**بسم الله الرّحمن الرّحيم
مفهوم السنّة
الكاتب: ياسين بن علي
- السّنة في اللّغة
جاء في لسان العرب لابن منظور : " والسّنة: السيرة، حسنة كانت أَو قبيحة؛ قال خالد بن عُتْبة الهذلي:
فلا تَجْزَعَنْ من سِيرةٍ أَنتَ سِرْتَها
فأَوَّلُ راضٍ سُنَّةً من يَسِيرُها
وسَنَنْتُها سَنّاً واسْتَنَنْتُها: سِرْتُها، وسَنَنْتُ لكم سُنَّةً فاتبعوها… وكل من ابتدأَ أَمراً عمل به قوم بعده قيل: هو الذي سَنَّه؛ قال نُصَيْبٌ:
كأَني سَنَنتُ الحُبَّ، أَوَّلَ عاشِقٍ
من الناسِ، إِذ أَحْبَبْتُ من بَيْنِهم وَحْدِي
…وامْضِ على سَنَنِك أَي وَجْهك وقَصْدك. وللطريق سَنَنٌ أَيضاً، وسَنَنُ الطريق وسُنَنُه وسِنَنُه وسُنُنُه: نَهْجُه. يقال: خَدَعَك سَنَنُ الطريق وسُنَّتُه. والسّنة أَيضاً: سُنَّة الوجه. وقال اللحياني: تَرَك فلانٌ لك سَنَنَ الطريق وسُنَنَه وسِنَنَه أَي جِهَتَه؛ قال ابن سيده: ولا أَعرف سِنَناً عن غير اللحياني. شمر: السّنة في الأَصل سُنَّة الطريق، وهو طريق سَنَّه أَوائل الناس فصارَ مَسْلَكاً لمن بعدهم…".
وجاء في أساس البلاغة للزمخشري :“..وألزم سنن الطريق: قصده… ومن المجاز: … سنّ الأمير رعيّته: أحسن سياستها… وسنّ الله على يدي فلان قضاء حاجتي: أجراه…وجاء بالحديث على سنَنه:على وجهه… واستنّت الطرق: وضحت…”.
2 . السّنة في القرآن الكريم
وردت كلمة السّنة في كلام الله عزّ وجل في مواضع كثيرة، منها قوله سبحانه وتعالى: {سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا}. (الإسراء 77) وقوله: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}.(آل عمران137) وقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ..}. (النساء 26)
والسّنة في الآية الأولى، بمعنى العادة. قال ابن كثير في تفسيره: “أي هكذا عادتنا في الذين كفروا برسلنا وآذوهم”. والسنن في الآية الثانية، جمع سنّة وهي بمعنى أمّة وقيل السنن بمعنى الطرائق والسير. وفي الآية الثالثة، السنن بمعنى الطرق والمناهج.
والملاحظ، أنه بالرغم من ورود كلمة “السّنة” في كلام الله تعالى في مواضع كثيرة، إلاّ أنّها لم تضف إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أيّ موضع من مواضع ورودها، فقد جاءت الكلمة بمعانيها التي وضعها العرب لها، مطلقة حينا ومضافة حينا آخر، لكن إلى غير النبي صلى الله عليه وسلم
- السّنة في أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم
باستقراء نصوص الحديث النبوي، يتبيّن لنا أنّ الكلمة تطلق ويراد بها ما يلي من معان:
? ما يقابل القرآن مما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم. عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسّنة». (مسلم) وعن زيد بن وهب سمعت حذيفة يقول حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن الأمانة نزلت من السماء في جذر قلوب الرجال ونزل القرآن فقرءوا القرآن وعلموا من السّنة». (البخاري) وعن أبي هريرة قوله صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي». (رواه الحاكم)
? ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من واجب أو مندوب أو مباح. عن أَنَسٍ أَنّ نَفَرَاً مِنْ أَصْحَابِ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم سَأَلُوا أَزْوَاجَ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم عِنْ عَمَلِهِ فِي السّرّ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ أَتَزَوَجُ النّسَاءَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا آكُلُ اللّحْمَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ، فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ: «َا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا؟ لَكِنّي أُصَلّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوّجُ النّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنّتِي فَلَيْسَ مِنّي». رواه مسلم)
? ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من العلم، والعمل، والهدى وتطبيق الشّرع. عن العرباض بن سارية قال: صلّى بنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذات يوم ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون وَوَجِلت منها القلوب، فقال قائل: يا سول اللّه، كأن هذه موعظة مودّعٍ، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: «وصيكم بتقوى اللّه والسمع والطاعة، وإن عبداً حبشيّاً فإِنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديِّين الراشدين تمسكوا بها…». أبو داود)
? المثال المتّبع والطريقة المسلوكة خيرا كانت أم شرّا. عن ابنِ جرِيرِ بنِ عبدِ الله عن أَبِيِه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَنّ سُنّةَ خَيْرٍ فَأُتْبِعَ عَلَيْهَا فَلَهُ أَجْرُهُ وَمِثْلُ أُجُورِ مَنْ اتّبَعَهُ غَيْرَ مَنْقُوصٍ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً، وَمَنْ سَنّ سُنّةَ شَرٍ فَأُتْبِعَ عَلَيْهَا، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهُ وَمِثْلُ أَوْزَارِ مَنْ اتبَعَهُ غَيْرَ مَنْقُوصٍ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئاً».(رواه مسلم) وعن أبِي سعِيدٍ الْخُدْرِيّ قال: قال رسول اللّهِ r: «لَتَتّبِعُنّ سَنَنَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. شِبْراً بِشِبْرٍ، وَذِرَاعاً بِذِرَاعٍ. حَتّىَ لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَب لاتّبَعْتُمُوهُمْ. قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللّهِ اليهود وَالنّصَارَى؟ قَالَ فَمَنْ؟». (رواه مسلم والبخاري)
? العادة. عن ابن عباس أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : «أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ ثَلَاثَةٌ مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ وَمُبْتَغٍ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَمُطَّلِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ». (رواه البخاري)
? ما يقابل البدعة. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لِبلالِ بنِ الحارِثِ: «اعْلَمْ. قالَ: مَا أَعْلَمُ يَا رَسُولَ الله؟ قالَ إِنّهُ مَنْ أَحْيَا سُنّةً مِنْ سُنّتِي قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي فإن لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ منْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقِصَ مِنْ أَجُورِهِمْ شَيْئاً.. وَمَنْ ابْتَدَعَ بِدْعَةَ ضَلاَلَةٍ لاَ ترضى الله ورسوله كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لاَ ينْقِصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَار النّاسِ شَيْئا». (رواه الترمذي وقال: هذا حديثٌ حسنٌ) وعن العرباض بن سارية قال: صلّى بنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذات يوم ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون وَوَجِلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول اللّه، كأنّ هذه موعظة مودّعٍ، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: «أوصيكم بتقوى اللّه والسمع والطاعة، وإن عبداً حبشيّاً فإِنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديِّين الراشدين تمسكوا بها وعضُّوا عليها بالنَّواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإِنَّ كلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلُّ بدعةٍ ضلالةٌ». (رواه أبو داود)**