**هذا الحدَث لا يُمكِن فهمُه إلا مِن خِلال إستراتيجيَّة أوروبا للدَّور التركي الجديد في المنطقة، خطَّة أمريكا في تحطيم القُوَى التي تمنع إيران مِن أن تكون هي الدولة الكبرى الإقليميَّة في الشَّرق الأوسَط أصاب دور إسرائيل في الصميم، وباتَت المنطقة على قاب قوسين أو أدنى مِن أن تصبح محميَّة إيرانيَّة، أو أن يكون سيف إيران هو الذي يعلو فوق كلِّ قرارٍ عربي، لم يكن أمام أوروبا في خطَّة الإنكليز الدوليَّة إلا أن تخطِّط لتركيا أن تكون القوَّة التي تقف بوجه الخطة الأمريكيَّة التي تسمح بهيمنة إيران؛ بحجَّة أنها عدوُّ أمريكا وإسرائيل ولو بالقول، خطَّة أوروبا اقتَضَتْ أن يكون دخول تركيا للمنطقة بأعمال هادئة لكن حازمة بنتائجها واضحة بمعالمها؛ حيث إنَّ نتائج كلِّ عمل تكون لَبِنَةً فوق سابقتها لتأسيس قاعدةٍ دائمة للنُّفوذ التركي المواجه للنُّفوذ الإيراني أولاً، ومِن ورائه الأمريكي ثانيًا، أو العكس.
وقد نجحت هذه الخطَّة نجاحًا لافِتًا للنظر؛ بسبب هدوء مراحلها وتحقيق نتائج أعمالها دون صخبٍ يُثِير حساسية إيران أو أمريكا، تركيا وقفَتْ مع إيران في برنامجها النووي “المسرحية الهزلية الأمريكية”؛ لأن وقوفها لا يُضعِف تركيا في دورها الإستراتيجي ولا يقوِّي إيران، بل ينفِّس طاقةَ إيران على رفْض دور تركيا الجديد في المنطقة، وقوف تركيا مع إيران وسوريا هو لمنعهما مِن الوقوف بوجهها؛ ولذلك كان حرصُ تركيا أن تدخل لعبة الأُمَم في هذه المنطقة مِن سوريا وطهران؛ ولذلك اصطَنَعت تركيا المواقف المسرحيَّة بصداماتها مع إسرائيل؛ لتكون هذه المصادمات هي ركيزة الدفق الشعبي لزعامة تركيا للمنطقة.
هكذا فَعَلَ كلُّ عميلٍ لأمريكا في المنطقة، وهكذا فعل كلُّ حزب مُقاوِمٍ لإسرائيل؛ حتى تُمَرِّر أمريكا سياساتها بمنْع إسرائيل مِن استفراد عملاء أمريكا، بهذه الحجَّة استَطاع الحكَّام مِنَ المحيط إلى الخليج الاستِمرار بالخداع والبطْش بشعوبهم بحجَّة مواجهة إسرائيل، وهذه المجزرة ليست إلا مِن تلك الأعمال التي يخدع بها الزُّعَماء شعوبَهم، ومَن لا يصدِّق فليَسأل الأموات: “جمال عبدالناصر”، أو “الشريف” قائد الثورة، أو “المفتي” الحاج أمين!
إستراتيجيَّة أوروبا أن تكون تركيا الدولة العُظمَى في الشرق الأوسط بدأت تأخذ مسار الجديَّة والوضوح العلني لاستِقطاب جماهيري واسِع، فبالتحدِّي يُمكِن السير أشواطًا سريعةً بدون الخضوع إلى حِسابات الزمن، أن تكون تركيا أو إيران هي الدولة العُظمَى في الشرق الأوسط، لم يعد موضوعًا سياسيًّا مطروحًا بعد أنْ سارَعَت تركيا بإعلان مَواقِفها الفجائيَّة أنَّ القدس هي إسطنبول، وغزة هي أنقرة، وفي ظِلِّ كراهية أهل المنطقة لخطَّة إيران في تَبَنِّي خطَّة إثارة الصِّراع المذهبي طريقةً لتمدُّد نفوذها في بِلاد المنطقة كما حاوَلَتْ أن تفعَل في لبنان والبحرين واليمن، وفي محاولات هزيلة قامت بها في دول أخرى مثل الكويت والسعودية، فإنَّ نتيجة الصراع باتَتْ محسومة للدور التركي الذي لا يعرف تعصُّبًا مذهبيًّا، ولأنَّه لا يُعانِي مِن جراحٍ أثخنَتْه بها الصِّراعات الفاشلة في كلِّ مكان، جريمة القتل هذه فتحت المسرح السياسي الإقليمي على مِصراعَيْه لدَوْر جادٍّ وفعَّال لتركيا في إدارة الصِّراع الدولي في المنطقة سيجعلها بالمواجهة السياسيَّة الدائمة، وأنها المعضِلَة الأكبر لأمريكا في التعامُل مع الواقع الجديد.
خطَّة أمريكا بالإعلان أنَّ تركيا حليفتها يُقَيِّد حركة أمريكا بشكلٍ كبير، بعد اليوم أمريكا لن تستطيع أن تكتَفِي بالخداع والتمويه لتمرير مخططاتها؛ لأنَّ مؤونة خداعها بدأت تنضب، وسيكون عليها أن تتحرَّر مِن قيود الادِّعاء أنَّ تركيا دولة حليفة لها أو في ركابها، أو كما هي إندونيسيا، ليس أمام أمريكا مَخرَجٌ مِن هذا النَّفَق إلا أن تقوم بأعمال تُعِيدُ حكم أردوغان للتلهِّي بأزماته الداخليَّة وهذا صعب؛ لأن أوروبا قد نجَحَت في هيكلة القُوَى السياسيَّة الفاعِلَة على الساحة التركيَّة؛ ليتمكَّن أردوغان مِنَ القِيام بدوره الإقليمي وهم مطمئنُّون إلى تحصُّن الجبهة الداخليَّة بوجه أيِّ عمل أمريكي، لكن الاحتِمال يبقى واردًا ولو بالخيال.
منقول عن : الألوكة الثقافية



