مفهوم الظن في القران الكريم وعلاقته باليقين

المراجع

  1. القران الكريم

  2. المعجم المفهرس لألفاظ القران الكريم.محمد فؤاد عبد الباقي. الريان للتراث.

  3. فتح الباري بشرح صحيح البخاري. ابن حجر العسقلاني.دار الريان للتراث.

  4. مختصر صحيح مسلم. الحافظ المنذري الدمشقي.تحقيق الألباني. المكتب الإسلامي

  5. سلسلة الأحاديث الصحيحة .الألباني. المكتب الإسلامي.

  6. الشخصية الإسلامية .للإمام تقي الدين النبهاني.دار الأمة.الجزء الأول

  7. مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة .ابن قيم الجوزية اختصار الشيخ محمد بن الموصلي الطبعة الأولى. دار الكتب العلمية.

  8. الإستدلال بالظني في العقيدة. فتحي سليم. دار البيارق.

  9. عصمة الأنبياء. الفخر الرازي. دار الكتب العلمية

  10. لسان العرب ابن منظور.دار صادر.

  11. القاموس المحيط. الفيروزابادي. مؤسسة الرسالة. بيروت ط5 (1416هـ)

  12. فقه اللغة وسر العربية. أبو منصور الثعالبي. دار الحكمة.

  13. مفردات ألفاظ القران . الراغب الأصفهاني. دار القلم والدار الشامية.

  14. أساس البلاغة. معجم في اللغة والبلاغة. للإمام جار الله أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري .مكتبة لبنان 1996

  15. معجم متن اللغة. للعلامة اللغوي الشيخ أحمد رضا. دار مكتبة الحياة 1959

  16. التطور الدلالي بين لغة الشعر ولغة القران. عودة خليل أبو عودة. مكتبة المنار.

  17. المدخل لعلم تفسير كتاب الله تعالى. لأبي النصر السمرقندي المعروف بالحدادي .دار القلم. دار العلوم.

  18. الدكتور محمد جميل الغازي في محاضرة له مسجلة عن التوحيد.

  19. الديمقراطية وحكم الإسلام فيها .حافظ صالح. دار النهضة الإسلامية.

  20. فقه السنة. سيد سابق .دار الكتاب العربي

  21. هذا الدين. سيد قطب. دار الشروق.

  22. نهج القـران الكـريم في الدعوة. حافـظ صالح. دار النهضة الإسلامية.

  23. تصويبات في فهم بعض الآيات د.صلاح الخالدي. دار القلم

  24. روح المعاني في تفسير القران العظيم والسبع المثاني للعلامة محمود الألوسي. دار الفكر.

  25. دقائق التفسير الجامع لتفسير ابن تيمية، تحقيق د.محمد السيد الجليد . مؤسسة علوم القران.دمشق.

  26. جامع البيان في تفسير القران. ابن جرير الطبري. الريان للتراث.

  27. تفسير الطبري. تحقيق محمود محمد شاكر. طبعة دار المعارف.

  28. الجامع لأحكام القران. القرطبي. دار إحياء التراث العربي.

  29. الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل. للعلامة جار الله أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري. تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض. مكتبة العبيكان.

  30. فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير .محمد بن علي الشوكاني. تحقيق د.عبد الرحمن عميرة. دار الوفاء .

  31. التفسير الكبير للإمام الفخر الرازي. دار إحياء التراث العربي.

  32. تفسير القران العظيم للشعراوي. الشركة الهندسية لتطوير نظم الحاسبات. أقراص مدمجة.

  33. الأساس في التفسير. سعيد حوى. دار السلام.

  34. تفسير القران الجليل المسمى بمدارك التنزيل وحقائق التأويل . الإمام النسفي . مؤسسة الرسالة.

  35. تفسير القران الحكيم الشهير بتفسير المنار .محمد رشيد رضا. دار المعرفة.

  36. النكت والعـيون تفسير الماوردي. مؤسسة الكتب الثقافية.

  37. تفسير القران للشيخ العز بن عبد السلام اختصار النكت والعيون للماوردي . تحقيق الدكتور عبد الله الوهيبي. دار ابن حزم.

  38. تفسير البيضاوي المسمى أنوار التنزيل وأسرار التأويل. دار الكتب العلمية.

  39. تفسير البغوي المسمى معالم التنزيل. محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي. دار الكتب العلمية.

  40. إرشاد العقل السليم إلى مزايا القران الكريم. تفسير أبي السعود. محمد ابن محمد العمادي. دار إحياء التراث العربي.

  41. في ظلال القران. سيد قطب. دار الشروق .الطبعة العاشرة.

  42. تفسير الجلالين. دار الكتب العلمية.

  43. تفسير القران العظيم. ابن كثير. دار الجيل.

  44. تفسير القران العظيم. ابن كثير. دار الفكر العربي.

  45. زاد المسير في علم التفسير .ابن الجوزي .دار الفكر.

  46. التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج.د.وهبة الزحيلي. دار الفكر.

  47. المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز. لأبي محمد عبد الحق بن عطية الأندلسي . تحقيق الرحالي الفاروقي وغيره الطبعة الأولى 1398هـ الدوحة.

  48. تفسير المراغي. أحمد مصطفى المراغي. دار الكتب العلمية.

  49. اللباب في علوم الكتاب. للإمام المفسر أبي حفص عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي . تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وغيره. دار الكتب العلمية.

  50. عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ. صنفه الشيخ أحمد بن يوسف المعروف بالسمين الحلبي . عالم الكتب.

  51. التيسير في أصول التفسير. المهندس عطا أبو الرشتة. ‏

  52. تفسير الحسن البصري. جمع وتوثيق د.محمد عبد الرحيم. دار الحديث.

  53. الإيمان. ابن تيمية. دار الحديث. تحقيق السبابطي.

الخلاصة

ذهب بعض أهل اللغة إلى أن الظن قد يأتي بمعنى اليقين كما قد يأتي بمعنى الشك ونفى القران الكريم ذلك نفياً قاطعاً في آيات كثيرة صريحة الدلالة لا تحتمل تأويلا منها “وَإِن تُطِعْ أَكثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ” 116الأنعام “وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ” 32الجاثية "إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى 23 النجم “إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَى 27 وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا” 28النجم “أَلا إِنَّ لِلّهِ مَن فِي السَّمَاوَات وَمَن فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ شُرَكَاء إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ” 66 يونس “سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ” 148الأنعام “وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا 156 وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا” 157 النساء “وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ” 36 يونس.

وكلمة الظن هنا اسم جنس محلى بالألف واللام يستغرق كل جنس الظن فلا يغني أي ظن من أي علم شيئاً؛ ولئن كان قد اشتبه على كثير من المفسرين تفسير الآيات التي جاء الظن فيها في موضع اشتبه عليهم أنه بمعنى اليقين فقد تبين في هذا البحث أن للظن معاني أدق وألصق بالآيات وبما حولها تقوى معه دلالتها على الموضوع الذي تتناوله الآيات ويصرف عن هذا الذي ذهبوا إليه تأوّلا وصرفا لمعنى الظن الأصلي إلى غيره من غير صارف .

على أن استعمال الظن على أنه الشك أيضاً أمر مجحف ومناف للحق فالظن غير الشك كما أنه غير اليقين فالشك يستوي فيه النقيضان لا يميل الشاك إلى أحدهما على الآخر وقد بينا في تفسير آيات يونس التي جاء الظن فيها كما في آيات القيامة والكهف أن الظن لا يمكن أن يكون بمعنى الشك أو اليقين ولا يستقيم أبداً تفسير تلك الآيات لو كان الظن هو اليقين او الشك .

كما أن بعض المصطلحات الدالة على أمور معينة أتى الإسلام ليمنع استخدامها في هذه المواضع لئلا يلبس المفاهيم مما يكون مدخلا للبس الحق بالباطل كمصطلح راعنا مثلا وبينا في البحث أن استعمال المصطلح الذي يؤدي إلى لبس المفاهيم يمنع شرعاً وبالتالي فإن القران إذ بين في مواضع كثيرة أن الظن والحق لا يلتقيان أبداً فكان لا بد من قول الكلمة الفصل في هذا الموضوع بمنع استعمال الظن للدلالة على اليقين حتى ولو رأى البعض أن العرب تستعملها؟

خاصة وأن موضوع اليقين والظن في العقيدة وبالتالي لا يمكن أن نبني أصل الدين على مفاهيم تختلط على المسلمين كما أن الناس يتوزعون في هذه الدنيا ما بين مكذب وشاك وظان ومتيقن لذا كان ضبط المصطلح ضرورة لمنع أي صورة من صور الاعتقاد إن لم تكن تصديقاً جازماً مطابقًا للواقع عن دليـل لا يتطرق إليها ظن ولا شك ولا تقبل حتى بغلبة الظن ولا تقبل إلا القطع والآيات واضحة الدلالة “وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا” 28 النجم والظن اسم جنس محلى بالألف واللام وبالتالي فلا نقبل تفسير الظن على أنه اليقين لنمنع لبس مسائل الاعتقاد على المسلمين فالشك هو الشك والظن هو الظن واليقين هو اليقين ولا يقبل الله من مسلم إلا اليقين. والله سبحانه وتعالى أعلم.

اللهم اجعل هذا العمل مُتقبّلا واجعله خالصاً لوجهك الكريم ولا تجعل فيه حظاً للشيطان واجعله في ميزان حسناتنا اللهم آمين.

رب اغفر لي ولوالدي ولمن له حق علي وللمسلمين والمسلمات إنك سميع قريب مجيب الدعاء.

فلو كان البيت بهذا المعنى لما ارتقى لأن يكون شعراً ولا كان قائله خلد به أبداً؛ ولكنه بيت شعر وأي بيت! بيت قاله شاعر يعرف الشعر حق المعرفة! وما ارتقى إلى درجته تلك إلا بهذا الأداء العظيم الذي أدته لفظة “الظنون” كما لعب الغريم دوره في رقيه.. ويتضح أن ما ذهبوا إليه باطل وأي باطل باستبدال اليقين بالظن ليصبح البيت:

رُبَّ هَـمٍّ فَـرَّجْـتَهُ بِغـَريـمٍ = وغُـيوبٍ كَشـفْتَها بيقين

تأمل أولا معنى البيت الأصلي: يقول إن الهم استبد به وأخذ عليه جماع نفسه وملك أمره حتى أن الغريم الذي في العادة يحب أن يزيد همه هذا الغريم من شدة ما رآه من همه رقّ قلبه له فراح يفرّج عنه همه وما زال يخفف وطأة ذلك الهم عن نفسه حتى فرّجه عنه وهو غريمه :

رُبَّ هَـمٍّ فَـرَّجْـتَهُ بِغـَريـمٍ = وغيوب.. كشفتها بظنون!

نعود إلى مثل الأم التي أضاعت طفلها لنتأمل فعل الظنون بها هذه الظنون التي رأيناها تفتك بهذه الأم لما رأتها في غاية الهم واليأس يقول الشاعر إن الظنون التي في العادة تعمل على زيادة الهموم ومضاعفتها هذه الظنون لما رأت من حالي ما لا يوصف تحنـنت علي وعطفت على حالي فراحت تكشف الغيوب لي بدلا من أن تزيدها قتامة كما هي عادتها فالظنون هي التي كشفت الغيوب لي من شدة ما رأت من همي ويا له من معنى راقٍ راقٍ راقٍ!!

إذن فالشاعر يقول إنه حتى الظنون التي من طبعها زيادة الغيب إظلاما ووحشة والنفس هماً وكرباً هذه الظنون نفسها، ويا للعجب من شدة ما رأت من حالي كشفت لي الغيوب لتخفف عني !!

نعود إلى البيت المعدل:

رُبَّ هَـمٍّ فَـرَّجْـتَهُ بِغـَريـمٍ = وغُـيوبٍ كَشـفْتَها بيقين

لنرى ما الذي آل إليه معنى البيت في شقه الثاني: الغيوب التي عصفت بي وتلبستني حتى ما عدت أرى غيرها هذه الغيوب كشفتها باليقين أي انتظرت حتى انكشف الغيب وتجلى الأمر على حقيقته فاكتشفت ما خبأته الغيوب لي!

ولا بد من ملاحظة حرف الباء الذي اقترن بالغريم وبالظنون لنرى أن الذي فرج همه وكشف غيوبه هما الغريم والظنون فبالظن نفسه انكشف الغيب وبالغريم نفسه انفرج الهم وهُما آخر ما يتصور المرء أن يكونا عونا له على هذا الأمر! فيا له من بيت ويا له من شاعر!!

الصورة نفسها معكوسة في بيت عميرة بن طارق

بأنْ يَـغْـتَـزوا قومي وأقعدَ فيكمُ = وأجْعَلَ مِنِّي الظنَّ غيبا مُرَجَّما

يقول الأستاذ محمود محمد شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري:"

بأنْ تَـغْـتَـزوا قومي وأقعدَ فيكمُ = وأجْعَلَ مِنِّي الظنَّ غيبا مُرَجَّما

يقول: نقائض جرير والفرزدق: 53؛ 785؛ والأضداد لابن الأنباري12 ؛وهو عميرة بن طارق بن ديسق اليربوعي قالها في خبر له مع الحوقزان ورواية النقائض “وأجلس فيكم…“و” وأجعل علمي ظنَّ غيبٍ مرجماً” وقبل البيت:

فلا تأمُرَنّي يا ابن أسماء بالتي =تجرُّ الفتى ذا الطعم أن يتكلما

ذو الطعم: ذو الحزم. وتجر من الإجرار: وهو أن يشق لسان الفصيل إذا أرادوا فطامه لئلا يرضع يعني يحول بينه وبين الكلام! وغزا الأمر واغتزاه: قصده ومنه الغزو: وهو السير إلى قتال العدو وانتهابه؛ والمرجّم: الذي لا يوقَف على حقيقة أمره لأنه يقذف به على غير يقين؛ من الرجم وهو القذف؛ هذا ?يتابع الأستاذ شاكر- والبيت كما رواه في النقائض ليس بشاهد على أن الظن هو اليقين ورواية الطبري هي التي تصلح شاهدا على هذا المعنى.إ.هـ." (2)

إذن فنحن أمام روايتين لو كنت مكان الشاعر لاخترت أن أقول رواية النقائض: وأجعل علمي ظن غيب مرجماً؛ لأنها أبلغ مع التسليم أيضاً ببلاغة الرواية الأخرى؛ والذي أراه في هذا البيت هو أنه يكره أن يعرف ما سيحصل لقومه عند غزوهم وهو عنهم ناء فقد يعلم ما يحدث لهم لكنه يريد لهذا العلم أن ينقلب وهماً وظناً وغيباً مرجماً! إذن فهو لا يريد أن “يعلم” كما توهم من أراد إلباس “ظن” معنى “علم” بل على العكس يهرب من العلم إلى الظن والغيب والوهم ليشتد بعداً عن العلم اشتداد الريح العاصف بالرماد! ولكأنه يعلم ضعف قومه وقلة قدرتهم على صد الغزو فيتمنى أن تنقلب وساوس نفسه غيباً لا يتحقق! وأما رواية الطبري فإننا قد نجد فيها معنى اليقين إن كان ظنه في هذه الحال لما يحصل لقومه المُغْتَزونَ ظناً حسناً لكن ?فيما أرى- أن دلالة الظن فيها أقوى وأوثق صلة ؛ وذلك لأنه بعيد عن قومه وهم يُغْتَزون فتأخذه الظنون بما يحصل لهم كل مأخذ وعادة في مثل هذه الظروف يتغلب الظن بالأمر السيء على الظن الحسن كما لا يخفى ومن هنا يحب لهذه الظنون السيئة أن تستحيل غيباً مرجماً لا يوقف على حقيقته أي يشتد بعداً عن اليقين أي يتدافع عن نفسه ولا يجثم على صدره يدفع الألم الكبير ببصيص من الأمل والظن في هذه الحالة أشد فتكاً بالنفس وهو اللائق بالمقام.

وأغرب بيت رأيت التعليل فيه شديد الضعف: يقول ابن منظور في لسان العرب: "والظن شك ويقين، إلا أنه ليس بيقين عيان إنما هو يقين تدبر وأما يقين العيان فلا يقال فيه إلا علم، ? والظن يقين وشك أنشد أبو عبيده :

ظنّـي بهم كعسى وهم بتـنوفة = يتـنازعون جوائـز الأمثـال

يقول: اليقين منهم كعسى، وعسى شك قال أبو عمرو: معناه ما يظن بهم من الخير فهو واجب، وعسى من الله واجب،" أنظر إلى هذا التلفيق غير المقبول: عسى شك، هذه واحدة ثم يقول: اليقين كعسى أي كالشك، ثم ثالثاً: عسى انقلبت فجأة إلى أنها واجب أي يقين! وذلك لأن الحق سبحانه إذ يقول عسى في القرآن فهو يوجب حصول ذلك الأمر، من هنا أصبحت لديهم المفاهيم متساوية فالشك هو الظن وهو اليقين!، أولا ظني كعسى أي أن ظني قريب من الشك، ولا دخل لليقين فيه لا من قريب ولا من بعيد، وقد بينا أن الظن يتراوح بين الاقتراب من اليقين أو من الظن، فهو هنا يقول بأن ظنه قريب من الشك، فأقحموا اليقين ليدللوا على أن الظن يقين، فتأمل! وما هو دخل عسى التي من الله سبحانه هنا؟ هل كل عسى في العربية واجب؟!

أما البيت الذي يثبت بشكل قاطع أن الظن ليس هو اليقين، وأنهما مفترقان، على الرغم من أن السادة المفسرين استشهدوا به على أن الظن بمعنى اليقين، فهو قول أوس بن حجر:

**فأرسلتُهُ مستيقِنَ الظن أنه = مخالطُ ما بين الشّراسيفِ جائِفُ ىة **

فالشاعر يقول بأنه أرسله وقد استحال ظنه ?الذي عادة لا يكون من اليقين بمكان- استحال ظنه إلى يقين؛ كما مر بنا، فالاستفعال يقع على وجوه: يكون لطلب الفعل من الغير فالاستخراج والاستفهام والاستعلام يكون في الأفعال المتعدية يقال: استخرجت المال من غيري وكذلك استفهمت .

ويكون للاستفعال لصيرورة المستفعل على صفة غيره، وهذا يكون في الأفعال اللازمة كقولهم استحجر الطين أي صار كالحجر واستنوق الفحل أي صار كالناقة؛ واستأسد الكلب ففي أصله الطبيعي، لا يمكن أن يكون الكلب أسدا، فإن كان منه ما هو من صفات الأسد؛ كالشجاعة والإقدام وما إلى ذلك، قيل: استأسد الكلب، من هنا كان قولنا استيقن الظن، أي بلغ مبلغاً في العادة لا يبلغه، وهو اليقين، في هذه الحالة، لصفات المرسَل من الصدق والأمانة والإقدام وما له علاقة بالبيت، استحال الظن يقيناً مدحاً للمرسَل، استحال الظن يقيناً، أما في الأحوال الطبيعية، أي مثلا لو أرسل غيره لما استحال ظنه يقيناً، بل لبقي على أصله وهو الظن المفارق لليقين. وهذا البيت يدل قطعاً على افتراق الظن على اليقين، فالاستشهاد به حجة عليهم لا لهم لو أمعنوا النظر فيه.


**(1) تفسير الطبري. تحقيق محمود محمد شاكر.طبعة دار المعارف2/18

(2) تفسير الطبري. تحقيق محمود شاكر.طبعة دار المعارف2/18.**

فصل :الشواهد الشعرية

كما أن المفسرين إذ وقفوا أمام الآيات التي اشتبه عليهم أن الظن فيها بمعنى اليقين فأولوها على أساس أن الظن في الشعر جاء بمعنى اليقين فإننا نستطيع بيان أن الظن الوارد في هذه الأشعار لا يمكن أن يكون معناه اليقين وإلا لضعف البيت وتردى إلى معان سقيمة لا تليق بالشعراء الذين قالوها.

ولنلحظ ما للفظة الظن من طبيعة خاصة لا تتوفر في الشك ولا في اليقين ليسهل علينا شرح البيت والأبيات التي تليه ولنسجل هنا ما للظن من علاقة خاصة بالنفس ومشاعرها وبالقلب وتقلباته وبالشعراء وظنونهم التي توقد في أنفسهم جذوة الشعر المستعرة وهي بذلك أبعد ما تكون عن أن تكون لفظة معجمية يُبحثُ لها عن معنى قاموسي نتوقف عنده وقد لمسنا كثيرا في الآيات السابقة أن وجود الظن في السياق أثراه ومنحه آفاقاً وآفاقاً رحبة تتسع لأفهام متعددة تبعاً لما يحسه كل من كانت له تجربة متشابهة تشترك مع الحال المذكورة بشكل أو بآخر أو كان له نصيب من معاناة تلمسها ظلال الظن.

وهنا تكمن العظمة التي تميز النصوص الراقية عن الموغلة في السطحية فالنص الفني يكون أعظم كلما اتسع لأفهام أكثر وغطى مساحات أوسع من نفوس المتلقين وهو بذلك يتجدد كلما قرأته الأذهان وتفكرت فيه وقد يفهمه متلقيان بطريقتين مختلفتين يجادل كل منهما عن فهمه ويجد لـه البراهين وليس المجال هنا للاستطراد في هذا الموضوع الذي يعرفه كل من يتعاطى الأدب والنقد الأدبي وإن كان من واجب المفسرين ?فيما أرى- أن يراعوا هذا الجانب الهام لدى تناولهم لمثل هذه النصوص فلا يتوقفوا عند حدود التشبيه وأركانه مثلا ليروا بلاغة النص من خلال قواعد بلاغية عامة لا تميز بين بليغ وأبلغ ولا يتوقفوا عند المعاني القاموسية بل عليهم أن يعيشوا النصوص روحاً ومعنى ليجدوا ما أثراه اللفظ بوجوده في ضمن سياق متسق فني فريد.

الأمر الآخر المتعلق بالظن هو أثره الشديد على النفس فلنتصور مثلا حال طالب ينتظر نتيجة امتحان مصيري بعد أن بذل جهده فتـتنازعه آمال النجاح وما يخالطها من أحلام بالآتي لتأتي الظنون باحتمال الرسوب لتجتاح كيانه الهموم ولتجثم على صدره أفكار قاتمة عن الآتي وأثر ذلك الفشل على مجريات حياته المستقبلية وعلى موقفه من نفسه وموقف الناس منه فإذا ما جاء النجاح كانت له فرحة مضاعفة ضِعفٌ جاء فرحةً بالنجاح ومطابقته للأحلام والآمال وضِعفٌ لتنحي الفشل وانقشاع الغيوم المتلبدة التي كانت لتمطره بمطر أسود لو رسب.

المثال الثاني الذي يهمني إيصاله للقارئ اللبيب هو الآتي: تخيل مثلا أن أُمّا قد أضاعت ابنها الغر ولم تعرف لـه مكاناً فما هو فعل الظنون بنفسها؟ ستتقلب على جمر الأفكار والمخاوف حتى تحترق روحها: تراه كذا؟ تراه كذا! وكل ظن يجول أفق خواطرها يضاعف أساها ويكاد يودي بها وما أن تأتيها بادرة أمل حتى يهاجمها ظن آخر وأفكار أخرى سوداء تشيب لها وهي في غير وقت مشيبها! فهل إذا علمت هذه الأم أن ابنها ميت يكون حالها أرحم أم والظنون تجتاح كيانها؟ إنه الظن الذي يفتك بالنفس والذي وصف بأنه أقوى المخلوقات إذ أنه الأب الشرعي للهموم! فمثلا قول دريد بن الصمة:

فقلتُ لهم ظُنّوا بألفَيْ مُدَجَّجٍ=َراتُهُمُ في الفارِسيِّ المُسَرَّدِ

غاية ما وصل إليه من شرحه هو قوله: وإنما يخوف عدوه باليقين لا بالشك!!.

يقول العلامة الأستاذ محمود محمد شاكر رحمه الله في تحقيقه لتفسير شيخ المفسرين الطبري: "في الهامش عن بيت دريد: الأصمعيات23؛ شرح الحماسة2:156؛ مجاز القران لأبي عبيدة 40 وقبل البيت برواية الأصمعي:

**وقلت لعارضٍ وأصحاب عارض = ورهط بني السوداء والقومُ شُهَّدي

علانية ظنوا بألفي مدجج = سَـراتُهُمُ في الفارسيِّ المُـسَرّدِ**

وهذا الشعر قاله في رثاء أخيه عبد الله بن الصمة وهو عارض المذكور في شعره؛ المدجج: الفارس الذي قد تدجج في شكته أي دخل في سلاحه، كأنه تغطى به؛ والسُّراة: جمع سرى، وهم خيار القوم من فرسانهم؛ والفارسي المسرد: يعني الدروع الفارسية، والسرد: إدخال حلق الدروع بعضها في بعض؛ والمسرد: المحبوك النسج المتداخل الحلق؛ ينذر أخاه وقومه أنهم يلقون عدوا من ذوي البأس قد استكمل أداة قتاله" (1)

إذاً فهو هنا يحذر قومه حسب هذا الفهم ينذرهم من عدو استكمل عدته ليتأهبوا له بعدة مشابهة بينما في لسان العرب يقول أنه إنما يخوف أعداءه!! باليقين لا بالشك!

على كل فهي روايات وأفهام والشعر يصعب تحديد مراد قائله على وجه الدقة وإلا تحول خطباً حماسية لا ينطبق عليها مسمى الشعر وإن كانت موزونة مقفاة!

ما يهمني هنا هو أداء فعل الظن في هذا البيت سواء أكان يخاطب عدوه أم أخاه فالفهم بأن التخويف باليقين لا بالشك وجعل ذلك أساساً لفهم البيت يدل على أن الشارح ليس بشاعر وإنما يفهم من الشعر المعاني السطحية التي تطفوا على سطح الألفاظ !!

ولا عجب في ذلك ولا انتقاص لقيمة ذلك الرجل العلمية فلكلِّ علم وفن أهله فقد ترى عالم الحديث المبدع في علمه ليس بنفس القوة في الفقه مثلا وهذا لا يحط من قدره.

ولنبدأ بصياغة البيت بالصيغ التالية: فقلت لهم شكوا بألفي مدجج؛ تيقنوا؛ ظنوا.

ففي الحالة الأولى لا يوصف البيت إلا بالتهكم والضعف فلا يبعث الشاعر الهمة في نفوس قومه لملاقاة عدو بقوله: شكوا! وأما تيقنوا: فما الذي تؤديه من معنى؟ إعلموا بأن ألفي فارس مدجج سيأتيكم! ينتهي الخبر عند هذا الحد ويتفكر القوم بالعدد الذي سيأتيهم مدججا بالسلاح وحسب؛ أما بقوله: ظنوا فإن الشاعر يُحلّق عاليا في استنهاض هممهم بأن يتفكروا في فعل ألفي مدجج يأتونهم: ظنوا؛ ظنوا فِعلهم فيكم في نسائكم وأموالكم وهم العدو المدجج المدرع بالدروع المنتظمة حلقة في داخل أختها فلا سهامكم ولا رماحكم بالتي ستنصركم إن لم تحملوا الأمر على محمله؛ ظنوا وكلما استولت عليكم الأفكار التي يستطيع خيالكم أن يصل إليها فعليكم أن تتأهبوا بعدة تفوق عدتهم لتحموا أعراضكم وأموالكم! ظنوا: وأطلقوا لخيالاتكم عنانها لترى الهوان والذل الذي سيلحق بكم إن تركتموهم يتفوقوا عليكم بعدد أو عتاد! وكلما عظُم تصورك لقوة عدوك واستعداداته وكانت لديك القدرة على مجابهته كلما اتخذت احتياطاً أليـق يقيـك شر عدوك وإنما كانت الاستهانة بالعدو في أغلب الأحيـان السبب الرئيس في الانكسارات والتاريخ حافل بالعبر فهو يحذر قومه بأن عليهم حمل الأمر محمل الجد وأن عليهم أن يبذلوا غاية جهدهم لمواجهته! ولا يقال هنا أنه يثبط من عزائمهم؛ لأنهم سيُهاجمون في عقر دارهم فلا بديل عن الاستماتة لدفع الذل فلا مجال هنا للخضوع ولا بديل عن الاستعداد خاصة وأن قبيلته من أقوى القبائل وأشدها بأسا في القتال.

أما لو كان الخطاب موجهاً لعدوه فإنه يثـبطهم ويلعب على وتر الحرب النفسية والتي تشكل عصب الحرب الناجحة في كل زمان والأمر لا يحتاج إلى إطناب في الشرح. فاللعب على وتر الظن هو أداة الشاعر في إيصال فكرته وفي استفزاز الخيالات واستنفار الهمم والعلاقة أكثر من وثيقة بين الظن والخيال.

ويجلي الأمر بشكل أوضح بيت أبي داود:

رُبَّ هَـمٍّ فَـرَّجْـتَهُ بِغـَريـمٍ = وغُـيوبٍ كَشـفْتَها بِظُنـونِ

أقول: يتجلى الفرق بين الظن واليقين في هذا البيت الذي اتخذوه دليلا على أن الظن هو اليقين !! وأظهر هذا البيت بوضوح أن فكرة أن الظن هو اليقين فكرة ملفقة بعُد الشّراح بها عن الدقة في الفهم واقتربوا من تلبيس الألفاظ معاني ما خلقت لها ! كما بين البيت أيضاً أن الظن كذلك ليس بالشك الذي عرفناه بأنه التردد بين النقيضين لا يميل لأحدهما على حساب نقيضه! فقد قابل الشُراح بين الهم الذي فرّجه الغريم وبين الغيب المجهول الذي كشفه بظنون ليكون الكشف باليقين لا بالشك! فكما أنه لم يجد من يفرج الهم به إلا آخر من يمكن أن يكون مصدرا لتفريجه وهو نقيضه أو غريمه فإنه لم يجد من يكشف الغيب به إلا نقيض الغيب الذي هو اليقين الذي يرى به الأمور على حقيقتها ويجلي به الغيب الذي خفي بأصدق ما يجليه بما لا يدع مجالا للشك، وهنا كانت المغالطة!

نقف هنا وقفات هامة أمام هذه الآية “وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وكذلك قوله تعالى"وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا” وفي كلا الآيتين يشترك مشركوا مكة مع الجن في هذه التصورات الفاسدة فالحجة قائمة عليهما معا.

أولا: نستنبط من الآية الأولى معرفة الجن بالله وتعظيمهم له سبحانه لذلك كان يغلب على ظنهم أن لا أحد يجرؤ على الافتراء عليه، ومثلهم مشركوا مكة كانوا يتصورون أن الله أعظم وأجل من أن يبعث رسولا، “وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللّهُ بَشَرًا رَّسُولاً” 94الإسراء، أو من أن يعبدوه من غير وسائط (الأصنام) “مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى” الزمر؛ ..الخ

ومن هذا نصل إلى قضية هامـة وهي ضرورة ربط الاعتقاد بمنهج رباني يحميه من الضلال والتصورات الفاسدة فلا يقع المرء عندها فريسة أوهام تصرفه عن الحق.

ثانياً: أن الجن عند سماعهم للقران كانوا أصحاب قلوب نظيفة وفطر سليمة أهلتهم للإيمان والانطلاق للدعوة وصحيح أن بعض أهل مكة كانوا كذلك كساداتنا أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم عليهم رضوان ربي إلا أن غالبية أهل مكة كانوا أصحاب قلوب ران عليها حب الدنيا وطمس أعينها عن فهم الحق أو عن اتباعه أي كانوا متكبرين! والكبر أصل أكثر المعاصي والجهل!!

ثالثًا: أن الفرق بين ظن الجن وظن المشركين (اعتقادهم المبني على الظن) أن ظن الجن كان مبنياً على جهل وغرور غرهم فلما جاء الحق ارتدعوا ونفضوا عنهم غبار الجهل والعمى فأبصروا؛ وأما ظن المشركين فكان ركامًا متحجراً يجثم على قلوبهم مادته الكبر والتكبر وحب الدنيا فتبلدوا في وجه الدعوة وجاهروها العداء وناصبوا أهلها الإيذاء.

رابعاً: أن لهؤلاء الجن حس مرهف وذوق رفيع وقلوب منفتحة منشرحة ما أن لامسها الحق حتى استقامت على الطريقة وأن لأهل مكة الذوق الرفيع فقد علموا واستيقنوا أن هذا القران ليس شعراً ولا سحراً ولا كهانة (كالوليد بن المغيرة مثلا) ولكن استكبارهم وعنادهم أرداهم فلم يتبعوا الحق حين عرفوه بل استكبروا.

خامساً: أن الجن لم يتفكروا ملياً في أمر اعتقادهم قبل سماعهم الحق فهم كانوا يظنون أن لن يبعث الله أحداً مثلا وهذا التصور يدل على أنهم لم يضعوا قضية الاعتقاد موضعها الصحيح فاكتفوا بالظن في قضايا مصيرية وتابعوا حياتهم أي أنه لم تكن لديهم عقائد تجعل استبدال عقيدة الحق بها أمراً صعبا على أنفسهم بل غلب على ظنهم أن لا أحد يفتري الكذب على الله مثلا وهذا يدل على أنهم لم يفهموا الغاية التي من أجلها خلق الله الخلق ومن كانت هذه حساباته فنجزم أنه لا يتفكر في الكون والحياة ليتوصل إلى حل العقدة الكبرى ليدرك معنى وغاية وجوده في الكون!

أما أهل مكة فدين الآباء والأجداد والأحلام والكهانة والتنجيم كل ذلك كان مسيطراً على عقولهم فصرفهم عن الحق وأبعدهم عن منهج الله وهذا يفسر لنا سهولة اقتناع الجن بالحق واتباعهم له وصعوبة ذلك عند الإنس.

أنوّه هنا إلى أن هذا الفهم تكون لدي من خلال فهمي لآيات سورة الجن أما أن يكون لدى كفار الجن عقائد فهذا أمر آخر إذ تذكر السورة الكريمة أن هنالك قاسطون من الجن كانوا لجهنم حطباً لكن هذا حال من أسلم.

أما قولهم “وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا” فيكشف لنا عن ظن آخر لديهم وهو أنه حتى مع كثرتهم وقوتهم وقدراتهم فإنهم كذلك يظنون أن الله محيط بهم قادر عليهم لا يعجزونه؛ أما الكفار فلديهم تصور آخر لذلك كان الخطاب الموجه إليهم يحمل تهديداً يناسبهم “وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا 23 حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا” 24

يقول سيد قطب: "فهو التهديد الظاهر والملفوف لمن يبلغه هذا الأمر ثم يعصي بعد التلويح بالجد الصارم في التكليف بذلك البلاغ .

وإذا كان المشركون يركنون إلى قوة وإلى عدد ويقيسون قوتهم إلى قوة محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنين القلائل معه فسيعلمون حين يرون ما يوعدون ?إما في الدنيا وإما في الآخرة- “مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا” … وأي الفريقين هو الضعيف المخذول القليل الهزيل !..

نعود إلى مقالة الجن فنجدهم يقولون “وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا” فنجد التعقيب على القصة يتناسق معها ونجد القصة تمهيداً للتعقيب فيجيء في أوانه وموعده المطلوب." (1)

نخلص إلى أن ظن الجن في الأمور التي ظنوها كان ناتجاً عن جهل وقلة إعمال للفكر للخلوص إلى الاعتقاد الحق الصحيح المبني على المنهج الرباني ولكنه لم يكن حاجزاً بينهم وبين تقبُّل الدعوة والدعوة إليها أما المشركون فالحواجز عندهم إسمنتية منيعة! لذلك سارع الجن إلى نفض غبار الظن عنهم وأوهامه ليتبعوا الحق .

ولما كان القصص القرآني للعبرة في واقع الحياة فلا بد من الاستفادة من هذه المقارنة بين عقائد الجن قبل الإسلام وعقائد مشركي مكة لنستفيد منها في أسلوب دعوتنا وطريقة تعاملنا مع المجتمعات والأفراد فمثلا هذا الجهل الفظيع المستشري في الأمة هذه الأيام من جراء وجود فكرة الديمقراطية بينهم وظنهم أنها الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ماذا سيحصل لهذه الفكرة الغبية لو نزع المفكرون عنها أوراق التوت التي تستتر خلفها ليبصرها المسلمون على حقيقتها كما أبصروا أختها الاشتراكية؟

ما أحوج المسلمين الآن إلى اليقين بعقيدتهم بعلمهم بغيرها من الأفكار ليدركوا ما عندهم من عقيدة عقلية توافق العقل وما عند غيرهم من أوهام لا ترقى للنظر فيها لولا أن أصحابها أصحاب سلطة يستميتون في الانتصار لها ولترويجها ولا حول ولا قوة إلا بالله.


(1)[في ظلال القران. سيد قطب6/3737].

فصل “وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذباً”

يتبقى من صلب الموضوع الذي نبحثه آيات سورة الجن المحتوية على الظن:

“وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا 4 وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا 5 وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا 6 وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا” 7الجن ويقول الحق سبحانه وتعالى في السورة نفسها “وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا11 وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا” 12 الجن.

الجو العام للسورة يتناول المواضيع التالية:

  1. بـيان عقائد الجن وتصوراتهم قبل إسلام نفر منهم وتبليغهم الدعـوة ومقارنتها بعقائد مشركي مكة خاصة وبيان القواسم المشتركة بينهما.

  2. بـيان العلاقة بين الجن والإنس وتصحيـح مفهومها بناء على العقيدة الإسلامية الصحيحة مع بيان بعض طبائع الجن وأحوالهم.

  3. نفي أن يكون الرسول عليه السلام قد أخذ شيئا عن الجن بل العكس إن الجن لم يكونوا قبل ذلك يعرفون بخبر هذا النبي الكريم عليه سلام الله ولا هو درى باستماع نفر منهم القران إلا بعد أن انصرفوا وأنذروا قومهم وأخبره الله بالوحي عن هذه الأحداث.

  4. بـيان الطريقة التي من استقام عليها فاز ونجا ومن حاد عنها خاب وخسر وأساسها التوحيد.

  5. الضر والنفع والخير وما إلى ذلك كله بيد الله وحده وعلم الغيب لا يعلمه إلا الله حتى الرسول نفسه صلى الله عليه وسلم لا يعلم منه إلا ما يبلغه الله بـه.

  6. الخطاب إلى الرسول المصطفى بأن ينسب إلى ربه وحده جل وعلا أمر النفع والضر وأنه عليه السلام لن يجد من يجيره من الله إن قصر في أداء الأمانة ?ونشهد أنه عليه السلام أداها على أكمل وجه جزاه الله عنا خير الجزاء- وما في ذلك من تكليف صارم له عليه السلام من ربه يتضمن وعيداً وتهديداً لمن ظن أنه يعجز الله في الأرض أو يعجزه هرباً.

  7. العقائد المبـنية على الخرافات أو على الأهواء أو على الضلالات أو حتى التي يتـبع أصحابها عقولهم وما تهديهم إليه دون الأخذ بمنهج الله وبالتصور الذي كون مصدره إلهياً عن الكون والإنسان والحياة كلها عقائد فاسدة يجب التبرؤ منها وتركها بل ونبذها فالاعتقاد يجب أن يكون عقلياً نقلياً أساسه النقل الصحيح والهدى الذي جاء من الله نتذكر هنا قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه في إقامته الحجة عليهم في عبادتهم النجوم وتقلبه في استدلاله من رب إلى رب حتى أثبت لهم أن هذه ما هي بآلهة تعبد ووضح لهم في نهايتها أن الهداية يجب أن تكون من عند الله مضافة إلى الفكر المستنير عن الكون والحياة.

نلمس في أسلوب السورة نوعين من الأداء أولهما يتحدث عن الماضي مشوباً بالأسى والندم هو ما شعره الجن إذ أسلموا بتذكرهم ماضيهم ويتناول عقائد الجن وتصوراتهم قبل إسلامهم يبدأ من قول الحق سبحانه “وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا 4 وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا 5 وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا 6 وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا” 7

والنوع الثاني يتحدث عما آل إليه حالهم بعد الهداية أو بصيغة تثبيت حقـائق عقدية أو منهجية صائبة تبين ما استجد عندهم من أفكار صحيحة أو يتحدث بنفس الأسلوب عن قضايا التوحيد من نفع وضر واستعانة واستعاذة وما إلى ذلك بالله وحده "قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا 21 قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا 22 والآيات التي تتحدث عن ظن الجن بأمور معينة جاءت من النوع الأول بصيغة الماضي أي تتحدث عن عقائد كانت لديهم منها: ظنهم قبل إسلامهم أنه لا يجرؤ أحد على الكذب على الله أبداً لذلك عندما ادّعى سفيههم (ولعله إبليس وقد يكون أي مشرك فإن المشرك بالله سفيه، وأي سفيه!) ادّعى أن لله صاحبةً وولداً فكان أن صدّقوه لعدم توقعهم أن يتجرأ أحدٌ على أن يكذب على رب العزة وفي قوله تعالى “وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا” إشراك للإنس في هذا المعنى ليشملهم الأمر وتعمهم النتائج المترتبة من أن المشرك من الإنس كالمشرك من الجن عليه أن يتبرأ من هذا الوهم ويثوب إلى رشده.

الرسالة القادمة من الانشقاق “يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ” 6

ويا لها من آية!! تعجز كل عقول البشر أن تصف بمثل هذه البلاغة والفصاحة حياة الإنسان والغاية منها مع تحذير شديد اللهجة لـه إن بغى أو ظلم رغم أنه سيجد في الدنيا ما يدفعه إلى الظلم آلاف المرات في كدحه هذا. فاللطيفة الأولى أن أنفاسه معدودة وسكناته وحركاته وسيلاقي ذلك كله بلقائه ربه، وفي استعمال “رب” هنا بلاغة أخرى فالرب هو المسيطر الذي عليه أن يهابه، والمربي الذي يضع القوانين الكفيلة بالتربية ليسير العبد وفق منهجه القويم فلا يضل ولا يشقى والرب هو الذي يعيل فلا يجعل الحياة همه ما دام الرب هو الذي يعيل ?الخ وفي استعمال “إلى” إعجاز آخر فالحياة تسير باتجاه هذا الرب وملاقاته فكل لحظة تمر تقرب الموعد ولكن الإنسان يمعن في غفلته من جهة وتزداد مسؤولياته وهموم حياته فيزداد كدحاً من جهة أخرى وكلاهما يبعده عن “إِلَى رَبِّكَ”!

وفي الفاء إعجاز آخر فالملاقاة فوراً تحصل له بانتهاء حياته فلا يتوهمن أن الحساب بعيد فمن كان بقي له في هذه الدنيا يوم أو بعض يوم فثم حسابه؛ ولا تنسى “إنّك” ففي التأكيد ما نجده في حياة حتى المرفهين فليس الكدح فقط في تحصيل المال ومتع الدنيا ولكن الصراع على الدنـيا والتكالب عليها والهموم والمكائد كلها تقلب حياة الإنسان كدحاً يلاقيه! “يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ”! وهذه الآية من أخطر ما وُصفت به حياة المؤمن فهو كذلك يكدح، يعرق لا ينام الليل يتفكر يدعو يصبر يُؤذى يُحارَب يُضيّق عليه مع أنه صاحب الحق وفي المقابل يأتي الكافر مسروراً إذا ما نال حظاً من الدنيا ظاناً أنه لن يحور فلا هو علم الغاية من وجوده في الدنيا ليكدح كما المؤمن ولا هو قنع بما قسم له فيرضى فهو يكدح بلا فائدة! وظنه أن لن يحور كظن صاحب الجنة في الكهف الذي لا يظن الساعة قائمة ولكن إذا كان ثمة ساعة فإن لـه فيها الحظ الوافر والحظوة الكاملة!!

قال ابن عباس رضي الله عنهما حبر الأمة وترجمان القران: “ما كنت أدري: ما يحور؛ حتى سمعت أعرابية تدعو بُنيّة لها: حوري أي ارجعي إلي؛ فالحور في كلام العرب الرجوع ومنه قول الرسول عليه السلام “اللهم إني أعوذ بك من الحَوْر بعد الكَوْر” يعني الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة؛ وقوله تعالى “بلى”: أي ليس الأمر كما يظن بل يحور إلينا ويرجع” (2)

وفي هذه الآية تحليل نفسي لنفسية الكافر يخطر بباله أحياناً انه قد يكون هنالك رجوع إلى الله ولكن يسارع إلى نفيه واستبعاده من حساباته فيظن أن لا رجوع!!

أي يغلب بشكل واضح أنه لا رجوع فلا ينشغل ولو قليلا بالتفكير بالبعث! وهذا الظن وإن كان في ناحية الظن السلبي بالرجوع إلا أنه مرحلة متقدمة قليلا على مشركي مكة الذين حتى لم يظنوا لا بالحور ولا بأن لا حور!

وقد أردى هذا الظن هذا الكافر ليأخذ كتابه من وراء ظهره؛ ولعل من ذهب إلى أن من يأخذ كتابه وراء ظهره هو الذي يحاسب ويعذب ثم يخرج من النار لعله جانب الصواب فهذا الوصف جاء بعد وصفه بأنه ظن أن لن يحور وهذا كفر والله تعالى أعلم.

فصل : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ

وبعد أن يذكر الله قصة سبأ وعقابه لهم يقول في سبأ "وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ 20 وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ 21 سبأ.

إلى جانب ما ذكره سادتنا المفسرون في هذه الآية أحب أن أبرز معنى يجول في خاطري حول “ظن إبليس” وإمكانياته تجاه هذا المخلوق المكرم الذي نفخ الحق سبحانه فيه من روحه.

إن إبليس يظن أن بإمكانه غواية هذا الإنسان فلماذا يظن؟ ولماذا فرح بإغواء غالبية سبأ (إلا المؤمنين وهم قلة) وسجل هذا النصر عليهم؟!!

أقول والله أعلم: إن الله سبحانه أودع في الإنسان العقل وهو سلاح خطير جداً لا يقوى إبليس عليه إذا ما استخدمه الإنسان كما ينبغي وقد يكون كذلك سلاحاً يستخدمه إبليس نفسه ضد مالكه! ولكن عندما علم إبليس ما عند الإنسان من سلاح خطير ظن أن بإمكانه غواية الناس وصدق ظنه مع هؤلاء البغاة ومع من هم على شاكلتهم من المستمتعين بالدنيا الناسين حق خالقهم ورازقهم وبعد تسجيله هذا النصر يبرز هو أيضاً أنه غلبهم وما له عليهم من سلطان فهم بذلك في غاية الجهل فكيف لمن لا سلاح له أن ينتصر على من لديه أعظم سلاح ؟ وهذا يدل على مدى إضعاف شهوات الإنسان لسلطة عقله فتتغلب عليه ليصبح من لا سلاح له قادراً على هزيمته مسيِّراً له!!

ولا أريد هنا الخوض في موضوع تلبس الشياطين والجن للبشر وصرعهم لهم فالآية توضح أنه ليس له عليهم سلطان فكيف نوفق بين هذا وتسييره لمن يتلبسهم بحيث لا يقدر أحدهم على معرفة ما يحصل له؟ علماً بأن المس هذا لا يمكن أن يصيب المؤمنين وقد عبر الله عن ابتلاء عبده أيوب بأنه مس من الشيطان ليكون للمس معنى آخر غير الذي فهمه الناس من آية الذي يتخبطه الشيطان من المس ? في الربا ? كذلك فالمس سابق لتخبط الشيطان في آية الربا، أي أن الشيطان يتخبط الإنسان الممسوس، كما يفهم من تفسير المهندس أبي الرشتة لسورة البقرة، ففي الآية إذن دعوة للبحث في هذا الموضوع ليس هنا مجالها.


(2) [الجامع لأحكام القران. القرطبي19/274]

وهذه الموضوعات كلها منبثقة من العقيدة من التوحيد بل هي معالم يقوم عليها التوحيد. ما يهمنا الآن بصدد الآيات التي نحن بصددها هو أن آيات المطففين المكية تلفت الانتباه إلى معاملات تقوم عليها العلاقات في المجتمع المكي (مجتمع الجاهلية) وهي من السور المكية التي نزلت بعد جولات من الصراع الفكري العقائدي بين التوحيد والشرك نهجت نهج كثير من الآيات التي فضحت قادة الشرك في مـكة ." وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ 1 الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ 2 وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ" 3 وطبعاً لو كان كيلهم في الشق الأول لحق لهم يستوفونه لما عاب القران عليهم ذلك اللهم إلا إن قدر على أن معنى ذلك أنهم لا يعامِلون الناس كما يحبون أن يعامَلوا ولكن المعنى الأقوى هو أن في الآية إشعار بأنهم يستغلون سلطانهم بالبغي على الضعفاء من جانبين جانب الكيل الذي لهم وجانب الكيل الذي عليهم كما يُقال كانوا كالمنشار يقطع في غدوه ويقطع في ذهابه لذلك عابهم في كلا الكيلين وتوعدهم .

إذن فثمة جشع واستغلال سلطة للتسلط على الفقراء والبغي على الآخرين بشكل عام وهذا من الأعمال السياسية للحزب (1) نهج القران الكريم في الدعوة.حافظ صالح. 47 بتصرف

الذي كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويدعو إلى الخير ? حزب محمد بن عبد الله عليه السلام ولا يقتصر هذا الفضح لجشعهم وخبثـهم بل إنه بعد ذلك يفضح عقولهم وعقائدهم فهم حتى لا يظنون علاوة على أن يستيقنوا قضية البعث والحساب!!

وهذه فضيحة أنكى وأمرّ من الأولى فأي إنسان هو هذا الذي يعيش في هذه الدنيا دون أن يتساءل عن الغاية من وجوده فيها وعما وراءها أي لا يحاول حل العقدة الكبرى في وجود الكون والإنسان والحياة وما قبلها وما بعدها أي في مسألة العقيدة!! أولئك كالأنعام بل هم أضل!! تقول عنهم الآيات تصور أنهم وجدوا أنفسهم في هذه الدنيا ورأوا الموت يقضي على كل نفس فيها ورأوا نظام الكون ورأوا ما رأوا مما لا مجال لتعداده من الآيات الدالة على الله وعلى عظمته سبحانه رأوا ما يفعل الظالمون في هذه الدنيا ورأوا القهر الذي نغص عيش المقهورين ولم يتساءلوا بعد ذلك عن الحقوق أتضيع بموت الظلمة؟ أوتهدر بموت المظلومين؟ فما الغاية من وجود الإنسان إذن في هذه الدنيا؟ أخلقه الله عبثاً بلا غاية؟ تعالى الله الحكيم عن ذلك علواً كبيراً!! أوليسوا بالأنعام؟!

هذا العمل السياسي الهام في فضح سادة مكة إلى جانب كشفه للغطاء عنهم ونزعه أوراق التوت عن عوراتهم لكيلا يغتر الضعفاء والمخبولون بهم إلى جانب ذلك فالآيات تحمل رسالة عظيمة قوية ذات طابع سياسي ثوري إلى هؤلاء الضعفاء مضمونها: كيف تتركون من هم دون الأنعام عقلا والذئاب جشعاً يتحكمون بكم ويأمرونكم وينهـونكم ويسرقـونكم ويمنعونكم من هذا الدين العظيم الذي جاء ليخرج الإنسان من عبادة الإنسان إلى عبادة رب الإنسان!!

ولربما ينطبق هنا عليهم من قبيل السخرية بهم القول بأنهم حتى لم يحتاطوا لأنفسهم حيطة الظان؛ وذلك لا من باب دعوتهم إلى الظن الذي بيّنا كم ذمه القران وذم أهله!!

فلا يقبل الله من عبد ظناً ولا جهلا بل لا بد من اليقين كما لا بد من العلم! ففي الظن هنا استهزاء بهم في سؤال استنكاري فـيه سخرية مريـرة بهم لأنهم غفلوا عن قضية هي أعظم قضايا الوجود التي على الإنسان أن يتفكر فيها ألا وهي البعث والنشور والحساب!! وتفضحهم الآيات أيضاً بأن ذلك كله والغفلة هذه ما هي إلا نتاج طبيعي لاستغراقهم في شهواتهم وفي جهلهم وطغيانهم “كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ” 14 تراكمت على قلوبهم طبقات فوق طبقات حجبت عنهم نور الحق فكانوا في أشد حالات الكفر؛ الكفر الذي لا يخالطه حتى ظن صغير بإمكانية حدوث البعث والنـشور وبالفعل كان استغرابهم فكرة البعث كبيراً وهذا هو جو الظن في المطففين لا معنى معه للقول بأنه يطلب منهم الظن بالبعث أو الاحتياط له كما يفعل من يظن!!

وعندما يختلي فرعون بهامان الذي يعلم أسراره كذلك عندما يخلو إلى نفسه نراه يظن موسى كاذباً وفي ذلك نلمح نوعاً من الإعجاب بما عند موسى وعدم الجزم بكذبه فيقول “وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ” (كيف لا وقد قال تعالى عن مكنون نفسه على لسان موسى: “لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ” أما هؤلاء الكفرة في مكة فحتى مجرد هذا الظن الذي ظنه فرعون استكبروا عليه!! أي إنكار هذا!!

وسببه واضح هو أن مشركي مكة من علية القوم أدركوا أن ما جاء به الرسول عليه السلام ما كان ترفاً فكرياً ولا وازعاً يسكن أعماق الضمير يستيقظ حيناً ويدخل في البيات الشتوي أعواماً إنما جاء بعقيدة حيّـة تُسَيِّر الحياة وتمنعهم الظلم الذي كانوا يعيشون به شأنهم شأن من أخضع المسلمين في هذا الزمان لأعدائهم واستأسد في حرب كل صوت يعلو ليعيد للمسلمين مجدهم! فالمطففون في هذا الزمان يقاسمونك رغيف الخبز من غير أن يمر بمـيزان ولا حول ولا قوة إلا بالله! لذلك حارب أسلافهم الإسلام وعلموهم أن حياتهم بالقضاء على دعاة الإسلام!

فصل : “وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ” “وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون” “إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ” “أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ”

نتناول بالبحث ثلاث آيات من كتاب الله العزيز في موضوع الظن:

“وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ 38 وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ” 39 القصص وقال تعالى في الانشقاق “وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ 10 فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا 11 وَيَصْلَى سَعِيرًا 12 إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا 13 إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ 14 بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا” 15

وفي المطففين يقول الحق سبحانه “وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ 1 الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ 2 وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ 3 أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ 4 لِيَوْمٍ عَظِيمٍ 5 يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ” 6

آيات لها دلائل في غاية الخطورة!! استكبار صريح وعلو في أرض الله على عباده وطغيان وظلم صرف أصحابه عن الحق فاستغرق أصحابه في متع الحياة الدنيا ونسوا الآخرة تماماً استحبوا الحياة حتى ظنوا أنهم لا يرجعون إلى الله !! ظنٌّ أوردهم موارد الردى والهلاك ! وفيها دليل عقلي على وجوب قيام الساعة فليس من عاش في هذه الدنيا براً رحيماً مؤمناً ملتزماً متواضعاً هيّـناً ليّناً مع عبـاد الله عزيزاً على الكفار، كمن طغى وبغى واستكبر وغش وخدع وكفر واستغرق في متع الدنيا وشهواتها أو كما في الأثر عن أحد الصالحين أنه سمع القارئ يتلو في قصة موسى مع فرعون “فَحَشَرَ فَنَادَى 23 فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى” 24 النازعات ومن ثم سمع آخر يتلو “سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى” 1 الأعلى؛ فقال: اللهم لا تسوي بـين من قال سبحان ربي الأعلى وبين من قال أنا ربكم الأعلى.

كما أنه في هذه الآيات تثبيت لصفة العقيدة السياسية للعقيدة الإسلامية من أول أيامها بوصفها جاءت لترعى شؤون الناس وجاءت لفضح الطغم الحاكمة المتسلطة على رقاب الضعفاء وجاءت لتحرض المظلومين على الانتصار!!

عندما يتحدث معظم الدعاة عن الفترة المكية في دعوة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم فإنهم يتحدثون عنها على أنها اقتصرت على أمر العقيـدة والجدل فيها لتثبيت أركان التوحيد ولم تتطرق إلا نادراً لقضايا التشريع والصراع السياسي وشؤون الحكم ولسنا نسلم بدقة هذا الفهم أبداً !

صحيح أن التوحيد هو الدين كله ومنه يتفرع التشريع وكل قضايا الدين الأخرى إلا أن الشكل الذي أخذته هذه الدعوة كان من أول يوم هو الشكل السياسي باعتبار السياسة هي رعاية شؤون الناس فالعقيدة من أول يوم أخذت شكل رعاية الشؤون وتسيير حـياة الناس بناء على مفاهيم العقيدة فكانت سياسية بخلاف ما نعلمه عن النصرانية الحالية التي لا تتدخل في شؤون الرعية!

كما أنها صبغت أسلوب الدعوة بالأسلوب السياسي أي أن طريقة الإسلام في الدعوة طريقة سياسية فقد اصطدمت بالأفكار المتحكمة في المجتمع صداماً ينفيها ويهدمها على رؤوس أصحابها ببيان عوارها وفضح سخافاتها وفضح زعامات مكة فوصفت أحدهم بالعتل الزنيم وأبا لهب فضحته بهجاء مرير من أول يوم اعترض طريقها وفضحت الوليد بن المغيرة والأخنس بن شريق وأبا جهل ولم تترك من هؤلاء الزعماء أحداً اعترض طريقها إلا هزّأته ليسقط من أعين الضعفاء المضبوعين بجاهه وسلطانه لتفتح أعينهم على الحق.

فإن لم تكن هذه هي السياسة في أرقى أنواعها فما هي السياسة ؟؟

وهذه سنة الله في الدعوات فموسى كذلك فضح فرعون "قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا 102الإسراء

وقد فصلت في هذه الآية الأخيرة في كتاب الإيمان الذي أشرت إليه، فما عند فرعون هو اليقين والعلم بصدق النبي عليه السلام، ولكنه طغى وتجبر وآثر الدنيا، وما زال الطغيان به حتى غير ما بقلبه من العلم إلى العداء السافر الذي أرداه، وفي هذه الآية لما لم يقده علمه إلى الحق قاده إلى الثبور.

وما من نبي إلا كان صراعه الأكبر مع الطغم الحاكمة لأنها هي التي تصرف العامة عن الحق بجاهها ونفوذها وسلطانها ومن أجل ذلك شرع الجهاد ليكسر الحواجز التي تقيمها الدول في طريق وصول الإسلام إلى العامة من رعايا تلك الدول.

فطريقة الدعوة إلى الإسلام اتخذت الشكل السياسي من أول أيامها في مكة المكرمة? وركزت هذا الشكل في طريقتها إلى يوم الدين.

"باستقراء السور المكية والآيات التي نزلت فيها نجد المواضيع التالية:

  1. موضوع العقيدة: إثبات وحدانية الله من جهة الألوهية أي توحيد العبادة والصفات وبعض مفاهيم الربوبية كالنفع والضر وإثبات أن هذا القران كلام الله وإثبات نبوة النبي الأمي عليه السلام وإثبات البعث والنشور …الخ .

  2. الصراع الفكري العقدي وتضمن الرد على مشركي العرب على اختلاف مذاهبهم وعلى اليهود والنصارى وتسفيه أحلام المشركين وتعريتها أمام المنبهرين بها .

  3. الكفاح السياسي: وتضمن التصدي لأئـمة الكفر وقـادة المجتمع وفضحهم وبـيان فسادهم الفكري والأخلاقي وطغيانهم وجورهم وظلمهم.

  4. التصدي للمارسـات الفاسدة والعـادات السيئة كوأد البنات والتطفيف في الكـيل.

  5. بناء الشخصيـة الإسلامية وتقويتها بأفـكار العقيـدة والصبر على الابتلاءات وربطها بالآخرة .

  6. القصص والأمثال لتثبيت قلب الرسول الكريم عليه السلام والمؤمنين ولبيان أن ما يلاقونه من ظلم وتعنت إنما هو سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا" (1)


(1) نهج القران الكريم في الدعوة.حافظ صالح. 47 بتصرف

فصل: “وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ” “فما ظنكم برب العالمين”

يقول الحق سبحانه "قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ 59 وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ 60 يونس.

وأول ما أحب لفت الأنظار إليه هو تقديمه التحريم على التحليل فقال “فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً” أي أن الأصل فيه أنه كان حلالا فحرمتموه وما كان الله أخرجه عن أصله بتحريمه أحللتموه فالأصل في الأشياء الإباحة!

ويقول رب العزة سبحانه في الصافات “وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ 83 إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ 84 إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ 85 أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ 86 فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ” 87 الصافات .

أنقل بتصرف كبير تفسيراً قيماً للدكتور محمد جميل الغازي رحمه الله وأعلى درجته في هذه الآيات من شريط مسجل لمحاضرة له عن التوحيد ثم تفسير سيد قطب عليه واسع رحمة الله: “ينقل لنا القران الكريم مناقشة جرت بين خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام مع الكهنة من قومه عندما جاء بفكر جديد حاجّه قومه أي خوفوه ولا يكون جدل الكهنة إلا بالتهديد كحالهم في كل زمان خوّفوه بالآلهة “قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ”؟ 80 الأنعام أتخوفونني وأنا مع الله وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ 80 وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ 81 الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ” 82الأنعام بظلم أي: (بشرك) من الذي عليه أن يخاف أنا أم أنتم؟ الموحد أم المشرك الذي يعبد مع الله آلهة أخرى؟ ? ويقول: “وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ 83 إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ"84… الآيات “فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ” 87 ؟! ما ظنك بالله ؟” ما ظن من يعصي الله وهو يعلم أن الله يراه ولو رآه أي مخلوق مهما كان تافهاً لا قيمة له لما تجرأ على المعصية أمامه ما ظنه بالله أجعله أهون الناظرين عليه؟! ما ظن من يشرك بالله شيئاً بالله؟ما ظن من يدعو مَن هو دون الله ولا يدعو الله ؟ “من يذهب إلى ميت ليقول له اشفني وعافني ما رأيه بالله؟ ألا يستطيع الله أن يشفيه ليلجأ إلى من هو دونه أم يحتاج الله إلى واسطة؟” ما ظن من يضع دينه في خدمة الملوك والسلاطين خوفاً منهم؟ ما ظنه برب العالمين؟ ما ظن من يظنون الرزق بيد العباد فيتركون الدعوة إلى الله خوفاً من أن يقطع العباد رزقهم ما ظنهم بالله؟ من يأكل من رزق الله ويتنعم بأنعمه ويُسيّر حياته ودولته بشريعة غير شريعة الله بل ويحارب شرع الله والداعين إليه ما ظنه بالله؟ من يحتكم إلى الطاغوت ويترك شرع الله من يظلم ويطغى ويفسق ويتعالى على عباد الله في أرض الله؛ من يغش ويكذب ويفتري ما ظنه بالله؟ ألم يعلم أن الله سبحانه قد طرد إبليس من الملكوت الأعلى وحكم عليه بالخلد في النار بتركه سجدة واحدة أمره بها فما ظننا بالله وقد تركنا مئات بل آلاف الأحكام التي شدد على فعلها “قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ” 24 التوبة “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ 38 إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” 39 التوبة؛ “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً 59 أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا 60 وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا” 61النساء? وغيرها مما حفل به القران من البيان؛ فما ظننا بالله وقد احتكمنا إلى غير أحكامه ورضينا بأحكام الكفر ولم نغير؛ حتى أصبحت الأصوات تصدر بشكل طبيعي بحرب الله ورسوله من غير نكير!! فما ظننا بالله؟ أليس الله بعزيز ذي انتقام؟! بلى وربي!

“إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ” 159 البقرة. لنـتأمل:

يقول الغازي: "إن الذين يكتمون.. يكتمون فقط ولم يقل يحرفون أو يؤولون على حسب هواهم لم يقل يصدرون الفتاوى حسب الطلب لم يقل هذا بل اختار ما هو دونه إثماً فقال: يكتمون؛ يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً؛ فأولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون وكيف لا نلعن من لعن اللهُ في كتابه؛ إلا الذين تابوا ولكن هل لهم من توبة؟ لقد اشترط عليهم شروطاً صعبة لتوبة نكاد نجزم معها أن لا توبة لعالم كتم أو حرف أو تلاعب في دين الله إرضاء لمن هم دونه وبيان ذلك أن العالم إذ يكذب على الله عالماً بكذبه وهو يجلس إلى قوم يحدثهم ويحرف الدين لهم ويصدقونه لجهلهم أو لشخصه ومكانته عندهم ثم يتركهم فيفشو الكذب ويدافع عنه الرعاع ويتبعه الغاوون وهو كذب والشرط الذي اشترطه عليهم ليتوب عليهم هو أن يصلحوا ويبينوا : "إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ"160 فكيف يبين وقد انتشرت كذبته في جنبات الأرض ولم تعد تقتصر على من حدثهم وكذب عليهم فكذبة العالم بلقاء مشهورة . لو كان العالم حين يضل يأخذ ضلاله معه حين يترك من كذب عليهم لهانت وليذهب في داهية لكن كذبته ستنتشر ليأخذ وزره ووزرهم معه إلى يوم القيامة قال عليه السلام: مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ. صحيح مسلم.

لذلك عندما عدد الله الذنوب والجرائم تصاعدياً كالآتي: “قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ” 33الأعراف “قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ”: أقل درجة ? على عظمها- هي الفواحش ما ظهر منها وما بطن كالزنا والخمر والسرقة وذلك بمقارنتها بما هو أفظع منها وهو “وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ” مثل الاعتداء على خلق الله أي الظلم ولكن الذي هو أصعب منهما هو “وَأَن تُشرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا” كاتخاذهم آلهة من دون الله كالهوى والمال والنساء والسلطان والحاكم والأصنام… ولكن ثمة إثم وجريمة أصعب وأدهى وأنكى من عبادة الأصنام والشرك بالله وألعن من ذلك وهي: “وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ” كقولك هذا حرام وهذا حلال بغير علم “وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ” 116النحل ويا ويل من يفتي بغير علم والأدهى منه أن يفتي كذباً على الله وهو يعلم أنه يكذب على الله فالمفتي بغير علم يكذب على الله والذي يعلم ويكذب ينصب نفسه إلهاً مع الله وهو الذي وصفناه بأنه أعظم من الشرك بالله!!

لذلك قال الله تعالى “قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ 59 وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ” 60 يونس؛"

يقول سيد قطب: “فركن الإسلام الأول أن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وهـذه الشهادة معـناها القريب إفراد الله- سبحانه- بالألـوهية … وأولى خصائص الألوهية حق الحاكمية المطلقة الذي ينشأ عنه حق التشريع للعباد وحق وضع المناهج لحياتهم وحق وضع القيم التي تقوم عليها الحياة … وكل من ادعى لنفسه حق وضع منهج لحياة جماعة من الناس فقد ادعى حق الألوهية عليهم بادعائه أكبر خصائص الألوهية وكل من أقره منهم على هذا الإدعاء فقد اتخذه إلهاً من دون الله.” (2)

““وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ” وصيغة الغائب تشمل جنس الذين يفترون على الله الكذب وتنتظمهم جميعاً فما ظنهم يا ترى ؟ما الذي يتصورون أن يكون في شأنهم يوم القيامة !! وهو سؤال تذوب أمامه حتى الجِبلّات الصلدة الجاسية” (3)

وفي قول الحق سبحانه فما ظنكم برب العالمين فيه حجة كاملة على البشر جميعاً في كل تصرف في حياتهم فوصف الرب سبحانه للعالمين فيه معنى الرب والرب هو المالك المتصرف السيد المربي لم يخلق العالمين (الخلائق) ليتركهم هملا ?كما يقول سيد قطب- فهو يقول أيحسب الإنسان أن يترك سدى ففي كل شأن من شؤونهم رباهم ووضع المنهج لهم فعليهم إن خالفوه أن يتفكروا فما ظنهم برب العالمين ما ظنهم بالمنهج الذي وضعه رب العالمين لهم أم عندهم ما هو أفضل منه ؟ فما ظنكم إذا رجعتم إلى ربكم وما حجتكم يوم لا يغني عنكم كيدكم شيئا ولا تنصرون!!


**(2) هذا الدين. سيد قطب18

(3) في ظلال القران سيد قطب3/1802**

الوجه الثالث: مغزى الآيات وشأن الحكم والعبادة:

أو أن استغفاره كان لأن مغزى القصة كلها أن هذا النبي انصرف أوقاتاً طويلة عن الحكم إلى العبادة، فلمن ترك التصرف في شؤون الحكم؟ لذلك كان التعقيب على هذه القصة بهذه الآية “يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ” فليس شأن العبادة بأهم من شأن الحكم بين الناس بالعدل وهذه هي التذكرة ولأجل ذلك استغفر وأناب، فنجمع بين التفسيرين الثاني والثالث أنه بعد حكمه بالعدل تبينت له الغاية وذكر المحراب في معرض القصة ، وكيف أنهم تسوروه وكابدوا في سبيل الوصول إليه ليحكم بينهم بالعدل، يثبت ذلك.

فصل: “مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ”

يقول الحق سبحانه في سورة الحج “مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ” 15 الحج .

ننقل ما قاله الأستاذ سيد قطب في الظلال: "والله يدخر للمؤمنين به ما هو خير من عرض الحياة الدنيا كله حتى لو خسروا ذلك العَرَض كله في الفتـنة والابتلاء.

“إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ” 14 فمن مسه الضر في فتنة من الفتن وفي ابتلاء من الابتلاءات فليثبت ولا يتزعزع وليستبق ثقته برحمة الله وعونه وقدرته على كشف الضراء وعلى العوض والجزاء.

فأما من يفقد ثقته في نصر الله في الدنيا والآخرة ويقنط من عون الله له في المحنة فدونه فليفعل بنفسه ما يشاء وليذهب بنفسه كل مذهب فما شيء من ذلك بمبدل ما به من البلاء “مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ” وهو مشهد متحرك لغيظ النفس وللحركات المصاحبة لذلك الغيظ يجسم هذه الحالة التي يبلغ فيها الضيق بالنفس أقصاه عندما ينزل بها الضرر وهي على غير اتصال بالله والذي ييأس في الضر من عون الله يفقد كل نافذة مضيئة وكل نسمة رخية! وكل رجاء في الفرج ويستبد به الضيق ويثقل على صدره الكرب فيزيد هذا كله من وقع الكرب والبلاء .

فمن كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بحبل إلى السماء يتعلق به أو يختنق ثم ليقطع الحبل فيسقط أو ليقطع النَفَسَ فيختنق ..ثم لينظر هل يُنقذه تدبيره ذاك مما يغيظه!؛ إلا أنه لا سبيل إلى احتمال البلاء إلا بالرجاء في نصر الله ولا سبيل إلى الفرج إلا بالتوجه إلى الله ولا سبيل إلى الاستعلاء على الضر والكفاح ولا خلاص إلا بالاستعانة بالله وكل حركة يائسة لا ثمرة لها إلا زيادة الكرب ومضاعفة الشعور به والعجز عن دفعه بغير عون الله فليستبق المكروب تلك النافذة التي تنسم عليه من روح الله" (1)

وفي قول الله من كان يظن أن لن ينصره الله تنبيه للغافلين اليائسين أن لو استبقوا في أنفسهم حتى الظن بنصر الله فإن ذلك سيكون مفتاحا لتفريج كرباتهم والله عند حسن ظن عبده به؛ إلا أن الآية تصف من يغلب على ظنه أن لن ينصره الله وذلك الذي يشتد بعداً عن الله هائماً على وجهه موغلا في عالم الظلمات فليفعل هذا الجاهل ما يظنه مفرجاً لهمه ولكن هيهات فلا نصر إلا لمن يربط الأسباب بالله!!


(1)[في ظلال القران .سيد قطب4/2414]

أما الوجه الثاني لتفسير هذه الآيات فيما أراه

فإن كان حقاً فمن الله وإن كان غير ذلك فمن نفسي أستغفر الله على كل زلل زللته إنه هو الغفور الرحيم، أرى هذا الوجه لصيقاً بالآيات يقوم على أن كلا الطرفين كان حقاً قد طرح خصومته وأعطاه نبي الله داود الجواب على ما طرح وبـيان ذلك أننا لو دققنا في الآيات لوجدنا فيها نوعين من الطرح على طرفي نقيض ونوعين من الإجابة تناسب هذين النوعين من الطرح؛ فطرح الأول يبين أن العلاقة بينهما علاقة خصمين بغى بعضهما على بعض (وإن كان البغي الذي بغاه الغني على الفقير واضحاً والبغي الذي بغاه الفقير غير جلي من السياق وإن كنا نستطيع تلمس بعض صوره لا على وجه الدقة) ويريد الحكم العدل ولا يريد الشطط ويطلب الهداية إلى سواء الصراط وما في هذا الطرح من غضب وطلب وصخب!

والطرح الثاني أخَويّ مستكين: "إِنَّ هَذَا “أَخِي” فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا؛ وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ، وما في ذلك من علاقة أخوية ودية وصداقة إلى جانب ما سبق ذكره آنفا وواضح أن الغني هو الذي يصخب ويصيح ويطلب عدم الشطط كعادة الأغنياء في ظنهم أن الدنيا ما خلقت إلا لهم ولا حق لغيرهم في أن يحيا إلا إذا كان تابعاً لهم خادماً! فلا يرضى إذن أن يشطط القاضي بمنعه هذا الحق الذي يدعيه لنفسه لمجرد أنه غني والثاني صاحب الطرح الودود الأخوي الذي يطالب بحقه على استحياء فالفقير صاحب النعجة الواحدة !

وأما الجوابان اللذان وردا في حكم النبي عليهما فجواب صاحب النعجة بأنه مظلوم لأن له الحق بالتملك وإن كان فقيراً ولكليهما كما أسلفت في قوله “وَإِنَّ كَثيرًا مِّنْ الْخُلَطَاءِ” وفي هذا الحكم بيان موجز بليغ يصف أحداث القضية من وراء السطور ويرينا أن هذه القضية البـسيطة في طرح ملابساتها تحوي تحليلا بالغ الأهمية لنفسيات أهل الدنيا من فقير وغني وتوضح سبب بعدهم عن الآخرة وتعلقهم بأسباب الدنيا وترشدهم إلى الحل بآيات معجزات من لدن حكيم خبير! على لسان نبي علمه الله من لدنه علماً!

وذلك أن الطرفين كانا متوادين متآلفين وربما مع شيء من استعلاء الغني وطمع الفقير أراد الغني فيهما استغلال العلاقة والمنزلة ليسلب الفقير ماله طمعًا في الدنيا فأحرجه وعزه في الخطاب حتى سلبه ما عنده وهنا يمكن أن نستنبط وجهة نظر الغني في حقه مثلا كأن تكون النعجة قد أنجبت له بمخالطتها لما عنده وبالتالي رأى أن له الحق بالجمل وبما حمل كما يقولون فقد أطعمها وتعهدها وسمنت ..الخ أو أنه كغني يرى أن له الحق في كل شيء وأن الفقير إنما خلق لخدمته كحال معظم الأغنياء من أهل الدنيا خاصة في ذلك الزمان الغابر ويظن هذا الغني أنه بإثارة الجلبة والصياح فإنه سيأخذ حقه (فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ ..الخ).

والثاني الفقير يصف بهدوء أنه صاحب حق (وقد قيل أن أحد الصالحين دخل مجلساً فيه نقاش يعلو فيه صوت أحد الخصمين فاحتكموا إليه ولمـّا يسمع ما تناقشوا حوله فقال إن الحق مع الشخص المتحدث بهدوء لأن صوت الخصم ما ارتفع إلا بانقطاع حجته فالدلائل تشير إلى أن النبي إنما حكم بعد أن وُجدت لديه القرائن الكافية) فصاحب النعجة الواحدة يعلم أنه صاحب حق أُخذت منه النعجة بالإحراج ونستشف من وراء السطور أن الآخر لم يعترض على ما قيل لأن همه يكمن فيما استجد من وضع بعد أن وُجدت النعجة لديه خاصة وأن الفقير أقر بأنها ما أُخذت منه بالإكراه والإجبار بل تتضمن “وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ” أن يكون غير قادر على رعايتها وأن تنجب له فبموتها ينقطع ماله وهذه نقطة في صالح الغني !! وفي قوله “بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ” إقرار منه بأنه ظلم الفقير ولكن له حق فيما نتج عن الوضع الجديد من وجود النعجة وسط نعاجه فالخصومة كما ترى كاملة والقضية بملابساتها واضحة ونحن نعلم من أسلوب القران الكريم وبلاغته وإعجازه هذا التلميح وعرض لقطات من القصة تاركاً للقارئ أن يربط ويفهم ويستنبط فمثلا في سورة العاديات بعد وصف بليغ رائع معجز لمعركة في عشر كلمات حوت ما حوت من البلاغة والدقة قال “فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا” 5 فلك أن تتخيل ما تفعله خيل العدو إذ يباغت عدوه بهذه القوة صبحًا بغير مقاومة والقوم عزل نائمين?الخ فبثلاث كلمات وصفت نتائج معركة كاملة مثيرة!!

ولم نعهد في أسلوب القران الإسهاب في الشرح والعرض والتفصيل وفي هذه القصة من جهة المظلمة التي ذُكرت قصتها عرض للظلم الصارخ الذي يطغى به الإنسان الغني والفقير فيه سواء والبعد عن منهج الله هو السبب في الطغيان والظلم فكانت هذه القصة مثلا صارخاً على ظلم الإنسان لنفسه ولغيره فالغني الذي يملك تسعةً وتسعين ضعفاً للمال الذي يملكه الفقير يطمع بما عند الفقير من حطام الدنيا ليأكله إلى ماله لا عن حاجة، ويستبد به الظلم لينكر على الفقير ماله وما آل إليه ماله بل إنه مستعد لقطع حبل الود إن كان ثمن وصله إرجاع الحق لصاحبه ويتهمه بالبغي عليه إذا ما طالبه بحقه ألا ترى أن هذا هو مثل أغلب أهل الأرض من الذين لا يقيمون مصالحهم على أساس الدين!! وهو محور الآيات!!

والفقير الضعيف بعدما سُلب ماله ما زال متعلقاً بأسباب الغني لا يريد صرم مودته حتى بعدما غصبه ماله وهذا نجده في “إِنَّ هَذَا أَخِي” وهذا من أهم النتائج الناشئة عن ضعف الإيمان (أقصد بالتحديد وصل الأسباب بالمخلوق طمعاً وخوفاً مع نسيان الخالق سبحانه وهو ما ينطبق هنا) إذن فهو يخشى إن قطع الغني مودته أن يجوع ويعرى!

لذلك كان هذا البعد الشديد عن الله وحبهما للدنيا وبغيهما بعضهما على بعض وأكلهما مال بعضهما بعضا بالباطل أول ما لاحظه داود عليه السلام من خصومتهما وآلمه ذلك فاتخذه منطلقاً لحديثه إليهما فبين أن أساس خصومتهما هو المفاهيم الخاطئة عن الحيـاة إذ لم تُبن على الإيمان لذا انهارت وهذا البيان يمليه عليه واجبه كنبي وهذا هو استغلاله للسلطان الذي عنده في التأثير عليهما لكيلا يعودا إلى البغي.

قول داود عليه السلام “وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ” استثنى الذين آمنوا من هذا البغي فإن كان هو الفاعل لذلك وجب أن يكون حاكماً على نفسه بعدم الإيمان فينتفي بذلك أن يكون ظلم في الحكم كما مر عن الرازي. وهنا قد يتساءل من لا يرى هذا الوجه حقاً فما هو استغفاره إذن ومغفرة الله له؟

فالجواب على ذلك: يقول الفخر الرازي “لعل الاستغفار إنما كان لأن القوم لما تسوروا ظن داود عليه السلام بهم أنهم يقصدون قتله فلما لم يظهر الأمر كما ظن ندم على ذلك الظن فكان الاستغفار عليه ?أو أنهم تسوروا قصره قاصدين قتله والإساءة إلى أهله فدخلوا قصره في وقت ظنوا أنه غافل فلما رآهم داود عليه السلام خافهم لما تقرر في العرف أنه لا يتسور أحد دار غيره بغير أمره إلا لسوء يريده من قتله ?فلما رأوه مستيقظاً انتقض عليهم التدبير فاقترح بعضهم خصومة لا أصل لها زاعماً أنهم قصدوه لأجلها ?“وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ” أي امتحناه لكنه لم يعمل على ظاهر الحال ولم ينتقم منهم مع كونه ذا أيد وقوة.. بل صار مستغفراً للقوم الذين قصدوه وطالباً من الله أن يعفو عنهم وذلك أن الله تعالى لم يقل إنه أذنب ولا أنه استغفر لنفسه فإن المستغفر قد يستغفر لنفسه تارة ولغيره أخرى ? ثم قال الله تعالى “فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ” معنى غفرنا لأجل حرمة داود لأولئك وقبلنا شفاعته في التجاوز عنهم” (10) يقصد فغفرنا ذلك له أي لأجله !


(10)[عصمة الأنبياء. الفخر الرازي 101-102]

وقد نفهم أن حكمه في القضية معلق بصحة ادعاء الفقير فيكون الحكم إذا كان ما قلتَ صحيحاً فقد ظلمك. يقول الرازي: “هب أن لا دلالة في الآية على الذنب البتة ولكن مسارعته إلى تصديق أحد الخصمين حال حكمه يكون الآخر ظالماً غير جائز (قلنا) ليس في القران أنه صدقه من غير ظهور الحجة إذ المراد إن كان الأمر كما ذكرت فقد ظلمك” (8) وعذر سيدنا داود فيما فعل هو هذا الجو الأخوي الذي ساد القضية والشيء الآخر هو أن الطرف الذي ابتدأ الطرح هو الطرف الأضعف صاحب النعجة الواحدة فالطرف الأقوى ?صاحب النعاج الكثيرة - ما كان ليتأثر بهذا البيان إلا تأثراً إيجابياً يرجعه إلى الحق ويصرفه عن الظلم ولكن العدل المطلق المطلوب اللائق بحكم النبي الملك لا يقتضي أن يؤثر على أحد الخصمين حتى ولو كان بإرجاعه إلى الحق إلا بعد أن يدلي بأقواله كلها.

كما أنه عليه السلام يُذكرهما بأن تخالطهما تخالطاً ودياً إن لم يكن أساسه الإيمان بالله والعمل الصالح فإنه سيؤدي إلى اعتداء بعضهما على بعض مذكّراً بضرورة بناء العلاقة بينهما على الإيمان بالله والحب فيه لا على أساس مصالح الدنيا ومنافعها.

إذن فغاية ما فعله النبي داود عليه السلام هو أنه غلّب ناحية النبوة في شخصه كحاكم على جانب كونه قاضياً قاصداً الإصلاح والهداية ليزول الخلاف بالتراضي فكان هذا الامتحان عظة له في أن عليه الوصول إلى هذه الغاية بعد سماع الطرفين وهو بذلك فعل خلاف الأولى. أما توفيق ذلك مع السياق فذلك أن الآيات تطالب الناس بإقامة الحق والعدل كاملا فتذكرهم بهذا النبي الذي من شدة حرصه على العدل والحق كاد أن يخطئ وما كان لنبي أن يخطئ!

“ولما قال بعد تمام القصة (جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) وترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة لذلك الحكم فعلى ذلك يلزم أن يكون تفويض خلافة الأرض إليه بسبب هذا الحكم الدقيق الذي لم يبغ فيه ولم يظلم؛ قول داود عليه السلام “وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ” استثنى الذين آمنوا من هذا البغي فإن كان هو الفاعل لذلك وجب أن يكون حاكماً على نفسه بعدم الإيمان” (9)

أما استغفاره فعندما ترجح لديه أن ما حصل كان اختبـاراً من الله علم أنه كنبي ما كان لـه أن يؤثر على أحد الطرفين ولو بإرجاعه إلى الحق وتذكيره بالآخرة قبل سماع حجته عندما غلب على ظنه أنه ظالم لأخيه فاستغفر ربه وأناب إليه من كونه كاد يقع في الظلم واستغفار الأنبياء ليس بالضرورة أن يكون لخطأ منهم فهم لا يخطئون وإنما شكراً لله لذلك أتبع استغفاره بالركوع ?السجود- وداود كما نعلم من عباد الله الشاكرين!! كما أن حسنات الأبرار سيئات المقربين!

كذلك استغفر عن كونه تفرغ للعبادة كما سيأتي. وفي قوله تعالى “وَأَنَابَ” لطيفة أخرى من كونه عليه السلام إما أناب إلى الله بمعرفة مراده منه أو أن إنابته كانت إلى سابق عهده بالحكم أي بأنه كان يسمع الطرفين قبل البت في القضايا فعاد بعد هذه القضية إلى سابق عهده كذلك نجد في ظنه أنه ابتلاء لطيفة أخرى من أنه يعلم في نفسه أنه ما بت في القضية بتاً نهائياً بل هو ما زال في طور المداولة وهذا الظن منشأه من علمه بأن الحكم الذي أصدره ما هو بالحكم الذي يريد البت فيه في القضية.

أو أنه تنبه بعد أن بنى ما بناه على قول الأول أن الثاني عندما بدأ طرح الخصومة طرحها من منطلق آخر كما سيأتي إن شاء الله فقال “خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ” وما فيها من دلالة على أن الأمر وصل بينهما إلى حد الخصومة فظن أنه الابتلاء لحكمته بهذه القضية المعروضة بهذا الشكل الغريب فاستغفر ربه أنه نسي ما كان من الأول من طرح.

واللطيفة الأخرى هي أن موقفه هذا يذكرنا بموقف النبي الكريم يوسف عليه السلام إذ سأله السجينان عن الرؤى فكان ما كان منه من تذكير بالله وبالدعوة إليه قبل إجابتهما على سؤالهما وهو كما أسلفنا ولج إلى موضوع الدعوة من هذه القضية العامة التي فيها ما سيأتي بيان بعضه من شمولها لأكثر الجوانب التي تصرف عن الآخرة من حرص على الحياة والطمع والتسلط وغيره فبدأهما بالدعوة خاصة وأنه في المحراب وليس في مجلس القضاء فليس عبثاً ربط أجواء المحاكمة بقول الحق في أولها "إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ"21 أي دخلوا عليه في مجلس عبادة بقضية دنيوية فيها البغي والظلم والتهالك على الدنـيا من كليهما وما صاحب النعجة ببريء في الحكم الذي قضى به داود وإنما شأنه شأن صاحبه مدان “وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ” فالغني بغى بسلب مال الفقير والفقير بغى بتعلقه بأسباب الغني ناسياً أن التعلق لا يكون إلا بالله وسيتضح هذا أكثر عند طرح الوجه الآخر لتفسير الآية بعد قليل إن شاء الله. فلا أجد داود عليه السلام مخطئاً لا من قريب ولا من بعيد.

لطيفة أخرى هي أن الفقير وهو الجانب الأضعف في المسألة إذ ابتدره بالسؤال وبالطرح فإنه كان يرغب في حماية حقه بسلطة القانون كما يقال فأراد داود عليه السلام أن يردعه بأن الرادع الحقيقي لا يكون بالسلطان الناشئ عن القوة وإنما بالسلطان الناشئ عن التقوى أي سلطان الإيمان كذلك بغي القوي لا يردعه إلا التقوى والتخويف بالله فكان في جوابه رادع لكليهما ولعمري إنه القران الذي لا تنقضي عجائبه فلا تنفك الأذهان إذا ما أُعملت فيه تستنبط وتستنبط وتعجب لهذا البلاغ الكثير الذي جاء بألفاظ يسيرة !!

إذن فخلاصة الوجه الأول من تفسير هذه الآيات هو أن انسجام الآيات مع السياق لا يكون بإظهار من آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب والحجة القوية والعلم بمظهر الظالم الباغي المجانب للصواب بل تظهر لنا ببلاغ راق أنه من شدة حرصه على العدل بربطه القضايا المطروحة عليه بالدعوة والإيمان ليرد المتخاصمين إلى مفاهيم الدين لكي لا يكون همهم فقط هو حل النزاعات والمشاكل بل ليسيروا حياتهم بأوامر الله ونواهيه وهذا يعني تحقيق منتهى العدل الذي من أجله قامت السماء والأرض وما بينهما لا بقوة السلطان فقط بل بالتقوى النابعة من القلب فمن شدة حرصه على العدل والحق كاد يزيغ عنه!!


**(8) عصمة الأنبياء الرازي104

(9) عصمة الأنبياء. الفخر الرازي 100-101 بتصرف.**

المطلب الثاني من البحث هو محاولة الاقتراب من أجواء الآيات أكثر

لأحاول الاقتراب من تفسيرها أكثر مما فعل الأستاذ سيد قطب رحمه الله وإن كان ما قاله يحتمل أن يكون صواباً إلا أنني لا أستطيع أن أكتم الخواطر التي تجول في صدري عن هذه الآيات فلعل غيري ممن أوتي الحكمة والعلم أن يستفيد فيبيّـن والحق أحق أن يتّبع! ولذلك سأطرح أولا هذه الأفكار ثم سأحاول الوصول إلى صورة الوضع:

ثلاثة احتمالات لمغزى الآيات: الأول: يقارب ما قال به سيد قطب، ولكن يقوم على أساس المقاربة بين مهمة الحاكم ومهمة النبي، والثاني: على أساس أنه عليه السلام قضى في المسألة بعد سماع الخصمين وأنه حكم بالحق ولم يخطئ أبداً في الحكم وكل ذلك ندلل عليه من الآيات، والثالث: أنه قضى بالحق وأن الفتنة كانت لتذكرته بأن شأن الحكم ليس بأقل من شأن العبادة.

أولا: لو حصل أن قضى النبي في القضية قضاء باتاً نهائياً لدى سماعه طرفاً واحداً فإنه يعني أنه ظلم كليهما وحاشى لنبي أن يظلم إذ يحكم خاصة في هذا السياق الذي مادته العدل والحق.

ولتناقض ذلك مع عصمة الأنبياء، ثم نفي الله تعالى في ختام الآية عنه أن يكون اتبع الهوى في حكمه وبين الحق سبحانه عاقبة من يتبع الهوى وتوعده بالعذاب الشديد وما كان لنبي أن يضل عن سبيل الله في صغيرة أو كبيرة وهذا التعقيب يشبه قول الحق "وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وفي ذلك نفي لوقوع الغلول في حق أي نبي ثم قال حُكماً عاماً للناس كلهم بعد نفي الغل عن الأنبياء "وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"161 آل عمران، كذلك هنا يتكلم عن الحق والعدل “وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ” فيها نفي قاطع عن أن يكون اتبع الهوى لأنه لا يمكن أن يضل عن سبيل الله؛ خاصة وقد عقب بقوله تعالى “إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ” فلا هو بالمعذّب ولا هو بالذي ينسى يوم الحساب.

ثم أعود لأكرر بأنه ظن أنما قد فتناه وذلك يوحي بأنه ما كان قد أصدر حكماً نهائياً بل سمع الأول وعلّق على ما سمع وكان ينتظر سماع الآخر ليحكم الحكم النهائي فتفاجأ باختفاء الرجلين -وقد يكونا ملكين والأرجح أنهما ليسا كذلك- قبل انتهاء الحكم والبت النهائي فيه فظن أن في المسألة اختبار ولو كان ما قطعه من حكم هو حكمه النهائي في القضية واختفى الرجلان بعدها لعلم أنه أخطأ وأنه كان تحت امتحان ومن هنا نقول بأن في الظن دليلا قوياً على أنه كان لم يبت نهائيا في المسألة ووجه ذلك -والله أعلم- هو أن سيدنا داود كان نبياً ملكاً فكان يريد التوفيق بين المهمتين العظيمتين وهنا لا بد من ملاحظة الطريقة التي طرحت فيها القضية والجو العام الذي حام حولها نتأمله لأول وهلة فنجده جواً أخوياً ودياً فالذي طرح مظلمته هو الجانب الضعيف وليس الجانب المتسلط القوي وهو يقول في طرحه “إِنَّ هَذَا أَخِي” ويقول “فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا” فهو لم يعتد علي بضربي وغصبي مالي ولم يقل ملكنيها “وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ” إتبع معي أسلوب التخجيل وأنا استحييت منه لعلاقتنا المتينة فلم أستطع رده لما بيننا من الود!!

في هذا الجو الأخوي برزت القضية على أنها استفتاء أكثر من كونها خصومة لذلك أراد النبي أن يستغل هذا الجو الودي ليحولها إلى قضية أخوية يصلح فيها ويربط كليهما بالآخرة - وقد رآى الدنيا تفرق بينهما- وبالعمل الصالح فأمسك هنا

طرف الخيط فيما عرض عليه من الأمر وهو قضية الظلم القضية التي تنافي المبدأ الأساس الذي قامت عليه السماء والأرض وما بينهما وهو العدل والحق المبني على الإيمان بالله والعمل الصالح ليبين أن علاج الظلم لا يكون إلا بربط الأعمال بالله لا بالمصالح الدنيوية فتحل القضية بشكل ودي ويرتدع عندها الظالم منهما وكان عند ذلك يريد سماع الطرف الآخر لكنهما اختفيا بدليل أنه فوجئ بذلك وظن الأمر اختبارا له! وربما لم يختفيا وحصل أمر ظن من ورائه داود أن في الأمر اختباراً له ولم يذكر الله حال الرجلين لأن عرض القضية ?الفكرة - قد حصل وليس فيما وراء ذلك فائدة، أو أنه أدرك أن في الخصومة تذكرة من الحق سبحانه بأن عليه أن لا ينقطع عن الحكم، فتنبه من الحال إلى هذه التذكرة فظن أن الأمر فتنة تحوي تذكرة.

والمغزى من هذه القضية هو عظة لهذا الحاكم العادل الذي أراد أن يصل بالعدل إلى غاية ما يستطيع عن طريق ربط المفاهيم الدنيوية ?وهذا النزاع على الدنيا- بالآخرة بالتقوى فترتدع النفوس وتهدأ الخواطر ويُرجع إلى الحق ولا يعود الظالم إلى ظلم إذا خاف الله، وهذا غاية العدل وهو أفضل من التدخل بالسلطان والقوة لردع الظالم، والتذكرة هنا في أنّ تدخلك بالقوة لدى سماعك الطرف الأول وقبل سماع الثاني قد تربك الطرف الآخر فلا يستطيع الإتيان بحجة قوية تضمن له حقه .

المطلب الأول: إثبات أن محور الآيات ليس فيه شيء عن القصة الفرية

وأول ما نتناوله هنا هو الرد على من زعم أن هذه القضية في زواجه من امرأة حسناء بعد قتل زوجها الذي لا ذنب له إلا أنه زوج حسناء بزجه في مقدمة جيش المرة تلو المرة ليُقتَل ليخلي مكانه لزوج آخر لا يكتفي بتسع وتسعين زوجة، أعود لأقول هل لو قيـل ذلك عن عربي جاهلي ذي نخوة يُصدّق؟ علاوة على أن يصدّق إذ وصف به نبي وصف الله مكانته عنده “وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ”.

والسؤال الكبير هنا هو ماذا سيقول هذا النبي لله يوم الحساب عند سؤاله عن قتل هذا الرجل هل يدّعي بأنه دفعه للشهادة؟ فالله أعلم بخفايا الصدور ! وما كان الله ليصطفيه لمقام النبوة والملك والخلافة في الأرض ليحكم بين الناس بالعدل وهو متصف -حاشاه عن كل ما وصفوه- باتباع شهواته مستغلا لسلطانه لا أجد ذلك كله بحاجة إلى مناقشة فكلها ترّاهات وأباطيل لا ترقى إلى مستوى النظر فيها.

وبالنظر إلى السياق العام للآيات نرى أن الموضوع الأساسي للآيات هو قضية الحق الذي قامت عليه السماء والأرض ومن أجله خلق الله الخلق ويتفرع منها الحق في خلافة الأرض وإقامة العدل فيها والذي يجب أن يقوم على أساس الإيمان بالله سبحانه والعمل الصالح والبعد عن الشهوات والبعد عن اتباع الهوى فمن قام به نجا وأصلح ومن حاد عنه خاب وخسر.

ويضرب الله لنا المثل في نبي ملك آتاه الله ملكاً عظيماً سخر له الجبال والطير وألان له الحديد وعلمه الصناعة وآتاه إلى جانب ذلك وغيره ما شدد ملكه وأقامه: الحكمة ومنها رجاحة العقل وحسن إقامة الأحكام والقضاء وفصل الخطاب وهذا المثل الذي ضربه الله للناس إنما هو ليقول لهم: هذا عبدي الذي آتيته كل ذلك فلم يطغ ولم يستغل سلطته ولم يظلم بل أقام الحق وعدل وكان حكيماً عليماً لذلك استحق أن أقرّبه فأجعل له لدي الزلفى وحسن المآب وبعد إقامة الحق كان منيباً لله مستغفراً له شاكراً لأنعمه “اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ” 13سبأ، إذا كان هذا هو السياق فهل يتسق معه أن

يكون المثل المضروب للناس لإقامة الحق في الدنيا هو نبي مقرب يعتدي؟ نبي، ملك،خليفة، علمه الله وآتاه ما شاء وبعد هذا يظهر في هذا السياق بصورة المعتدي البعيد عن العدل والحق المتبع لشهواته؟؟

هل سيكون أي إنسان بعد ذلك ملوماً إن هو تجاوز وأفسد وبغى وطغى ما دام النبي فعل ذلك؟

هذا بلا شك يدل دلالة صارخة على أن الآيات لا يمكن أن تكون بأي صورة تظهر هذا النبي بالشكل الذي صورته به الإسرائيليات ولا يمكن أن يكون الخطاب فيها عن نساء وشهوات وقتل ومكائد واستغلال للسلطة وهذا السياق يشهد على أن هذه الخرافات ما هي إلا اعتداء صارخ على الله وأنبيائه وتدحض هذا التفسير الذي ما هو إلا كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف! يستحق القائلون به الجلد حداً !

وفي قول الحق سبحانه أيضا “وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ” أدلة كثيرة قوية على دحض هذه المزاعم وذلك أن العلم الذي علمه الله سبحانه أنبياءه ليس كالعلم الذي يعلَمُه من هو دونهم “وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ” "وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا"15 النمل، فالله تعالى هو الذي علمهم فعلمهم لدُنّي من لدن عليم حكيم فعلمه وحكمته التي نصت الآيات عليها تؤهله لإدراك حقيقة الأمور وماهية الأشياء فيحكم عليها بالحكم الصحيح المناسب للظرف ويعلم ما يُراد من الأشياء خاصة إذا كانت رسائل توجيهية من رب العالمين فبعد هذه الحادثة المذكورة في قضية النعاج وصف النبي الكريم عليه السلام تحليله لما حدث على أنه ظن أنه امتحان “وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ” يعني أنه يرجح أن الذي حصل أمامه كان امتحاناً وكونه قال “ظن” ولم يقل “وعلم” يعني أيضا أنه كان في نفسه شيء من هذه الحادثة (سنعرفه إن شاء الله بعد قليل) فلو كان في الحادثة تلميح أو تصريح أو وصف لفعل اقترفه تُذكره به كأن تعظه أنه أخطأ مثلا أو أنه ظلم، قتل، استغل منصبه… الخ لعلم عليه السلام بما علمه الله تعالى من علم أن هذه تذكرة جلية في شأن استغلال المنصب مثلا وما كان فهمه ليقصّر بعد هذه الرسالة الواضحة بعد هذه البينة ليقول إني أظن ذلك اختباراً بل ?لو كانت كذلك- كان ليدرك أنها تذكرة فيقول: أعلم أنني أذنبت وأعلم أنها تذكرة لكن القران بين أنه ظن أنه اختبار، ولا مجال لأحد أن يدعي أن الظن هنا يقين لأنه في آيات أقترب الظن فيها من اليقين أكثر من هذه أثبتنا أن الظن ظن واليقين يقين!

الأمر الآخر هو وصفه للأمر بأنه فتنة أي اختبار ولم يصفه بأي وصف يبرز ظلمه للآخرين بفعلة اقترفها. فغاية تقديره إذن للمسألة أنها قد تكون على الأرجح اختباراً له من الله في هذه المسألة التي سئل فيها! أو تذكرة لكونه يتفرغ للعبادة تاركاً الحكم في أوقات معينة وليس شأن الحكم بأقل من شأن العبادة! (وهذا الفهم الأخير استقيناه من الدكتور أحمد نوفل)

والدلـيل الثالث: هو عصمة الأنبياء عليهم السلام هذه العصمة التي بدأت ترتفع أصوات في أوساط المسلمين حتى في علمائهم بنفيها ولا حول ولا قوة إلا بالله نقول تقتضي هذه العصمة التي عصم الله بها أنبياءه من أن يضلوا أو يزلوا أو أن يطغوا وإذا ثبت خطأ النبي مرة فتتسرب إمكانية الخطأ لأي مكان في النبوة مما يهدمها.

ننقل رأي الفخر الرازي: "إن الذي حكاه المفسرون عن داود ..لا يليق بالأنبياء بل لو وصف به أفسق الملوك لكان منكراً.

الثاني: أن الدخول في دم أوريا أعظم من التزوج بامرأته فكيف ترك الله الذنب الأعظم واقتصر على ذكر الأخف.

الثالث: أن السورة من أولها إلى آخرها في حاجة [ولعلها محاجّة] منكري النبوة فكيف يلائمها القدح في بعض أكابر الأنبياء بهذا الفسق القبيح؟ ? أنه لما وصف بالقوة فأي قوة لمن لم يملك نفسه عن الفجور والقتل؟ …قوله “وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ” والحكمة اسم جامع لكل ما ينبغي علماً وعملا فكيف يجوز أن يقول الله “وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ” مع إصراره على ما يستنكفه أخبث الشياطين من مزاحمة أفضل أصحابه في الزوج المنكوح… أنه قال بعد تمام القصة (جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) وترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة لذلك الحكم فعلى ما ذكروه يلزم أن يكون تفويض خلافة الأرض إليه بسبب إقدامه على القتل والفسق وذلك مما لا يقول به عاقل… قول داود عليه السلام “وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ” استثنى الذين آمنوا من هذا البغي فإن كان هو الفاعل لذلك وجب أن يكون حاكماً على نفسه بعدم الإيمان." (7)


(7)[ عصمة الأنبياء. الفخر الرازي 100-101]

وكذا قال البيضاوي في تفسيره: “وأقصى ما في هذه القضية الإشعار بأنه عليه السلام ودّ أن يكون له ما لغيره وكان له أمثاله فنبهه الله بهذه القصة فاستغفر ربه وأناب عنه وما روي من أن بصره وقع على امرأة فعشقها وسعى حتى تزوجها وولدت منه سليمان إن صح!!! فلعله خطب مخطوبته أو استنزله عن زوجته وكان ذلك معتاداً فيما بينهم وقد واسى الأنصار المهاجرين بهذا المعنى وما قيل أنه أرسل أوريا إلى الجهاد مرارا وأمر أن يقدّم حتى قتل فتزوّجها هزء وافتراء ولذلك قال علي رضي الله عنه: من حدث بحديث داود عليه السلام على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة” (4).
وشر البلية أن تضطر إلى مناقشة هذه السفاهات التي لو قيلت عن عربي جاهلي ذي نخوة لما صُدّقت فكيف بها وقد قيلت عن نبي عظيم. والغريب أنك تجد في كثير من كتب التفسير هذه الحكاية: “وكان (أي داود) يجد فيما يقرأ من الكتب فضل إبراهيـم وإسحاق ويعقوب فقال يا رب إن الخير كله قد ذهب به آبائي. فأوحى الله تعالى إليه إنهم ابتلوا ببلايا لم يبتل بها غيرهم فصبروا عليها? وابتلي إسحاق بالذبح” ..الخ (5)
كيف لهم أن ينقلوا ذلك حتى بلا مناقشته مع علمهم أن الذبيح هو إسماعيل عليه وعلى أنبياء الله السلام، ومن يقرأ كتاب الله بتمعن يعلم أن قصة الذبح كلها حصلت قبل ولادة إسحاق وليس هنا موضعه.
يقول سيد قطب: “وبيـان هذه الفتنة أن داود النبي الملك كان يخصص بعض وقته للتصرف في شئون الملك وللقضاء بين الناس ويخصص البعض الآخر للخلوة والعبادة .. وكان إذا دخل المحراب للعبادة والخلوة لم يدخل عليه أحد حتى يخرج هو للناس وفي ذات يوم فوجئ بشخصين يتسوران المحراب المغلق عليـه ففزع منهما فما يتسور المحراب هكذا مؤمن ولا أمين ! فبادرا يطمئنانه “قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ” وجئنا للتقاضي أمامك “فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ” وبدأ أحدهما فعرض خصومته “إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا” (أي اجعلها لي في ملكي وكفالتي) “وَعزَّنِي فِي الْخِطَابِ” (أي شدد علي في القول وأغلظ) والقضية ?كما عرضها أحد الخصمين- تحمل ظلماً صارخاً مثيراً لا يحتمل التأويل، ومن ثم اندفع داود يقضي على أثر سماعه لهذه المظلمة الصارخة ولم يوجه إلى الخصم الآخر حديثاً ولم يطلب إليه بياناً ولم يسمع له حجة ولكنه مضى يحكم “قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء” (أي الأقوياء المخالطين بعضهم لبعض) “لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ” ويبدو أنه عند هذه المرحلة اختفى عنه الرجلان فقد كانا ملكين جاءا للامتحان! امتحان النبي الملك الذي ولاه الله أمر الناس ليقضي بينهم بالحق والعدل، وليتبين الحق قبل إصدار الحكم وقد اختار أن يعرض عليه القضية في صورة صارخة مثيرة ولكن القاضي عليه ألا يستثار وعليه ألا يتعجل وعليه ألا يأخذ بظاهر قول واحد قبل أن يمنح الآخر فرصة للإدلاء بقوله وحجته فقد يتغير وجه المسألة كله أو بعضه عند هذا تنبه داود إلى أنه الابتلاء “وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ” وهنا أدرك طبيعته إنه أواب"فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ؛ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ” وخاضت بعض التفاسير مع الإسرائيليات حول هذه الفتنة خوضاً كبيراً تتنزه عنه طبيعة النبوة ولا يتفق إطلاقا مع حقيقتها، حتى الروايات التي حاولت تخفيف تلك الأساطير سارت معها شوطا وهي لا تصلح للنظر من الأساس ولا تتفق مع قول الله تعالى “وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ” والتعقيب القرآني الذي جاء بعد القصة يكشف كذلك عن طبيعة الفتنة ويحدد وكذا قال البيضاوي في تفسيره: “وأقصى ما في هذه القضية الإشعار بأنه عليه السلام ودّ أن يكون له ما لغيره وكان له أمثاله فنبهه الله بهذه القصة فاستغفر ربه وأناب عنه وما روي من أن بصره وقع على امرأة فعشقها وسعى حتى تزوجها وولدت منه سليمان إن صح!!! فلعله خطب مخطوبته أو استنزله عن زوجته وكان ذلك معتاداً فيما بينهم وقد واسى الأنصار المهاجرين بهذا المعنى وما قيل أنه أرسل أوريا إلى الجهاد مرارا وأمر أن يقدّم حتى قتل فتزوّجها هزء وافتراء ولذلك قال علي رضي الله عنه: من حدث بحديث داود عليه السلام على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة” (4).
وشر البلية أن تضطر إلى مناقشة هذه السفاهات التي لو قيلت عن عربي جاهلي ذي نخوة لما صُدّقت فكيف بها وقد قيلت عن نبي عظيم. والغريب أنك تجد في كثير من كتب التفسير هذه الحكاية: “وكان (أي داود) يجد فيما يقرأ من الكتب فضل إبراهيـم وإسحاق ويعقوب فقال يا رب إن الخير كله قد ذهب به آبائي. فأوحى الله تعالى إليه إنهم ابتلوا ببلايا لم يبتل بها غيرهم فصبروا عليها? وابتلي إسحاق بالذبح” ..الخ (5)
كيف لهم أن ينقلوا ذلك حتى بلا مناقشته مع علمهم أن الذبيح هو إسماعيل عليه وعلى أنبياء الله السلام، ومن يقرأ كتاب الله بتمعن يعلم أن قصة الذبح كلها حصلت قبل ولادة إسحاق وليس هنا موضعه.
يقول سيد قطب: “وبيـان هذه الفتنة أن داود النبي الملك كان يخصص بعض وقته للتصرف في شئون الملك وللقضاء بين الناس ويخصص البعض الآخر للخلوة والعبادة .. وكان إذا دخل المحراب للعبادة والخلوة لم يدخل عليه أحد حتى يخرج هو للناس وفي ذات يوم فوجئ بشخصين يتسوران المحراب المغلق عليـه ففزع منهما فما يتسور المحراب هكذا مؤمن ولا أمين ! فبادرا يطمئنانه “قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ” وجئنا للتقاضي أمامك “فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ” وبدأ أحدهما فعرض خصومته “إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا” (أي اجعلها لي في ملكي وكفالتي) “وَعزَّنِي فِي الْخِطَابِ” (أي شدد علي في القول وأغلظ) والقضية ?كما عرضها أحد الخصمين- تحمل ظلماً صارخاً مثيراً لا يحتمل التأويل، ومن ثم اندفع داود يقضي على أثر سماعه لهذه المظلمة الصارخة ولم يوجه إلى الخصم الآخر حديثاً ولم يطلب إليه بياناً ولم يسمع له حجة ولكنه مضى يحكم “قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء” (أي الأقوياء المخالطين بعضهم لبعض) “لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ” ويبدو أنه عند هذه المرحلة اختفى عنه الرجلان فقد كانا ملكين جاءا للامتحان! امتحان النبي الملك الذي ولاه الله أمر الناس ليقضي بينهم بالحق والعدل، وليتبين الحق قبل إصدار الحكم وقد اختار أن يعرض عليه القضية في صورة صارخة مثيرة ولكن القاضي عليه ألا يستثار وعليه ألا يتعجل وعليه ألا يأخذ بظاهر قول واحد قبل أن يمنح الآخر فرصة للإدلاء بقوله وحجته فقد يتغير وجه المسألة كله أو بعضه عند هذا تنبه داود إلى أنه الابتلاء “وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ” وهنا أدرك طبيعته إنه أواب"فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ؛ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ” وخاضت بعض التفاسير مع الإسرائيليات حول هذه الفتنة خوضاً كبيراً تتنزه عنه طبيعة النبوة ولا يتفق إطلاقا مع حقيقتها، حتى الروايات التي حاولت تخفيف تلك الأساطير سارت معها شوطا وهي لا تصلح للنظر من الأساس ولا تتفق مع قول الله تعالى “وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ” والتعقيب القرآني الذي جاء بعد القصة يكشف كذلك عن طبيعة الفتنة ويحدد التوجيه المقصود بها من الله لعبده الذي ولاه القضاء والحكم بين الناس “يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ” فهي الخلافة في الأرض والحكم بين الناس بالحق وعدم اتباع الهوى؛ واتباع الهوى ?فيما يختص بنبي- هو السير مع الانفعال الأول وعدم التريث والتثبت والتبين.. مما ينتهي مع الاستطراد فيه إلى الضلال .
أما عقب الآية المصور لعاقبة الضلال فهو حكم عام مطلق على نتائج الضلال عن سبيل الله وهو نسيان الله والتعرض للعذاب الشديد يوم الحساب؛ ومن رعاية الله لعبده داود أنه نبهه عند أول لفتة وردّه عند أول اندفاعة وحذره النهاية البعيدة .. وعند تقرير مبدأ الحق في خلافة الأرض وفي الحكم بين الناس وقبل أن تمضي قصة داود إلى نهايتها في السياق يرد هذا الحق إلى أصله الكبير أصله الذي تقوم عليه السماء والأرض وما بينهما أصله العريق في كيان هذا الكون كله وهو أشمل من خلافة الأرض ومن الحكم بين الناس وهو إذ يتناول صميم الكون كما يتناول الحياة الآخرة “وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ” 27وهكذا في الآيات الثلاث تتقرر تلك الحقيقة الضخمة: إن خلق السماء والأرض وما بـينهما لم يكن باطلا ولم يقم على الباطل .. فلا يكون الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض." (6)
لله در الشيخ ما أروع استنباطه وفهمه إذ يربط النص بالجو العام للسورة ليتسق ويتناسق ويفسر بعضه بعضا.


(4) أنوار التنزيل وأسرار التأويل. تفسير البيضاوي 2/310
(5) الجامع لأحكام القران .القرطبي 15/167
(6) في ظلال القران. سيد قطب 5/3018-3019 بتصرف يسير

فصل : “وإنا لنظنك من الكاذبين” “وإني لأظنه كاذباً”

"وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ 65 قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ"66 الأعراف

“وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ 36 أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ” 37 غافر.

“فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ 27 قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ” 28 هود.

“قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ 185 وَمَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ” 186 الشعراء.

“وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ 38 وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ” 39 القصص.

نرى دائما الأسلحة نفسها، والاتهامات نفسها والتسفيه والشتم والإيذاء وعندما يصل الأمر إلى العقل يغلب على الظن أنه من الكاذبين!!

تصف حالة الظن هذه عن مكامن النفوس المريضة المستكبرة عرفت الحق فأعرضت عنه ولولا الظن هذا المستخدم هنا لما استخرجنا ما في أعماق نفس فرعون مثلا من تصديق موسى عليه السلام فهو أمام القوم (يعلم) ويتحدث بلهجة الواثق ولا يدع مجالا للشك (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي) ثم عندما يخلو إلى من يعرف حقيقته أو يخلو إلى نفسه: ينتقل العلم هنا إلى الظن بأنه من الكاذبين وما يصرفه عن الحق إلا الكبر والدنيا والسفاهة.

كذلك نرى ابتلاء الأنبياء دائما باتهامهم بالسفاهة وهم أصدق الناس وأعلم الناس وما يصرفهم ذلك عن مقارعة الباطل وبذل أقصى طاقاتهم في الدعوة .

**فصل: "وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ "

دفاع عن نبي الله داود عليه السلام**

"وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ 20 وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ 21 إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ 22 إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ 23 قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ 24 فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ 25 يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ 26 وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ 27 ص.

روي أن واحداً ذكر ذلك الخبر (الفرية التي يفترونها على داود) عند عمر بن عبد العزيز وعنده رجل من أهل الحق فكذّب المحدث به وقال: “إن كانت القصة على ما في كتاب الله تعالى فما ينبغي أن نتلمس خلافها وإن كان على ما ذكرت وكف الله عنها ستراً على نبيه فلا ينبغي إظهارها عليه، فقال عمر: سماعي هذا الكلام أحب إلي مما طلعت الشمس عليه!” (1) …

أستحيي وأترفع أن أنقل هنا الخرافات التي نقلها كثير من المفسرين في هذه القصة العظيمة؛ ورحم الله الأستاذ سيد قطب رحمة واسعة إذ قال: “وخاضت بعض التفاسير مع الإسرائيليات حول هذه الفتنة خوضاً كبيراً تتنـزه عنه طبيعة النبوة ولا يتفق إطلاقاً مع حقيقتها، حتى الروايات التي حاولت تخفيف تلك الأساطير سارت معها شوطاً وهي لا تصلح للنظر من الأساس ولا تتفق مع قول الله تعالى “وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ”” (2)

مرة أخرى تبرز أهمية وضع الآية في نطاق النص الذي وردت فيه لتنسجم معه مع ربط ذلك بالعقيدة ..عصمة الأنبياء! وبعدهم عن الفاحشة والمنكر والذنوب والخطأ والزلل عصمة الأنبياء الذين اصطفاهم الله ليبلغوا رسالته وما كان لمبلغ رسالة ربه أن يخطئ أو يزل! وإلا لكان احتمال الخطأ في مسألة باباً لتسرب الخطأ إلى الرسالة كلها.

علاوة على أن يفعل ما افتراه عليه الملعونون من بني إسرائيل والذين لا نستغرب عليهم هذا الافتراء على الله وأنبيائه ونحن نعرف عنهم قتلهم الأنبياء وتنكيلهم بهم ولكن الغريب أن ينقل المفسرون ?غفر الله لهم- هذه الخرافات عنهم ويضعونها في صورة المُسَلّمات فلا يكاد كتاب تفسير يخلو منها حتى من يميل إلى عدم تصديقها لا يكاد يجرؤ على ردها إلا عند بعضهم فمثلا يروي أبو السعود قصة داود بشكل حيي ثم يقول: “هذا وأما ما يذكر من أنه عليه السلام دخل ذات يوم محرابه وأغلق بابه وجعل يصلي ويقرأ في الزبور فبينما هو كذلك إذ جاءه الشيطان في صورة حمامة من ذهب فمد يده ليأخذها لابن صغير له فطارت فامتد إليها فطارت فوقعت في كوة فتبعها فأبصر امرأة جميلة” …الخ من هذه الخزعبلات؛ إلى أن يقول: “وأتاه خبر مقتله [أي زوج المرأة ] فلم يحزن كما كان يحزن على الشهداء وتزوج امرأته فإفك (يقول أبو السعود) مبتدَع مكروه وهو مَكر مخترَع بئسما مكروه تمجه الأسماع وتنفر عنه الطباع ويل لمن ابتدعه وأشاعه وتباً لمن اخترعه وأذاعه ولذلك قال علي رضي الله عنه: من حدث بحديث داود عليه السلام على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة وذلك حد الفرية على الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم” (3).


**(1) عصمة الأنبياء.الرازي101

(2) في ظلال القران. سيد قطب 5/3018

(3) إرشاد العقل السليم إلى مزايا القران الكريم.تفسير أبي السعود7/222**

والقدر هنا نوعان: قدر بمعنى تضييق الأرض عليه ففيها أقوام آخرون وقرى أخرى يبعثه الله إلى بعضها وعنده طاقة ولديه عزم وصبر على بدء الدعوة من جديد وهذا جَلَد ما بعده جلد وهمة تنوء تحتها الهمم العظام! والنوع الثاني من القدْر هو أن لن يُضيّق الله عليه نفسه فإنه إذا سلبه الله مهمته كنبي وداعية بعدم بعثه إلى أقوام آخرين فإن ذلك سيضيق عليه نفسه أشد الضيق فهو لا يتصور نفسه إلا نبياً وداعية وصابراً وفي هذين المعنيين الذين استفدناهما من الظن “فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ” رد على من يقول أنه لم يصبر على مشاق الدعوة ألا ترى أن من قطع شوطاً عظيماً في الدعوة مع قومه فأبلغهم رسالته ونصح لهم وبشرهم وأنذرهم وحاورهم وصارعهم عقدياً وسفه أحلامهم وعرفهم وعرفوه وعرفوا ما عنده من الحق وكسر كثيراً في الحواجز التي بينه وبينهم وأحياناً اقتربوا من الحق (بدليل أنهم لما رأوا بوادر العذاب أسلموا وتضرعوا لله: فكان ذلك دليلا على أنه قد وصل معهم باطنياً إلى حافة الإيمان وإن كانوا ظاهرياً قد بلغوا شفا حفرة من النار أنقذهم الله منها!)

وكان من أوسطهم نسباً، فبعد أن بلغ كل ذلك معهم وشارف على اليأس (استيأس من إيمانهم) وتيقن أن العذاب واقع بهم لا محالة فلا مجال للاستمرار معهم فتراه يضع نفسه بين يدي ربه وتحت تصرفه ليبعثه إلى قوم آخرين لم يعرفهم ولا عرفوه ولم يعرفوا عن طبيعة دعوته شيئاً فهو إذن سيبدأ معهم من جديد وهذا يعني أنه سيبدأ الرحلة الشاقة من جديد بظروف أصعب فمن كانت هذه همته فلا شك أن الصبر لديه سجية وعلو الهمة خصيصة والدعوة طريقة عيش لا يحيا بدونها!!

بل إنه يظن أن لن يضيق الله عليه وفي ظنه نلمس ظلال الرجاء فهو لا يتخيل نفسه إلا في خضم الصراع العقدي مع الكفار وإلا ضاقت عليه الأرض بما رحبت وضاقت عليه نفسه التي بين جنبيه .

إن وجود خبر ذي النون وسط أنبياء كان محور الحديث عنهم صبرهم ما كان إلا لأنه في طليعة الصابرين وكان أبلغ ما في خبره أن يقول الله تعالى عنه “فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ” ليعطي الحق بذلك مثلا لكل صاحب دعوة فهذا رجل استنفد غاية ما عنده من الطاقة ووصل بقومه إلى ما وصل ومع ذلك ها هو ذا يضع خده لله ليكلفه بمهمات جديدة عظيمة وهو مستعد للصبر عليها صبراً عظيماً وكذلك هو لا يتصور نفسه إلا داعية إلى الله فإذا سلب منه هذه المهمة الجليلة ضاقت عليه الأرض بما رحبت وضاقت عليه نفسه وظن أن لا ملجأ من الله إلا إليه فأي صبر أعظم وأي همة أعلى ولا أجد هذه القصة إلا أروع مثل للدعاة ليحتذوا حذوه صلى الله عليه وسلم.

ثم صبره عليه السلام وهو في جوف الحوت وهو في حالة الكظم والكرب الشديد مثلٌ يكفي لإدراكه أن تتخيل نفسك في جوف حوت مظلم يهوي بك إلى قعر بحر مظلم في ليل بهيم أما كنت حيـنها وأنت تنتظر الموت تستعجله لترتاح من العذاب خاصة وأن كميات هائلة من الحامض تهوي من كل صوب نحوك كاللظى المستعر؛ إن صبره في جوف الحوت لعجيب حقاً يدل على أن الصبر سجية من سجاياه العظيمة فهو وهو على هذه الحال يشكر ربه ويسبحه ويتقرب إليه وكان أقرب إلى الله وهو على هذه الحال من أي وقت مضى لأن ذلك بكل وضوح ليس عقوبة كما توهم الواهمون بل ابتلاء لرفع الدرجات وبرهان من الله للناس إلى يوم الدين أن أنبياءه هم صفوة خلقه أينما كانوا !!

وكما أن الرسول عليه سلام الله وهو عند سدرة المنتهى لم يطغ (بسؤاله ربه أن يرفع الحجاب) لم يطغ سيدنا يونس بسؤاله ربه عن العلة أو الحكمة من مجازاته على ما كان منه من دعوة لله وإيمان به وصبر وما لاقاه في سبيله بإلقائه في جوف الحوت كما أنه حتى لم يخطر بباله أن الله خيب ظنه فقدر الأرض عليه أيما قدْر بل حمده أن ترك له بحبوحة يستطيع السجود فيها! قام يصلي لله دره !!

ثم صبره وقد ألقى الحوت به على اليابسة وهو لا يقوى على دفع ذبابة عن نفسه كل هذه الابتلاءات تثبت لأصحاب الدعوات أن هذا النبي قد صبر صبراً يوازي صبر أيوب على مرضه عليهم السلام!

لذلك نقول بقوة أن الله إذ يذكره في سورة القلم إنما يكون بذلك مثلا على الصبر وقدوة للدعاة.

إذن فالأنبياء معصومون عن المعصية وعن الزلل والعقاب لا يكون إلا لمن أذنب!!

دليل آخر على عظيم صبره وعلى أدائه دعوته على أكمل وجه ؛ نرجع إلى كلام الأستاذ سيد قطب في كلامه عن آية "حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ"110يوسف وبيانه أن النصر يتنزل عليهم بعد اشتداد البلاء والأذى “أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ” 214البقرة لتعلم أن نصر الله تنزل عليه بعد أن كان حاله كما وصفته الآية وبعد أن استحق النصر بتجاوزه المحن والإحن وبالصبر العظيم فجاءه النصر بإيمان قومه وبعثه إليهم وبذلك لا تضيق الأرض عليه ولا تضيق نفسه ولا أدل من حادثة غزوة أحد على ذلك إذ أن النصر لا يأتي مع معصية ولا يتنزل النصر إلا على من كان مؤمناً عاملا صابراً.

نلخص الأدلة التسعة التي تثبت صبره عليه السلام:

**1) ذكره في سورة الأنبياء وسط أنبياء كان القاسم المشترك بينهم الصبر وفي سورة الصافات كما بينت ومحور الحديث هناك هو الابتلاءات والصراع العقدي والصبر والجزاء وفيها “وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ 147 فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ” 148 وفي سورة القلم كذلك مثلا للرسول يأنس إليه حين اشتد الأذى.

  1. الخاتمة التي عقب بها على مراده من قصص الأنبياء إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين.

  2. صبره في جوف الحوت

  3. صبره بعد إلقاء الحوت له على اليابسة لا يقوى على شيء يدل على أن الصبر من سجاياه.

  4. عصمة الأنبياء وحسن اختيار الله تعالى لهم .

  5. بقاؤه مع قومه حتى آخر نَفَس قبل نزول العذاب فإنه تركهم مغاضبا وفي هذا التعبير دليل على اشتداد غضبه إذ رأى العذاب يوشك أن يحل موعده وما ارتدعوا وهذا يدل على عظيم صبره معهم لولا أنه نسي!

  6. النصر الذي تنزل عليه بعد كل هذه الكربات دليل على استحقاقه له .

  7. فظن أن لن نقدر عليه! وهي مفتاح فهم ما عنده من عزم وعزيمة!

  8. قول الرسول الكريم عنه “ولا أقول أن أحداً أفضل من يونس بن متى” فهو يضعه في أعلى المراتب التي يتنافس عليها الأنبياء ليبلغوها.**

ولا أجمل من ذكر قصته في سورة القلم مثلا للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ليصبر صبره بعد أن بين لـه أن هذا النبي قاسى ما قاسيت وكان من قومه ما كان من قومك فاستأنس بقصته وقوّ عزيمتك!!

وبيان ذلك أن أجواء سورة القلم مشحونة ?كفلك ذي النون!- بالصراع الفكري العقائدي مع المشركين في مكة ومحاولاتهم الجاهدة لصرف النبي عليه السلام عن الحق حتى قال الله عن ذلك “وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ” 51 القلم ؛ وفي الإسراء “وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً 73 وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً” 74 ، إلى هذا الحد وصل الصراع بين الحق والباطل، ومعاناة رسول الله عليه سلام الله فكان لا بد من ضرب مثل لـه يشد من أزره، فالرسول الكريم في القلم يصف المشركين في مكة تارة بالضلال وتارة يبين لهم أن بعض زعاماتهم ما هو إلا هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد.. وتارة يذكرهم بنعم الله عليهم وكـيف كفروا الله وضرب لهم مثلا أصحاب الجنة لما كفروا نعمة ربهم أصبحت جنتهم كالصريم!!

ثم يشتد الصراع الفكري وتأخذ الحجج القوية الدامغة موقعها مشحونة بالترهيب والترهيـب والسخرية المريرة من عقولهم! “أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ 35 ؟؟ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ” 36 ؟؟! أهذا حكم عقل؟ .." أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ 37 ؟ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ"!! 38 تنتقون أفكاركم الضالـة حسب أهوائكم “أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ؟! إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ”!! 39 بعد كل سؤال متضمن حجة دامغة يأتي بتقرير فيه الاستهزاء بهم فيا له من صراع!! سَلْهُم أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ"؟؟40 “أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُوا صَادِقِينَ 41 يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ”… حجج دامغة وتحد رهيب وسخرية مريرة مشوبة بالاستخفاف بعقولهم وترهيب ووعيد !!

لا مكان فيه للترغيب تحد بشركائهم الذين نافحوا عنهم وقضوا حياتهم يؤذون المصطفى فيهم!! "خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ " … ثم يأتي بعد ذلك الإنذار الشديد العظيم بالعذاب الأليم الذي ليس كمثله إنذار لمشركي مكة إن لم يرتدعوا ولم يرعووا “فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ”!!! جبار السماوات والأرض الرب العظيم القوي المنتقم يواجه هذا المخلوق الضعيف الذي لا يقوى على ترويض ذبابة “ذرني” خل بيني وبينه!! أي إنذار رهيب وأي وعيـد شديد اللهجة “فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ 44 وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ”!! 45 مثل هذا الوعيـد جاء من يونس لقومه بعد أن صارع هذا الصراع الفكري الرهيب وبعد أن أوذي هذا الأذى الرهيب وما ذكر هنا إلا لبيان أنه قاسى مثلك يا محمد فاصبر صبره إذ لا يمكن أن يعضد الله صبر نبيه في هذه الأجواء بذكر نبي هارب لا يصبر على أذى يخاف القتل فينجو برأسه تاركا الدعوة ?أيعقل هذا ؟ سيفتُّ هذا من عزيمته ويخذله لو كان المثل المضروب في هذه الأجواء الحساسة من غير هذه الشاكلة من المعاناة والابتلاء والصبر خاصة وأن الله ذكر قصة يونس هنا بعد الإنذار العنيف وما ذلك إلا ليقول لنبيه إن هذا النبي بعد أن وصل إلى هذه المرحلة التي وصلت إليها وأنذر قومه هذا الإنذار الذي أنذرته ترك قومه قبل نزول العذاب عليهم مستعجلا بعد أن أيس منهم فلا تفعل فعله في ترك قومك قبل أن يقضي الله أمراً كان مفعولا!! “فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ” (إذ لم يصبر لحكم ربه وقضائه الأخير في قومه بعد أن أنذرهم) "إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ 48 لَوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاء وَهُوَ مَذْمُومٌ 49 (لولا تفيد امتناع أن يكون أتى ما يُذم عليه) “فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ” 50 وأدل ما يدل على ذلك سرعة إيمان قومه لما رأوا بوادر العذاب فقد كان وصل بهم إلى حافة الإيمان، مما يدل على عظيم فعله فيهم، وما يكون ذلك إلا نتاج صبر وكفاح وصراع فكري أثمر.

فليس الصبر المذكور هنا هو الصبر على حمل الدعوة كما توهم من نقل الأخبار الملفقة عليه ولكنه الصبر على قضاء الله الأخير في قومه بعد الإنذار!! وإلا فأين الإشارة إلى الصبر على الدعوة هنا بعد ذكر الإنذار؟ فاصبر لحكم ربك! ولم يقل اصبر على الدعوة هنا فذكر حكم الله أي قضاءه ولم يذكر الدعوة مقرونة بالصبر ليبين أن الصبر المقصود هنا هو الصبر على الحكم لا على الدعوة، وليس عبثًا أن تكون الآية السابقة تماماً لذكر قصة يونس وخبره في سورة القلم “أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ” 47 وفي ذكر الغيب هنا تذكير لطيف للنبي الكريم بأن الغيب عند الله والله يصرّف القلوب كيف يشاء ولا تدري يا محمد متى تنقلب قلوب كفار مكة لتصبح قلوباً مؤمنة فها هي قلوب قوم يونس انقلبت حين رأوا أول بوادر العذاب فكما صبرت على حالهم وهم منكرون فاصبر على حالهم وهم منذَرون؛ “أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ” 47: ليس عندهم الغيب ليعلموا ما سيكون ومتى سينزل العذاب عليهم ليتداركوا أنفسهم قبل نزوله بهم وهم غافلون وفي هذا إمعان في التهديد وقد جعل الحق بذلك موعد نزول العذاب مفتوحاً قد يأتي في أية لحظة كل هذا قبل ذكر قصة نبي هدد قومه بالعذاب فالدلائل كلها تقوي الرابطة بين قصة محمد في قومه ويونس في قومه عليهما السلام !

يبرز مقدار الصراع الفكري العقائدي والجدال والصبر في دعوة سيدنا يونس عليه سلام الله من أجواء سورة الصافات أيضاً والتي تنطلق في إبرازها لقضايا هامة جداً في الصراع بين الأنبياء والكـفرة من أقوامـهم تنطلق من فكرة خلق السماوات والأرض وعظمة الخالق سبحانه ثم التذكير بالتفكر في ذلك ثم يسخر الكفار ولا يتذكرون!

ويشتد الصراع مع الرسل باتهامهم بالسحر والسخرية منهم في مسألة البعث ?وكل هذا بشكل عام كسنة للصراع بين الرسل وأقوامهم حتى إذا جاء ذكر يونس بينهم علمنا أنه لاقى مثل ذلك- ثم تتحدث السورة عن يوم الدين وجزاء من سخر من الأنبياء وكيف سيُسألون وكيف ضل عنهم ما كانوا يدعون من دون الله ويتـتابع الصراع الفكري مع الكفرة “وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ” 36 ثم يهددهم بالعذاب ثم يصف تكذيبهم لرسول الله خاصة وللرسل عامة فهذه سنة الله في الدعوات ?الخ وهكذا ينطلق من هذا المنطلق لبيان الصراع بين الرسول الكريم وقومه مذكراً بالصراع بين من سبقه من الرسل وأقوامهم “وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ 71 وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ 72 فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ” 73 يبدأ بقصة نوح بأسلوب طرح يتكرر مع من بعده من الأنبياء وهذا ما يهمنا جدا هنا؛ بعد صراع شديد طويل مع قومه كيف نادانا فلنعم المجيبون ونجيناه وأهله من الكرب العظيم!! ثم جزاؤه على صبره؛ ثم قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه وحججه الدامغة وأنه من شيعة نوح ليقول بوضوح أن للأنبياء سنة في صراعهم مع أقوامهم ?ولعمري إنها لسنة الله في الدعوات إلى الحق أبدا- وكيف كادوا له ليلقوه في الجحيم فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين ثم هجرته عنهم وجزاؤه في نهاية المطاف؛ ثم قصته مع إسماعيل في ابتلاء عظيم ليس له مثيل في التاريخ! لإبراز أعظم أنواع الالتزام بأوامر الله لتستحق الأسرة كلها أن تفضل على العالمين وأن تخلد لقطات من سيرتهم في أعمال الحج إلى يوم الدين؛ ثم نجاة موسى وهارون وقومهما من الكرب العظيم وجزاؤهما لأنهما ككل الأنبياء من المحسنين ثم جدل إلياس مع قومه وتكذيبهم له ولوط مع قومه …

ثم تأتي قصة يونس في خضم هذا الجو المشحون بكثافة شديدة بابتلاءات الأنبياء وجدلهم وصبرهم ومكر قومهم بهم وجزاؤهم من الله بعد صبرهم بأسلوب عرض متشابه على اختلاف المواقف والمحور الرئيس لأخبارهم هو الصراع الفكري العقدي والإيذاء الشديد والتهديد والوعيد والعاقبة فهل لهذا الإدخال لخبره هنا من معنى لولا أنه في طليعة الصابرين دعا وصبر وجادل وثابر ليستحق بعد ذلك جزاءه ?كما درجت السورة على ذكر جزائهم بعد صبرهم- ليقول “وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ 146 وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ 147 فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ” 148 وأظنه النبي الوحيد الذي ءامن معه كل قومه والأدل هو أن قومه ما أن تركهم حتى رأوا أول بوادر العذاب حتى تضرعوا وءامنوا وهذا يكشف بجلاء أنه كان قد وصل معهم إلى درجة من الإقناع ما كان ليصل إليها لولا مثابرته وصبره وقوة حججه وإلا فقد جاءت بوادر العذاب أقواماً قبلهم “قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ” 24الأحقاف ولم يؤمنوا وفي هذا حجة ودليل لا مجال للتشكيك بعده! وهكذا تعضد سورة الصافات سورة القلم في بيان ابتلاءات وصبر ودعوة يونس عليه السلام وتتشابه السورتان في بيان الحجج والإنكار والتهديد والإنذار ليكون في ذلك رد على من يقول أن “وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ” في عدم صبره على حمل الدعوة ولتعضد أيضاً رأينا في أن ذكر خبر يونس في سورة القلم إنما هو لتذكير الرسول صلى الله عليه وسلم أن يونس واجه ما واجهت وصبر فاصبر مثل صبره في كل شيء إلا في الاستعجال بالخروج قبل أن تستأذن عالم الغيب. والله أعلم.

أما وصف يونس عليه السلام نفسه بأنه كان من الظالمين فمن باب: سيئات الأبرار حسنات المقربين! ولذلك استحق بجدارة الخاتمة التي ختم الله بها هذا القصـص القرآني “إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ” لذلك عندما نسي هذا الخاشع المسارع في الخيرات وثيقُ الصلة بالله استئذانَ الله كان هذا الأمر البسيط بالنسبة لمن هو دونه عظيماً عند الله ابتلاه عتاباً له عليه ورفعاً لمنزلته واعتبر نفسه من الظالمين فتأمل ما قيل عنه بعد ذلك!

يقول الفخر الرازي: “وأما الرابع وهو أن الله تعالى سماه ظالماً فقد أجاب عنه من يُجوّز الصغيرة (أي في حق الأنبياء) بأن كل ذنب يأتي به المكلف كبيراً كان أو صغيراً فهو ظالم لنفسه وأما من لم يجوزها فأجاب بأن ترك الأولى ظلم لأنه لما كان متمكناً من فعل الأولى حتى يستحق به الثواب العظيم فلما تركه من غير موجب فقد ترك حظ نفسه ومثل هذا يجوز أن يسمى ظالماً لنفسه لأن حقيقة الظلم وضع الشيء في غير موضعه وها هنا كذلك” (19) وسنأتي إن شاء الله بتسعة أدلة دامغة على عظيم صبره وعلى أنه بذل جهداً خارقاً في دعوة قومه بعد قليل.

فمن الآيات الكريمة من الأنبياء في قول الحق سبحانه “فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ” نتبين أن نبي الله يعتبر إذ يخرج من قومه مغاضباً لهم أن مهمته معهم قد انتهت ? فالعذاب نازل بهم- لكن مهمته كنبي لم تنته بل ستبقى حتى آخر رمق في حياته، فهو يظن بالله الظن الحسن أنه سيكرمه على ما فعل في دعوته وعلى ما صبر وعلى ما أوذي وهو العالم بكل ذلك سبحانه، فسيبعثه إلى قرى أخرى، فهو يظن أن لن يقدر الله عليه.


(19) عصمة الأنبياء. الفخر الرازي 40باب عصمة آدم عليه السلام.

وهنا في الآيات المتعلقة بيونس عليه السلام: أي امتناع الذم وامتناع النبذ بالعراء (وحاله مذموم) لوجود رحمة ربه فتنتفي قطعياً عنه التهمة وحاشاه ألف مرة أن يكون متهماً ولإثبات ذلك قطعاً قال الحق تعالى في الصافات: “فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ” 145 فالمنفي عنه هو الذم، فقد نبذه في العراء سقيماً لا مذموما يا عباد الله!.

ثانياً: لم أفهم معنى قولهم: ولم يغضب على الله ولكن غضب لله إذ رفع العذاب عنهم؛ فهذه الأخيرة توحي أنه وجد في نفسه شيئاً من الاعتراض على حكم الله وحاشى لنبي أن يفعل ذلك فالله هو الذي رفع عنهم العذاب أفكان النبي يفعل ما يقولون، ثم إن الآيات في القران صريحة في تكذيب من يفتري هذه الفرية "فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ 98 يونس فالآية صريحة في أنهم ءامنوا قبل نزول أي عذاب فلا أفهم كيف ومتى دخل الإيمان قلوبهم إذا كان الله أظهر نبيه أمامهم بمظهر الكاذب ولم ينزل عذابه في الموعد الذي حدده نبيه لهم فبذلك يتبين لهم كذبه فكيف ومتى ءامنوا؟؟

الأمر الآخر أن الله رفع عنهم العذاب لما ءامنوا أفكان النبي يغضب لذلك؟ ألديه مثلا رغبة في الانتقام؟؟ حاشى لله ولا يفعل ذلك مؤمن فكيف بنبي!

ثالثاً:لم يحفل أحد بمعنى أنه ظن أن الله لن يقدر عليه بمعاقبته فهذه فيها كفر صُراح حاشى لنبي أن يمر بخاطره هذا الوهم وقد استثناه المفسرون من وجوه تفسير الآية، وما كان ذكرهم له إلا من قبيل الولع بالإكثار من النقل غفر الله لهم .

أما قولهم ظن أن لن نُقدّر عليه عقوبة ففيها إيحاء شديد الوضوح بأنه كان يعصي الله وهو يعلم أنه يعصيه وفوق ذلك يجهل أن معصية العالم ليست كمعصية الجاهل في العقوبة فهذا قول مردود وسيتبين إن شاء الله بالتفسير الذي ذهبت إليه أن هذا القول لا يرقى للطرح في خضم الحديث عن هذا النبي الكريم.

رابعاً: في قولهم أنه خاف من قومه إذ أنذرهم بالعذاب وحدد لهم تاريخه وموعده فلما أزف الموعد لم يأت العذاب وكان من أخلاق قومه قتل من جرّبوا عليه الكذب فخاف منهم وهرب !! ومن هنا ننطلق إن شاء الله لتبيين حقيقة ما حصل:

سبق أن ذكرنا ما روي عن ابن مسعود في تسلسل الأحداث ?وهذا ما يهمنا من هذه الرواية فقط- أن الله بعث يونس إلى أهل نينوى فكذبوه فوعدهم بنزول العذاب في وقت معين وخرج مغاضباً لهم.

إلى هنا يتبين أنه خرج قبل موعد نزول العذاب عليهم ?بزمن يسير- لأنه لم ير بوادر خوف منهم فعلم أن العذاب نازلٌ فتركهم ورحل.

ثم يتابع: فلما رأوا آثار ذلك خضعوا وتضرعوا وآمنوا فرحمهم الله فكشف عنهم العذاب وذهب يونس فركب سفينة ..الخ ومن هذا الجزء نتبين أن بوادر العذاب جاءت في الموعد ولكن القوم ?وكانوا قريبي عهد بأقوامِ أنبياءٍ أنزل الله عليهم عقابه- اتعظوا بغيرهم فتضرعوا وءامنوا ولكن نبيهم وقتها لم يكن بين ظهرانيهم .

إذن لفهم القصة على وجهها لا بد من استنباط الأمور التالية:

  1. أنه خرج مغاضباً بعد إنذارهم بنزول العذاب وتحديده لموعده واقتراب ذلك الموعد دون أن يرى منهم بوادر الاستجابة ولم يخرج بعد أن جاء موعد العذاب وقد رأى أن العذاب لم ينزل وذلك لأنّ: لأن قومه ءامنوا عندما رأوا بوادر العذاب وكان يونس وقتها غائباً عنهم وكونهم رأوا بوادر العذاب فقد اطّلعوا على صدق نبيهم ففيم الكلام عن خوفه من أنهم يقتلون من جرّبوا عليه الكذب؟

يذكر الإمام ابن كثير في تفسيره القصة بقدر كبير من الدقة والبعد عن وصف رسول الله بما لا يليق ويهمنا هنا قوله:“وذلك أن يونس بن متى عليه السلام بعثه الله إلى أهل قرية نينوى فدعاهم إلى الله تعالى فأبوا عليه وتمادوا على كفرهم فخرج من بين أظهرهم مغاضباً لهم ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث فلما تحققوا منه ذلك وعلموا أن النبي لا يكذب خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم وفرقوا بين الأمهات وأولادها ثم تضرعوا إلى الله عز وجل وجأروا إليه ..فرفع الله عنهم العذاب.”(17)

قال الفخر الرازي: …"(قولهم) أنه ذهب مغاضباً وذلك كان محظوراً ألا ترى أن الله تعالى قال “فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ” فذلك يقتضي أن ذلك الفعل من يونس كان محظوراً… والجواب أن الآية دلت على أنه ذهب مغاضباً ولم تدل على أنه غاضب الله وكيف ومغاضبة الله تعالى لا تجوز على أحد من المسلمين فكيف على النبي عليه السلام فلعله إنما خرج مغاضبا لقومه فلم قلتم إن ذلك معصية؟ أما قوله “وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ” فليس لأنه ثقلت عليه أعباء النبوة لضيق خلقه بل المراد أنه لم يقو على الصبر على تلك المحنة التي ابتلاه الله بها ولو صبر لكان أفضل فأراد الله تعالى بمحمد صلى الله عليه وسلم أفضل المنازل وأعلاها ".(18)

لو كانوا ?كما قيل- لم يؤمنوا بالعذاب، وحان موعده الذي حدده لهم نبيهم ولم ينزل عليهم فخافهم يونس، إذن كيف وأين ومتى ءامنوا ؟ ولماذا لا ينزل الله عليهم العذاب في موعده الذي حدده نبيه لهم؟ ألا ترى أنه إذا لم ينزل في ذلك الموعد ثم جحدوا وعلموا أن نبيهم كاذب ثم جاءتهم بوادر العذاب بعد يوم مثلا هل كانوا ليصدقوا ويؤمنوا ويتضرعوا ؟؟

لا بد إذن أن العذاب كان ليـنزل في موعده كما أن الله تعالى لا يضع نبيه أمامهم في موقف الكاذب!!

إذن فكل ما كان من أمر يونس عليه السلام هو أنه عندما حدد لهم موعد العذاب ورآى أن الموعد قد أزف ولم يتبدل حالهم ولم يعطوا أمارة واحدة على أنهم سيؤمنوا، علم أن العذاب نازل بهم ففيم بقاؤه؟ فخرج مغاضباً لله بمعنى غضب كيف يستهان بوعيد الله أو مغاضباً لهم بهذا المعنى ولكنه نسي أن يستأذن الله في الخروج إذ لو كان تذكر لما تأخر في الاستئذان.

إذن فهذا هو مفتاح فهم ما كان من النبي يونس عليه السلام والله اعلم.

نعود إلى جو الآيات العام وهو جو الابتلاء العظيم الذي ابتلى الله سبحانه به أنبياءه، أصفياءه عليهم السلام وصبرهم على ما كانوا عليه من كرب ومرض ومعاناة وحنين إلى الولد … قصة أيوب عليه السلام في مرضه وابتلائه في أهله وماله وصبره العظيم على ذلك كله ثم دعاؤه ربَّه بأدب جم مستحيياً أن يطلب الشفاء صراحة خشية أن يُظنّ أنه لم يصبر ولم يشكر، فقد نعّمه الله تعالى السنين الطوال أفلا يصبر على مرض استمر على بعض الأقوال ثماني عشرة سنة؛ وتنبؤنا الآيات عن صبر إدريس وذي الكفل وإسماعيل عليهم السلام وصبر زكريا ?وقد اشتعل رأسه شيبا ? وحنينه إلى الولد بهذه الأدعية التي ذكرها القران عنه "قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا"4 مريم، في هذه الأجواء المفعـمة بالصبر وبالعلاقة الحميمة الوطيدة برب العالمين تأتي قصة يونس عليه السلام ونتساءل هنا هل لهذا الإدخال لهذه القصة من معنى إن لم يكن لبيان صبره العظيم في ضمن من صبروا بل لبيان أنواع من الصبر صبرها أنبياء الله فأيوب صبر على الأذى والمرض وفقد الأهل والمال، وزكريا عاش يرجو رحمة ربه بأن يرزقه ولداً تقر عينه به، ويونس عليه السلام كان المثل العظيم في الصبر على حمل الدعوة وتكبد مشاقها فكان المثل الذي يضربه الله للدعاة ليصبروا على حمل الدعوة صبره .

ولذلك استحق بجدارة هذه الخاتمة التي ختم الله بها هذا القصص القرآني “إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ” فأي وصف بليغ فيه بيان شاف واف لسيرة هذا النبي ! لذلك عندما نسي هذا الخاشع المسارع في الخيرات وثيقُ الصلة بالله استئذانَ الله كان هذا الأمر البسيط بالنسبة لمن هو دونه عظيماً؛ عند الله ابتلاه عتاباً له عليه رفعاً لمنزلته. وكما قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين !!


**(17) تفسير القران العظيم. ابن كثير. دار الجيل3/ 186-187

(18) عصمة الأنبياء. الفخر الرازي115**