محاسبة الحكام فرض وتركها حرام على المسلمين

(3)

طاعة رئيس الدولة:

لقد حض الاسلام كثيرا على السمع والطاعة لرئيس الدولة، وجعل ذلك واجبا عينيا على كل افراد الرعية مسلمين وذميين، واعتبر طاعة رئيس الدولة طاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ثم طاعة لله عز وجل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من اطاعني فقد اطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن اطاع اميرى فقد اطاعني، ومن عصى اميرى فقد عصاني »رواه مسلم والبخارى والنسائي .

روى مسلم: « عَنْ نَافِعٍ قَالَ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ حِينَ كَانَ مِنْ أَمْرِ الْحَرَّةِ مَا كَانَ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ اطْرَحُوا لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وِسَادَةً فَقَالَ إِنِّي لَمْ آتِكَ لِأَجْلِسَ أَتَيْتُكَ لِأُحَدِّثَكَ حَدِيثًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً » باب الإمارة.

وروى مسلم في كتاب الإمارة والبخاري وأحمد والنسائي وأبو داود: « عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَلَ كَانَ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرٌ وَإِنْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِ كَانَ عَلَيْهِ »

وروى البخاري في كتاب أحاديث الانبياء واللفظ له ومسلم وأحمد وابن ماجه « حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّازِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ قَالَ قَاعَدْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ خَمْسَ سِنِينَ فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ »

وروى الإمام البخاري في كتاب الفتن واللفظ له ومسلم في كتاب الإمارة وأحمد في مسند بني هاشم:« عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنْ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً »

وقد روى مسلم في كتاب الإمارة واللفظ له والنسائي وأبو داود وابن ماجة وأحمد: « ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ ‏ … وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ إِنْ اسْتَطَاعَ فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ »‏‏

فالأمر بطاعة الإمام أمر بإقامته، والأمر بقتال من ينازعه قرينة على الجزم في دوام إيجاده خليفة واحدا.

‏ وقد روى مسلم في كتاب الإمارة « عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَدَّتِي ‏ ‏تُحَدِّثُ ‏‏أَنَّهَا سَمِعَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْطُبُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ يَقُولُ ‏ "‏وَلَوْ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا ».

لاحظ اشتراط أن يقود بكتاب الله لتجب الطاعة!!

‏ وقد روى مسلم في كتاب الإمارة عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ « عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ »

روى الإمام أحمد في مسند المكثرين من الصحابة « عن ابن مسعود رضي الله عنه ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ كَيْفَ بِكَ يَا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏إِذَا كَانَ عَلَيْكُمْ ‏أُمَرَاءُ يُضَيِّعُونَ السُّنَّةَ وَيُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ مِيقَاتِهَا قَالَ كَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تَسْأَلُنِي ‏ ‏ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ ‏ ‏كَيْفَ تَفْعَلُ ‏ ‏لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ».

فالرسول عليه السلام يتعجب من مجرد السؤال عن طاعة من يضيع السنة ويؤخر الصلاة فكيف بطاعة من لا يحكم بالكتاب والسنة؟؟؟

وفي مسند أحمد باقي مسند المكثرين: « ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرُو بْنُ زُنَيْبٍ الْعَنْبَرِيُّ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مُعَاذًا ‏ ‏قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَيْنَا‏ أُمَرَاءُ لَا ‏ ‏يَسْتَنُّونَ ‏ ‏بِسُنَّتِكَ وَلَا يَأْخُذُونَ بِأَمْرِكَ فَمَا تَأْمُرُ فِي أَمْرِهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا ‏ طَاعَةَ لِمَنْ لَمْ يُطِعْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ »

وحرم الشرع الامتناع عن طاعة رئيس الدولة واعتبره جريمه وسماه مفارقة للجماعة، وامر رئيس الدولة بانزال العقاب على الخارجين ان كانوا افرادا، وبقتالهم ان كانوا جماعات،

ولكن الشرع قد استثنى ثلاث حالات من وجوب طاعة رئيس الدولة، وهذه الحلات الثلاث هي :

1 اذا امر رئيس الدولة بامر مخالف للحكم الشرعي، اى امر بمعصية لله سبحانه، كأن امر بتاميم اموال الناس الخاصة، او امر جيشه بمنع المسلحين من الوصول الى فلسطين المحتلة لقتال اليهود، او امر بالانتساب الى الامم المتحده او جامعة الدول العربية او انشأ جهاز مخابرات للتجسس على افراد الرعية واذلالهم، ففي هذه الحالة لا تجب طاعته في هذه الامور بل تحرم لقوله صلى الله عليه وسلم « على المرء المسلم السمع والطاعة فيما احب وكره الا ان يؤمر بمعصية، فان امر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ». رواه مسلم والبخارى .

2 اذا تدخل رئيس الدولة فيما اباحه الله سبحانه للناس يفعلونه كما يشاءون، ولم يكن هذا المباح مما طلب الشرع منه التدخل فيه او تنظيمه، كأن الزم الناس ببناء بيوتهم حسب طراز معمارى خاص بقصد تجميل المدن، او اجبر المزارعين على تسويق محاصيلهم عن طريق مؤسسة التسويق الزراعي، او حظر على التجار استيراد مواد معينه بقصد حماية المصنوعات المحلية، ففي هذه الحالة لا تجب طاعته، ولكنها لا تحرم فقد ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يفعلون هذه الامور وامثالها من المباحات دون ان يتدخل فيها او ينظمها .

وهاتان الحالتان هما اللتان يتصور حصولهما في دولة الاسلام، اما الحالة الثالثة

3 وهي الحالة التي اغفلها معظم العلماء المعاصرين: فهي اذا كان رئيس الدولة لا يطبق احكام الاسلام، اى اذا لم يكن خليفة او اماما للمسلمين، كجميع رؤساء الدول في بلاد المسلمين الان، ففي هذه الحالة لا تجب طاعته مطلقا في اى امر من اوامره او قانون من قوانينه او تشريع من تشريعاته، تحرم طاعته اذا كان الامر منه مخالفا للحكم الشرعي، فلو امر رئيس الدولة بفرض ضريبة على المساكن والشركات، او انشأ صندوقا لجمع الزكاه وتوزيعها، او وضع جمارك على واردات الدولة، او الزم الطلاب بتعلم لغة اجنبية، او فرض على الشباب التجنيد الاجبارى، فلا تجب طاعته في شيء من ذلك مطلقا وتحرم طاعته طبعا ان هو امر الناس بمعصية كأن اباح الارتداد عن الاسلام تحت ستار حرية الاعتقاد، او اعطى ترخيصا للاحزاب الشيوعية او القومية، او شجع الحركة الماسونية بان انتسب اليها ومكنها من التغلغل في دوائر الدولة واوساط الناس، او حارب الدعوة الاسلامية المخلصة الواعية، او اخذ من العسكريين القسم على الاخلاص للدستور، والدليل على ذلك « ما روى معاذ قال : يا رسول الله ارايت ان كان علينا امراء لايستنون بسنتك ولا ياخذون بامرك فما تامر في امرهم ? فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا طاعة لمن لم يطع الله عز وجل » . رواه احمد .

وما روى عبدالله بن مسعود ان النبي صلى الله عليه وسمل قال « سيلي اموركم بعدى رجال يطفئون السنة ويعملون بالبدعة ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها . فقلت يا رسول الله : ان ادركتهم كيف افعل ? قال ( تسألني يا ابن ام عبد كيف تفعل ? لا طاعة لمن عصى الله » . رواه ابن ماجه واحمد .

ومعلوم ان جميع رؤساء الدول في العالم الاسلامي كله يعصون الله ولا يطيعونه لكونهم يحكمون باحكام الكفر ولا يطبقون احكام الاسلام، فهؤلاء الرؤساء كلهم لا طاعة لهم قطعا .

ونعيد ما سبق بعبارات اخرى للتوضيخ فنقول : ان رئيس الدولة اما ان يكون خليفة واما ان لا يكون، فان كان خليفة وجبت طاعته في كل اوامره الا في الحالتين الاوليين فحسب، فتحرم علينا طاعته في اى امر مخالف للشرع اى في اى معصية، ولا تجب طاعته في قسم المباحات الفردية لافراد الرعية التي تركها الشرع لهم يفعلونها بمحض اختيارهم، دون قسم المباحات الاخرى العامة التي يشترك فيها الناس وطلب منه الشرع ان يتدخل فيها او ينظمها كسقي الفلاحين من مياه الانهار، وتنظيم حركة السير في الشوارع، وتحديد الموازين والمكاييل، وكيفية اختيار الموظفين، وسائر اللوائح الادارية العامة في الدولة .

واما ان كان رئيس الدولة غير خليفة كأن كان ملكا، او رئيس جمهورية، او رئيس مجلس قيادة الثورة، فلا تجب طاعته في اى امر من اوامره دون استثناء، وتحرم طاعته طبعا ان هو امر بمعصية، اى بمخالفة لاى حكم شرعي .

وفي هذا العصر ومنذ عام 1923، اى منذ سقوط الخلافة الاسلامية على يد الانجليز بمعاونه حسين امير مكة ومصطفى كمال في تركيا، والمسلمون يعيشون في الحالة الثالثة، وهذه الحال هي التي ينبغي ان يوجه اليها الاهتمام .**

**الجهــــــــاد ( 2 )

في كثير من النقاشات تثار مسألة الخروج على الحكام وما يتعلق بها من أحكام

ولقد بحثنا هذه المسألة بشيء من التفصيل في موضوع سابق طرحه الأخ الارهابي حول دار الكفر ودار الاسلام وواقع الأعمال في كل منهما

لكن ما لم يتم نقاشه وأحببت أن أقدمه بين يديكم لنناقشه هو هذا السؤال الكبير

هل الجهاد هو الطريقة الشرعية لإقامة الخلافة

وهنا لا بد من ملاحظة أل التعريف

ثم مرحلة متقدمة على هذا السؤال هو تساؤل: هل الجهاد طريقة شرعية لإقامة الخلافة؟

هل من المشروع للحركات الاسلامية أن تكون حركات مسلحة تستعمل السيف وأدوات الحرب وسيلة لتسلم السلطة؟؟

لاحظوا ابتداء أننا لا نعني الجهاد الدفعي للدفاع عن بلاد المسلمين ضد احتلال يهود أو الصرب أو الروس أو الأمريكان

ليس هذا بحثنا فهو مفروغ منه أن الجهاد في هذه الحالة فرض عين على المسلمين حتى تتحقق الكفاية التي بها يقضي المسلمون على أعدائهم ويحرروا بلاد المسلمين من ربقة الخضوع لسلطان الكافر

لكن بحثنا بدقة هو استعمال القتال والجهاد والمنابذة بالسلاح للحاكم للوصول للحكم لاستبدال أنظمة الكفر بالنظام الاسلامي

وبحثنا هو أيضا هل يشرع للحركات الاسلامية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقوة كحركات لا كأفراد؟؟؟ وبالتالي أن يوجد في الأمة حركات مسلحة لتغيير المنكرات ومنها منكر الحكم بغير ما أنزل الله تعالى؟؟ وهو أشد المنكرات وأم الجرائم المرتكبة في حق هذه الأمة!!

هذا هو السؤال حتى لا يتوهمن أحد أننا نعني به جهاد الدفع

لكننا نعني به بالتحديد تغيير أنظمة الحكم

وتغيير المجتمعات إلى مجتمعات إسلامية

وتغيير الدار التي يعيش بها المسلمون إلى دار إسلام عن طريق السيف والجهاد

وهل هو بالفعل في هذه الحالة جهاد؟؟

هذه التساؤلات أطرحها على مائدة النقاش وهي آرائي الشخصية التي قد أصيب بها وقد أخطئ

ولهذا أصلا كان النقاش والحوارات والجدل والمنتديات

وقد قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59) ﴾ النساء

فقد أمرنا برد التنازع في أي أمر إلى الله والرسول

وهذا هو عمدة بحثنا

وكلنا عرضة للصواب والخطأ

ولعل وجود أكثر من رأي يعين على الوصول للصواب والله الموفق

بداية لا بد من بيان ما نعينيه بقولنا (الطريقة) وما هو الفرق بين الفكرة والطريقة!!

الطريقة هي الاحكام الشرعية التي تبين كيفية تنفيذ العقيدة وكيفية تنفيذ الاحكام الشرعية

فالله تعالى امر بالايمان بالله وحده لا شريك له، وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ونهى عن الارتداد عن الاسلام، وامر بحمل الدعوة الاسلاميه الى العالم .

فالاحكام التي تبين كيفية تنفيذ هذه الاوامر والنواهي من الطريقة مثل احكام المرتد واحكام الجهاد واحكام مشركي العرب وغير العرب . . . الخ .

والله تعالى امر بالعفة ونهى عن الزنا وامر بحفظ الملكية الفردية، ونهي عن السرقة وامر بالمحافظة على النفس ونهى عن قتلها، فالاحكام التي تبين كيفية تنفيذ هذه الاوامر والنواهي من الطريقة

مثل حد الزنا وحد السرقة وقتل القاتل الخ . . .،

والله تعالى امر باقامة خليفة ونهى عن ان يقعد المسلمون عن اقامة خليفة اكثر من ثلاثة ايام، وامر باقامة قضاة يفصلون الخصومات، وامر برعاية الشؤون للمسلمين ولمن يحملون التابعية للدولة في الداخل وفي الخارج ونهى عن المظالم ونهى عن الغش في البيع ونهى عن الاحتكار ونهى عن الظلم،

فالاحكام التي تبين كيفية تنفيذ هذه الاوامر والنواهي من الطريقة مثل احكام البيعة واحكام القضاء واحكام بيت المال واحكام المظالم واحكام الحسبة الخ . . .، والله تعالى امر باطعام الفقراء والمساكين ونهى عن ان يبيت احد جائعا، فالاحكام التي تبين كيفية اعطاء هؤلاء الفقراء المال ومنع ان يبيت احد جائعا من الطريقة،، مثل احكام النفقات واحكام الزكاه واحكام ما يستحق على بيت المال الخ . . .‎، وهكذا كل حكم يبين كيفية تنفيذ امر من اوامر الله او نهى من نواهيه هو من الطريقه .

فالطريقة احكام شرعية ولذلك لا يقال ما هو الدليل على الطلب الجازم من الشارع على وجوب التقيد بالطريقة، فان الدليل عليها هو الدليل الذى يدل على وجوب التقيد بالاحكام الشرعية لان الطريقة احكام شرعية تبين كيفية تنفيذ اوامر الله ونواهية، والدليل على وجوب التقيد بالاحكام الشرعية معروف من مثل قوله تعالى ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ﴾ وقوله تعالى ﴿ وما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ الى غير ذلك من الادلة المعروفه .

والله تعالى لم ينزل احكاما شرعية لمعالجة المشاكل وترك للانسان ان ينفذ هذه الاحكام بما يراه، فلم يقل له لا تسرق، لا تزن، لا تأكل مال غيرك، لا تشرب الخمر . . . الخ وتركه هكذا ينفذها بل قال له لا تسرق ووضع احكاما تبين كيفية تنفيذ هذا النهي وهي احكام السرقة، والنهب والسلب والغصب الخ . . .

وقال له لا تزن ووضع احكاما تبين كيفية تنفيذ هذا النهي وهي احكام الجلد والرجم واحكام التعزير .

فالله تعالى بين جميع الاحكام اللازمة للانسان في الحياة وبين جميع الاحكام اللازمة لتنفيذ هذه الاحكام، ولم يترك للانسان ان يضع اى حكم لا لمعالجة المشاكل ولا لكيفية تنفيذ هذه المعالجات بل بينها جميعها، ومن هنا كان الاسلام فكرة وطريقة فالفكرة هي العقيدة والاحكام التي تبين معالجة مشاكل الحياة من مثل الايمان بصلاحية الاسلام والايمان بالكتاب والسنة والايمان بفساد الكفر . . . الخ، ومن مثل احكام البيع واحكام الزواج واحكام الاجارة واحكام الصلاة . . الخ، واما الطريقة فهي الاحكام التي تبين كيفية تنفيذ الفكرة اى كيفية تفيذ العقيدة وكيفية تنفيذ الاحكام الشرعية من مثل احكام الجهاد واحكام الغنائم واحكام الفيء واحكام المرتد . . .‎الخ، ومن مثل احكام العقوبات كالحدود والجنايات والتعزيز . . . الخ، ومن مثل احكام الامامه والقضاء، والحسبة . . . الخ ومن مثل احكام الدعوة ومحاسبة الحكام والامر بالمعروف والنهي عن المنكر . . . الخ، وعليه فان التقيد بالطريق فرض وعدم التقيد بها اثم فان لم يتقيد بها واخذ غيرها عن اعتقاد بعدم صلاحيتها فان عمله هذا كفر والعياذ بالله اى ان لم يتقيد باحكام الاسلام بوصفها طريقة للتنفيذ عن عدم اعتقاد بصلاحيتها كقطع يد السارق مثلا فانه يكفر، واما ان لم يتقيد بها عن كسل او تساهل او مجارة، او ما شاكل ذلك فان عمله هذا معصية، ومن هنا تأتي احكام الحكام والقضاه من حيث كونها معصية او كفرا، فان الحكم والقضاء من الطريقة فالقاضي الذى يقضي بحبس السارق ولا يقضي بقطع يده ينظر فان قضى بذلك غير معتقد بصحة حكم قطع يد السارق وصلاحيته فانه يكفر ويرتد عن الاسلام، وان قضي بذلك مجاراة ونزولا عند رغبه الحكام مع اعتقادة بصحة حكم القطع وصلاحيته فانه يكون عاصيا . وفي كلتا الحالتين يأثم، وكذلك الحكام فالتقيد بالطريقة اى بالاحكام التي تبين كيفية تنفيذ الاحكام بلغ من تشديد الله بشأنه ان قال"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك"وبلغ من خطورته ان من لم يعتقده يكفر والعياذ بالله .

هناك فرق بين الطريقة والاسلوب والوسيلة، اذ الطريقة تكون حسب وجهة النظر في الحياة وتختلف باختلافها ويلتزم بها ولا تتغير الا اذا تغيرت وجهة النظر . اما الوسيلة والاسلوب فان كلا منهما يكون حسبما يتطلب العمل ولا يختلف باختلاف وجهة النظر، ولا يلتزم بها بل تتغير فالجهاد في نظر الاسلام من الطريقة ولكن الادوات التي تستعمل مثل السيف والمدفع والقنبلة الذرية وكيفية استعمال هذه الادوات من مثل الخطط الحربية والفنون العسكرية وما شاكل ذلك فانه من الوسائل والاساليب، ومن هنا لا يصح اخذ الطريقة من غير الاسلام بل لا بد ان يلتزم بالطريقة التي جاء بها الاسلام بخلاف الوسائل والاساليب فانه يجوز اخذها انى وجدت الا ما جاء نهي صريح عنه .

  • شكل الدولة من الطريقة وليس من الاسلوب، لانه حكم شرعي وطريقة نصب الامير وعزله وخروجه من الامارة احكام شرعية وغير متروكة لاجتهاد الرأي .

يتبع ان شاء الله**

**الرقابة على الحاكم في الإسلام

الطيب عبد الرازق النقر

الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا

لا أريد أن أحشد في مقالي هذا العبارات المُنمقة، ولا الشواهد المطروقة، ولكن أود التطرق إلي مسألة أخنى عليها الزمان وذهب ببهجتها وديباجتها عساها أن تعود إلي أهلها بعد طول الشتات، فقد عانت الأمة في غيابها العسف وسامها الطواغيت الخسف، فدين الله الخاتم الذي لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه، قد أزاح ذلك الركام الثقيل من الظلم والاستبداد، وكفل للرعية التي تمقت الجور والشطط أن تبسط رأيها في الحاكم دون أن تخشى المهالك والحتوف، ولعلنا لا نُنكر أو نرتاب أمر تلك الطائفة التي كانت ندية الصوت، حافلة الخاطر، دامغة الحجة، في صدر الإسلام فقد كانت تتدفق تدفق السيل الهادر إلي سهول الحاكم لتهدي إليه دواوين من العبارات الجزلة، وباقات من البيان المشرق، وآكام من الحجج المُفحِمة، نعم لقد كانت تلك الأمة في أزهى عصورها نابية عن الضعف، أبية على السكون، بما أوجب الله عليها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ يقول الله عزّ وجلّ في مُحكم تنزيله:(( ولتكن منكم أمة يدعون إلي الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون)) ال عمران:104. ويقول المولى جلّ شأنه أيضاً في كتابه المُحكم السبك، الدقيق المعاني، المنسجم التراكيب، الناصع الأسلوب، (( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)) ال عمران:110. والنبي المرسل عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليم الذي جدّد ما رثّ من حبل القيم، وجمع ما شتّ من شمل العرب، أمرنا بمراقبة الحاكم ورده إلي الصواب كلما أخطأ، وتقويمه كلما أعوج حينما قال:(( لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم ببعض)) رواه أبوداوود والترمذي، ويقول خير من سار على الثرى أيضاً:(( إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده)) رواه الترمذي والنسائي، أما حديثه صلى الله عليه وسلم الذي وعته العقول، وحوته الحفائظ والصدور، والذي يأمرنا فيه بدفع الباطل باليد، واستهجان الضلال باللسان أو حتى بالقلب، فلا أوخم مرعى، ولا أزيد في الشناءة من أن نظل موسمون بالعجز، موصمون بالفشل عن تطبيقه، على ضوء ذلك ليس من المغالاة أن نزعم أن التعاون بالهدي، والتعاضد بالنصيحة، فريضة على كل مسلم مكلف، يقوم المجتمع بقيامها، ويزول بزوالها، وفي هذا الصدد يقول الدكتور فتحي عبدالكريم صاحب كتاب “الدولة والسيادة في الفقه الإسلامي” :(( ما هلكت أمة يتواصى أبناؤها بالحق، ويتناهون عن الباطل، ولكن دالت دول كما جاء في الكتاب الكريم لأنهم (( كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون))المائدة:52. والناس جميعاً في خسر (( إلا الذين امنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)) العصر:3. اذن هذا الدين السامي الذي يشرق بنور العقل، وينبض بروح العدل، لم يدع الرعية تقاسي معرة الظلم، وتكابد مذلة الحرمان، دون أن تفصح عن دخيلة نفسها، بل حفزها أن تصاول برأيها دون غلو أو مبالغة، وليس شرطاً أن يكون هذا المجاهر برأيه من قبيلة الرجال الذين صقلهم العلم، وهذبتهم المعرفة، فقد ثبت أن الخليفة العادل عمر رضي الله عنه قد اعتلى المنبر وخاف ألا يرده الناس لهيبته فقال فيما معناه:(( أيها الناس ماذا تصنعون إذا ملت بعنقي عن الحق هكذا)) فقام إليه رجلاً من عامة الناس ملوحاً بيده وهو يقول:(( اذن نقول بالسيف هكذا)) فاطمأنت نفس من يجول في غُرته ماء الكرم، ويفوح من شمائلة عُرف المروءة، وقال:(( الحمد لله الذي جعل في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من يقوم اعوجاج عمر بالسيف)) لله درّهم من رجال ولكن دعني أسالك أيها الأغرّ الأكرم هل يمكن أن يتحفنا زماننا هذا بخليفة عادل مثل الفاروق؟ وأن يكون من بين الرعية أسد هصور يجابه من لا يصعر خده، ولا يلوي عذاره؟ هيهات..إليك رائعة أخرى تفغر فاهك من الدهشة حدث أن حبس معاوية بن سفيان رضي الله عنهما كما يخبرنا حجة الإسلام الغزالي في كتابه"احياء علوم الدين" العطاء عن الناس ذات مره فقام إليه أبومسلم الخولاني فقال له: يا معاوية ..انه ليس من كدك ولا كد أبيك ولا كد أمك، فغضب معاوية ونزل عن المنبر وقال:مكانكم، ثم غاب عنهم ساعة ثم خرج عليهم وقد اغتسل فقال: ان أبامسلم كلمني كلاماً أغضبني، واني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:((الغضب من الشيطان، والشيطان خُلِق من نار، وانما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليغتسل)). واني دخلت فاغتسلت، وصدق أبومسلم..انه ليس من كدي ولا من كد أبي ولا من كد أمي فهلموا إلي عطائكم، ليت شعري من أي طينة صالحة برأ الله هذا النفر؟ ولماذا لم يتأتى لنا أن نكون على شاكلتهم؟ حب الدنيا الجارف وكراهية الموت هي العقبة الكؤود التي تحول أن نكون مثل هؤلاء الأفذاذ، دعني أفجؤك بقصة أخرى سيدي الفاضل بطلها تابعي نلتمس في كلامه ضوالُ الحكمة، وفي تعابيره مفاصل الصواب، انه سفيان الثوري رحمه الله فقد أُدخِل على الطاغية المستبد أبوجعفر المنصور فخاطبه من يأخذ الناس بالظنة قائلاً في صغار: أرفع إلينا حاجتك، فقال التقي النقي، أتقي الله فقد ملأت الأرض ظلماً وجورا، فطأطا أبوجعفر رأسه، ثم رفعه فقال:أرفع إلينا حاجتك، فقال الثوري انما أنزلت هذه المنزلة بسيوف المهاجرين والأنصار وأبناؤهم يموتون جوعاً فاتق الله وأوصل إليهم حقوقهم، أي شجاعة هذه، وأي جسارة تلك، أحلف غير حانث من صيغ فؤاده من جلاميد الجبال في عصرنا القمئ هذا لا يجرؤ أن يخاطب طاغية من طواغيت هذا العصر بمثل هذا الاقدام، ماذا صنع المنصور هل أمر بالنطع والسيف؟ لا بل قال مثل قوله السابق: أرفع إلينا حاجتك، فقال الثوري أنزل الله على رمسه شأبيب رحمته: حج عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال لخازنه كم أنفقت؟ فقال بضعة عشر درهما، وأرى ههنا أموالاً لا تطيق الجمال حملها، ثم خرج، ولعل هذه الأمثلة والشواهد التي أوردتها من الصعوبة بمكان أن نحصي أخريات على شاكلتها، كما لا سبيل لاحصائها واستقصائها في هذه العجالة، ولكنها تبرهن بجلاء عن حق الأمة في مراقبة الحاكم ومحاسبته على كيفية ادارته لدفة الحكم، هل أسبغ على رعيته جلابيب النُعماء؟ أم اصطفى نفسه وشيعته بشمول الألاء؟ .

إن الحقيقة التي لا يرقأ إليها شك، والواقع الذي لا تسومه مبالغة، أن الرقابة في عهد الخلافة الراشدة لم تكن فيها معاظلة أو التواء، كما هو الحال الان بل كانت حق مكفول للجميع، فمن وقت لآخر نبصر مشدوهين بعض الصحابة الميامين ينتقدون في رابعة النهار السلوك الذي يند من الخليفة كما حدث بين سلمان الفارسي وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما في أمر الثياب، هذه الشواهد تجعلنا نشعر بوطأة خزي عجيب أيها السادة، فمجالسنا النيابية والوطنية التي أُنتخبت من قبل هذه الشعوب التي خلت حياتها من قلوب تحنو عليها، يتعالى صهيلها مطالبة ((بحقوقها)) المهدرة، كما نراها دائمة الوفاق مع السلطة التنفيذية التي لا يعتريها يأس، أو يخامرها قنوط، في تمرير ما توده من سياسات، فجل هذه المجالس تؤدي دون كلل أو ملال نفس الدور الذي تؤديه تلك المجموعات الجميلة التي تقف في شموخ ورفعة خلف مغني فشا ذكره على الألسنة، وقرع صيته الأسماع، تجتر ما يقوله في نشوه، وتدمي أكفها في طرب بالغ.**

**محاسبة الحكام فرض

وتركها حرام على المسلمين

لقد فرض الله سبحانه وتعالى على المسلمين محاسبة الحكام على اعمالهم وعلى تصرفاتهم، وامرهم امرا جازما بالتغيير عليهم، اذا هضموا حقوق الرعية او قصروا بواجباتهم نحوها، او اهملوا شأنا من شؤونها،او خالفوا احكام الاسلام، او حكموا بغير ما انزل الله، وهذا كله بين جلي في الايات الكريمة والاحاديث الشريفة، وفي واقع حياة المسلمين على مر العصور .

قال تعالى ï´؟ كنتم خير امه اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ï´¾وقال ï´؟ ولتكن منكم امه يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ï´¾ ، فوجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر دليل على وجوب محاسبة الحكام لان الامر به عام يشمل الامه جميعا ومنها الحكام .

فالله سبحانه قد طلب في هذه الايات وكثير غيرها الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقرن الطلب بقرينه تدل على الجزم، الا وهي الثناء على الامرين بالمعروف والناهين عن المنكر و‎بقوله ï´؟ كنتم خيرا مه اخرجت للناس ï´¾ وقوله ï´؟ واولئك هم المفلحون ï´¾.

والاحاديث الشريفة التي حث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال « ستكون امراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن انكر سلم، ولكن من رضى وتابع » ، فقد امر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الانكار على الحكام، واوجب هذا الانكار باى اسلوب من اساليب التعنيف والتبكيت، والحدة في القول والاغلاظ فيه . ولقداعتبر رسوله الله من لم ينكر على الحكام شريكا لهم في الاثم اذ قال : فمن رضى اى بما عملوه من المنكرات وتابع اى تابعهم على عملهم هذا ولم ينكر عليهم فلا يبرأ ولايسلم من الاثم، وجعل المسلمين الذين لا يحاسبون الحكام شركاء لهم في الاثم قرينة على وجوب محاسبة الحكام والتشديد عليهم وعدم التفريط بها .

اما واقع حياة المسلمين في مختلف عصورهم فمروية وثابته ومعروفة وكثيرة كثرة لا تكاد تحصى .

فقد ثبت ان المسلمين قد اعترضوا على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بوصفه رئيسا للدولة لا بوصفه رسولا .

في مواطن كثيرة :

ففي الخندق رفض سعد بن معاذ وسعد بن عبادة موافقة الرسول عليه السلام على اعطاء غطفان ثلث ثمار المدينة، وقال له سعد بن معاذ، "والله لا نعطيهم الا السيف "، فقال عليه السلام " انت وذاك " وعمل برأيهما .

وفي الحديبية اعترض عمر رضى الله عنه وكثير من المسلمين على رسول الله على موافقته على الصلح، وقال " علام نعطي الدنية في ديننا?" .

كما حاسب المسلمون الخفاء الراشدين وخلفاء بني امية وخلفاء بني العباس . فهذا عمر يمنع ابا بكر من بيع الثياب حتى يتفرغ لرعاية شؤون الناس .

‎وهذا بلال يحاسب عمر على ارض السواد حتى يقول عمر " اللهم اكفني بلالا وصحبه " .

وتأتي الوفود من الامصار لمحاسبة عثمان رضى الله عنه .

ويحاسب العبادلة الاربعة معاوية حسابا شديدا على اخذه البيعة ليزيد .

ويحاسب سفيان الثورى المنصور بقوله " اتق الله فقد ملات الارض ظلما وجورا " فيطأطىء " المنصور رأسه .

ويحاسب احمد بن حنبل المأمون على قوله بخلق القران .

فيا ايها المسلمون : هذه نماذج من محاسبة المسلمين الاوائل لحكامهم المسلمين، بمن فيهم رسول الله عليه السلام، الذى رعوا الرعية حق رعايتها، واوصلوا الدولة الاسلامية قمة المجد، فما بالكم تسكتون عن حكام يحكمونكم بالكفر، واذاقوكم الوان الذل والهوان ?

وما دريتم ان محاسبة الحكم فيها صلاح الرعية وخيرها، وفي تركها ضياع الرعية وظلمها، وتسلط الحكام عليها، واستبدادهم بها واستعبادهم لها كما هي حالكم في هذه الايام، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا قال « والذى نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر او ليوشكن الله ان يبعث عليكم عقابا من عنده ثم لتدعنه فلا يستجاب لكم » .

فالى محاسبة الحكام ندعوكم ايها المسلمون، ولا تبالوا بماقد يصيبكم في ذلك، ما دام الله قد جعل ثوابكم خيرا من ثواب الشهداء بقوله صلى الله عليه وسلم « سيد الشهداء حمزة ورجل قام الى امام جائر فنصحة فقتله » .**

ا(4)

الحالتان اللتان يجب على المسلمين فيهما الخروج على الحاكم بالسلاح:

روى مسلم في كتاب الإمارة واللفظ له وأحمد والدارمي: « سَمِعْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيَّ يَقُولُا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ قَالُوا قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ لَا مَا أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلَاةَ لَا مَا أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلَاةَ أَلَا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ » وفي رواية الإمام أحمد لفظ: قَالَ « لَا مَا صَلَّوْا لَكُمْ الْخَمْسَ »،، ولفظ: « ما أقاموا لكم الصلاة ». في باقي مسند الأنصار.

وإقامة الصلاة كناية عن إقامة الدين والحكم به.

وقد بينا أنه أمر بعدم طاعة من لم يطع الله عز وجل فيكون أمره هنا محصورا بطاعة من حكم بالاسلام ولكنه قصر أو عصى في بعض الجوانب ما لم يظهر الكفر البواح.

وروى مسلم في كتاب الإمارة « ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏"سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ ‏ ‏عَرَفَ ‏ ‏بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ قَالُوا أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ قَالَ لَا مَا صَلَّوْا »

وشرحه النووي رحمه الله: ‏وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « فَمَنْ عَرَفَ فَقَدْ بَرِئَ » وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا : « فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ »فَأَمَّا رِوَايَة مَنْ رَوَى « فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ »فَظَاهِرَة ،وَمَعْنَاهُ : مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ الْمُنْكَر فَقَدْ بَرِئَ مِنْ إِثْمه وَعُقُوبَته ، وَهَذَا فِي حَقّ مَنْ لَا يَسْتَطِيع إِنْكَاره بِيَدِهِ لَا لِسَانه فَلْيَكْرَهْهُ بِقَلْبِهِ ، وَلْيَبْرَأْ . ‏‏وَأَمَّا مَنْ رَوَى « فَمَنْ عَرَفَ فَقَدْ بَرِئَ »فَمَعْنَاهُ - وَاَللَّه أَعْلَم - فَمَنْ عَرَفَ الْمُنْكَر وَلَمْ يَشْتَبِه عَلَيْهِ ; فَقَدْ صَارَتْ لَهُ طَرِيق إِلَى الْبَرَاءَة مِنْ إِثْمه وَعُقُوبَته بِأَنْ يُغَيِّرهُ بِيَدَيْهِ أَوْ بِلِسَانِهِ ، فَإِنْ عَجَزَ فَلْيَكْرَهْهُ بِقَلْبِهِ ‏‏وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ »مَعْنَاهُ : لَكِنَّ الْإِثْم وَالْعُقُوبَة عَلَى مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ . ‏‏وَفِيهِ : دَلِيل عَلَى أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ إِزَالَة الْمُنْكَر لَا يَأْثَم بِمُجَرَّدِ السُّكُوت . بَلْ إِنَّمَا يَأْثَم بِالرِّضَى بِهِ ، أَوْ بِأَلَّا يَكْرَههُ بِقَلْبِهِ أَوْ بِالْمُتَابَعَةِ عَلَيْهِ . ‏

‏وَأَمَّا قَوْله : « أَفَلَا نُقَاتِلهُمْ ؟ قَالَ : لَا ، مَا صَلَّوْا »فَفِيهِ مَعْنَى مَا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَجُوز الْخُرُوج عَلَى الْخُلَفَاء بِمُجَرَّدِ الظُّلْم أَوْ الْفِسْق مَا لَمْ يُغَيِّرُوا شَيْئًا مِنْ قَوَاعِد الْإِسْلَام. إ.هـ.

وروى مسلم في كتاب الإمارة: « عَنْ عَرْفَجَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ » .

رفع السلاح في وجه الحاكم،‎والاطاحة به بالقوة،‎فهذه طريقة مطلوبة فقط من المسلمين المكلفين الذين يكونون موجودين في دار الاسلام حين يقوم شخص لاغتصاب الحكم او حين يظهر الحاكم الكفر الصراح، لان نص الحديث « الا ان تروا كفرا بواحا » وهذا يعني انهم لم يكونوا يرون الكفر البواح من قبل، وفي الحديث « ‎ما اقاموا فيكم الصلاة »والصلاة هنا كناية عن تطبيق احكام الاسلام،‎ وهذا يعني انهم موجودون في دار اسلام، ومفهوم الحديث يدل على انه لا يجوز الخروج عليهم وحمل السلاح في وجوههم ما داموا مطبقين احكام الاسلام عليكم .

فغاصب السلطة في دار الاسلام من صاحبها ومظهر الكفر البواح من الحكام في دار الاسلام هما النوعان من الحكام الذين يجب على المسلمين في دار الاسلام ان يحملوا السلاح في وجهيهما، وهذا ما كان يجب ان يقوم به المسلمون تجاه المجرم مصطفي كمال عندما اغتصب الحكم من الخليفة، واظهر الكفر البواح في تركيا، لان الاحاديث صريحة في ذلك قال عليه الســـلام « وان جاء اخر ينازعه فاضربوا عنق الاخر » وقال « على اليد ما اخذت حتى تؤديه ».

قال عبد الله بن عمر فقاموا يتشاورون فدعاني عثمان مرة أو مرتين ليدخلني في الأمر ولا والله ما أحب أني كنت فيه عالما أنه سيكون في أمرهم ما قال أبي والله لقل ما رأيته يحرك شفتيه قط إلا كان حقا فلما أكثر عثمان علي قلت له ألا تعقلون أتؤمرون وأمير المؤمنين حي فوالله لكأنما أيقظت عمر من مرقد فقال عمر أمهلوا فإن حدث بي حدث فليصل لكم صهيب ثلاث ليال ثم اجمعوا أمركم فمن تأمر منكم على غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه.**

**نصائح

وبناء علية :

ـ إيجاد الجماعة على إمام هو الفرض الذي تقام به الفروض. وهذا الفرض غير قائم والقاعد عن إقامته مقصر آثم حتى يقام.

ـ هذا الفرض لا يقام إلا بعمل جماعي، ومن باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فإن المكلف يجب عليه العمل من خلال كتلة ولا يجزئ العمل الفردي ولا يبرئ الذمة.

ـ أي حركة أو تكتل أو حزب يعمل لإقامة هذا الفرض يجب أن يقوم على اجتهاد تام وإلا فإنه يكون هلاكاً بدليل الإجماع على قول عمر الذي يرويه الدارمي بإسناد حسن: “فمن سوده قومه على الفقه كان حياة له ولهم ومن سوده قومه على غير فقه كان هلاكاً له ولهم”.

ـ كل حركة في بلاد المسلمين لا تقوم على اجتهاد تام، ولا يقودها مجتهد فهي هالكة ويجب على أفرادها أن يحلوها وينقادوا لمجتهد.

ـ من المعلوم من الدين بالضرورة أن الكفار والمنافقين نفاق عقيدة هم أعداء لله ولرسوله وللمؤمنين. ولا نعلم خلافاً في أن موالاتهم لا تجوز.

ـ الركون إلى الظالمين حرام سواء كان ظلمهم شركاً أو سفهاً أو جوراً. فالشرك ظلم عظيم. والسفه عدم اهتداء بهديه وعدم استنان بسنته أي عدم إقتداء بطريقته وسمى إعانتهم ظلماً ونهى عن الدخول عليهم وأمر باعتزالهم. والجور هو ضد العدل وهو الظلم. فلا يحل الركون إلى هذه الأصناف من الظلمة.

ـ كل حركة تركن إلى الظالمين وتمد يدها إليهم وتقبل العون منهم بأي شكل كان فهي حركة غير مبدئية والانتماء إليها حرام ويجب التفرق عنها وهدمها.

ـ كل حركة لا تكون غايتها إيجاد الجماعة على إمام فالانتماء إليها لا يجزئ ولا يبرئ الذمة.

ـ من حقائق التاريخ أن الاستعمار لا ينعتق منه أي بلد إلا بقوى أهل البلد الذاتية أو بقوة خارجية مستعمرة تحل محل الأولى. من الأول استقلال الولايات المتحدة ومن الثاني ثورة الضباط الأحرار في مصر.

ـ إيجاد الجماعة على إمام مقدم على جهاد الطلب بدليل إجماع الصحابة.

ـ إذا دهم العدو بلداً وجب الدفع على كل قادر دون إذن من أحد وعليه فقتال الدفع مقدم على إيجاد الجماعة على إمام إذا تزاحم الفرضان. وإن أمكن القيام بهما معاً وجب. كما فعل المسلمون عندما أمروا خالداً بعد مقتل الأمراء الثلاثة، وأقرهم .

ـ لا يحل لأي فرد ولا لأي حركة أن تساهم في تفريق الأمة بدعم الكيانات الجديدة وإنشائها كفلسطين ودارفور وتيمور وكردستان، ذلك لأن التفريق حرام ثم إنه وسيلة إلى الحرام الذي هو إضعاف الأمة، والوسيلة إلى الحرام حرام.

ـ جمع الحركات الإسلامية على غير الإمام وهم وعبث، وأماني خالية من الفقه والجدية في العمل. والممكن هو التناصح، والمناظرة المبنية على النصيحة لا على التغالب.

ـ فكرة الحل الوسط فكرة رأسمالية. أما عندنا فليس هناك إلا الحق أو الباطل.

ـ عند الاختلاف يجب الرد إلى الكتاب والسنة لا إلى العقول والأهواء.

ـ تجنبوا غير المجتهد الذي يفتي بغير علم، فقد حذرنا منهم رسولنا ووصفهم بالرؤوس الجهال الذين يفتون بغير علم فيضلون ويضلون.

ـ أحبوا في الله وابغضوا في الله.

ـ لا تقلدوا اليهود والنصارى مطلقاً.

ـ تعلموا العربية وعلموها فلن تفهموا دينكم إلا بها.

ـ عليكم بالفقه الذي ينبني عليه عمل، ولا تضيعوا أوقاتكم في الترف الفكري وما لا ينبني عليه عمل.

ـ احذروا الذين على أبواب السلاطين، احذروهم على دينكم.

ـ احذروا وسائل الإعلام وتسلحوا بالفهم الصافي للإسلام وخذوه عن المجتهدين المخلصين الحراس الأمناء على الإسلام.

ـ عليكم بالكتاب والسنة وعلومهما.

ـ ادرسوا السير والتاريخ دراسة واعية واحذروا الوضاعين والكذابين والمجاهيل والمبتدعين والمدلسين والمصحفين.

ـ إذا وجدتم فكرة غريبة في كتاب فابحثوا عنها في مظانها. فمثلاً مكتوب في كتاب الإيمان لابن تيمية: “وقال الشافعي في كتاب الأم في باب النية في الصلاة يحتج بأن لا تجزيء صلاة إلا بنية بحديث عمر بن الخطاب عن النبي : إنما الأعمال بالنيات. ثم قال: وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ومن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية. لا يجزيء واحد من الثلاث إلا بالآخر”. هذا القول المنقول عن الشافعي موجود في كتاب اللالكائي شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، أي قبل ابن تيمية بحوالي ثلاثمائة سنة وقال ابن كثير المتوفى بعد ابن تيمية بحوالي خمسين عاماً في تفسير قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ قال: “فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقاداً وقولاً وعملاً هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيدة وغير واحد إجماعاً”.

ومن يرجع إلى باب النية في الصلاة عند الشافعي في كتاب الأم لا يجد هذا النص. ومن يرجع إلى قول أبي حنيفة وهو من التابعين الذين نقل عنهم الشافعي أنهم داخلون في هذا الإجماع يجد أنه يقول “والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان” هذا ما قاله الطحاوي، بل ذكر أنه رأي كل من أبي يوسف ومحمد.

ولو صح هذا الإجماع من الصحابة والتابعين لما تجرأ ذو دين على خلافه. فكيف حصل الخلاف؟ والذي يبدو أن هذا الإجماع غير ثابت، بل لا أصل له. لأن حكاية الشافعي له إما أن تكون وجدت فعلاً في الأم ثم محيت من جميع النسخ الموجودة في الدنيا، وإما أن تكون هذه الحكاية غير موجودة أصلاً في الأم ثم زادها البعض في كتاب اللالكائي وابن تيمية رحمهما الله، ولا يمكن أن يخطر بالبال أن يكون هذان العالمان قد زاداها وادعياها زوراً على الشافعي. وعلى مدعي هذا الإجماع أن يثبت أنّ الصحابة أثيرت عندهم وبينهم مسألة ماهية الإيمان فأجمعوا على أنه قول وعمل ونية.

ونحن هنا لا نريد أن نناقش المسألة، وهل العمل يدخل في مسمى الإيمان حقيقة أم مجازاً، أو بدلالة التضمن أم الالتزام، وما هي أدلة المختلفين، لأن الغرض هنا النصيحة، فالمختلفون حول مسمى الإيمان ينبغي أن يكون غرضهم من بحث المسألة البحث عن الحق والتناصح. أنظر ما قال ابن تيمية رحمه الله في كتابه الإيمان: “وهذه الشبهة التي أوقعتهم مع علم كثير منهم وعبادته وحسن إسلامه وإيمانه، ولهذا دخل في إرجاء الفقهاء جماعة هم عند الأمة أهل علم ودين. ولهذا لم يكفر أحد من السلف أحداً من مرجئة الفقهاء، بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال لا من بدع العقائد، فإن كثيراً من النزاع فيها لفظي، ولكن اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب”.

هكذا ينبغي أن يكون الاختلاف، وأدب الخطاب، وأن لا يغيب عن بال المسلم وحامل الدعوة خاصة أن رأيه صواب يحتمل الخطأ وأن رأي غيره خطأ يحتمل الصواب في غير القطعيات والمعلوم من الدين بالضرورة.

كما ينبغي أن لا يغيب عن البال قوله تعالى: وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا ولا رسالة عمر بن الخطاب لأبي موسى رضي الله عنهما والتي يقول في أولها: “أعوذ بالله أن يدركني وإياكم ضغائن محمولة وأهواء متبعة” فالضغينة غل والهوى المتبع سبب البلايا والشرور.

منقوووووووووووووووووووووووووووووووووول

**

**تفسير الطبري:

أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ

قَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس نَزَلَتْ فِي مُحَمَّد وَأَصْحَابه حِين أُخْرِجُوا مِنْ مَكَّة وَقَالَ مُجَاهِد وَالضَّحَّاك وَغَيْر وَاحِد مِنْ السَّلَف كَابْنِ عَبَّاس وَعُرْوَة بْن الزُّبَيْر وَزَيْد بْن أَسْلَم وَمُقَاتِل بْن حَيَّان وَقَتَادَة وَغَيْرهمْ هَذِهِ أَوَّل آيَة نَزَلَتْ فِي الْجِهَاد وَاسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَة بَعْضهمْ عَلَى أَنَّ السُّورَة مَدَنِيَّة وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن دَاوُد الْوَاسِطِيّ حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن يُوسُف عَنْ سُفْيَان عَنْ الْأَعْمَش عَنْ مُسْلِم هُوَ الْبَطِين عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : لَمَّا أُخْرِجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّة قَالَ أَبُو بَكْر : أَخْرَجُوا نَبِيّهمْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ لَيَهْلِكُنَّ قَالَ اِبْن عَبَّاس فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّه عَلَى نَصْرهمْ لَقَدِير " قَالَ أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ فَعَرَفْت أَنَّهُ سَيَكُونُ قِتَال . وَرَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد عَنْ إِسْحَاق بْن يُوسُف الْأَزْرَق بِهِ وَزَادَ قَالَ اِبْن عَبَّاس وَهِيَ أَوَّل آيَة نَزَلَتْ فِي الْقِتَال رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير مِنْ سُنَنَيْهِمَا وَابْن أَبِي حَاتِم مِنْ حَدِيث إِسْحَاق بْن يُوسُف زَادَ التِّرْمِذِيّ وَوَكِيع كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ بِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حَسَن وَقَدْ رَوَاهُ غَيْر وَاحِد عَنْ الثَّوْرِيّ وَلَيْسَ فِيهِ اِبْن عَبَّاس وَقَوْله" وَإِنَّ اللَّه عَلَى نَصْرهمْ لَقَدِير " أَيْ هُوَ قَادِر عَلَى نَصْر عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ مِنْ غَيْر قِتَال وَلَكِنْ هُوَ يُرِيد مِنْ عِبَاده أَنْ يَبْذُلُوا جَهْدهمْ فِي طَاعَته كَمَا قَالَ " فَإِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْب الرِّقَاب حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاق فَإِمَّا مَنًّا بَعْد وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَع الْحَرْب أَوْزَارهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّه لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضكُمْ بِبَعْضٍ وَاَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيل اللَّه فَلَنْ يُضِلّ أَعْمَالهمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِح بَالهمْ وَيُدْخِلهُمْ الْجَنَّة عَرَّفَهَا لَهُمْ " وَقَالَ تَعَالَى " قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبهُمْ اللَّه بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُركُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُور قَوْم مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِب غَيْظ قُلُوبهمْ وَيَتُوب اللَّه عَلَى مَنْ يَشَاء وَاَللَّه عَلِيم حَكِيم " وَقَالَ " أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَم اللَّه الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُون اللَّه وَلَا رَسُوله وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَة وَاَللَّه خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ " وَقَالَ " أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّة وَلَمَّا يَعْلَم اللَّه الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَم الصَّابِرِينَ " وَقَالَ " ولَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَم الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُو أَخْبَاركُمْ" وَالْآيَات فِي هَذَا كَثِيرَة وَلِهَذَا قَالَ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " وَإِنَّ اللَّه عَلَى نَصْرهمْ لَقَدِير " وَقَدْ فَعَلَ وَإِنَّمَا شَرَعَ تَعَالَى الْجِهَاد فِي الْوَقْت الْأَلْيَق بِهِ لِأَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا بِمَكَّة كَانَ الْمُشْرِكُونَ أَكْثَر عَدَدًا فَلَوْ أُمِرَ الْمُسْلِمُونَ وَهُمْ أَقَلّ مِنْ الْعَشْر بِقِتَالِ الْبَاقِينَ لَشَقَّ عَلَيْهِمْ وَلِهَذَا لَمَّا بَايَعَ أَهْل يَثْرِب لَيْلَة الْعَقَبَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانُوا نَيِّفًا وَثَمَانِينَ قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه أَلَا نَمِيل عَلَى أَهْل الْوَادِي يَعْنُونَ أَهْل لَيَالِي مِنًى فَنَقْتُلهُمْ ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنِّي لَمْ أُؤْمَر بِهَذَا " فَلَمَّا بَغَى الْمُشْرِكُونَ وَأَخْرَجُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن أَظْهُرهمْ وَهَمُّوا بِقَتْلِهِ وَشَرَّدُوا أَصْحَابه شَذَر مَذَر فَذَهَبَ مِنْهُمْ طَائِفَة إِلَى الْحَبَشَة وَآخَرُونَ إِلَى الْمَدِينَة فَلَمَّا اِسْتَقَرُّوا بِالْمَدِينَةِ وَافَاهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَقَامُوا بِنَصْرِهِ وَصَارَتْ لَهُمْ دَار إِسْلَام وَمَعْقِلًا يَلْجَئُونَ إِلَيْهِ شَرَعَ اللَّه جِهَاد الْأَعْدَاء فَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَة أَوَّل مَا نَزَلَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ تَعَالَى " أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّه عَلَى نَصْرهمْ لَقَدِير " .

تفسير ابن كثير

quran.al-islam.com

وفي تفسير القرطبي:

فِيهِ مَسْأَلَتَانِ :

الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ " قِيلَ : هَذَا بَيَان قَوْله " إِنَّ اللَّه يُدَافِع عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا " أَيْ يَدْفَع عَنْهُمْ غَوَائِل الْكُفَّار بِأَنْ يُبِيح لَهُمْ الْقِتَال وَيَنْصُرهُمْ ; وَفِيهِ إِضْمَار , أَيْ أُذِنَ لِلَّذِينَ يَصْلُحُونَ لِلْقِتَالِ فِي الْقِتَال ; فَحُذِفَ لِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَى الْمَحْذُوف . وَقَالَ الضَّحَّاك : اِسْتَأْذَنَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِتَال الْكُفَّار إِذْ آذَوْهُمْ بِمَكَّةَ ; فَأَنْزَلَ اللَّه " إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ كُلّ خَوَّان كَفُور " فَلَمَّا هَاجَرَ نَزَلَتْ " أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا " . وَهَذَا نَاسِخ لِكُلِّ مَا فِي الْقُرْآن مِنْ إِعْرَاض وَتَرْك صَفْح . وَهِيَ أَوَّل آيَة نَزَلَتْ فِي الْقِتَال . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَابْن جُبَيْر : نَزَلَتْ عِنْد هِجْرَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَة . وَرَوَى النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : ( لَمَّا أُخْرِجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّة قَالَ أَبُو بَكْر : أَخْرَجُوا نَبِيّهمْ لَيَهْلِكُنَّ ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّه عَلَى نَصْرهمْ لَقَدِير " فَقَالَ أَبُو بَكْر : لَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ سَيَكُونُ قِتَال ) . فَقَالَ : هَذَا حَدِيث حَسَن . وَقَدْ رَوَى غَيْر وَاحِد عَنْ سُفْيَان عَنْ الْأَعْمَش عَنْ مُسْلِم الْبَطِين عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر مُرْسَلًا , لَيْسَ فِيهِ : عَنْ اِبْن عَبَّاس .

الثَّانِيَة : فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ الْإِبَاحَة مِنْ الشَّرْع , خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ ; لِأَنَّ قَوْله : " أُذِنَ " مَعْنَاهُ أُبِيحَ ; وَهُوَ لَفْظ مَوْضُوع فِي اللُّغَة لِإِبَاحَةِ كُلّ مَمْنُوع . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي " الْبَقَرَة " وَغَيْر مَوْضِع . وَقُرِئَ " أَذِنَ " بِفَتْحِ الْهَمْزَة ; أَيْ أَذِنَ اللَّه . " يُقَاتِلُونَ " بِكَسْرِ التَّاء أَيْ يُقَاتِلُونَ عَدُوّهُمْ . وَقُرِئَ " يُقَاتَلُونَ " بِفَتْحِ التَّاء ; أَيْ يُقَاتِلهُمْ الْمُشْرِكُونَ وَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ . وَلِهَذَا قَالَ : " بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا " أَيْ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارهمْ .

quran.al-islam.com &nAya=39**

(6)

سؤال وجواب

السؤال : بارك الله بكم لإهتمامك بمشاركتي

ولكني لا أخفيكم أنني لم أشعر بالكفاية في رديكما الكريمين

قد يكون الإشكال عندي وهذا الذي اريد أن تلمساني إياه

وأما بالنسبة للآية الكريمة

أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ

فهي على ما أظن لايوجد فيها أمر بالقتال إنما يفهم منها إباحة القتال

والله أعلم

الجواب : ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41) الحج

لو رجعت لتفاسير علماء السلف لهذه الآية سيتضح لك صدق استشهادي بتلك الآية ، فكل مشاهير علماء التفسير من السلف ومن الخلف أجمعوا بأن هذه الآية الشريفة هي التي أعطت المسلمين الضوء الأخضر في بدأ القتال بعد أن كان ممنوعاً عليهم في العهد المكي. كما أجمع على ذلك مشاهير كتب السيرة الشريفة.

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَذِنَ اللَّه لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ الْمُشْرِكِينَ فِي سَبِيله بِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ ظَلَمُوهُمْ بِقِتَالِهِمْ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة : { أُذِنَ } بِضَمِّ الْأَلِف , { يُقَاتَلُونَ } بِفَتْحِ التَّاء بِتَرْكِ تَسْمِيَة الْفَاعِل فِي " أُذِنَ " وَ " يُقَاتَلُونَ " جَمِيعًا . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْض الْكُوفِيِّينَ وَعَامَّة قُرَّاء الْبَصْرَة : { أُذِنَ } بِتَرْكِ تَسْمِيَة الْفَاعِل , وَ " يُقَاتِلُونَ " بِكَسْرِ التَّاء , بِمَعْنَى يُقَاتِل الْمَأْذُون لَهُمْ فِي الْقِتَال الْمُشْرِكِينَ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ وَبَعْض الْمَكِّيِّينَ : " أَذِنَ " بِفَتْحِ الْأَلِف , بِمَعْنَى : أَذِنَ اللَّه , وَ " يُقَاتِلُونَ " بِكَسْرِ التَّاء , بِمَعْنَى : إِنَّ الَّذِينَ أَذِنَ اللَّه لَهُمْ بِالْقِتَالِ يُقَاتِلُونَ الْمُشْرِكِينَ , وَهَذِهِ الْقِرَاءَات الثَّلَاث مُتَقَارِبَات الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الَّذِينَ قَرَءُوا أُذِنَ عَلَى وَجْه مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله يُرْجِع مَعْنَاهُ فِي التَّأْوِيل إِلَى مَعْنَى قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ عَلَى وَجْه مَا سُمِّيَ فَاعِله . وَإِنَّ مَنْ قَرَأَ " يُقَاتَلُونَ وَيُقَاتِلُونَ " بِالْكَسْرِ أَوْ الْفَتْح , فَقَرِيب مَعْنَى أَحَدهمَا مِنْ مَعْنَى الْآخَر وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ قَاتَلَ إِنْسَانًا فَالَّذِي قَاتَلَهُ لَهُ مُقَاتِل , وَكُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مُقَاتِل , فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَبِأَيَّةِ هَذِهِ الْقِرَاءَات قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب الصَّوَاب . غَيْر أَنَّ أَحَبّ ذَلِكَ إِلَيَّ أَنْ أَقْرَأ بِهِ : " أَذِنَ " بِفَتْحِ الْأَلِف , بِمَعْنَى : أَذِنَ اللَّه , لِقُرْبِ ذَلِكَ مِنْ قَوْله : { إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ كُلّ خَوَّان كَفُور } أَذِنَ اللَّه فِي الَّذِينَ لَا يُحِبّهُمْ لِلَّذِينَ يُقَاتِلُونَهُمْ بِقِتَالِهِمْ , فَيُرَدّ " أَذِنَ " عَلَى قَوْله : { إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ } , وَكَذَلِكَ أَحَبّ الْقِرَاءَات إِلَيَّ فِي " يُقَاتِلُونَ " كَسْر التَّاء , بِمَعْنَى : الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ مَنْ قَدْ أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ أَنَّهُ لَا يُحِبّهُمْ , فَيَكُون الْكَلَام مُتَّصِلًا مَعْنًى بَعْضه بِبَعْضٍ . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الَّذِينَ عُنُوا بِالْإِذْنِ لَهُمْ بِهَذِهِ الْآيَة فِي الْقِتَال , فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِهِ : نَبِيّ اللَّه وَأَصْحَابه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19096 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَأَنَّ اللَّه عَلَى نَصْرهمْ لَقَدِير } يَعْنِي مُحَمَّدًا وَأَصْحَابه إِذَا أُخْرِجُوا مِنْ مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة ; يَقُول اللَّه : { فَإِنَّ اللَّه عَلَى نَصْرهمْ لَقَدِير } وَقَدْ فَعَلَ . 19097 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنِ الْأَعْمَش , عَنْ مُسْلِم البطين , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : لَمَّا خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّة , قَالَ رَجُل : أَخْرَجُوا نَبِيّهمْ ! فَنَزَلَتْ : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا } … الْآيَة , { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارهمْ بِغَيْرِ حَقّ } النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه . 19098 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن دَاوُد الْوَاسِطِيّ , قَالَ : ثنا إِسْحَاق بْن يُوسُف , عَنْ سُفْيَان , عَنِ الْأَعْمَش , عَنْ مُسْلِم , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّة قَالَ أَبُو بَكْر : أَخْرَجُوا نَبِيّهمْ , إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ , لَيُهْلَكُنَّ ! قَالَ ابْن عَبَّاس : فَأَنْزَلَ اللَّه : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّه عَلَى نَصْرهمْ لَقَدِير } قَالَ أَبُو بَكْر : فَعَرَفْت أَنَّهُ سَيَكُونُ قِتَال , وَهِيَ أَوَّل آيَة نَزَلَتْ . قَالَ ابْن دَاوُد : قَالَ ابْن إِسْحَاق : كَانُوا يَقْرَءُونَ : { أُذِنَ } وَنَحْنُ نَقْرَأ : " أَذِنَ " . 19099 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , عَنْ سُفْيَان , عَنِ الْأَعْمَش , عَنْ مُسْلِم , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوه , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : فَقَالَ أَبُو بَكْر : قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ يَكُون قِتَال . وَإِلَى هَذَا الْمَوْضِع انْتَهَى حَدِيثه , وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن خَلَف الْعَسْقَلَانِيّ , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن يُوسُف , قَالَ : ثنا قَيْس بْن الرَّبِيع , عَنِ الْأَعْمَش , عَنْ مُسْلِم , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّة , قَالَ أَبُو بَكْر : إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ , أُخْرِجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاللَّه لَيُهْلَكُنَّ جَمِيعًا ! فَلَمَّا نَزَلَتْ : { أَذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا } … إِلَى قَوْله : { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارهمْ بِغَيْرِ حَقّ } عَرَفَ أَبُو بَكْر أَنَّهُ سَيَكُونُ قِتَال . 19100 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا } قَالَ : أُذِنَ لَهُمْ فِي قِتَالهمْ بَعْدَمَا عَفَا عَنْهُمْ عَشْر سِنِينَ . وَقَرَأَ : { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارهمْ بِغَيْرِ حَقّ } وَقَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ . 19101 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول , فِي قَوْله : { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارهمْ بِغَيْرِ حَقّ } . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَة قَوْم بِأَعْيَانِهِمْ كَانُوا خَرَجُوا مِنْ دَار الْحَرْب يُرِيدُونَ الْهِجْرَة , فَمُنِعُوا مِنْ ذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19102 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا } قَالَ : أُنَاس مُؤْمِنُونَ خَرَجُوا مُهَاجِرِينَ مِنْ مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة , فَكَانُوا يُمْنَعُونَ , فَأَذِنَ اللَّه لِلْمُؤْمِنِينَ بِقِتَالِ الْكُفَّار , فَقَاتَلُوهُمْ . 19103 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا } قَالَ : نَاس مِنَ الْمُؤْمِنِينَ خَرَجُوا مُهَاجِرِينَ مِنْ مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة , وَكَانُوا يُمْنَعُونَ , فَأَدْرَكَهُمْ الْكُفَّار , فَأُذِنَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِقِتَالِ الْكُفَّار فَقَاتَلُوهُمْ . قَالَ ابْن جُرَيْج : يَقُول : أَوَّل قِتَال أَذِنَ اللَّه بِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ . 19104 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : فِي حَرْف ابْن مَسْعُود : " أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ فِي سَبِيل اللَّه " قَالَ قَتَادَة : وَهِيَ أَوَّل آيَة نَزَلَتْ فِي الْقِتَال , فَأَذِنَ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا . 19105 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا } قَالَ : هِيَ أَوَّل آيَة أُنْزِلَتْ فِي الْقِتَال , فَأَذِنَ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا . وَقَدْ كَانَ بَعْضهمْ يَزْعُم أَنَّ اللَّه إِنَّمَا قَالَ : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِالْقِتَالِ مِنْ أَجْل أَنَّ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَانُوا اسْتَأْذَنُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَتْل الْكُفَّار إِذَا آذَوْهُمْ وَاشْتَدُّوا عَلَيْهِمْ بِمَكَّة قَبْل الْهِجْرَة غِيلَة سِرًّا ; فَأَنْزَلَ اللَّه فِي ذَلِكَ : { إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ كُلّ خَوَّان كَفُور } فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه إِلَى الْمَدِينَة , أَطْلَقَ لَهُمْ قَتْلهمْ وَقِتَالهمْ , فَقَالَ : { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا } . وَهَذَا قَوْل ذُكِرَ عَنِ الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم مِنْ وَجْه غَيْر ثَبْت .

وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ

وَقَوْله : { وَإِنَّ اللَّه عَلَى نَصْرهمْ لَقَدِير } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِنَّ اللَّه عَلَى نَصْر الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيل اللَّه لَقَادِر , وَقَدْ نَصَرَهُمْ فَأَعَزَّهُمْ وَرَفَعَهُمْ وَأَهْلَكَ عَدُوّهُمْ وَأَذَلَّهُمْ بِأَيْدِيهِمْ.

يتبع**

(5)

سؤال وجواب

السؤال : في حديث عبادة بن الصامت « وان لا ننازع الامر اهله الا ان تروا كفرا بواحا » وفي حديث عوف بن مالك « قيل يا رسول الله افلا ننابذهم بالسيف فقال : لا، ما اقاموا فيكم الصلاة » ‎ومفهوم هذين الحديثين هو ان ينازع المسلمون الحكام اذا رأوا الكفر البواح وان ينابذوهم بالسيف اذا لم يقيموا الصلاة اي اذا لم يقيموا احكام الاسلام . فهل هذا يعني ان السيف هو طريقة ازالة الكفر البواح من بلاد الاسلام وطريقة جعل الحكام يتركون احكام الكفر ويحكمون باحكام الاسلام، اي هل العلاج الان لما هو موجود في بلاد الاسلام من كفر بواح ولما يقوم به الحكام من الحكم باحكام الكفر هو السيف والقوة المادية ?

الجــــواب :- الدار داران، دار كفر ودار اسلام .‎اما دار الكفر فانه لا كلام في ان السيف والقوة المادية لا تستعمل من الداخل لازالة الكفر وايجاد الاسلام، وذلك لان الرسول صلى الله عليه وسلم بدأ دعوته في مكة وهي داركفر ولم يستعمل السيف ولا القوة المادية لازالة الكفر وايجاد الاسلام، ولان المسلمين في مكة بعد اقامة الدولة الاسلامية في المدينة ونزول ايات السيف كانوا يعيشون في مكة وهي دار كفر وكانوا يخضعون لاحكام الكفر ولم يطلب منهم الرسول صلى الله عليه وسلم ان يستعملوا السيف لازالة الكفر وايجاد الاسلام بل اقرهم على السكنى في دار الكفر والخضوع لدار الكفر، ولذلك لا يكون السيف طريقة لازالة الكفر في دار الكفر .

واما دار الاسلام فانه لا كلام في ان السيف والقوة المادية طريقة لازالة الكفر البواح واعادة حكم الاسلام لان مفهوم الحديثين يدل دلالة واضحة على ان المسلمين اذا رأوا الكفر البواح عليهم ان ينازعوا الحكام بكل ما يملكون واذا لم يقم الحكام احكام الاسلام بان اقاموا احكام الكفر فالمسلمون ينابذوهم بالسيف ويغيروا عليهم بالقوة المادية .

هذا هو حكم الشرع كما يدل عليه فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وسكوته وقوله .

واما ما هو موجود في بلاد الاسلام اليوم من كفر بواح وما يقوم به الحكام من عدم اقامة حكم الاسلام فانه ينطبق عليه حكم دار الكفر لا حكم دار الاسلام، لان البلاد الاسلامية اليوم دار كفر، ولان نص الحديث يقول « الا ان تروا »وهذا يعني انهم لم يكونوا يرونه من قبل وصاروا يرونه،‎ويقول « ما اقاموا فيكم الصلاة »‎ومفهومه اذا لم يقيموا الصلاة اي بان كانوا يقيمون الصلاة اي يقيمون احكام الاسلام وصاروا لا يقيمونها،‎فلفظ الحديثين يدل على ان ظهور الكفر البواح وعدم اقامة حكم الاسلام قد حصل بعد ان لم يكن اي قد وجد في وسط الاسلام اي في وسط دار الاسلام فيكون لفظ الحديثين فيه دلالة على ان المقصود بهما هو دار الاسلام لا دار الكفر،‎لان دار الكفر لم يظهر فيها الكفر البواح لانها هي كلها كفر ولم يترك فيها حكم الاسلام لانه لم يكن موجودا حتى يترك،‎فالمقصود هو دار الاسلام لا دار الكفر، واقرب مثال على حصول ذلك الفعل هو ما حصل من مصطفى كمال في تركيا فانها كانت دار اسلام فجاء مصطفى كمال وازال احكام الاسلام واوجد احكام الكفر وبذلك رأى الناس الكفر البواح ورأوا الحكام لا يقيمون احكام الاسلام وحينئذ كان عليهم ان يستعملوا السيف والقوة المادية لازالة الكفر البواح ولجعل الحكام يقيمون احكام الاسلام، وبناء عليه فان ما هو موجود في بلاد الاسلام من الكفر البواح ومن عدم الحكم بالاسلام لا يعالج من الداخل بالسيف والقوة المادية وانما يعالج بما عالج به الرسول صلى الله عليه وسلم مجتمع مكة حين بدأ‎الدعوة في مكة، اما من الخارج فانه يعالج بالسيف والقوة المادية وحينئذ يكون جهادا تماما كما عالج الرسول صلى الله عليه وسلم مكة من الخارج وكما عالج كل دار كفر من الخارج بتحويلها الى دار اسلام بالسيف والقوة المادية اي بالجهاد .**

الجهــــــــاد
الجهاد هو بذل الوسع في القتال في سبيل الله مباشرة او معاونة بمال او رأي او تكثير سواد او غير ذلك،‎فالقتال لاعلاء كلمة الله هو الجهاد .

اما الجهاد بالرأي في سبيل الله فهو ان كان رأيا يتعلق مباشرة بالقتال في سبيل الله فهو جهاد، وان كان لا يتعلق بذلك مباشرة فليس جهادا شرعا ولو كانت فيه مشقات، ولو ترتبت عليه فوائد لاعلاء كلمة الله .

لان الجهاد شرعا خاص بالقتال ويدخل فيه كل ما يتعلق مباشرة بالقتال، ومثل الرأي الكتابة والخطابة ان كانت متعلقة مباشرة بالقتال كخطبة في الجيش لتحميسه ليباشر القتال او مقال تحريضي لقتال الاعداء فهو جهاد والا فلا.

وعلى ذلك فلا يطلق على الكفاح السياسي جهادا، ومقارعة الحكام المسلمين الظالمين جهادا، وان كان ثوابه كبيرا وفوائده للمسلمين عظيمة.‎فالمسألة ليست بالمشقة ولا بالفائدة، وانما هي بالمعنى الشرعي الذي وردت فيه هذه الكلمة .

‎والمعنى الشرعي هو القتال وكل ما يتعلق به من رأي وخطابه وكتابة ومكيدة وغير ذلك .

وسبب الجهاد هو كون الذين نقاتلهم كفارا امتنعوا عن قبول الدعوة قال تعالى ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين اوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ﴾ فالامر بقتالهم لوصف الكفر، اي قاتلوهم لانهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر الخ … فيكون هذا الوصف قيدا للقتال،‎وحينئذ يصبح سببا، فيكون سبب القتال هو الكفر .

وقد جاء في اية اخرى ﴿ يا ايها الذين امنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة ﴾ ‎فامر بقتالهم لوصف الكفر .

ومثل ذلك ايات كثيرة مثل ﴿ ‎فقاتلوا اولياء الشيطان ﴾ ﴿ فقاتلوا ائمة الكفر ﴾ ) (﴿ ‎وقاتلوا المشركين ﴾ كلها امر بالقتال لوصف معين هو سبب القتال وهو الكفر .
اما اعطاء الجزية فقد جعله القران مع الصغار سبب وقف القتال لا سبب القتال ومن هنا كان سبب الجهاد هو الكفر .
فاذا قبل الذين نقاتلهم الدعوة صاروا مسلمين،‎واذا امتنعوا عن اعتناق الاسلام وقبلوا ان يدفعوا الجزية وان يحكموا بالاسلام يقبل ذلك منهم يمتنع عن قتالهم، لانه لا يجوز ان يكرهوا على اعتناق الاسلام .
وما داموا قبلوا الحكم به ودفع الجزية فقد خضعوا للدعوة ولو لم يعتنقوا الاسلام . ولذلك لا يجوز قتالهم بعد هذا القبول للحكم به ودفع الجزية . اما اذا قبلوا الجزية وامتنعوا عن ان يحكموا بالاسلام فلا يجوز للخليفة ان يقبل ذلك منهم لان سبب القتال وهو كونهم كفارا امتنعوا عن قبول الدعوة لا يزال قائما، فقتالهم لا يزال فرضا لم تسقط فرضيته عن المسلمين

والجهاد فرض بنص القران والحديث قال تعالى ﴿ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ﴾ وقال ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين اوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ﴾وقال تعالى ‎كتب ﴿ عليكم القتال ﴾ وقال﴿ ‎الا تنفروا يعذبكم عذابا اليما ﴾وقال ﴿ يا ايها الذين امنوا قاتلـــوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة ﴾

وقال صلى الله عليه وسلم « ‎امرت ان اقاتل الناس حتى يقولـــوا لا اله الا الله »

والجهاد فرض كفاية ابتداء، وفرض عين ان هجم العدو على من هاجمهم،‎وفرض كفاية على غيرهم، ولا يسقط الفرض حتى يطرد العدو وتطهر ارض الاسلام من رجسه .

ومعنى كون الجهاد فرض كفاية ابتداء هو ان نبدأ بقتال العدو وان لم يبدأنا، وان لم يقم بالقتال ابتداء احد من المسلمين في زمن ما اثم الكل بتركه . والقتال ابتداء اذا قام به اهل مصر سقط عن اهل اندونيسيا اذ قد وجد فعلا قتال من المسلمين للكفار المحاربين فحصل فرض الجهاد .

اما اذا نشب القتال بين المسلمين والكفار ولم تحصل الكفاية بقتال الكفار من قبل اهل مصر وحدهم، فلا تسقط فرضيته عن اهل الهند واندونيسيا بقيام اهل مصر والعراق،‎بل يفرض على الاقرب فالاقرب من العدو الى ان تقع الكفاية، فلو لم تقع الكفاية الا بكل المسلمين صار الجهاد فرضا على كل المسلمين حتى يقهر العدو .

ومحل كون الجهاد فرض كفاية اذا لم يستنفره الخليفة، اما من استنفره الخليفة فان الجهاد اصبح فرضا عليه لقول الله تعالى ﴿ يا ايها الذين امنوا ما لكم اذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم الى الارض ﴾ ولقوله صلى الله عليه وسلم « ‎اذا استنفرتم فانفروا »ومعنى الكفاية بالجهاد في الدولة الاسلامية هو ان ينهض للجهاد قوم يكفون في قتالهم، اما ان يكونوا جندا لهم دواوين من اجل ذلك كما كانت الحال في ايام عمر او يكونوا قد اعدوا انفسهم للجهاد تبرعا كما كانت الحال في ايام ابي بكر . ويكونون سواء كانوا هؤلاء او هؤلاء او هم جميعا بحيث اذا قصدهم العدو حصلت المنعة بهم فيكون فرض كفاية عليهم فان لم تحصل المنعة بهم جهز الخليفة غيرهم للجهاد وهكذا . وليس معنى كون الجهاد ابتداء هو ان نبدأ العدو بالقتال رأسا،‎بل لا بد من دعوته اولا الى الاسلام .
يتبع ان شاء الله