**( 22 ) السؤال : عندما نقرأ في كتب الفقه وكتب الحديث نجد شبهَ إجماعٍ على أنَّ مصافحةَ النساء حرامٌ باستثناء المحارم , مستدلين بالأحاديث التالية :
1 - قوله عليه الصلاةُ والسلامُ " إني لا أُصافح النساءَ " .
2 - قوله عليه الصلاةُ والسلامُ " لأنْ يُطعنَ في رأسِ أحدِكم بمِخْيطٍ من حديدٍ خيرٌ له من أن يَمَسَّ امرأةً لا تحِلُّ له " .
3 - قول عائشة رضي الله عنها " والله ما مسَّتْ يدُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يدَ امرأةٍ قط " .
وقالوا إنَّ مصافحةَ المرأةِ الأجنبيةِ تؤدي إلى الافتتان بها , والفتنةُ حرامٌ قطعاً وبالتالي فإنَّ المصافحةَ حرامٌ . فهل مصافحةُ النساء حرامٌ قطعاً كما يقولون ؟
( 22 ) الجواب : أبدأ حديثي بجملةٍ من القواعد الفقهية , ثم أنظر في النصوص للاستدلال بها واستنباط الحكم الشرعي منها , مستعيناً بتوفيق الله سبحانه , فأقول ما يلي :
أ - المعلوم عند الفقهاء والأصوليين أنَّ الخطاب إن جاء بصيغة المذكَّر فإنه عامٌّ في الرجال والنِّساء , فمثلاً قوله تعالى في الآية 43 من سورة البقرة ( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ( هو خطابٌ للرجال كما هو خطابٌ للنساء , ومثلاً قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " خذوا عني مناسككم" هو خطابٌ للرجال كما هو خطابٌ للنساء . أما إن جاء الخطاب بصيغة المؤنث فإنه يكون خاصاً بالنساء , فمثلاً قوله سبحانه وتعالى في الآية 31 من سورة النور (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَـاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَآئِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى أَخَوَتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـانُهُنَّ أَوِ التَّـابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِى الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَآءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) هو خطابٌ للنساء لا يُطالبُ به الرجال , وقوله سبحانه في الآية 228 من سورة البقرة ( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) خطابٌ للنساء لا يُطالبُ به الرجالُ . ومثلاً قوله عليه الصلاةُ والسلامُ " لعن الله الواشِماتِ والمُتَوَشِّماتِ والمتَنَمِّصاتِ والمُتَفَلِّجاتِ للحُسنِ المُغَيِّراتِ خلقَ الله " هو خطابٌ للنساء لا يُطالبُ به الرجالُ , وقوله عليه الصلاة والسلام " … عليكنَّ بحافَّاتِ الطريق " هو خطابٌ للنساء لا يُطالبُ به الرجال , وهكذا
ب - إنَّ النصَّ حتى يُفهم منه التحريمُ أو حتى الكراهةَ ينبغي أن يأتي بصيغٍ معروفة له عند أهل اللغة وعلماء الأصول والفقهاء , منها أن يقال مثلاً ( حُرِّمَ عليكم كذا ) أو ( نُهينا عن كذا ) أو ( لا تفعلوا كذا ) أو ( ما كان لكم أن تفعلوا كذا ) أو ( اجتنبوا كذا ) أو ( كُره لكم كذا ) وتكون هذه الصيغُ كلُّها مُوجَّهةً إلى عموم المسلمين .
ج - الرسولُ صلى الله عليه وسلم يُتَّبع في كلِّ فعلٍ يفعله , ويطاع في كلِّ قولٍ يصدر منه لأنه القدوة والأسوةُ للمسلمين , إلا إنْ هو قال قولاً يخصُّ به نفسه دون سائر المسلمين فعندها لا يُقتدى به , فمثلاً إن هو أراد أن يقول ما يُقتدى به فيه جاء قوله مثلاً ( إنَّا لا نُجيزُ كذا ) أو ( لا يجوز كذا وكذا ) أو ( ليس لنا أن نفعل كذا ) أما إن هو أراد أن لا نقتدي بفعلٍ منه أو قولٍ جاء جاءا بصيغة مغايرة تُشعرُ بأنَّ الفعل أو القول هو له خاصَّةً , ومن الصيغ الدالَّةِ على الخصوصية أن يقول مثلاً " إني لستُ كهيئتكم " يقصد الوصال في الصوم , أو " إني أناجي من لا تُناجي " يقصد مناجاة الملائكة أو " ولكني أجدني أعافه " يقصد أكل الضب أو " حُبِّبَ إليَّ من دنياكم النِّساءُ والطيبُ … " وهكذا .
والآن قبل أن أبدأ بالإجابة على السؤال أستعرضُ معكم النصوص التالية :
1 - عن قَتادة قال : قلتُ لأنس " أكانت المصافحةُ في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم " رواه البخاري والترمذي وابن حِبَّان والبيهقي .
2 - عن أنس قال " كان أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم إذا تلاقَوا تصافحوا , وإذا قدموا من سفرٍ تعانقوا " رواه الطبراني بسند صحيح .
3 - عن البراء بن عازب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من مسلمَيْن يلتقيان فيتصافحان إلا غُفر لهما قبل أن يتفرَّقا " رواه ابن ماجة بسند صحيح , ورواه أيضاً أبو داود والترمذي وأحمد .
يؤخذ من هذه النُّصوص أنَّ المصافحةَ مشروعةٌ , وحيثُ أنَّ هذه النصوص جاءت بألفاظٍ عامةٍ , وحيث أنَّ النساء الصحابيات يدخلن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , فإنَّ هذا الحكم يشملُهنَّ . فإن قيل إنَّ هناك نصوصاً تستثني النساء من هذا الحكم العام طالبناهم بالدليل فإن وجدنا أدلةً تستثني النساء من عموم المسلمين في المصافحة أخذنا بها , وإلا بقي الحكمُ العام شاملاً الرجال والنساء على السواء . وحيث أنَّ القائلين بحرمة مصافحة النساء يستدلون بالأحاديث الواردة في السؤال فإنَّ المحصلةَ تكون إما بقبول هذه الأحاديث من حيثُ صلاحُها للاستدلال على تحريم مصافحة النساء , فتكون مصافحةُ النساء حراماً , وإما بعدم صلاحها للاستدلال على التحريم , فتكون مصافحةُ النساء حلالاً .
الحديث الأول يقول " إني لا أُصافح النِّساء " هذا القول هو شطرٌ من الحديث الذي رواه مالك والبيهقي والنَّسائي والطبراني وغيرهم هكذا : عن أُميمة بنت رُقيقة قالت " ... هلمَّ نبايعْك يا رسول الله , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إِني لا أُصافحُ النِّساءَ , إنما قولي لمائةِ امرأةٍ كقولي لامرأةٍ واحدةٍ , أو مثلَ قولي لامرأةٍ واحدةٍ " بالتدقيق في هذا النصِّ نجد فيه أمرين اثنين : أولاً هذا الحديث جاء في موضوع البيعة فيكون خاصاً فيها . والمعلوم أن النصَّ إذا ورد في موضوع فإنه يُحصرُ فيه ولا يتعدَّاه . ونحن هنا بصدد مصافحة النساء عموماً دون حصرها بالبيعة , فلا نرى الحديث دالاً على موضوعنا الذي نحن بصدده . وثانياً نجد الرسول صلى الله عليه وسلم يقول " إني لا أُصافح النِّساءَ " فهو حكمٌ اختاره الرسول صلى الله عليه وسلم لنفسه , وما اختاره الرسول الكريم لنفسه لا يجبُ علينا تقليده فيه ولا اتِّباعه فيه كما أَسلفتُ سابقاً , وإلا لقال مثلاً ( نحن لا نصافح ) أو ( لا تحلُّ المصافحةُ ) أو لَوَرد الحديثُ بصيغة ( فامتنع الرسول صلى الله عله وسلم عن المصافحة ) ليصبح تقليده فيه واجباً , وهذا واضح لمن أخذ الحديث بتجرُّدٍ , فلا نراه دالاً على موضوعنا الذي نحن بصدده .
أما الحديث الثاني فيقول " لئن يُطعن في رأس أحدِكم بمِخيطٍ من حديدٍ خيرٌ له من أنْ يَمسَّ امرأةً لا تحلُّ له " هذا الحديث رواه الطبراني وأحمد . وهذا النصُّ لا يدلُّ على تحريم المصافحة بل ولا يدلُّ على المصافحةِ أصلاً , وذلك لثلاثة أمورٍ : أولاً : إنَّ المصافحةَ لم تُذكر فيه , وكان بإمكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول مثلاً ( ... خير له من أن يصافح امرأةً ) وهو أفصحُ العرب , وهو مَن أُوتي جوامع الكلم , فلماذا عدل عن هذه اللفظة وجاء بدلاً منها بلفظة ( المس ) ؟ وثانياً : إنَّ القرآن الكريم وكذلك الحديث النبوي الشريف إن هما أرادا الجماع كَنيا عنه بلفظٍ آخر من مثل ( المس ) أو ( الملامسة ) أو ( المباشرة ) أو ( الإتيان ) ولستُ في حاجةٍ لاستعراض النصوص في هذا الباب فهي معروفةٌ للجميع , ولذا وجب تفسير المسِّ هنا بالجماع . وثالثاً : إنَّ القولَ " امرأة لا تحلُّ له " يعني امرأة لا يحلُّ له ألزواجُ منها , فمحارمُه من أُمٍّ وجدَّةٍ وأُختٍ وبنتٍ وعمَّةٍ وخالةٍ داخلةٌ في هذا اللفظ فلو فسَّرنا المسَّ هنا بالمصافحة لأصبحت مصافحةُ محارمنا هؤلاء حراماً , وهو ما لا يصحُّ القولُ به قطعاً . ثم انظروا إلى القول " لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيطٍ " أي لأن يُقتل , فهل مصافحةُ امرأةٍ توازي القتل ؟ ثم انظروا إلى القول " يمس امرأة " فلم يجيء هكذا ( يمس يد امرأة ) والفارق بين التعبيرين كبير وظاهر . والصحيح الذي ينبغي الذهابُ إليه في هذا الحديث هو أنَّ المسَّ هنا هو الجماع , أي هو الزنا . وعليه فإنَّ هذا الحديث لا يصلح للاستدلال به على تحريم مصافحة المرأة مطلقاً .
أما الحديث الثالث فيقول "والله ما مسَّتْ يدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يدَ امرأةٍ قط "هذا القول هو شطرٌ من الحديث الذي رواه البخاري ومسلم هكذا : عن عائشة زوج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قالت " كان المؤمناتُ إذا هاجرن إلى النبي صلى الله عليه وسلم يمتحنهنَّ بقول الله تعالى ( ا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) إلى آخر الآية , قالت عائشةُ : فمن أقرَّ بهذا الشطر من المؤمناتِ فقد أقرَّ بالمحنةِ , فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقْرَرْنَ بذلك من قولهنَّ قال لهنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : انطلقنَ فقد بايعتكنَّ , لا والله ما مسَّتْ يدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يدَ امرأةٍ قط , غير أنه بايعهنَّ بالكلامِ , والله ما أخذ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على النِّساء إلا بما أمرَ الله , يقول لهنَّ إذا أخذ عليهنَّ ( قد بايعتكنَّ ) كلاماً " فهذا الحديث أقول فيه ما قلته في الحديث الأول السابق , من أنه جاء في موضوع البيعة , وأنه كان من اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم لنفسه , فلا أرى فيه ما يَعضُدُ رأي القائلين بتحريم مصافحة النساء .
والذي دعاني إلى القول بأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم اختار لنفسه عدم مصافحة النِّساء في البيعة دون أن تكون المصافحةُ محرَّمةً عليه النصوصُ التاليةُ :
أ - عن أبي قِرصافةَ صاحبِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم " كان بدءُ إسلامي أني كنت يتيماً بين أُمي وخالتي , وكان أكثر ميلي لخالتي … - وذكر الحديث بطوله وكيف كان يرعى الغنم حتى رأى الرسول صلى الله عليه وسلم , إلى أن قال رضي الله عنه - فلم أزل عنده أسمع منه حتى أسلمتُ وبايعته وصافحتُه , وشكوتُ إليه أمر خالتي وأمر غنمي , فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : جئني بالشياه , فجئته بهنَّ فمسح على ظهورهنَّ وضُروعهنَّ ودعا فيهنَّ البركة فامتلأت شحماً ولبناً , فلما دخلتُ على خالتي بهنَّ قالت : يا بني هكذا فارعَ , قلتُ : يا خالة ما رعيتُ إلا حيثُ أرعى كلَّ يومٍ ولكن أُخبركِ بقصتي وأخبرتُها بالقصة , وإتياني النبيَّ صلى الله عليه وسلم , وأخبرتُها بسيرته وبكلامه فقالت لي أُمي وخالتي : اذهبْ بنا إليه فذهبتُ أنا وأُمي وخالتي فأسلمنَ وبايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصافحهنَّ " رواه الطبراني ورجاله ثقات . قاله الهيثمي في كتابه مجمع الزوائد في الجزء التاسع الطبعة الثالثة 1982. وتجدونه بنصه في كتاب كنز العمال للمتَّقي الهندي المثبت في هامش مسند الإمام أحمد بن حنبل الجزء الخامس المطبوع عام 1978 بلفظ ( وصافحن ) . كما تجدونه بنصه في كتاب جامع الأحاديث للإمام السيوطي الجزء التاسع والثلاثين بلفظ ( وصافحن ) .
ب - عن أنس بن مالك قال " كانت الأمَةُ من إماء أهل المدينة لَتأخذُ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيثُ شاءت " رواه البخاري . وفي روايةٍ لابن ماجة بسندٍ صحيح بلفظ " … فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيثُ شاءت " .
ج - عن حذيفة قال " كنا إذا حضرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم طعاماً لم نضع أيديَنا حتى يبدأ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فيضع يده , وإنَّا حضرنا معه مرةً طعاماً , فجاءت جارية كأنها تُدفعُ , فذهبت لتضع يدها في الطعام , فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها , ثم جاء أعرابيٌّ كأنما يُدفع فأخذ بيده , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنَّ الشيطان يستحلُّ الطعامَ أنْ لا يُذكر اسمُ الله عليه , وإنه جاء بهذه الجارية ليستحلَّ بها فأخذتُ بيدها , فجاء بهذا الأعرابيِّ ليستحلَّ به فأخذتُ بيده , والذي نفسي بيده إنَّ يده في يدي مع يدها " رواه مسلم .
حديث أبي قِرصافة جاء فيه القول " بايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصافحهنَّ " , وجاءت المصافحةُ في البيعة , وهو ينفي القول إنَّ المصافحة حرام في البيعة , إذ لو كانت المصافحة حراماً على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بايع أمَّ أبي قِرصافة وخالته بالمصافحة , وهذا يؤكِّدُ أنَّ الامتناع منه عن المصافحة إنما كان مجرد اختيار لا أكثر , كما أنَّ هذا الحديث يتعارض مع قول عائشة رضي الله عنها بأنَّ يد الرسول عليه الصلاة والسلام لم تمس يد أية امرأة لا تحل له , والذي يبدو أنَّ عائشة قد نقلت إلينا ما رأته في البيعة التي شاهدتها بنفسها , وقد حصل منها رضي الله تعالى عنها مثلُ هذا في موضوع الصيام في الأيام العشرة من ذي الحجة , إذ رُوي عنها أنها نفت عن الرسول صلى الله عليه وسلم صيامه هذه الأيام كما ورد في صحيح مسلم وسنن أبي داود والترمذي والنَّسائي ومسند أحمد بلفظ " ما رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً في العشر قط " مع أنَّ الثابت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يصوم تلك الأيام .
أما حديث أنس بن مالك وفيه" كانت الأمةُ لتأخذُ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم " وفيه في رواية " فما ينزع يده من يدها " وحديث حذيفة وفيه " فأخذ رسول الله صلى الله عيه وسلم بيدها " و " إنَّ يده في يدي مع يدها " فإنهما يدلان على أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم كان يمسك بيد النساء , مما يؤكد قطعاً بأنَّ مصافحة النساء والأخذ بأيديهن لا حرمة فيه , لا علينا نحن المسلمين , ولا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنَّ الأمر منه عليه الصلاةُ والسلام لا يعدو كونه مجرد اختيارٍ منه وليس مُلزِماً له , والرسول عليه الصلاةُ والسلامُ كأيِّ مسلم له حقُّ الاختيار في المباحات , وإلا لما جاز له أن يصافح أُمَّ قِرصافة وخالته , ولما جاز له أن يمسك بيد الجاريتين , وقد ورد كلُّ ذلك في نصوصٍ صحيحة لا تحتمل التأويل .
وأُلفتُ النظر هنا بأنني قرأتُ لأحد الفقهاء المعاصرين تأويلاً بعيداً لما جاء في حديث أنس : أنَّ الجارية أخذت بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : إنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقبض على يد الجارية وإنما المعنى أنَّ الجارية قد أخذته معها . وبقوله : إنَّ الجارية كانت صغيرة ولذا جاز للرسول عليه الصلاةُ والسلامُ أن يأخذ بيدها . وهذان تأويلان بعيدان فضلاً عن أنهما متناقضان كما لا يخفى على أحد .
والأدهى مما سبق أنَّ معجم الطبراني الكبير الذي طُبع مؤخَّراً عامَ 1984 بتخريج حمدي عبد المجيد السلفي , وفيه حديث أبي قِرصافة , أُضيف قبل كلمة ( وصافحهنَّ ) كلمة ( ما ) لتصبح هكذا ( وما صافحهنَّ ) وهذه خطيئةٌ كبيرةٌ أن يحري تغيير ما في النصوص , وما أرى الدافع إلى هذا التغيير إلا الإصرار على تحريم مصافحة النساء , ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
بقيت نقطة خوف الفتنة , وهي مما استندوا عليه في تحريم مصافحة النساء , وجوابي عليها هو أنَّ الشرع إن هو أحلَّ فعلاً أو حرَّمه فإنه إن ذكر للتحليل أو للتحريم علةً أخذنا بها , وإن لم يذكر علةً لم يجُزْ لنا أن نبتدع له علةً , وهنا أحلَّ الشرعُ المصافحة ولم يستثنِ النساء , ولم يورد علةَ خوفِ الفتنة ولا غيرها , فوجب التوقف عن هذا التعليل . وعلى أية حال فإنَّ من يخشى الفتنة على نفسه من مصافحة النساء فليمتنع عن مصافحتهن دون أن يدَّعي أنَّها حرام لا تجوز .
والمحصِّلة من كلِّ ما سبق هي أنَّ مصافحة النساء جائزةً كمصافحة الرجال لورود الأحاديث التي تجيز المصافحة بصيغةٍ عامة تدخل فيها النساء كما يدخل فيها الرجال سواءٌ بسواءٍ , دون وجود أيِّ نصٍّ صالحٍ يستثني النساء من الحكم العام , والله سبحانه هو الهادي إلى الحقِّ بإذنه .**