مختارات — موضوع مستورد

** (2)

4- المراسلة بواسطة المناور:

إضافة إلى أنواع البريد السابقة، كانت هناك المراسلة بالمناور، قال القلقشندي: وهي مواضع رفع النار في الليل والدُّخَان في النهار، وتارة تكون على رءوس الجبال، وتارة تكون في أبنية عالية، ومواضعها معروفة تَعَرَّف بها أَكْثَرُ السَّفَّارة، وهي من أقصى ثغور الإسلام كإلبيرة والرحبة، وإلى حضرة السلطان بقلعة الجبل، حتى إن المتجدِّدَ بالفرات إن كان بُكْرَة عُلِمَ به عِشَاء، وإن كان عِشَاء عُلِمَ به بُكْرَة، ولِمَا يُرْفَعُ من هذه النيران أو يُدَخَّن من هذا الدخان أدلَّةٌ يُعْرَفُ بها اختلافُ حالات رؤية العدُوِّ والمُخْبَرُ به باختلاف حالاتها، تارة في العدد، وتارة في غير ذلك.

فكانت هذه المناور تُقام على طول السواحل وتقوم بوظيفة الحراسة، والإنذار من خطر العدو البحري، وذلك بواسطة إشارات ضوئية يَتَّفِقُ عليها المُنَوِّرِينَ عند نقل الخبر، فإذا ما اكتشفوا عَدُوًّا في البحر مقبلاً من بعيد أشعلوا النار على قمم المناور، وذلك إذا كان الوقت ليلاً، وإذا كان الوقت نهارًا أثاروا فيها الدخان، وفي ذلك قيل: إن الرسالة الضوئية كانت تصل من طنجة بالمغرب إلى الإسكندرية في ليلة واحدة، كناية عن استخدام الإشارات الضوئية في المراسلات السريعة بين حاميات المحارس عن طريق منارات المساجد في الرُّبُط الساحلية؛ وخاصة في سواحل إفريقيا التونسية، وكان أشهرها رباط المنستير في مدينة سوسة.

وقد ختم القلقشندي فصلاً عن المناور بقوله: “على أن مُرَتِّبَها بهذه المملكة أَوَّلاً أتى بحكمة مُلُوكِيَّة لا تُسَاوَى مِقْدَارًا؛ إذ قد تَرَقَّى في سُرْعة بُلُوغ الأخبار إلى الغاية القُصْوَى؛ وذلك أن البريد يأتي من سرعة الخبر بما لم يأتِ به غيرُه، والحمام يأتي من الخَبَرِ بما هو أسرعُ في البريد، والمناور تأتي من الخبر بما هو أسرع من الحمام، وناهيك أن يَظْهَر عُنْوَانُ الخبر في الْفُرَات بمصر في مسافة يوم وليلة”.

وفي ضوء ما تَقَدَّم يَتَّضِحُ أن نظام البريد والاتصالات في الحضارة الإسلامية كان نظامًا دقيقًا متطوِّرًا بما يناسب إمكانات وظروف عصره، وكان يربط الدولة بقائدها، ويُطْلِعه على كل ما يَجِدُّ فيها أَوَّلاً بأول، وهذا ما لم تصل إليه الأمم الأوربية إلا بعد قرون عديدة.


الفُيُوج جمع الفَيْجُ: وهو رسول السلطان على رِجْلِه، وقيل: الذي يسعى بالكتب. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة فيج 2/350.

القلقشندي: صبح الأعشى 14/377، وجواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 9/320.

كمال عناني إسماعيل: دراسات في تاريخ النظم الإسلامية ص 106.

جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 9/320، 321.

الحسن بن عبد الله: آثار الأول في ترتيب الدول ص 89، نقلاً عن محمد ضيف الله: الحضارة الإسلامية ص 198.

المقيرة: أي المطلية بالقار وهو الزفت وهي مادة تسيل بالسخونة من تقطير المواد القطرانية. انظر: المعجم الوسيط 1/395، 2/769.

المسمرة: أي المترابطة بالمسامير.

خرز: أي خاط من الخياطة.

الجاحظ: البيان والتبيين ص364.

محمد ضيف الله: الحضارة الإسلامية ص198.

انظر: محمد ضيف الله: الحضارة الإسلامية ص198، 199، وأبو زيد شلبي: تاريخ الحضارة الإسلامية والفكر الإسلامي ص146.

انظر: كمال عناني إسماعيل: دراسات في تاريخ النظم الإسلامية ص107، 108.

المتجدد: يقصد الحادث الجديد المستجد.

القلقشندي: صبح الأعشى 14/445.

تقع مدينة المنستير على بُعد ثلاثين كيلو مترًا جنوب مدينة سوسة.

انظر: سعد زغلول وآخرون: دراسات في تاريخ الحضارة الإسلامية ص480، 481، وكمال عناني إسماعيل: دراسات في تاريخ النظم الإسلامية ص108.

القلقشندي: صبح الأعشى 14/447.

عن هدي الإسلام**

**أنواع البريد في الحضارة الإسلامية

الكاتب: د/ راغب السرجاني

كان للبريد في الحضارة الإسلامية أنواع عِدَّة، تُعَبِّر جميعها عمَّا بلغته الحضارة الإسلامية من تطوُّرٍ وما عايشته من نظام، ويمكن أن نرى ذلك في التقسيمات التالية

1- البريد البري:

كانت وسيلة البريد البَرِّيِّ رجالاً يُطْلَقُ عليهم اسم الفُيوُج أو السعاة، وهم رجال تَعَوَّدُوا الجري والصبر في السير، واستخدم المسلمون الدوابَّ في حمل الرسائل على نطاق واسع، وخاصَّة البغال، وكانت محطات البريد المنتشرة على الطرق البرية بين مدن الأمصار الإسلامية، تقوم برعاية دوابِّ البريد، وتأمين راحتها وأعلافها، واستبدالها عند الحاجة بدوابَّ أخرى؛ ليُتَابِع حامل الرسائل سفره مسرعًا نحو الجهة التي هو قاصدها، وقد كانت هذه المحطة مزوَّدة بدوابَّ من بغال وخيل وإبل، ومَنْ يتعهَّدها بالعناية والخدمة، وقد اسْتُخْدِمَتْ لهذا الغرض أفضل أنواع الخيول المعروفة باسم الخيل الشهارة، والإبل النجب، والتي كانت أسرع من الخيل وأصبر على السير.

ولما كانت تلك المحطات على سكك تمتدُّ مسافات طويلة، ولما كان من الصعب على البغل اختراق الصحارى ذات الرمال بعيدة الغور، والتي تقلُّ فيها المياه، فقد رُوعِيَ أن تكون طريق البريد ممتدة في الأرضين التي يكثر وجود الماء فيها، وتتوفَّر فيها الآبار، وفي مواضع مأمونة قليلة الرمال.

2- البريد البحري:

حيث كانت تُسْتَخْدَمُ المراكب البحرية، قال الحسن بن عبد الله: وإذا كانت البلاد بحرية فيكون لصاحب الخبر مراكب خفيفة سريعة، وكان الحجاج بن يوسف الثقفي هو أَوَّل مَنْ أجرى في البحر السفن المقيَّرة المسمَّرة غير المخرَّزة والمدهونة.

3- البريد الجوي:

وكانت وسيلته الحمام الزاجل، الذي كان يُتَّخَذُ لحمل المُكَاتبات على شكل بطائق تُعَلَّق به، ويُعْرَف باسم “الهدي”.

فلم يَكْتَفِ المسلمون بما وصل إليه نظام البريد البري أو البحري، ولكنهم خَطَوْا خطوات واسعة في تنظيم نقله وسرعة وصوله، فكان الحمام الزاجل أفضل وسيلة لذلك.

وكان لهذا الحمام مكانة خاصَّة، ويباع بأسعار مرتفعة؛ ولهذا تنافس الناس لا سيما في مدينة البصرة في اقتنائه، وصار الحمام متجرًا من المتاجر بين الناس، وبلغ ثمن الطائر منه سبعمائة دينار، وشاع استعماله في زمن السلطان نور الدين زنكي وفي زمن العبيديين (الفاطميين)، وبلغت مسافات طيرانه ما بين القاهرة والبصرة، والقاهرة ودمشق، وأُقِيمَتْ له الأبراج في الطرق، وكان الحمام ينتقل من كل برج إلى آخر يليه ليطلب برجه الذي هو مستوطنه إذا أُرْسِلَ، وكان يوضع في أبراج دمشق من حمام مصر، وفي أبراج مصر من حمام دمشق للغرض نفسه، وقد جَرَتِ العادة أن تكتب الرسائل من صورتين ترسلان مع حمامتين، وتطلق إحداهما بعد ساعتين من إطلاق الأخرى؛ حتى إذا ضَلَّتْ إحداهما أو قُتِلَتْ تَصِلُ الأخرى، كما لا يُرْسَلُ الحمام في الجوِّ الممطر، أو قبل تغذيته غذاءً كاملاً.

وكان الإيجاز والتركيز من أهمِّ مميزات الرسائل التي ينقلها الحمام الزاجل، ويبدو أن هذا النوع من البريد كان مقصورًا على فترات الحروب؛ حيث كانت الرسائل تُكْتَبُ على ورق خفيف -يُسَمَّى بطائق أو ورق الطير- في صيغة مختصرة، وبخطٍّ دقيق يُعْرَفُ بخطِّ الغبار؛ لأنه مثل ذَرَّات الغبار، وبلُغَةٍ أشبه بالشفرة، تُعَلَّقُ تحت جناح الحمام لحفظها من المطر.

إنها صورة رائعة تلك التي نَظَّمَ بها المسلمون خطًّا بريديًّا باستخدام الحمام، والتي لا تقلُّ عن تنظيم خطٍّ بريدي على البَرِّ أو البحر.

يتبع**

مُخْتارات
.

**تجارة البشر المولود الشرعي للحضارة الرأسمالية

باهر صالح

تشير آخر التقارير إلى أن عدد الرقيق في مختلف أنحاء العالم يصل إلى 30 مليون إنسان تقريبا ينتشرون في مختلف الدول ويتخذ رقهم أشكالا مختلفة ويستخدمون في أداء مهام عديدة.

ويأتي الاستغلال الجنسي للعبيد على رأس صور الاستغلال المنتشرة في الولايات المتحدة و"إسرائيل" وهونج كونج، في حين توجد أشكال أخرى لاستغلالهم في الدول الفقيرة وبخاصة الدول الإفريقية وتشمل التشغيل بدون أجر أو البيع للغير، ووفقا لخبراء الأمم المتحدة فإنّ عصابات تجارة الرقيق الأبيض تحقق دخلا شهريا قدره 7000 دولار أمريكي عن كل سيدة أو رجل يتم تشغيلها في الدعارة.

ويشير الخبير الروسي سيرجي كارامايف إلى أنه رغم انتهاء الرق رسميا من العالم فإن الظاهرة تمثل جزءا من نمط الحياة في مختلف دول العالم وإن تفاوتت درجة ظهورها. وتشير التقارير إلى أن عصابات تجارة الرقيق في العالم تعتمد على خطف الأطفال وبخاصة في مناطق الصراع ثم نقلهم إلى أماكن استغلالهم في أي دولة، وهناك أيضا عصابات تتولى شراء الأطفال من عائلاتهم الفقيرة وبخاصة في القارة الإفريقية ودول آسيا الفقيرة ثم تنقلهم إلى أوروبا والولايات المتحدة لاستغلالهم في مختلف الأغراض.

أما الشكل الثالث لأشكال استقطاب الرقيق فيتمثل في الخداع من خلال العصابات التي تخدع الشباب وبخاصة من النساء بعقود للعمل في أوروبا والولايات المتحدة حيث يتم إجبارهن على العمل في الدعارة بعد خروجهن من بلادهن.

ومؤخراً نقلت وكالة معا الإخبارية خبر وصول مجموعة من النسوة يوم الأربعاء 20-7-2011 يحملن جنسية غواتيمالا الى نقطة العبور بين الضفة الغربية والاردن المعرفة باسم “جسر اللنبي” الأمر الذي أثار الشبهة بأنّ الامر يتعلق بالاتجار بالبشر.

وللوقوف على هذه الظاهرة لا بد من ملاحظة التالي:

1- أنّ الرأسمالية وحضارة الغرب إنما تقوم في أساسها على القيمة المادية والربح والخسارة، وهذه القيمة تطغى في مبدئهم على كل القيم والأخلاق، فمن أجل الربح يقدم الرأسمالي على أي عمل، سواء أكان تجارة المخدرات أو الجنس أو الرقيق أو الأسلحة، أو غير ذلك من السلوكيات التي باتت مألوفة في المجتمعات الرأسمالية، بل وأصبحت مشروعة ومقننة لديهم، فدور البغاء واستغلال النساء باتت معلما من معالم الحضارة الرأسمالية، وتعاطي المخدرات أمر مشروع في الكثير من دول الغرب، وتجارة الأسلحة مباحة في أكثر الدول، وتجارة البشر ما أزدهرت لولا التسهيلات التي تقدمها الحكومات لذلك، وليس عنا ببعيد ما قام به ساركوزي عام 2007 حينما تدخل لانقاذ 17 أوروبيا تسعة منهم فرنسيون، من الذين ضبطتهم تشاد وهم يحاولون خطف 103 طفلا من شرقي تشاد ودارفور لتهريبهم إلى فرنسا.

2- وكذلك فإن خلو المجتمع الرأسمالي من القيم الرفيعة ومن مظاهر العفة والطهارة بات أمراً مسهلا لوقوع النساء والمراهقات في حبال تجار الجنس والدعارة خاصة في ظل الحاجة إلى المال، طالما أن ثقافتهم لا تعتبر ذلك عارا أو منقصة، بل تعتبره حرية ومظهرا من مظاهر التمدن، فقد كشفت دراسة قام بها مركز دراسات برلين مؤخرا أنّ واحدا من بين كل ثلاثة طلاب جامعيين في العاصمة الألمانية، يفكر في ممارسة أعمال جنسية كوسيلة لتمويل تعليمه، وكذلك هو الأمر تقريبا في العاصمة الفرنسية باريس.

بل ووصل الأمر بمفكري الرأسمالية ومؤسسيها أن اعتبروا أن السلعة الاقتصادية هي كل ما يُرغب فيه، بمعزل عن أضرارها أو محاذيرها أو أي اعتبارات أخرى من قيم وأخلاق ومُثُل، فالسلعة عندهم تدخل الحياة الاقتصادية إذا ما كان هناك من يرغب فيها!!.**

**(3)

شروط صاحب الشرطة

ولذلك حرصت مؤسسة الحكم على اختيار الأذكياء والنابهين لولاية الشرطة، ولم تشترط أن يكونوا من أصحاب البأس والقوة فقط، ومما يُدلل على ذلك أن أحضر بعض أصحاب الشرطة شخصين متَّهمين بسرقةٍ، “فأمر أن يؤتى بكوزٍ من ماءٍ، فأخذه بيده ثمَّ ألقاه عمدًا فانكسر، فارتاع أحدهما، وثبت الآخر فلم يتغيَّر، فقال للَّذي انزعج: اذهب. وقال للآخر: أحضر العملة. فقيل له: ومن أين عرفتَ ذلك؟ فقال: اللِّصُّ قويُّ القلب لا ينزعج، والبريء يرى أنَّه لو تحرَّكت في البيت فأرةٌ لأزعجته، ومنعته من السَّرقة!”.

وقد عُرِفَتْ وظيفة صاحب الشرطة في معظم الدول الإسلامية، واتخذت أسماء مختلفة، فسُمِّيَ صاحبُ الشرطة في إفريقية الحاكمَ، وفي عصر المماليك الوالي، وكانت الشرطة في الديار المصرية من أهمِّ وظائف الدولة، وكان صاحبها من عظماء الرجال، فكان ينوب عن الوالي في الصلاة، وفي توزيع الأعطيات، وفي غير ذلك من الأعمال، وكان مَقَرُّ الشرطة في مصر ملاصقًا لجامع العسكر، وكانت تُسَمَّى الشرطة العليا، وقد جَرَتِ العادة أن والي (صاحب) الشرطة يستعلم متجددات ولاياته من قتل أو حريق كبير، أو نحو ذلك في كل يوم من نُوَّابه، ثم تُكْتَبُ مطالعة جامعة بذلك، وتُحْمَلُ إلى السلطان صبيحة كل يوم فيقف عليها.

هذا، وكان أصحاب الشرطة يحملون آلة من السلاح تُسَمَّى الطَّبَرْزِين، وهي عبارة عن سكين طويل يحملونها مُعَلَّقة في أوساطهم.

الشرطة في الأندلس

وابتكر الأندلسيون لمنصب صاحب الشرطة قسمين مهمين، فأما القسم الأول: فسُمِّيت بالشرطة الكبرى، وكان هدفها الضرب على أيدي أقارب السلطان ومواليه وأهل الجاه، ولصاحب الشرطة الكبرى كرسي بباب السلطان، وكان من المرشحين دائمًا للوزارة أو الحجابة، ولا شكَّ أن ابتكار هذا المنصب ليُدلل على أن الحضارة الإسلامية كانت حضارة تحترم القوانين التشريعية، والأعراف المجتمعية، لا فرق فيها بين غني أو فقير، أو بين رئيس ومرءوس. وكان القسم الثاني: الشرطة الصغرى، وهي مخصَّصَة للعامَّة وسواد الناس، وكان صاحب الشرطة في الأندلس يُلَقَّب بصاحب المدينةِ.

إن الحضارة الإسلامية حضارة بَنَّاءة مبتكرة، ولا شكَّ أن منصب صاحب الشرطة كان موجودًا بالفعل في الأمم السابقة؛ إذ أحوال المجتمعات وتشابك الأفراد يجعل مثل هذا المنصب ملحًّا في أي وقت وأي مكان، لكنه في الحضارة الإسلامية كان مغايرًا كل المغايرة عما كان عليه عند الفرس أو الرومان؛ فقد أضاف المسلمون -كما رأينا- لهذا المنصب كل جديد، وجعلوه متقيدًا بآداب الإسلام وتشريعاته.

للبحث بقية**

**ومفهوم “السلطان للأمة” من الخطورة والأهمية بمكان؛ حيث أن حكم التعدي على هذا الحق واغتصابه يصل إلى درجة القتل! وها هو عمر بن الخطاب يؤكد على ذلك بقوله:“إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم” وقوله: “من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرةً أن يقتلا”" وقوله للستة: “من تأمر منكم على غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه” وفي رواية “من دعا إلى إمرة من غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه”.

فأمر الحكم والسلطان أمر جلل، واغتصابهما ليس كأي اغتصاب. ذلك أن ممارسة السلطان يلزمها مقدرات وموارد عديدة؛ يلزمها المال والرجال، والعقول والجيوش، ويلزمها الكثير الكثير. هذا الكثير الكثير يصادر بمصادرة السلطان، فأي مصيبة تلك التي تحل بالشعوب حينما يصادر سلطانها!

ويظهر أن قاعدة “السيادة للشرع” جعلت نظام الحكم في الإسلامي يتفرّد بتحقيق المعنى الجميل لسيادة القانون. هذا المعنى الذي أوهم أو توهّم الديمقراطيون أنهم حققوه، بينما هم في الواقع جعلوا السيادة نظريا للأغلبية على الأقلية (وعمليا لقلة قليلة من المتنفذين الرأسماليين). فالأغلبية هي من تضع القانون وهي من تغيره، فكيف يكون القانون سيدها؟! أما الإسلام فضمن بإبعاد التشريع عن هوى الإنسان- ضمن ألا يستعبد القوي الضعيف، ولا الغني الضعيف، بل الجميع يخضع لشرع الله.

ولعل في قوله تعالى: ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا ) زيادة بيان، حيث أن لولي الدم الحق وسلطان التنفيذ، إما قصاصا أو دية أو عفوا، ولكن من أعطاه هذا الحق إبتداءً؟ هل كان ذلك من خلال أغلبية الأمة؟ أم كان ذلك آليا من عند نفسه؟ كلا! إنشاء الحق وتحديده كان لله عز وجل، وهو قوله: “جعلنا”. وكذلك في منظومة الحكم، أنشأ الشارع أوامر ونواهي في شتى مجالات الحياة و"جعل" سبحانه وتعالى سلطان التنفيذ للأمة (اقطعوا، اجلدوا،..) تختار من بينها، بعقد البيعة عن رضا واختيار، من ينفذ عليها الأحكام الشرعية.

ولا تتوقف مفاعيل سلطان الأمة عند اختيار الحاكم فقط، بل إنها تبرز كذلك في محاسبة الحكام، التي أولاها الإسلام عناية فائقة، يقوم بها الأفراد والأحزاب ومجلس الأمة والقضاء، ليس فقط ممارسةً لحق من الحقوق إنما كذلك أداءً لواجب شرعي (فرض كفاية) يترتب عليه الثواب والعقاب. فاقتصار الاعتبار على جانب “الحق” فقط يسمح بتركه لسبب أو لآخر، بينما اعتبار المحاسبة واجبا يؤدي إلى تعميق المفهوم وتركيزه ودوامه، ويؤدي إلى بذل الوسع في ممارسته والإحسان في ممارسته.

أما إن كانت النظرة إسلامية مبدئية “أيدولوجية” فسيكون الربيع مختلفا جذريا عن الذي يجري اليوم. والسبب في رأيي، ببساطة، أن الإسلام جاء من خارج الواقع لمعالجة الواقع، أي أن الواقع في الإسلام هو موضع الأحكام وليس مصدرها، فسَلَمَت بذلك عقيدة الإسلام وأحكامه، كونها من لدن لطيف خبير- سلمت من أعراض النقص والعجز والخطأ والتبديل والتغيير التي تعتري أفكار ورؤى البشر.

محاضرة سيادة الشرع والسلطان للأمة ( منقول )*

**وقال تعالى: ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت، ويسلموا تسليماً ).

قال تعالى: ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً )

وقال تعالى: ( أفحكم الجاهلية يبغون؟! ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون )

فهذه نصوص من كتاب الله قطعية الثبوت والدلالة لا مجال لإنكارها، كلها تصب في مقولة واحدة بكل جلاء، مفادها أن السيادة للشرع، لا للعقل، لله تعالى، لا للإنسان.

وكما أرشد القرآن بنصوص كثيرة إلى أن السيادة للشرع، وليست للإنسان، ولا للشعب، ولا للعقل، فالسنة أيضاً قد أرشدت إلى ذلك، عملاً وقولاً،

أما مفهوم السلطان للأمة

وأمّا قاعدة السلطان للأمّة فمأخوذة مِن جعْل الشرع نصب الخليفة من قِبل الأمّة ومن جعْل الخليفة يأخذ السلطان بهذه البيعة. أمّا جعْل الشرع نصب الخليفة من قِبل الأمّة فواضح في أحاديث البيعة، عن عبادة بن الصامت قال: «بايَعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره» متفق عليه، وعن جرير بن عبدالله قال: «بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة» متفق عليه، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضلِ ماء بالطريق يمنع منه ابن السبيل، ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلاّ لدنياه إن أعطاه ما يريد وفى له وإلاّ لم يفِ له، ورجل يبايع رجلاً بسلعة بعد العصر فحلف بالله لقد أُعْطِي بها كذا وكذا فصدَّقه فأخذها ولم يعطَ بها» متفق عليه. فالبيعة من قِبل المسلمين للخليفة وليست من قِبل الخليفة للمسلمين، فهم الذين يبايعونه أي يقيمونه حاكماً عليهم، وما حصل مع الخلفاء الراشدين أنهم إنّما أخذوا البيعة من الأمّة، وما صاروا خلفاء إلاّ بواسطة بيعة الأمّة لهم. وأمّا جعْل الخليفة يأخذ السلطان بهذه البيعة فواضح في أحاديث الطاعة، وفي أحاديث وحدة الخلافة. عن عبدالله بن عمرو بن العاص يقول: إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليُطِعه إن استطاع فإن جاء آخَرُ ينازعه فاضربوا عنق الآخَرِ» أخرجه مسلم، وعن نافع قال: قال لي عبدالله بن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من خلع يداً من طاعة الله لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» أخرجه مسلم، وعن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كره من أميره شيئاً فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً فمات عليه إلاّ مات ميتة جاهلية» متفق عليه، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون، قالوا: فما تأمرنا ؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول، ثم أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم» متفق عليه. فهذه الأحاديث تدل على أن الخليفة إنّما أخذ السلطان بهذه البيعة، إذ قد أوجب الله طاعته بالبيعة، «من بايع إماماً… فليطعه»، فهو قد أخذ الخلافة بالبيعة، ووجبت طاعته لأنه خليفة قد بويع، فيكون قد أخذ السلطان من الأمّة ببيعتها له ووجوب طاعتها لمن بايعته، أي لمن له في عنقها بيعة، وهذا يدل على أن السلطان للأمّة. على أن الرسول صلى الله عليه وسلم مع كونه رسولاً فإنه أخذ البيعة على الناس وهي بيعة على الحكم والسلطان وليست بيعة على النبوة، وأخذها على النساء والرجال ولم يأخذها على الصغار الذين لم يبلغوا الحُلُم، فكون المسلمين هم الذين يقيمون الخليفة ويبايعونه على العمل بكتاب الله وسنّة رسوله، وكون الخليفة إنّما يأخذ السلطان بهذه البيعة، دليل واضح على أن السلطان للأمّة تعطيه من تشاء.**

**وإن كان المقصود بالعبادة معناها الشامل الواسع، ألا وهو: الخضوع، مع الطاعة والاتباع؛ فتكون جملة أمر ألا تعبدوا إلا إياه)، تفريع، وتطبيق، وبيان للجانب العملي التطبيقي لجملة: ]إن الحكم إلا لله[، التي هي الجانب المعرفي النظري.

وقال الله تعالى: ( إن الحكم إلا لله، يقص الحق، وهو خير الفاصلين ). وهذه صيغة حصر، فالحكم له وحده، لا شريك له، حصراً. وهو الذي يفصل في كل نزاع، ويحكم في كل خلاف، حكماً فصلاً نهائياً، لا تعقيب عليه، ولا مسائلة له: في الدنيا بتعريف الحلال والحرام، والخير والشر، وفي الآخرة بالفصل النهائي العادل المطلق بين العباد.

وقال الله تعالى: ( ألا له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين ) وهذه صيغة حصر أيضاً. فكما أنه هو وحده الخالق الرازق، فهو وحده الآمر الناهي، أي أنه هو وحده السيد المتفرد بالحكم(لا كما يقول العلمانيون له الخلق ولنا الأمر!).

وقال الله تعالى: ( وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله، ذلكم الله ربي، عليه توكلت، وإليه أنيب )

وقال: ( والله يحكم، لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب)

وقال: ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون )

وقال الله تعالى: ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله )

وقال: ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ). وقد جاء في تفسير هذه الآية عن عدي بن حاتم ــ رضى الله عنه ــ قال: أتيت رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: «يا عدي، اطرح هذا الوثن من عنقك!»، قال: فطرحته؛ وانتهيت إليه وهو يقرأ في سورة «براءة» فقرأ هذه الآية: ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله )، قال قلت: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم!، قال: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟» قال قلت: بلى، قال: «فتلك عبادتهم».

قال عبد الله بن عباس: (لم يأمروهم أن يسجدوا لهم، ولكن أمروهم بمعصية الله فأطاعوهم، فسماهم الله بذلك أرباباً).

قال الألوسي في التفسير: الأكثرون من المفسرين قالوا: (ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم، بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم).

وقال تعالى: ( ألم تر الى الذين يزعمون أنهم أمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا )

وقال ابن كثير: [هذا إنكار من الله عز وجل على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله كما ذكر في سبب نزول هذه الآية أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما فجعل اليهودي يقول بيني وبينك محمد وذاك يقول بيني وبينك كعب بن الأشرف. وقيل في جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإسلام أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل غير ذلك والآية أعم من ذلك كله فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل وهو المراد بالطاغوت هنا ولهذا قال ]يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت[ إلى آخرها].**

*سيادة الشرع والسلطان للأمة

مقدمة:

إن من عظيم ما فتن به المسلمون في عصرنا هذا هي الأفكار والمفاهيم المتعلقة بالحكم والاقتصاد، ولعلها هي محط تركيز الغرب في هجومه على الإسلام وفي تركيزه لهيمنته وسيطرته السياسية والفكرية.

وكما أنه من أمراض القرن المنصرم كانت فهم الاسلام بعمومية وغموض، فإن هذا المرض مازالت تعاني منه العديد من الأوساط الفكرية والسياسية. فما زلنا نسمع عند الكثيرين أن الإسلام لم يأت بنظام للحكم، إنما اقتصر فقط على مبادئ عامة في الحرية والشورى والعدل والمساواة.

بالإضافة إلى ما يشهده واقعنا من دعوة محمومة إلى أخذ النظام الديمقراطي وافتتان الناس بالنظام الديمقراطي وما جاء به من أفكار،والتي من أهمها فكرة سيادة الأمة، وهي الفكرة التي ستكون ان شاء الله مدار حديثنا اليوم بالإضافة إلى فكرة سلطان الأمة.

أنبه أن مصطلح السيادة ينطوي على أكثر من معنى. فسيادة الدولة مثلاً تعني: صفة تنفرد بها السلطة السياسية في نشاطها الداخلي بحيث تكون آمرة على الأفراد والجماعات؛ والخارجي بحيث تدير علاقاتها الخارجية دون خضوع لإرادة دولة أخرى. وهذا ما يسمى باستقلالية الدولة، وليست هذه محل الحديث الليلة.

محل البحث هو السيادة في الدولة وليس سيادة الدولة

نبذة تاريخية: ان نظرية السيادة من أصل فرنسي، ونلاحظ أن الكلمة الانجليزية sovereignty قد نحتت من الكلمة الفرنسية الأصلية، ولقد استنبطها رجال الفقه الفرنسي القدماء (في عهد الحكم الملكي القديم) أثناء فترة الكفاح الذي كانت تقوم به الملوك في العصور الوسطى، وذلك من أجل إقرار استقلالهم الخارجي إزاء الامبراطور والبابوات، ومن أجل إقرار سلطة الملوك العليا داخل المملكة إزاء الحكام الاقطاعيين الذين كانوا ينازعونهم ويشاركونهم قسطاً من السلطان.

ومنذ القرن الرابع عشر أخذ الفقهاء الفرنسيون ينادون بأن الملك يستمد سلطته من الله (نظرية الحق الالهي)، ولكن اصطلاح “السيادة” لم يكتمل مدلوله في صالح سلطان الملوك إلا في القرن السادس عشر، ويتلخص ذلك المدلول في أن السيادة أصبح يقصد بها تلك السلطة العليا التي لا تجد منافساً أو مساوياً لها في السلطة داخل الدولة.

وحين جاءت الثورة الفرنسية عام 1789م عمد رجال الثورة الفرنسية إلى الاحتفاظ بنظرية السيادة، ولكنهم نقلوها -بخصائصها- من الملك إلى الأمة، أي أنهم جعلوا الامة هي صاحبة السيادة بدلاً من الملك.**

السيادة حسب تعريفها هي تلك السلطة العليا التي لا تعرف في تنظيمها للعلاقات سلطة عليها أخرى، فهي بمثابة “حق أمر” (أي حق يخول لصاحبه سلطة إصدار الأوامر) فصاحب السيادة تعتبر إرادته من معدن أعلى وأغلى من معدن إرادة الأفراد (المحكومين)، فإرادته تعتبر مشروعة لا لسبب إلا أنها إرادة صاحب السيادة، فإذا كانت الأمة هي صاحبة السيادة فإن إرادتها تعد مشروعة لا لسبب إلا لأن هذه الإرادة صادرة من الأمة، كما كان يقال قديما (في عهد الحكم الملكي المطلق المستند إلى نظرية الحق الإلهي) إن إرادة الملك تعد مشروعة لا لسبب إلا لأنها صادرة من صاحب السيادة: الملك. ويرى البعض بحق أن نظرية سيادة الامة لم تكن إلا بمثابة استبدال “الحق الإلهي” للملوك بالحق الإلهي للشعوب، أو بعبارة أخرى أن الأمة هي التي أصبحت تنادي بنظرية الحق الإلهي!!

السيادة، اصطلاح غربي، والمراد بها في الواقع من خلال استقراء وجهات نظر رجال القانون الوضعي، أنها: الممارس للإرادة والمسُيِر لها، في العلاقات جميعها، وحتى في الأشياء.

ومن هذا المنطلق، فإن التعبير الدقيق الذي يصف واقع السيادة وفق هذا المفهوم أنها: (سلطة عُليا مطلقة، لها وحدها حق اصدار الحكم على الأشياء والأفعال)، أو بلفظ آخر: (سلطة أصلية، مطلقة، عامة، متفردة، غير محدودة، تهيمن على الأفراد والجماعات)، فالمقصود بسيادة الأمة مثلاً، أن الأمة وحدها لها حق ممارسة الإرادة، والمسير لها في الحكم على الأشياء والأفعال، في صورة سن القوانين لتنظيم الحياة، وفق ما يمليه العقل.

خصائص السيادة:

السيادة سلطة عليا آمره:

  • تفردت بالحكم فلا تشرك في حكمها أحداً، إرادتها هي القانون، وتوجيهاتها هي الشريعة الملزمة.
  • تفردت بالعلو، فلا تعرف سلطة أخرى تعلو عنها أو تساويها.
  • قائمة بذاتها، فلم تكتسب سلطانها من إرادة أخرى.
  • حقوقها مقدسة، لا تقبل التنازل ولا يسقطها التقادم.
  • معصومة من الخطأ، فكل ما يصدر عنها هو الحق والعدل.
    فهل يشك مسلم أن هذه الصفات لا تليق أصلاً إلا بالله عز وجل؟!

أدلة كون «السيادة» للشرع
في القرآن نصوص كثيرة جداَ تدل على أن الشرع وحده هو صاحب السيادة المطلقة، فمن هذه النصوص:
قال تعالى ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان: إن الحكم إلا لله، أمر ألا تعبدوا إلا إياه، ذلك الدين القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون). فإن كان المقصود بالعبادة معناها الضيق، أي الشعائر التعبدية: ركوع، وسجود، وصلاة وصيام، وتقديم صدقات ونذور..الخ، فهذه لا تصرف إلا لله وحده لا شريك له، ولا تصرف لغيره، لأنه أمر بذلك، بوصفه المتفرد بالحكم، أي بوصفه صاحب السيادة:
(أمر ألا تعبدوا إلا إياه)، ولو أمر بصرف شيء من تلك الأفعال والشعائر لغيره لوجبت طاعته.

** (2)

3- هذا بالإضافة إلى أنّ الحضارة الرأسمالية شجعت المرأة على العمل في المهن التي تستغل فيها أنوثتها وروجت لها وجعلت منها فناً وتمدناً، كالرقص والغناء والخدمة في الطائرات والمطاعم والمحلات التجارية وعروض الأزياء، ففي الأسبوع الأخير تناقلت وسائل الإعلام خبر إقدام محل تجاري في ميلانو بإيطاليا على استخدام نساء ورجال في عرض الثياب الداخلية وثياب البحر (البكيني) وهم يرتدونها خلف النوافذ الزجاجية للمحل.

لذلك كله ولغيره من النقاط التي يطول ذكرها فإنّ تجارة البشر والجنس إنما هي مولود طبيعي وشرعي لحضارة الرأسمالية، وهي ليست سلوكا شاذا أو طارئا على حضارتهم، والحقيقة أنّ الرأسمالية هي عدوة للإنسانية.

وهذا بخلاف الإسلام الذي حافظ على البشرية وكرم الإنسان، وحرم استغلال الأُجراء وعوز الفقراء، فعن أبي هريرة مرفوعا: قال الله تعالى: (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره) رواه مسلم.

وحافظ الإسلام على عفة المرأة وطهارتها، بل وأحاطها بجدار من الأحكام ضمنت لها حياة العفة والطهارة. فالإسلام حرم الزنا وجعل اقترافه أو أي من مقدماته مدعاة لغضب الله وللعقوبة في الدنيا.

وكذلك حرم الإسلام أي عمل للمرأة يُستغل فيه انوثتها، فعن رافع بن رفاعة قال: (نهانا صلى الله عليه وسلم عن كسب الأَمَة إلا ما عملت بيديها. وقال: هكذا بأصابعه نحو الخبز والغزل والنَّفش) أخرجه أحمد.

ومن حرص الإسلام على المرأة لتجنيبها الفتن وشعثاء الطرق، حرم عليها السفر ولو إلى الحج بدون محرم يكون معها، فيحفظها ويكون لها سترا وعونا على مشاق الحياة والسفر، فعن ابن عباس أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يقول: (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجّة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا قال: فانطلق فحج مع امرأتك) أخرجه مسلم.

وكذلك لم يشأ الإسلام أن يترك المرأة ضعيفة تأخذها الأمواج إلى حيث شاءت، مستغلة حاجتها حينا وضعفها أحيانا أخرى، فجعل لها وليا يصونها ويعينها في اتخاذ القرارات الحكيمة بعيدا عن الأهواء والعاطفة، حتى في الزواج، فعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيّما امرأة نكحت بغير أذن وليّها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل) أخرجه الحاكم.

إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية الكثيرة التي شرعها الإسلام للحفاظ على المرأة ولصون المجتمع من الرذيلة والانحطاط، كستر العورة، وحرمة الاختلاط إلا لحاجة أقرها الشرع، وحرمة الخلوة، ووجوب غض البصر وحرمة التبرج.

وعلى صعيد آخر فقد عمل الإسلام على إثراء القيمة الخلقية والإنسانية والروحية في المجتمع وجعلها تطغى على القيمة المادية التي لا ترى الحضارة الرأسمالية غيرها. وهو ما من شأنه أن يصون الحياة الاجتماعية والمجتمع الإسلامي من كل مظاهر الابتذال والانحطاط والاستغلال.

فأوجب الإسلام إغاثة الملهوف وإعانة المحتاج، ورغب في الصدقة وكفالة اليتيم، وجعل أكمل الناس إيمانا أحسنهم خلقا.

فحري بجمعيات النساء العاملة في بلاد المسلمين والممولة من الغرب من أجل نشر ثقافة الحرية والديقراطية والرأسمالية أن تدرك هذه الحقيقة وتعلم إلى ماذا تدعو النساء المسلمات وإلى أين تأخذ بمجتمعاتنا من حيث تدري أو لا تدري.

المثقف25-7-2011م **

(4)
المراجع
الشُّرْطة: حفظة الأمن في البلاد، الواحد شرطي، وصاحب الشرطة رئيسها، سُمُّوا بذلك لأَنهم أَعَدُّوا لذلك، وأَعْلَمُوا أَنفسَهم بعلامات يُعْرَفون بها، وقيل: لأَن شُرْطةَ كل شيء خِيارُه، وهم نُخْبةُ السلطانِ من جُنده. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة شرط 7/329، والمعجم الوسيط، مادة شرط ص479.
البخاري: كتاب الأحكام، باب الحاكم يحكم بالقتل على من وجب عليه دون الإمام الذي فوقه (6736).
العسُّ: هو أن يطوف شخص بالليل يحرس الناس، ويكشف أهل الريبة. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة عسس 6/139.
انظر: الطبري: تاريخ الأمم والملوك 2/567.
مطارد جمع طِرد: وهو الرُّمح القصير، لأنَّ صاحبه يُطَارِد به، وهو الألوية كذلك. انظر: الزبيدي: تاج العروس، باب الدال فصل الطاء مع الراء 8/320.
انظر: كمال عناني إسماعيل: دراسات في تاريخ النظم الإسلامية ص137، 138.
انظر: ابن كثير: البداية والنهاية 8/156.
الطبري: تاريخ الأمم والملوك 4/136.
اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي 2/235.
طويل الجلوس: كناية عن الصبر وطول البال.
سمين الأمانة: تعبير عن قوة الأمانة.
أعجف الخيانة: تعبير عن الأمانة أيضًا بانعدام الخيانة، والعجف هو الهزال. انظر: المعجم الوسيط 2/585.
لا يخفق في الحق على جرة: أي لا يتهاون في أقل شيء من الحق.
يهون عليه سبال الإشراف في الشفاعة: أي لا يقبل الوساطات من أشراف القوم وعليتهم، والسبال جمع سبلة، وهي مقدمة اللحية ورأس الإناء، والجزء الطويل من الثياب، وهي كناية عن الشرف والمكانة.
ابن قتيبة: عيون الأخبار 1/7، وابن حمدون: التذكرة الحمدونية 1/91، وأبو إسحاق القيرواني: زهر الآداب وثمر الألباب 2/381.
ابن قتيبة: عيون الأخبار 1/16.
ابن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر 1/222.
انظر: الطبري: تاريخ الأمم والملوك 3/224، 225.
أبو يوسف: الخراج ص161.
سَخَّمَ وجهه أَي سوَّده، والسخام: الفَحْم وسواد القدر. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة سخم 12/282.
ابن فرحون: تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام 5/319.
ابن الأثير: الكامل في التاريخ 5/455.
ابن كثير: البداية والنهاية 11/166.
ناصر الأنصاري: تاريخ أنظمة الشرطة في مصر ص46.
أعفار جمع العُفْرُ: وهو الشجاع الجَلْدُ، وقيل: الغليظ الشديد. انظر: ابن منظور: لسان العرب، مادة عفر 4/583.
ابن القيم: الطرق الحكمية ص65.
المصدر السابق ص67.
المقريزي: الخطط المقريزية 1/840، 841.
القلقشندي: صبح الأعشى 4/61.
آدم متز: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري 2/275.
ابن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر 1/251، وشوقي أبو خليل: الحضارة العربية الإسلامية ص313، 314.
عن هدي الإسلام

(2)

الشرطة في الخلافة العباسية
وقد أنفقت الدولة على بناء السجون من بيت المال؛ إذ كَفَّت هذه السجون شرَّ السجناء وأذاهم عن الناس، ولم يمنع هذا الأمر أن تُنْفِق الدولة على هؤلاء المساجين، وترعى أحوالهم؛ ولذلك اقترح القاضي أبو يوسف على هارون الرشيد، تزويد المساجين، بحُلَّة قطنية صيفًا، وأخرى صوفية شتاءً، ولذلك كان الاهتمام بهم صحيًّا من أظهر الأمور.

وحرصت الخلافة العباسية على تعيين أصحاب الشرطة الموسومين بالعلم والتقوى والفقه، والذين لا تأخذهم في إقامة الحدود لومة لائم، فقد ذكر ابن فرحون في (تبصرة الحكام) “أَنَّ صاحب الشُّرطة إبراهيم بن حسين بن خالدٍ، أقام شاهد زورٍ على الباب الغربيِّ الأوسط، فضربه أربعين سوطًا، وحلق لحيته، وسَخَّم وجهه، وأطافه إحدى عشرة طوفةً بين الصَّلاتين، يُصاح عليه هذا جزاء شاهد الزُّور، وكان صاحب الشُّرطة هذا فاضلاً، خيِّرًا، فقيهًا، عالمًا بالتَّفسير، ولي الشُّرطة للأمين محمد، وكان أدرك مطرِّف بن عبد الله صاحب مالكٍ وروى عنه موطأه”.

ونتيجة لكفاءة بعض القادة العسكريين في الخلافة العباسية، فقد عين المأمونُ عبد الله بن طاهر بن الحسين قائدًا لشرطة عاصمة الخلافة بغداد، بعدما أثبت جدارة عسكرية في حروبه وفتوحاته.

ولم تتوانَ مؤسسة الخلافة في عزل أصحاب الشرطة الفاسدين، الذين كانوا يتجاوزون في العقوبة، ولا يأخذون بالبينة، فقد أمر الخليفة العباسي المقتدر بالله بعزل صاحب شرطة بغداد محمد بن ياقوت، وعدم إشراكه في وظيفة في الدولة، نتيجة سوء سيرته وظلمه.
وكانت مهمة صاحب الشرطة في هذا العصر متعدِّدة ومتنوِّعة، فقد جمع أصحاب الشرطة في معظم الولايات الإسلامية مع وظيفة استتباب الأمن، والأخذ على أيدي اللصوص والمفسدين، المحافظةَ على الآداب العامة؛ فقد أمر مزاحم بن خاقان والي مصر (ت 253هـ) صاحب شرطته أزجور التركي بمنع النساء من التبرُّج أو زيارة المقابر، وضرب المخنثين ونَدَّابات الجنائز، كما اهتمَّ صاحب الشرطة بمنع الملاهي، ومحاربة الخمور.

وأما أصحاب الشرطة المقصِّرون في أداء مهامهم، فقد كان الخلفاء يُجبرونهم على تصحيح أخطائهم بسرعة تامَّة، تداركًا للأمر، ومنعًا لانتشار ضرره بين العامَّة، فقد ذكر الإمام ابن القيم -رحمه الله- في كتابه “الطرق الحكمية” حكاية تُدلل على همة وذكاء صاحب شرطة الخليفة العباسي، خاصة في وقت الأزمات، إذ ذَكَرَ أنَّ اللُّصوص سرقوا في زمن الخليفة العباسي المكتفي مالاً عظيمًا، فألزم المكتفي صاحب الشُّرطة بإخراج اللُّصوص، أو غرامة المال؛ فكان صاحب الشرطة يركب وحده، ويطوف ليلاً ونهارًا، “إلى أن اجتاز يومًا في زقاقٍ خالٍ في بعض أطراف البلد، فدخله فوجده منكرًا… فرأى على بعض أبوابه شوك سمكٍ كثيرٍ، وعظام الصُّلب. فقال لشخصٍ: كم يكون تقدير ثمن هذا السمك الَّذي هذه عظامه؟ قال: دينارٌ. قال: أهل الزُّقاق لا تحتمل أحوالهم مُشْتَرًى مثل هذا؛ لأنَّه زقاقٌ بيِّن الاختلال إلى جانب الصحراء، لا ينزله من معه شيءٌ يخاف عليه، أو له مالٌ يُنفق منه هذه النفقة، وما هي إلاَّ بليَّةٌ، ينبغي أن يُكْشَف عنها. فاستبعد الرجل هذا، وقال: هذا فكرٌ بعيدٌ. فقال: اطلبوا لي امرأةً من الدَّرب أُكَلِّمها. فدقَّ بابًا غير الذي عليه الشَّوك، واستسقى ماءً، فخرجت عجوزٌ ضعيفةٌ، فما زال يطلب شربةً بعد شربةٍ، وهي تسقيه، وهو في خلال ذلك يسأل عن الدرب وأهله، وهي تخبره غير عارفةٍ بعواقب ذلك، إلى أن قال لها: وهذه الدَّار من يسكنها؟ - وأومأ إلى التي عليها عظام السمك - فقالت: فيها خمسة شبابٍ أعفارٍ، كأنَّهم تجَّارٌ، وقد نزلوا منذ شهرٍ، لا نراهم نهارًا إلاَّ في كلِّ مدَّةٍ طويلةٍ، ونرى الواحد منهم يخرج في الحاجة ويعود سريعًا، وهم في طول النهار يجتمعون فيأكلون ويشربون، ويلعبون بالشِّطرنج والنَّرد، ولهم صبيٌّ يخدمهم، فإذا كان الليل انصرفوا إلى دارٍ لهم بالكرخ، ويَدَعُونَ الصبيَّ في الدار يحفظها، فإذا كان سحرًا جاءوا ونحن نيامٌ لا نشعر بهم، فقالت للرجل: هذه صفة لصوصٍ أم لا؟ قال: بلى. فأنفذ في الحال، فاستدعى عشرةً من الشُّرط، وأدخلهم إلى أسطحة الجيران، ودقَّ هو الباب، فجاء الصَّبيُّ ففتح. فدخل الشُّرط معه، فما فاته من القوم أحدٌ، فكانوا هم أصحاب الجناية بعينهم”. وهذه الحكاية دليل على نباهة صاحب شرطة بغداد، وإنفاذه لأمر الخليفة على الفور.

للبحث بقية

**الشرطة في النظام الإسلامي..

أهميتها وشروط صاحبها

الكاتب: د/ راغب السرجاني

تُعَدُّ الشرطة من الوظائف المهمَّة في الدولة الإسلامية، ومن أبرز معالمها في حياة المجتمع والناس، وتتمثل في الجند الذين يُعتمد عليهم في حفظ الأمن والنظام، وتنفيذ أوامر القضاء بما يكفل سلامة الناس، وأمنهم على أنفسهم، وأموالهم، وأعراضهم، فهي بمنزلة جيش الأمن الداخلي.

الشرطة في عهد النبي والخلفاء الراشدين

ولقد عرف المسلمون نظام الشرطة منذ النبي ، وإن لم تكن ممنهجة أو منظمة؛ فقد ذكر البخاري في صحيحه “أن قيس بن سعد، كان يكون بين يدي النبي بمنزلة صاحب الشُّرط من الأمير”.

وكان أوَّل من سنَّ نظام العسِّ هو عمر بن الخطاب، فكان يَعُسُّ بالمدينة (أَي يطوف بالليل) يحرس الناسَ ويكشف أَهل الرِّيبَة.

ويمكن القول بأن الشرطة -كما ظهر سابقًا- قد بدأت بسيطة في عهد الخلفاء الراشدين، ثم أخذت تتطوَّر ويزداد تنظيمها في العصرين الأموي والعباسي، فبعد أن كانت أوَّل الأمر تابعة للقضاء، وعَمَلُهَا يقوم على تنفيذ العقوبات التي يُصْدِرُهَا القاضي انفصلت عن القضاء، وأصبح صاحب الشرطة هو الذي ينظر في الجرائم، كما صار لكل مدينة من المدن شرطة خاصَّة بها، تخضع لرئيس مباشر هو صاحب الشرطة، الذي كان له نوَّاب ومساعدون يتَّخِذُون لأنفسهم علامات خاصة، ويلبسون زيًّا خاصًّا، ويحملون مطارد عليها كتابات تتضمَّن اسم صاحب الشرطة، ويحملون الفوانيس في الليل، ويصطحبون كلاب الحراسة.

الشرطة في الدولة الأموية

وقد توسَّع معاوية بن أبي سفيان في اتخاذ الشرطة، وتطويرها، فأضاف إليها شرطة الحرس الشخصي، وكان أول من اتخذ الحرس في الحضارة الإسلامية، وخاصة وقد اغتيل زعماء الدولة الإسلامية قبله: عمر، وعثمان، وعلي.

ولذلك فإن الشرطة في الخلافة الأموية كانت أداة تنفيذ لأمر الخليفة، وفي بعض الأحيان تعاظمت رتبة صاحب الشرطة حتى تولاها بعض الأمراء والولاة، ففي عام 110هـ عُيِّن خالد بن عبد الله على ولاية البصرة، وجمع معها منصب الشرطة.

وقد تنبهت الخلافة الأموية لخطورة هذا المنصب، وحيويته؛ ولذلك وضعت المعايير العامة التي يجب أن تتوفر في صاحب الشرطة؛ فقد قال زياد بن أبيه: “ينبغي أن يكون صاحب الشرطة شديد الصولة، قليل الغفلة، وينبغي أن يكون صاحب الحرس مسنًا، عفيفًا، مأمونًا لا يُطعن عليه”.

وبحث الحجاج بن يوسف الثقفي والي العراق والحجاز في عهد عبد الملك بن مروان عن رجل قادر على تولِّي قيادة الشرطة في الكوفة، فاستشار أهل الرأي والمكانة، فسألوه: “أيَّ الرجال تريد؟ فقال: أريده طويل الجلوس، سمين الأمانة، أعجف الخيانة، لا يخفق في الحق على جرَّةٍ، يهون عليه سبال الأشراف في الشفاعة. فقيل له: عليك بعبد الرحمن بن عبيد التميمي. فأرسل إليه يستعمله، فقال له: لستُ أقبلها إلا أن تكفيني عيالك وولدك وحاشيتك. قال: يا غلام، نادِ في الناس: مَنْ طلب إليه منهم حاجة فقد برئت منه الذمة”. ولكفاءته، وقدرته على استتباب الأمن قال الشعبي: “فكان ربما أقام أربعين ليلة لا يؤتى بأحد، فضمَّ إليه الحجاج شرطة البصرة مع شرطة الكوفة”.

ولذلك تطوَّرت وظيفة صاحب الشرطة في العصرين الأموي والعباسي، ومن ثَمَّ قال ابن خلدون: “كان النظر في الجرائم وإقامة الحدود في الدولة العباسية والأموية بالأندلس، والعبيديين بمصر والمغرب راجعًا إلى صاحب الشرطة، وهي وظيفة أخرى دينية كانت من الوظائف الشرعية في تلك الدول، تَوَسَّع النظر فيها عن أحكام القضاء قليلاً، فيَجْعَل للتهمة في الحكم مجالاً، ويَفْرِض العقوبات الزاجرة قبل ثبوت الجرائم، ويُقِيم الحدود الثابتة في محالِّهَا، ويحكم في الْقَوَدِ والقصاص، ويُقِيم التعزير والتأديب في حقِّ مَنْ لم يَنْتَهِ عن الجريمة”.

إذًا ترقَّى صاحب الشرطة منذ عصر الخلافة الراشدة، وبداية عصر الخلافة الأموية من مهمة تنفيذ أوامر مؤسسة الخلافة إلى أن أصبح قادرًا على النظر في الجرائم وإقامة الحدود؛ ولذلك اهتمت الدولة الإسلامية بتأسيس السجون، ووضع المجرمين وقادة الفتن والثورات فيها، فقد ذكر الطبري أن زياد بن أبيه وضع كثيرًا من الثُّوَّار في السجون، وخاصة أصحاب ابن الأشعث، كقَبِيصة بن ضُبَيْعَة الأسدي.

للبحث بقية**