم إلى جهودنا..؟ نستشعر الغضاضة في أن يعرف الناس أنه كان لذلك العون أثر في صعودنا إلى القمة. إننا نصنع هذا كله حين لا تكون ثقتنا بأنفسنا كبيرة أي عندما نكون بالفعل ضعفاء في ناحية من النواحى.. أما حين نكون أقوياء حقأ فلن نستشعر من هذا كله شيئأ.. إن الطفل هو الذي يحاول أن يبعد يدك التى تسنده وهو يتكفأ في المسير !.

عندما نصل إلى مستوى معين من القدرة، سنستقبل عون الآخرين لنا بروح الشكر والفرح.. الشكر لما يقدم لنا من عون.. والفرح بأن هناك من يؤمن بما نؤمن به نحن.. فيشاركنا الجهد والتبعة.. إن الفرح بالتجاوب الشعوري هو الفرح المقدس الطليق !.

الخاطرة الثامنه :

إننا نحن إن " نحتكر " أفكارنا وعقائدنا، ونغضب حين ينتحلها الآخرون لأنفسهم، ونجتهد في توكيد نسبتها إلينا، وعدوان الآخرين عليها! إننا إنما نصنع ذلك كله، حين لا يكون إيماننا بهذه الأفكار والعقائد كبيرأ، حين لا تكوت منبثقة من أعماقنا كما لو كانت بغير إرادة منا حين لا تكون هي ذاتها أحب إلينا من ذواتنا !.

إن الفرح الصافي هو الثمرة الطبيعية لأن نرى أفكارنا وعقائدنا ملكا للاخرين، و نحن بعد أحيأء. إن مجرد تصورنا لها أنها ستصبح ? و لو بعد مفارقتنا لوجه هذه الأرض- زادا للاخرين وريا، ليكفى لأن تفيض قلوبنا بالرضى والسعادة والاطمئنان!.

" التجار " وحدهم هم الذين يحرصون على " العلامات التجارية " لبضائعهم كى لا يستغلها الآخرون ويسلبوهم حقهم من الربح، أما المفكرون و أصحاب العقائد فكل سعادتهم في أن يتقاسم الناس أفكارهم وعقائدهم ويؤمنوا بها إلى حد أن ينسبوها لأنفسهم لا إلى أصحابها الأولين !..

إنهم لا يعتقدون أنهم " أصحاب " هذه الأفكار والعقائد، وإنما هم مجرد " وسطاء " في نقلها وترجمتها.. إنهم يحسون أن النبع الذي يستمدون منه ليس من خلقهم، ولا من صنع أيديهم. وكل فرحهم المقدس!، إنما هو ثمرة اطمئنانهم إلى أنهم على اتصال بهذا النبع الأصيل !..

الخاطرة التاسعه:

الفرق بعيد.. جدآ بعيد..: بين أن نفهم الحقائق، وأن ندرك الحقائق.. إن الأولى: العلم.. والثانية هى: المعرفة!..

في الأولى: نحن نتعامل مع ألفاظ ومعان مجردة.. أو مع تجارب ونتائج جزئية… وفي الثانيه: نحن نتعامل مع استجابات حية، ومدركات كلية…

في الأولى: ترد إلينا المعلومات من خارج ذواتنا، ثم تبقى في عقولنا متحيزة متميزة.. وفي الثانية: تنبثق الحقائق من أعماقنا. يجري فيها الدم الذي يجري في عروقنا وأوشاجنا، ويتسق إشعاعها مع نبضنا الذاتي!..

في الأولى: توجد " الخانات " والعناوين: خانة العلم، وتحتها عنواناته وهي شتى.. خانة الدين وتحتها عنوانات فصوله وأبوابه.. وخانة الفن وتحتها عنوانات مناهجه واتجاهاته!..

وفي الثانية: توجد الطاقة الواحدة، المتصلة بالطاقة الكونية الكبرى.. يوجد الجدول السارب، الواصل إلى النبع الأصيل!..

ألخاطرة العاشره:

نحن في حاجة ملحة إلى المتخصصين في كل فرع من فروع المعارف الإنسانية، أولئك الذين يتخذون من معاملهم ومكاتبهم صوامع وأديرة !.. ويهبون حياتهم للفرع الذي تخصصوا فيه، لا بشعور التضحية فحسب، بل بشعور اللذة كذلك!.. شعور العابد الذي يهب روحه لإلهه وهو فرحان!.. ولكننا مع هذا يجب أن ندرك أن هؤلاء ليسوا هم الذين يوجهون الحياة، أو يختارون للبشرية الطريق!..

إن الرؤاد كانوا دائمأ، وسيكونون هم أصحاب الطاقات الروحية الفائقة، هؤلاء هم الذين يحملون الشعلة المقدسة التي تنصهر في حرارتها كل ذرات المعارف، وتنكشف في ضوئها طريق الرحلة، مزودة بكل هذه الجزئيات، قوية بهذا الزاد، وهي تغذ السير نحو الهدف السامي البعيد!.

هؤلاء الرواد هم الذين يدركون ببصيرتهم تلك الوحدة الشاملة، المتعددة المظاهر في: العلم، والفن، والعقيدة، والعمل، فلا يحقرون واحدآ منها ولا يرفعونه فوق مستواه !.

الصغار وحدهم، هم الذين يعتقدون أن هناك تعارضا بين هذه القوى المتنوعة المظاهر، فيحاربون العلم باسم الدين، أو الدين باسم العلم…

ويحتقرون الفن باسم العمل، أو الحيوية الدافعة باسم العقيدة المتصوفة !.. ذلك أنهم يدركون كل قوة من هذه القوى، منعزلة عن مجموعة من القوى الأخرى الصادرة كلها من النبع الواحد من تلك القوة الكبرى المسيطرة على هذا الوجود !.. ولكن الرواد الكبار يدركون تلك الوحدة، لأنهم متصلون بذلك النبع الأصيل، ومنه يستمدون!..

إنهم قليلون.. قليلون في تاريخ البشرية.. بل نادرون! ولكن منهم الكفاية..: فالقوة المشرفة على هذا الكون، هي التى تصوغهم، وتبعث بهم في الوقت المقدر المطلوب!.**

**مكانة سيد قطب وكتبه ونشاطاته

سيد قطب (1324 - 1385هـ، 1906 - 1966م)

هو سيد قطب إبراهيم حسين الشاذلي،أديب ومفكر إسلامي مصري، ولد في قرية “موشة” وهي إحدى قرى محافظة أسيوط بصعيد مصر بتاريخ 9 / 10 / 1906

ولد بقرية موشة بمحافظة أسيوط في صعيد مصر، وبها تلقى تعليمه الأوّلي وحفظ القرآن الكريم، ثم التحق بمدرسة المعلمين الأولية (عبدالعزيز) بالقاهرة، ونال شهادتها والتحق بدار العلوم وتخرج عام 1352هـ، 1933م. عمل بوزارة المعارف بوظائف تربوية وإدارية، وابتعثته الوزارة إلى أمريكا لمدة عامين وعاد عام 1370هـ، 1950م.

تلقّى دراسته الابتدائية في قريته. في سنة 1920 سافر إلى القاهرة، والتحق بمدرسة المعلمين الأوّلية ونال منها شهادة الكفاءة للتعليم الأوّلي. ثم التحق بتجهيزية دار العلوم.

في سنة 1932 حصل على شهادة البكالوريوس في الآداب من كلية دار العلوم. وعمل مدرسا حوالي ست سنوات، ثم شغل عدة وظائف في الوزارة.

عين بعد سنتين في وزارة المعارف بوظيفة “مراقب مساعد” بمكتب وزير المعارف آنذاك ـ إسماعيل القباني ـ، وبسبب خلافات مع رجال الوزارة، قدّم استقالته على خلفية عدم تبنيهم لاقتراحاته ذات الميول الإسلامية.

وقبل مجلس ثورة يوليو الاستقالة سنة 1954، وفي نفس السنة تم اعتقال السيد قطب مع مجموعة كبيرة من زعماء “الإخوان المسلمين”. وحكم عليه بالسجن لمدة (15) سنة. ولكن الرئيس العراقي عبد السلام عارف تدخّل لدى الرئيس المصري جمال عبد الناصر، فتم الإفراج عنه بسبب تدهور حالته الصحية سنة 1964.

وفي سنة 1965 وبعد نشر كتابه ( معالم في الطريق )اعتقل مرة أخرى بتهمة التآمر على قلب نظام الحكم واغتيال جمال عبد الناصر واستلام الاخوان المسلمين الحكم في مصر.

وقد صدر حكم الإعدام على سيد قطب بتاريخ 21 / 8 / 1966 ( 1385 هـ) وتم تنفيذه بسرعة بعد أسبوع واحد فقط (في 29 / 8 / 1966) قبل أن يتدخّل أحد الزعماء العرب!!

سيد قطب الصحفي

لسيد قطب علاقة وثيقة مع الصحف والمجلات. فقد بدأ بنشر نتاجه وهو لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره. وقد نشر أولى مقالاته في صحيفة “البلاغ” و"الحياة الجديدة" و"الأسبوع" و"الأهرام" و"الجهاد".

وكان السيد قطب غزير الإنتاج، يكتب المقالات الأدبية والنقدية والتربوية والاجتماعية والسياسية.

ففي المجلات كتب في “الكاتب المصري” و"الكتاب" و"الوادي" و"الشؤون الاجتماعية" و"الأديب" و"الرسالة" و"الثقافة" و"دار العلوم" وغيرها. وقد اشرف على مجلتي “الفكر الجديد” و"العالم العربي"، كما اشرف على مجلة “الإخوان” التي لاحقتها السلطات وفرضت عليها الرقابة دون غيرها من الصحف وأوقفتها عن الصدور في 5 / 8 / 1954.

وبسبب نشاطه الإخواني أغلقت كثير من الصحف أبوابها بوجه إبداعه فكتب يشكو أن الصحف المصرية ـ إلا النادر القليل منها ـ هي مؤسسات دولية، لا مصرية ولا عربية، مؤسسات تساهم فيها أقلام المخابرات البريطانية والفرنسية والمصرية والعربية أخيراً.

وفي موقع آخر كتب ليعرّف الجمهور الكادح الفقير انه ليس هو الذي يموّل الجريدة بقروشه…:

“تعتمد هذه الصحف على إعلانات تملكها شركات رأسمالية ضخمة، وتخدم بدورها المؤسسات الرأسمالية.. وتعتمد ثانيا على المصروفات السرية المؤقتة أو الدائمة التي تدفعها الوزارات لصحافتها الحزبية أو للصحف التي تريد شراءها أو ضمان حيادها.. وتعتمد ثالثا على المصروفات السرية لأقلام المخابرات الدولية وبخاصة إنكلترا وأمريكا..”.

سيد قطب الأديب

سيد قطب أديب له مكانته في عالم الأدب والنقد وله علاقات مع عدة أدباء منهم طه حسين وأحمد حسن الزيات وتوفيق الحكيم ويحيى حقي ومحمود تيمور ونجيب محفوظ وغيرهم.

ولكن علاقته المميزة كانت مع عباس محمود العقاد. وهو أستاذ سيد قطب واثّر كثيراً على مسار تفكير سيد قطب الأدبي والنقدي والحزبي.

كان سيد قطب يكتب عن جميع كتب العقاد ويمدحه ويشير إلى عبقرية الرجل واعتبره شاعر العالم أجمع. لكنه في سنة 1948 خرج نهائياً من مدرسة العقاد. وكان سيد قطب قد دفع الثمن غالياً بسبب دفاعه المستميت عن العقاد وأدبه من قبل الصحف الوفدية (بعد خروجهما من الحزب) والمسؤولين في وزارة المعارف.

سيد قطب والأحزاب

انضمّ سيد قطب إلى حزب الوفد ثم انفصل عنه، وانضم إلى حزب السعديين - نسبة إلى سعد زغلول - لكنه ملّ من الأحزاب ورجالها وعلل موقفه هذا قائلاً:

“لم أعد أرى في حزب من هذه الأحزاب ما يستحق عناء الحماسة له والعمل من أجله”.

سيد قطب في ظلال الفكر الحركي الإسلامي

منذ سنة 1953 انضم سيسد قطب عمليا لحركة الإخوان المسلمين وكلّفه الإخوان بتحرير لسان حالهم جريدة “الإخوان المسلمين” وإلقاء أحاديث ومحاضرات إسلامية. كما مثّل الإخوان خارج مصر في سوريا والأردن اللتين منع من دخولهما، ثم القدس.

سيد قطب وثورة الضباط الأحرار

مما لا شك فيه انه كان للإخوان المسلمين تنظيم قوي قبيل قيام الثورة، وأنهم لم يكونوا بمعزل عن الأمور والتطورات في مصر، وان تنظيمهم الفكري والاجتماعي والسياسي كان أكثر نضوجاً من تنظيم الضباط الأحرار. زد على ذلك أن بعض الضباط الإسلاميين كانوا شركاء حقيقيين مع الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر، وزد عليه محاولة محمد نجيب الرئيس الأول لمصر بعد الجلاء البريطاني التقرب من الإخوان المسلمين من اجل احتواء قوتهم. لكن مطلبه هذا كلفه العزل من منصبه وفرض الإقامة الجبرية عليه، حتى جاء السادات وفكّ أسره المنزلي.

وتروي لنا بعض المصادر الشحيحة إن الضباط الأحرار قبيل الثورة كانوا يتشاورون مع سيد قطب حول الثورة وأسس نجاحها. والذي يؤكّد ذلك انه تم تعيينه من قبل قيادة الثورة مستشاراً للثورة في أمور داخلية وأوكلت له مهمة تغيير مناهج التعليم التي عُمِل بها في مصر، والتي أكل الدهر عليها وشرب.

كما أن لا أحد ينكر قيمة المقالات التي نشرها سيد قطب والتي دعا فيها الشعب المصري للخروج على سياسة القهر والرجعية المصرية.

وقد حاول سيد قطب التوفيق بين عبد الناصر والإخوان. وانحاز سيد قطب إلى الإخوان ورفض جميع المناصب التي عرضها عليه عبد الناصر مثل وزير المعارف، ومدير سلطة الإذاعة …

نهاية مفكر مسلم مستنير

تم إلقاء القبض على سيد قطب وزجّه في السجن فرأى أهوال التعذيب من قبل المحققين. وكان قد قتل من جراء التعذيب عدد من أعضاء تنظيم الإخوان.

وكان سيد قطب جريئاً أثناء محاكمته القصيرة، والتي منع محامون أجانب وممثلو هيئات الدفاع عن حقوق السجين من المرافعة عنه فيها، وعن باقي أعضاء التنظيم.

وفي ليلة تنفيذ الحكم، طلب منه أن يقبل بالمساومة والاعتذار ، أو أن يكتب سطراً واحداً يطلب فيه الرحمة من الرئيس جمال عبد الناصر فرفض. وفي نفس الوقت حاول ملك السعودية التوسط لدى عبد الناصر بالعدول عن إعدام سيد قطب، ولكن عبد الناصر رفض.

وقد أعدم سيد قطب في فجر يوم 29 / 8 / 1966

سيد قطب بين فكّي التاريخ

إن إعدام مفكر عربي إسلامي مثل السيد قطب الذي قدّم خدماته الفكرية في الأدب والدين والاجتماع والسياسة، بهذه الصورة الوحشية وغير المنصفة، يعتبر من اكبر أخطاء نظام جمال عبد الناصر. لا سيما وان الرجل قدم خدمات جليلة لقيادة الثورة، ولو انه قبل بالأموال والمناصب، لصار عندهم قائداً وطنياً.

والذي يزيد الجرح نزيفاً قيام بعض الجهات باتهام سيد قطب بالعمالة لأمريكا أو بالتخطيط لقلب نظام الحكم ، مع العلم انه رأى أن الوقت غير مناسب لقلب النظام وتحويله إلى نظام إسلامي صرف.

إن صمود هذا الرجل في سجنه ومحنته المستمرة والمتكررة وعدم قبوله بالمناصب وإيمانه برسالته يجعله في صفوف الرجال العظماء في هذا العصر.

مقتطفات من كتابه “معالم في الطريق”

يعتبر هذا الكتاب من أهم كتب السيد قطب. وقد كتبه في السجن على شكل رسائل جمعت وصدرت في كتاب. واخترت لكم منه هذه الأفكار الخالدة:

“لا بدّ من قيادة للبشرية جديدة، إنّ قيادة الرجل الغربي للبشرية قد أوشكت على الزوال… لأن النظام الغربي قد انتهى دوره لأنه لم يعد يملك رصيدا من القيم يسمح له بالقيادة”

وفي موقع آخر يقول عن سر نجاح الأمة الإسلامية:

"لقد اجتمع في الإسلام المتفوق، العربي والفارسي والشامي والمصري والمغربي والتركي والصيني والهندي والروماني والإغريقي والاندونيسي والإفريقي إلى آخر الأقوام والأجناس وتجمّعت خصائصهم كلها لتعمل متمازجة متعاونة متناسقة في بناء المجتمع الإسلامي والحضارة الإسلامية. ولم تكن هذه الحضارة الضخمة يوما ما إنما كانت دائماً ولم تكن إنما كانت دائماً ".

أما عن رأيه بالشيوعية العالمية فيقول:

"وأرادت الشيوعية ان تقيم تجمعا من نوع آخر، يتخطّى حواجز الجنس والقوم والأرض واللغة واللون، ولكنها لم تقمه على قاعدة إنسانية عامة، إنما أقامته على القاعدة “الطبقية” فكان هذا المجتمع هو الوجه الآخر للتجمّع الروماني القديم. هذا تجمع على قاعدة طبقة وذلك تجمع على قاعدة طبقة الصعاليك "…

وعند تصور سيد قطب للدولة ونظام حكمها يقول:

“ومملكة الله في الأرض لا تقوم بان يتولّى الحاكمية في الأرض رجال بأعينهم ـ وهم رجال دين ـ كما كان الأمر في سلطة الكنيسة، ولا رجال ينطقون باسم الآلهة كما كان الحال فيما يعرف باسم “الثيوقراطية” أو الحكم الإلهي المقدس!! ولكنها تقوم بان تكون شريعة الله هي الحاكمة وان يكون مردّ الأمر إلى الله وفق ما قرره من شريعة مبيّنة”.

رأيه في الاستعمار العالمي

ومما جاء في هذا الكتاب أيضاً، رأي السيد قطب في الاستعمار العالمي الذي تغلغل عميقا في الأمة الإسلامية: “ونحن نشهد نموذجاً من تمويه الراية في محاولة الصليبية العالمية اليوم أن تخدعنا عن حقيقة المعركة، وان تزوّر التاريخ، فتزعم لنا أن الحروب الصليبية كانت ستاراً للاستعمار… كلا… إنما الاستعمار الذي جاء متأخراً هو الستار للروح الصليبية التي لم تعد قادرة على السفور كما كانت في القرون الوسطى! والتي تحطّمت على صخرة العقيدة بقيادة مسلمين من شتى العناصر، وفيهم صلاح الدين الكردي، ونوران شاه المملوكي، العناصر التي نسيت قوميتها وذكرت عقيدتها فانتصرت تحت راية العقيدة”.

وهذا غيض من فيض. وللمزيد عن سيد قطب وأدبه وأفكاره ونضاله واستشهاده يمكن الرجوع للكتب التي ألّفها، وبعضها مقالات تمّ جمعها وإصدارها في كتاب بعد إعدامه:

1 - التصور الفني في القرآن.

2 - خصائص التصور الإسلامي.

3 - دراسات إسلامية.

4 - السلام العالمي والإسلام.

5 - في ظلال القرآن (ثمانية مجلدات).

6 - كتب وشخصيات.

7 - لماذا أعدموني؟

8 - المدينة المسحورة.

9 - معركتنا مع اليهود.

10 - مشاهد القيامة في القرآن.

11 - مهمة الشاعر في الحياة.

12 - النقد الأدبي أصوله ومنهجه.

13 - معالم في الطريق.

أما أهم الكتب التي صدرت عنه:

1 - سيد قطب أو ثورة الفكر الإسلامي، محمد علي قطب.

2 - سيد قطب حياته وأدبه، عبد الباقي محمد حسين.

3 - سيد قطب الشهيد الحي، د. صباح عبد الفتاح الخالدي.

4 - سيد قطب من القرية إلى المشنقة، عادل حمودة.

5 - مذابح الإخوان في سجون ناصر، جابر رزق.

**

** الخاطرة الأولى : أختي الحبيبة..

بسم الله الرحمن الرحيم

أختي الحبيبة… هذه الخواطر مهداة إليك…

إن فكرة الموت ما تزال تخيل لك، فتتصورينه في كل مكان، ووراء كل شيء، وتحسينه قوة طاغية تظل الحياة والأحياء، و ترين الحياة بجانبه ضئيلة واجفة مذعورة. إنني أنظر اللحظة فلا أراه إلا قوة ضئيلة حسيرة بجانب قوى الحياة ائزاخرة الطافرة الغامرة، وما يكاد يصنع شيئآ إلأ أن يلتقط الفتات الساقط من مائدة الحياة ليقتات!.. مد الحياة الزاخر هو ذا يعج من حولي إ… كل شيء إلى نماء وتدفق وازدهار.. الأمهات تحمل وتضع، الناس والحيوان سواء، الطيور والأسماك والحشرات تدفع بالبيبض المتفتح عن أحياء وحياة.. الأرض تتفجر بالنبت المتفتح عن أزهار وثمار.. السماء تتدفق بالمطر، والبحار تعج بالأمواج.. كل شىء ينمو على هذه الأرض ويزداد!.

بين الحين والحين يندفع الموت فينهش نهشة و يمضي، أو يقبع حتى يلتقط بعض الفتات الساقط من مائدة الحياة ليقتات!.. والحياة ماضية في طريقها، حية متدفقة فوارة، لا تكاد تحس بالموت أو تراه !!

قد تصرخ مرة من الألم، حين ينهش الموت من جسمها نهشة، ولكن الجرح سرعان ما يندمل، وصرخة الألم سرعان ما تستحيل مراحآ.. و يندفع الناس والحيوان، و الطير و الاسماك، الدود و الحشرات، العشب و الأشجار، تغمر وجه الأرض بالحياة والأحياء!.. والموت قابع هنالك ينهش نهشة ويمضى … أو يتسقط الفتات الساقط من مائدة الحياة ليقتات!!.

الشمس تطلع، والشمس تغرب، والأرض من حولها تدور، والحياة تنبثق من هنا و من هناك.. كل شيءإلى نماء.. نماء في العدد و النوع، نماء في الكم والكيف.. لو كان الموت يصنع شيئآ لوقف مد الحياة!.. ولكنه قوة ضئيلة حسيرة، بجانب قوى الحياة الزاخرة الطافرة الغامرة…!.

من قوة الله الحى… تنبثق الحياة وتنداح!!.**