المبحث الخامس: التحديات التي تواجه سياسة الإعلام في الإسلام
تحديات داخلية:
ومن أهم التحديات الداخلية التي يمكن أن تواجه الإعلام الإسلامي هي مواجهة نتائج سياسة الإعلام القائمة في العالم الإسلامي والتي لا يخفى على أحد أن معظمها سياسة انهزامية تربي الناس على الذل وعلى التبعية وعلى عبادة الرغيف بدل رب العالمين، وعلى تقديس النظام الرأسمالي، وعلى التملق للشخصيات، وعلى كم الأفواه والتخويف والترهيب من هالة المسؤولين.
ومن التحديات أيضاً ما رسخه هذا الإعلام من مفاهيم عن هذه الحدود المصطنعة بين البلاد الإسلامية من خلال تقديس القوميات والوطنيات التي فرقت الأمة فوق فرقتها. وما قام به هذا الإعلام من تحريف وتشويه لأحكام الإسلام، وخاصة تلك التي قد تؤثر على مصالح الأنظمة القائمة على رعاية هذا الإعلام، مثل الوحدة بين البلدان الإسلامية، وإزالة هذه الحدود، وفرضية الجهاد على الأمة الإسلامية لوجود بلدان واقعة تحت احتلال الكفار مثل فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان وكشمير وغيرها من بلاد الإسلام والمسلمين.
ويمكن مواجهة هذه التحديات من خلال عمل القائمين على رعاية شؤون الإعلام على وضع طاقم إعلامي يضع برامج إعلامية وفق سياسة الإعلام في الإسلام، والتي يمكن أن تشمل ترسيخ العقيدة الإسلامية وأحكام الإسلام في عقول وقلوب الناس مع بيان الأفكار الفاسدة ووجه الفساد فيها، وتقوية الرابطة بين الحاكم المسلم والرعية، والعمل على بث ما يقوي الرابطة الإسلامية بين كافة الأعراق الإسلامية وما يقوي جسم الدولة ويرفع مستواها في كافة الأمور والمجالات.
تحديات خارجية:
وأهم هذه التحديات هي مواجهة هذا التربص من قبل أعداء الله للإسلام والمسلمين، سواء أكان فكرياً أم اجتماعياً أم عسكرياً أم سياسياً أم اقتصادياً أم أي مجال آخر. وسواء أكان هذا التربص بالتشويه أم التحريف أم الكذب أم التهديد بالحرب أم غير ذلك. وخاصة إذا كان هذا التربص من خلال إعلام أعداء الإسلام وهذا التربص يصدّقه قول الحق سبحانه وتعالى: (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) وقوله تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) وقوله: (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) .
ومن التحديات الخارجية أيضاً هي كيفية إيصال الدعوة الإسلامية إلى العالم قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) .
ويمكن مواجهة هذه التحديات أيضاً من خلال القائمين على رعاية شؤون الإعلام بأن يضعوا الخطط والأساليب التي تمكن من مواجهة هذه التحديات، ويمكن أن يكون ذلك ابتداء بإيجاد تقنية تعمل على منع وصول هذا الإعلام المتربص إلى الأمة الإسلامية أو التشويش عليه حتى لا يصل ? فعن جابر بن عبد الله (رضي الله عنه) أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب فقرأه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فغضب فقال أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى عليه السلام كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني" رواه أحمد. وهذا الحديث واضح فيه -من غضب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)- النهي عن سماع أو قراءة كل ما يمكن أو يؤدي إلى التشكك في أمور الدين.
ويمكن أن تكون مواجهة هذه التحديات أيضاً بمقارعة هذا الإعلام وتفنيد دعاويه وأكاذيبه وافتراءاته وتهجمه على الإسلام قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) وتكون كذلك ببث الروح الجهادية في الأمة والإعداد النفسي إذا كان هناك احتمالية المواجهة العسكرية (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ) وغير ذلك من إعداد الخطط والوسائل والأساليب التي تمكن كذلك من إيصال الدعوة الإسلامية إلى أرجاء المعمورة.
الخاتمة
لقد تتبعنا في هذا البحث المتواضع بمباحثه االخمسة، شيئاً من سياسة الإعلام في الإسلام، ورأينا عظمة هذا الدين وشموله لمعالجات شؤون الإنسان والحياة جميعاً، بما فيها الناحية الإعلامية في حياة المسلمين حاكمين ومحكومين . ورأينا كذلك عظمة هذا الدين، والالتزام بأحكامه الشرعية، ووفاءه، وصدقه، وأمانته بما وضع لذلك كله من أحكام ترعى كل ذلك وتطبقه.
وفي هذا البحث -سياسة الإعلام في الإسلام- رأينا أن الإسلام لم يغفل صغيرة ولا كبيرة إلا تكلم عنها، ووضع لها الأحكام والقواعد العامة، والتي يمكن من خلالها استنباط كل الجزئيات والتفصيلات. والأجمل من ذلك كله، رأينا عظمة هذا الدين في الحفاظ على مصالح المسلمين -أموالهم، وأعراضهم، ودمائهم- من خلال مراعاة قاعدة (الأمن والخوف) في الحفاظ على المسلمين وبلادهم. وقد رأينا أن سياسة الإعلام في الإسلام كانت طريقة وأحكاماً شرعية تُمكّن الراعي (الخليفة) من تحقيق هذه الغاية.
لذلك نأمل أن يكون بحثنا هذا دافعاً للتمسك بأحكام هذا الدين والعضّ عليها بالنواجذ، وزيادة الثقة بها .والعمل على إيجاد من يقوم بتطبيق الإسلام بكامل أحكامه، ومنها السياسة الإعلامية.
وأخيراً: نسأل الله تعالى أن ينفعنا بهذا البحث وأن ينفع المسلمين به، وأن يجعله الله في ميزان حسناتنا. وأن يهيئ لهذه الأمة من يطبق هذا الدين كما أمر الله.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
منقول عن : مجلة الوعي، العدد 289 ، السنة الخامسة والعشرون ،صفر 1432هـ ، كانون ثاني/يناير 2011م