**مفهوم البدعة
الكاتب: ياسين بن علي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
من المصطلحات الإسلامية التي تحتاج إلى تحرير معناها وضبط مدلولها نظرا لخطورتها وكثرة استعمالها، مصطلح البدعة. ولكي نفهم هذا المصطلح وما يدلّ عليه، نحتاج إلى مقدّمات تبيّن لنا واقع المصطلحات والتعريفات في الثقافة الإسلامية وكيفية التعامل معها.
- مقدّمات
· حول المصطلحات:
المصطلح هو اسم معين تضعه جهة معينة لشيء معين. وبتعدد الجهات تعددت الأسماء وتعددت معانيها؛ فنجد الأسماء اللغوية كالأسد، والعرفية كالفقه، والشرعية كالصلاة. وهو ما يعبّر عنه بالحقيقة اللغوية والعرفية والشرعية.
فإن كان اللفظ الموضوع استعمل للمعنى الموضوع له من أهل اللغة، وهم العرب الأقحاح، سمي بالحقيقة اللغوية، كالأسد مثلا للدلالة على الحيوان المعروف.
وإن كان اللفظ الموضوع استعمل لغير معناه اللغوي أي نقلت طائفة ما معناه اللغوي الموضوع إلى معنى آخر، سمي بالحقيقة العرفية، ككلمة الفقه مثلا: فهي في اللغة مطلق الفهم، وعند علماء الإسلام تطلق على فهم مخصوص هو العلم بالأحكام الشرعية العملية.
وأما إن كان اللفظ استعمل لغير معناه اللغوي من جهة الشرع أي نقل الشرع معناه اللغوي الموضوع إلى معنى آخر، سمي بالحقيقة الشرعية، ككلمة الصلاة مثلا: فهي في اللغة تعني الدعاء، وفي الشرع تطلق على أفعال مخصوصة من تكبير وركوع وسجود وغير ذلك.
والحقيقة الشرعية إذا وجدت تقدّم على الحقيقة اللغوية والعرفية.
· حول التعريفات:
التعريف هو بيان ماهية الشيء ووصف واقعه، وهو لا يخرج عن قسمين: عقلي وشرعي. فالعقلي هو ما أبدعه العقل إيجادا من عنده ليصف واقعا ما، كتعريف العقل والمجتمع والغريزة وغير ذلك. وأما الشرعي فهو ما أوجده الشارع أو دلّ عليه.
فالتعريف الشرعي ينقسم إلى قسمين:
-
قسم نص عليه الشارع صراحة أي ورد في الكتاب أو السنة: كتعريف الإسلام والإيمان والإحسان. أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: “كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزا يوما للناس فأتاه جبريل فقال: ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث. قال: ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان. قال: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”. وكتعريف الرويبضة. أخرج ابن ماجه والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة”. وأخرج أحمد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن أمام الدجال سنين خداعة، يكذب فيها الصادق، ويصدق فيها الكاذب، ويخون فيها الأمين، ويؤتمن فيها الخائن، ويتكلم فيها الرويبضة. قيل: وما الرويبضة؟ قال: الفويسق يتكلم في أمر العامة”.
-
وقسم دلت عليه النصوص فاستنبطه العلماء بعد استقراء كتعريف الطلاق ودار الإسلام والإجارة وغير ذلك.
فالتعريف الشرعي هو وصف واقع الحكم كما ورد في نصوص الشرع أي الكتاب والسنة. ومثال ذلك: الوصية أجازها الشرع، فما هي؟ والجواب أنّ الوصية هي: “عقد يوجب حقا في ثلث عاقده يلزم بموته أو نيابة عنه بعده”، أو هي: “اسم لما أوجبه الموصى في ماله بعد موته”. فتعريف الوصية هذا، وصف واقع الحكم وبيّن مدلول الشارع من لفظ الوصية. وقد استنبطه الفقهاء من أدلة كثيرة منها: قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّا عَلَى الْمُتّقِينَ}، وقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ}. وأخرج البخاري عن عامر بن سعد بن مالك عن أبيه قال: “عادني النبي صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع من مرض أشفيت منه على الموت فقلت يا رسول الله بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة واحدة أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قال فأتصدق بشطره؟ قال: لا. قال: الثلث يا سعد والثلث كثير إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس”.
· الاختلاف في التعريف:
ذكرنا أنّ من التعريفات الشرعية ما هو مستنبط من أدلة الشرع؛ فهو إذن يخضع لاجتهاد المجتهد ونظرته إلى الأدلة. ومن هنا كان بعض التعريفات الشرعية عرضة للاختلاف بين العلماء لاختلاف اجتهاداتهم. ومثال ذلك: تعريف الاعتكاف: فهو عند المالكية والحنفية: “اللبث في المسجد مع الصوم والنية”، وعند الحنابلة والشافعية: “اللبث في المسجد من شخص مخصوص بنية”. فالمالكية والحنفية يشترطون الصوم لصحة الاعتكاف؛ لذلك أدخلوه في التعريف، وهذا بخلاف الحنابلة والشافعية. ولكل منهم دليله الذي اعتمد عليه في حدّ الاعتكاف. والعبرة عند الاختلاف بصحة الاستنباط وقوة الدليل.**
**