مقالات مختارة للشيخ يوسف بعدراني

**هذا الحدَث لا يُمكِن فهمُه إلا مِن خِلال إستراتيجيَّة أوروبا للدَّور التركي الجديد في المنطقة، خطَّة أمريكا في تحطيم القُوَى التي تمنع إيران مِن أن تكون هي الدولة الكبرى الإقليميَّة في الشَّرق الأوسَط أصاب دور إسرائيل في الصميم، وباتَت المنطقة على قاب قوسين أو أدنى مِن أن تصبح محميَّة إيرانيَّة، أو أن يكون سيف إيران هو الذي يعلو فوق كلِّ قرارٍ عربي، لم يكن أمام أوروبا في خطَّة الإنكليز الدوليَّة إلا أن تخطِّط لتركيا أن تكون القوَّة التي تقف بوجه الخطة الأمريكيَّة التي تسمح بهيمنة إيران؛ بحجَّة أنها عدوُّ أمريكا وإسرائيل ولو بالقول، خطَّة أوروبا اقتَضَتْ أن يكون دخول تركيا للمنطقة بأعمال هادئة لكن حازمة بنتائجها واضحة بمعالمها؛ حيث إنَّ نتائج كلِّ عمل تكون لَبِنَةً فوق سابقتها لتأسيس قاعدةٍ دائمة للنُّفوذ التركي المواجه للنُّفوذ الإيراني أولاً، ومِن ورائه الأمريكي ثانيًا، أو العكس.

وقد نجحت هذه الخطَّة نجاحًا لافِتًا للنظر؛ بسبب هدوء مراحلها وتحقيق نتائج أعمالها دون صخبٍ يُثِير حساسية إيران أو أمريكا، تركيا وقفَتْ مع إيران في برنامجها النووي “المسرحية الهزلية الأمريكية”؛ لأن وقوفها لا يُضعِف تركيا في دورها الإستراتيجي ولا يقوِّي إيران، بل ينفِّس طاقةَ إيران على رفْض دور تركيا الجديد في المنطقة، وقوف تركيا مع إيران وسوريا هو لمنعهما مِن الوقوف بوجهها؛ ولذلك كان حرصُ تركيا أن تدخل لعبة الأُمَم في هذه المنطقة مِن سوريا وطهران؛ ولذلك اصطَنَعت تركيا المواقف المسرحيَّة بصداماتها مع إسرائيل؛ لتكون هذه المصادمات هي ركيزة الدفق الشعبي لزعامة تركيا للمنطقة.

هكذا فَعَلَ كلُّ عميلٍ لأمريكا في المنطقة، وهكذا فعل كلُّ حزب مُقاوِمٍ لإسرائيل؛ حتى تُمَرِّر أمريكا سياساتها بمنْع إسرائيل مِن استفراد عملاء أمريكا، بهذه الحجَّة استَطاع الحكَّام مِنَ المحيط إلى الخليج الاستِمرار بالخداع والبطْش بشعوبهم بحجَّة مواجهة إسرائيل، وهذه المجزرة ليست إلا مِن تلك الأعمال التي يخدع بها الزُّعَماء شعوبَهم، ومَن لا يصدِّق فليَسأل الأموات: “جمال عبدالناصر”، أو “الشريف” قائد الثورة، أو “المفتي” الحاج أمين!

إستراتيجيَّة أوروبا أن تكون تركيا الدولة العُظمَى في الشرق الأوسط بدأت تأخذ مسار الجديَّة والوضوح العلني لاستِقطاب جماهيري واسِع، فبالتحدِّي يُمكِن السير أشواطًا سريعةً بدون الخضوع إلى حِسابات الزمن، أن تكون تركيا أو إيران هي الدولة العُظمَى في الشرق الأوسط، لم يعد موضوعًا سياسيًّا مطروحًا بعد أنْ سارَعَت تركيا بإعلان مَواقِفها الفجائيَّة أنَّ القدس هي إسطنبول، وغزة هي أنقرة، وفي ظِلِّ كراهية أهل المنطقة لخطَّة إيران في تَبَنِّي خطَّة إثارة الصِّراع المذهبي طريقةً لتمدُّد نفوذها في بِلاد المنطقة كما حاوَلَتْ أن تفعَل في لبنان والبحرين واليمن، وفي محاولات هزيلة قامت بها في دول أخرى مثل الكويت والسعودية، فإنَّ نتيجة الصراع باتَتْ محسومة للدور التركي الذي لا يعرف تعصُّبًا مذهبيًّا، ولأنَّه لا يُعانِي مِن جراحٍ أثخنَتْه بها الصِّراعات الفاشلة في كلِّ مكان، جريمة القتل هذه فتحت المسرح السياسي الإقليمي على مِصراعَيْه لدَوْر جادٍّ وفعَّال لتركيا في إدارة الصِّراع الدولي في المنطقة سيجعلها بالمواجهة السياسيَّة الدائمة، وأنها المعضِلَة الأكبر لأمريكا في التعامُل مع الواقع الجديد.

خطَّة أمريكا بالإعلان أنَّ تركيا حليفتها يُقَيِّد حركة أمريكا بشكلٍ كبير، بعد اليوم أمريكا لن تستطيع أن تكتَفِي بالخداع والتمويه لتمرير مخططاتها؛ لأنَّ مؤونة خداعها بدأت تنضب، وسيكون عليها أن تتحرَّر مِن قيود الادِّعاء أنَّ تركيا دولة حليفة لها أو في ركابها، أو كما هي إندونيسيا، ليس أمام أمريكا مَخرَجٌ مِن هذا النَّفَق إلا أن تقوم بأعمال تُعِيدُ حكم أردوغان للتلهِّي بأزماته الداخليَّة وهذا صعب؛ لأن أوروبا قد نجَحَت في هيكلة القُوَى السياسيَّة الفاعِلَة على الساحة التركيَّة؛ ليتمكَّن أردوغان مِنَ القِيام بدوره الإقليمي وهم مطمئنُّون إلى تحصُّن الجبهة الداخليَّة بوجه أيِّ عمل أمريكي، لكن الاحتِمال يبقى واردًا ولو بالخيال.

منقول عن : الألوكة الثقافية

www.alukah.net

**إستراتيجية القافلة

يوسف بعدراني

خطَّة تسيير قافلة الإغاثة منذ بدايتها بدَتْ أنها عمل دولي منظَّم، ينتَمِي جميع فُرقائها إلى خطٍّ سياسي دولي واحد، إسرائيل هدَّدَت بمُصادَرَة القافلة، لكن سادة القافلة لم يردُّوا على التهديد وكأنهم لم يسمعوه، وهذا يعني أنَّ لإسرائيل دورًا في خطَّة القافلة، وأنَّه لا يوجَد طرفان في الخطة، بل يوجَد دورَان أو أدوار تتوزَّع على أفرقاء العمل بالخطَّة: السيناريو، أو المسرحية، إسرائيل تقتل مِن الجوِّ قبل الإنزال؛ لأنَّ القتل هو قنبلة الخطة الأوروبيَّة مِن قافلة المساعدات.

فجأةً: إسرائيل تقتُل بدون مبرِّر ولو واحدًا بالمليون، لا يمكن فهْم سبب ذلك إلا مِن معنى القتل بأسلوب الجريمة، والتحدُّث عنها بصِيغَة النِّفاق المقصود.

دور إسرائيل هو ارتِكاب الجريمة لتَتوالَى الفصول في تبعاتها الطبيعيَّة:إسرائيل لا تقتُل إلا مَن على السفينة التركيَّة ومعظمهم أتراك، نتِنْ ياهو يلغي لقاءَه مع أوباما الذي فرَضَه أوباما فجأة لأمرٍ لم يُسَرَّب، وموضوع لم يُعلَن شيءٌ عنه ممَّا أوحى أنَّه مِن خارج سِياق مسيرة ميتشيل التفاوضيَّة، أردوغان يأخذ زِمام المبادَرَة الدوليَّة في الموضوع الذي فرضَتْه بَشاعة الجريمة ونِفاق الإسرائيليِّين، خلال ساعات يُبايَع مِن قِبَل آلاف المسلمين أنَّه صلاح الدين مِن تركيا، يَتعالَى بنبرة الصوت وليس بإجراءات ولا بأفعال، بالصوت العالي يَفرِض نفسه منقِذ فلسطين وأهل غزة، وأنَّه المسؤول عن حماية المسلمين في أصقاع الأرض، ويهين حُكَّام المسلمين بمطالب لا تنطَبِق إلا على حكَّام مصر، يطلب اجتِماع مجلس الأمن، واجتِماع الحلف الأطلسي، لماذا؟ لأنَّ على إسرائيل أن تعتَذِر مِن أهل الضحايا! ويسحَب سفيرَه مِن إسرائيل، لماذا؟ حتى تَتظاهَر قوى “الرجعيَّة” في مصر ضِدَّ حكم “الثورة” في مصر؛ لإضعافه حتى ينفرد بزعامة أهل المنطقة، وحتى يبرِّر مُطالَبة الجماهير للحكَّام بقَبُول زعامة تركيا للمنطقة.

الجيش التركي بلسان قائده يُعلِن وقوفَه مع زعامة أردوغان للمنطقة، أردوغان بلسانٍ فصيح يُبطِل الحُجَج الإسرائيلية: أسطول الحرية تَمَّ تفتيشه بدقَّة، ولا يوجد غير مدنيين ومَعُونات، وأنَّ اقتِحام إسرائيل للقافلة مِن أعمال إرهاب الدولة، ويحذِّر إسرائيل مِن عواقِبَ لا يمكن إصلاحها، خِطاب ناريُّ النبرة في البرلمان بين أهله: ما فعلَتْه إسرائيل عمل دَنِيء، ولن نُدِير ظهورَنا لفترةٍ، ولن نُوقِف مساعداتنا، ولن نُغمِضَ عيوننا.

وزير خارجيَّة تركيا: إسرائيل فقدَتْ كلَّ شرعيَّة دوليَّة، وما فعلَتْه سيكون له أثر طويل على مسيرة السلام في الشرق الأوسط، هل تستطيع تركيا أن تَفرِض نفسها طرفًا؟ لم يسبق أن فكَّر بهذا أحد، ودول الموقف الدولي تَتسابَق لإعلان شجبها، وهي مِن أخلص حُماة إسرائيل: روسيا وفرنسا وإسبانيا والسويد وعددٌ لا يُحصَى، وتنفَرِد ألمانيا برفع السقف للمطالَبة بتحقيقٍ مستقلٍّ عن إسرائيل.

قائد الجيش التركي يصرِّح: “إنَّ الهجوم خطير وغير مقبول”، المظاهرات تعمُّ تركيا؛ حكومة وشعبًا وجيشًا بلمْح البصر، تنفَصِل لفظيًّا عن يهوديَّة الدولة والجيش رغم المعاهدة الإستراتيجيَّة، لكن الاتِّفاقات الثنائيَّة وعقيدة الحكم التركي وجيشه ما زالت كما وضَعَها مؤسِّسها الذي مات وهو فاقِد الوعي مِن شدَّة السكر.

…وللبحث بقية**

**لكنَّهم يقبلونه طريقًا للفهم، ولو بدون توازن وبدون نظام..

الأصل أن التوازن في الذات الإنسانية لا يتحقق إلا بإخضاع الغريزة لقواعدَ فِكرية تَضبط إفرازها وحركتها بمقاصد فكرية.

فالخروج عن هذا الخط هو كالقطار الذي يَخرج عن سكَّته.

فرض نتيجة إشباع الرغبة ليكون قاعدة لاستنباط فكر، هو إخضاع للعقل لحاجة الرغبة، وهو ما يبرِّر قول الفلاسفة الغربيِّين: إنه لا يوجد هناك ما يسمى نفسية إنسانية وأخرى حيوانية؛ هناك نفسية واحدة للاثنين.

صدَّقوا بتوصيف المآل الذي تؤول إليه ممارسة تسخير العقل لإشباع الرغبة أو حاجاتها.

أبصارهم وقلوبهم عَمِيت عن معرفة نظام الربط بين مرجعية القناعة ومرجعية الإشباع.

ولو اهتدوا إلى ذلك لاهتدوا إلى أنَّ استبدالَ مرجعية ثانوية بأصيلة هو فرضُ مرجعيةٍ بدلاً من ربط المرجعيَّتين بنظام الطبيعة الإنسانية للذات البشرية يحوِّل العقل إلى فِعلِ غريزةٍ، يعمل بالرجع الغريزي، يستغني به عن نظام الفهم الذي اختصَّ الله به الإنسان.

بهذا الفرض يستحيل على أي مفكِّرٍ أو فيلسوفٍ أو إنسان أن يصدِّق إذا تثقَّف بثقافة اليوم السائدة - ثقافةِ الفكر الغربي - أنه كائن يتميَّز عن الحيوان؛ لأنه واقعيًّا لا يستطيع أن يرى أي دليل على ذلك.

أيديولوجيا اليوم السائدة تحتِّم على الذين يعتقدون أفكارَها، أو يَحْيَون بممارسة سلوكياتها - أن يعتقدوا أنَّهم حيوانات، ليس عن جهْلٍ بإنسانيتهم، أو عن عدم إحساس بها؛ بل لأنَّ منافذ الرؤية الحياتية التي تَصدر عن عقيدةِ أفكارِ الحياة قد سدَّتها حاجة الرغبة بمصادرة العقل؛ ليكون هو مصدَرَ حيويَّتها بدلَ أن يكون تحقيقُ الإشباع بكيفيَّةٍ تحقق غايته بنظام التزام فكر.

سبب وجود الرغبة هو مصدر حيويتها الطبيعي، الذي هو النظام الطبيعي لبناء مصدر الحيويَّة لرغبات إنسان الإنسانية.

المفكِّر فينا - جمهرةَ الناس - والرئيس علينا - جمعًا في كل مكان - عندما يتَفاخر أنه ديمقراطي، إنما هو يتفاخر أنه خلَع إنسانيته دُون أن يَدري أين ألقاها؟ ولا بماذا استعاض عنها؟!

قول الفيلسوف: إنه وجِنسَه مِن أصناف الحيوانات - فيه الكثير مِن الجهل والكذب؛ هو لم يَفهم الحيوان، بل لاحظ مَظهر غريزته وسلوكَها فقط، وجعل هذا مصدرَ اكتشافه أنه مِثله.

هذا القول يصدر عن جهل بطبيعة الحيوان أولاً، وعن جهلٍ بطبيعة الإنسان ثانيًا.

أما أنه كذب؛ فلأنَّ شرط القول أن يكون صادقًا، وشرط الصدق أن يتوافق القول مع حقائق الواقع.

الفيلسوف أو المفكِّر الذي يَستبدل مظهر الطبيعة بحقيقتها وجوهرها ونظامها، ويستبدل مظهر الطبيعة بقاعدة الفكر - يكون كلُّ ما يقوله هو كذِبًا على الواقع.

طبعًا، النفس الإنسانية لا تَقبل هذا بطبيعة الفهم، ولا بطريقته، ولا بنتيجته، فلا يكون أَمام النفس إلا أنْ تَعمد إلى إجراءٍ بديلٍ تَبقى معه متماسكةً.

تماسُك النفس يكون بنظامين:

نظامِ إشباع الرغبة بحسب نظام حيوية الطاقة، الذي يحقِّق غايةَ وجود الرغبة.

ونظام ربط الخاصية بمصدر طاقتها.

في غياب أحد هذين النظامين تضطر النفس إلى الانتحار، أو استبدال نظام، ولو غريبًا عنها، أو مستوحًى مِن الحيوان، أو مِن نظريةٍ أو افتراضٍ بالنظام الأصيل؛ لأنَّ انعدام أحد هذه الأنظمة يُفقِد النفس نظام الرَّبط بين الرؤية العقلية “القناعة” وإشباع الرغبات “المشاعر”؛ مما يؤدي إلى جفافِ أوعية الحيوية التي بها فقط تَحيا النفس البشرية.

كل نِظام مِن أنظمة النفس بعناصره وخصائصه، مَثَلُه مثَلُ اجتماع نظامين يَبْنيان نظامًا يقوم بدَوره ويكون قاعدةً جديدةً لنظام جديد مستقِلٍّ بعناصره وخاصياته؛ ليقوم بدور جديد.

نشوء نظام حيوية النفس مِن أنظمة تماسُك النفس ليس أمراً استثنائيًّا، ولا أمرًا عاديًّا، بل أمرٌ طبيعيٌّ؛ لأنه في أصل خلق الإنسان أن تترابط أنظمة الحياة - ومنها منظومة النفس البشرية - حتى يتأمَّن لكلِّ خاصية مصدرُ طاقةٍ ونظامٍ حيويَّةٌ مستَقِل بها.

هذا الترابط هو لِحفظ ذات الفرد بطريقة حِماية النوع الإنساني لفِكره وعاطفته وجسده مِن انحرافه.

الإنسان الذي يفكِّك هذه الأنظمة بضَرْبِ مفاصل ترابُطِها، أو يميت حيويَّتها بفصل إشباع الرغبات عن رؤية الحياة التي تصدر عن القاعدة الكليَّة لأفكار الحياة - لا يستطيع أن يستمرَّ في العيش إلا بطريقة رجُلِ أيديولوجيَّة الديمقراطية، مثل بوش الذي يُبيح المجازر البشرية في المسْلِمين، ومثل تشيني الذي يُبيح تعميم شذوذ الجنس؛ حتى تعيش ابنتُه في بيئةٍ طبيعيَّة.

تاريخ الإضافة: 29/6/2010 ميلادي - 18/7/1431 هجري

رابط الموضوع:

www.alukah.net

منقول عن : ألألوكة الثقافية

www.alukah.net

**ألخيار في حضارة الإنسان

يوسف بعدراني

الخيار خاصية في الإنسان، تُولَد معه، وتميِّزه - بنُضْجه في ممارسة صلاحياته في الحياة - عن الحيوان، وعن الغافل عن سبب وجوده.

خاصية الخيار هي البُرهان الواقعي - مِثلُها مثل كثير غيرها - على أننا البشر، لسنا حيوانات.

ولو قال مَن قال مِن فلاسفةِ الغرب: إنهم حيوانات، هم صادقون بوَصْف الذي يَعتقد فكْرَهم وفلسفتَهم، ويتصرَّف مثلهم، ويتخلق بخلقهم.

لكن ليس جنْسُ البشر جنسَ حيوان.

الفيلسوف والمفكِّر والأمي إذا أضاعَ مرجعيةَ إنسانيةِ الفِكْر يَفقد مرجعية الحسِّ الإنساني، وبذلك يَعمى عن مقياس الأعمال الذي يلتزم به البشر.

فهُم بشر بدون مقياس أعمال الإنسان الذي يَصدر عنه قِيَمُ الإنسانية، التي بها تحيا روح الإنسان أو تضمحِلُّ، فيحيا الفرد بدونها حيوانًا - كما يقولون صدقًا - بوصف حالة الفرد في حياته بدون قِيَم الإنسانية التي تَصدر عن مِقْياس أعمال الإنسان، الذي ينشأ طبيعيًّا مِن فكر الحياة الذي هو فكر سبب الحياة ومصيرها.

خاصية الخيار - كباقي الخاصيات - هي قدرة كامِنَة، هي طبيعة تَحتاج إلى طاقة لِمُمارسة دَورها.

ولأنَّ الإنسان يعيش سنين؛ فالبحث في طاقة الخاصية يَجب أن يكون هنا هو بحثًا في مصدرها، وليس في فِعلها أو نتيجتها؛ حتى نستطيع أن نَصِل إلى معرفة - أو اكتشاف - طريقة إمداد هذه الخاصية بالطاقة الدائمة طوالَ حياة الفرد السليمة.

الأصل أن الخيار نِتاجُ فِكر؛ أيْ: نِتاج قَناعة؛ فالمصدر الأوَّل لطاقة الخيار هو القَناعة الفكرية بالقرار، هذا ما يجب أن يكون المصدرَ الأول والوحيدَ للإنسان.

لكنَّ كثيرًا مِن البشر يُعلنون ويعتقدون أنَّهم حيوانات تمشي، أو تنطق، أو تتناسل وتبول كالحيوانات.

هؤلاء يَملكون خاصيات الإنسان التي لا يَملكها الحيوان، لكنهم يصِرُّون أنهم حيوانات، بل يحاولون أن يشابهوا الحيوان في تصرُّفاته، ويحاولون أن يستنبطوا أفكارًا مِن ملاحظة تصرُّف الحيوان يَلتزمون بها، ويطالبون مَن يصرُّ أن يلتزم بناءَ أفكارِ الإنسانية مِن مصادرها لمتابعتهم والقَبول بالفكر الذي استنتجوه مِن مراقبة تصرف الحيوان.

مثلاً: يلاحِظ الديمقراطيُّ أنَّ الكلب يَبول أمام غيره دون حرج؛ لا يَدخل مكانًا خاصًّا ويغلق بابه، ولا يَحرص أن يحتجب عن الأنظار عندما يَقضي حاجته، ولا يتحرَّج أو يخجل مِن ذلك.

الاستنتاج الطبيعي لهذا الفرد: أن يَستبيح هذا الفعل، ويفعله دون حرج أو خجل.

وتقوم السلطات الديمقراطية بتعميم هذه الممارسة في مراحيض الأبنية الرسمية والعامة، والسجون، والجامعات، ونَشْر ثقافة المراحيض المشتَرَكة.

هكذا تصبح تصرُّفات الحيوانات مصدرًا مِن مصادر إنتاج القناعات الفكرية،والسلوكيات الفردية والجماعية.

لا نقول هذا لِذَم الديمقراطية والديمقراطيين، بل لنصل إلى اكتشاف المصدر الثاني الذي يوجَد طبيعيًّا عند كلِّ مَن يتصرف بمحاكاة الحيوان، أو بفكرٍ مستَنبَط من ملاحظةِ تصرف حيواني، أو لأنَّه يرفض أن يكون الإسلام مصدرَ فِكر القناعات الإنسانية، أو قاعدةَ أفكار الحياة، أو أنَّه مقياس أفكار الغايات، أو أنه فكر السلوك الإنساني.

هذه المحاكاة هي محاكاة بين عقل الإنسان وغريزة الحيوان، أو غريزة الإنسان، هذا أمر ليس فيه تَوازن، وليس له نظام، ولا يصلح أن يكون طريقًا لفهمٍ، بل يخالِف قواعده.

وللبحث بقية**

**أما اذا كان سبب انحطاط الحزب هو خضوع القيادة أسيرة لارادةٍ خبيثة تعمل لفصل الحزب المبدئي عن فكره المبدئي وليس لفرط عقد الحزب فهذا هو الأخطر الذي يجب التعامل معه بحذر حتى لا يكون اصلاح الأمر بتغيير القيادة هو عمل فرط كيان الحزب كما يجري الآن بين جماهير الأمة الضالة وأنظمة الحكم الضالة كلٌّ يقول باطلاً ويدعي حقاً لكن غاية ادعاء الحق بغير فكر العدل تؤدي الى فرطِ البلد كل بلدٍ على حدة. ممارسةُ القيادةِ فصلَ عملِ الحزب عن فكره لا يكون الا مِن جهلِ القيادة بمقياس الرقي والانحطاط ولأنَّ هذا لا يمكن الجهل به بل يمكن تضييعه بمعنى تغييبه يكون عدم ملاحظة الانحطاط هو مِن خطة متبناة لابقاء الحزب في المستنقع الذي يغرق فيه لكن أخوان مرسي ليسوا هكذا لأن ليس في فكرهم الأيديولوجي طريقة عمل تنبثق عن الفكر بل أخذوا طريقة مِن طبيعةٍ أخرى وألصقوها بفكرهم الأيديولوجي ولهذا الذي يراقب أفعالهم أو يسمع أقوالهم يقول عنهم أخوان المنافقين وليس لأن الفرد منهم كذاب بل لأن التناقض ظاهر بين ما يدعون اليه وطريقة العمل لسيادة الفكر. هم يدعون أنهم حزباً اسلامياً وأن مبدأهم الاسلام كما يدَّعي كلَّ حزبٍ اٍسلامي آخر يعمل لتحريف الاسلام بادعاء اسلام بدون مرجعية دليله الشرعي. وكلهم فصل بين فكر مبدأ الاسلام وبين طريقة هذا الفكر بحجة أن أفكار الفكر تحتاج الى دليل بينما أعمال الفكر لا تحتاج الى دليل بل تخضع لحاجة تحقيق غاية فكر المبدأ وهي سيادته على الناس. يعملون بحكم بغير طريقة الحكم صفة عمل قيادة الناس بغير مفهوم القيادة الفكرية، وبغير حقيقة الفكر المبدئي، وبغير بنية القيادة في الحزب المبدئي. ينافقون ويضللون بادعاء جهلٍ لتجهيلنا، أو ادعاء علمٍ لتسفيه حقيقةِ العلم الذي ننهل منه بطريقة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الدليل الأول على أن بريطانيا هي التي كانت وراء جر أمريكا للقبول بفكرة تسليم الإخوان سلطة الحكم بغية حرقهم أن الوضع السياسي كان مسرح ثورة وأن جميع فعاليات هذه الثورة تحركها بريطانيا مباشرة أو عبر طرفٍ ثالث. هذه الفعاليات كانت مندمجة ببعضها الى حد كبير حتى تفوز جميع أحزاب الثورة بمقاعد البرلمان. وفي انتخابات الرئاسة عندما كانت مسافة المنافسة ضيقة بين شفيق مرشح مبارك ومرسي وتأخر اعلان فوز مرسي عدة أيام بقيت قوى الثورة هادئة لأنها تعلم سبب التأخير وليس لأنها لا تعلم النتيجة. نتيجة انتخابات الرئاسة محسومة منذ رضيت أمريكا بتسلم الاسلام المعتدل للحكم والجميع كان يعلم ذلك. تأخير الاعلان كان لاذلال الاخوان علنياً وللاعلان أنهم رضوا بكل شروط ترك الاسلام بالكلية قبل تخطي عتبة باب القصر كمن يخلع معطفه ويعلقه في خزانة قبل ولوج الصالون. قوى الثورة كانت تعلم أن قبول مرسي واخوانه تسلم السلطة هو مؤامرة على أمريكا وليس أكثر مِن ذلك. قوى الثورة الأولى رضيت بارتماء الإخوان في الحضن الأمريكي بدون أي معارضة تذكر وجميعهم مِن القوى الجماهيرية التي تحركها بريطانيا. الثورة الأولى نجحت فيها بريطانيا على أمريكا باقتناع امريكا بتسليم الحكم للاخوان لحرق الاسلام السياسي رغم معرفة أمريكا أنه لا يوجد في الواقع ولا في الخيال اسلام سياسي ، لا يوجد اسلام سياسي الا لتضليل المسلمين عن حقيقة أن الاسلام هو اسلام واحد ترك أي حكم منه معصية وانكار أي حكم منه كفر. إخوان مرسي ليسوا حزباً مبدأه الاسلام، لذلك ليس عنده فكر مبدأ الاسلام ولا طريقة مبدأ الاسلام فكره للنفاق بأفكار الاسلام، وطريقته لهدم فكر مبدأ الاسلام.

www.azzaman.com

? AUGUST 2, 2013**

**أللعبة التدميرية

بريطانيا هي التي أطلقت اللعبة التدميرية فيما عرَّفتهُ وسائِط اعلام النفاق ورجالات هذه اللعبة في كلِّ بلدٍ أنها ثورة الربيع العربي، بذلك بريطانيا حدَّدَت مسرحَ اللعبة وأدواتها وأهدافها المرحلية وغايتها النهائية. أمريكا لا تمتلك غير سلاح الانقلاب العسكري وترى خطورته على وجودها في منطقة الشرق الأوسط. وتدرك أنها لا تستطيع أن تعيد تجربة عبد الناصر عندما هيّأت لانقلابه على نفوذ الانكليز ووضعت خطة حمايته مِن الداخل بتأليب الجماهير ضِدَّ أمريكا ليتسنى له البطش بعملاء الانكليز. الوضع الدولي لم يعد يسمح بتكرار هذه المسرحية الجارية في ايران وكوريا الشمالية وسوريا في بلدٍ كان الأول في هذا المخطَّط. لذلك وحتى ترضى أمريكا باستغلال الظرف لتحقيق هدف استراتيجيٍّ كبير في خطتها الدولية لحرق الاسلام والاسلاميين السياسيين قدمت بريطانيا مشورتها لأمريكا أن يتعاونا للتخلص مِن فكرة الحكم بالاسلام في مصر عبر تسليم الحكم للإخوان وتفشيلهم ومِن ثمَّ تحريك الجماهير للثورة عليهم وحرقِ فكرهم وكيانهم المعنوي والسياسي. بهذا تنحصر اللعبة بعد ذلك بين العلمانيين الذين تحبهم أمريكا وترى سهولة تطويعهم لأن مقياس أعمالهم برأيها النفعية وليس فقط الولاء للانكليز. طربت أمريكا لاقتراح بريطانيا بتسليم الاسلاميين الحكم لحرقهم بين جماهيرهم وللانتهاء مِن أخوان النفاق كما سماهم أحد المعلقين الأمريكيين في معرض فضحه لخطر تسليمهم السلطة، وكما سماهم كثير مِن المشاركين في الندوات التلفزيونية. لم يدرك أحد في الحكومة الأمريكية خطر الانسياق الأمريكي في مخطط لا تمتلك فيه أمريكا مقومات العمل ولا قدرات القوى ولا هو كمخطط ينبثق عن استراتيجيتها التي ترتبط بعوامل الحدث. أكبر الخطر على الدولة أو الحزب هو التجرؤ على القيام بحركة سياسية في واقع لا تمتلك عناصره وهذا التهور في التصرف ينشأ اما مِن غباء أو مِن خيانة. طبعاً لا مجال هنا لخيانةٍ مِنَ الساسة الأمريكيين لذلك يقتصر البحث على الغباء. هو ليس غباءً في التفكير فقد أعملوا فيه التفكير لكنه غباء في اعتبار النتيجة هي المبرر للقيام بالحركة السياسية وليس الواقع الذي ينتج عن الحركة السياسية هو الذي يجب أن يكون المبرر. البحث في الواقع السياسي الذي ينتج يفرض اعتبار عناصر الواقع الجديد والقدرات اللازمة للتحرك بادارته بنجاح، بينما اعتبار النتيجة هي المبرر يمنع الربط بين العناصر والقدرات للنحرك في الواقع الجديد. فهذا النوع مِن الغباء هو الذي يسمونه لتبرير غباء المفكرين في أمريكا أو أي حزب سياسي قصر نظر . لكن موضوع هذا النوع من الغباء ليس مِن موضوع قصر نظر لأن موضوعه يتعلق بالتمسك بقواعد التفكير وليس بنتيجة التفكير، انه تفكير بدون قواعد التفكير ولذلك هو مِن الغباء المطلق. وهذا النوع مِن الغباء هو الطريقة الخبيثة لضرب الكيان الفكري في الدولة أو في الحزب خاصة الأحزاب الأيديولوجية.

نقول خاصة الحزب الأيديولوجي لأن غير الحزب الأيديولوجي ليس له كيان فكري بينما أساس كيان الحزب الأيديولوجي هو فكر المبدأ الذي يعتقده. لذلك عندما يقوم الحزب الأيديولوجي بحركة سياسية متخلياً عن قواعد التفكير يذوي بلمح البصر مهما كانت أعداده لأن كيانه منذ البداية تشكَّلَ بقواعد الفكر فاذا قام الحزب بحركته السياسية بدون قواعد الفكر يظهر الانفصال التام بين العمل السياسي وفكره. أن يحصل التناقض بين فكر وعمل الحزب الأيديولوجي المبدئي هو الضربة التي تقضي على الكيان الفكري للحزب المبدئي لأنه لا يملك مقومات كيانية غير الفكر الذي يتبناه وليست حركته السياسية مِن مقوماته الكيانية بل هي مِن أعماله السياسية لتحقيق غايات فكره السياسي. هذا العمل الذي يهدم الحزب الأيديولوجي لا يأتي مِن فراغ بمعنى أنه لا ينشأ مِن خطأ في التقدير ولا مِن جهلٍ بالعمل، ولا يأتي حتى مِن انحطاط الحزب الى الدرك الأسفل مِن التفكير. هذه كلها يمنعها ابتداءً تمسك قيادة الحزب الأيديولوجي بقواعد الفكر، ووعي شباب الحزب الأيديولوجي على التزام قواعد التفكير في الفهم أو في انتاج الفكر مِن الفهم. فالأصل في قيادة الحزب الأيديولوجي كما هو الأصل في شاب الحزب أن يكون التمسك بقواعد التفكير وبأفكاره الأيديولوجية هو طبيعة خاصيته الفكرية وليس أن تكون الخاصية منفصلة عن فكرها. فالربط لا يكون في الشاب العقدي ربطاً مصطَنعاً بوعي على الطريقة العقلية للتفكير بخطواتها أولاً وثانياً وثالثاً وهكذا بل يجب أن تكون هي الطبيعة التي يجري بها بدون وعيٍ على أنظمتها. عدم وعي القيادة على كيانها الفكري أمر يستحيل لأن ذلك لا يحصل في الحزب الأيديولوجي، وعدم وعي الشاب في الحزب على فكر الحزب يخرجه مِن صفة انتمائه الفكري. الموضوع ليس الوعي بل الربط بين العمل وفكره لأنه هنا يمكن أن يكون العمل بغير فكر الحزب أو يكون العمل بدون فكرٍ بسبب فورةٍ غريزية لم تستطع القيادة لجمها بسبب انفصال العمل عن الفكر. وهكذا هي حالة الشاب عندما يقوم بعمل بفكرٍ غير فكرِ الأيديولوجية الفكرية التي يقوم عليها كيانه الحزبي والشخصي أو يقوم بعمل بارتداد غريزي لا يرتبط بفكر. حالةُ عمل الحزب بغير فكره هو الذي يدمر الحزب الأيديولوجي وليس الخطأ في تقدير النتائج هو الذي يدمر الحزب مهما كان الخطأ فادحاً. هذه الحقيقة في الواقع الكياني للحزب هي النور الذي يضيء على مقياس درجة انحطاط الحزب وقياس انحطاط شبابه. وهي مقياس التعرف الى حقيقة ما يجري في الحزب الأيديولوجي هل هو خيانة متعمَّدَةٌ لهدم الحزب والقضاء عليه بطريقة هدم كيانه الفكري الذي يقوم على ربط فكره بعمله. ربط العمل بالفكر هو المعنى الذي نصطلح على توصيفه فكرة وطريقة المبدأ الذي منه فقط يجب أن تنبثق وتُصاغ ثقافة وثروة الحزب الفكرية. وهي مقياس التعرف الى ما يجري في الحزب المبدئي أنه مِن غباءٍ وليس مِن خيانةٍ. معرفة الحقيقة في واقع انحطاط الحزب المبدئي أنه مِن خيانةِ القيادة أو مِن غبائها مهم جداً لمن يرى ااعادة اللحمة بين الفكر وطريقته أولاً، ولمن يستطيع أن يعمل لانتشال الحزب مِنَ الانحطاط الذي يتمرغ فيه ثانياً. يبقى أن الخطر الأكبر يكمن في عجز القيادة عن ملاحظة الانحطاط الذي وصل اليه الحزب. فالانحطاط ليست حالةً فجائية تقع بفعل طارئ، ولا هي بسبب عمل لا يرتبط برؤية فكر الحزب الاستراتيجي، انها حالة تنتج عن مسيرةٍ طويلةٍ بالانحدار. لهذا لا يمكن أن تعمى بصيرة قيادةٍ فيها أهلية القيادة عن التنبه الى مسيرة الانحدار التي يهوى فيها الحزب المبدئي طوال سنوات، واذا حصل فالقيادة أحد أمرين اما أنها قيادة جاهلة جهلاً مطلقاً بالمبدأ الذي تتبناه. أم أنها قيادة وقعت تحت سيطرة أعداء الاسلام تنفذ مخططهم في هدم الحزب وليس محوه أو حله بل ليبقى كما بقية الأحزاب التي يكون مجرَّد وجودها يخدم هدف استنزاف طاقات الأجيال المتوالية في الأمة. أو تكون مع الأحزاب التي تكون سداً في طريق النهضة. فاذا كان سبب انحطاط الحزب أو انهياره الفكري على صعيد الممارسة هو بسبب الأمر الأول الذي ينشأ عن جهل القيادة المطلق بمبدأ الحزب فلا بدَّ أن يكون في آلية الادارة الحزبية ما يدعو الى تغيير القيادة. واذا لم يكن في الآلية هذه الطاقة على تغيير القيادة فهو ليس حزباً مبدئياً لأن شرط قيادة الحزب المبدئي أن تكون قيادته قيادةً فكرية لا فردية، أي أن يكون التزام فكر الحزب هو مرجعية سلطة القيادة أولاً، ومرجعية صلاحها للاستمرار ثانياً، ومرجعية آلية تعيين قيادة جديدة ثالثا. الحالة الأولى اذا انفصلت سلطة القيادة عن سلطة فكر الحزب تحول الحزب الى حزب فرد كما كان عليه حزب هتلر. الحالة الثانية اذا انعدم وجود مقياسٍ تُحاسَبُ القيادة به يقيس قربها أو بعدها عن فكر الحزب المبدئي تحول الحزب الى حزب الغافلين بما جاء في معناها في القرآن الكريم، وهم الذين يشبهون الناس عندما ينظرون في المرآة ويعيشون بفصل فكر الايمان عن طريقة عيش فكر الايمان فهم في ممارسة طاقات الحياة أكثر ضياعاً مِن الحيوان الشارد في البراري. أما اذا لم يكن في آلية تغيير القيادة مرجعية تنشأ عن فكر المبدأ وهي الحالة الثالثة فيتحول الحزب الى قيادةٍ بالبطش لاستمرار القيادة وتتحول القيادة الى قيادةٍ للتسخير لتحقيق مقاصد القائد لا مقاصد فكر المبدأ.**

أحد خبراء الأمن الجوي في أمريكا أعلن في ذات اليوم على أحد الشاشات (سي أن أن أو بي بي سي) أثناء نشرة الأخبار أن الكونغرس الأمريكي قام العام الماضي بحملة تجريبية كلَّف بها موظفين عنده بمحاولة اختراق الإجراءات الأمنية في المطارات واستطاع أن ينجح في 22 محاولة إدخال متفجرات إلى الطائرات رغم أنظمة الأمن المتشددة المرعية. ويقول لقد كتبنا بإلحاح إلى المسئولين بوجوب إصلاح تلك الإجراءات لكن لم يهتم أحد بالإجابة أو الاستجابة. وفي ذات الليلة أيضاً سأل مذيع البي بي سي خبير أمني مهم جداً كما قدمه: هل كنا نعلم بهذه الأمور أنها يمكن أن تحدث؟ أجاب الخبير نعم كنا نعلم. فسأله المذيع لماذا لم نتخذ هذه الإجراءات التي أعلنوها اليوم قبل اليوم؟ أجاب: سؤال مهم جداً لكن لا يوجد مَنْ يستطيع الجواب عليه. وكان وزير الداخلية البريطانية أعلن أن عدد الضحايا الذي كان يمكن أن يسقطوا لم يسبق له مثيل.

رغم اعتقال كامل أفراد العصابة في بريطانيا وان المخطَّطَ أُجهِضَ قبل أن يكتمل حبكه إلا أن ذلك تبعه إجراء في غاية الجدية وهو إيقاف حركة الطيران في مطار هيثرو وهو الدولي الأول في العالم كما في غيره ووقف النقل الجوي من جميع دول العالم إلى بريطانيا وهو ما يشبه إجراء بداية حرب عالمية أو هجوم نووي. وأدى إلى فرض العذاب الجسدي والعقلي والنفسي على مئات آلاف المسافرين حول العالم وتكبيدهم المشاق. لكن رغم خطورة الوضع المعلَن وواقعياً بالإجراءات التي ليس بعدها إجراء كما أعلنوا لم يرف لرئيس وزراء بريطانيا “بودل بوش” (كما يُحِب أن يُنادى) جفن، رغم أن رموش “البودل” على أجفانه طويلة الساق يمكن أن ترف مع نسمة تجري بين وريقات العُلَّيْق. بقي في بربادوس يلهو ويتريَّض.

المؤامرة المكتَشَفَة منذ ثمانية أشهر، لو كانت خطيرة تبرر خطورتها الإجراءات والاحتياطاتالتي أعلنتها القوى الأمنية فوراً وفجأة لكان من الطبيعي والواجب أن يقطع بلير إجازته ليكون بجانب شعبه المهدَّد بهذا الخطر الداهم. لكنه يعلم أنَّ هذه الدرامية مقصودة بذاتها من وراء المؤامرة وليس لهذه الإجراءات غير هذا الهدف لإحداث الأثر، لأن المؤامرة تم إحباطها فلا شيء يبرر هذه الإجراءات إلا تحقيق هدف بها بذاتها. إذا كانت أمريكا أبلغت بريطانيا بهذه الخطة منذ ثمانية أشهر وأجهزة أمن كلا البلدين يراقبون هذه المجموعة طوال ثمانية أشهر، لماذا هذا الخوف الشديد أو هذه المحاولة بإثارة التخويف الشديد لدى الجمهور البريطاني والأوروبي والأمريكي؟ لماذا لم يعتقلوا أفرادها بهدوء ويتم الإعلان عنها بهدوء وحسب العادة في مثل هذه الأحوال طالما أن خطرها طوال ثمانية أشهر في قارورة في جيب شرطي؟ أجهزة الأمن تراقب نمو خطر هذه العصابة طوال ثمانية أشهر مما يعني أن الخطر لم يكن حتى محتملاً في أي لحظة؛ لماذا تفجِّر الأجهزة هذه القنبلة الأمنية الصوتية في غياب احتمالٍ لأي خطر؟

بعد الاعتقال أعلنت الشرطة طوال اليوم الأول الجمعة والتالي السبت 10-11/8/06 أنها تحاول العثور على أي إشارة (clue) أو دلائل تؤدي أو تثبت تورط المعتقلين بالمؤامرة الإرهابية. هل يمكن أن تكون مراقبة هذه العصابة الكبيرة بعددها والتي وصفوا قدراتها العلمية بالعالية جداً والمتطوِّرة جداً لم تؤدي إلى ضبط أدلة قطعية عن تورط هؤلاء بخطة إرهابية تفوق بحجمها أحداث 11/9 طوال هذه المدة وقبل الاعتقال؟ إذا كان الاعتقال لم يكن بسبب أدلة قاطعة فلا يكون الاعتقال إلا بقصدٍ يلزم إخفاءه بقرار لأنه يرتبط بقصد خطة سياسية لا بحقيقة العصابة.

تقنية التفجير المحبَطة اليوم بخلط سوائل معينة تُحدِث انفجاراً يقول الخبراء إنه “تقنية عالية ومتطورة جدا” أي أنه من شبه المستحيل أن تحصل عليه عصابة لم يكن لها وجود فعلى إلا عندما تحدث الإعلام عنها فجأة إلا إذا كانت وراءها سلطة ذات قدرات علمية متطوِّرة تزودها بهذه التقنية. مثلها مثل تقنية تفجيرات 11/9 ومثل تصنيع الجمرة الخبيثة. لم يحصل تحقيق في أحداث نشر الجمرة الخبيثة التي تم إغلاق ملفها تدريجياً بعد أن قامت الدنيا إعلامياً بسببها، لكن ثبت بالقطع أنه صناعة أمريكية ومن مستودعات الجيش الأمريكي. أحداث 11/9 لم يجر التحقيق بها جنائياً من أي جهة مسئولة ولو بأي دليل مادي يدل على الجريمة قبل أن نبحث في المجرمين ولو من قِبل محكمة بداية في قرية في صحراء نيفادا. حتى اليوم لا يوجد دليل قاطع حتى عن كيفية سقوط البرجين فكيف بالمجرمين. التحقيق الذي أجراه الكونغرس لا يُسمى تحقيقاً لأنه استماع إلى قول هذا وذاك ومن بعدُ شكره على قوله، مثل مسابقات الكمال الجسماني إلا أنها في النفاق اللساني. تحقيق الكونغرس يكرِّسه في التاريخ أنه مسرح المهازل بين منابر العالم السياسية
أمريكا في ركوب موجة محاربة الإرهاب لتبرر قتلها المسلمين واحتلال بلادهم ونهب ثرواتهم تحتاج إلى تيار هوائي قوي لنفخٍ هوائي في الماء يعلو بموجة تطفو عليها أمريكا عائمة. بريطانيا بخطتها مشاركة أمريكا في احتلال بلاد المسلمين حتى لا تنفرد أمريكا بنهب ثرواتهم تساعد أمريكا بنفخ الهواء في محيط الأطلسي لإحداث موجة يطفوان عليها معاً. المحاولة هذه أوكَلت أمريكا إلى بريطانيا أن تكون وحدها أداة النفخ لإحداث الموجة (موجة تعميم الكراهية وتعميقها في نفوس الأوروبيين). لكن ضعف الإخراج في السينما البريطانية مقارنةً بالسينما الأمريكية أحرَج بريطانيا إذ لم يكن في وسعها أن تنفخ أكثر من هواءٍ ساخن في الهواء ليملأ عقول الأوروبيين والأمريكيين بالهراء الذي يُفرِغ النفس من الروح والحياة من قصد.

مؤامرات أمريكا وبريطانيا في تعبئة صدور الأوروبيين بروح الكراهية على الإسلام والمسلمين دائماً تحتاج إلى مرجعية مقبولة لتثبتها في النفوس وتضييع الوقائع في حقيقة التضليل حتى لا يرفضها الفرد ولو بالتشكيك أو الحيرة. هنا تبرز الحاجة إلى اعتراف القاعدة أو الظواهري أو منظَّمة مُصطَنَعة أخرى بتبني مثل هذه الأعمال لتكريس وإنجاح هدف المؤامرة المسرحية، مثل الذي حصل في جميع التفجيرات السابقة في لندن والسعودية وغيرها. ومثل ما يمكن أن يحصل من إطلالة للظواهري في تبني هذا الحدث الذي لن يكون الأخير في اصطناع أحداث إرهابية متنقلة هنا أو هناك يتم إلصاقها بالعدو الوهم الذي لا يراه الناس إلا في الإعلام الأمريكي وعلى لسان الكاوبوي الأبله الذي يفتش عن الكلمة في بطنه وعندما يجدها يقفز مبهوتاً فرحاً بكذبة ينسى أنه أعاد تكرارها مئات المرات.

يوسف بعدراني ـ بيروت ـ لبنان
13-8-2006 م
منقول عن:
www.nexuss.info

www.saowt.com

رمضان أو السرور العائد في عيد الفطر
يوسف بعدراني
رمضان أو السرور العائد في عيد الفطر
يوسف بعدراني
أول أعياد العام عند أمة الإسلام هو عيد انتهاء أيام الصيام المفروضة بقول الله العام لكافة المؤمنين في أول أمرٍ بالصيام هو أمر الله بتساوي المسلمين مع مَن سبقهم مِن أتباع الأنبياء والرسل في عبادة الصيام جاء بقول الله الرحمن الرحيم: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } (183 البقرة). معنى الصيام في تفسير ابن كثير: “الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع بنية خالصة لله”. انتهى. وفي تفسير “الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ” قال عطاء الخراساني، عن ابن عباس: أهل الكتاب. وروي عن الشعبي والسّدي وعطاء الخراساني، مثله. انتهى. الصوم هو أصلٌ في عبادات جميع أنبياء الله ورسله منذ آدَمَ عليه السلام ولا يجوز أن يقال إنَّ نبياً مِن أنبياء الله لم يأمر بالصيام عبادةً لله لأن الآية مطلَقَةٌ في جميع “الذين آمنوا” أتباع الأنبياء الذين سبقوا دين الإسلام الذي جاء به محمَّد عليه وآله الصلاة والسلام. صيام الأنبياء وأتباعهم قبل الإسلام كان يقتصر على أيامٍ معدوداتٍ من الشهر وهذا ما فعله الرسول محمَّد صلوات الله عليه وما أمر به أصحابه الصوم ثلاثة أيام كل شهر وأتبعه بصوم عاشوراء. ثم نزلت آية تخصيص المسلمين بأيامٍ يكتمل بها حكم الصيام وتميِّزهم عن غيرهم مِن الأمم قاطبةً حتى يوم القيامة وتنسخ الآية السابقة: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (185 البقرة). هذه الآية جامعة في فضل شهر رمضان على غيره أنه بسبب نزول القرآن فيه، وفي وصفه الجامع للقرآن في أنه "هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ " وقوله: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} أي: ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم، ولحكم الصيام وسبب تخصيص فرض عبادة الصيام في هذا الشهر وعذر مفطِرِه وأنه كمال حكم الصوم وسبب الاحتفال بصومه وندَبَ إلى الاستزادة مِن بِرِّ هذه العبادة في زمنها المفروض والمندوب. وبيَّن حكم الرخصة بعدم الصوم في رمضان وإيفاء دين الصوم في غيره مِن الأيام ليكتمل عدد أيام شهر الصوم على الإنسان في كلِّ حوْل. ثم يختم بآية جامعة لعناصر دوام الخير على الإنسان طوال عمره في تكليف الله له بالصيام بقوله: "وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ “(1).
الله اختصَّ هذا الشهر بتنزيل كتبه على عباده الرسل ففي الحديث: قال الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عمْران أبو العوام، عن قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة ـ يعني ابن الأسقع ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أنزلت صُحُف إبراهيم في أول ليلة من رمضان. وأنزلت التوراة لسِتٍّ مَضَين من رمضان، والإنجيل لثلاث عَشَرَةَ خلت من رمضان وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان”. وقد روي من حديث جابر بن عبد الله وفيه: أن الزبور أنزل لثنتَي عشرة خلت من رمضان، والإنجيل لثماني عشرة، والباقي كما تقدم. رواه ابن مَردُويه. أما الصحف والتوراة والزبور والإنجيل ـ فنزل كل منها على النبي الذي أنزل عليه جملة واحدة، وأما القرآن فإنما نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا، وكان ذلك في شهر رمضان، في ليلة القدر منه، كما قال تعالى: { إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } [القدر: 1]. وقال: { إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ } [الدخان: 3]، ثم نزل بعدُ مفرّقًا بحسب الوقائع على رسول الله صلى الله عليه وسلم. هكذا روي من غير وجه، عن ابن عباس،. انتهى.
لا يختلف الناس في وجوب صوم رمضان ونحن في بحثنا هنا لسنا بصدد بحث وجوبه بل الموضوع هو العيد أو الفرح الذي يستحضره وهو ما يحدِّد نقطة البحث في: لماذا الفرح؟ أم: هل الفرح هو بالصيام أم هو بانتهاء الصيام؟ هل الفرح هو واجب أم مِنْ مظاهر الحدث أم هو نتيجة حتمية طبيعية مِن طبيعة الصيام؟ ونحن حتى نستبين ذلك يلزمنا تبيان طبيعة الصيام ليس بفعل الصيام الذي هو الامتناع عن الطعام والشراب ودنس السريرة واللسان والخُلْق، بل في واقع نتيجته في حسن التزام شعائره لأن الفرح يكمن هناك لا بالصبر على الجوع والصمت عن بذاءة اللسان. الفرح دائماً وفي كلِّ الأعمال يكمن في نتيجة الفعل وليس بذات الفعل؛ وهكذا هو الفرح والسرور العائد؛ العيد الذي يتكرر في كل عام هو في نتيجة الفعل الذي هو هنا الصيام في رمضان تحديداً. شهر رمضان هو شهر كُتُب الله التي أنزلها على رسله السابقين وشهر نزول القرآن الذي ينسخ كُتُبَ الله على جميع رسله، فليس أعظَمَ مِن هذا الشهر في تاريخ الإنسانية منذ وجودها وحتى زوال هذا الجنس الإنساني عن الأرض. وهو شهر البركات الزائدة على المؤمنين الذين اتبعوا رسل الله في قومهم وزمنهم، وعلى الناس الذين يسلِمون ويتبعون الرسول الآخِر إلى يوم الدين.
نستحضر نتائجه مِما قاله فيها رسول الله:
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ” (1793 مسلم). وفي رواية ثانية: “إِذَا كَانَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ” هنا “فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ” تفسِّر معنى " فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ” كما جاء في شرح الإمام النووي: فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض: … وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد الْمَجَاز، وَيَكُون إِشَارَة إِلَى كَثْرَة الثَّوَاب وَالْعَفْو، وَأَنَّ الشَّيَاطِين يَقِلُّ إِغْوَاؤُهُمْ وَإِيذَاؤُهُمْ فَيَصِيرُونَ كَالْمُصَفَّدِينَ، وَيَكُون تَصْفِيدهمْ عَنْ أَشْيَاء دُون أَشْيَاء، وَلِنَاسٍ دُون نَاسٍ، وَيُؤَيِّد هَذِهِ الرِّوَايَة الثَّانِيَة: ( فُتِّحَتْ أَبْوَاب الرَّحْمَة ). انتهى.

**مصر في العين اللامة

يوسف بعدراني

تسارعت أحداث مصر في السنوات الثلاث الأخيرة كما لم تتوال في القرنين الماضيين أي منذ بدء الغزو الصليبي لنابوليون. التسارع منع الكثير مِن المسلمين مِن فهمِ حقيقة ما يجري وغلب عليهم تصديق الاعلام الذي يقول انها ثورة على مبارك الظلم والديكتاتورية في البداية. وأن الثورة الثانية هي على غباء ونفاق وسيطرة الاخوان على السلطة وأن هذه هي الثورة الحقيقية على الفساد والاستئثار والتخلف. الأحداث السياسية لا يمكن أن نفهمها مما يأتي مِن التصريحات ولا مِن التحليلات الاعلامية ولا مِن الأحداث التي تقع ولا مِن مطالبات القوى السياسية أو مواقفها فقط. هذه مصادر للفهم يجب اخضاعها قبل القبول بها كمصادر الى الفهم بالطريقة الطبيعية التي يعمل بها العقل والتي عرَّفها حزب التحرير الطريقة العقلية للتفكير . لكن قبل العمل باخضاع هذه المصادر للفهم يلزم أن نتعرف الى حقائق الواقع التي لا يتطرق اليها الشك في واقع مصر السياسي قبل ثورة البداية، وواقع قوى الثورة الأولى، ونتائجها التي أدت الى وصول الإخوان الى السلطة.

ابان حكم عسكريتاريا مبارك كانت الجماهير تعطي أصواتها بالانتخابات بالملايين الى مرشحي حزب مبارك المسمى آنذاك الحزب الوطني وجميع الناخبين كان يعلم أن مبارك دمية أمريكية. ولم يجد أحد في ذلك غضاضة ومَن وجَدَ لم يتجرأ على المواجهة الفعلية. بالصبر والتخطيط والعزيمة والعمل الدؤب طوال خمس سنوات مِن التنظيم وملء كادراتِ ما يلزم للحراك العام بحسب ما صرحت به شخصيات الإخوان والوفد ابان الثورة على مبارك. وفي غفلة مِن هذه العسكريتاريا استطاعت القوى المناوئة للنفوذ الأمريكي بقيادة الإخوان والوفد الحزبين الرئيسيين في عهد الاستعمار المباشر للانكليز الذين كانوا يحتلون مصر بأكبر قوة عسكرية امبراطورية خارج حدودها في ذلك الزمن اندلعت الثورة ضد النفوذ الأمريكي في مصر وليس لاسقاط مبارك فقط. لذلك بادرت أمريكا للاستجابة لمطالب الملايين التي اقتصرت مطالبتها على عزل مبارك ولم تجاهر بحقيقة هدفها اقتلاع النفوذ الأمريكي لأن قوة ذلك النفوذ هو في سلطة حكم البلاد الحقيقية وليست بالحزب الوطني أو مبارك. التعرض للجيش في تلك المرحلة كان خطراً محتماً وليس محتملاً بأن تقوم أمريكا باحداث انقلاب ولو أدى ذلك الى حمام دم وهو ما لم يكن موضع خيار عند الانكليز الذين أرادوا استعادة نفوذهم بالطرق والأساليب السياسية والمدنية والديمقراطية لاستحالة استعادة ذلك بالسلاح.

وصل الأمر الى انتخابات الرئاسة وتوقفت السلطات الانتخابية التي كانت بالطبع تحت اشراف الجيش الذي كان يحكم عبر الوزارة المؤقتة التي شكلها المجلس العسكري البطل الذي وقف بجانب الثورة عن اعلان النتيجة لبضعة أيام. اما أن يفوز أحمد شفيق مرشح الفلول أو يفوز مرسي مرشح الثورة. الكل كان يعلم أن اعلان النتيجة توقف لأن الجيش من جهته وأمريكا من جهتها كانا يجريان مفاوضات اللحظة الأخيرة مع طرف واحد هو مرسي ومرجعياته السياسية. أمريكا كانت أجرت مفاوضات مباشرة علنية وبالعمق مع مرسي وإخوانه وأعلن الطرفان أنهما سيتعاونان استراتيجياً الى أقصى الحدود، لم يكن سراً خضوع مرسي وأخوانه المطلق للمطالب الأمريكية، ولم يكن سراً سرور أمريكا مِن خضوع الإخوان حدَّ التذلل بالانحناء لقبول أمريكا لهم عبيداً لها. أمريكا تفاجأت جداً بتخلي الاخوان عن جميع أفكارهم الدينية وتخليهم عن جميع أدبياتهم وعقيدتهم وشعاراتها التي يعلنونها طوال مئة عام يطالبون بحكمٍ اسلامي. موقف الإخوان أربك أمريكا لثوانٍ في التاريخ وترددت كثيرا بقبول هذا الواقع. لكن ذلك لم يقلل مِن احترام جماهير المصريين لاخوان مرسي، ولم يعترض أحد مِن الأحزاب التي تعد بالعشرات ان لم يكن بالمئات على تصرفات مرسي واخوانه، ولم يعترض أي فرد مِنَ المنتمين بالبطاقة وعقلهم وقلبهم الى الإخوان. جميع الثوار وجميع قيادات العمل السياسي الظاهرة على الساحة الوطنية آنذاك كانت تصلي في هياكلها العظمية الصدرية موئل الشيطان حيث يهنأ بالاستراحة في صدور المنافقين أن تنطلي الحيلة الانكليزية على أمريكا. أمريكا دولة أولى في زمن سيادة قانون اباحة الزنا واللواط وتعميم الفساد في أقاليم الأرض حيث لم تبقَ بوائقَ شيطانية الا وفرضت الأفكار الديمقراطية اباحتها وجعلت مقياس رقي الفرد والمجتمع هو مستوى العيش بهذه الموبقات الشيطانية التي تُخرِجُ الانسان مِن انسانيته في كل فكرٍ وعمل. أمريكا التي استباحت الابادة البشرية في كل أزمة بينها وبين أي دولةٍ أخرى لا تأتمر بأوامر استعبادها لها، وأمريكا التي تفرض نُظُمَ مسرح الحرب في علاقاتها مع كل دولة كان يجب ويمكنها أن تأمر الجيش بانقلاب يطيح بأخوان مرسي وجميع الأحزاب التي تشكلت لمعاونته بأسماء تدجيلية، لكنها لم تفعل. أن لا تقوم الدولة الأولى بل الوحيدة التي تستهزئ بكل قوى الانسانية ولو اجتمعت عليها بعمل كان يجب أن تقوم به ليس موضوعاً يدعو للعجب فالعجب يأتي مِن جهل بينما عدم قيام أمريكا بانقلاب يجب أن يأتي مِن حقيقةٍ استراتيجيةٍ في سياسة الدول العظمى مهما كانت قوتها. أمريكا في سياستها الاستراتيجية الكونية التي تقوم على تبني الدعوة الى فرض أيديولوجية الديمقراطية الرأسمالية كنظام عيش للجنس البشري لغاية انتظام حياة كل الناس بالفكر الديمقراطي لها غاية حضارية لا تحيد عنها. غاية أمريكا هي تحقيق النتائج التي تحصل طبيعياً باعتناق الفكر الديمقراطي أو بفرض تطبيق الأنظمة التي تنشأ عن الأفكار والنظريات الديمقراطية. أن يحيا الانسان بالفكر الديمقراطي هي الطريقة الوحيدة لتخلي الانسان عن أيِّ فكرٍ انساني، ولموت الاحساس بانسانية الفرد، ولعيش الفرد وهو يحاول أن يقلِّد الانسان. محاولة الفرد أن يحيا وهو يبذل جهداً فكرياً متواصلاً لتقليد الانسان هي الشهادة للفرد أنه ليس انساناً بل هو ما هو عليه في حقيقته أنه ديمقراطي. هذا الفرد هو القرد السعدان الذي نضحك ونحن نتفرج عليه في السيرك أو حديقة الحيوان أو حيث نهرع للتفرج عليه في أماكن أو ظروفٍ يدعي فيها أنه ديمقراطي وليس انساناً. لهذا عندما يظهر فرد على المسرح يتحدث عن الديمقراطية تتسمر أنظار مَن بقيَ فيه انسانيةٌ أو ما زال في عقليته بقيةٌ مِن معارفَ اسلاميةٍ بالنظر اليه أنه القرد السعدان الذي يجب أن نستهزئ به. أمريكا في فكر استراتيجيتها بتعميم المفاهيم الديمقراطية لا ترى لهذه الأفكار حاجزاً غير الاسلام دين الله الذي أنزله الله في كتابٍ محفوظٍ بالختم الالهي حمَلَهُ المَلَكُ جبريل عليه الصلاة والسلام الى نبي الله ورسوله بالرحمة الالهية الى بني البشر أجمعين محمَّد عليه الصلاة والسلام. أمريكا في خطتها الاستراتيجية استحداث اسلاميين بالفكر أو بالسلاح ليكونوا وقوداً لها في خطة حرق فكر الاسلام السياسي أو فكر الاسلام الجهادي بطريقة التفريق بين أفكار الاسلام. تفرض التفريق بين أفكار الاسلام رغمَ معرفتهم بقول الله أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض.. . والتي يعتقد المسلمون مفهومها أن مَن يؤمن بآية ولا يؤمن بأخرى هو كافر مهما صلى وصام وتصدق. أمريكا سارت طويلاً وبنجاحٍ في تسخير أحزاب المسلمين وعمائم تعلن أنها اسلامية رضوا أن يرتكبوا موبقات تهرب منها النفس الانسانية حتى ولو كانت ديمقراطية. وقودُ رِجز الديمقراطية يخبو عندما تفور الفطرة البشرية وهي أكثر ما تفور مِن تصرفات الاسلاميين يدَّعون اسلاماً وهم يقتلون غيرهم بحقٍّ يدَّعونه ويفرضون على آية القرآن تبريره فيستبيحون كلَّ نِفاقٍ وشعوذة. وأيضاً والنفس تشاهد عمامة تنطق بترهات وأكاذيب وأباطيل تعزوها للاسلام وهي تفرض على آية القرآن تحريفها لتكون دليلاً على ارتباط أكاذيبها بالاسلام. لكن أمريكا لم تنجح النجاح المطلق في حرقِ الاسلام السياسي.

… وللبحث بقية**

**________________________

(1) "وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ " { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } أي: إذا قمتم بما أمركم الله من طاعته بأداء فرائضه، وترك محارمه، وحفظ حدوده وزدتم بالإكثار مِن التمسك بما ندَبَ إليه مِن العبادات والقربات ومكارم الأخلاق فلعلكم تكونون من الساعين بالشكر الذي يمدحهم الله بفعل الشكر ويخصهم بقوله { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }. الشكر بمعناه مرجعيته الاعتراف بالجميل وهو ما لا يليق بين العبد وربِّه لأن هذا لا يؤدي حقَ الله في جميل صنعه ولا بحبّةِ خردلٍ أو بذرةٍ مِن ذلك. وهو أيضاً ما يحصر جميل صنع الله وفضله على عبده بحدود وهذا محال بشهادة وقائع حياة كل فرد، لذلك لا بدَّ مِن أن تكون مرجعية الشكر هنا كما هي حيثما وردت في القرآن الكريم لتكون في مرجعية العمل. معلوم أن الحياة تقوم بأفعالها الضروري لها وغير الضروري لها مِن كماليات العيش ومستَلحَقاته، وأن قيمة العمل هي بمقدار التزام حكم الله فيه؛ في إباحته أو تحريمه بمعنى أن يقوم به المرء بعد استبيان حكم الله فيه أنه مِن المباحات أو الفروض أو المندوب إليه أو المكروه فعله، فإن قام بالفعل لإباحته أو تركه لتحريمه، أو قام به لفرضه فهو مِن الساعين في شكر الله وهو الفعل الذي تتحقق به نتيجة الفعل التي يريدها الفرد بطريقة يحقِّق بها غاية وجوده السعي في مناكب الحياة بطريقة نوال رضوان الله. هذا الالتزام الدائم بأوامر الله في كيفية تحقيق نتائج الأفعال هو السعي في شكر الله وهو الذي تنطبق عليه " ولعلكم تشكرون " لأنه مهما سعى الإنسان لإيفاء الله حقَّه مِن الطاعة العبادة في أفعاله لا يمكن أن يوفي حقَّ الله في نعمةٍ واحدةٍ مِن نِعَمِهِ التي لا تُعَدُّ لأنها لا تتعلق بعدد في جنس فقط بل بعددٍ في زمن، وحاجة، ورجاء وهو ما لا يمكن حصره أو الوقوف عنده لأنه يتعلق بطبيعة وجود الحياة والإنسان والمصير. الصلاة والدعاء والتسبيح والعبادات والطاعات والنوافل كل واحدة صيغة مِن صِيَغ الشكر لله لكن حاجة الفرد لشكر الله ليس لها حدود تقف عندها، ولا نتيجة تتحقق به، ولا نهاية لها ُيعذَرُ الفرد عن توقفه بالكدح طوال عمره لاستحقاق نوال رضوان الله في الآخرة. السعي في الحياة بأمور الدنيا هو ِمنَ الطاعة المفروضة ولذلك ليس الفعل بالمطلَق من الشكر مثلما هي العبادات، بل الشكر فيها في كيفية التزامها، فهنا الشكر يكون بالتزام كيفية العمل وهنا يكون من طريقة العيش ولذلك هو ـ الشكر ـ مقياس الإيمان الذي يلتزمه المؤمن في حياته. بقي أن هناك أعمالاً هي بذاتها ?عملُ شكرٍ? ليست مِنَ الأعمال المفروضة بذاتها بل هي مِن مثل القِيَم في جنس العمل، كأن تتحقق إحدى القِيَمِ مِن مجرَّدِ القيام بالفعل، هكذا يتحقق الشكر بذات العمل مِن مثل عمل صوم يوم الإثنين والخميس أو التاسع والعاشر من محرَّم، أو القيام في الليل أو الزيادة في الإنفاق في سبيل الله أو الزيادة في الصدقات وأعمال على نحوها هي بذاتها تحقِّقُ قيماً روحية خالصة. القيمة الروحية تختلف عن القيم الإنسانية أو المادية أو الخلقية أنه لا يكون لها قصدُ نتيجة العمل بل قصدها في العمل بذاته بغضِّ النظر عن نتيجته. الفرق بين القصدين أن نتيجة العمل تكون في قصدِ الفاعل بينما عندما يكون قصد الفاعل هو فقط القيام بالعمل أي يسيطر قصدُ العمل على قصد الفاعل بذلك يكون هذا العمل خالصاً لله لا يرجو منه نتيجةً يراها في الدنيا فهو فِعلُ عبادة. مثلاً الفقير يحتاج إلى دينار فأعطاؤه خمسة أو مئة لا يكون قصده تغطية حاجة الفقير أو نتيجةَ العطاء بل يكون قصده الصدقة بالتخلص مِنَ المال لوجه الله لأنَّ الله نَدَبَ إليه وليس لأن نتيجة الصدقة ستغني الفقير عن السؤال.

الآية: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} جاء في تفسيرها: ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم. انتهى. هذا التفسير في غاية الدقة البلاغية الجامعة التي تنشأ عن ربط الأمر الإلهي {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ} بالواقع {عَلَى مَا هَدَاكُمْ } بالنتيجة {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}: تكبير الله هو تعظيمه وعندما يربط سبحانه فِعل تعظيمه بواقع الهداية الذي أوجَدَهُ هو سبحانه بين الناس وجعله بمتناول كل فردٍ يقرر صدَّ الشيطان وطرده مِن وجودِهِ الحياتي تكون طريقة التعظيم تحدَّدَت أيضاً مِنَ الله الخالِق وهي: عظِّموا الله بالتزام الهدى الذي أرسله إليكم مع محمَّد رسوله بالقرآن الكريم. وهو ما يحدِّد معنى {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أن شكر الله لا يكون إلا بطريقة التعظيم له التي حَصَرَها سبحانه بالتزام هدي القرآن الكريم. وهذا ما يجعل تفسيرها: ??ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم?? تفسيراً جامعاً لهذا التفصيل في معنى تعظيم الله لأن معنى ذكر الله هو ذكر الله في طاعته بمعرفة جنس العمل أولاً فرضاً أم مباحاً أم محرَّماً: لا بد للإنسان من أن يبحث في العمل أولاً، ثم في معرفة الكيفية التي أمَرَ الشارع التزامها للقيام بالعمل ثانياً، وبراءة نتيجة العمل مِنَ المحرَّمات ثالثاً.**

**حديث: “كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش” يُسَمّي الذي ليس له في صيام “… غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه” كمن له ذلك الأجر سبب الفرح في الحياة والممات ويوم العرض “صائم” رغم أن نتيجة صيامه لم تتحقق له ورغم أنَّ غاية حكم الصيام لم تتحقق بصيامه. وهو ما يثبت أنَّ الفارق بين الصيام المقبول هو الصيام بشرطه، وأنَّ شرطه “إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا” ليس بعمل الصيام بل بفكره ومرجعية هذا الفكر وغايته وليس بعمله منفصلاً عن هذا بل بعمله مرتبطاً به. العمل الذي يرتبط بفكر العمل وتكون مرجعيته هي مرجعيةَ الفكر يتحتَّم أن تكون غايةُ العمل هي غاية الفكر ولو بدون وعي القائم بالعمل تتحوَّل تلقائيا لتكون غايته؛ هذه طريقة العيش بفكر أو طريقة عيش الفكر. فالصائم الذي يصوم بغير فكر الحياة الذي يعتقده أو يصوم صياماً منفصلاً بفكره عن مرجعية فكر الحياة يستحيل أن تكون غايته هي غاية فكر الحياة أو غاية عقيدته الفكرية التي هي مرجعيته. شرط الصيام هذا هو شرط قبوله الذي هو “… إِيمَانًا…” وهذا ما يفسِّر “… إِيمَانًا…” هنا أنها امتداد لفكر الحياة وأن الصيام “… إِيمَانًا…” هنا هو عمل الصيام بفكر الحياة ومرجعيته التي يعيش بها الفرد قبل رمضان وسيعيش بها بعده ولو بدون توقُّفٍ للتفكير بهذا التعهد. عندما يتحوَّل العيش بفكرٍ عقدي إلى طريقة حياة لا يتوقف الفرد بعد هذا إلى بحث عملٍ مِن أعمال الحياة بفكر العمل ولا بمرجعيته لأن طريقة الحياة سبق واقتضت ذلك الإجراء. أعمال الحياة مهما تكاثرت تصدر طبيعياً حسب نظام قبولها أو رفضها، موافقتها أو مخالفتها لفكر الحياة، لا تحتاج لإعمال العقل إلا لفهم كيفية الإجراء الذي يتعلق بها إن لم تكن قواعد السلوك العامة تستوعبه لسبب أو لآخر. الصيام الذي يغفر الذنوب جميعاً هو الصيام بفعله الذي لا يغفر الذنوب أيضاً. الذي يجعل الصيام صياماً يغفر الذنوب هو أن يكون الصيام مِن مسئولية الحياة في طاعة الله ومِن طريقة الحياة بالعيش بالتزام أحكامه، وأن يكون عملاً بفكر العيش لنوال رضوان الله وليس أنه عملُ موسمٍ خاص ينفصل عن أيام الحياة الأخرى. الصومُ الذي يقوم به الفرد لأنه يريد أن يكون صيامه سببَ غفرانِ ذنوبِ طريقةِ عيشِهِ بدون التزامِ حكمِ الله في عيشه هو الصيام الذي لا يغفر الذنوب وليس لصائمه مِنه إلا الجوع والعطش والعياذ بالله مِن شيطانٍ إنسي كهذا. الإنسان الذي لا يحيا وهو يفتِّش في أوعيته عن لقمةٍ تقرِّبه مِنَ الله يحيا بها آمِلاً أن توصِلَه إلى مقام رمضان في الزمن لتقيم صلبه في إقامة فرض الصيام بعهد الله وشرطه ليس إنساناً ولا حيواناً ولا غافلاً فقط بل شيطانٌ في صورة إنسان. إنسانُ الصيام “… إِيمَانًا…” هو الذي يفرح مرتين وله تكون فرحته الأولى؛ فرحةُ فِطره عيدٌ يتكرر فرحه في كلِّ صيامِ شهر الصوم الذي يسمى بنتيجة شهادة فِعله “… إِيمَانًا…”. سرور العبد المؤمن بمغفرة ذنوبه مِن عام إلى عام هو عيد الدنيا المتكرر الذي يعود بسرور عائد في كل عام مع كلِّ صيام الشهر وهو في حياة الطاعة لله، وهو عيد الآخرة الدائم. الصائمُ بالمغفرة هو الذي يبشِّره الرسول صلى الله عليه وسلم بالفرحتين: “للصائم فرحتان فرحة عند إفطاره وفرحة عند لقاء ربه” أخرجاه من حديث أبي هريرة. سرور العيد أو السرور العائد ليس سرور الفعل كما يتراءى، وليس سرور الحدث، ولا سرور الزيادة مِن أجرِ الطاعات. كل هذا ليس مرجعاً للسرور إلا بطريقة الإيهام في حالة جهل سبب السرور كما هو شائع اليوم بين المسلمين حتى لا تنهار النفس المؤمنة في غياب فهم معادلة الربط بين السرور ومرجعيته. السرور العائد ليس من تكرار فعل الصيام بل مِن مرجعية فكر الصيام، وسرور العيد ليس مِن فعل الإفطار بانتهاء الصيام بل مِن غاية فكر الصيام. فالسرور ليس مِن الفعل بل مِن فكر الفعل ولهذا سرور العيد هو سرور العقل لأنه سرور العيش بفكر العيد قبل وقوعه وسرور العهد بالعيش بفكره بعد تحقيق إنجازه.

فرحُ الإفطار هو في الدنيا فرحُ الإنجاز الأكبر لأن فرحَ الدنيا الموصول بفرحِ الآخِرةِ هو الفرح الدائم ولا شيء مِنَ الفرحِ يعلو على الفرح الدائم، فهو الفرحُ الأكبر. فرحُ الصائم ليس فرح انتهاء الصيام فهذا فرحُ الأطفال في سنِّ دون البلوغ الفكري، وفرحُ الغافِلِ عن العيش بحقائق سبب وجوده، الغافِلِ عن التزام فكر سبب وجوده، السفيه الذي يحيا ويموت ولم يتعرَّف إلى لماذا يحيا ويموت. فرح الفطر هو فرحُ تحقيق هدفٍ وفرحُ بدايةِ انطلاقةٍ جديدةٍ لتحقيق هدفٍ تالٍ لأنَّ حياة المؤمِن هي حياة بسعيٍ دائمٍ لتحقيق هدفٍ بعدَ هدفٍ في طاعة الله. ولا قيمة لشيء في حياة المؤمن لا يكون له فيه نصيب مِن تحقيقِ ثوابٍ جديدٍ به مِنَ الله أو أنَّ الله لا يعد على إنجازه ثواباً يُضافُ في كيسٍ محفوظٍ إلى جانبِ أكياسه الأخرى. إلا أنَّ فرحَ صيام رمضان فرحاً أكبرَ مِن أفراح المؤمِن في إنجازاته الأخرى كفرحِهِ في صدق الشهادة ونقاء السريرة، وفرحِهِ في كرمه ومروءته، وشهامته واستغنائه، وفرحه في تعفّفِه وحشمته، وفي صبره وحِلْمه، وفي وفائه وطهارته مِنَ الغيبة والنميمة، والدسيسة والوقيعة، وفرحهِ أنْ هداه الله بتوحيد الطاعة لله، وأن الشرك هو إشراك في الألوهية وفي الطاعة وفي التوجه بالسؤال، وفرحه بالصلاة خمساً في اليوم، والزكاة مرةً في العام، وفي جهاده، وسعيه في رزقه، ورعاية أهله وبرِّه وصلة رحمه والمسلمين، وفرحه بما لا يُعَدُّ مِن أمور تدبير شؤون الحياة بالتزام حكم الله فيها جميعاً لتكون حياته حياة العبادةِ الموصوفة في القرآن الكريم. “…فرحة عند إفطاره…” هي فرحة الفوز في نعيم الحياة، و “… وفرحة عند لقاء ربه” هي فرحة الفوز في نعيم الخلود في رضوان الله؛ بشارةٌ مِن الله ورسوله للصائم الذي يكون صيامه من طريقة الإيمان الذي تحيا به نفسه بشرع الله قبل رمضان وفيه وحتى رمضان التالي.

الله جعلَ مناسبةَ فرحِ الدنيا الأكبر هو يوم الاحتفال بحياة الإنسان على الأرض بنظام الفرح الدائم دوام وجوده، وقد سطَّرَ الله أنَّ للمؤمنين الذين يحيون بشرع الله عيدين للفرح؛ مرتان يتكرر بهما السرور العائد والسرور العائم في كلِّ سنة فقط لا غير، نصَّ عليهما حديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم بقوله: « شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ رَمَضَان وَذُو الْحِجَّة ». ننتقل مِن السرور الباقي بشرط الحياة بفكر عيد الفطر لاستكمال فرح الحياة بالعيش بفكر عيد الأضحى أو عيدِ ??ذي الحِجَّة?? كما سماه الرسول عليه وآله الصلاة والسلام وكما فهمناه: عيد ذي الحجة السرور العائم.**

**أما “…واحتساباً” فهي وإن كانت في النص تُلازم وترافِقُ عمل الإيمان فهي هنا في موقع الشرط للإيمان الذي يفرض التلازم بين “…إِيمَانًا” و “…وَاحْتِسَابًا”. حتى نقف على معنى “…واحتساباً” هنا لا بدَّ من أن نحدِّد مَنْ هو الذي يحتسب: الله أم العبد المؤمن الذي يصوم “إيماناً…”، قطعاً لا لبس فيه بعد أن أدركنا أن “…واحتساباً” هي تلازم “إيماناً…” وهي شرطٌ لها يكون عمل “…واحتساباً” مسئوليةَ الصائمِ “إيماناً…” الذي عليه أن يعرف كيف يحتسب صيامه عند الله. الاحتساب هو مِنَ الحساب وهو فِعل تسجيل الدين أو الحصص، فالصوم للإيمان أو “إيماناً…” لله هو بذاته فِعلٌ مِنَ الصائم يقوم به عن وعي تامٍ كاملٍ أنه إنما يفعل ذلك (الصيام) ليكون رصيداً له عند الله والرصيد غير الدين وغير القرض الذي جاء في القرآن الكريم. هكذا صائمُ “إيماناً واحتساباً” يعرف قبل صيامه معنى الصيام “إيماناً…” لأنه لا يمكنه عقلاً ولا نفساً أن يحتسب صيامه بنظام الاحتساب بدون ثقافة الصيام “إيماناً…”. ثقافة الاحتساب هي مِن ثقافة الإيمان في عقيدة هذا الفكر وفي طريقته وفي غايته، فمن يحتسب بدون ثقافة “إيماناً…” فهو فرْخُ شيطان، ومَنْ يَصُمْ “إيماناً…” بدون إكماله ب “…واحتساباً” لم يصم رمضان “إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا” وليس مِن أهل « مَنْ صَامَ رَمَضَان إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه ». وبالتأكيد هو ليس صاحب “جُنَّةٌ” التي هي وِقاءٌ مِن كلِّ خبثٍ وخبيث، ومِن كلٍّ معصيةٍ وزَلَلْ، ومِن كلِّ عذابٍ ونارٍ مِنَ العزيز الجبار. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “الصِّيَامُ جُنَّةٌ” وفي “…جُنَّةٌ” يكمن كشف ستر “… إِلَّا الصِّيَامَ هُوَ لِي” ويكمن كشف ستر “إيماناً واحتساباً”. “…جُنَّةٌ” هي ما يُتَّقى به؛ سواء أكان الدرع في المبارزة أو السترة الواقية للجسد، أو الستر بالقماش مما يخفي ما وراءه، أو الدعاء إلى الله والتعوذ مِنَ الشيطان بما أجازه الله، أو التقوى التي تحفظ العقل واللسان مِنَ الزلل والسفه، أو التعويذة التي أكرمنا الله بها لحفظ النفس، وغيرها. وصف رمضان أنه “…جُنَّةٌ” هو الدرع الذي أجازه الله بالصيام نسيجاً أسماه سبحانه “إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا” يلتفُّ به المؤمِن أمام الله سبحانه يوم الحساب حتى لا تظهر منه عورة في كَلِمٍ أو على جارحةٍ ولا في عقلٍ أو نفسٍ. “…جُنَّةٌ” جلبابٌ يحيكه الفرد مِن التقوى وما الصيام إلا الخيط الذي يلمُّ أدنى الثوب بأعلاه فيجعل مِن المؤمِن وثوبه هذا لَمَّةً واحدة لا يُفرَقُ فيه العظمُ مِن الرَّخْوِ. هذا المعنى لصيام رمضان “إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا”، ومعنى “الصِّيَامُ جُنَّةٌ” هو الذي يفسِّر لماذا قال الله فيه “إِلَّا الصِّيَامَ هُوَ لِي…” والله أعلم.

يثبِتُ ما تقدَّمَ مِن فهمٍ لقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( قَالَ اللَّه تَعَالَى: كُلّ عَمَلِ اِبْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ هُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ) ولقوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « مَنْ صَامَ رَمَضَان إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه ». بشارة الرسول عليه الصلاة والسلام: « للصائم فرحتان فرحة عند إفطاره وفرحة عند لقاء ربه ». أخرجاه من حديث ابي هريرة. موطنُ هذا الإثبات هو في لماذا يفرح المؤمِنُ بفطره وقد كان في نعيم الصيام، ولماذا يفرح عند لقاء ربه وهو في جلباب صومه.

الفرح هو فرحُ الإنجاز، فرحُ الفوز بأمرٍ يعجز عنه كثير، فرحُ تحقيق غايةٍ عزيزة في حياة الفرد، مقياس الفرح هو في نوع طبيعة الإنجاز أولاً، وهو في عمل الإنجاز ثانياً، وهو في غايته ثالثاً. ?مقياس الفرح هو في? يعني مِِِن، عليه يتكون الفرح مِن طبيعة الإنجاز أي هل هو في أمرٍ مِن أمور الحياة أم هو في أساس أمور الحياة؟ وهو في عمل الإنجاز أي هل هو بطريقة الحياة التي هي طريقة الفكر الذي ينبثق عن عقيدة الحياة التي هي قاعدة أفكار الفرد؟ وهو في غايته أي هل غاية الإنجاز هي في إشباع رغبة أم في تحقيق نتيجةٍ لقضاء حاجةٍ في زمنٍ أو ظرفٍ أم أنها غاية فكرٍ تبقى في الحياة مع بقاء هذه القناعة بفكر الغاية وإذا مات عليه تنتقل معه مسئولية القناعة به إلى ما يكون عليه مصيره في الموت؟

فرحة الصائم في إفطاره هي فرحة انتهاء دهرٍ مِن التزام أحكام الله، ونجاحه في إثبات الطاعة بشهادة رمضان عليه في آخِرِ إنجازات ذلك الدهر، وفوزه بتواصل برهان الزمن الغابر في برهان الحاضر برهان الصيام على بلوغ غاية الحياة في سعيه لنوال رضوان الله. فرحة الصائم بفطره ليس بانتهاء فرض الصيام بل باهتدائه إلى الصيام “إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا” واهتدائه إلى السعي لجائزة “… غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه” في هذه الدنيا قبل الآخِرة. فالفرح يكون بإنجاز الحياة أولاً وإلا كيف يمكن وصفه فرحاً؟ والفرح في إنجاز الأمر الصغير كما في إنجاز أمر الحياة الأهم لأنه يتعلق بالإنجاز لكنه يتفاوت بحسب بعده أو قربه مِن تحقيق سبب الوجود في الحياة. الإنجاز الذي يستحق أن يسمى إنجاز الحياة هو الإنجاز الذي يتوافق مع سبب الوجود وبرهان ذلك هو برهان العمل في الطاعة. الصيام هنا هو الطاعة وبرهان العمل هنا هو برهان الصيام بشرط “إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا”، برهان العمل في الطاعة هو الذي يفرض توافق غاية العمل مع غاية الوجود. هذا التوافق هو الذي يجعل الإنجاز في جنسه أنه أكبر إنجازات الحياة وهو الذي يستحضر وعد الله “… غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه”. لذلك إنجاز الصيام بذاته ليس هو المكوِّنَ الوحيد لإنجاز بل حالة الوصول إلى زمن هذا الاستحقاق أولاً، والقيام بمسئولياته وكيفيته ثانياً، والوعي على ارتباط غايته بغاية سبب الوجود ثالثاً هو الذي يجعل الصيام إنجازاً يستحق القائم به تحقيق وعد الله “… غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه” فيه أو له. أعظم إنجاز الحياة هو مناسبة أعظم أفراح الحياة، أعظم أفراح الحياة لا يقع إلا بعد أعظم إنجازاتها، هذا الإنجاز هو استحقاق سنوي طوال عمر الفرد، وإنجازه هو سبب الفرح السنوي باستحقاقه؛ فرحه فرحٌ عائد، وسروره عيدٌ بمعنى يعود ويعود ويعود طوال الحياة؛ هو العيد، عيد السنة كل سنةٍ مِن عمر المؤمن، هو السرور العائد الذي يرتبط بالإنجاز في كل مرة. لا يشعر بفرح الإنجاز إلا صاحب الإنجاز، المتفرِّجون يفرحون بالتفرج على صاحب الإنجاز يتمنون أن يكونوا مثله لكنهم هم المنافقون الذين ينافقون على أنفسهم أنهم يتمنون أن يكونوا أصحاب الإنجاز. جلودهم ستشهد على نفاقهم لأنهم يتمنون بدون عزيمة العمل التي يفرضها الإيمان وقودَ عمل الإنجاز، يتمنون إنجاز التقوى بدون عمل التقوى! ويلكم كيف تقدِّرون؟ وكيف تبتسمون؟ وكيف تشاركون فرحة المؤمنين وقد رفضتم عمل الإنجاز الكبير في الحياة؟ ويلكم كيف تعيشون وأنتم تتقاعسون عن العمل بما ينقذكم في الدنيا والآخرة، وتتركون طاعة الله في السر كما في العلن، وتقعدون عن العمل لإقامة حكم الله بين الناس، وأنتم تدَّعون أنكم تفرحون بفرحة الفطر؟ النفاق الذي يجعل الصيام جوعاً وعطشاً ويحرم صائمه مِنْ ثواب صيامه هو أن تقول ما لا تفعل، وأن تفعل ما تريد لا ما يريده شرع الله، وأن تطيع الله في أمرٍ وتعصيه في آخر، وأن تجعل هواكَ حَكَماً في تفسير شرع الله بديل دليل الشرع على تفسيره، وأن تطيع الله وتحبَّ مَن هو عدوٌّ لله، أو كافرٌ به، أو منافِقٌ في دينه وعلى المؤمنين، وأن تجعل صيامك عبادةً منفصلة عن طريقة عيشك، وأن يكون سبب صيامك غيره عن سبب الحياة الذي تعتقده أو تمارسه، وأن يكون الصيام ينشأ عن غريزة التدين لا عن فكر عقيدة الحياة التي بها يكون نظام إشباع غريزة التدين وغيرها من الغرائز بنظامٍ واحد، وأن يكون الصيام سبباً في استهلاك طاقة التدين تنطفىء به في مجالات الحياة فلا يكون لها دور في غياب فكر حيوية طاقتها الذي ينشأ عن العيش بفكر عقيدة الحياة.**

**عيشُ شهرِ رمضانَ إيماناً واحتساباً لله هو الذي يجعل حياة المؤمِن حياةً في جنةِ الأرض قبل جنّةِ الخلد، فالمؤمن لا يطمع بدخول الجنَّة إلا برحمةٍ مِن ربِّه الله الذي لا معبودَ (مُطاع) إلا هو. شرط التعبُّد هو توحيدُ الله بالطاعة فإذا أدرك المؤمن هذا الشرط لدخول الجنَّة يدرك شرط الصيام « إيماناً واحتسابا » أنه الصوم الخالص لله، الصوم الذي تتخلَّص به النفس مِن العمل لتحقيق نتيجةٍ، أو مِن شرط العمل بكيفيةٍ تحقِّقُ غايةً، أو مِن حاجةٍ إلى تجييش طاقةٍ للقيام بعمل، أو مِن وجوب العمل لإشباع رغبةٍ، أو حتى مِن التفكير بقصدٍ مِن عمل. النفسُ التي تصوم « إيماناً واحتساباً » هي النفس التي تحيا بطَفَحِ الرضا بمجرَّدِ العيش لعبادة الله بالصيام والدعاء والتعبُّدِ والتفكُّر تنسى التدبُّر الذي يقوم بشأنها ولا يعينها على تدبُّرِ شرط «غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه ». محور حياة النفس المطمئنة في الحياة هو استحقاق غفران الله فكيف بمحور شهرٍ خصَّهُ الله بشرطٍ جعل قدرات تحقيقه في نفس كلِّ فرد! لا يفترق عمل المؤمن في شهر رمضان عن عمله بالإسلام في غير رمضان إلا في أنَّه في رمضان عمله يكون تاجَ أعمال حياته. “إيماناً…” في الحديث هنا لا تعني أنه كان غير مؤمنٍ وأصبح مؤمناً بهلِّ رمضان عليه، ولا تعني معنى كلمة الإيمان بأنها التزام شرع الله بأنَّ مَن صام هذا الشهر التزاماً بأمر الله “عُفِرَ له…” ولا أمثال هذه المعاني والممارسات التي يفرضها معنى الإيمان هي التي تنطبق على “إيماناً…” في هذا المقام لأنها جميعها تنطبق على كافة أصناف الصائمين ومنهم “كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش”. “إيماناً…” هنا هي إيمان خاص بمن يعمل عملاً خاصاً غير أعمال بقية الصائمين، جميع الصائمين يمتنعون عن الطعام والشراب ويقيمون الصلاة ويقومون بأعمال كثيرة هي مِن ثقافة الصيام في شهر رمضان ويسعون للمزيد مِن الثواب والمغفرة بقلوب خاشعة. الصيامُ “إيماناً…” في شهر رمضان يشمل صيام الناس الذي نعرفه ونقوم به كلنا ويشمل أمراً آخَرَ يحتاج التعرف إليه إعمال العقل.

حديث: « مَنْ صَامَ رَمَضَان إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه ». موضوعه مقدار مغفرته وثوابه، لذلك الثواب الاستثنائي هنا هو الضوء الذي يدل على فهم كيفيته “إيماناً واحتساباً” وليس العكس أي “إيماناً واحتساباً” هي التي تفسِّر “… غُفِرَ لَهُ..”. الثواب الاستثنائي يفرض أن نفهم معنى الإيمان هنا بالمعنى الذي يتوافق مع الثواب الاستثنائي وليس مع الثواب العادي الذي يعِدُ الله به على كلِّ عملٍ بإيمان، وإلا لحصل الاضطراب بالفهم واستحال الفهم الواضح جراء ربط بين أصلين مختلفين بينما الأصل أن الفهم لا يجري إلا في مترابطين في الموضوع. ربط الغفران الاستثنائي بالإيمان الذي يكون مِن جنسه هو في التعامل مع “إيماناً…” هنا بواقِعِ أنها تتعلق ببرهان الإيمان وليس بمعناها المطلق من مثل التصديق أو الالتزام. أي بفهمٍ ليكون الثواب هو في عملٍ يشتمل برهانه العملي علانيةً غير مدحوضةً. لذلك “إيماناً…” هنا هي عمل الإيمان الذي هو هنا الصيام ببرهان الإيمان الذي هو هنا التزام أحكامه التي فرضها الله علانيةً لأنَّ الصيام لا يخفى على الناس التزام أحكامه التي هي غير الامتناع عن الطعام والشراب. هو الصيام الذي يكون تصديق الله بقوله “عُفِرَ له…” قاطعاً، والصيام الذي يلتزم شرط قبول الله له، والصيام الذي يقوم بما فَرَضَهُ الله فيه، وهو الصيام الذي يدَّخِره المؤمن لموته وبعثه، وهو الصوم الذي يؤديه المؤمن وهو يعلم أنَّ الله جعله بشرط القرض الحسن الذي يوفّيه الله إنطلاقاً مِنَ عشرة أضعاف ثواب العمل إلى ما لا يستوعبه عقلٌ أو قلم. هذا الذي يجعل في كلمة “إيماناً…” أنها التزام الصيام بطريقة الشهادة على الفعل بالتزام برهانه حين إشهاره، وهو ما يجعل الصيام بهذا المعنى: شهادة الفِعل على إيمان المؤمن. هذا في “إيماناً…” التي ينصهر فيها برهان الفعل مع الفِعل وهو أمر لا يمكن أن يتحقَّق إلا بنظام يؤدي حتماً إلى ما تكفَّلَ الله به مَِن نتيجةٍ هي “غُفِرَ له…”. برهان الفِعل هو انصهار قكرِ العمل بطريقته وهو ما يجعل نتيجة البرهان في انصهاره نتيجةً حتميةً في النظام وإن كانت النتيجة كما نفهمها بظاهرها تتعلق برحمة الله. “عُفِرَ له…” وإن كانت لا تقع إلا برحمةٍ خاصةٍ مِنَ الله إلا أنها تقع بنظامٍ خاص هو مِن فكر الهداية التي يهدي الله إليه، وليس أنها تقع كمعجزةٍ بنظامٍ خارق، المغفرة الموعودة تقع بنظامٍ هو بذاته نظامُ رحمةٍ، ونظامٌ تتنزَلُ به رحمة الله، بمتناول جميع البشر الذين يقررون العيش بنظام الله وأحكام الوصول إلى نعيم نظام رحمته. المؤمن يدخل الجنَّةَ بعمله الذي يستحق رحمةَ الذي خَلَقَهُ وخَلَقَ الجنةَ له، والثواب ككلِّ شيءٍ في هذه الحياة يؤخَذُ بحقِّه مِن إخلاصِ جهدٍ أو قول. ليس في الأمر سحرٌ أو تصعيب أو تعقيد أو أفخاخ أو ألغاز أو تعجيز، عذاب الآخرة حق ونعيمها حق وكل حقٍّ له عمل وعليه برهان، وله فكر وكيفية، وله نتيجة وغاية. لذلك المؤمن الموصوف في حديث “مَنْ صَامَ رَمَضَان إِيمَانًا…” هو الصائم الذي يعي وعياً واضحاً مطلقاً أنه يصوم ليقدم البرهان على إيمانه وليس إيمان الامتثال لفرض الامتناع عن الشراب والطعام بل لغاية غير النتيجة في واقع الامتناع عن الشراب والطعام. على هذا البرهان يستحق الصائم الغفران عن سابق ذنوبه لأن هذا البرهان هو برهان على طبيعة ذنوبه السابقة أنها مِن طبيعةِ اضطرابٍ في طبيعته البشرية لا مِن اضطرابٍ لقراره بالتزام طاعة الله. المؤمن ليس الفرد الذي يقرر طاعة الله في رمضان بعدَ أن يكون قد عصاه قبل رمضان، حتى لو أنه قرَّرَ التوبة في رمضان هذا، فهذا الحديث لا يشمله لأنه يعود إلى الإيمان بنظام التوبة وهو غير نظام “مَنْ صَامَ رَمَضَان إِيمَانًا…” وهكذا يكون ثوابه أيضاً بنظام حساب التوبة لا بنظام حساب “مَنْ صَامَ رَمَضَان إِيمَانًا…” الذي يكمن ثوابه في برهانه لا في فِعله مستقلاً. إثبات برهان الإيمان في شهر رمضان هو إشهار المؤمن بين الملائكة أن الله قد غفر ذنوب فلان ابن فلان في ما خلا مِنَ الزمن، هو أسمى غايات الإنسان في الحياة لأنه لا يستطيع الإتيان بهذا البرهان وفي نفسه تردُّد أو ريبةٌ أو بقيةٌ مِن طبيعةٍ تتكاسل أو تمل أو تقعد عن الكدح في طاعة الله. وهذا البرهان لا يستطيع الإنسان أن يجمع شتاته، أو أن يجمع عناصره، أو أن يتعهَّدَهُ بما يتعهَّد به شؤوون حياته، لأنه عمل قناعةٍ ونتيجتها بممارَسَتها؛ إنها نتيجةُ طبيعةِ فِكر. فِعل الصيام ليس فِعلاً منفصلاً عن أفعال الإيمان، وكذا فرضه ليس مستقلاً عن بقية فروض الإسلام، الإيمان هو إيمان بفكر الإسلام الذي هو فِكرٌ جامعٌ لقضايا الحياة شاملٌ لشؤون الإنسان. صوم رمضان يستحيل أن يكون صومَ “إيماناً واحتساباً” إن لم يكن استمراراً في حياةٍ بالإيمان بكل أمورها، وارتداداً لعيشٍ بطاعة الله في كل أمر، وتتويجاً للوعي الدائم على الفروض والمحرَّمات في دين الله. فمن جاء يصوم رمضان مِن غير البيئة التي يفرضها التزام حكم الله في تدبير شؤونها يستحيل عليه أن يجعل الصوم شاهداً على التزامه أحكام الله في ما قبل رمضان. ويستحيل عليه أن يجعل صيامه تاجاً يتوِّجُ الله به إيمانه في الزمن الذي انقضى مِن عمره إذا لم يكن هذا الصيام في هذا الشهر هو عملاً نهائياً في مسيرة الإيمان السنوية. حتى يكون صيام رمضان مِن كلِّ عام علامةَ كمال إيمان الفرد يلزم العلامة أن تكون على واقع، فإن لم يتوافر واقع العلامة فكيف يكون الصيام علامةً في الطريق التي لم يشقها ويعبِّدها عمل الإيمان! صومُ “…إيماناً…” هو صوم كمال الإيمان وليس بدايته ولا شيئاً منه، ولا نهايته بل كلها مجتمعةٌ فهو شيء منه وبدايته ونهايته لأنها جميعها في الإيمان؛ الصيام من الإيمان، ومنه بداية عام جديد في الإيمان، وهو نهاية حياة سبقت في الإيمان. صومُ “…إيماناً…” هو برهان العبد على أن صومه مِن مسيرة حياةٍ في الإيمان كانت قبل رمضان، وعهدٌ على استمراره بالعيش في نظام الإسلام بقية حياته؛ إيمان العبد؛ التزام أحكام الله لا ينتهي بالصيام ولا يبدأ منه، فالصيام حكمٌ مِن أحكام مسيرة حياةٍ بطاعة الله، ومَن لا يكون صيامه مِن مسيرة حياته بالطاعة والتسليم لله لا يكون صيامه صومَ “…إيماناً…” بل صوم « كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش ».**

قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « قَالَ اللَّه تَعَالَى: كُلّ عَمَلِ اِبْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ هُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ». 1942 مسلم. جاء في معناه في شرح النووي: اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَاهُ مَعَ كَوْن جَمِيع الطَّاعَات لِلَّهِ تَعَالَى، فَقِيلَ: سَبَب إِضَافَتِهِ إِلَى اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ لَمْ يُعْبَدْ أَحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ، فَلَمْ يُعَظِّم الْكُفَّارُ فِي عَصْرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ مَعْبُودًا لَهُمْ بِالصِّيَامِ… وَقِيلَ: لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلصَّائِمِ وَنَفْسه فِيهِ حَظٌّ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ… وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: أَنَا الْمُنْفَرِدُ بِعِلْمِ مِقْدَار ثَوَابه أَوْ تَضْعِيف حَسَنَاته… وَقِيلَ: هِيَ إِضَافَة تَشْرِيف، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {نَاقَة اللَّه} مَعَ أَنَّ الْعَالَم كُلّه لِلَّهِ تَعَالَى. انتهى. هذه كلها وغيرها مما ورد ولم ننقله معانٍ ليست مِن معنى النص بل مما يؤدي إليه تفسير معنى النص وهو ما نفعله لفهم النص بغياب واقع معناه. لذلك لا بد مِن الوقوف لمعرفة معنى النص هنا ومن بعد القبول بما يدل عليه المعنى أو ما يشتمل عليه في طيات موجباته. قول رسول الله كلاماً مقروناً مقترناً مقطعاً واحداً لا يمكن فصله إلى مقطعين أو ثلاثة: عن الله يقول: « كُلّ عَمَلِ اِبْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ هُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ». لا يمكن أن نفهم معنى هذا النص إلا مِن خلال العلم المؤكَّد أن الأصل في الأعمال أنها كلها لله بسبب قاعدتها الشرعية التي تصدر عنها الأعمال التي تنص: “الأصل في الأعمال التزام شرع الله”، وأيضاً من خلال العلم المؤكَّد أنَّ الله يجزي على كلِّ الأعمال ولا أحد غيره حتى نفهم معنى الاستثناء هنا الذي بدوره يحتاج فهمه إلى قرينةٍ تفسِّر الاستثناء وليس النص لأن الاستثناء يقترن بالنص وليس ينفصل عنه أي لا يجوز فهم النص بفصله عن الاستثناء الذي ورد فيه لأن هذا الفصل يمنع العقل مِن المعطيات الكاملة لواقع معنى النص؛ أيّ نص يحتاج فهمه إلى تحديد معطياته الكاملة وأي نقصانٍ بها يمنع العقل ِمنَ الفهم الكامل للموضوع بل يفرض عليه استبدال ما يؤدي إليه تفسير واقع المعنى بما لا يقوم الواقع إلا به. الفكر صورة ذهنية لواقعٍ يفرض النص، النص هو الرسم البياني لواقع الفكر، الواقع هو معنى الفكر؛ الفكر يفرض النص، النص يفرض الواقع، الواقع يحدِّد معنى الفكر؛ هذه كلها معطى موحَّد في كلِّ عملية فهم لا يمكن تفكيكها في حال صعوبة إجراء عملية الفهم لأن تفكيكها يمنع العقل مِن فهمِ الفكر بصياغته. المعطى الفكري غير عنصر الفكر؛ معطى الفكر هو الفكر بنصِّه وواقعه، عنصر الفكر هو عاملٌ في التفكير؛ كلٌّ منهما مستقل لا علاقة بينهما ولا يجتمعان إلا بعملية التفكير. لذلك لا بد مِن عدم الخلط بين معطى الفكر وعنصر الفكر لأن دور كل منهما غيره عن الآخر في عملية التفكير فأي خلطٍ أو عدم فصلٍ في أساسهما ودورهما يؤدي إلى استبدالٍ في الأدوار يُنتِِجُ ارتباكاً في الفهم يصعب اكتشاف مصدره أو سببه. فهم الفكر هو التعرف إلى واقعه فقط بدون الانزلاق إلى فهم مشتقاته أو ما يؤدي إليه أو ما لا بدَّ له من أن يلتصق به أو يتكامل به، كل ذلك عملية لاحقة حسب الحاجة لأنه يتعلق بخصوبة الفكر وليس بواقعه الذي هو الأصل الذي يُرجَع إليه في كل حين لإعادة رسم خطِّ استقامة الفهم. بدون هذا الحرص لا يمكن حفظ مرجعية الخطأ والصواب في فهم المواضيع التي تتعاقب في اتصالها بالواقع الأصل للموضوع الواحد. حفظ هذه المرجعية يكون بالوعي الدائم على دقة الربط بين المسألة وواقع فكرها الذي نشأ عن وِحدَةِ المعطى أساساً وابتداءً. الفصل بين المعطى والعنصر يجب أن يكون في ثقافة فهم التفكير ليكون وضوحه طبيعياً في عملية الفهم لأنه لا يمكن التنبه إليه في عملية الفهم للحفاظ على الدور المتفرِّد كما يلزم في عملية الفهم. هذا الفصل لا يمكن أن يحصل في عملية الفهم بإجراءٍ عقلي مستقل لأنه ليس مما يتوقف عنده العقل لإجراء الفهم بل هو مِن وضوح إجراءات الفهم وأنظمته وليس مِن عناصر الفهم التي يلزم توقف العقل عند كلٍّ منها. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ صَامَ رَمَضَان إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه” هو الإطار لواقع هذا النص أولاً وهو القرينة التي تربط الاستثناء بواقع معنى هذا النص ثانياً وهو الذي يُبقي الفهم ضمن قاعدة “الأصل في الأعمال اِلتزام شرع الله” ثالثاً. غفران الذنوب هنا لا يجري بقاعدة الحساب على الأعمال وهي لائحة الحسنات والسيئات أولاً، ولائحة الخبائث ثانياً، ولائحة الكبائر ثالثاً، وهكذا إلى اللمم وما يمحوه. يقول: «..غُفِرَ له ما تقدَّم مِن ذنبه » أي بدون الرجوع إلى القاعدة التي تحكم الأعمال وهي “الأصل في الأعمال اِلتزام شرع الله” وهو ما لا يمكن قول العقل به إلا في حال استثناء الله العلي القدير لهذا الإجراء في مقام مخصوص يشترط له سبحانه شرطه ليوقِعَ هذا الاستثناء وهو هنا قوله سبحانه بالوحي إلى رسوله: « “مَنْ صَامَ رَمَضَان إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا… » لذلك غفران الذنب هنا بطريقة الاستثناء لا يستطيع العقل أن يبحثه إلا بشرط هذا الاستثناء وليس بكيفيته، ولا بإمكانيته، ولا بما يؤدي إليه بل بواقعه فقط وهو واقع النص الذي ورد فيه: قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( قَالَ اللَّه تَعَالَى: كُلّ عَمَلِ اِبْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ هُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ). واقع هذا النص أن الذي يؤدي الصيام بحقه الذي هو هنا “إيماناً واحتسابا” يبدأ حياة جديدة تبدأ مِن طهارةٍ شاملة ليس فيها خبثُ ولا دنسٌ ولا غِشٌّ في عقلٍ أو نفسٍ أو قول. ولو مات على هذه الحال فهو مِن أهل الجنة وهو مِنَ المبَّشرين بالجنة قبل موته وإن لم يجرِ عليه التخصيص بالاسم. هذا الواقع لشهر رمضان هو الذي يجعله أهمَّ زمنٍ في العام مِن كلِّ عام، وصيامه أهمَّ حَدَثٍ في حياة الإنسان كلَّ عام، لأنه في واقعه أنه فترة التطهُّرِ الفكري والنفسي والجسدي استعداداً لدخول الجنَّةِ الأبدية؛ واقع عمله أنه عمل إعادة صياغة النفس لتلقى الله، وهي في الحياة نقيةٌ مِن كلِّ ريبةٍ وضغينة تشتغل بتسبيح ?الحمد لله الذي أخرجَ من نفسي خبثها?. العيش بواقع الصيام « إيماناً واحتسابا » وليس في واقعه « جوع وعطش » كما جاء في الحديث الشريف: « كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش ». النسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة، وحديث: « مَنْ لَمْ يَدَع قَوْل الزُّور وَالْعَمَل بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَة فِي أَنْ يَدَع طَعَامه وَشَرَابه” » هو الذي يجعل عمل هذا الشهر أهمّ عملٍ في وجودِ الإنسان الذي لا يموت شهيداً لإعلاء كلمة لا إله إلا الله بطريقة العمل لتطبيق أحكام الله في الأرض. وهو ما يجعل هذا الشهر أهمّ شهرٍ في عمرِ كلِّ فردٍ إنسانٍ لأنه أهمُّ شهرٍ في تاريخ الإنسانية فكل مَنْ يعتقد أنه إنسان تفرض عليه إنسانيته البحث عن سببِ أنَّ هذا الشهر هو أهمُّ شهرٍ في زمنِ وجوده، وأنَّ عَمَلَ هذا الشهر هو أهمُّ أعمال حياته. وإن لم يقم بهذا الواجب فهو البرهان على كذبه أنه يعتقد إنه إنسان لأنه الغافل الذي يغفل عن شرط إنسانيته. ولا يتذكَّر أنه إنسان إلا للتوازن في مشيته وهندمته لذاته للتشبه بنا نحن الذين نحرص على عدم الوقوع في الغفلة عن حقيقتنا في عبورنا الحياتي على الأرض. حاجةُ الغافِلِ عن فكرِ إنسانيته للتشبه بالبشر حتى يبقى مرتبطاً شعورياً بواقعه، إذا غاب عن اصطناع هذا الارتباط بالتشبه في غياب فكر الإنسان يتحتَّم عليه أن ينتحر لأنه يشعر أنه يعيش في واقعٍ لا ينتمي إليه إلا بالتدجيل والإكراه والفصل بين عقله ونفسه وهو حالة الجنون العملية التي يعيش بها الفرد الغافل عن شرط الإنسان فيه. هذا هو السبب الرئيس الذي يفرض على الكافِر الادعاء المستمر بكذبه العلني يومياً إنه يعمل كذا لدواعٍ إنسانية، وإنه يتمسَّك بالقِيَمِ الإنسانية، ويدعو غيره للحرص عليها. حتى غدا هذا النفاق ضرورةً في فلسفة الحكم بالكفر وهو الحكم بغير ما أنزلَ الله سبحانه وتعالى، وضرورةً لكلِّ منافِقٍ يصدَحُ بآراءِ الكفر في تضليل بني قومه. ومنهم الإنسانيون “الإسلاميون” شيوخ نفاقِ هذا العصر يعلنون إنهم إنسانيون! وأنَّ دينهم “الإسلام” هو دينٌ إنساني يتساوى مع “إنسانية” الديمقراطية! وإنسانية ناس نفاقها! إيمانهم يكرِّسُ “إنسانية الديمقراطية” ليبرروا قولهم إن الإسلام هو دين الديمقراطية لتخليط أفكار الإيمان بغيرها مِن أفكارِ غير الإسلام. حتى يحيا المسلمون بفكرِ كفرٍ وفكرِ إيمانٍ فيحيون بالكفر ويموتون عليه بدون درايةٍ منهم بفضلِ براعة نفاق “الإسلاميين” تارةً في تركيا ومرة في تونس وأخرى في مصر حتى يعمَّ تضليل المسلمين في بقاع أرضهم ويقتنعوا بأن العيش بحكم غير الإسلام هو كالعيش بحكم الإسلام فكلاهما “إنساني”!

**يقولون إن فكر الحاجة ينبع مِن قعرٍ إنساني؛ الإنسان المذنب يشعر بارتكابه ذنباً ولذلك يحتاج إلى طلب المغفرة ولأنه لا يجد في معتَقَدِهِ غير الصنم يطلبه منه ولأن الصنم لا يستطيع النطق فإنَّهم يستنتجون أنَّ المغفرة تقع بمجرَّد طلبها من الصنم أو من كاهنه لأن كتاب الكاهن يقول لهم ذلك. ليس في فلسفتهم الفكرية فكرَ التفريق بين فكر الحاجة والإحساس بالحاجة علماً أنَّ الإحساس هو مِنَ الغريزة أو الفطرة أي أنه طبيعةً في الإنسان بينما الفكر يكتسبه الإنسان بنظامٍ مخلوق في طبيعة الإنسان، ورغمَ أنَّ التفريق بين الاثنين هو أيضاً فطريٌّ في الإنسان الطبيعي. تعريف الإنسان الطبيعي هو الذي يكون على طبيعته، الإنسان لا يتخلى عن طبيعته وهو يعي على ذلك لأن نظام الالتحام بين فكره وإحساسه هو أيضاً في طبيعته مِنَ الله، لكن إذا كانت ثقافته الفكرية تقطع نظام الالتحام أي تفصل بين طبيعةِ الإنسان وفكر الإنسانية ـ كما يحصل باعتقاد فكر الفلسفة الغربية وهي اليوم فكر الديمقراطية ـ فذلك يطمس الطبيعة الإنسانية التي فطره الله بها. طمسُ الفكر الديمقراطي للطبيعة الإنسانية هو الذي يفرض العيش بدون التفريق بين إحساسِ الحاجةِ وفكرِ الحاجةِ الذي هو نظام إشباعِ الإحساس بالرغبة. الحقيقةُ في فكر الحاجة إلى المغفرة أنه مِن فكر الفكرة الكلية عن الكون والإنسان والحياة وهو غير الإحساس بالحاجةِ إلى المغفرة الذي هو مِن غريزة التدين الذي يعالِجه فكر الحاجة. لكن رباط العقل في هذا الموضوع هو ليس فكر الحاجة إلى المغفرة بل فكر إشباع غريزة التدين وهما أمران مختلفان في الموضوع وفي فكرهما وفي مرجعية فكرِ كلٍّ منهما. فكر إشباع غريزة التدين هو فكر أساسي في الفكرة الكلية عن الوجود الذي يحدِّد فكر سبب وجود الإنسان، وأيُّ محاولةٍ لفصل فكر إشباعِ غريزة ما، وبخاصةٍ غريزة التدين عن الفكرة الكلية للحياة لا يمكن أن يؤدي إلى تحقيق الغاية الأساسية للإشباع. الفصل يكون بإيجاد فكر مِن غير مرجعيته مِن مثل فكر الوثنيات للمغفرة، يستحيل أن يكون فكر المغفرة التي يحاول الوثنيون الحصول عليها مِنَ الصنم أو مِن كاهنه هي مِن فكرةٍ كليةٍ عن الكون والإنسان والحياة وما قبلهما وما بعدهما. هذه الفكرة لا تتكوَّن مِن أفكارٍ مُتَخَيَّلَة، ولا مِن أفكارٍ افتراضية، ولا مُستَنتَجَةٍ مِن غيرها لأنها يجب أن يدلَّ عليها الواقعُ المحسوس مباشَرَةً، فجميع أفكارها هي أفكارٌ واقعية أم أنَّ لها واقعٌ محسوسٌ لا واقعٌ بطريقة البناء الفكري حسب طريقة المنطق في الابتناء أو الطريقة الهندسية بالتركيب الفكري. الفكرة الكلية لمصدر الوجود وسببه ومصيره هي الفكرة الشاملة لواقع الوجود يستحيل أن يصدر عنها فكرٌ لا يبرهن عليه واقع أو فكرٌ ليس هو برهاناً على واقع، أو أنه مِن فكرٍ لم يثبت بطريقة اليقين التي لا يتطرَّقُ إليها الشك. هذه الشروط لصحَّة الفكر لا تمتُّ إلى الفكر الوثني بأي صلة، ولا يوجَدُ أيُّ فكرٍ وثني يمكن أن يكون فكراً بمعايير الفكر. حتى العقل البشري لا يستطيع أن يُنتِجَ الأفكار الوثنية وبخاصَّة طقوسها وشعائرها، إلا أن يعمل العقل البشري بغير عناصره، ولأنه يستحيل أن يعمل بدونها فإنه لا يستطيع إيجادَ طقوس كهذه إلا عقلٌ يعمل بدون عناصر التفكير بطريقة تغييب طاقة التفكير بالتخدير الذي يحدث مِن شرب مخدِّرِ العقل “شبيه بول الشيطان” الخمرة. شارب الخمرةِ وحده لا يستطيع التمييز بين الفكر ونجس الفكر، ولا بين الصحيح والخطأ، ولا بين الواقع وخياله، ولا بين الحقيقة وتدليسها أو تحريفها أو تسخيرها للنفاق بها.

المرء في صيامه يلزمه أن يكون أقرب ما يستطيعه إلى تلبُّسِ القِيَمِ التي تسمو بالنفس إلى واقع وجوده الحقيقي بدون طغيانِ رغبات الفعل والانفعال، صيامُ رمضانَ بأحكامه حياةٌ في حِصنِ حُلُمِ الخُلق وعفَّةِ اللسان وطُهْرِ النفس. واقعُ وجود الإنسان الحقيقي هو حالُهُ في وجوده على الأرض أنه عابرُ سبيلٍ وغيره معه هو رفيقُ عبورٍ، والجمع هَبَطَ على الأرض عارٍ مِن عبء الخطايا، يحياها بخَطايا ويغادرها بأثقالٍٍ. طريقة عيشه هي طريقة جمعِ أثقالِ الخطايا أم طريقة التخفيف منها؛ طريقة العيش هي طريقة المعصية أم طريقة الطاعة للخالِق صاحب مركبةِ الهبوطِ ابتداءً ومركبةِ العبورِ ومقصدِهِ الذي وحَّدَ سبحانه بينها ـ مولِدِ الإنسان وحياته وموته وبعثه ـ بنظام الخَلْقِ الذي ابتدعه في إيجاد الإنسان. الوجود كله لإثبات الفرد أنه يحيا بنظام إيجاده أولاً؛ نظام إيجاد هذا الوجود الذي نحيا فيه “الإنسان” أنه مخلوقٌ بطاقةٍ ونظامٍ لعملٍ يوفِّي به نعمة وجوده بما يَرضَى به الخالِقُ لا بحجم أعمال “الإيفاء” للدين وعدَدِها. نِعَمُ الله لا يمكن تصنيفها أو تبويبها حتى يمكننا تعدادها لنبحث في نظامٍ لإيفائها تسلسلياً وتتابعاً لأنَّ نِعَمَ الله في طبيعةٍ خَلَقَها الله مِن رغبةٍ نظامُها في طاقةٍ، وطاقةٍ نظامُها في فكرِ إشباعها، وفكرِ إشباعٍ نظامُه في طريقته. لذلك إيفاء الله ليس بأعمالٍ بل بطبيعةِ العمل، هل الصدق مخافةً مِنَ الكذب الذي حرَّمَهُ الله أم لأنه مجدُ الإنسان في حياته؟ هل الصدق بالتزام مرجعية الصدق أم بالتزام قناعة الفرد؟ هل الصدقُ لأنه يريح النفس أم لأنه من نظام تحقيق غاية الوجود؟ طبيعة الصدق الذي يلتزمه الفرد هي التي تحدِّد هل التزامه هو مِن نظام الوفاء لعهد الله الذي عاهَدَ الفردُ عليه خالِقَهُ قبل أن يولِدَهُ اللهُ مِن أمِّه أم مِن نظامٍ يبتدعه الفرد. وطبيعة الصدق هي التي تحدِّد هل التزام الصدق هو مِن نظام الوفاء لشرط الطاعة لله الذي يفرضه الله في طريقة التعرف إلى فكر الحقيقة في سبب الوجود لتكون نتيجةُ الصدق في غاية سبب وجوده. وطبيعة الصدق هي التي تحدِّد هل التزام الصدق هو مِن نظام الوفاء بتحقيق قصد التزام نظام الوفاء أنَّ الفرد يحيا ببرهان التزام الطاعة لله بتحقيق مقاصد شرعه وليس بنظام مقصوده.

رحمة الله تتنزَّل في هذا الشهر على العبد المؤمن الذي يحرص على أداء شعائر هذا الشهر وحفظ حرماته وعقد العزم على التوبة بفيضٍ مِنَ المغفرة مِنَ الله؛ هذا هو إنجاز هذا الشهر الذي بارك الله في أعماله بركةً تزيد عن بركات أعمال العبادة في غيره. الله الرحمن الرحيم اختصَّ هذا الشهر بثواب زائدٍ في كل أمرٍ وعمل يقرِّب إلى الله عن الثواب المنصوص على هذه الأعمال في كل حين، لهذا لا عذر لمن يشهد هذا الشهر بحقِّهِ ولا ينال مغفرة الله الكاملة ويكون مِن الذين خصَّهم الله أن يكونوا مِن المجازين في باب الريان. يقول رسول الله:صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: « إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ يُقَالُ أَيْنَ الصَّائِمُونَ فَيَدْخُلُونَ مِنْهُ فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ ».**

**فشهر رمضان يقال له شهر الرحمة التي تعني قبول التوبة ومغفرة الذنوب، ولهذا نجد كثيراً مِن العصاة يتوقفون عن معاصيهم في هذا الشهر لأنه بسبب انحطاطهم يظنون أن التوبة لمدة شهر تمحو ذنوبهم السابقة لهذا الشهر. كذاك النساء العاصيات لله في أزواجهن وأولادهن وأنفسهن وسفورهن وترك عبادتهن لله، ونجد كثيراً مِنَ الذين لا يصلون يقبلون على الصلاة، وأكثر شاربي شبيه بول الشيطان ينكرونه في شهر رمضان. المنافقون يخف نفاقهم وتنكفئ المتفحشات ويمتنع الفساق عن بذيء القول وتختبئ الشحناء في دهاليز الحلقوم وتنطفئ البغضاء بين الناس ويتواضعون لحكم الله بالنصيحة وقبولها وقولها بشرع الله. يقابل هذا زيادة في صلاة المؤمن ويتسابق الناس على الإنفاق على الفقراء ويتباهون بحسن الخلق في القول والعلاقة والعطاء وتتواصل الأرحام ويستزيد الأبناء مِن معين البر وتعم الرأفة بين الأزواج، وتصدح طبقات الأصوات بتلاوة القرآن وتدارسه، ويتعهَّدُ الناس التفكر بآيات الله وتدبُّرَ معانيها وأحكامها ومقاصد شرع الله فيها، فأين فسحة عمل الشياطين إذا سكب الناس شبيه بولهم خمرة إبليس في مراحيضهم بدل حلقومهم؟ وكيف تعمل الشياطين بدون وقودهم مِن نفاق الناس؟ وكيف تنجح الشياطين ببث البغضاء بين الصائمين والمصلين والمسبِّحين والذاكرين والمتَفقهين والمتعفِّفين والمتصدِّقين؟ نجاح الشيطان يكون بترك الإنسان العمل بأحكام الله، لكن شهر رمضان هو شهر التنبه إلى معصية الله؛ المؤمن دائم الحذر مِنَ المعصية لكنه في رمضان يزداد حَذَراً لأنَّ أجرَ إتيان الطاعة مضاعف. والذي يعصي الله في حياته يقبل على الامتناع عن المعصية والتزام الطاعات لأنه يعلم أن رحمةَ الله يسكبها الله سكباً في هذا الشهر وأنها في هذا الشهر سكبٌ مِن مغفرةٍ وهدايةٍ وثواب. شهر رمضان شهر مبارَكٌ لأن واقعه وأحكامه يتحكَّمُ شرعُ الله فيه بأهواء الناس تحكماً مباشراً وكأنه سبحانه بهذه الأحكام يصادر طاقة الخيار في عباده الذين يتأرجحون بين الطاعة والمعصية البيِّنَة وبين الإيمان وكفر الغفلة. هكذا يتحوَّل هذا الشهر إلى واقعٍ حياتي لا يوجد فيه فسحة للشيطان يجوس فيها ولا تربة يدنِّسها لأن أحكام رمضان تجفِّفُ مصادر طاقة المعاصي.

شهر رمضان يسمى شهر الرحمة، وشهرالتقوى أو شهر العبادة، وشهر البركة، وشهرالصيام، وشهر المغفرة أو شهر التوبة؛ كلها تسميات لما هي عليه أحكام هذا الشهر وليس لأعمال الفرد في هذا الشهر. فرحمة الله تعالى في هذا الشهر كما هي في كل وقت تتنزَّل بشرطها {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (31) آل عمران. لكنها في هذا الشهر تفيض على الجانب السابق في الحياة الزمن الذي سبق شهر الرحمة الذي يعيشه الفرد وكأنه انتبذ مكاناً قصياً للعبادة والتفكر والتقرُّب باعتزال أهوائه وانشغاله بالتهيّؤ وكأنه ميِّتٌ غداً يشتغل بشرع الله للعمل به يتطهَّر مِن دنسِ ما سبق مِن قوله وعمله ونيته. رحمة الله في شهر رمضان تفيض لتغسل ذنوب الفرد المؤمن من معاصي اللمم ومعاصي الغفلة والكسل وما شاكلها مما لم يثبت عليه الفؤاد أو تنعقد عليه قناعة غسلاً جامعاً إن أدرك رمضان بأركانه وأحكامه واستمسك بما ألهم الله به النفس مِن تقواها. الحديث: “كل حسنة بعشرِ أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به”. أخرجاه من حديث أبي هريرة. الصيام هو بلا شك حسنة رئيسة في حياة المسلم، استثناء الله سبحانه وتعالى الصيام من ثواب الحسنة الذي يتضاعف سبعمائة حسنة يخرِج ثواب صوم رمضان مِن مقياس العدد والوزن إلى ما تتصف به الرحمة الإلهية التي ذكر الله توصيفها بأنها وسعت كل شيء. هذا الحديث يمنع العقل مِنَ الحديث عن مقدار ثواب الصيام لأنه يدل على طبيعة ثواب الصيام أنها مِن غير العدد والمقدار الذي يمكن للعقل أن يتعامل معه. يفسِّر حديث “… إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به” الحديث التالي الذي يحدِّث به جبريل رسول الله عليهما الصلاة والسلام: “… فلما صَعِدْتُ الثانيةَ قال: من أدركَ شهرَ رمضانَ فلم يُغفر له فأبعدهُ اللَّهُ - قل: آمين. فقلت: آمين”. أخرجه البخاري في «بر الوالدين» من حديث كعب بن عجره، وأخرجه غيره. المغفرة هي الحوض الذي يخرج منه المؤمن إلى الحياة بعد رمضان، فرمضان شهر له ناموسه في الطاعة والتعبُّدِ لله الغفور الرحيم مَن أحيا شعائرَ هذا الشهر بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم بنيَّةِ التوبة لله خرج مغفوراً له بوعد الله كما حدَّث عنه جبريل وأمَّنَ عليه رسول الله إلى البشر أجمعين عليهما أفضل الصلاة والسلام.

التوبة في هذا الشهر كما هي في كل آن؛ هي بحسب أحكام التوبة لا بأعمال الفرد الذي ينوي التوبة ولا يعمل بعمل حكمها الذي بيَّنَهُ سبحانه بقوله الكريم: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} (54 - 55) الأنعام. أعمال هذا الشهر هي آداب الإسلام في غيره، فأحكامه من مثل حديث أبي هريرة بقوله: حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رِوَايَةً قَالَ: « إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ فَإِنْ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ ». 1941 ? مسلم. الرفث فاحش الكلام وهو سبيل الشحناء التي هي موئل البغضاء والنزاع، والجهل هو حال انتفاء الصواب في القول والفعل، وغياب الحكمة في تقليب الأمر هو الزيت يسكبه الأحمق على الغضب ليشتعل مشاتَمَةً ونزاعاً وقتالاً. جاء في معناه في شرح النووي: … وَاعْلَمْ أَنَّ نَهْيَ الصَّائِمِ عَنْ الرَّفَث وَالْجَهْل وَالْمُخَاصَمَةِ وَالْمُشَاتَمَة لَيْسَ مُخْتَصًّا بِهِ ، بَلْ كُلّ أَحَد مِثْله فِي أَصْل النَّهْي عَنْ ذَلِكَ لَكِنَّ الصَّائِم آكَدُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. انتهى. (لَكِنَّ الصَّائِم آكَدُ) لأن هذه محظورات في الحياة محوها يحتاج إلى كفارات وقد أكرم الله عباده المؤمنين بالكثير منها في الحياة العادية. لكن هذه المحظورات في رمضان لا نجد لها كفارة، فأهمُّ كفارات الخطايا والذنوب هي كفارة رمضان فإن وقع الإثم في رمضان فأيُّ كفَّارةٍ ستمحوه وليس أكبرَ مِن عبادة شهر رمضان في الإسلام ولا أكبرَ منه كفارةً؟ لا نفهم معنى أمر الرسول صلى الله عليه وسلَّم بقوله: «… فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ » إلا مِن خلال الفهم أن الصيام هو غُسلٌ لما بقي منها بعد العبادات الأخرى والنوافل والقربات التي يتقرب بها المؤمن إلى الله في كلِّ عملٍ يقوم به وفي كل زمنٍ يعيشه بين رمضان الذي يبتعد هلاله ورمضان الذي يهلُّ بالبركات إن شاء الله. فهل يمكن لماءِ الغُسلِ بعدَ أن ينجس بعمل قبيح أن يبقى صالحاً للتطهر به؟ طهارة الصيام أكثر ما يلزم الحرص عليها بالقول لأن فعل الآثام أكثر وضوحاً ولذلك يمكن بيسرٍ عدم الوقوع فيه، لكن اللسان يلويه الشيطان بأسرع مِن لمحة الخاطر ولذلك خطورته ووجوب التنبه منه والحذر الدائم. المبادرة بالقول «… إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ » هي لمباشرة التحوُّط مِن السقوط في أثر الشيطان، هذا القول المباشر يسبق الشيطان بسرعة الخاطر فيصدمه ولذلك نراه بالحس يجفل مِن سرعة الخاطر بقول الإيمان. «…إِنِّي صَائِمٌ إِنِّي صَائِمٌ » هو إعلان براءةٍ مِنَ المعصية بالصوت العالي والنيةِ التي لا تخفى على الله، وهو هروب بالقلب والنفسِ والعقلِ مِن إفسادِ ماء التطهُّرِ للصيام، هل هناك عبادةٌ لله لا يتطهَّرُ لها المؤمن؟ ليس في الإسلام حسب ما نعلم، حتى طهرةَ المال لا يؤديها المؤمن إلا وقد عقَّدَ النية على تطهير نفسه بالنفقة وتطهير ماله بإنفاقه حتى اللقمةِ لا يلتقمها إلا بعد أن يكون قد التزم حقَّ طُهرها بأن عَقَدَ على عدم تلوثها بالسحت. غير المسلمين قاطبة لا يوجَدُ عندهم فكرُ طُهرٍ يفرضُ عملاً به يمتنعون عن الآثام، طريقتهم في التطهُّر هي ما هي عليه في جميع وثنيات التاريخ والحاضر؛ يطلبون مِنَ كاهِنِ الصنم أن يغفر لهم! أو يسجدون لذات الصنم ليأخذوا منها الغفران، كيف يغفر لهم الصنم؟ أو كيف يعرفون أنَّ الصنم غفر لهم؟ لا أحد يعرف كيف يغفر الصنم ذنوبهم، ولا كيف يمكن أن يغفر كاهن الصنم لهم، هم يعتقدون أنه بمجرَّد سؤال المغفرة تقع، لا يوجد لها نظام وقوع، أو نظام استحقاق، أوحتى فكرُ حاجةٍ ابتداءً. بلغ بهم السخف والسفاهة للاعتقاد بأنَّ اعترافهم بالخطيئة يغفر لهم؛ سبحان الله ما أتفههم مِن بشرٍ يشرِّعون لأنفسهم مغفرة الله! مَن لا يعتقد أنَّ الصنم يغفر له، أو أنَّ كاهنه يغفر له، يتألَّه ويغفر لنفسه!**

العائلة… قلعة حصّنها الله ورسوله

( كتاب الزوجة مع زوجها )
تأليف العالم الجليل الأستاذ :
يوسف أحمد بعدراني

الرابط :
www.sharabati.org

**الفرد الذي يعاني مِن وعي لا يستطيع تبرير حيثياته ينتحر لأنه رجل مخلِص لذاتيته الفكرية بغياب وعيه على ذاتيته الإنسانية. ليس في ثقافته ثقافةً بشرط الفكر أنه هو العلم الذي يطابق الواقع وليس العلم الذي يفرض فهم الواقع، أو العلم الذي يستنتجه مِنَ الواقع بفهم الواقع بدون عناصر الفهم. هذا الفرد لا يستطيع التعايش مع أكذوبة الحياة؛ مناقضة الواقع الذي يصوغه بفكره وسلوكه لما يعتقده مِن غايةٍ لهذا الفكر. تناقض فكره مع واقع الفكر هو بسبب وضع غايةٍ للفكر لم تصدر عن الفكر، ومع ذلك يفترضها ويفرضها أنها غاية للفكر وليست غايته هو التي يفرضها بدون وجود القيادة الفكرية التي عنها ومنها يتحدَّد السلوك الإنساني والتي تحدَّد غاية الفكر، وبذلك يكون السلوك الإنساني لتحقيق الغاية الفكرية متوحَّدا بمصدره مع مصدر الغاية الفكرية. هذا الانفصام بين الفكر وغاية الفكر، وبين الفكر وواقعه، وبين السلوك الفكري ونتيجته الواقعية، يصدم النفس البشرية فيحدِث الألم الفكري الذي تأباه الذات التي يقوى فيها توقها إلى إنسانية تراها ميتة حولها. لا تجد النفس البشرية إنقاذاً لها مِنَ الاختِناق الذي يفرضه واقع العيش إلا برفضه والخروج النهائي منه بالطريقة الوحيدة التي يتيحها فكر الحياة للفرد وهو الانتقال مِن هذا الواقع المحسوس بالألم فقط إلى الواقع غير المحسوس إلا بالتخيل. الانتحار ليس خياراً جسدياً بل هو خيار عقلي وهو خيار النخبة مِنَ المفكرين بفكر الفلسفة الغربية التي أنتَجَت الأفكار الديمقراطية الرأسمالية، ونعني بالنخبة هم المخلصون لغايات الفكر وليس للفكر. المخلص لغاية الفكر غير المخلص للفكر. بينما المشعوذون هم الذين يخلصون للفكر ولا يهتمون بغايات الحياة التي تتمخَّض عن الرؤية الفكرية للحياة بل بنتائجه، هؤلاء تموت فيهم الإنسانية، لايستطيعون الحياة إلا بادعاء مبرِّراتٍ لأعمالهم. أبرز هؤلاء في العصر الحالي هم مدرسة بوش/تشيني السياسية، ومدرسة أوباما الاقتصادية إذا جاز هذا التخصيص هنا في موضوعنا لأنه اقتصادي.
الفرد الذي يعبِّر عن الحقيقة التي يعرفها لكنه لا يستطيع التعامل معها بفكره هو باختصار مثل ميركل التي تقول “إنَّ ألمانيا فعلت ما بوسعها لإنقاذ الاقتصاد ولا تقبل باقتراح أمريكا لفعل المزيد”. ميركل تعلم يقيناً أنَّ الأزمة الاقتصادية هي مِن فِعل أمريكا وهي خطَّة أمريكا في ضرب أوروبا بالضربة القاضية. ومِنَ الأهداف الكثيرة في خطة أمريكا لضرب أوروبا التي تعلمها ميركل وكثير مِنَ السياسيين الأوروبيين هو أنَّ أمريكا تريد حثَّ الحكومات لأن تتجه بمعالجتها للأزمة بالطريق الذي توجَّهها أمريكا للسير فيه. أمريكا تريد أن تسير دول أوروبا بطريق الوقوع في الهاوية التي لا تستطيع الخروج منهاً أبداً إلا بحبلٍ مِن أمريكا طرفه. أمريكا تريد مِنَ الدول أن تنفق كل السيولة التي لديها في الأسواق الميتة لإحيائها أو إحياء “الثقة” كما يسمونها تقنياً بألفاظ الساعة حتى تفلس الحكومات ولا يكون إنفاقها قد أثَّر بانتعاش الأسواق لأنه لا يمكن للسيولة أن تعالِجَ الأزمة الحالية إلا بمنظار الإيهام بالعلاج وليس بفكرعلاج الواقع. الهدف الأسمى في الخطة الأمريكية هو ما تخوَّفت منه الأمم المتحدة بتاريخ 26/3/09: “الأزمة المالية قد تؤدي إلى ثورات في العالَم”. وهو ما تخوَّف منه أو تنبأ به أحد معاهد الدراسات السياسية/الاستراتيجية البريطانية قبل بضعة أيام مِن الأمم المتحدة “إن الأزمة المالية العالمية قد تتسبَّب باضطرابات إجتماعية وثورات في أكثر مِن 95 دولة” وبالطبع على رأسها الدول ذات الشعوب الحية بأفكار “الحريات” و"الديمقراطية" و"الرأسمالية" مثل الشعوب الأوروبية. إفلاس سلطات الحكم هو التمهيد الأخير لإطلاق فكر تبرير الاضطرابات وتفعيل الطاقات الثورية المكبوتة عبر عقودٍ مِنَ الإحباط النفسي التي تعيش بها شعوب “الحرية”.
هول هذه الحقيقة في خطة أمريكا هي سبب تصريح رئيس وزراء تشيكيا رئيس الاتحاد الأوروبي في الشهور الحالية بالأمس قي 25/3/09 عندما اختصرها بقوله “إن خطة أمريكا بالتحفيز الاقتصادي هي طريق الجحيم”. أما سبب جنون براون وحيرته فهو موضوع منفصل لأنه أعمق مِن مستوى هذا البحث ولوجَه لا يستوفي حقه كملحقٍ بموضوع لأنه منفصل بحيثياته ومستقل بعناصره. هؤلاء يعرفون الحقيقة لكنهم يجهلون مصادر فكر المواجهة ليس لعقمٍ فكري بل لسبب فلسفي. الأزمة لم تنشأ مِن فكر بل مِن إجراء لكن علاجها يحتاج إلى فكرٍ لا يجدون له مصدراً إلا الإجراء، وهو ما يفرض أن يكون مبرِّر الفكر هو غاية وليس إجراء وهنا تكمن المعضلة. الفكر الذي ينشأ عن تبرير الغاية يفتقد الحجَّةَ الفكرية، لا بدَّ له أن يستعين بقوةٍ غير قوة الحجَّة المفقودة والتي هي معين القوة الطبيعي للفكر. القوة البديلة لقوة الفكر هي القوة المادية التي هي هنا قوة أدوات الإجراء، لكن بما هي عليه الدول مِن ضعفٍ بالإمكانيات الواقعية يصبح فكر تبرير الغاية بدون قوةٍ مادية، وهو أصلاً بدون قوة حجَّة الفكر. لهذا السبب يواجه العالم هذا الإفلاس الفكري في دول العالم قاطبة، ولهذا هو الجحيم الذي اصطنعته أمريكا لأوروبا، ولهذا المسرحية ذات فصول، وهذا ما يفسِّر سبب الإحباط والحيرة والاختلاف بين ضفتي الأطلسي دون أن يجرؤ أحد على تحديد سببه إلا بقول عمومي يعمي أكثر مما يوضِح.
المعنى الثاني لاتهام “الكبار” لأمريكا أنها وراء الأزمة يعني أنَّ أمريكا هي اصطَنَعَت الأزمةَ بتفكيرٍ وتصميمٍ: خطَّةً وإجراءً وتوقيتاً ونتيجةً. وبهذا فقط يمكن أن نفهم سبب تصريح الرئيس ميريك توبلانيك التشيكي رئيس الدورة الأوروبية، وتصريح لا سيلفا رئيس البرازيل إبان زيارة براون له في 26/3/09 “قبل الأزمة كانوا يعرفون كلَّ شيء ولما وقعت الأزمة اعترفوا أنهم لا يعرفون شيئاً”. أدلى بهذا التصريح بعد أن صرَّحَ “إنَّ سبب الأزمة المالية هم ناس بيض عيونهم زرقاء” ولم يقل “الناس” بل حذف أل التعريف حتى يخصِّص بالوصف الذين قاموا بهذا العمل فلا يتخيَّل أيُّ ساذج أناس غير الذين يقصدهم أي الأمريكان بعد حذف أوروبا مِن معادَلَة قوى الخطة أو إثباتها أنها الضحية.
بعد هذا الإيجاز بالتوضيح لبعض النقاط يمكن فهم سبب مقولة الأمريكيين أولاً (ويؤكد خبراء ودراسات أعدها صندوق النقد الدولي، أن من عناصر الفشل الرئيسة في فترة الرواج الاقتصادي، عدم القدرة على رصد الخطر الذي تمثله فقاعة أسعار الأصول المتنامية في المشهد الكلي.)" التي ترد في مقالات أكثرية الذين ينساقون بفهمهم تبعاً لطروحاتٍ فكرية لم يكن لهم يد باستنباطها.
ليس أحد أجدَرَ بالتوضيح مِنَ المفكِّرِ الرأسمالي اللامع ألان غرينسبان وهوغنيٌّ عن التعريف ومِن أكثر الشخصيات الفكرية التي كنت أترقب السماع إليها لأنه مدرسة خاصة فريدة لمن يحب أن يتعلَّم قواعد الفكر الرأسمالي/الديمقراطي بالمثال الحي في رسم خريطة الشعوذة الفكرية التي يتعامل بها المفكرون الرأسماليون مع الواقع الاقتصادي والإنساني للمجتَمَع الديمقراطي الرأسمالي. صرَّح غرينسبان في عدة مناسبات آخرها منذ حوالي ثلاثة أسابيع في محاضَرَةٍ بأحد الجامعات الأمريكية وكررها مع ديفيد فابر على cnbc محطة تلفزيون أمريكية هو تفاخره بما معناه: “نحن كنا وراء الفقاعة الاقتصادية لأن الاقتصاد لا يتحرك بذاته بل يحتاج إلى تحريك. ونحن دائماً نقوم بأعمال تحريك السوق”. فهذا التصريح بذاته ضوء لفهم أنَّ ما يجري هو إجراء أمريكي لشلِّ دول العالَم بعدَ تجفيف مواردها النقدية فتبقى أمريكا وحدها صاحبة نقدٍ بين مفلسين يقتلهم اختناقهم بجشعٍ لا يمكن إشباعه. إنقاذ أنفسهم ليس صعباً مثل تعليق الجرس في عنق القطة، لكنه مستحيل بانعدام فكر الرؤية في حقيقة الواقع الذي يغرقون فيه. براون يغرق لكنه لا يستسلم، ساركوزي ضائع بين يمين زوجته ويسراها، وحده اجتماع بريق ميركل في عينيها وحِدَّة بوتين في صوته وأناة الرئيس الصيني في تدبيره يبعث أملاً في أن يهتدوا بطريقة انهمار المطر بعد الرعد إلى إتقاذ أنفسهم أولاً ومجتمعاتهم ثانياً وإفشال خطة أمريكا بتحويلهم إلى متسولين بين … ثالثاً.
يوسف بعدراني - بيروت
منقول عن :
www.alarabnews.com

ضباب الأزمة المالية

يوسف بعدراني
يتناقل كثير مِنَ الخبراء والمحللين والساسة ما تصرح به الجهات الأمريكية بدون جهدٍ فكري لتقويم التصريحات ووضعها في موقعها الطبيعي إذا كانت للتضليل أو تغطية الحقيقة أو توجيه الفكر باتجاه التغطية على سبب الكلام. مثل قولهم: (ويؤكد خبراء ودراسات أعدها صندوق النقد الدولي، أن من عناصر الفشل الرئيسة في فترة الرواج الاقتصادي، عدم القدرة على رصد الخطر الذي تمثله فقاعة أسعار الأصول المتنامية في المشهد الكلي.) ومثل قول الأمم المتحدة: (فشل القطاع المالي سبب الأزمة المالية). ومثلها تصريح أليوت سبيتزر حاكم ولاية نيويورك السابق يردِّد كالببغاء يوم 26/3 في أول إطلالة تلفزيونية بعد استقالته مقولة أوباما “إنَّ سبب الأزمة المالية هو الإهمال أو الاستهتار والجشع”. ومثلها العديد الذي لا يحصى مِنَ التصريحات التي تمنع العقل مِن اتهام أمريكا أنها هي وراء هذه الأزمة وهي بكامل وعيها. وأنَّها خطَّتَها الجديدة في السيطرة على العالَم منفردةً بعد أن عجزت عن ذلك في خطة 11/9 بسبب وعي أوروبا على اهداف تلك الخطة التي تقضي بتحويل أوروبا إلى أكشاكِ لهوٍ ورذيلةٍ تموت فيها النفس الإنسانية.
لا بد مِن بيان حقيقة هذه المقولة وأمثالها التي أطلقها السياسيون وخاصة الأمريكيون وتناقلها المحلِّلون دون تمحيص لها يمكِّنهم مِن توضيح سببها وأبعادها وأنها مِنَ منظومة خلط الحقائق للتلبيس على الأذهان حتى يستحيل على أيِّ فردٍ أن يفهم حقيقة ما يجري في موضوع الزلزال المالي.
عندما اتهم بوتين وبراون وميركل وعدد لا يحصى مِنَ السياسيين حول العالَم أمريكا بأنها وراء الأزمة المالية لم يوضِحوا سبب اتهامهم، ليس لجهلٍ بل لأنهم جميعهم أقزام أمام أمريكا ولو اجتمعوا في العلَن ضدها. قوتهم أن يكون اجتماعهم ضِدَّ أمريكا بالسر أي بتوزيع أدوارٍ على بعضهم في خطة الوقوف بوجهها، وهم يقومون بذلك على خير وجه ولا يمكن أن يقوموا به بوجه أفضل. لذلك اتهامهم لأمريكا أنها وراء الأزمة المالية يحتمل معنيين يهربون بأحدهما عندما يقدمون خطتهم لإصلاح الوضع الاقتصادي. هم ليس عندهم خطة، فلسفة الفكر الاقتصادي وهي الفكر الرأسمالي يستحيل ان ينتج منه خطة ولذلك الجميع حتى أوباما يصرح أنه لا توجد خطة إنقاذ ونحن نحاول ومَن عنده اقتراح أفضل نحن مستعدين أن نسمع وأن نتبناها إذا كانت أفضل. وجميع المفكرين الاقتصاديين أعلنوا كلٌّ بدوره أنهم لا يعلمون طريقاً للخروج مِن هذه الأزمة لكن بالنهاية يجب ان نخرج بطريقةٍ ما. لا يوجد حل مِنَ الفكر الرأسمالي، ليس لجدبٍ في العقول الغربية بل لأن الفكر الرأسمالي ليس فكر اقتصاد بل فكر إجرائي في موضوعٍ مِن مواضيع النظام الاقتصادي الذي يلزم المجتَمَع الإنساني. لكن هذا البحث الفكري هو وقفة في توضيح مقولة “عدم القدرة على رصد الخطر” أنها ليست سبب الأزمة أو أنها مِن أسبابها.
كثير مِن رجالات الصف الأول مِنَ الاقتصاديين أعلنوا أنَّ الإجراءات المعمول بها هي أقصى ما يمكن للعقول أن تنتجه، وأنَّ هذه الأزمة ليست بسبب ضعف إجراءات العمل المصرفي والرقابة، وأي تشديد أكثر مما هي عليه سيضر بالاقتصاد العالمي. وكثيرون صرحوا أنَّه لم يكن هناك أيُّ مؤشِّرٍ على حدوث هذه الأزمة وأنها جاءت مِن حيث لم يتنبأ بها أي اقتصادي أو دراسة أو تقرير هيئة مراقبة.
المعنى الأول لاتهام “الكبار” لأمريكا أنها وراء الأزمة يعني أنَّ أمريكا قصَّرت بالتجاوب السريع الفوري لتلافي الأزمة ولذلك هم يتهمونها. هذا القول لا يثير أمريكا ولا ترد عليه بل إن بعض رجالات الحكومة في الكونغرس يثبتونه ويشيعونه بين وسائل الإعلام لأنه في واقعه أنه إذا صدَّقه أحد يستحيل عليه أن يفهم شيئاً مِنَ الذي يجري على أرض الواقع. وهو مِنَ الأفكار التي تضيِّع العقول الأوروبية خاصةً وتعمي بصيرتهم في رؤية الحقيقة في طريق الخروج مِنَ الأزمة. لكن العقل الأوروبي ومنه الروسي يبقى في جذوره مِن طبيعةٍ إنسانيةٍ ولو أنه في ثقافته تخلى عن أيِّ مفهومٍ إنساني وأصبح يعيش بفكرٍ رأسمالي غير إنساني في قاعدته الفكرية، وغير إنساني في غايته، وفي إجرائه حتى. لهذا نرى انفلاتاً للطبيعة الإنسانية في مستوىً مِنَ الاختناق إما أن تأمر الفرد الذي يعاني مِن وعيٍ لا يستطيع تبرير حيثياته بأن ينتحر، وإما أن يعبِّر عن الحقيقة التي يعرفها لكنه لا يستطيع التعامل معها بفكره الذي يعتقده.
… وللبحث بقية

**يوسف بعدراني في عناق وداع أخيه

العلامة محمَّد بن حامد الحواري

يوسف البعدراني

السلام على مَن سبقنا بالإيمان وعلى مَن عشنا معه نتبع هدي الرحمان وعلى مَن يهتدي بهدي محمَّد عليه الصلاة والسلام إلى يوم السؤال عن العقل فيمَ أجهدتَه، والبدن فيمَ أضنيته، والمال فيمَ أنفقتَه، والعمر فيمَ أفنيته.

قرأت رثاء الأخوة لأخيهم البار محمَّد بن حامد ودعاءهم له، هم عرفوه طويلاً سنين مديدة قضاها معهم، خبروه معاشاً وفكراً وخلقاً، كان يتفرد بباعه في كل أمرٍ أمرنا الله أن نفقه كنهه. لم أعرفه طويلاً حتى أحدِّث عن فقهه وخلقه، وعقله وأفقه، وقلبه وشغفه، وإن كنت أعلم يقيناً أنها تفوق كل عرف عايشه أحدنا مع غيره. عرفت الرجل لأيام قلائل بلقاءات أقل من القلائل في عام 1964 يأتيني نلتقي لساعة أو أكثر لا يرضى خلالها أن يشرب غير الماء إن ظمأ.

في أشد ظروف الشدة كانت الطمأنينة لها خارطة على وجهه عشت وأنا أتخيلها طوال حياتي لم أرها ترتسم على وجهٍ آخر حتى وفاته. في المسجد جلست إلى جثته وقد أخذتني وحشة العيش بدون فضلٍ مِن دعاءٍ كان يدعو لي به بعد أن تجدَّد التواصل بيننا بعد انقطاع تام مطلق زاد عن أربعين عاماً. أفاقني صوت أخٍ يقول: يا عم هل تريد رؤية وجهه؟ هززت رأسي أن نعم إذ غابت عني طاقة النطق. فبدأ بفك الرباط والجمع متلهف ليرى وجه مؤمن عرفوه لا يجرؤون على تزكيته لله، لأنه وحده علام غياهب السريرة علَّهم يستقرؤون خبراً. سبحان الله كم أعطاه من سحر السمرة المحلاة بحدقة الإيمان الثاقبة، منذ حداثته كان مغوار فهم الإيمان المحدِّث الذي خصه الله بعذوبة وضوح الفهم وصفاء السريرة. يندر أن ينتقل إلى البرزخ بالنضارة والرضا التي كان عليها يحيا، والتي طبعها خالِقَه فيه حياً وميتا. دسست أناملي تحت ذقنه في عنقه أتحسسه كما كنت أفعل عندما أقبله، أتحسس ماذا غيَّر الموت في عروقه، مروئة الرجل في عروقه لا تذوي إلا بجفافها، سبحان الذي يحيي ويميت، لكأني أحسست بتبسُّمه لي يردِّد بعضاً من طويلٍ كان يقوله لي مهاتَفَةً في أيامه الأخيرة: “يا أخي أنا قاعد أدعي أن ألتقي وإياك في الجنة شبعنا من ها الدني والأخوة المؤمنين اللي منعرفهم إن شاء الله”. والله لم أحدث ببهائه وهو ميت فقد خِفت أن اُتَّهَم لكن غيري حدثني بها ولله الحمد.

رحم الله الأخ محمد حامد، فالذي عايشه وسبر كنهه لا بد أن يحمد الله على صحبة الإيمان في هذه الدنيا، كان لجَّةً في بحر الإيمان وطيات النفس المطمئنة إلى قضاء الله في الكون والذرات ونفسه الإنسانية. كلمة في عناق روح محمد حامد وهي كلمات من مجلَّد يمكن أن يروي حكايات في جدِّه في سبيل الله. كان أخاً نادراً في صدق النصح والوفاء لعهد الأخوة، فهو من القلة التي عرفتُ طهرها العقلي وعفتها اللفظية ورحمتها النفسية وتراحمها الخلقي.

ذكراه بقيت حية في ذهني، لأنه وقد عرفته في ريعانه فتح الله عليَّ بفراسة الإيمان سيرة حياته، أنه يحيا ويموت على الإيمان المطلَق بالله ودينه ورسوله صلى الله عليه وسلم، والتسليم المطلَق بأولويات الإيمان وفروضه وحمل دعوته لإقامة حكم الله. أكرمه الله بصحبة زوجة يندر عمق إيمانها وفقهها بين النساء، وقد كانت مع غيرها السبب بالقول الذي ردده الإمام الفقيه الأمير تقي الدين النبهاني حتى وصلني مِن أكثر مِن أخ: إني لأكاد أغير رأيي بالنساء لما يفعلونه" ويقصد بحملة الاتصالات في عام 1964. بيتُ فقهٍ وصلاحٍ في سيرته ملامح نتصورها في بيوت أحباء رسول الله؛ صحابته، أب وأم وبنين وزوجات ذرية كأنها في التقوى ولِدَت مِنَ التقوى، هدي الله فيها مسكوب، وكأنه قوت يومهم على مائدتهم. والله لو أردت الحديث عن علمه لعجزت تعباً ونصباً لسعته، لم يكن حديثه الجذل يتعبني بقدر ما كان يؤرقني وهو شارف على الثمانين في سنين الأرض. الحمد لله على بر الرجال الذين تركهم بيننا عمار ومصعب أحصوا كتاباته وطبعوها لتكون على مر الدهر شاهداً في الأرض على إيمانٍ ندعو الله أن يتقبله بأحسن القبول إن كان فيه صدق القول الذي تعلمناه من خاتم المرسلين، وأن يتقبل عمل صاحبه بما وعَدَ به عباده الأبرار، وأن يحقِّق لنا وعده للمؤمنين باللقاء في ظلِّه يوم لا ظِلَّ إلا ظله. اللهم ارحم أخي محمَّد بن حامد الذي سبقني فيما نرجوه أن نكون فيه؛ سلسلة النفوس المطمئنة التي ترجع إلى ربها راضية مرضية فتدخلها في عبادك في الآخرة كما أحييتها على عبادتك في دنيا الأرض، وتدخلها جنتك لتحيا بسعادة الأبدية بعد أن أحييتها بسعادة الإيمان بك وحدك إلهاً، وبقرآنك كتاباً، وبمحمَّد رسولاً للبشر أجمعين إنك على كل شيء قدير.

منقول : رابطة أدباء الشام

www.odabasham.net