مسائل فقهية مختارة ( عام )

**البـــاب الســابـع

مسائل في الحكم والجهاد

(1) السؤال : عرف المسلمون في تاريخهم الطويل وظيفةً كان يُطلق عليها الحسبة وأن الذي كان يتولاها يسمى المحتسِب أو قاضي الحِسْبة ، ولا نجد هذه الوظيفة في دولنا المعاصرة ، فهل لكم أن تعطونا فكرة عن هذه الوظيفة في دولة الإسلام ، وأن تذكروا لنا أعمال المحتسِب على وجه التفصيل ؟

(1) الجواب : نعم عرف المسلمون في تاريخهم الطويل وظيفةً كان يطلق عليها الحِسبة ، وهذه الحِسبة كانت نوعاً من أنواع القضاء في الدولة الإسلامية ، ذلك أن القضاء في دولة الخلافة ثلاثةُ أنواع هي : قضاءُ المظالم ، والقضاءُ العادي الذي يفصل الخصومات بين الناس ، وقضاءُ الحسبة ، وكان كل قضاء مختصاً بجانب من مشاكل الرعية ، ونبسط الحديث في قضاء الحِسبة فنقول ما يلي :

                قضاء الحسبة هو القضاء الذي يعالج المشاكل العامة الواقعة في الحياة العامة ، أي يعالج قضايا الحقوق العامة التي ليس لها مُدَّعٍ ، وهذا القضاء يساهم مساهمةً رئيسية في صياغة الحياة العامة في دولة الخلافة صياغةً إسلاميةً بحتةً بعيدةً عن المنكرات والمعاصي ، فهو قضاءٌ بالغُ الخطورة والأهمية ، ولهذا كان هذا القضاء يُتخير له الرجالُ الذين يتحلَّوْن بالعديد من الصفات والمزايا الحسنة . وقد عرَّفوا الحسبة بتعاريفَ عدة ، أذكر منها ما يلي  ( المحتسِب هو القاضي الذي ينظر في جميع القضايا التي هي حقوق عامة ، ولا يوجد فيها مُدَّعٍ ، على أن لا تكون داخلة في الحدود والجنايات ) وقال صاحب الأحكام السلطانية ( قضاء الحسبة أمرٌ بالمعروف إذا ظهر تركُه ، ونهيٌ عن المنكر إذا ظهر فعله ) . وقال الغزالي ( هو كل منكرٍ موجودٍ في الحال ، ظاهرٍ للمحتسب بغير تجسس معلوم كونه منكراً بغير اجتهاد ) . وهو جهازٌ من أجهزة الحكم الإسلامي مهمته نشرُ الخير والمعروف ، ومنعُ الشر والمنكر من الظهور والشيوع ، ولخطورة هذا الجهاز ولأهميته يجبُ على من يتولى هذه الوظيفة أن يتَّصف بالصفات التالية :

1- أن يكون عَدْلاً تقياً ورِعاً .

2- أن يكون قوياً صارماً خشِناً في الدين .

3 - أن يكون فقيهاً عالماً بالأحكام الشرعية .

      ويضيف بعض الفقهاء صفاتٍ إضافيةً للمحتسِب ، فيُوجبون أن يتصف بالوجاهة والنُّبل والانتماء إلى أصول كريمة . أما أعمال المحتسِب على سبيل الاستقصاء والتفصيل فهي كما يلي :

1- مراقبةُ الأسواق من حيثُ منعُ الغش والاحتكار والتدليس والغبن في المعاملات التجارية ، والنظرُ في الموازين والمكاييل والمقاييس التي يتعامل بها الباعة ، ومراقبةُ أسعار السلع والحاجات ، والحيلولةُ دون تمكين التجار من عرض بضائعهم في طرق الناس ، ومراقبة أعمال الصرَّافين والصاغة ، والحيلولة بينهم وبين التلاعب بالنقود الذهبية والفضية والحُليِّ ، أو الوقوع في عمليات الربا ، وتفقُّد المقاهي والنوادي ، ومنع القمار وشرب المسكرات وتعاطي المخدرات فيها . وهذه الأعمال كثير منها تتولاها البلديات ومجالس القرى في زمننا المعاصر .

2- مراقبةُ المساجد من حيثُ الاهتمامُ بنظافتها ووجود المصاحف فيها ، ومراقبةُ الأئمة والمؤذنين عند أداء أعمالهم ، وحثُ الناس على أداء صلاة الجماعة فيها ، ومنعُ الصور والزخارف فيها حتى لا ينشغل المصلُّون بالنظر إليها ، ومنعُ المشاجراتِ وارتفاعِ الأصوات فيها ، وقسمٌ من هذه الأعمال تتولاها وزارة الأوقاف في عصرنا الراهن .

3- تفقُّدُ أحوالِ الرعية من حيثُ إِلزامُ النساءِ المسلماتِ والذمياتِ باللباس الشرعي في الحياة العامة ، وستر العورات ، والضرب على أيدي العابثين والفساق من التحرش بهن ، ومنع الاختلاط في المواطن التي ينبغي فيها انفصال الرجال عن النساء كبركِ السباحة ، وشواطئ الأنهار والبحار ، والفنادق والمتنـزَّهات والملاعب ، ويتولاها في عصرنا الراهن قسمُ مراقبة الآداب العامة .

4- الإشرافُ على السير في الشوارع والطرق العامة ، والنظرُ في صلاحية الطرق والجسور والتُّرع ، وتنظيمُ سير المركبات ، وتنظيم حركة السفن في الموانيء ، ومنع المخالفات ، وضبط عملِ وسائط النقل ، بحيث تسير المركبات ويتنقل الركاب بسهولة ويسر وأمان ، وهي المسماة في عصرنا الراهن بقوانين وأنظمة السير التي تشرف عليها الشرطة .

5- الإشرافُ على الصيدليات وعيادات الأطباء ، والمخابز والمطاعم ومصانع الأغذية ، وإلزامُ أصحابِها بالنظافة ومنع الغش ، وأداء الأعمال بحسب تقوى الله سبحانه ، وهي المنوطةُ حالياً بوزارة الصحة .

              وباختصار أقول : إن عمل المحتسِب هو منع المنكرات حيثما وُجدت ، وجعلُ الحياة العامة في دولة الخلافة مصبوغةً بالصبغة الإسلامية البحتة ، فلا يتجول فيها السياح بملابسهم الكاشفة عن عوراتهم ، ولا يعرض أهل الذمة خمورهم وخنازيرهم أمام المسلمين ، و لا تُدَقُّ نواقيسُ الكنائس دقاً عالياً خاصةً في أثناء أداء المسلمين لصلواتهم ، ولا تُلقى القُمامة في الطرق والساحات العامة ، وغيرها كثير .

              وينبغي أن يوضع تحت تصرف المحتسِب عددٌ كافٍ من أفراد الشرطة ، يتولى بواسطتهم تنفيذَ العقوبات التي يقضي بها فوراً عند حصول المشكلة ، فالمحتسِب يقضي في المشاكل فور مشاهدته لها دون إمهال ، ولا يحتاج في القضاء إلى مجلس قضاء ، بل يقضي في المشاكل في الطرق والساحات العامة      وللمحتسِب أن يعفو ، كما أنَّ له أن يوبخ ويعنِّف ، وله أن يجلد ، وله أن يصادر المال ، وله أن يُتلفه ، وهو ينفذ جميع العقوبات باستثناء عقوبات الحدود كقطع يد السارق ورجم الزاني ، وباستثناء الجنايات كالقتل والجراح   ولا يحتاج المحتسب في كل ما يقضي إلى وجود مُدَّعٍ ، بل يقضي بمنع المنكر فور رؤيته له في الليل وفي النهار ، ويعاقب المخالفين والعصاة بشتى أنواع المخالفات والتعزير ، وأمره نافذ وقضاؤُه مبرم لا يجوز نقضُه ولا إِبطالُه .**

**فآنيةُ الذهب وآنيةُ الفضة حرامٌ اقتناؤها , وحرامٌ استعمالها , وحرامٌ الأكلُ والشربُ فيها , وهذا الحكمُ هو ما استُنبطَ من النصوص الثلاثة الأولى .

               نأتي الآن إلى الحديث الخامس , فهذا الحديث استُدلَّ به على أنَّ التحريم  مقصورٌ على الأكل والشرب فقط , ويباحُ ما سواهما , ولكن المدقِّقَ في ألفاظ الحديث  يجد أنه لا يُسند هذه الدعوى , فلننظر في هذا الحديث  ونفسِّره  ثم نقوم باستنباط الحكم  الشرعي منه : 

              قال عثمان  بن عبد الله " أرسلني أهلي إلى أم سلمة بقدحٍ من ماء , فجاءت بجُلجُلٍ من فضةٍ فيه شعر من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم , فكان إذا أصاب الإنسانَ عينٌ أو شيء بعث إليها بإناءٍ فخضخضت له فشرب منه , فاطَّلعتُ في الجُلجُل فرأيتُ شعراتٍ حمراً " .

                 إنَّ الذي حصل هو أنَّ عثمان هذا حمل قدح ماء وذهب به لزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب منها الاستشفاء بشعر رسول الله صلى الله عليه وسلم والتبرك به وذلك بخضخضة ماء القدح بشعرات رسول الله صلى الله عليه وسلم , وكانت أم سلمة تحتفظ بهذه الشعرات  في جرسٍ من فضةٍ , فصبَّت ماء القدح في الجرس , وحركته بالماء ثم صبَّته ثانيةً في القدح ليشرب الماء من القدح وليس من الجُلجُل كما يتوهم من لا يدقق في الحديث  فقول الحديث ( فشرب منه ) الضمير في ( منه ) يعود إلى القدح أو الإناء الذي يحمله من أراد الاستشفاء وليس إلى الجُلجُل , فالنصُّ يقول  " بعث إليها بإناءٍ فخضخضت له فشرب منه " فالضمير في ( منه) يجب أن يعود إلى ( إناء ) الذي قبله , وإناء  أقرب من الجُلجُل إلى الضمير , والضمير كما هو معلوم يعود إلى أقرب اسمٍ يناسبه , وهنا ( إناء ) أقرب من ( الجُلجُل ) فيعود الضمير إليه وليس إلى الجُلجُل , وإذن فإنَّ الشرب إنما كان في القدح أو الإناء الذي حمله من أراد الاستشفاء .

                قد يقال إنَّ ضمير ( منه ) يعود إلى الماء وليس إلى ( إناء ) أو إلى            ( الجُلجُل ) , فنقول : حتى هذا القول لا يفيد أنَّ الشرب قد حصل في الجُلجُل  بل يجعل ذلك محتملاً , ومع الاحتمال يسقط الاستدلال على حصول الشرب من الجُلجُل , وما يتبعه من جواز الشرب في  إناء الفضة , لا سيما وأنَّ الاحتمال هذا معارَضٌ بالنصوص الصحيحة العديدة التي تنهى عن الشرب في آنية الفضة , وهكذا يظهر أنَّ الجُلجُل لم يُستعمل في الشرب , أو على الأقل أنَّ الشرب في الجُلجُل لم يثبت , والجُلجُل , أي الجرس, لا يُستعمل عادةً في اللأكل والشرب , فهو ليس من الآنية , ولا ينطبق عليه ما ينطبق عليها , وحيث أنَّ المحرَّم هو آنية الذهب والفضة , أي أوعيةُ الأكل والشرب فحسب  فإنَّ الجٌلجُل يجوز أن يكون من الذهب , ويجوز أن يكون من الفضة , وحديث الجُلجُل لا ينبغي أن يُدرج في بحث الآنية , فنحن نبحث أوعيةَ الأكل والشرب من حيثُ جواز اتخاذها من الذهب والفضة أو عدم جوازها ولا نبحث ما سواها . وإنَّ الخطأ الذي وقعوا فيه هو أنهم أدخلوا الجُلجُل في عداد الآنية , فقالوا : حيث أنه جاز اقتناءُ الجُلجُل وهو من الفضة , وجاز استعماله في حفظ الشَّعر , وفي الخضخضة , فإنَّّ ذلك دليلٌ على أنَّ استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل والشرب جائزٌ , لكن الحديث لا يسند دعواهم كما قلنا , لأنَّ إدخال الجُلجُل في عداد الآنية غير صحيح , فالجُلجُل لا يٌبحث إن بُحثت الآنية لأنه ليس منها , ونحن نقول إنَّ آنية الذهب والفضة لا يجوز استعمالها ولا اقتناؤها  ولا الأكل والشرب فيها , والآنيةُ قيدٌ يُخرج سائر الأشياء الأخرى من البحث , فطاولة الذهب وسرير الفضة وسيف الذهب والأسنان من الفضة  واتخاذ أنفٍ من الذهب واستعمال الذهب والفضة في الصناعة , وما إلى ذلك كله خارجٌ عن البحث لأنَّ البحث هو في أوعية الطعام والشراب لا غير, فهذه الأوعيةُ فقط لا يجوز أن تكون ذهباً أو فضة .

                فعن عرفجة بن أسعد قال " أصيب أنفي يوم الكلاب في الجاهلية فاتخذت أنفاً من ورق فأَنتن عليَّ ، فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن  أتخذ أنفاً من ذهب " . رواه الترمذي وأبو داود والنَّسائي وأحمد ، وحسنه الترمذي ، وروي عن عدد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم اتخذوا أسناناً من ذهب ، وروي عن مزيدة العصري قال " دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح , وعلى سيفه ذهب وفضة ... " رواه الترمذي وروى نافع عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال " اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً من ورِقٍ فكان في يده ، ثم كان في يد أبي بكر ، ثم كان في يد عمر ، ثم كان في يد عثمان حتى وقع منه في بئر أريس نقشُهُ : محمد رسول الله "  رواه  مسلم وأحمد بن حنبل دون " حتى وقع منه في بئر أَرِيس "  فهذه الأحاديث  والآثار تدل على أن الذهب والفضة يجوز استعمالهما في غير الآنية, وأنَّ استعمالهما في التجارة ، وفي الحلي للنساء ، وفي سائر وجوه الاستعمال جائز الا ما ورد تحريمه بالشرع . وقد ورد تحريمهما في الآنية ، وورد تحريم الذهب دون الفضة في التختم به ولبسه من قبل الرجال ، فقد روي عن ابن عباس " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى خاتماً من ذهب في يد رجل , فنزعه فطرحه وقال : يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده ... " رواه مسلم .  ونحن لسنا بصدد بحث استعمالات الذهب والفضة لأن ذلك خارجٌ عن بحثنا ، وإنما نريد فحسب بحث استعمالهما في الآنية .

               وهذه الآنية حرام اقتناؤها وحرام استعمالها ما دامت آنية ، أما إن جرى تحويلها عن حالتها بحيث لم يعد يطلق عليها لفظ الآنية , فإنها حينئد تخرج من البحث ، وبالتالي تخرج من حكم تحريم الاستعمال ، فالقِدْر إن أُدخلت عليها تعديلاتٌ لتصبح إصِّيصاً من أُصص الزراعة , ووُضع فيها تراب وزرعت بنبات زينة مثلاً فإنها حينئد لا تعود تسمى آنية ، وتصبح داخلة في عدادأُصُص الزراعة ، وأُصُص الزراعة يجوز أن تكون من الذهب , لأنه لا نص فيها يفيد التحريم ، فتبقى على أصلها من الإباحة , والقَدَح إن  نحن أدخلنا عليه تعديلاتٍ ليصبح محبرة ، ووضعنا فيه حبراً خرج عن كونه وعاء طعام أو شراب ، وجاز حينئذ اقتناؤه واستعماله , ولو كان من فضة أو من ذهب ، وبالعكس إن نحن اشترينا محبرة فضة ، أو أصيص زراعة من ذهب ثم حولناهما ليصبحا آنية طعام وشراب حرم علينا ذلك ، ولم يعد يجوز اقتناؤهما واستعمالهما في الأكل والشرب وغيره كالوضوء , ونقل الماء , وهكذا. فالآنية حرام استعمالها ما دامت آنية أكل وشرب، ويحل استعمال ما ليس آنية أكل وشرب . ويدخل في الأواني كل أداة لها علاقة بالأكل والشرب ، فالملاعق والشوك والسكاكين والصحون والطناجر والأباريق والكؤوس والمغارف كلُّها لا يجوز أن تكون من الذهب والفضة ، وما سواها يجوز إلا ما جرى تحريمه بالنَّص, كالتختم بالذهب ولبسه .

               نعود إلى النصوص المذكورة في صدر البحث  فنقول : قد بقي عندنا الحديثان الرابع والسادس ، هذا الحديثان يبحثان مسألة جديدة هي حكمُ تضبيب الأواني الخشبية والنحاسية والحديدية والمعدنية عموماً بالذهب والفضة ، ونعني بالتضبيب توصيل الاواني المكسورة بقطع من الذهب والفضة , أو تزيين هذه الأواني بالذهب وبالفضة بالطلاء , أو بالحاق قطع وخيوط من الذهب والفضة بها.

                وقبل الإجابة نستعرض الحديثين الرابع والسادس : الحديث الرابع نجد فيه أنَّ قدح الرسول عليه الصلاة والسلام انكسر فجرى إلصاقه بقطعة من الفضة , ولكننا نجد أنَّ  الحديث السادس يفيد تحريم الإناء من الذهب والفضة أو ما فيه شيءٌ من الذهب والفضة , وبذلك يظهر أنَّ الحديثين متعارضان , الرابع يفيد جواز التضبيبب , والسادس يفيد تحريم التضبيب, فما الرأيُ في التضبيب؟ 

           الحديث  الرابع رواه الإمام البخاري  ورواه الإمام أحمد , فهو حديثٌ صحيحٌ , ولكن الحديث السادس الذي رواه الدارقطني والبيهقي فدونه في الإسناد  والصحة , ثمَّ إنَّ المشهور عن ابن عمر أنه كان ينهى عن التضبيب دون أن يُسند ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم , كما ذكر البيهقي , ولم يرو عنه حديثٌ مرفوعٌ سوى هذا الحديث , وهذه علةٌ قادحةٌ في الحديث لا سيما وأنه يعارضُ الحديث المتفق على صحته , وهذا مما يدعو إلى طرحه وعدم الاحتجاج به , ولكننا لا نرد أيَّ حديث ما دامت هناك أمكانيةٌ لإعماله, وهذا الحديث يمكننا التوفيق بينه وبين الحديث الرابع , فنقول : إنَّ حديث ابن عمر جاء عاماً في الإناء الذي يحتوي على أي شيء من المعدنين , والحديث الربع جاء خاصاً في إصلاحِ المكسور من الآنية باحد المعدنين , فنُعمل الدليلين , فنقول  : إنَّ الآنية يجب أن تخلو من المعدنين أو أحدهما إلا في حالة واحدة هي حالة إصلاح ما انكسر منها , فيجوزذلك . وبذلك نُعمل الدليلين , وإعمالُهما خير من إهمال أحدهما , والله هو الهادي إلى الحقِّ والصواب .**

**(14) السؤال : هل يَحْرُم علينا أن نشتري ما هو حلالٌ من محلٍّ يبيع الخمور ؟

(14) الجواب : إن كان هذا المحلُّ مملوكاً لنصراني مثلاً فلا شبهة في جواز الشراء منه ما يجوز شرعاً استعمالُه ، كالمعلبات والكبريت والحلوى والزيوت وغيرها ، لأن الإسلام يقرُّ النصارى وسائر الكفار على الاتجار بالخمور . أما إن كان هذا المحل مملوكاً لمسلم ، فإن الواجب على كل مسلم أن لا يشتري منه أي شيء ، وينفر منه ويقاطعه .

(15) السؤال : فيما يتعلق بالكفَّارة ، إذا حلف الإنسان أكثر من يمين في مسألة واحدة في أوقات مختلفة ، ونسي عدد المرات التي حلف فيها ، فماذا يعمل ؟

(15) الجواب : إن كان الشخصُ حلف يميناً في مسألة واحدة فحنثَ فكفَّر عن يمينه ، ثم عاود الحلف في المسألة نفسها فحنث لزمته كفارة ثانية ، وهكذا . أما إِن حلف في مسألة أنه سيفعل كذا فحنث ولم يكفِّر عن يمينه ، ثم عاود الحلف في المسألة نفسها ثانيةً وثالثةً فحنث ولم يكقِّر عن أيمانه ، لزمته كفارة واحدة عن الجميع . وهذا لمن عرف أنه حلف ، أما إن كان لا يعرف أنه حلف فلا شيء عليه ، ولا تلزمه أية كفارة .

(16) السؤال : قلتَ إنه يجوز أكلُ ذبائحِ أهل الكتاب إذا تبين أنهم يذبحون ، فهل يعتبر الذبح بالآلات جائزاً ؟

(16) الجواب : الذبيحة الشرعية هي ما قُطع وَدَجاها وحلقُومُها ومريئُها ، سواء حصل القطعُ بسكينٍ في اليد أو حصل بآلةٍ حادَّة يُديرها الذابح ، أما الصعق الكهربائي ، أو الضرب على الرأس بأداة ثقيلة لقتل البقرة أو الشاة ثم سلخُها وتقطيعُها وأكلُها فلا يجوز ، سواء حصل الفعلُ من مسلم أو من كتابي ، لأن الذكاة الشرعية لم تحصل بهما .

(17) السؤال : هل يجوز أن نفرش المائدة بالجرائد ونأكل عليها ؟ وهل يجوز إلقاء الجرائد في أكياس النفايات ، مع احتمال أن يكون قد كُتبت فيها آيات قرآنية وأحاديث نبوية وأحكام شرعية ؟ وما حكم مسِّ كتب تفسير القرآن الكريم بدون وضوء ؟

(17) الجواب : بخصوص الجرائد والمجلات وسائر المطبوعات يجوز وضع الأطعمة عليها والأكل منها ، لأن هذه الجرائد وأمثالَها لا قُدْسية لها ، كما يجوز طرحها على الأرض ووضعها في صناديق الزبالة .

               وأضيف ما يلي : إن حصل أن جريدةً أو مطبوعةً قد أفردت صفحة كاملة  أو غالب صفحةٍ بكتابة آيات من القرآن الكريم ، فعندها لا يجوز استعمال هذه الصفحة في الأكل وفي غيره ، لأن هذه الصفحة تصبح عندئذٍ كصفحة من كتاب الله لا يجوز امتهانُها بأكلٍ أو طرحٍ أو ما شابه ذلك . وما سوى ذلك فالجرائد يصح استعمالها في أي فعل ، دون نظر إن كان فيها آية هنا أو آية هناك ، ما دام غالب الجريدة في أخبار وعلوم أخرى .

              أما بخصوص كتب تفسير القرآن الكريم فأقول ما يلي : إن كانت كتب التفسير تحتوي الصفحة منها على بضعة أسطر من الآيات القرآنية ، وسائر الصفحة تحتوي على الشروح والآراء ، فإن هذه الكتب يجوز مسُّها والقراءة فيها بدون وضوء ، أما إن كانت التفاسير تحتوي كل صفحة منها على صفحة كاملة من القرآن ، تحيط بها تفاسير موجزة في الهوامش ، فإن هذه التفاسير تأخذ حكم المصحف في كل شيء ، فلا يجوز مسها وحملها بدون وضوء .

(18) السؤال : تجري حالياً في الدول الأوروبية حملةٌ شرسةٌ على لباس المرأة المسلمة وخاصة بنات المدارس ، فيمنعون الطالبة المسلمة من ارتداء الخمار في داخل المدرسة ، فماذا تفعل هؤلاء الطالبات ، وما الواجب على أولياء أمورهن تجاه ذلك ؟

(18) الجواب : لا يجوز للطالبة المسلمة أن تستجيب لهذه التعليمات بخلع خمارها في داخل المدرسة وفي خارجها على السواء ، فإن أمكنها أن تنتقل إلى مدرسةٍ لا تمنع لبس الخمار وجب عليها الانتقال ، فإن لم تجد وجب عليها ترك الدراسة في المدارس ، أو وجب على وليِّ أمرها الهجرةُ من ذلك البلد ، ويحرم عليهما البقاء فيه ، قال تعالى في الآية 97 من سورة :frowning: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴿97﴾.

(19) السؤال : بخصوص قوله تعالى في الآية 1 من سورة الإسراء:( سبحن الذي أسرى بعبده من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ) ما هو واقع البركة في القدس ، وهل تشمل البركةُ محيطَ القدس فقط أم تمتد إلى أماكن أخرى ؟

(19) الجواب : أولاً : هناك فارق بين الأرض المقدسة والأرض المباركة ، فمدينة القدس في فلسطين هي فقط أرضٌ مقدَّسة ، وكانت سابقاً تسمى البيت المقدَّس ، ثم صارت تسمى بيتَ المقدس ، إلى أن صار يُطلَق عليها القدس وما سواها مما هو خارج حدودها فليس مقدَّساً ، فرام الله في الشمال وبيت لحم في الجنوب ليستا مقدَّستين ، ولذا لا يصح أن يُقال إنَّ فلسطين مقدَّسة

              أما الأرض المباركة (الذي باركنا حوله ) فتشمل بلاد الشام كلَّها ، من بادية الشام شرقاً إلى البحر المتوسط غرباً ، ومن جبال جنوب تركيا شمالاً إلى الجَوْف والبحر الأحمر ، أي خليج العقبة ، جنوباً . ففلسطين والأردن وسورية ولبنان هي بلاد مباركة فقط ، يدل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام " اللهم بارك لنا في شامنا ... "  وكما قلنا قبل قليل فإنَّ الأرض المقدسة هي مدينة القدس فقط . 

              ثانياً : البركةُ أُطلقت على الشام ، وأُطلقت على اليمن ، وأُطلقت على المطر  وأُطلقت على الزوجة ، وأُطلقت على غيرها ، وهي تعني النماء ووفرة الخير . فبلاد الشام خصبة التربة ذات محاصيلَ جيدةٍ وإنتاجٍ عالٍ ، والله سبحانه يبارك لأهل الشام ولأهل اليمن في محصولاتهم وأقواتهم وأرزاقهم ... الخ .

(20) السؤال : ما هو حكم قراءة القرآن على الميت أو للميت ؟ وهل قراءة الفاتحة على روح الميت لها أصلٌ شرعي ؟ وهل صحيح أن الرسول عليه الصلاة والسلام قرأها على ابنه إبراهيم ؟

(20) الجواب : ما ورد من أحاديث تذكر قراءة القرآن على الميت كلُّها أحاديث ضعيفة لا تصلح للاستدلال ، ومع ذلك فإنَّ العديد من الأئمة والفقهاء يجيزون قراءة القرآن على الميت ، ويرون أن ثواب القراءة يصل إليه استدلالاً بجواز إِهداء الميت لعدد من القُرُبات والطاعات ، كالحج والصوم والصدقة والدعاء وسداد الدَيْن ، كما هو واردٌ في الأحاديث الصحيحة ، وألحقوا قراءة القرآن على الميت بهذه القُرُباتِ والطاعات التي يصل ثوابها إلى الميت ، لأنها من جنسها ، وهو ما أُرجِّحه .**

**ج - روى أبو داود في سُنَنِه هذا الحديث بإسناد جيِّد ، يخلو من هشام بن عمار هكذا ( حدثنا عبد الوهاب بن نجدة ، حدثنا بِشر بن بكر ، عن عبد الرحمن ابن يزيد بن جابر ، حدثنا عطية بن قيس قال : سمعت عبد الرحمن بن غَنْم الأشعري قال : حدثني أبو عامر ، أو أبو مالك ، والله يمين أخرى ما كذبني أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ليكوننَّ من أمتي أقوامٌ يستحِلُّون الخزَّ والحرير ، وذكر كلاماًً قال : يُمسَخ منهم آخرون قردةً وخنازيرَ إلى يوم القيامة " ) وهو إسنادٌ جيد لا مطعن فيه ، وقد خلا من ذكر المعازف والغناء والقينات . فمَن أولى بالأخذ ؟

د - إنَّ الشرع الحنيف قد جاء موافقاً للفطرة ، ولم يُعرف أنه جاء ناقضاً لها ، والغناء كما يعرف الجميع هو من الفطرة ، لا أتصوَّر أن شخصاً عاش أربع سنوات فما فوق لم يُغنِّ ولم يسمع الغناء ، فأطفالنا دون سنِّ التمييز نراهم يغنون ويرقصون ، فهل جاء الإسلام ليحظر علينا ما هو مركوز في فطرتنا ؟

هـ - وأقول أخيراً إنه لو كان حديثُنا هذا لا معارِضَ له من أحاديث أخرى صحيحة وحسنة ، لأخذنا به وقبلناه على ضعفٍ فيه ، ولكنَّ الأمر غير ذلك إذ هناك الكثير من الأحاديث الصحيحة والحسنة تعارض هذا الحديث وتناقضه ، فكيف نأخذ به ؟

                   لهذه الأسباب الخمسة أجدني مضطراً لعدم الاستدلال بهذا الحديث على أن الغناء وآلات الطرب محرَّمة لا تجوز .

                   وبعد أن فرغنا من استعراض أحاديث القسم الأول وبيَّنا ضعفها ، لننظر في دلالة الأحاديث الواردة في القسم الثاني ، وهي كلُّها صالحة للاحتجاج ، لنستنبط منها حكم الغناء :

 1- الحديث الأول يدلُّ على جواز الغناء في العرس .

 2- الحديث الثاني يدلُّ على جواز الغناء دون مناسبة عرس أو غيره مع مصاحبة آلة هو الطَّبق .

3 -  الحديث الثالث يدل على جواز الغناء ، وقد وقع ذلك في عرس .

4 - الحديث الرابع يدل على جواز الغناء مع مصاحبة الضرب على آلة ولعلَّها الدُّف ، وقد وقع ذلك في يوم عيد الأضحى .

5- الحديث الخامس يدل على جواز الغناء بالدُّف من قِبَلِ امرأةٍ بحضور رجال ولا يقال هنا إن ذلك لا يدل على الجواز وإنما هو دالٌّ على جواز الوفاء بالنذر ، وأنه لولا النذر لما جاز الغناء ، لا يقال ذلك لأن النذر إن كان في معصية لم يَجُز الوفاء به ، فلولا أن الغناء ليس معصية لما أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما رُوي عن عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من نذر أن يطيع الله فلْيطعه ، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصِهِ " رواه البخاري وأبو داود والنَّسائي . ولما رُوي عن عمران ابن حُصين رضي الله تعالى عنه قال … قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " … لا وفاء لنذرٍ في معصية " رواه مسلم . فلولا أن الغناء مباحٌ لما أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرأة أن تفي بنذرها بالغناء بعد عودته سالماً من الغزو .

6- الحديث السادس يدل دلالة لا لبس فيها على استحباب الغناء بمصاحبة الدُّف في العرس ، وليس على إباحته فقط ، فالغناء في الأعراس مندوبٌ مستحبٌّ وليس جائزاً فقط .

7- الحديث السابع يدل على جواز الغناء بإقرارٍ من الرسول صلى الله عليه وسلم باستثناء ما يتضمنه من أقوال غير جائزة ، وأن الغناء وقع عقب الزواج وانتهاء حفلة العرس .

8- الحديث الثامن يدل على جواز الغناء أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم من قِبَل نساءٍ ، وأن ذلك وقع في يوم عيد .

9- الحديث التاسع يدل على استحباب الغناء بالكلام الطيب بدلالة قوله عليه الصلاة والسلام للمغنيات الضاربات بالدُّف " الله أعلم إني لأُحِبُّكُنَّ " ذلك إن هذا القول منه فيه تشجيع وثناء على هؤلاء المغنيات ، ولم يخصَّص هذا الغناء بعرسٍ ولا بغيره .

10- الحديث العاشر يدل على جواز الغناء بزَمَّارة ، بدلالة أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينه الراعي عن الغناء بالزَّمَّارة ، وما إغلاقُه أذنيه إلا اختيارٌ منه لا على سبيل الوجوب ، مثله مثل حادثة تقديم لحم الضَّب إليه عليه الصلاة والسلام ، فلم يقبل أن يأكله ، وترك الآخرين يأكلونه . وقد فهم قوم أن هذا الفعل منه عليه الصلاة والسلام دالٌّ على كراهة الغناء ، ولم يصيبوا فيما ذهبوا إليه ، وإن كانت لديهم شُبهة فيه ، ولم يُخصَّص هذا الغناء بعرس ولا بعيد ، وإنما ورد مطلقاً .

11- الحديث الحادي عشر يدل على استحباب التغني بكتاب الله سبحانه ، ولو كان الغناء محرَّماً لما جاز فيما يتعلق بكتاب الله المنـزَّهِ عن الباطل قراءةً وتلاوةً وفهماً .

12- الحديث الثاني عشر يحثُّ بشدةٍ على التَّغنِّي بكتاب الله سبحانه .

               من هذا الاستعراض نتوصل إلى نتيجة لا شُبهةَ فيها ، هي أنَّ الغناء مباحٌ  ويُستحَب في الأعراس ، ويُشرعُ في تلاوة القرآن الكريم , فهل يصح بعد هذا الاستعراض للأحاديث الصحيحة والحسنة أن يُقال إن الغناء حرامٌ أداءً واستماعاً ؟ إن الحق الذي يجب أن يُصار إليه هو أن الغناء في الأعراس وفي الأعياد ، بل وفي سائر المناسبات مباحٌ غير حرامٍ ، لا أداءً ولا استماعاً ، سواء كان بمصاحبة آلةٍ موسيقية أو بدون مصاحبتها .

                  أما إن كان الغناء في حفلةٍ مختلطةٍ أو راقصةٍ ، ومن قِبَلِ نساءٍ متبرجاتٍ فهو حرامٌ لا يجوز ، ليس لِحُرْمةِ الغناء ، وإنما لما يصاحب الغناء من اختلاطٍ ورقصٍ وتبرج . وأقول مثل هذا بخصوص الغناء الذي يتضمن دعوةً إلى المعاصي ، أو كلاماً فاسداً ، أو فكراً من أفكار الكفر كالأغنية التي غنَّاها عبد الحليم حافظ وقال فيها ( قَدَرٌ أحمقُ الخُطا ... ) فإن هذا الغناء لا شكَّ في حرمته ، وما سوى ذلك فالغناء مباحٌ على العموم ، ومُستَحبٌّ في الأعراس ، ويكاد يجب في قراءة القرآن الكريم ، ولا صحة البتة للقول بتحريم الغناء .**

**11- عن عُقبة بنِ عامر رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم" تعلموا كتاب الله وتعاهدوه وتغنَّوا به ، فوالذي نفسي بيده لَهُوَ أشدُّ تفلُّتاً من المخاض في العُقُل " رواه أحمد والدَّارمي والنَّسائي ، ورواه النَّسائي أيضاً في السُّنن الكبرى بلفظ " … والذي نفس محمدٍ بيده لَهُوَ أشدُّ تَفلُّتاً من العِشَارِ في العُقُل " . والعِشار والمخاض هي النياق الحوامل ، جمع ناقة . والعُقُل جمع عِقال وهو الحبل الذي يُربطُ به .

12- عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال" ليس منَّا مَنْ لم يتغنَّ بالقرآن " رواه الدَّارمي وابن ماجة .

              والآن ننظر في الأحاديث الواردة في القسم الأول من حيث السند حتى يتبين لنا إن كانت هذه الأحاديث صالحة للاحتجاج أم لا ؟

1- الحديث الأول الذي رواه عبد الله بن المبارك عن طريق أنس بن مالك سنده ساقطٌ ، إذ فيه أربعة رواةٍ ضعفاء أو مجهولين وهم : ابراهيم بن عثمان ، وأحمد بن الغَمْر ، ويزيد بن عبد الصمد ، وعبيد بن هشام الحلبي ، فالحديث لا يصح الاحتجاج به .

2- الحديث الثاني الذي رواه ابن ماجة من طريق أبي مالك الأشعري في سنده مالك بن أبي مريم قال عنه الذهبي : لا يُعرف . فهو إذن راوٍ مجهول إِضافةً إلى الراوي معاوية بن صالح الذي رماه بالضعف كثيرٌ من علماء الجرح والتعديل ، فالحديث ضعيف جداً ، فيترك .

3- الحديث الثالث الذي رواه ابن ماجة من طريق أبي أُمامة في سنده أبو المهلَّب مطرح بن يزيد ضعَّفه أبو زُرعة الرازي وأبوحاتم الرازي . وقال ابن معين : ليس بشيء . وقال البخاري : منكَر الحديث . وفيه أيضاً عبيد الله الإِفريقي ضعَّفه أحمد والدَّارمي والدَّارَقُطني . وقال ابن معين : ليس بشي وقال ابن المَدِيني : مُنكَر الحديث . وقال أبو مسهر : هو صاحب كلِّ مُعضِلة . فالحديث ضعيف جداً ، فيترك .

4- الحديث الرابع الذي رواه أحمد من طريق أبي أُمامة في سنده علي بن يزيد الألهاني ، وهو ضعيف . وكذلك القاسم ضعيف ، فالحديث ضعيف جداً ، فيترك .

5- الحديث الخامس الذي رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند في سنده فرْقد السَّبخي ، قال الهيثمي في مجمع الزوائد : فرقد ضعيف . والحديث ضعَّفه المنذري . ورواه أيضاً سعيد بن منصور وفي سنده ثلاثة ضعفاء ، فالحديث ضعيف ، فيُترك .

6- الحديث السادس الذي رواه الترمذي من طريق عبيد الله بن زَحْر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أُمامة ، فيه علي بن يزيد ، قال الترمذي ( وقد تكلم بعض أهل العلم في علي بن يزيد وضعفه ) وقال عنه البخاري : منكَر الحديث . وقال النَّسائي : ليس بثقة . وقال الدارقطني : متروك . وضعَّف الشوكاني عبيد الله بن زَحَر والقاسم ، فالحديث ضعيف جداً ، فيُترك .

7- الحديث السابع الذي رواه أبو داود من طريق شيخ شهد أبا وائل واضح فيه أن فيه راوياً مجهولاً لم يُسَمَّ ، هو الشيخ الذي شهد أبا وائل ، فالحديث ضعيف ، فيترك .

8- الحديث الثامن الذي رواه ابن جرير الطبري في تفسيره هو قولٌ لابن مسعود وليس حديثاً مرفوعاً ، وأقوال الصحابة ليست أدلة ، وإنما هي أحكامٌ شرعيةٌ في حقهم وفي حق من يقلدهم من المسلمين ، فلا يجب علينا الالتزام بها ، وهذا القول من ابن مسعود رضي الله عنه هو شرح وفهمٌ منه للآية الكريمة ، بل هو شرحٌ لكلمة ( لهو ) وهو شرحٌ صحيحٌ يؤكده ما جاء في الحديث الأول من المجموعة الثانية " قد رُخِّص لنا في اللهو عند العرس " أي في الغناء ، وما جاء في الحديث الثالث من المجموعة الثالثة أيضاً بلفظ الإمام البخاري" يا عائشة ما كان معكم لهوٌ ؟ فإنَّ الأنصار يُعجبهم اللهو " أي الغناء ، ولكنَّ الناظر في الآية يدرك بسهولة أنَّ اللهو في الآية كان مذموماً بسبب اقترانه بالإضلال عن سبيل الله ، ولولا ذلك لما ورد الذَم ، واقتران الإضلال عن سبيل الله بأي قول أو كلام يجعل القول أو الكلام مذموماً ، ويبقى عموم القول والكلام مباحاً ، وكذلك الغناء ، فإنه مباحٌ كأيِّ قولٍ أو كلامٍ ما لم يقترن بالإضلال عن سبيل الله . فلا دلالة في هذا التفسير على حُرمة الغناء .

9- بقي الحديث المعلَّق في صحيح البخاري ، وهو وحده الدليل الباقي للقائلين بتحريم الغناء وآلات اللهو ، فلننظر في هذا الحديث بشيء من التفصيل :

أ - هذا الحديث وإن ورد في صحيح البخاري ، إلا أنه لا يصح أن يقال إن البخاري روى هذا الحديث ، ذلك أن البخاري لم يذكره بقوله [ حدثنا ] ، أو بقوله [ أخبرنا ] أو ما شاكل ذلك ، وإنما ذكره معلَّقاً بصيغة [ وقال هشام بن عمار ] والأحاديث المعلَّقة في صحيح البخاري لا يجب الاستدلال بها ، وإنما يصح الاستئناس بها فقط ، والأحاديث المعلقة تعني أن راوياً أو أكثر لم يُذكر في السند ، وبالتالي فهي أحاديث مُنقطعة أو مُعضلَة ، وليست متصلة الإسناد ، وأنا أتسائل : لماذا لم يذكر البخاري اسم من نقل له هذا الحديث ؟ ألا يدل ذلك على أنه يشك في النقل والناقل ، وأن هذا الحديث ينزل بالتالي عن مرتبة الصحة ؟

ب - إن هشام بن عمَّار ثقة ، ولكنه بعد أن كبر اختلف حالُه وتغيَّر ، فلم يَعُدْ يُؤخَذ قوله باطمئنان ، فهذا أبو حاتم الرازي يقول ( لما كبر هشام تغيَّر ، فكل ما دُفِع إليه قرأه ، وكلما لُقِّن تلقَّن ) وقال أبو داود فيما نقل عنه الآجري ( حدَّث هشام بأربعمائة حديث مسنَدة ليس لها أصل ) وذكر أن هشاماً كان يُلقَّن أحاديث أبي مسهر فيحدِّث بها ) . وقال عقِب ذلك ( وكنت أخشى أن تَفتق في الإسلام فتقاً ) . وقال أحمد بن حنبل ( هشام طيَّاش خفيف ) . وقال أيضاً ( إِن صلوا خلفه فليعيدوا الصلاة ) . فمثل هذا الراوي لا يُطمئن لأخذ الحديث من طريقه ، لاسيما وأنَّ الأحاديث الصحيحة تخالف ما رواه .**

**ب- النصوص التي يستدلُّ بها القائلون بالجواز أو بالكراهة :

1- عن عامر بن سعد قال " دخلتُ على قُرَظةَ بنِ كعبٍ وأبي مسعود الأنصاري في عرسٍ ، وإذا جَوارٍ يُغنِّين ، فقلت : أنتما صاحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومِن أهل بدرٍ ، يُفعل هذا عندكم ؟ فقالا : اجلس إن شئت فاسمع معنا ، وإن شئتَ فاذهب ، قد رُخِّص لنا في اللهو عند العرس" رواه النَّسائي والحاكم وصححه .

2- عن السائب بن يزيد رضي الله عنه" أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا عائشة أتعرفين هذه ؟ قالت : لا يا نبي الله ، فقال : هذه قَيْنةُ بني فلان ، تحبين أن تغنيَكِ ؟ قالت : نعم ، فأعطاها طَبَقاً فغنَّتها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قد نفخ الشيطان في مِنْخريها " رواه أحمد بسند صحيح ، ورواه الطبراني . والطبق هو الإناء أو الوعاء .

3- عن جابر رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة " أهديتم الجارية إلى بيتها ؟ قالت : نعم ، قال : فهلا بعثتم معهم من يُغَنِّيهم يقول : أتيناكم فحيُّونا نُحَيِّيكم فإن الأنصار قومٌ فيهم غَزَل " رواه أحمد بسند صحيح . ورواه البخاري من طريق عائشة رضي الله عنها بلفظ " أنها زَفَّت امرأةً إِلى رجلٍ من الأنصار ، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : يا عائشة ، ما كان معكم لهوٌ ؟ فإنَّ الأنصار يُعجبهم اللهو " ورواه الحاكم وصححه ، ووافقه الذهبي .

4- عن عائشة رضي الله عنها " أن أبا بكر الصديق دخل عليها وعندها جاريتان في أيام مِنى تُغَنِّينان وتَضْرِبان ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجَّى بثوبه فانتهرهما أبو بكر ، فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه ، وقال : دعهما يا أبا بكر ، فإِنها أيام عيد … " رواه مسلم .

5- عن عبد الله بن بُريدة قال : سمعت بُريدة رضي الله عنه يقول " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه ، فلما انصرف جاءت جاريةٌ سوداءُ فقالت : يا رسول الله ، إني كنتُ نذرتُ إِنْ ردَّك الله سالماً أن أضرب بين يديك بالدُّفِّ وأَتغنَّى ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن كنتِ نذرتِ فاضربي وإلا فلا ، فجعلت تضرب ، فدخل أبو بكر وهي تضرب ، ثم دخل علي وهي تضرب ، ثم دخل عثمان وهي تضرب ، ثم دخل عمر فألقت الدُّف تحت إِستها ، ثم قعدت عليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الشيطان ليخاف منك يا عمر ، إني كنت جالساً وهي تضرب ، فدخل أبو بكر وهي تضرب ، ثم دخل علي وهي تضرب ، ثم دخل عثمان وهي تضرب ، فلما دخلتَ أنت يا عمر ألقت الدُّفَّ " رواه الترمذي وقال : هذا حديث حسنٌ صحيحٌ غريبٌ ورواه أحمد بسند صحيح ورواه أبو داود والبيهقي .

6- عن يحيى بن سليم قال : قلتُ لمحمد بن حاطب : تزوجتُ امرأتين ما كان في واحدةٍ منهما صوت ، يعني دُفَّاً ، فقال محمد رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" فصْلُ ما بين الحلال والحرام الصوتُ بالدُّفُّ " رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي . ورواه أحمد بسند صحيح . ورواه ابن ماجة والنَّسائي ، ورواه الترمذي وحسَّنه .

7- عن الرُّبيِّع بنتِ مُعَوّذ رضي الله عنها قالت " دخل عليَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صبيحة عُرسي وعندي جاريتان تغنيان ، وتُندبان آبائي الذين قُتلوا يوم بدرٍ ، وتقولان فيما تقولان : وفينا نبيٌّ يعلم ما في غدٍ ، فقال : أمَّا هذا فلا تقولوه ، ما يعلم ما في غدٍ إلا الله " رواه ابن ماجة ، ورواه الترمذي وقال : هذا حديث حسن صحيح وجاء في روايته " وجُوَيْراتٌ لنا يضربن بدُفُوفِهِن " .

8- عن عائشة رضي الله عنها قالت " دخل عليَّ أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تُغنيان بما تقاولت به الأنصار في يوم بُعاث ، قالت : وليستا بمغنيتين فقال أبو بكر : أبمزمور الشيطان في بيت النبي صلى الله عليه وسلم ؟ وذلك في يوم عيد الفطر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا أبا بكر ، إن لكل قومٍ عيداً ، وهذا عيدُنا " رواه ابن ماجة .

9 ? عن أنس بن مالك رضي الله عنه " أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ ببعضِ المدينة ، فإذا بجَوارٍ يضربن بدُفِّهِنَّ ويتغنَّين ويقُلنَ :

            نحنُ جَوارٍ من بني النَّجارِ        يا حبذا محمدٌ من جارِ

   فقال النبي صلى الله عليه وسلم : الله أعلم إِني لأُحِبُّكُنَّ " رواه ابن ماجة بسندٍ صحيح .

10- نافع مولى ابن عمر رضي الله عنه " أن ابن عمر رضي الله عنهما سمع صوتَ زَمَّارةِ راعٍ ، فوضع أُصبعيه في أُذُنيه ، وعَدَل راحلته عن الطريق وهو يقول : يا نافع أتسمع ؟ فأقول : نعم ، فيمضي ، حتى قلتُ : لا ، فوضع يديه وأعاد راحلته إلى الطريق ، وقال : رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسمع صوتَ زَمارةِ راعٍ ، فصنع مثل هذا " رواه أحمد بإسناد صحيح . ورواه ابن ماجة والخلاَّل .**

**(13) السؤال : ما حكم الغناء أداءً واستماعاً ؟ وما حكم استعمال آلات الموسيقى وهل تجوز التجارة فيها ؟ أرجو الإجابة بالتفصيل مع الأدلة ؟

(13) الجواب : اختلف الأئمة والفقهاء في مسألة الغناء بين محرِّمٍ وكارهٍ ومبيحٍ ، فممَّن حرَّمه أصحابُ الرأي قاصرين التحريم على من اتخذ الغناء صناعةً ومهنة ، ونُقل مثلُه عن الشافعي . وممن كرهه أحمد بن حنبل قاصراً الكراهة على الأفعال المذمومة لا على القول بعينه ، ونُقلت الكراهة عن الشافعي في رواية ، وعن القاضي . وممَّن أباحه ابن حزم وأبو بكر الخلاَّل وأبو بكر عبد العزيز وسعد بن ابراهيم والعنبري وكثير من أهل المدينة , وأخرجوا الحِداء أي الإنشاد من هذه الأحكام فأباحوه . ذكر ذلك ابن قُدامة في كتاب المغني

               وحتى نتبين وجه الحق في هذه المسألة دعونا نستعرض هذه النصوص: 

أ- النصوص التي يستدلُ بها القائلون بتحريم الغناء :

1- عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم " من جلس إلى قَيْنَةٍ فسمع منها ، صبَّ الله في أذنيه الآنُكَ يوم القيامة " رواه عبد الله بن المبارك . والقينة هي الجارية . والآنُك هو الرصاص .

2- عن أبي مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ليشربَنَّ ناسٌ من أمتي الخمرَ يسمونها بغير اسمها فيُعزَفُ على رؤوسهم بالمعازف والمغنِّيات ، يَخْسِف الله بهم الأرضَ ، ويجعل منهم القردة والخنازير " رواه ابن ماجة .

3 - عن أبي أُمامة رضي الله عنه قال " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المغنيات وعن شرائهن ، وعن كسبهن وعن أكل أثمانهن " رواه ابن ماجة .

4- عن أبي أُمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن الله بعثني رحمة للعالمين ، وهدى للعالمين ، وأمرني ربي عزَّ وجلَّ بمحق المعازفِ والمزاميِر والأوثانِ والصُّلُبِ وأمرِ الجاهلية … ولا يحل بيعُهن ولاشراؤُهن ، ولا تعليمهن ولا تجارةٌ فيهن ، وثمنهنَّ حرامٌ ، يعني الضاربات وفي رواية المغنيات " رواه أحمد . والصُّلُب جمع صليب .

5- عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " والذي نفسي بيده لَيبيتَنَّ ناسٌ من أمتي على أَشَرٍ وبَطَرٍ ولعبٍ ولهوٍ ، فيصبحوا قردةً وخنازير باستحلالهم المحارم والقَيْنات ، وشربهم الخمر وأكلهم الربا ، ولبسهم الحرير " رواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند .

6- عن عبيد الله بن زَحْر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أُمامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا تبيعوا القَيْنات ولا تشتروهن ولا تُعلِّموهنَّ ، ولا خير في تجارةٍ فيهن ، وثمنُهنَّ حرام ، في مثل هذا أُنزلت هذه الآية :frowning: ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله ) إلى آخر الآية " رواه الترمذي وأحمد وابن ماجة والبيهقي .

7- عن شيخٍ شهد أبا وائلٍ في وليمة ، فجعلوا يتلَعَّبون ويُغنُّون ، فحلَّ أبو وائلٍ حبوتَه ، وقال : سمعت عبد الله يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " الغناء يُنبتُ النفاقَ في القلب " رواه أبو داود . والحبوة - بفتح الحاء وضمها وكسرها - هي الجلوس على الإِليتين مع ضم الفخذين والساقين إلى البطن بالذراعين .

8- عن أبي الصَّهباء " أنه سأل ابن مسعود عن قول الله :frowning: ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله ) قال : الغناء " رواه ابن جرير الطبري في تفسيره .

9- جاء في صحيح البخاري ما يلي ( وقال هشام بن عمَّار : حدثنا صَدَقة ابن خالد ، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، حدثنا عطية بن قيس الكلابي ، حدثني عبد الرحمن بن غَنْمٍ الأشعري قال : حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري , والله ما كذبني سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول " ليكونَنَّ من أمتي أقوامٌ يستحلون الحِرَّ والحرير والخمرَ والمعازفَ ، ولَينـزِلنَّ أقوامٌ إلى جنب عَلَم يروح عليهم بسارحةٍ لهم يأتيهم لحاجة فيقولون : ارجع إلينا غداً فيُبَيِّتُهم الله ويضع العَلَم ، ويمسخ آخرين قردةً وخنازيرَ إلى يوم القيامة " ) ورواه الطبراني . والسارحة هي الماشية . والعَلَم هو الجبل**

**(6) السؤال : هل يجوز نهبُ أموال الدولة المحاربة على أراضيها أم لا مع الأدلة ؟ وهل يجوز شراءُ بضاعةٍ مسروقة أو منهوبة في تلك الدولة المحاربة ؟

(6) الجواب : جاء في مقدمة الدستور في شرح المادة 178 ما يلي ( وأما الذين وُجدت حالةُ الحرب الفعلية بيننا وبينهم ، ولم نعقد صلحاً معهم فإنهم يكونون في جميع الأحوال كحال المحارِب في المعركة ، فدماؤُهم حلال ، وأموالُهم حلال ، إلا المسلمين منهم ) وهذا الحكم متعلق بسياسة الدولة الإسلامية الحربية .

         أما اليوم ونحن بلا دولة إسلامية وبلا جيوشٍ فاتحة ، فإن المسلم إن دخل بلاد الكفار المحاربين فعلاً بعهدِ أمانٍ واستئمان حرم عليه أن يخفِر هذا العهد  أما إن تمكَّن من دخول تلك البلاد بدون عهد أمانٍ واستئمانٍ جاز له أخذُ أموالِهم وإِزهاقُ أرواحِهم ، تماماً كما لو كان في المعركة معهم . وأما البضائع المنهوبة في تلك البلاد فإنَّ حالها كحال ما سبق ، لا تحلُّ لمن دخل بعهد أمانٍ  وتحلُّ لغيره .

( 7 ) السؤال : عندما تُحمل الدعوة للناس في هذا العصر لإعادة الحكم بالإسلام ينبري من ليس لديهم قسطٌ من الموضوعية والنزاهة , ومن يحملون الأفكار الغربية والشرقية من ليبراليين ويساريين وقوميين , بل ومن ناسٍ جهلةٍ من المسلمين للوقوف في وجه حمَلَةِ الدعوة متذرعين بالنصارى واليهود وغيرهم من أهل الديانات الأُخرى قائلين : إنَّ تطبيق الإسلام على هؤلاء يخالف الديمقراطية ويتناقض مع حقوق الإنسان , ويَحصر النِّساء في البيوت ويُفقِدُهن المكاسب الكثيرة التي نِلنها عبر كفاحهنَّ الطويل , والسؤال هو : كيف يتعامل المسلمون في دولة الخلافة مع من يُسمَّوْن بأهل الذمة ؟ وهل يعامل المسلمون النَّصارى وغيرَهم معاملةً حسنة كما يعاملُ بعضُهم بعضاً ؟ وهل فعلاً تُحصرُ النِّساءُ في البيوت ويُحْرَمن من حقوقهنَّ المكتسبة ؟ أرجو الإجابة على هذا السؤال الطويل بشيء من التفصيل ؟

( 7 ) الجواب : أولاًّ : إنَّ الدولة الإسلامية ظلت قائمةً أكثر من ألف سنة لم يُعرف ولم تُسجَّل من أهل الذمة شكاوى من وقوع الظلم عليهم والجور عليهم , ومن يدَّع غيرَ ذلك فلْيأتِ بالدليل , بل الدليلُ قائمٌ من التاريخ في بلاد الشام ومصر , وفي بلاد الأندلس وغيرها بأنَّ أهل الذمة من اليهود والنَّصارى كانوا يشتركون مع المسلمين في الدِّفاع عن الدولة التي كانوا يهنؤون بالعيش فيها , ويظهر ذلك جليَّاً في الحروب الصليبية من قِبل النصارى وفي بلاد الأندلس من قبل اليهود .

ثانياً : إنَّ مَن يُسمَّوْن أنفسَهم ليبراليين ويساريين واشتراكيين وقوميين قد ولدوا ونشأوا بعد سقوط الخلافة الإسلامية , فلم يقفوا على عدالةِ الإسلام , ولم يهنأوا بالعيش الآمن الكريم في ظلِّ أحكام السماء , والمعلوم أنَّ الإنسان يُنكر ما يجهل , لا سيما وأنَّ الاستعمار الغربي الكافر هو الذي تولَّى وضع برامج التعليم , ونَشَر أدواتِ العلم والمعرفة بشكلٍ نفَّر المسلمين من أحكام دينهم , وخدعهم بمقولة أَنَّ الحضارة والتَّقدُّم إنما تحصل بخلع القديمِ والرجعية الدينية , والانكباب على الحضارة الغربية حُلوِها ومُرِّها كما كان يقول طه حسين وأمثالُه من المضبوعين بالحضارة الغربية , فوقعوا فريسةَ هذا المقولة المسمومة , حتى صاروا كأنهم نصارى أو يهود في قوالب إسلامية .

ثالثاً : إنَّ الإسلام لم ينزل على العرب وأهلِ المشرق فقط , وإنما هو رسالةٌ عالميةٌ لإصلاح العالم كلِّه , ولم نجد بلداً شرقياً أو غربياً أو شمالياً أو جنوبياً طُبِّق عليه حكم الله سبحانه إلا دخل كلُّه أو معظمُه في دين الله , فنجد الإسلام في بلاد تتاريستان في أقصى الشمال الروسي , ونجده في بلاد البوسنة ( البشناق ) وألبانيا وكوسوفو ( القصبة ) في وسط أوروبا , ونجده في بلاد البنغال في شرق آسيا , ونجده في جنوب الصحراء الكبرى في إفريقيا , ورغم سيطرة الاستعمار الغربي على كلِّ هذه البلاد ومحاولاته نشر أفكاره الرأسمالية والاشتراكية والدينية فيها إلا أنه فشل في سلبها الهوية الإسلامية بل إننا بدأنا نرى ونسمع اعتناق الإسلام بالملايين في بلاد الاستعمار نفسِه , وما ذلك إلا لكونه هو العلاج الناجع والشافي لمشاكل البشر , كلِّ البشر من شرقيين وغربيين , وما أن تعود دولةُ الخلافة قريباً بإذن الله تعالى حتى ترى دول الغرب تتحول إلى الإسلام , وعندها سوف يجد الليبراليون واليساريون والقوميون أنفسهم في حالٍ لا يُحسدون عليها , وسوف يدركون ألخديعة الكبرى التي انطلت عليهم , فيسارعون إلى العودة الميمونة إلى رحاب الدين الحق.

رابعاً : أما أخواتنا النساءُ وما انطلت عليهن من خدعِ الفكر الغربي المادِّي الانحلالي ,

	فسيكُنََّ أسرع استجابةً من الرجال للعودة لأحضان الدين , والالتزام بأحكامة , والانفكاك من  أُحبولةِ الغرب التي تربط التقدُّمَ والحضارةَ والرُّقيَّ بالانحلال في اللباس , والانفلاتِ في السلوك . أما أنّهنَّ سيُحْصَرن في البيوت , فهذه فِريةٌ من أعظم الفريات التي يروِّج لها الغربُ الكافر . ولستُ أحتاجُ لسردِ الأمثلة على بطلان هذا القول الكاذب . 

خامساً : ولمن يجهل معاملة المسلمين لغيرهم في الدولة الإسلامية , ولمن يظنُّ أنَّ الإسلام يضيِّق على أهل الذمة من رعايا الدولة ويحتقرهم وينبذهم , ولا يُنصفهم ولا يحترم مشاعرهم ويحرمُهم من حقوقهم , أذكر لهم جملةً من النُّصوص التي تبين كيفية معاملة المسلمين لهم :

1 - عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال " مرَّ بنا جنازةٌ , فقام لها النبيُّ صلى الله عليه وسلم وقمنا به , فقلنا : يا رسول الله : إنها جنازةُ يهودي؟ قال : إذا رأيتم جنازةً فقوموا " رواه البخاري . وفي روايةٍ له من طريق سهل بن حنيف وقيس بن سعد بلفظ " إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم مرَّت به جنازةٌ  فقيل له : إنها جنازةُ يهوديٍّ , فقال : أّليسْ نفساً ؟ " .

2 - عن أنس رضي الله عنه قال " كان غلامٌ يهوديٌّ يخدم النبيَّ صلى الله عليه وسلم , فمرضَ , فأتاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم يعوده , فقعد عند رأسه فقال له أسلِمْ , فنظر إلى أبيه وهو عنده , فقال له : أَطِعْ أبا القاسم , فخرج النبيُّ صلى الله عليه وسلم وهو يقول : الحمدُ لله الذي أنقذهُ من النار " رواه البخاري .

3 - عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت " دخلتْ عليها يهوديةٌ , فوهبتْ لها طِيباً … " رواه ابنُ أبي شيبة .

4 - عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قال " سألتها يهوديةٌ فأعطتها … " رواه أحمد .

5 - عن عليٍّ قال " تزوَّج رجلٌ من أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم يهوديَّةً " رواه ابنُ أبي شيبة .

6 - عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه " أّنَّ يهوديةً أتت النبيَّ صلى الله عليه وسلم بشاةٍ مسمومةٍ فأكل منها فجيء بها فقيل : ألا نقتلها ؟ قال : لا … " رواه البخاري .

7- عن أنس رضي الله عنه " أنه مشى إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم بخبزٍ وشعيرٍ وإِهالةٍ سَنِخةٍ , ولقد رهن النبيُّ صلى الله عليه وسلم دِرعاً له بالمدينةِ عند يهوديٍّ , وأخذ منه شعيراً لأهله " رواه البخاري . وللبخاري من طريق عائشة رضي الله تعالى عنها قالت " توفي النبيُّ صلى الله عليه وسلم ودِرعُهُ مرهونةٌ عند يهوديٍّ بثلاثين " .

8 - عن جسر بن جعفر عن عمر بن عبد العزيز قال " بلغني أّنَّ أمير المؤمنين عمر مرَّ بشيخٍ من أهل الذَمَّةِ يسألُ على أبواب الناس , فقال : ما أنصفناك أنْ كنا أَخذنا منك الجزيةَ في شبيبتك ثم ضيَّعناك في كِبرِك , قال : ثم أجرى عليه من بيت المال ما يُصلحه " جاء ذلك في كتاب الأموال للقاسم بن سلام . وأورده ابن زنجويه في كتابه الأموال من طريق صلة بن زفر أّنَّ عمر قال " ما أنصفناك إِنْ أكلنا شبيبتك ثم نأخذث منك الجزية , ثم كتب إلى عمَّاله ألا يأخذوا الجزيةَ من شيخٍ كبيرٍ "

       		إنَّ الإسلام يَدَعُ أهلَ الذمة وما يعتقدون وما يعبدون  , ويسيرون في أُمور الزواج والطلاق حسب أديانهم , أما المطعوماتُ والملبوساتُ فإنهم يُعامَلون بشأنها حسب أحكام دينهم ضمن النظام العام , وما سوى ذلك فهم والمسلمون سواء أمام أحكام الدولة .**

**(4) السؤال : هل الكذب على الدول المحاربة فعلاً جاء على عمومه ، أم خُصِّص في وقت الحرب فقط ؟ وما هو واقع الكذب المباح في حالة الحرب بالضبط مع الأدلة الشرعية ؟

(4) الجواب : الكذب على الدول المحاربة فعلاً جاء على عمومه، ولم يأت ما يخصِّصه ، ولذا فالمسلم يجوز له أن يكذب على الدولة المحاربة فعلاً ، وعلى رعاياها أيضاً ما شاء له الكذب ، دون أي تحديد أو تخصيص ، فقد ورد في كتاب الشخصية الجزء الثاني لتقي الدين النبهاني في البحث [ الكذب في الحرب ] ما يلي ( وأما ما أخرجه أحمد والنَّسائي من حديث أنس في قصة الحَجَّاج بن علاط في استئذانه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول عنه ما شاء لمصلحته في استخلاص ماله من أهل مكة ، وأذن له النبي صلى الله عليه وسلم … ) فقوله ( يقول عنه ما شاء ) يدل على العموم . وورد في الصفحة نفسها ما يلي ( إذ جواز الكذب لا يقتصر على المعركة ، ولا على المحاربين ، بل يجوز للمسلمين أن يكذبوا على الكفار أعدائهم إذا كانوا في حالة حرب فعلية معهم ) فقوله ( لا يقتصر على المعركة ولا على المحاربين ) يدل على العموم أيضاً الذي يشمل الدولة المحاربة ورعاياها ، وتجدون الأدلة متوافرة في ذلك البحث . فالكذب عام ما دامت حالة الحرب الفعلية قائمة بيننا وبين الكفار .

(5) السؤال : رُويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدةُ أحاديث تفيد أن الذي يموت بالطاعون شهيد ، وأن الذي يموت غريقاً شهيد ، وأن الذي يموت محترِقاً بالنار شهيد … الخ ، حتى بلغ عدد هؤلاء الشهداء ما يربو على العشرين صنفاً ، والسؤال هو :

أ - توجد في الفنادق الكبيرة بركُ سباحةٍ يسبح فيها الرجال والنساء معاً عراة أو بملابس لا تستر العورات، ، وربما شرب هؤلاء الخمرة على حافات هذه البرك قبل أن ينزلوا في الماء للسباحة ، فهل إذا غرق أحد هؤلاء الفساق والعصاة في هذه البرك يعتبر شهيداً لأنه مات غريقاً ؟

ب - توجد بارات يختلط فيها الرجال بالنساء ، ويجتمعون على موائد الخمرة ، ويحدث كثيراً أن يقوم أحد هؤلاء السكارى بإشعال النار في هذه البارات فيموت هؤلاء السكارى محترقين بالنار ، فهل يعتبر هؤلاء شهداء ؟ ومتى يكون الغريق أو المحترِق بالنار أو المطعون شهيداً ؟

(5) الجواب : إن منـزلة الشهادة عند الله منـزلة عالية ، لا تتعداها سوى منـزلة النبوة ومنـزلة الصِّدِّيقين ، وهذه المنـزلة لا يبلغها إلا من رضي الله عنه واستقامت أحواله ، وقُتل أو مات في سبيل الله ، وحتى هؤلاء الشهداء فإن منازلهم تتفاوت تبعاً لفضلهم وإخلاصهم ونياتهم ، أما من مات في غير سبيل الله ، أو قتل في غير سبيل الله ، فليس بشهيد ، ولا يبلغ منـزلة الشهادة

       لقد خفي على كثير من الفقهاء أن الأحاديث التي أَطلقت القولَ بأن المطعون شهيد وأن الغريق شهيد وأن المبطون شهيد ... الخ ، قد جاءت أحاديث أخرى قيَّدت هذا الإطلاق ولم تُبْقِه مطلقاً ، فإذا جاءت أحاديث مطلقة ، وجاءت أحاديث أخرى مقيِّدة حُمِل المطلق على المقيَّد وعُمِل بالمقيَّد  وهذه قاعدةٌ أصوليةٌ يعرفها جميع علماء الأصول والفقهاء .

       	         إن الأحاديث التي ذكرت أصنافَ الشهداء فجعلتها خمسةً ، أو جعلتها تربو على العشرين ، قد جاءت أحاديث أخرى تقيِّد هذه الأصناف بالخروج في سبيل الله تعالى ، أي تقيد المطعون والمبطون والغريق و ... بحالة الخروج في سبيل الله ، فيُعمل بالمقيَّد ، ويُحمَل المطلَق عليه ، فيكون المطعون شهيداً إن هو أصيب بالطاعون وهو خارجٌ في سبيل الله ، ويكون الغريق شهيداً إن هو غرق وهو خارج في سبيل الله ، ويكون المحترِق بالنار شهيداً إن هو احترق بالنار في أثناء خروجه في سبيل الله ، وهكذا جميع الأصناف ، فهي جميعها مقيَّدة بالخروج في سبيل الله ، وعلى ذلك فإن من يموت بالطاعون وهو في بيته ليس شهيداً ، وإن من يموت غريقاً في برك السباحة في الفنادق ليس شهيداً ، وإن من يموت في الخمارةِ محترقاً بالنار ليس شهيداً  فهؤلاء الأصناف شهداء إن هم ماتوا وهم خارجون للجهاد ، وغير شهداء إن هم ماتوا ولم يكونوا متلبسين بالجهاد في سبيل الله . هذا ما دلت عليه الأحاديث النبوية الشريفة التالية : 

1- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " انتدب الله عز وجل لمن يخرج في سبيلِه لا يُخْرِجه إلا الإيمان بي والجهاد في سبيلي أنه ضامن ، حتى أُدخله الجنةَ بأيهما كان ، إما بقتل أو وفاة ، أو أرده إلى مسكنه الذي خرج منه ، نال ما نال من أجرٍ أو غنيمة " رواه النَّسائي .

2- عن سبرة بن أبي فاكه رضي الله تعالى عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول" إن الشيطان قعد لابن آدم بأطْرُقِهِ ، فقعدَ له بطريق الإسلام ، فقال : تُسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك فعصاه فأسلم ، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال : تُهاجر وتدع أرضك وسماءك ، وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطِّوَل فعصاه فهاجر ، ثم قعد له بطريق الجهاد فقال : تجاهد فهو جَهْد النفس والمال ، فتقاتل فتقتل ، فتُنكحُ المرأة ويُقْسَم المال ، فعصاه فجاهد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فمن فعل ذلك كان حقاً على الله عز وجل أن يدخله الجنة ، ومَن قُتل كان حقاً على الله عز وجل أن يدخله الجنة ، وإِن غرق كان حقاً على الله أن يدخله الجنة أو وَقَصَته دابَّتُه كان حقاً على الله أن يدخله الجنة " رواه النَّسائي بسند صحيح . قول الحديث الطِّوَل : هو الحبل الطويل يُشدُّ أحد طرفيه في وتدٍ والطرف الآخر في يد الفرس . وقوله وقصته دابته : يعني سقط عنها فدُقَّت عنقُه فمات .

3- عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من فَصَل في سبيل الله فمات أو قتل فهو شهيد أو وَقَصَه فرسُه أو بعيرُه أو لدغته هامَّة أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله إنه شهيد ، وإن له الجنة " رواه أبو داود والحاكم وصححه ، ورواه البيهقي جُزءاً من حديث . قوله هامَّة : تطلق على أية دابةٍ من دوابِّ الأرض

                 الحديث الأول قيَّد القتل والوفاة بالخروج للجهاد في سبيل الله ، والحديث الثاني قيَّد القتل والغرق ووَقْصَ الدابة بالجهاد  ( ثم قعد له بطريق الجهاد ) والحديث الثالث قيَّد الموت والقتل ووقص الفرس أو البعير أو لذغ الهامَّة كالأفعى والعقرب مثلاً ، والموت على الفراش بالفَصْل في سبيل الله ، أي بالخروج للجهاد ، فهذه الأحاديث قيَّدت نوال الشهادة للمقتول وللميت - وذكرت أصنافاً للموت  - قيَّدتها كلَّها بالخروج للجهاد ، وهذا يعني أنها إن حصلت كلُّها في غير الجهاد فليست شهادة . قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ( وللطبراني من حديث ابن عباس مرفوعاً " المرء يموت على فراشه في سبيل الله شهيد " وقال ذلك أيضاً في المبطون والَّلدِيغ والغريق والشريق والذي يفترسه السبع والخارِّ عن دابته وصاحب الهدم وذات الجنب ) .انتهى كلام الحافظ ابن حجر . فهذه الميتات كلُّها مقيَّدة بحالة الخروج في سبيل الله كما تنص على ذلك الأحاديث . 

             وأصرح من هذه الأحاديث الحديثان الآتيان : 

أ ? عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ما تَعُدُّون الشهيدَ ؟ قالوا : الذي يقاتل في سبيل الله حتى يُقتل ، قال : إن الشهيد في أمتي إِذن لقليلٌ ، القتيل في سبيل الله شهيد ، والطعين في سبيل الله شهيد ، والغريق في سبيل الله شهيد ، والخارُّ عن دابته في سبيل الله شهيد ، والمجنوبُ في سبيل الله شهيد " رواه أحمد بسند صحيح . وزاد في رواية من طريق أبي هريرة أيضاً " والبَطَنُ شهادة والغرقُ شهادة والنُّفَساءُ شهادة " قوله البَطَن : هو داءٌ يصيب البطْن .

ب - عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " خمسٌ مَن قُبض في شيءٍ منهن فهو شهيد: المقتول في سبيل الله شهيد والغَرِق في سبيل الله شهيد ، والمبطون في سبيل الله شهيد ، والمطعون في سبيل الله شهيد ، والنُّفَساء في سبيل الله شهيد " رواه النَّسائي وأبو عوانة والطبراني والطحاوي . ودلالة هذين الحديثين على ما نقول واضحة .

                 وعليه فإن من غرق في برك السباحة المختلطة في الفنادق الكبيرة ليس شهيداً ، وسيحاسبه الله سبحانه على فسقه ومعصيته بالسباحة في هذا المكان الموبوء ، ومن مات محترقاً بالنار في الخمارة ليس شهيداً ، وسيعاقبه الله سبحانه على معاقرة الخمرة ويسقيه من طينة الخبال ، كما صرحت بذلك الأحاديث ، ولا ينفع هذا أو ذاك هذه الميتة أو تلك ، فهي ميتة ليست في سبيل الله ، بل هي في سبيل الشيطان .

                 وقد اختلف الفقهاء في عدد الأصناف التي يَدخل أصحابُها الجنةَ بالشهادة ، فمنهم من ذكر خمسة أصناف ، ومنهم من ذكر تسعة ، ومنهم من أوصلها إلى العشرين ، ونحن نقول باحتمال أن تصل هذه الأصناف إلى مائة صنف ، ولا قيمة لكل ذلك إذا علمنا أن أصحاب هذه الأصناف شهداء إن هم ماتوا في حالة الخروج للجهاد والقتال في سبيل الله فحسب ، أما إن قتلوا أو ماتوا في غير سبيل الله فليسوا شهداء ، سواء أكانوا خمسة أم عشرين أم مائة .**

**(3) السؤال : يعتقد كثير من المسلمين ، وأَخُصُّ المتدينين منهم ، بأن الخلافة ستقوم ، وأنها ستكون خلافةً على مِنهاج النُّبوَّةِ ، يعنون بذلك أنها خلافة راشدة ، ولكني لا أرى هؤلاء يعملون لإقامة هذه الخلافة ، وإذا سألتهم عن سبب قعودهم عن العمل لإقامتها أجابوك بأن الإمام المهدي هو الذي سيقيمها ، وأن الخلافة قبل مجيء المهدي لن تقوم ، وبالتالي فإنه لا ضرورة تدعوهم إلى العمل لإقامتها . والسؤال هو : هل ستقوم الخلافة فعلاً ، وهل المهدي هو الذي يقيمها ؟

(3) الجواب : إن القول بأن الخلافة ستقوم هو قول صحيح ثابت ، دلت عليه أحاديث نبوية كثيرة ، وحيث أن هذه الأحاديث كلَّها صحيحةٌ أو حسنةٌ ، وليس منها حديث واحد متواتر ، فإنه لا يجوز الاعتقاد في هذه المسألة ، فالقول إن المسلمين يعتقدون بأن الخلافة ستقوم هو قول غير صائب ، ذلك أن الاعتقاد لا يكون إلا بآية قرآنية محكمةٍ أو بحديث متواتر ، وقيام الخلافة ورد في أحاديث صحيحة وحسنة ، ولكنها غير متواترة ، فلا يجوز الاعتقاد بقيامها ، وإنما نُصدِّقُ بقيامها تصديقاً غير جازم ، ونقول إن الخلافة ستقوم بإذن الله ، وهذه الأحاديث هي :

1- عن ثوبان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله زَوَى لي الأرضَ فرأيتُ مشارقَها ومغاربَها وإن أمتي سيبلغُ مُلكُها ما زُوِي لي منها … " رواه مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي . قول الحديث " وإن أمتي سيبلغ ملكُها ما زُوي لي منها " لم يتحقق حتى الآن ، إذ لم يملك المسلمون مشارق الأرض ومغاربها بعد ، وسيكون هذا في المستقبل ، وهو يشير إلى قيام دولةٍ للمسلمين في الأيام القادمة تفتح الأرض مشارقَها ومغاربَها

2- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إذا تبايعتم بالعِينة ، وأخذتم أذنابَ البقر ، ورضيتم بالزرعِ ، وتركتم الجهادَ ، سلَّط الله عليكم ذُلاً ، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم " رواه أبو داود . قوله "حتى ترجعوا إلى دينكم " معناه حتى تعودوا إلى العمل به ، وتحكيمه في شؤون حياتكم ، فهو بشارة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن المسلمين سيعودون ثانية إلى دينهم بعد أن يكونوا قد تركوه .

3- عن أبي قبيل قال " كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما , وسُئل : أيُّ المدينتين تُفتَح أولاً ، القسطنطينية أو رومية ؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلقٌ ، فأخرج منه كتاباً قال : فقال عبد الله : بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب ، إذ سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيُّ المدينتين تُفتح أولاً ، أقسطنطينية أو رومية ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مدينة هرقل تفتح أولا - يعني القسطنطينية " رواه أحمد بن حنبل والدارمي والطبراني والحاكم وابن أبي شيبة .

               فالرسول صلى الله عليه وسلم عندما سُئل عن فتح المدينتين القسطنطينية ورومية - وهي روما عاصمة إيطاليا - لم يَنْفِ فتحَ رومية ، وإنما قال : إن القسطنطينية تفتح أولاً ، وهذا يدل على أن رومية ستفتح بعدها ، وحيث أن رومية لم يفتحها المسلمون حتى اليوم ، فإن في هذا الحديث بشارةً بأن المسلمين سيفتحون عاصمة إيطاليا ، ولا يتصور أن يفتحها المسلمون قبل عودة الخلافة التي تستأنف الجهاد في سبيل الله وفتح البلدان . 

4- عن النعمان بن بشير عن حذيفة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تكون النبوَّةُ فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافةً على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ، ثم تكون ملكاً عاضاً ، فيكون ما شاء الله أن يكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون ملكاً جبرية ، فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافةً على منهاج النبوة ، ثم سكت " رواه أحمد والطبراني والبزَّار . فهذا الحديث يبين أن الخلافة ستقوم بعد الملك العاض والجبري ، وأنها ستكون على منهاج النبوة أي أنها وُصفت بما وُصفت به الخلافة أيام الخلفاء الراشدين ، فتكون بإذن الله خلافة راشدة . هذا هو الجواب على الشق الأول من السؤال .

           أما الجواب على الشق الثاني فهو كما يلي :

أولاً : إن الأحاديث النبوية الشريفة إن هي ذكرت أن المهدي سيقيم الخلافة فإن ذلك ليس دالاً على أن المسلمين يجب أن ينتظروا المهدي حتى يقيم لهم الخلافة فالواجب عليهم يبقى واجباً وهو إقامة الخلافة ، فإقامة الخلافة كما هي واجبة على المهدي هي واجبة على غيره من المسلمين ، فهؤلاء المتدينون كما وصفتَهم لا حجة لهم للقعود عن العمل لإقامة الخلافة ، بدعوى القول إن المهدي هو الذي سيقيمها كما يظهر ذلك جلياً ، ولذا فإن هؤلاء المتدينين الذين قعدوا عن العمل لإعادة الخلافة آثمون لقعودهم ، وسيسألهم الله عز وجل عن قعودهم هذا ، فإن ماتوا قبل إقامة الخلافة ماتوا آثمين ، لما روى عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من خلع يداً من طاعةٍ لقي الله يوم القيامة لا حُجَّةَ له ، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتةً جاهلية " رواه مسلم . وينجو من الإثم من يعمل لإقامة الخلافة .

ثانياً : إن الأحاديث النبوية الشريفة لم تذكر مطلقاً أن المهدي هو الذي سيقيم الخلافة ، على كثرة الأحاديث المروية عنه ، وكل ما ذكرته الأحاديث هو أنه خليفةٌ صالح يحكم بالعدل " يملأ الأرض قِسْطاً وعدلاً كما مُلِئت ظلماً وجَوْراً " فأين النص الذي يستشهدون به على أن المهدي هو الذي سيقيم الخلافة ؟ بل إن لدينا نحن النصُّ الذي ينفي مفهومُه أنَّ المهدي هو الذي سيقيم الخلافة ويبين أن المهدي سيكون خليفةً بعد موت خليفةٍ قبله ، وهذا يؤكد بأن الخلافة ستكون قائمة قبل أن يصبح المهدي خليفة ، فالمهدي هو خليفة مسبوق بخليفة في دولة الخلافة الراشدة القادمة بإذن الله ، وهذا يؤكد بأن المهدي ليس هو الذي سيقيم هذه الخلافة ، وبالتالي تسقط حجة هؤلاء بالقعود عن العمل وانتظار المهدي الذي يزعمون أنه هو الذي سيقيم لهم الخلافة . فقد روت أم سَلَمة رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " يكون اختلافٌ عند موتِ خليفة فيخرج رجل من بني هاشم فيأتي مكة ، فيستخرجه الناسُ من بيته وهو كاره فيبايعونه بين الرُّكن والمقام ، فيُجَهَّز إليه جيشٌ من الشام ، حتى إذا كانوا بالبيداءِ خُسِف بهم ، فيأتيه عصائب العراق وأبدال الشام ، وينشأ رجلٌ بالشام وأخواله كَلبٌ ، فيُجهَّز إليه جيشٌ فيهزمهم الله فتكون الدائرة عليهم فذلك يوم كَلْب الخائبُ مَن خاب من غنيمة كلب ، فيستفتح الكنوز ويَقْسم الأموال ، ويُلقي الإسلامُ بجِرانِه إلى الأرض ، فيعيش بذلك سبع سنين ، أو قال تسع سنين " رواه الطبراني في الأوسط . وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وقال ( رجاله رجال الصحيح ) ورواه أحمد وأبو داود وابن أبي شيبة . وهذا الحديث يتفق رواةُ الحديث وشُرَّاحُه على أن الخليفة المذكور في هذا الحديث هو المهدي . وهذا الحديث نص صريح بأن الخليفة هذا سيأتي بعد خليفة قبله " يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل … " وليس هو الذي سيقيم الخلافة ، وليس هو الخليفة الأول في دولة الخلافة الراشدة القادمة بإذن الله ، فلم يبق أمام كل مسلم إلا أن ينهض للعمل لإقامة الخلافة ونصب خليفة .**

**( 23 ) السؤال : قرأتُ في ورقةٍ مأخوذةٍ من الشبكة الدولية ( الأنترنت ) تحت عنوان [ قانون الزواج في الأناضول ] في البند الأول ما يلي ( تبدأ مدةُ الزواج الاختياري من سن 18 وتنتهي في سن 25 , ومن لم يتزوج في سنِّ الخامسةِ والعشرين يُجبرُ على الزواج ) . وجاء في البند الرابع ما يلي ( إذا امتنع عن الزواج بعد سن 25 بلا عُذرٍ شرعيٍّ يُؤخذ منه بالقوة وبلا محاكمةٍ ربعُ دخله سواءٌ كان ربعَ ملكه أو ربعَ تجارته أو أُجرة صناعته , ويوضعُ في البنك الزراعي ليُصرف منه على مَنْ يريد الزواج من الفقراء إكراماً لهم ) .

	    والسؤال هنا هو : ما حكمُ الزواج شرعاً , وهل ما ورد في القانون المذكور أعلاه صحيحٌ ؟ 

( 23 ) الجواب : القائلون بوجوب الزواج على المستطيع هم أهلُ الظاهر والإمام أحمد في رواية عنه , مستندين إلى النصوص الآمرة بالزواج , من مثل ما جاء في الآية 3 من سورة النساء ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا * وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا( وما رواه البخاري ومسلم من طريق عبد الله ـ بن مسعود رضي الله عنه ـ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { يا معشرَ الشبابِ من استطاع منكم الباءَةَ فلْيتزوجْ , فإنه أغضُّ للبصر وأحصنُ للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاءٌ } ولما كان الأمرُ عندهم يُفيدُ الوجوبَ فقد استدلوا على هذين النصين من كتاب الله وسنة نبيه الآمِرَين بالزواج على حكم الوجوب .

                أما عامةُُ الفقهاء فقد ذهبوا إلى أنَّ الأمرَ بالزواج  هو للندبِ والاستحباب قائلين إنَّ قوله سبحانه وتعالى في الآية 3 من سورة النِّساء  ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا * وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا(لا يفيد الوجوب إذ الواجبُ لا يقف على الاستطابة والقولُ  ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ )لا يجب ذلك بالاتفاقِ , فيدُلُّ على أنَّ المرادَ بالأمرِ الندبُ . 

             ولكنهم لم يقفوا عند هذا الحكم العام , بل راحوا يُفصِّلون ويُفرِّعون   قائلين ما يلي : 

1 - حكمُ الزواج الوجوبُ إذا تيقَّن الإنسانُ من الوقوعِ في الزنا لو لم يتزوج .

2 - حكمُ الزواج التحريمُ إذا تيقن الرجلُ ظلمَ الزوجة وإلحاقَ الضرر بها والعجزَ عن تكاليف الزواج .

3 - حكمُ الزواج الكراهةُ إذا خاف الإنسانُ الوقوع في الظلم والضرر خوفاً لا يصل إلى درجة اليقين .

4 - حكمُ الزواج الاستحبابُ فيما سوى ذلك .

            وهناك طائفةٌ من الفقهاء يقولون إنَّ الزواج مباحٌ فقط وليس مندوباً ولا واجباً , مدَّعين أنَّ النصوص الآمرةَ بالزواج تفيد الإباحةَ , وأنها تماثلُ قولَه تعالى في الآية 187من سورة البقرة  (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( الدالَّ على الإباحةِ .

        إنَّ الصواب الذي لا مندوحة عنه هو أنَّ الزواج مندوبٌ للنصوص الكثيرة المشهورة من الكتاب والسنة الحاثة على الزواج , الذي فيه بقاءُ الجنس البشري وعمران الأرض والخلاصُ من العَنَت , والإِحصانُ  من احتمال الوقوع في الحرام , ولا تكون كلُّ هذه الأمور مباحةً فقط . 

	       وعليه فإنَّ ما ورد في قانون الزواج في الأناضول من إجبار الرجال على الزواج  ومعاقبة من يستنكف عنه هو حكمٌ غير صحيح  . 

( 24 ) السؤال : هل يجوز تلقيحُ بويضة الزوجة بماء زوجها في أُنبوبٍ ثم زرعُ هذه البويضة الملقَّحة في رحِمِ امرأةٍ أُخرى ؟ وفي هذه الحالة هل تصبحُ ذاتُ الرحم أُماً للمولود ؟

( 24 ) الجواب : ما تقصده بقولك هذا هو التلقيحُ الصناعي , وهذه المرأةُ ذاتُ الرحِم إنٍ وُضعت في رحمها هذه البويضةُ الملقَّحة فأخذت في الانقسام وتخلَّقت فإنها تكون أُماً لهذا المولود إضافةً للزوجة ذات البويضة , أي يكون للمولود أُمان اثنتان , تماماً كالمولود الذي أرضعته مرضع , فكانت له أُمه الأصلية وأُمه التي أرضعته .

   		       إلا أنَّ هذه العملية لا يصحُّ اللجوء إليها إلا في حالاتٍ خاصَّةٍ جداً ,  كأن تكون الزوجةُ ذاتُ البويضة لا تستطيع الحمل مطلقاً , أو كأن تموت هذه الزوجةُ  بعد التلقيح الصناعي وقبل أن يتمكن الأطباء من زرع البويضة في رحمها . 

( 25 ) السؤال : إن امرأةٌ نصرانيةٌ متزوجةٌ من نصراني أسلمت , فهل تحتاج شرعاً إلى إجراء عملية الطلاق من زوجها , أم أنَّ العقد ينفسخُ تلقائياً ويبطل بمجرد إسلامها ؟ ثم إن هي أرادت أن تتزوج من مسلم فهل عليها أن تنتظر انقضاء عِدَّتها أم لا ؟

( 25 ) الجواب : في الحالة التي ذكرتَ فإنَّ العقد ينفسخ تلقائياً ويبطل دونما حاجةٍ لإجراء عملية الطلاق , وإذا أرادت هذه المرأةُ الزواج من مسلم فإنَّ عليها انتظار انقضاء عِدَّتها أولاً ثم تتزوج , وعدُّتها عِدةُ المطلَّقة .

( 26 ) السؤال : شابٌّ سافر إلى بلاد الغرب لطلب العلم , ولمِا رأه هناك من تهتُّكٍ النساء في اللباس , والاختلاطِ الماجن , فقد بات يخشى على نفسه الوقوع في الفاحشة , فهل يجوز له أن يعقد زواجه من فتاةٍ نصرانيةٍ دون أن يقوم بتوثيق الزواج في سجلات الدولة , لأنه ينوي فقط من هذا الزواج إِحصانَ نفسه مدةَ بقائه هناك للدراسة , وينوي طلاقَ الزوجة فور إتمام دراسته ؟ وهل يجوز للفتاة هذه أن تزوِّجَ نفسها بدون وليٍّ ؟

( 26 ) الجواب : يجوز لهذا الطالب أن يتزوج هناك من فتاةٍ نصرانية دون أن يقوم بتوثيق زواجه , فالتوثيق لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولا في زمن الصحابة والتابعين , وليس التوثيق بالكتابةٍ شرطاً من شروط صحة العقد مطلقاً , وإنما يكفي فيه الإشهادُ .

    	       إلا أّنَّ  هذه الفتاة  النصرانيةُ التي  يُراد اتخاذها زوجة ينبغي أن تكون محصنةً  أي غير زانية , وإلا لما جاز الزواج منها , لقوله تعالى  في الآية 5 من سورة المائدة   ( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ فنساءُ الغرب يمارسن الزنا بشكلٍ واسعٍ , وقلما أحصنت فتاةٌ هناك نفسها  , فيجب على هذا الشابِّ أن يتحرى عن هذا الشرط فيمن يريدها زوجةً له  ,  ولا يعجل  ولا يتسرع  في هذا الأمر , فالزواجُ من زانياتٍ حرامٌ شرعاً  لقوله تعالى في الآية 3 من سورة النور: ( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاَّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاَّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.) 

                والأمر الثاني في هذه المسألةِ هو أنَّ أيةَ فتاةٍ , مسلمةً أو كتابيةً , لا يجوز  لها أنْ تزوِّجَ نفسها  بنفسها مطلقاً ,  سواءٌ كانت بِكراً أو ثيِّباً ,  بل يجب أن يزوجها وليُّها , وإنَّ أيَّ  زواجٍ بدون الوليِّ  هو باطلٌ لا ينعقد , لما رُوي عن أبي موسى أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال "  لا نكاحَ إلا بوليٍّ  " رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة  وأحمد . ولما رُوي عن عائشةَ  رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أيُّما امرأةٍ نكحتْ بغيرِ إِذنِ وليِّها فنكاحُها باطلٌ ـ ثلاثَ مراتٍ ـ " رواه أبو داود وابنُ ماجة وأحمد والدَّارمي . وهذا النَّصُّ عامٌ يشمل كلَّ النساء .  فإن لم يكن لها وليٌ   فإنها تختار من معارفها رجلاً وليَّاً لها  يتولى تزويجها .

        	       والنقطة الأخيرة هي أنَّ هذا السائل يستطيع أن يعقد قرانه على فتاةٍ وهو ينوي في نفسه أن يطلَّقها فور فراغه من الدراسة , ويكون هذا  الزواج صحيحاً ما دامت هذه النية لم تُذكر في العقد أو لم يُتلفَّظ بها عند إبرامِ العقد 

( 27 ) السؤال : هل الخُلْعُ طلاقٌ أم فسخٌ ؟ وهل تعتد المختلعةُ بحيضةٍ واحدة أم بثلاثِ حيضات؟

( 27 ) الجواب : ورد في الخُلع الحديث النبوي الآتي : عن ابن عباسٍ رضي الله عنه " أنَّ امرأةَ ثابت بن قيس اختَلَعَتْ من زوجها على عهد النبيِّ صلى الله عليه وسلم , فأمرها النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنْ تعتدَّ بحيضةٍ " رواه الترمذي والدارقُطني والطبراني , وسنده جيد . ولم يرد ما يخالفه من النصوص , فوجب الأخذُ به و العملُ به . وإذن فإنَّ المختلعة تعتدُّ بحيضةٍ واحدة فقط , وليس بثلاث حيضات كالمطلقة , وبذلك يظهر أنَّ الخُلعُ ليس طلاقاً وإنما هو فسخٌ على الصحيح .**

**( 22 ) السؤال : عندما نقرأ في كتب الفقه وكتب الحديث نجد شبهَ إجماعٍ على أنَّ مصافحةَ النساء حرامٌ باستثناء المحارم , مستدلين بالأحاديث التالية :

1 - قوله عليه الصلاةُ والسلامُ " إني لا أُصافح النساءَ " .

2 - قوله عليه الصلاةُ والسلامُ " لأنْ يُطعنَ في رأسِ أحدِكم بمِخْيطٍ من حديدٍ خيرٌ له من أن يَمَسَّ امرأةً لا تحِلُّ له " .

3 - قول عائشة رضي الله عنها " والله ما مسَّتْ يدُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يدَ امرأةٍ قط " .

         وقالوا إنَّ مصافحةَ المرأةِ الأجنبيةِ تؤدي إلى الافتتان بها , والفتنةُ حرامٌ قطعاً وبالتالي فإنَّ المصافحةَ حرامٌ . فهل مصافحةُ النساء حرامٌ قطعاً كما يقولون ؟ 

( 22 ) الجواب : أبدأ حديثي بجملةٍ من القواعد الفقهية , ثم أنظر في النصوص للاستدلال بها واستنباط الحكم الشرعي منها , مستعيناً بتوفيق الله سبحانه , فأقول ما يلي :

أ - المعلوم عند الفقهاء والأصوليين أنَّ الخطاب إن جاء بصيغة المذكَّر فإنه عامٌّ في الرجال والنِّساء , فمثلاً قوله تعالى في الآية 43 من سورة البقرة ( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ( هو خطابٌ للرجال كما هو خطابٌ للنساء , ومثلاً قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " خذوا عني مناسككم" هو خطابٌ للرجال كما هو خطابٌ للنساء . أما إن جاء الخطاب بصيغة المؤنث فإنه يكون خاصاً بالنساء , فمثلاً قوله سبحانه وتعالى في الآية 31 من سورة النور (‏وَقُل لِّلْمُؤْمِنَـاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَآئِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى أَخَوَتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـانُهُنَّ أَوِ التَّـابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِى الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَآءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ‏) هو خطابٌ للنساء لا يُطالبُ به الرجال , وقوله سبحانه في الآية 228 من سورة البقرة ( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ۚ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) خطابٌ للنساء لا يُطالبُ به الرجالُ . ومثلاً قوله عليه الصلاةُ والسلامُ " لعن الله الواشِماتِ والمُتَوَشِّماتِ والمتَنَمِّصاتِ والمُتَفَلِّجاتِ للحُسنِ المُغَيِّراتِ خلقَ الله " هو خطابٌ للنساء لا يُطالبُ به الرجالُ , وقوله عليه الصلاة والسلام " … عليكنَّ بحافَّاتِ الطريق " هو خطابٌ للنساء لا يُطالبُ به الرجال , وهكذا

ب - إنَّ النصَّ حتى يُفهم منه التحريمُ أو حتى الكراهةَ ينبغي أن يأتي بصيغٍ معروفة له عند أهل اللغة وعلماء الأصول والفقهاء , منها أن يقال مثلاً ( حُرِّمَ عليكم كذا ) أو ( نُهينا عن كذا ) أو ( لا تفعلوا كذا ) أو ( ما كان لكم أن تفعلوا كذا ) أو ( اجتنبوا كذا ) أو ( كُره لكم كذا ) وتكون هذه الصيغُ كلُّها مُوجَّهةً إلى عموم المسلمين .

ج - الرسولُ صلى الله عليه وسلم يُتَّبع في كلِّ فعلٍ يفعله , ويطاع في كلِّ قولٍ يصدر منه لأنه القدوة والأسوةُ للمسلمين , إلا إنْ هو قال قولاً يخصُّ به نفسه دون سائر المسلمين فعندها لا يُقتدى به , فمثلاً إن هو أراد أن يقول ما يُقتدى به فيه جاء قوله مثلاً ( إنَّا لا نُجيزُ كذا ) أو ( لا يجوز كذا وكذا ) أو ( ليس لنا أن نفعل كذا ) أما إن هو أراد أن لا نقتدي بفعلٍ منه أو قولٍ جاء جاءا بصيغة مغايرة تُشعرُ بأنَّ الفعل أو القول هو له خاصَّةً , ومن الصيغ الدالَّةِ على الخصوصية أن يقول مثلاً " إني لستُ كهيئتكم " يقصد الوصال في الصوم , أو " إني أناجي من لا تُناجي " يقصد مناجاة الملائكة أو " ولكني أجدني أعافه " يقصد أكل الضب أو " حُبِّبَ إليَّ من دنياكم النِّساءُ والطيبُ … " وهكذا .

              والآن قبل أن أبدأ بالإجابة على السؤال أستعرضُ معكم النصوص التالية : 

1 - عن قَتادة قال : قلتُ لأنس " أكانت المصافحةُ في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم " رواه البخاري والترمذي وابن حِبَّان والبيهقي .

2 - عن أنس قال " كان أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم إذا تلاقَوا تصافحوا , وإذا قدموا من سفرٍ تعانقوا " رواه الطبراني بسند صحيح .

3 - عن البراء بن عازب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من مسلمَيْن يلتقيان فيتصافحان إلا غُفر لهما قبل أن يتفرَّقا " رواه ابن ماجة بسند صحيح , ورواه أيضاً أبو داود والترمذي وأحمد .

              يؤخذ من هذه النُّصوص أنَّ المصافحةَ مشروعةٌ , وحيثُ أنَّ هذه النصوص جاءت بألفاظٍ عامةٍ , وحيث أنَّ النساء الصحابيات يدخلن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , فإنَّ هذا الحكم يشملُهنَّ . فإن قيل إنَّ هناك نصوصاً تستثني النساء من هذا الحكم العام طالبناهم بالدليل  فإن وجدنا أدلةً تستثني النساء من عموم المسلمين في المصافحة أخذنا بها , وإلا بقي الحكمُ العام شاملاً الرجال والنساء على السواء . وحيث أنَّ القائلين بحرمة مصافحة النساء يستدلون بالأحاديث الواردة في السؤال فإنَّ المحصلةَ تكون إما بقبول هذه الأحاديث من حيثُ صلاحُها للاستدلال على تحريم مصافحة النساء , فتكون مصافحةُ النساء حراماً , وإما بعدم صلاحها للاستدلال على التحريم , فتكون مصافحةُ النساء حلالاً .

              الحديث الأول يقول " إني لا أُصافح النِّساء " هذا القول هو شطرٌ  من الحديث الذي رواه مالك والبيهقي والنَّسائي والطبراني وغيرهم هكذا :      عن أُميمة بنت رُقيقة قالت " ... هلمَّ نبايعْك يا رسول الله , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إِني لا أُصافحُ النِّساءَ , إنما قولي لمائةِ امرأةٍ كقولي لامرأةٍ واحدةٍ , أو مثلَ قولي لامرأةٍ واحدةٍ " بالتدقيق في هذا النصِّ نجد فيه أمرين اثنين : أولاً هذا الحديث جاء في موضوع البيعة فيكون خاصاً فيها  . والمعلوم أن النصَّ إذا ورد في موضوع فإنه يُحصرُ فيه ولا يتعدَّاه . ونحن هنا بصدد مصافحة النساء عموماً دون حصرها بالبيعة , فلا نرى الحديث دالاً على موضوعنا الذي نحن بصدده . وثانياً نجد الرسول صلى الله عليه وسلم يقول " إني لا أُصافح النِّساءَ " فهو حكمٌ اختاره الرسول صلى الله عليه وسلم لنفسه , وما اختاره الرسول الكريم لنفسه لا يجبُ علينا تقليده فيه ولا اتِّباعه فيه كما أَسلفتُ سابقاً , وإلا لقال مثلاً ( نحن لا نصافح ) أو ( لا تحلُّ المصافحةُ ) أو لَوَرد الحديثُ بصيغة ( فامتنع الرسول صلى الله عله وسلم عن المصافحة ) ليصبح تقليده فيه واجباً , وهذا واضح لمن أخذ الحديث بتجرُّدٍ , فلا نراه دالاً على موضوعنا الذي نحن بصدده . 

               أما الحديث الثاني فيقول " لئن يُطعن في رأس أحدِكم بمِخيطٍ من حديدٍ خيرٌ له من أنْ يَمسَّ امرأةً لا تحلُّ له " هذا الحديث رواه الطبراني وأحمد . وهذا النصُّ لا يدلُّ على تحريم المصافحة بل ولا يدلُّ على المصافحةِ أصلاً , وذلك لثلاثة أمورٍ : أولاً : إنَّ المصافحةَ لم تُذكر فيه , وكان بإمكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول مثلاً ( ... خير له من أن يصافح امرأةً ) وهو أفصحُ العرب , وهو مَن أُوتي جوامع الكلم , فلماذا عدل عن هذه اللفظة وجاء بدلاً منها بلفظة ( المس ) ؟ وثانياً : إنَّ القرآن الكريم وكذلك الحديث النبوي الشريف إن هما أرادا الجماع كَنيا عنه بلفظٍ آخر من مثل ( المس ) أو ( الملامسة ) أو ( المباشرة ) أو ( الإتيان ) ولستُ في حاجةٍ لاستعراض النصوص في هذا الباب فهي معروفةٌ للجميع , ولذا وجب تفسير المسِّ هنا بالجماع . وثالثاً : إنَّ القولَ " امرأة لا تحلُّ له " يعني امرأة لا يحلُّ له ألزواجُ منها , فمحارمُه من أُمٍّ وجدَّةٍ وأُختٍ وبنتٍ وعمَّةٍ وخالةٍ داخلةٌ في هذا اللفظ فلو فسَّرنا المسَّ هنا بالمصافحة لأصبحت مصافحةُ محارمنا هؤلاء حراماً , وهو ما لا يصحُّ القولُ به قطعاً . ثم انظروا إلى القول " لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيطٍ " أي لأن يُقتل ,  فهل مصافحةُ امرأةٍ توازي القتل ؟ ثم انظروا إلى القول " يمس امرأة " فلم يجيء هكذا ( يمس يد امرأة ) والفارق بين التعبيرين كبير وظاهر . والصحيح الذي ينبغي الذهابُ إليه في هذا الحديث هو أنَّ المسَّ هنا هو الجماع , أي هو الزنا . وعليه فإنَّ هذا الحديث لا يصلح للاستدلال به على تحريم مصافحة المرأة مطلقاً . 

               أما الحديث الثالث فيقول "والله ما مسَّتْ يدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يدَ امرأةٍ قط "هذا القول هو شطرٌ من الحديث الذي رواه البخاري ومسلم  هكذا : عن عائشة زوج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ  قالت " كان المؤمناتُ إذا هاجرن إلى النبي صلى الله عليه وسلم يمتحنهنَّ بقول الله تعالى ( ا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ   ) إلى آخر الآية , قالت عائشةُ : فمن أقرَّ بهذا الشطر من المؤمناتِ فقد أقرَّ بالمحنةِ , فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقْرَرْنَ بذلك من قولهنَّ قال لهنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : انطلقنَ فقد بايعتكنَّ , لا والله ما مسَّتْ يدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يدَ امرأةٍ قط , غير أنه بايعهنَّ بالكلامِ , والله ما أخذ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على النِّساء إلا بما أمرَ الله , يقول لهنَّ إذا أخذ عليهنَّ ( قد بايعتكنَّ ) كلاماً " فهذا الحديث أقول فيه ما قلته في الحديث الأول السابق , من أنه جاء في موضوع البيعة , وأنه كان من اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم لنفسه , فلا أرى فيه ما يَعضُدُ رأي القائلين بتحريم مصافحة النساء . 

               والذي دعاني إلى القول بأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم اختار لنفسه عدم مصافحة النِّساء في البيعة دون أن تكون المصافحةُ محرَّمةً عليه النصوصُ التاليةُ :

أ - عن أبي قِرصافةَ صاحبِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم " كان بدءُ إسلامي أني كنت يتيماً بين أُمي وخالتي , وكان أكثر ميلي لخالتي … - وذكر الحديث بطوله وكيف كان يرعى الغنم حتى رأى الرسول صلى الله عليه وسلم , إلى أن قال رضي الله عنه - فلم أزل عنده أسمع منه حتى أسلمتُ وبايعته وصافحتُه , وشكوتُ إليه أمر خالتي وأمر غنمي , فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : جئني بالشياه , فجئته بهنَّ فمسح على ظهورهنَّ وضُروعهنَّ ودعا فيهنَّ البركة فامتلأت شحماً ولبناً , فلما دخلتُ على خالتي بهنَّ قالت : يا بني هكذا فارعَ , قلتُ : يا خالة ما رعيتُ إلا حيثُ أرعى كلَّ يومٍ ولكن أُخبركِ بقصتي وأخبرتُها بالقصة , وإتياني النبيَّ صلى الله عليه وسلم , وأخبرتُها بسيرته وبكلامه فقالت لي أُمي وخالتي : اذهبْ بنا إليه فذهبتُ أنا وأُمي وخالتي فأسلمنَ وبايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصافحهنَّ " رواه الطبراني ورجاله ثقات . قاله الهيثمي في كتابه مجمع الزوائد في الجزء التاسع الطبعة الثالثة 1982. وتجدونه بنصه في كتاب كنز العمال للمتَّقي الهندي المثبت في هامش مسند الإمام أحمد بن حنبل الجزء الخامس المطبوع عام 1978 بلفظ ( وصافحن ) . كما تجدونه بنصه في كتاب جامع الأحاديث للإمام السيوطي الجزء التاسع والثلاثين بلفظ ( وصافحن ) .

ب - عن أنس بن مالك قال " كانت الأمَةُ من إماء أهل المدينة لَتأخذُ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيثُ شاءت " رواه البخاري . وفي روايةٍ لابن ماجة بسندٍ صحيح بلفظ " … فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيثُ شاءت " .

ج - عن حذيفة قال " كنا إذا حضرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم طعاماً لم نضع أيديَنا حتى يبدأ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فيضع يده , وإنَّا حضرنا معه مرةً طعاماً , فجاءت جارية كأنها تُدفعُ , فذهبت لتضع يدها في الطعام , فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها , ثم جاء أعرابيٌّ كأنما يُدفع فأخذ بيده , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنَّ الشيطان يستحلُّ الطعامَ أنْ لا يُذكر اسمُ الله عليه , وإنه جاء بهذه الجارية ليستحلَّ بها فأخذتُ بيدها , فجاء بهذا الأعرابيِّ ليستحلَّ به فأخذتُ بيده , والذي نفسي بيده إنَّ يده في يدي مع يدها " رواه مسلم .

                 حديث أبي قِرصافة جاء فيه القول " بايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصافحهنَّ " , وجاءت المصافحةُ في البيعة , وهو ينفي القول إنَّ المصافحة حرام في البيعة , إذ لو كانت المصافحة حراماً على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بايع أمَّ أبي قِرصافة وخالته بالمصافحة , وهذا يؤكِّدُ أنَّ الامتناع منه عن المصافحة إنما كان مجرد اختيار لا أكثر , كما أنَّ هذا الحديث يتعارض مع قول عائشة رضي الله عنها بأنَّ يد الرسول عليه الصلاة والسلام لم تمس يد أية امرأة لا تحل له , والذي يبدو أنَّ عائشة قد نقلت إلينا ما رأته في البيعة التي شاهدتها بنفسها , وقد حصل منها رضي الله تعالى عنها مثلُ هذا في موضوع الصيام في الأيام العشرة من ذي الحجة , إذ رُوي عنها أنها نفت عن الرسول صلى الله عليه وسلم صيامه هذه الأيام كما ورد في صحيح مسلم وسنن أبي داود والترمذي والنَّسائي ومسند أحمد بلفظ " ما رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً في العشر قط " مع أنَّ الثابت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يصوم تلك الأيام .

               أما حديث أنس بن مالك وفيه" كانت الأمةُ لتأخذُ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم " وفيه في رواية " فما ينزع يده من يدها " وحديث حذيفة وفيه " فأخذ رسول الله صلى الله عيه وسلم بيدها " و " إنَّ يده في يدي مع يدها " فإنهما يدلان على أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم كان يمسك بيد النساء , مما يؤكد قطعاً بأنَّ مصافحة النساء والأخذ بأيديهن لا حرمة فيه , لا علينا نحن المسلمين , ولا على رسول الله صلى الله عليه وسلم  وأنَّ الأمر منه عليه الصلاةُ والسلام لا يعدو كونه مجرد اختيارٍ منه وليس مُلزِماً له , والرسول عليه الصلاةُ والسلامُ كأيِّ مسلم له حقُّ الاختيار في المباحات , وإلا لما جاز له أن يصافح أُمَّ قِرصافة وخالته , ولما جاز له أن يمسك بيد الجاريتين , وقد ورد كلُّ ذلك في نصوصٍ صحيحة لا تحتمل التأويل . 

       	      وأُلفتُ النظر هنا بأنني قرأتُ لأحد الفقهاء المعاصرين تأويلاً بعيداً لما جاء في حديث أنس : أنَّ الجارية أخذت بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم   بقوله : إنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقبض على يد الجارية وإنما المعنى أنَّ الجارية قد أخذته معها . وبقوله : إنَّ الجارية كانت صغيرة ولذا جاز للرسول عليه الصلاةُ والسلامُ أن يأخذ بيدها . وهذان تأويلان بعيدان فضلاً عن أنهما متناقضان كما لا يخفى على أحد . 

                والأدهى مما سبق أنَّ معجم الطبراني الكبير الذي  طُبع مؤخَّراً عامَ 1984 بتخريج  حمدي عبد المجيد السلفي , وفيه حديث أبي قِرصافة , أُضيف قبل كلمة ( وصافحهنَّ ) كلمة ( ما ) لتصبح هكذا ( وما صافحهنَّ )  وهذه خطيئةٌ كبيرةٌ أن يحري تغيير ما في النصوص , وما أرى الدافع إلى هذا التغيير إلا الإصرار على تحريم مصافحة النساء , ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

                 بقيت نقطة خوف الفتنة , وهي مما استندوا عليه في تحريم مصافحة النساء , وجوابي عليها هو أنَّ الشرع إن هو أحلَّ فعلاً أو حرَّمه فإنه إن ذكر للتحليل أو للتحريم علةً أخذنا بها , وإن لم يذكر علةً لم يجُزْ لنا أن نبتدع له علةً , وهنا أحلَّ الشرعُ المصافحة ولم يستثنِ النساء , ولم يورد علةَ خوفِ الفتنة ولا غيرها , فوجب التوقف عن هذا التعليل . وعلى أية حال فإنَّ من يخشى الفتنة على نفسه من مصافحة النساء فليمتنع عن مصافحتهن دون أن يدَّعي أنَّها حرام لا تجوز .

             والمحصِّلة من كلِّ ما سبق هي أنَّ مصافحة النساء جائزةً كمصافحة الرجال لورود الأحاديث التي تجيز المصافحة بصيغةٍ عامة تدخل فيها النساء كما يدخل فيها الرجال سواءٌ بسواءٍ , دون وجود أيِّ نصٍّ صالحٍ يستثني النساء من الحكم العام , والله سبحانه هو الهادي إلى الحقِّ بإذنه .**

**( 20 ) السؤال : متى يُحرِّم الرَّضاع ومتى لا يُحرِّم ؟ وبعبارة أخرى : كم عدد الرضعات التي تحرِّّم؟ فقد قرأت هذا الموضوع في كتب الفقه فلم أتبين وجهَ الحق في هذه المسألة ، راجياً بيان الحكم الشرعي في هذه المسألة مع الأدلة ؟

( 20 ) الجواب : قبل الإجابة على هذا السؤال أودُّ استعراضَ أقوالِ الأئمة والفقهاء في هذه المسألة ، فأقول ـ والله سبحانه الموفِّق للصواب ـ ما يلي :

   ذهب علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس فيما رُويَ عنهما ، وسعيد ابن المسيب والحسن البصري وابن شهاب الزهري وقتادة والأوزاعي وسفيان الثوري وأبو حنيفة ومالك ، وأحمد في رواية عنه إلى أن التحريم يثبتُ بقليل الرَّضاعِ وكثيره . وذهب أحمد في رواية عنه ، وأبو ثور( إبراهيم ابن خالد البغدادي ) وداود بن علي ومحمد بن المنذر وأبو عبيد ، وعلي وعائشة وابن الزبير وأُم الفضل وسعيد بن جبير وسليمان بن يسار فيما رُوي عنهم إلى أن التحريم يثبتُ بثلاثِ رضعات  فما فوق . وذهب عبد الله بن مسعود وعائشة ـ في رواية عنها ـ وعبد الله بن الزبير ، وعطاء بن أبي رباح وطاووس والشافعي ، وأحمد في رواية عنه ، وابن حزم إلى أن التحريم لا يثبتُ إلا بخمس رضعات فما فوق . 

       	      وهذه هي الأدلةُ المتعلقةُ بهذا الموضوع : 

1 - قال تعالى في الآية 23 من سورة النساء: ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا.)

2 - عن ابن أبي مليكة قال : حدثني عقبةُ بن الحارث أو سمعته منه " أنه تزوج أمَّ يحيى بن أبي إهاب ، قال : فجاءت أَمَةٌ سوداءُ فقالت : قد أرضعتُكُما : فذكرتُ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عني ، قال : فتنحَّيتُ فذكرتُ ذلك له ، قال : وكيف وقد زَعَمَتْ أنْ قد أرضعتْكُما ، فنهاه عنها " رواه البخاري والطبراني والبيهقي ، ورواه النَّسائي وبلفظ " فأتيتُ مِنْ قِبَلِ وجهِه فقلتُ : إنها كاذبة , فقال : كيف وقد زَعَمَتْ أنها قد أرضعتْكُما ؟ خلِّ سبيلَها " وسنده صحيح .

3 - عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا رَضاعَ إِلا ما فَتَقَ الأمعاءَ"رواه ابن ماجة بسند صحيح.

4 - عن أم سلَمة رضي الله تعالى عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يُحَرِّمُ من الرَّضاعةِ إِلا ما فَتَقَ الأمعاءَ في الثدي وكان قبل الفِطام " رواه الترمذي بسند حسن صحيح .

5 - عن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تُحَرِّمُ المصَّةُ ولا المصَّتَان ، ولا الإِملاجَةُ والا الإِملاجتان " رواه البزار وابن حِبَّان .

6 - عن أم الفضل رضي الله عنها حدثت أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال " لا تُحَرِّمُ الرَّضعةُ أو الرضعتان ، أو المصَّةُ أو المصَّتان " رواه مسلم .

7 - عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت " كان فيما أُنزل من القرآن عشرُ رضعاتٍ معلوماتٍ يُحَرِّمْنَ ، ثم نُسِخنَ بخمسٍ معلوماتٍ ، فتوفى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهُنَّ فيما يُقرأُ من القرآن " رواه مسلم ومالك .

8 - عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأم سلمة " أن أبا حُذَيفة ابن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس كان تبنَّى سالماً وأنكحه ابنةَ أخيه هند بنت الوليد ابن عتبة بن ربيعة ، وهو مولى لامرأةٍ من الأنصار كما تبنَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم زيداَ ، وكان مَن تبنَّى رجلاً في الجاهلية دعاه الناسُ إِليه وورِّث ميراثَه حتى أنزل الله سبحانه وتعالى في ذلك چ ﮗ ﮘ چ إلى قوله چ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ چ فرُدُّوا إلى آبائِهم ، فمن لم يُعلَم له أبٌ كان مولى وأخاً في الدين فجاءت سهلةُ بنتُ سهيل بن عمرو القرشي ثم العامري ، وهي امرأةُ أبي حُذيفة فقالت : يا رسول الله إنا كنا نرى سالماً ولداً وكان يأوي معي ومع أبي حُذيفة في بيتٍ واحدٍ ، ويراني فُضْلاً ، وقد أنزل الله عزَّ وجلَّ فيهم ما قد علمتَ ، فكيف ترى فيه ؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : أرضعيه ، فأرضعته خمسَ رضعات فكان بمنزلة ولدها من الرَّضاعةِ …" رواه أبو داود . قول الحديث ( فُضلاً ) أي بلباس المهنة وهو ثوب يكشف شيئاً من جسد المرأة .

              بعد هذا الاستعراض لأقوال الفقهاء والأئمة ، واستعراض النصوص المتعلقة بالموضوع أقول ما يلي :  لقد استدل الفريق الأول على أن قليل الرضاع وكثيره سواءٌ في التحريم ,  بالآية الكريمة 23 من سورة النساء                     چ ?  ?    ?    ?  گ  گ  چ قائلين إِنَّ هذه الآية الكريمة جاءت بلفظٍ عامٍّ ، والعامُّ يشمل الكثير والقليل من الرَّضاع , أم بالحديث الثاني القائل " وقد زعمتْ أن قد أرضعتكما " وهو أيضاً لفظٌ عامٌّ ، دون ذكرِ عددِ الرضعات . وهذا القول من هؤلاء يصحُّ وصفُه بالصحةِ والقبول لو لم ترد نصوصٌ أُخرى تخصِّصه ، والمعلوم أنَّ العام أو المطلق يُعملُ به إِلا إن جاء ما يُخصِّصهُ أو يقيِّده ، وفي مسألتنا هذه جاءت نصوصٌ صريحةٌ بالتقييد وبالتخصيص لتبطل القول بأنَّ القليل كالكثير يُحرِّم ، فالحديث في البند 3 ، والحديث في البند 4 يقيِّدان التحريم بالقول " إلا ما فتق الأمعاء " ولا شكَّ أنَّ القليل لا يُفتق الأمعاء ، فيبطل القول بأنَّ القليل يُحرِّم ، ثم إِنَّ الحديث الخامس والحديث السادس يُخصِّصان العام  بقولهما " لا تُحرِّمُ المصَّةُ ولا المصَّتان ، ولا الإملاجةُ ولا الإملاجتان " ، " لا تحرِّمُ الرَّضعةُ أو الرَّضعتان " وبذلك يظهر بوضوحٍ أن القول بإثبات التحريم بقليل الرضاع وكثيره غير صحيح وغير مقبول . 

                ونأتي الآن إلى قول الفريق الثاني ، فنجد أنَّ هؤلاء قد استدلوا على أن الرضاع المحرِّم يثبتُ بثلاثِ رضعات فما فوق ، ولا يثبتُ بأقلَّ من ثلاثٍ ، بالحديثين : الخامس والسادس المارَّين قبل قليلٍ ، قائلين : ما دام أن الرضعة والرضعتين لا تحرِّمان ، فإنَّ ما فوقهما ابتداءً من ثلاثِ رضعاتٍ  فصاعداً تُحرِّم  . والحقُّ أنَّ هذا الاستنباط استنباطٌ صحيحٌ ومقبولٌ وهو ما آخذُ به .  

             وقد يسأل سائلٌ : وماذا تقول بالحديثين الأخيرين اللذين ينصَّان صراحةً على الرضعاتِ الخمس ، وهما دليل الفريق الثالث القائلين بأنَّ التحريم لا يثبت بأقلَّ من خمسِ رضعاتٍ ؟ فأقول ما يلي :

                أما الحديث الأول منهما فنجد فيه القول" فتوفي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهنَّ فيما يُقرأُ من القرآن " وهذا القول فيه نكارةٌ شديدةٌ ، ولا يجوز قبوله مطلقاً ، وهو كافٍ لعدم صلاح الحديث للاحتجاج ، ولا يشفع له أن يكون من رواية مسلم ، ورحم الله البخاري الذي أدرك هذه العلة في الحديث فامتنع عن روايته . ونأتي للحديث الثاني منهما فنجده يقول" فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : أرضعيه ، فأرضعته خمس رضعاتٍ " فالرسول صلى الله عليه وسلم اقتصر على القول ( أرضعيه ) ولم يطلب من المرأةِ أن تُرضعه خمس رضعات ، فكون المرأةِ أرضعته خمساً لا دليل فيه على وجوب الخمس في الرَّضاع ، وقد رجعتُ إلى صحيح مسلم فوجدتهُ يروي الحديث هذا بخمسِ رواياتٍ خلت كلُّها من ذِكر  العدد ، أي الرضعات الخمس ، وكذلك جاءت الروايةُ عند الدارمي ، ورجعتُ إلى مسند الإمام أحمد فوجدته يذكر الحديث هذا بستِّ رواياتٍ خلت كلُّها من ذِكر العدد ، أي الرضعات الخمس ، باستثناء روايةٍ واحدةٍ فقط ذُكِر فيها العدد ، فتكون عندنا خمسُ روايات في صحيح مسلم وستُّ رواياتٍ في مسند أحمد ، ورواية وحيدةٌ عند الدَّارمي ، ورواية عند عبد الرزاق ، أي ما مجموعه ثلاثَ عشرةَ رواية لهذا الحديث ليس فيها ذِكرٌ للعدد . ثم إنني عدتُ للموطأ فوجدته قبل أن يذكر العدد يقول هكذا " فيما بلغنا " وكذلك في إحدى الروايات عند عبد الرزاق وعند الشافعي ، وهذا يعني أنَّ السند فيه انقطاعٌ وبالتالي فهو ضعيفٌ لا يصلح للاحتجاج ، لا سيما وأنَّ ذِكر العدد يخالف الروايات الصحيحة عند مسلم وأحمد , فالعدد ( خمسة ) لا أقبله ولا يصلح لإبطال القول بالعدد ( ثلاثة ) . ولكن هذا القول لا يعني أنَّ الرَّضعات الخمس لا تحرِّم , وإنما المقصود عدم قصر التحريم على هذه الرضعات الخمس , فالتحريم يتم بثلاثٍ , ولا بأس بعد الثلاث أرضاعُ الطفل خمس رضعات ، وتسع رضعات  ، وعشرين رضعة ، فالأكثر من ثلاثٍ جائزٌ ، ولكن الأقلَّ من ثلاثٍ لا يُحرِّم . 

               وهكذا نتوصَّلُ إلى القول الراجح في هذه المسألةِ وهو إنَّ الرَّضاع الذي يثبتُ به التحريم لا يجوز أن يقلَّ عن ثلاثِ رضعاتٍ ، ويجوز أن يكون أكثر من ثلاثٍ . وهذا الرأي هو ما تعضده النصوص الصريحة الصحيحة ولا يتعارض مع الآية الكريمة ، كما أنه لا يتعارض مع الأحاديث الصحيحة والحسنة الصالحةِ للاستدلال .  

               بقيت نقطةٌ لا بدَّ من ذِكرها هي:  كيف تكون الرَّضعةُ ؟ أتكفي مصًّةٌ أو مصَّتان أو حتى ثلاثُ مصَّات لعدِّها رضعة من الرَّضعاتِ الثلاثِ ؟ أم أنه لا بدَّ من أن يرضعَ الرضيعُ حتى يُقلعَ عن المصِّ ويشبع دون مؤثَّرٍ خارجيٍّ ؟ الصحيح الذي أراه هو القول الثاني ، فالرَّضعةُ حتى يتمَّ عدُّها واحتسابها لا بدَّ من أن يُقْدِمَ الطفلُ على المصِّ من ثديِ مرضعته حتى يشبع فيُقلع ، ولا يعود للمصِّ مرةً أُخرى في الجلسة نفسها . 

( 21 ) السؤال : ما حكم التخاطب بين الرجال والنساء عن طريق الماسنجر والشات , سواء أكان في حمل الدعوة أم في أمورٍ عامة ٍ , هل يعتبر هذا من الاجتماع والاختلاط المنهيِّ عنه , أم أنَّ الأمر مباحٌ ؟ فهناك الكثير من المواقع التي تحتوي على غرف الدردشة , وفي نوعين منها عام وخاص , نرجو بيان ذلك مع كلِّ ما يتصل به .

(21 ) الجواب :إنَّ حديث المرأة مع الرجال بالتلفون , ومثله الإنترنت , جائزٌ , ولا يتحقق فيه الاختلاط حتى يكون حراماً , إذ لا بد في الاختلاط من حصول اجتماعٍ في مكان واحدٍ , وتكون فيه خُلطة , وهذا منتفٍ في الحديث بالتلفون وبالإنترنت . وعليه فإنَّ التخاطب بين الرجال والنساء عن طريق الإنترنت بكلِّ أنواعه جائزٌ . أما إن كان التخاطبُ بين الرجال والنساء لقصدٍ سيءٍ فإن الحرمة فيه لا تكون آتيةً من مجرد التخاطب , بل تكون آتيةً من القصد السيء .**

**( 18 ) السؤال : بالنسبة لأرضاع الكبير ورد هذا الحديث " حدثنا عمرو الناقد وابن أبي عمر قالا : حدثنا سفيان بن عُيينة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت : جاءت سهلةُ بنتُ سهيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حُذيفةَ من دخول سالم ـ وهو حليفُه ـ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أرضعيه ، قالت : وكيف أُرضعه وهو رجلٌ كبيرٌ ؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : قد علمتُ أنه رجلٌ كبيرٌ ، زاد عمرو في حديثه : وكان قد شهد بدراً . في رواية ابن أبي عمر : فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم " رواه مسلم ، فأرجو توضيحَ هذا الموضوع ، وهل يجوز إرضاعُ الكبير ؟

(18 ) الجواب : ذهب عامة الفقهاء ومنهم الأئمةُ الأربعةُ إلى أنَّ إرضاعَ الكبير وهو من ناهز السنتين لا يُحَرِّم ، وحملوا حديث مسلم هذا على أنه خاصٌّ بسالم مولى أبي حُذيفة ، فلا يُقاسُ عليه ولا يشملُ غيره ، أو أنَّ ما ورد في هذا الحديث قد نُسخَ حكمه بما ثبت من أدلةٍ أُخرى .

              وخالفتهم أُمُّ المؤمنين عائشةُ رضي الله عنها ، فأفتت باستمرار الحكم وعدم نسخه ، وفي المقابل عارضتها سائرُ أمهاتُ المؤمنين ، فقد روى ابن حِبَّان ومالك والشافعي والبيهقي من طريق عروة بن الزبير الحديث التالي بسند صحيحٍ " أنَّ أبا حُذيفة بن عتبة بن ربيعة ، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان قد شهد بدراً ، وكان قد تبنى سالماً الذي يقال له : سالم مولى أبي حُذيفة كما تبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم  زيد ابن حارثة ، وأنكح أبو حُذيفة سالماً  ـ  وهو يرى أنه ابنه  ـ  ابنةَ أخيه فاطمةَ بنتَ الوليد بن عُتبة بن ربيعة ، وهي يومئذٍ من المهاجراتِ الأول ، وهي يومئذٍ أفضل أيامى قريش ، فلما أنزل اللهُ في زيد بن حارثة ما أنزل فقال: (  مّا جَعَلَ اللّهُ لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنّ أُمّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللّهُ يَقُولُ الْحَقّ وَهُوَ يَهْدِي السّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لاَبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ فَإِن لّمْ تَعْلَمُوَاْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي الدّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـَكِن مّا تَعَمّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رّحِيماً )  رُدَّ كلُّ واحدٍ ممن تبنى أولئك إلى أبيه ، فإنْ لم يُعْلَمْ أبوه رُدَّ إلى مولاه ، فجاءت سهلة بنتُ سهيلٍ ـ وهي امرأةُ أبي حُذيفة وهي من بني عامر ابن لؤي ـ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله كنا نرى سالماً ولداً ، وكان يدخل عليَّ ، وليس لنا إلا بيتٌ واحدٌ ، فماذا ترى في شأنه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرضعيه خمسَ رَضعاتٍ فيحرم بلبنك . ففعلتْ وكانت تراه ابناً من الرضاعة ، فأخذت بذلك عائشةُ فيمن كانت تحبُّ أن يدخل عليها من الرجال ، فكانت تأمرُ أُختَها أُمَّ كلثوم بنتَ أبي بكر  وبناتِ أخيها أن يُرضعنَ من أحبَّتْ أن يدخلَ عليها من الرجال  وأبى سائرُ أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخل عليهنَّ بتلك الرَّضاعةِ أحدٌ من الناس ، وقلنَ : ما نرى الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم سهلةَ بنتَ سهيل إلا رُخصةً في سالم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا يدخلُ علينا بهذه الرَّضاعة أحدٌ ، فعلى هذا من الخبر كان رأيُ أزواجِ رسول الله صلى الله عليه وسلم في رَضاعة الكبير " .

             وبالتدقيق في هذا الحديث وفي حديث مسلم نتوصَّلُ إلى ما يلي :

أ - إنَّ إرضاع الكبير يُحَرِّم .

ب ? إنَ سالماً كان ابناً بالتبني لأبي حُذيفة ، كما كان زيد بن حارثة ابناً بالتبني لرسول الله صلى الله عليه وسلم .

ج - رغم أنَّ قوله تعالى في الآية 233 من سورة البقرة ( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) وقوله جلَّ جلالُهُ في الآية 14 من سورة لُقمان: ( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) اللذَّيْن يحدِّدان الرضاعة بسنتين فقط فقد جاء حديثُ مسلم وحديثُ ابن حِبَّان بجواز إرضاع الكبير الذي تخطَّى السنتين كثيراً ، ولا يكون هذا التَّخطِّي إلا لسببٍ أو واقعٍ معينٍ وإلا وجب ردُّ الحديثين درايةً .

د - بتدقيقٍ قليلٍ في الحديثين نجد أنَّ سالماً رضي الله عنه كانت له خصوصيةٌ ، أي حالةٌ خاصة هي أنه كان ابناً بالتبني لأبي حُذيفةَ ، وكان يُعتبر ولداً له ولزوجته ، وعاش في بيت أبي حُذيفة كما يعيش الأبناء مع آبائهم وأُمَّهاتهم لأنَّ التبني كان مشروعاً آنذاك .

هـ - لقد استمر الحكم الشرعي باتخاذ الأبناء بالتبني إلى أن نزل قوله تعالى في الآية الخامسة من سورة الأحزاب ( ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ۚ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَٰكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) ويُفهمُ من الحديثين السابقين أنَّ إرضاعَ سالم قد حصل قبل نزول هذه الآية الكريمة ، وإلا لما أقرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سهلةَ بنتَ سُهيلٍ على قولها " كنا نرى سالماً ولداً " ولكان أعلمها عند قولها هذا بأنه ليس ولداً لها ، إذ السكوتُ في معرض الحاجة بيانٌ .

               فأقول ومن الله العونُ والسَّدادُ ما يلي : إنه ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمر بإرضاع الكبير الذي ناهز السنتين اللتين حدَّدتهما الآيتان الكريمتان السابقتان إلا لوجود سببٍ أو واقعٍ خاصٍّ ، هذا السببُ أو الواقعُ الخاصُّ واضحٌ جليٌّ ، وهو أنَّ سالماً كان ابناً لأبي حُذيفة ولزوجته سهلة بالتبني الذي كان مشروعاً آنذاك ، وأرى أنَّ هذا السبب أو الواقع الخاص هو الذي جعل الرسول عليه الصلاةُ والسلامُ يُشرِّع إرضاع الكبير ، فيُقصرُ هذا التشريعُ على هذا الواقع ولا يُقاسُ عليه ، ويكون هذا الحكمُ خاصاً بالولد بالتبني فحسب ، ولا يُعمَّمُ مطلقاً .

              وحيثُ أنَّ التبني قد نُسخَ بنزول الآية الكريمة في البند هـ ، فإنَّ تشريعَ إرضاعِ الكبير قد توقف العمل به ، فلم يعُدْ يجوز شرعاً إثباتُ التحريم بإرضاعِ الكبير ، ويعود الأمر إلى أصله ، وهو أنَّ الإرضاعَ الذي يُحرِّمُ لا يكون إلا في مدة السنتين الأوليين من عمر الطفل فقط .   		

( 19 ) السؤال : ما هي الشروط التي يجب أن تتوفر في وليِّ النكاح ؟

( 19 ) الجواب : الشروط التي يجب أن تتوفَّر في وليِّ النكاح خمسةٌ فقط ، هي ما يلي : أ - أن يكون بالغاً . ب - أن يكون عاقلاً . ج - أن يكون مسلماً . د - أن يكون ذكراً . هـ - أن يكون عدلاً مستقيماً .

        	       أما الشرطان الأولان فلا بدَّ منهما ، لأنَّ التكاليف الشرعية منوطة بهما ومنها ولاية النكاح . وأما الشرط الثالث فلقوله تعالى في الآية 141 من سورة النساء  ‏{‏الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا‏}‏ فلا يجوز لكافرٍ أن يكون ولياً لمسلم أو مسلمة ، فالولايةُ سبيلٌ وأيُّ سبيلٍ .  وأما الشرطُ الرابع فلما روى ابن ماجة والدارقطني والبيهقي بسندٍ رجالُه ثِقاتٌ من طريق أبي هريرة رضي الله عنه  قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تُزوِّج المرأةُ المرأةَ ، ولا تُزوِّج المرأةُ نفسها " . والدلالةً واضحةٌ . وأما الشرطُ الخامس فلما روى الطبراني والبيهقي بسندٍ رجالُه رجالُ الصحيح من طريق ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا نكاحَ إلا بإذْنِ وليٍّ مُرشِدٍ أو سلطان " والمرشد هو العدلُ المستقيم شرعاً .**

**(16) السؤال : شخص طلق زوجته التي عقد عليها العقد الشرعي قبل الدخول عبرَ الهاتف ، حيث كان في الأردن وزوجته في فلسطين ، ثم سأل شيخاً في الأردن يثق بعلمه وبدينه فأفتاه بأن الطلاق لم يقع ، فأخذ بهذه الفتوى وعاد إلى فلسطين بعد شهر ، وأقام حفل الزفاف ودخل بها ، ثم مرت ستة أشهر على الدخول ، وفي أثناء حمل زوجته أعيد فتح الموضوع بينهما ، فسأل شيخاً آخر في فلسطين ، فأفتاه بعدم وقوع الطلقة ، ثم حصل أن قام بتطليقها بعد الدخول ثلاث تطليقات في أوقات مختلفة متباعدة ، والقضية هذه رُفعت للمحكمة الشرعية في البلد , فما الحكم الشرعي في هذه المسألة ؟ وما الفرق بين الطلاق ديانةً والطلاق قضاءً ؟

(16) الجواب : حيث أن الزوج قد طلق زوجته بعد الزفاف ثلاث مرات متباعدات فقد بانت زوجته منه بينونة كبرى ، فلا تحلُّ له إلا بعد أن تتزوج من غيره ويدخل بها ثم يطلقها . وللعلم فقط أقول ما يلي :

               إن طلاق زوجته قبل الدخول بالتلفون غير معتبر عند معظم الفقهاء ، ويعتبر زفافه بعد ذلك زفافاً شرعياً ، وحيث أنه أوقع ثلاث طلقات في زواجه الشرعي الصحيح ، فقد بانت منه زوجته بينونة كبرى كما ذكرت أعلاه .

                أما الفرق بين الطلاق ديانة والطلاق قضاء ، فهو أن العبرة هي بالطلاق الشرعي المعتبر حسب أحكام الشرع ، وليست العبرةُ بقضاء القاضي ، فربما أصاب القاضي وربما أخطأ ، فالقاضي لا يُحلِّل ولا يُحرِّم ، ولا يطاع إلا إن هو نطق بالحكم الشرعي على وجهه .

( 17) السؤال : ما هي الأحكام الشرعية المتعلقةُ بالمتوفَّى عنها زوجُها من حيثُ فترةُ الحداد أو العِدَّة ، والمبيت ، والتَّزيُّن ، مع ذِكر الأدلة ؟

( 17) الجواب : أ ? بخصوص مدة العِدة ، أقول ما يلي : هناك مدةٌ عامةٌ لعموم النساء هي أربعةُ أشهر وعشرةُ أيام ، لقوله تعالى في الآية 234 من سورة البقرة ( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) ولما روت أمُّ حبيبة زوجُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالت " سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا يحِلُّ لامرأةٍ تؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ أنْ تُحِدَّ على ميتٍ فوق ثلاثٍ إلا على زوجٍ ، فإنها تُحِدُّ عليه أربعةَ أشهرٍ وعشراً " رواه البخاري ومسلم .

        	     وهناك مدةٌ خاصَّةٌ بالحاملِ من النساء هي أنَّ الحِدادَ ينتهي بمجرَّدِ وضع حَملها أي ولادتها , سواءٌ بلغت المدةَ العامةَ أو لم تبلغها لقوله تعالى  في الآية الرابعة من سورة الطلاق  (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ) ولما روت أُمُّ سلمة رضي الله عنهاقال " وَلَدتْ سُبَيعةُ الأسلميةُ بعد وفاةِ زوجها بليالٍ ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لها : قد حَلَلتِ فانكَحي " رواه ابن حِبَّان بسندٍ صحيح . وفي روايةٍ للنَّسائي ومالك وأحمد من طريقها بلفظٍ " ولدت سُبيعةُ الأسلميةُ بعد وفاةِ زوجِها بنصفِ شهرٍ ، فخطبها رجلان ، أحدُهما شابٌّ والآخرُ كهلٌ ، فخطبت إلى الشابِّ ، فقال الكهلُ : لمْ تَحْلِلْ  وكان أهلُها غيباً ، فرجا إذا جاء أهلُها أن يُؤْثروهُ بها ، فجاءت رسولَ الله صلى اللهُ عليه وسلم  فقال : قدْ حَلَلَتِ فانكحي مَنْ شئتِ " فالمرأةُ المتوفَّى عنها زوجها تعتدُّ أربعةَ أشهرٍ وعشرةَ أيامٍ إلا أن تكون حاملاً ، فإن هي ولدت فقد بلغت عِدَّتها ، وانتهى حِدادُها . وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء .

	        ولا أراه صحيحاً قول من قال إنَّ المتوفى عنها زوجها تنتظرُ أبعدَ الأجلين ، غير معتبرين أنَّ وضع الأحمالِ مُخصِّصٌ للعام .

	        وثمةَ مسألةٌ هي : متى تبدأ المرأةُ بالاعتداد ؟  أمِن وقت وفاةِ زوجها  أم من وقتِ علمِها بهذه الوفاةِ ؟ والصحيحُ الذي أذهبُ إليه هو أنَّ الاعتدادَ يبدأُ من وقتِ الوفاةِ ، سواءٌ تأخَّر علُمها كثيراً أو تأخَّر قليلاً .

ب ? بخصوص المبيت : الرأيُ الراجحُ هو أنَّ المتوفَّى عنها زوجُها يجبُ أن تبيتَ في بيتها الذي جاءها النعي وهي فيه ، لما روى أحمد والترمذي وابنُ حِبَّان بسندٍ حسنٍ عن فُرَيعةَ بنتِ مالك قالت " خرج زوجي في طلبِ أعلاجٍ له ، فأدركهم بطرفِ القدوم فقتلوه ، فأتاني نعيُهُ وأنا في دارٍ شاسعةٍ من دور أهلي فأتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكرتُ ذلك له فقلتُ : إنَّ نعيَ زوجي أتاني في دارٍ شاسعةٍ من دور أهلي ، ولم يَدَعْ لي نفقةً ولا مال لورثته وليس المسكنُ له ، فلو تحوَّلتُ إلى أهلي وأخوالي لكان أرفقَ بي في بعض شأني قال : تحوَّلي ، ، فلما خرجتُ إلى المسجدِ ، أو إلى الحجرةِ ، دعاني ، أو أَمَر بي ، فدُعيتُ فقال : أُمكُثي في بيتكِ الذي أتاكِ فيه نعيُ زوجكِ حتى يبلُغَ الكتابُ أجَلَه ، قالت : فاعتددتُ فيه أربعةَ أشهُرٍ وعشراً ، قالت : فأرسلَ إليَّ عثمانُ فأخبرتُهُ فأخذَ به " وهذا هو رأي جمهور الفقهاء .

                 وليس صحيحاً قولُ من قال إنَّ المراةَ تعتدُّ حيثُ شاءت ، مستدلاً بحديث رواه الدارقطني عن علي رضي الله عنه " أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أمر المتوفى عنها زوجُها أن تعتدَّ حيثُ شاءت "فهذا الحديث في سنده ثلاثةُ ضعفاء ، فهو حديثٌ ساقط لا يصلح للاستدلال .  ومن جانبٍ آخر فإنَّ هذا الرأيُ  يُنسبُ إلى علي وابن عباس وجابر وعائشة رضي الله عنهم أجمعين ، متأوِّلين قوله تعالى (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ) بأنَّ هذه الآية نسخت عِدَّتها عند أهله لكونها سكتت عن ذِكرها ، والصحيح أنَّ السكوت لا يعني بالضرورة ِ النَّسخَ ، فكم من آياتٍ تكلمت في موضوع واحدٍ ، فلم تتكلم كلُ واحدةٍ منها بما تتكلم به الآياتُ كلُها ، وإنما نجد آياتٍ تذكر تفاصيل لا تذكرها الآياتُ كلُّها . ومع ذلك فإِنَّ هذا الرأيَ هو حكمٌ شرعيٌّ يصحٌّ تقليده ، وفي الأمر سعة .   

               والاعتدادُ في البيت لا يعني عدم جواز الخروج منه ، وإنما المقصود منه أَنَّ المرأةَ يجب أنْ تبيت في بيتها ليلاً ، ويتحققُ ذلك بأن تمضي معظم ليلها في بيتها ، ولها بعد ذلك أنْ تخرج فترةً قصيرةً لحاجتها من طلب دواءٍ أو طعامٍ أو وقودٍ . أما في النهار فتستطيع المرأةُ أن تؤديَ وظيفتها أو عملها إن كانت موظفةً أو عاملة ، وتخرج في حاجاتها ، ولكن لا تخرج لغير حاجة ، فلا تخرجُ للتنزهِ أو للسفر غير الضروري .

               أما ما ركز في أذهان بعض الناس من أنَّ المرأة الحادة لا يصح أن تقابل الرجال ، أو أنْ تتكلم معهم ، فلا أصلَ له ، وينبغي تركه .

ج ? بخصوص الزينة والتزين : أقول ما يلي : إنّ على المرأة الحادَّةِ إنَّ تجتنب ما يُرَغِّبُ في النظر إليها ويُجمِّلها ، وهذه جملةٌ من المحظورات :

1 ? الطيب والعطور بأنواعها ، سواءٌ كانت على الثياب أو على الجسد .

2 ? جميع أنواع الأصباغ كالحناء في اليدين ، وفي الشعر ، وأحمر الشفاه ، وما يسمونه ( المكياج ) ، والاكتحال .

3 ? الثياب المصبوغة بالألوان الزاهية كالأحمر والأصفر والأخضر . ولا بأس بالثياب البنية والرمادية الداكنة ، ولا يُشترط اللباسُ الأسود .

4 ? لبس الحلي من خاتمٍ أو حلقٍ أو سوارٍ .

                والدليل على حرمة هذه الأمور الأربعة ما رواه مسلم والبخاري عن أُمِّ عطية قالت "كنا نُنهى أنْ نحدَّ على ميتٍ فوق ثلاثٍ إلا على زوجٍ أربعة أشهرٍ وعشراً ، ولا نكتحل ، ولا نتطيَّب ، ولا نلبس ثوباً مصبوغاً ... "وما رواه ابن حِبَّان وأبو داود وأبو يعلى عن أُمِّ سلمةَ رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " المتوفَّى عنها زوجُها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشَّقةَ ولا الحليَّ ولا تختضب ولا تكتحل " والممشَّقة هي الثياب المصبوغة بالمشق ، وهو مادة حمراء . 

         وفي المقابل يجوز للمرأة الحادَّة أن تغتسل ، وأن تقلِّم أظفارها ، وأن تنتف شعر أبطها أو تحلقه ، وأن تدهن يديها ووجهها بالزيت الذي لا يحتوي على الروائح العطرية ، وأن تلبس الملابس الجديدة .**

**(13) السؤال : انتشرت ظاهرة الخُلع عندنا في الأردن عقب صدور قانون جديد يبيح للمرأةِ المطالبةَ بالخُلع من زوجها لأيِّ سبب ، فما أن تذهب الزوجة إلى المحكمة الشرعية وتطالب القاضي بالخلُع من زوجها حتى يستجيب القاضي لطلبها بمجرد أن تقدِّم له أي سبب ، فما هو الحكم الشرعي في هذه المسألة ؟

(13) الجواب : الخُلع - ويسمى أيضاً الفِداء - هو حكمٌ شرعيٌ مأخوذٌ من القرآن الكريم ومن الحديث النبوي الشريف ، فمن القرآن الكريم قال الله سبحانه وتعالى في الآية 229 من سورة البقرة ( الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاّض أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) فقوله تعالى( فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ) يشير إلى الخُلع وهو الفِداء .

                وفي الحديث وردت عدة نصوص في هذه المسألة ، أذكر منها ما رواه البخاري وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة وأحمد والترمذي ، عن ابن عباس رضي الله عنهما " أن امرأةَ ثابت بن قيس أتت النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، ثابت بن قيس ما أَعتب عليه في خُلُقٍ ولا دينٍ ، ولكني أكره الكفر في الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أَترُدِّين عليه حديقته ؟ قالت : نعم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقبل الحديقة وطلِّقها تطليقة " وفي رواية أخرى من طريق ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ " ولكني لا أُطيقه "  قوله : الحديقة هو البستان كان ثابت قدَّمه مهراً لزوجته . 

                ولكن هذا الحق المُعطَى للزوجة ليس حقاً مطلقاً دون قيود ، إذ لا يحق لأية زوجة أن تطالب بالخُلع من زوجها إلا لسببٍ شرعي معتَبَر ، كأن يُكثِر الزوجُ من ضربها لأتفه الأسباب ، وكأن لا يوفِّر لها زوجُها ما يكفيها من طعام ولباس ، وكأن يكون زوجها سكِّيراً فاسداً ، وكأن يقوم زوجها بإجبارها على فعل المحَرَّمات كالسكر والمخدرات ، أو يأمرها بالخروج من بيتها متبرجة ، أو يمنعها من الصلاة والصيام ، أو يمنعها من صلة أرحامها بشكل تام ، إلى غير ذلك من الأسباب الشرعية ، ففي مثل هذه الحالات يحق للزوجة أن تطالب بالخُلع ، ويجب على القاضي أن يجيبها إلى طلبها . 

               أما إن تقدَّمت الزوجةُ بطلب الخُلع دون سبب شرعي معتبر أَثِمَتْ ، ووجب على القاضي رفضُ طلبها ، لما روى ثَوْبان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أيُّما امرأةٍ سألت زوجَها طلاقاً في غير ما بأس ، فحرامٌ عليها رائحةُ الجنة " رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة  ولما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله  وسلم قال         " المختلِعات والمُنْتَزِعات هنَّ المنافقات " رواه أحمد بسند صحيح .  ورواه البيهقي والنَّسائي . ودلالة هذين الحديثين واضحة على تحريم المطالبة بالطلاق وبالخُلع دون مسوِّغ . 

              فلْتحذر الزوجة من التسرُّع بالمطالبة بالخُلع من زوجها ، وعليها أن تصبر إن هي رأت من زوجها ما تكره ما دامت على الصبر قادرة ، فإن لم تستطع الصبر ، أو لـم ينفع الصبر ، وصارت تخشى من أن تتعدَّى حدود الله بمعصية الزوج ، وبالتقصير في واجباتها نحوه ، فعندها فقط تلجأ للخُلع كحلٍّ أخير ، ولا إثم عليها عندئذٍ .

(14) السؤال : استأجرتُ خادمةً أجنبيةً نصرانيةً , فهل الواجب عليَّ أن أُلزمَها باللباس الشرعي في بيتي ؟ وإن كان الجواب بالنفي وبقيت بلباسها المعتاد ، فهل يحلُّ لي أن أنظر إلى شعرها وساقيها وذراعيها ؟ وهل أسمحُ لها بأن تصلي صلاتَها في بيتي ؟

(14) الجواب : لا يجب عليك إلزامُها باللباس الشرعي في بيتك ، ولا يحلُّ لك أن تنظر إلى شعرها وساقيها وذراعيها ، وإنما عليك غضُّ البصر . ولهذه الخادمة النصرانية أن تصلي صلاتها في بيتك ، لأن الإسلام لا يمنع غير المسلمين من أداء عباداتهم .

(15) السؤال : من هم آل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

(15) الجواب : الآل كلمة مشتركة لها عدة معان ، فقد تطلق ويُراد بها الذرية لقوله تعالى في الآيتين 33 و 34من سورة آل عمران ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِين . ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)

              وقد تطلق ويراد بها الأهل في البيت ، لقول عائشة أُم المؤمنين رضي الله عنها " ما شبع آل محمد من خبز البُّرِّ  ثلاثاً حتى مضى لسبيله " رواه الشيخان   البخاري ومسلم .

             وقد تطلق ويراد به الأقارب والأرحام وفروعهم ، لما روى الطبراني عن يزيد بن حيان قال : " سألت زيد بن أرقم :  ومن آل محمد ؟ قال : هم آل علي وآل العباس وآل جعفر وآل عقيل " ولما روى أحمد بسند صحيح من طريق أبي رافع رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنّا آلَ محمد لا تحل لنا الصدقة " وهم بنو هاشم ، وأُلحق بهم بنو المطلب .

       	     وقد تطلق ويراد بها الجنود ، لقوله سبحانه وتعالى في الآية 54من سورة الأنفال  (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ ْ)  فسَّرتها الآية  24  من سورة الدخان (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ).

             وقد تطلق ويراد بها الأتباع والرعية لقوله تعالى في الآية 130 من سورة الأعراف( وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ )   فالآل كلمةً لها عدة معانٍ وعدة استعمالات ، والقرينة هي التي تحدِّد أيَّ معانيها هو المقصود .

               ونأتي الآن للصلاة الإبراهيمية فنقول : إن آل الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الصلاة هم أزواجه وذريته ، لما روى البخاري ومسلم من طريق أبي حُميد الساعدي أنه قال : " إنهم قالوا : يا رسول الله كيف نصلي عليك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  قولوا : اللهم صلِّ على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم "  فقد جاءت القرينة على هذا التخصيص .**

**(6) السؤال : هل يجوز أن تعمل المرأة في الدوائر الحكومية المختلطة وفي الشركات والمؤسسات العامة والخاصة ؟

(6) الجواب : يجوز للمرأة أن تعمل في الدوائر الحكومية والشركات والمؤسسات العامة والخاصة بشروط :

أ - أن تكون لابسةً اللباس الشرعي .

ب - أن لا تتبرج بوضع العطور والأصباغ الصارخة على وجهها .

ج - أن لا تختلي في غرفةٍ واحدةٍ برجل واحد ، كأن تعمل سكرتيرة عند موظف في غرفة واحدة مغلقة .

د - أن لا تعمل أي عملٍ محرَّمٍ عليها فعلُه .

(7) السؤال : رجل مُقْعَدٌ وبلغ من الكبر عِتِيَّاً ، وهو يحتاج إلى رعاية من تنظيفٍ واغتسالٍ ، وابنتُه هي التي تقوم بهذه الأعمال ، وقد يحصل عند قيامها بهذه الأعمال أن ترى عورة أبيها أو تلمسَها ، فهل هذا جائز ؟

(7) الجواب : إن اضطُّرت ابنةُ العجوز المقعَد إلى خدمته بعد موت أمها أو طلاقها جاز لها أن تخدم أباها ، وتتحرى ما أمكن عدم النظر إلى العورة ، وبعد بذل وسعها في ذلك لا بأس من أن ترى عورته أو تلمسَها ، ولا إثم في ذلك إن شاء الله تعالى .

(8) السؤال : تم عقد القِران على مهرٍ معلوم ، ومن ثمَّ تمَّ العرسُ ، وانتقلت الزوجة إلى بيت زوجها ، ولم يتم دفع قرش واحد من المهر لعجز الزوج مادياً عن الدفع والسؤال هو : هل يجوز للزوجة التنازلُ عن المهر أو تخفيضُه أو استبدالُ هديةٍ أقلَّ ثمناً بالمهر ؟

(8) الجواب : نعم يجوز للزوجة أن تسامح زوجها عن دفع مهرها لها كلِّه أو قسمٍ منه ، كما يجوز لهما بالتراضي استبدال هدية أقل ثمناً بالمهر .

(9) السؤال : كنتُ قد سألتكم سؤالاً في السابق عن حدود الوجه ، وقد أتاني الجواب بأن حدود الوجه هي من منبت الشعر وصولاً إلى العظمة البارزة في الذقن فقط ، ولا يشمل الوجهُ ما تحت هذه العظمة البارزة ، لأنها ليست من الوجه ، وإنما هي من الرقبة ، فلا يجب غسلها عند غسل الوجه في الوضوء ، فهل يعني قولكم هذا أنها تعتبر عورة لدى المرأة ، يجب عليها تغطيتها بخمارها ؟

(9) الجواب : نعم هي عورة لدى المرأة يجب عليها سِترها بخمارِها .

(10) السؤال : في بعض المرات يتصرف أطفالي تصرفاتٍ تثير غضبي وغيظي , مثل تخريبهم أي شيء يقع تحت أيديهم ، أو عنادهم الشديد وعدم طاعتهم لي في أمرٍ إلا إن قمت بضربهم ، فهل في هذه الحالات إن أنا صرختُ بصوتٍ عالٍ عليهم بحيث يسمعه مَنْ في الشارع هل أكون آثمة ؟ وهل يحرُمُ عليَّ أن يعلو صوتي بحيث يسمعه مَن في الشارع مهما بلغتْ درجةُ غضبي وغيظي ؟

(10) الجواب : صوت المرأة ليس عورة ، فيصح أن يصل صوتُك إلى خارج البيت ولا إثم عليك في ذلك ، ولكن الأدب وحسن التصرف يدعُوانِك إلى قصر صوتِك على بيتك .

             أما ضرب الأطفال فيكون للتأديب وليس للتعذيب والانتقام ، بمعنى أنه ينبغي أن يكون ضرباً خفيفاً يطيق الطفلُ تحمُّلَه ، وأن يُجتَنَبَ ضربُ الوجهُ ، لما روى أبو داود والبزَّار عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا ضرب أحدُكم فلْيتقِ الوجهَ " ولما روى مسلم عن جابر رضي الله عنه قال " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضربِ في الوجه ، وعن الوَسم في الوجه " ورواه أحمد بلفظٍ قريب .

(11) السؤال : هل يجوز للفتاة أن تجلس مع محارمها بلباسها الشرعي مع وجود زوج أختها ؟ وهل تجوز لها مصافحته إذا صفت النياتُ من الطرفين ؟

(11) الجواب : نعم يجوز للفتاة الجلوس مع زوج أختها بوجود أختها ومحارمها ، بشرط عدم كشف ما يزيد على الوجه والكفين ، وعدم التبرج والتعطر والتزين ، ولا يجب أن تكون لابسةً الجلباب ، فأي ثوب ساترٍ للعورة يجوز لها الظهور به في بيتها أمام زوج أختها بحضور أختها أو أمها … إلخ . كما أنه يجوز لهذه الفتاة أن تصافح زوج أختها على الرأي الصحيح .

(12) السؤال : من هم الأقارب ؟ ومن هم الذين تجب على المسلم صلتُهم ؟ وكيف تكون الصلة ؟ ومن هم الذين تُستحَبُّ صلتُهم فقط ؟ ومتى يجوز الاختلاط بين الجنسين في الزيارات ومتى لا يجوز ؟

(12) الجواب : أ- الأقارب هم الذين يتحدَّرون من الجد الثالث ذكوراً وإناثاً .

        ب- الذين تجب صلتهم أذكر منهم :

1 - الوالدان - الأب والأم .

2 - الجدان - الجد والجدة لأب ولأم ، أو لأحدهما وإن علوا .

3 - الأبناء وأبناؤهم ذكوراً وإناثاً وإن نزلوا .

4 - الإخوة والأخوات وأبناؤهم ذكوراً وإناثاً وإن نزلوا .

5 - الأعمام والعمات .

6 - الأخوال والخالات .

      ويلحق بهم بسبب المصاهرة :

7 - الزوجات وأبناؤُهنَّ ذكوراً وإناثاً إن وُجدوا وإن نزلوا .

8 - آباء الزوجات وأمهاتهنَّ ، وأجدادُهن وجدَّاتُهُن وإن علوا .

9 - زوجات الأبناء .

10- زوجات الآباء .

      كما يلحق بهم بسبب الرضاع :

11 ? الأم من الرضاع .

12 - بنت الأم من الرضاع .

13- أخت الأم من الرضاع

14 ? عمة الأم من الرضاع .

15 - خالة الأم من الرضاع .

16 - بنات الأخ من الرضاع .

17 - بنات الأخت من الرضاع .

18 - أم الأم من الرضاع .

19 - والد الأم من الرضاع .

    ج- أما الذين تُستحَبُّ صلتُهم فأذكر منهم :

1 - أبناء الأعمام ذكوراً وإناثاً وأبناؤهم .

2 - أبناء العمات ذكوراً وإناثاً وأبناؤهم .

3 - أبناء الأخوال ذكوراً وإناثاً وأبناؤهم .

4 - أبناء الخالات ذكوراً وإناثاً وأبناؤهم .

5 - ومن أدلى بأحدٍ منهم .

    د - صلة الرحم تكون بزيارة هؤلاء بين الحين والحين خاصةً في المناسبات كالأفراح والأتراح وعيادة مرضاهم وتفقُّدِ أحوالِهِم المعيشية وتقديمِ العونِ والمساعدةِ لمن يحتاج منهم إليها ودفعِ الضررِ والشرور عنهم ... إلخ .

      هـ - مَنْ تجب صلتهم من المحارم ومن يلحق بهم بسبب المصاهرة والرضاع يُختلَط بهم في الزيارات ويُختلَى بهم ، ولا يجب على النساء منهم سترُ رؤوسهِنَّ وسيقانهِن وأيديهِن وما يظهر منهنَّ عادةً في ثياب البذلة ، ويجوز منهنَّ التبرج والتزين والتعطر في أثناء الزيارات .

      و - مَن تُستحب صلتُهم يُختلَط بهم بشرط عدم حصول خَلوةٍ بالإناث منهنَّ ، وبشرط عدمِ كشف ما يزيد على الوجه والكفين ، وبشرط عدم التزين والتبرج ، ولا يجب عليهن الظهور بالجلابيب ، بل أية ثياب يرتدينها تستر ما عدا الوجه والكفين يجوز لهن الظهور بها في الزيارات . 

      ز - مَن سوى مَن سبق لا تجوز زيارة الإناث في البيوت والأماكن الخاصة إلا لحاجة يقرًّها الشرع أو يقرُّ الاجتماع من أجلها ، وبشرط عدم الاختلاط  وعدم التبرج وعدم كشف ما يزيد على الوجه والكفين ، وتكون الزيارة بقدر الحاجة فقط ، كأن يجتمع بهن لعقد صفقةِ بيع أو شراء ، أو توكيل أو إصلاح ، أو لأجل خطبة وأمثال ذلك .

      ح - إذا زارك أخوك ومعه زوجته فيجوز أن تستقبلهما أنت وزوجتك ، وإذا زارك ابن خالتك ومعه زوجته وابنته فيجوز أن تستقبلهم أنت وزوجتك وابنتك  وإذا زارتك ابنة عمِّ زوجتك وزوجها فيجوز أن تستقبلهما أنت وزوجتك ، وهكذا . والجامع بين هذه الحالات وأمثالها هو أن يكون بين الجماعة الزائرة والجماعة المزورة أحدٌ يُدلي بقرابة أو مصاهرة بينهما ، وما سوى ذلك فالزيارات حرام لا تجوز .**

**(6) السؤال : هل يجوز أن تعمل المرأة في الدوائر الحكومية المختلطة وفي الشركات والمؤسسات العامة والخاصة ؟

(6) الجواب : يجوز للمرأة أن تعمل في الدوائر الحكومية والشركات والمؤسسات العامة والخاصة بشروط :

أ - أن تكون لابسةً اللباس الشرعي .

ب - أن لا تتبرج بوضع العطور والأصباغ الصارخة على وجهها .

ج - أن لا تختلي في غرفةٍ واحدةٍ برجل واحد ، كأن تعمل سكرتيرة عند موظف في غرفة واحدة مغلقة .

د - أن لا تعمل أي عملٍ محرَّمٍ عليها فعلُه .

(7) السؤال : رجل مُقْعَدٌ وبلغ من الكبر عِتِيَّاً ، وهو يحتاج إلى رعاية من تنظيفٍ واغتسالٍ ، وابنتُه هي التي تقوم بهذه الأعمال ، وقد يحصل عند قيامها بهذه الأعمال أن ترى عورة أبيها أو تلمسَها ، فهل هذا جائز ؟

(7) الجواب : إن اضطُّرت ابنةُ العجوز المقعَد إلى خدمته بعد موت أمها أو طلاقها جاز لها أن تخدم أباها ، وتتحرى ما أمكن عدم النظر إلى العورة ، وبعد بذل وسعها في ذلك لا بأس من أن ترى عورته أو تلمسَها ، ولا إثم في ذلك إن شاء الله تعالى .

(8) السؤال : تم عقد القِران على مهرٍ معلوم ، ومن ثمَّ تمَّ العرسُ ، وانتقلت الزوجة إلى بيت زوجها ، ولم يتم دفع قرش واحد من المهر لعجز الزوج مادياً عن الدفع والسؤال هو : هل يجوز للزوجة التنازلُ عن المهر أو تخفيضُه أو استبدالُ هديةٍ أقلَّ ثمناً بالمهر ؟

(8) الجواب : نعم يجوز للزوجة أن تسامح زوجها عن دفع مهرها لها كلِّه أو قسمٍ منه ، كما يجوز لهما بالتراضي استبدال هدية أقل ثمناً بالمهر .

(9) السؤال : كنتُ قد سألتكم سؤالاً في السابق عن حدود الوجه ، وقد أتاني الجواب بأن حدود الوجه هي من منبت الشعر وصولاً إلى العظمة البارزة في الذقن فقط ، ولا يشمل الوجهُ ما تحت هذه العظمة البارزة ، لأنها ليست من الوجه ، وإنما هي من الرقبة ، فلا يجب غسلها عند غسل الوجه في الوضوء ، فهل يعني قولكم هذا أنها تعتبر عورة لدى المرأة ، يجب عليها تغطيتها بخمارها ؟

(9) الجواب : نعم هي عورة لدى المرأة يجب عليها سِترها بخمارِها .

(10) السؤال : في بعض المرات يتصرف أطفالي تصرفاتٍ تثير غضبي وغيظي , مثل تخريبهم أي شيء يقع تحت أيديهم ، أو عنادهم الشديد وعدم طاعتهم لي في أمرٍ إلا إن قمت بضربهم ، فهل في هذه الحالات إن أنا صرختُ بصوتٍ عالٍ عليهم بحيث يسمعه مَنْ في الشارع هل أكون آثمة ؟ وهل يحرُمُ عليَّ أن يعلو صوتي بحيث يسمعه مَن في الشارع مهما بلغتْ درجةُ غضبي وغيظي ؟

(10) الجواب : صوت المرأة ليس عورة ، فيصح أن يصل صوتُك إلى خارج البيت ولا إثم عليك في ذلك ، ولكن الأدب وحسن التصرف يدعُوانِك إلى قصر صوتِك على بيتك .

             أما ضرب الأطفال فيكون للتأديب وليس للتعذيب والانتقام ، بمعنى أنه ينبغي أن يكون ضرباً خفيفاً يطيق الطفلُ تحمُّلَه ، وأن يُجتَنَبَ ضربُ الوجهُ ، لما روى أبو داود والبزَّار عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا ضرب أحدُكم فلْيتقِ الوجهَ " ولما روى مسلم عن جابر رضي الله عنه قال " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضربِ في الوجه ، وعن الوَسم في الوجه " ورواه أحمد بلفظٍ قريب .

(11) السؤال : هل يجوز للفتاة أن تجلس مع محارمها بلباسها الشرعي مع وجود زوج أختها ؟ وهل تجوز لها مصافحته إذا صفت النياتُ من الطرفين ؟

(11) الجواب : نعم يجوز للفتاة الجلوس مع زوج أختها بوجود أختها ومحارمها ، بشرط عدم كشف ما يزيد على الوجه والكفين ، وعدم التبرج والتعطر والتزين ، ولا يجب أن تكون لابسةً الجلباب ، فأي ثوب ساترٍ للعورة يجوز لها الظهور به في بيتها أمام زوج أختها بحضور أختها أو أمها … إلخ . كما أنه يجوز لهذه الفتاة أن تصافح زوج أختها على الرأي الصحيح .

(12) السؤال : من هم الأقارب ؟ ومن هم الذين تجب على المسلم صلتُهم ؟ وكيف تكون الصلة ؟ ومن هم الذين تُستحَبُّ صلتُهم فقط ؟ ومتى يجوز الاختلاط بين الجنسين في الزيارات ومتى لا يجوز ؟

(12) الجواب : أ- الأقارب هم الذين يتحدَّرون من الجد الثالث ذكوراً وإناثاً .

        ب- الذين تجب صلتهم أذكر منهم :

1 - الوالدان - الأب والأم .

2 - الجدان - الجد والجدة لأب ولأم ، أو لأحدهما وإن علوا .

3 - الأبناء وأبناؤهم ذكوراً وإناثاً وإن نزلوا .

4 - الإخوة والأخوات وأبناؤهم ذكوراً وإناثاً وإن نزلوا .

5 - الأعمام والعمات .

6 - الأخوال والخالات .

      ويلحق بهم بسبب المصاهرة :

7 - الزوجات وأبناؤُهنَّ ذكوراً وإناثاً إن وُجدوا وإن نزلوا .

8 - آباء الزوجات وأمهاتهنَّ ، وأجدادُهن وجدَّاتُهُن وإن علوا .

9 - زوجات الأبناء .

10- زوجات الآباء .

      كما يلحق بهم بسبب الرضاع :

11 ? الأم من الرضاع .

12 - بنت الأم من الرضاع .

13- أخت الأم من الرضاع

14 ? عمة الأم من الرضاع .

15 - خالة الأم من الرضاع .

16 - بنات الأخ من الرضاع .

17 - بنات الأخت من الرضاع .

18 - أم الأم من الرضاع .

19 - والد الأم من الرضاع .

    ج- أما الذين تُستحَبُّ صلتُهم فأذكر منهم :

1 - أبناء الأعمام ذكوراً وإناثاً وأبناؤهم .

2 - أبناء العمات ذكوراً وإناثاً وأبناؤهم .

3 - أبناء الأخوال ذكوراً وإناثاً وأبناؤهم .

4 - أبناء الخالات ذكوراً وإناثاً وأبناؤهم .

5 - ومن أدلى بأحدٍ منهم .

    د - صلة الرحم تكون بزيارة هؤلاء بين الحين والحين خاصةً في المناسبات كالأفراح والأتراح وعيادة مرضاهم وتفقُّدِ أحوالِهِم المعيشية وتقديمِ العونِ والمساعدةِ لمن يحتاج منهم إليها ودفعِ الضررِ والشرور عنهم ... إلخ .

      هـ - مَنْ تجب صلتهم من المحارم ومن يلحق بهم بسبب المصاهرة والرضاع يُختلَط بهم في الزيارات ويُختلَى بهم ، ولا يجب على النساء منهم سترُ رؤوسهِنَّ وسيقانهِن وأيديهِن وما يظهر منهنَّ عادةً في ثياب البذلة ، ويجوز منهنَّ التبرج والتزين والتعطر في أثناء الزيارات .

      و - مَن تُستحب صلتُهم يُختلَط بهم بشرط عدم حصول خَلوةٍ بالإناث منهنَّ ، وبشرط عدمِ كشف ما يزيد على الوجه والكفين ، وبشرط عدم التزين والتبرج ، ولا يجب عليهن الظهور بالجلابيب ، بل أية ثياب يرتدينها تستر ما عدا الوجه والكفين يجوز لهن الظهور بها في الزيارات . 

      ز - مَن سوى مَن سبق لا تجوز زيارة الإناث في البيوت والأماكن الخاصة إلا لحاجة يقرًّها الشرع أو يقرُّ الاجتماع من أجلها ، وبشرط عدم الاختلاط  وعدم التبرج وعدم كشف ما يزيد على الوجه والكفين ، وتكون الزيارة بقدر الحاجة فقط ، كأن يجتمع بهن لعقد صفقةِ بيع أو شراء ، أو توكيل أو إصلاح ، أو لأجل خطبة وأمثال ذلك .

      ح - إذا زارك أخوك ومعه زوجته فيجوز أن تستقبلهما أنت وزوجتك ، وإذا زارك ابن خالتك ومعه زوجته وابنته فيجوز أن تستقبلهم أنت وزوجتك وابنتك  وإذا زارتك ابنة عمِّ زوجتك وزوجها فيجوز أن تستقبلهما أنت وزوجتك ، وهكذا . والجامع بين هذه الحالات وأمثالها هو أن يكون بين الجماعة الزائرة والجماعة المزورة أحدٌ يُدلي بقرابة أو مصاهرة بينهما ، وما سوى ذلك فالزيارات حرام لا تجوز . **

**( 25 ) السؤال : ما حكم الشُّفعة ؟ وهل الشُّفِعةُ تشمل الجار , أم هي مقتصرة على الشريك فقط؟

( 25 ) الجواب : قبل الإجابة على هذين السؤالين دعنا نستعرض الأدلة الواردة في هذا الموضوع :

1 - عن جابر بن عبد الله قال " قضى النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالشُّفعةِ في كلِّ مالٍ لم يُقْسَم , فإذا وقعت الحدودُ وصُرفت الطُّرقُ فلا شُفعة " رواه

     البخاري وأحمد وابن ماجة وابن حِبَّان ومالك .

2 - عن جابر قال " قضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالشُّفعة في كلِّ شِركةٍ لم تُقْسَم , رَبْعةٍ أو حائطٍ , لا يحلُّ له أن يبيع حتى يُؤْذِنَ شريكَه , فإنْ شاء أخذَ وإنْ شاءَ تَرَكَ , فإذا باع ولمْ يُؤْذِنهُ فهو أحقُّ به " رواه مسلم والنَّسائي . قوله رَبعة : أي بيت أو منزل . وقوله حائط : أي بستان أو حقل .

3 - عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا قُسِمت الأرضُ وحُدَّتْ فلا شُفعةَ فيها " رواه أبو داود والبيهقيُّ .

4 - عن جابر بن عبد الله قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم " الجارُ أحقُّ بشُفعة جاره يُنتَظَرُ بها وإنْ كان غائباً إذا كان طريقهما واحداً " رواه أبو داود وابن ماجة وأحمد وأبو داود الطَّيالسي .

5 - عن أبي رافعٍ " أنَّ سعداً ساومه بيتاً بأربعمائة مثقالٍ , فقال : لولا أني سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول : الجارُ أحـقُّ بصَقَبِهِ لما أعطيتُـك " رواه البخاري وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة . وفي روايةٍ لأحمد " بصَقَبِهِ أو سَقَبِهِ " قوله بصَقَبه : أي بقُربِه .

6 - عن سَمُرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " جارُ الدار أحقُّ بالدار " رواه الترمذيُّ وقال : حديثٌ حسنٌ صحيحٌ , ورواه أحمد وابنُ حِبَّان وقد ضعَّف هذا الحديثَ عددٌ من علماء الحديث قائلين إنَّ فيه انقطاعاً بين الحسن وسمرة , لأنَّ الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديثاً واحداً فقط هو حديثُ العقيقة . فلنا أن نأخذ بهذا الحديث .

7 - عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حقُّ الجار أربعون داراً هكذا وهكذا وهكذا وهكذا , يميناً وشمالاً وقُدَّاماً وخلفاً " رواه أبو يَعلى بسندٍ فيه عبد السلام بن أبي الجنوب وهو متروكٌ , ومحمد بن جامع العطَّار وهو ضعيف . فالحديث ضعيفٌ جداً فيترك .

               فأقول - وبالله تعالى التوفيق والسداد - ما يلي : الحديث الأول يقول   " ... بالشفعة في كلِّ مالٍ لم يُقْسم ... " والحديث الثاني يقول " بالشفعة في كلِّ شِركةٍ لم تُقسم ... "والحديث الثالث يقول " إذا قُسمت الأرضُ وحُدَّت فلا شفعة فيها " واضحٌ في هذه النصوص الثلاثة أنَّ الشفعة إنما تقع في المال المشترك , وأنها بالتالي تجعل الشفعة للشريك فحسب , فإذا قُسمت الشركةُ فانتفت الشراكةُ بطلت الشفعة , وهذه المعاني كلُّها مأخوذةٌ من هذه النصوص الثلاثة باستنباطٍ صحيح , وهنا نسأل : هل من نصوصٍ أُخرى تخالف ما تمَّ استنباطه , كأنْ نقول إنَّ الجار داخلٌ في الشفعة أيضاً , بدلالة الحديث الرابع   " الجارُ أحقُّ بشُفعة جاره ... " وبدلالة الحديث الخامس " الجارُ أحقُّ بصَقَبه ... " ؟ فالجواب هو أنَّ هذين النَّصين لا يخالفان ما قلناه من أنَّ الشفعةَ هي للشريك فقط , وإليك البيان : 

             الحديث الخامس جاء عاماً في الجار , ولكن الحديث الرابع قد قيده بالقول "... إذا كان طريقهما واحداً " والمعلوم أنَّ المقيِّد هو الذي يُعملُ به طبعاً , فقول الحديث " طريقهما واحداً " يثبت شِركةً بين الجارين , وبالتالي يجعل الجار هنا شريكاً , ويُثبتُ له شراكةً في الطريق , فلا يكون هناك تعارضٌ بين هذا وذاك , ويبقى الحكم واحداً وهو أنَّ الشفعة محصورة في الشريك , سواء كانت الشراكةُ في ذات الأرض أو في الطريق المشتركة بينهما  فلا بدَّ للشفعة من أن تُحصر في حالة الاشتراك , في أيِّ نوعٍ من الاشتراك , فإنْ انتفى الاشتراكُ وتباعدت الأرضان  فلا شفعةَ مطلقاً . وبأخذ هذا الحكم نقول إنَّ الجار الملاصق للآخر له حقُّ الشفعة إن كان بينهما جدارٌ مشتركٌ , فإن عدم هذا الاشتراك بينهما فلا شفعة , وبهذا الحكم , أي بتحقق الشُّفعة للجار الملاصق , يقول أبو حنيفة رحمه الله تعالى . ونحن نضيف إلى ما سبق القول : إنَّ الشُّفعةَ تثبتُ للجار بشرط أن يكون بين الجارين مرافق مشتركة مِن طريقٍ أو مسيلٍ أو فناءٍ أو غير ذلك , وبهذا الحكم يقول ابن تيمية وابن قيِّم الجوزية . 

               وأقف هنا قليلاً لأقول ما يلي : قول الحديث الشريف "... إذا كان طريقهما واحداً " هل الطريق هنا لفظٌ عامٌّ  يشمل سائر الطرق أم هو خاصٌّ بنوعٍ منه ؟ الذي أفهمه من هذا اللفظ أنَّه خاصٌّ بنوع من الطرق ولا يشمل كلَّ الطرق  وإلا فإنَّ الشفعة تصبح من الاتساع بحيث تشمل المئاتِ وربما الآلاف من البيوت والأرضين الواقعة على الطرق الرئيسية الطويلة الممتدة لعشرات من الأميال , نعم إنَّ الصواب الذي ينبغي الذهاب إليه هو أنَّ الطريق في الحديث النبوي يُقصدُ منه ما كان مقصوراً على بضعِ بيوت يسلكه أصحابُ هذه البيوت القليلة , كأن يكون شارعاً غيرَ نافذ ممتداً بضعَ عشراتٍ من الأمتار لا يسلكه إلا أصحاب البيوت الواقعة عليه , ففي مثل هذا الطريق تقع الشُّفعةُ في البيوت الواقعة عليه دون ما سواها من البيوت الأخرى لوجود شِركةٍ خاصَّةٍ فيه . 

 	        ولستُ أذهب إلى ما قام به بعضهم من تأويلٍ للحديث " الجار أحقُّ بصَقَبه " بأنَّ المقصود منه هو مراعاةُ حسنِ الجوار وحسنِ العلاقة وليست الشفعة , وذلك لأنَّ الأحاديث يفسِّر بعضُها بعضاً , وهنا جاء الحديثُ الرابع مفسِّراً الصَّقَب بالشُّفعة , بقوله " الجار أحقُّ بشُفعة جاره ... "  فانتفى التأويل تماماً . 

          وبتطبيق هذه الأحكام المستنبطة على العماراتِ السكنية أقول ما يلي : إنَّ بيع أية شقةٍ في العمارة تدخل فيه الشفعة , وذلك لوجود مرافق مشتركة بين جميع الشقق سواءٌ في الأرض أو في السطح أو في الدرج أو في حظيرة السيارات أو في أنابيب الماء أو في أسلاك الكهرباء , لا فرق بين شقتين في طابقٍ واحدٍ أو شقتين في طابقين مختلفين , فالشراكة موجودةٌ بين جميع الشقق دون استثناءٍ , ففيها كلِّها شُفعةٌ ثابتةٌ .

                 أما حكم الشفعة فهو حقٌّ ثابتٌ للشفيع , وواجب على البائع أن يُؤْذن شريكه وإلا أثم , لقول الحديث الثاني "... لا يحلُّ له أن يبيع حتى يُؤْذنَ شريكه ... " فإن أَخبر البائعُ شريكَه بالبيع فطلب الشِّقصَ ـ أي القطعةَ المباعة ـ وجب إنفاذُ طلبه , أما إن أُخبِر فسكت فقد فقَدَ حقَّه , وليس له حقُّ الطلب ثانيةً , وإنْ لم يُخبَر فإنَّه يحتفظ بحقِّ فسخ البيع متى يحصل عنده العلمُ به , ويشتريه بسعر البيع الأول . 

( 26 )السؤال : أنا أعمل في إحدى الشركات , ووُضع جدولُ ساعاتِ عملي ليلاً فحدث أكثر من مرة أنه عندما آتي لتسلُّم العمل يكون هناك خللٌ في إحدى الماكنات فتعطِّل العملَ , فهل لي أن أُحاسبهم على تلك الساعات دون النظر في أوقات تعطُّل الماكنات ؟

( 26 ) الجواب : إن كان العقد بينكما على الساعات فلك مطالبةُ الشركة بالأجرة كاملة , أما إن كان العقد على إِنجاز الأعمال فلا يحقُّ لك المطالبةُ بالأجرة عن أوقات تعطُّلِ الماكنات .

( 27 ) السؤال : هل يجوز لي أن أُعطي ابناً لي مالاً دون أنْ أُعطي أبنائي الآخرين مثله ؟ بمعنى هل يجوز لي أنْ أُحابي بين أبنائي في العطايا ؟

( 27 ) الجواب : لا يجوز لك ذلك , ولا تحلُّ المحاباةُ بين الأولاد , وإنما يجب عليك التسوية في العطايا بينهم , لما روى عامرٌ قال : سمعتُ النعمان بن بشير رضي الله عنهما وهو على المنبر يقول " أُعطاني أبي عطية فقالت عمرةُ بنتُ رَواحة : لا أرضى حتى تُشهِدَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم , فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني أَعطيتُ ابني من عمرةَ بنتِ رَواحة عطيَّةً , فأمرتني أنْ أُشهدَك يا رسول الله , قال : أَعطيتَ سائرَ ولدِك مثلَ هذا ؟ قال : لا , قال : فاتقوا الله واعْدلوا بين أولادكم , قال : فرجع فردَّ عطيَّته " رواه البخاري . وروى القصَّةَ مسلمٌ وأبو داود وأبو عوانة والبيهقي هكذا : عن جابرٍ قال " قالت امراةُ بشير : انْحَلْ ابني غلامَك وأَشهِدْ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنَّ ابنة فلان سألتني أنْ أَنْحَلَ ابنَها غلامي وقالت : أَشْهِدْ لي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم , فقال : أله إخوةٌ ؟ قال : نعم , قال : اَفَكُلُّهم أَعطيتَ مثل ما أَعطيتَه ؟ قال : لا , قال : فليس يصلحُ هذا , وإني لا أَشهد إلا على حقٍّ " وجاء في روايةٍ لابن حِبَّان وأبي عوانة والبيهقي قول الرسول عليه الصلاةُ والسلامُ "… فإني لا أَشهد على هذا , هذا جَوْرٌ … " والدلالةُ واضحةٌ على تحريم المحاباةِ في العطايا بين الأولاد .

               ولا يعني هذا أنه لا يجوز لأبٍ رأى أحدَ أبنائه فقيراً وكان إخوتُه  الآخرون أثرياء أن يقوم بمدِّ يد العون لهذا الابن الفقير ليسدَّ به حاجته دون أن يعطي إِخوته الأثرياء , فهذا الفعلُ  من الأب لا يدخل تحت الجور والظلم وعدم التسوية بين الأولاد , ولا أراه يدخل تحت النهي , إِذْ أنَّ مساعدةَ الفقير الأجنبي مشروعةٌ ومندوبة , فكيف بمساعدة القريب والابن ؟ **

**( 21 ) السؤال : قد أقرض أحدهم شخصاً وبلغ الدَّيْنُ أجلَه ، ولكنه عاجزٌ عن السَّداد ولم يزل ، ثم وجبت الزكاةُ على صاحب المال ، فهل يجوزُ للمُزكِّي أن يجعل المالَ الذي له بذِمَّةِ ذلك الرجل من زكاةِ مالهِ ، باعتبارِهِ مستحقَّاً للزكاة ِ أو يجبُ عليه أن يُخرج الزكاةَ من مالهِ الذي بين يديه ؟

( 21 ) الجواب :لا يجوز للمُزكِّي أن يجعلَ المالَ الذي له بذمَّةِ ذلك الرجل المدين العاجز عن السَّداد من زكاةِ ماله ، إِذْ لا بدَّ للزكاةِ من أن تكون مملوكةً للمُزكِّي ملكاً تاماً حتى تصحَّ ، والدّينُ ليس مملوكاً ملكاً تاماً ، وبمعنى آخر لا بدَّ في الزكاةِ من إجراء عملية أخذٍ وعطاء فعليةٍ ، فالله سبحانه يقول في الآيةِ الكريمةِ 103 من سورة التوبة ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ والرسول صلى الله عليه وسلم يقول " إِنَّ الله افترضَ عليهم صدقةً في أموالهم تُؤخذُ من أغنيائهم وتُردُّ على فقرائهم … "رواه البخاري ومسلم من طريق ابن عباس رضي الله عنهما . هذا عدا عن أنَّ المزكِّي يجب أن يقوم بإخراجها من دون أن ينتفع بهذا الإخراجِ لمصلحة أُخرى كاسترجاع دَينهِ مثلاً ، فلا بدَّ من تحقُّقِ هذين الشرطين معاً .

         	      أما إن قام المُزكِّي بإعطاء ذلك المَدينِ زكاةَ مالِهِ ، فقام المَدينُ بإعطاءِ المُزكِّي ما أخذه منه سداداً لدَيْنِه دون ترتيبٍ أو اتِّفاقٍ مسبق فلا بأسَ بذلك 

( 22 ) السؤال : تقوم الحكومةُ بعرض بعض ملكياتها للإيجار , محلات مثلاً في مزايدةٍ علنية , فيتفق المهتمون بالأمر على إيصال سقف المزايدة إلى سعر معين , بحيث ترسو المزايدةُ على رجلٍ منهم , ثم يقوم هذا الرجل بإعطاء مبالغ لمن شاركوا بالمزايدة وتواطأوا معه لكي ترسو عليه , فما الحكم الشرعي في هذه المعاملة ؟

( 22) الجواب : إن كان السعر الذي رست المزايدة عليه ضمن سعر السوق , أي في حدود الإيجار لمثله , بحيث لا يكون صاحب المحلات مغبوناً ولا مظلوماً , ولو كانت الحكومة هي مالكة المحلات , فإنَّّ العملية التي ذكرتها جائزة شرعاً , ويكون الرجل الذي رست المزايدةُ عليه جائزاً له إعطاء الآخرين مالاً لكونهم ساعدوه في العملية , وما سوى ذلك فالعملية حرام لا تجوز .

( 23 ) السؤال : نسمع هنا وهناك معاملةً ماليةً يسمونها التَّوَرُّق , فما هي هذه المعاملة , وهل هي حلالٌ أم حرامٌ ؟

( 23) الجواب : التَّورُّقُ لغةً يعني طلبَ الوَرِق , والوَرِق هو الدراهم من الفضة , وهي إحدى الصنفين من النقد , وبمعنى آخر هو طلبُ النقد للحاجة إليه . وقد وردت لفظةُ الوَرِق في كتاب الله تعالى في الآية 19من سورة الكهف ﴿وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ ۚ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ۖ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۚ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ﴾ . وكانت عملتهم دراهم من الفضة . كما وردت في الحديث النبوي , فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال " ليس فيما دون خمسِ أَواقٍ من الوَرِقِ صدقة … " رواه مسلم والبخاري .

	  وقد بحثه الفقهاء قديماً كما بحثوه حديثاً بلفظه هذا , وبلفظٍ آخر هو العِينةُ , وقد ورد ذِكرُ العِينة في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره من طريق ابن عمر رضي الله تعالى عنه بلفظ " سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا تبايعتم بالعِينةِ وأخذتم أذنابَ البقرِ ورضيتم بالزرعِ وتركتم الجهادَ سلَّط الله عليكم ذُلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم "   وفسروا العِينةَ بقولهم ( أن يبيع أحدُهم سلعته دَيْناً ثم يشتريها ممن باعها له بسعرٍ أقلَّ نقداً ) أو بقولهم ( أن يبيع أحدُهم سلعةً بثمنٍ معلوم لآخر لأجلٍ ثم يشتريها منه عاجلاً بثمنٍ أقلَّ ليبقى الكثيرُ في ذِمَّته ) .

	     وبتعبيرٍ آخر أقول إنَّ التَّورُّقَ أو العينة هو أن يقوم الطرفُ الأولُ بشراء سلعةٍ من الطرفِ الثاني بثمنٍ مرتفعٍ دَيْناً وليكن ألفَ دينارٍ , ليبيع الطرفُ الأولُ هذه السلعةَ نفسَها للطرف الثاني بثمنٍ أقلَّ من الثمن الأول نقداً وليكن تسعَمائةِ دينارٍ , فيكون الطرف الأولُ قد قبض من الطرف الثاني تسعَمائة دينارٍ ليصبح مديناً له بألفِ دينارٍ . وهذه حالة من حالتين . 

          أما الحالةُ الأخرى فهي أن يقوم الطرفُ الأولُ بشراء سلعةٍ من الطرفِ الثاني بثمنٍ مرتفعٍ دَيْناً , وليكنْ ألف دينارٍ ,  ليقوم ببيع هذه السلعة للطرفِ الثالث بثمنٍ أقلَّ نقداً وليكن تسعمائة ديار , فيكون الطرفُ الأول قد قبض من الطرف الثالث تسعمائة دينار , ويصبح مديناً للطرف الثاني بألف دينار . وقد فعل الطرفُ الأول كلا المعاملتين لحاجته إلى المال نقداً . 

          أما الحالةُ الأولى فقد اتفق أبو حنيفة ومالك وأحمد  على تحريمها , واعتبروها معاملةً ربويَّةً , وقد أصابوا في هذا الحكم , لأنَّ واقع هذه المعاملة أنها ربا , إضافةً إلى أنها عبارة عن بيعتين في بيعة واحدة ٍ وذلك حرام  لما روى أبو هريرة رضي الله عنه " أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة " رواه البيهقي والترمذي والنَّسائي وأحمد وغيرهم . وفي المقابل فقد أجازها الإمامُ الشافعيُّ ناظراً إلى ظاهر المعاملة بأنَّ كلاً من البيعين صحيح في ذاته . 

     	           أما المعاملةُ الثانية فقد اختلف الفقهاءُ سابقاً ولاحقاً فيها بين محلِّلٍ ومحرِّمٍ . والذي أراه في هذه المسألة أنَّ المعاملة إن هي تمَّت بالتواطؤِ بين الأطراف الثلاثةِ مسبقاً فهي حرام كحرمة المعاملة الأولى , أما إن هي تمت دون توافقٍ مسبقٍ بينهم فإنَّ الإثم يقع على الطرف الأول فقط , والله سبحانه أعلم . 

( 24 ) السؤال : أُهديتْ لبناتي ملابسُ فوجدناها على غير قياسهنَّ , فهل يجوز لنا بيعُ هذه الملابس أو إهداؤُها لغيرنا , أم أنَّ ذلك لا يجوز لأنَّ الهديَّةَ لا تُهدى ولا تُباع ؟

( 24 ) الجواب : يجوز لكِ التصرُّفُ بهذه الملابس بيعاً وإهداءً , فالإهداءُ هو من أسباب التملُّكٍ الشرعية , وأما ما تقولين من أنَّ الهدية لا تُهدى ولا تُباع فهو قولٌ دارجٌ على ألسنةٍ الناس لا أصل له في الشرع , فليس هو آيةً وليس هو حديثاً , فلا قيمة لهذا القول .**