**عمارة وشارع ومقبرة
د. حازم نسيبة
نقلت صحيفة الرأي خبرا من مراسلها في أراضي فلسطين المحتلة، بتاريخ 22/2/2008، بأن السلطات الاسرائيلية قررت هدم عمارة المجلس الاسلامي الأعلى في القدس الغربية، وان شركة استثمارية تعتزم بناء شقق مكانها لأثرياء اليهود في العالم، قيمة الشقة فيها بمساحة 250 متراً مربعاً خمسة ملايين دولار!. اثار هذا النبأ في نفسي هموما وشجونا وتساؤلات لست ادري من ذا الذي يستطيع الاجابة عليها، العمارة المشار اليها هي عمارة تابعة للاوقاف الاسلامية في القدس، وقد شيدت في اواخر العشرينات من القرن الماضي، وكانت اعلى وابهى واثمن عمارة في القدس كلها، الغربية منها والشرقية. كانت تأوي عددا من الدوائر الحكومية ابان الانتداب البريطاني، بما في ذلك دائرة الاراضي، التي عملت فيها خلال عطلة صيفية في العام 1940 وانا انتظر الالتحاق بالجامعة. كما انني وفي سن الطفولة، ذهبت مرات عدة الى هذه العمارة التي كانت تشهد معرضا عربيا مرموقا في العام 1930 بمناسبة افتتاحها، بما في ذلك سرك دوني مثير ومقاهٍ ومنافسة محتدمة في صنع الكنافة بين اباظة نابلس وحب رمان القدس، وقد تفوق كل منهما على الآخر. العمارة في نهاية شارع مأمن الله (ماميلا) الذي كان المركز التجاري العربي الرئيسي حتى سقوط القدس الغربية العام 1948، والذي كان يضم اهم المحلات التجارية ومكاتب المحامين والاطباء وسائر الخدمات، والعمارة مواجهة للمدخل الرئيسي لمقبرة ماميلا الاسلامية التاريخية، والتي تضم رفات اعداد لا تحصى من المجاهدين والعلماء والقضاة على امتداد مئات السنين لعائلات القدس وسكانها، وكان عمي سليم آخر من دفن فيها العام 1930. وضعت هذه المقدمة لاطرح عددا من الأسئلة التي لا بد من سؤالها في عالم يدّعي الانتماء الى حكم القانون، وقدسية الملكية وحقوق الانسان. بأي حق تصرفت سلطات الاحتلال بعمارة وقفية اسلامية دون اذن من اصحابها المسلمين الذين هم على مرمى الحجر منها، بعد استيلاء اسرائيل على القدس الشرقية العام 1967 هل الاوراق الاسلامية غائبة لا عنوان لها؟ لعبة الحاضر الغائب التي ابتدعتها اسرائيل هي تحد صارخ لجميع الاعراف والقوانين الدولية! هل اتصلت السلطات الاسرائيلية بصفتها حارسة املاك الحاضرين الغائبين! بمديرية الاوقاف لتسألها ان كانت توافق على هدم عمارتها والتصرف بممتلكاتها؟ وهل اصبح العالم استلابا واستباحة وحرمنة صارخة مكشوفة لا رادع لها. ذَكَرْتُ عمارة الاوقاف، لا تخصيصا ولكن تعميما ينطبق على ثلثي احياء وأراضي القدس الغربية التي يملكها سكان القدس الموزعون في ارجاء الارض. وكذلك البلدات والقرى والضواحي العربية التي تحيط بالقدس احاطة السوار بالمعصم في كل اتجاه، واستولت عليها اسرائيل في ليلة ظلماء وادعتها لنفسها!. وليت اسرائيل اكتفت بعملية السلب الشاملة لاملاك القدس واهلها في القدس الغربية، بل انها تنازعهم على ما تبقى في ايديهم في احياء القدس الشرقية وضواحيها، ضاربة بذلك عرض الحائط باتفاقيات جنيف الرابعة للعام 1949 التي تحمي المدنيين واراضيهم تحت الاحتلال، وجميع اطياف القانون الدولي العالمي. شيدت اسرائيل حوالي عشرين بلدة تطوق القدس الشرقية من جميع الجهات وعلى اراض مغتصبة، لم نسمع ان المفاوض الفلسطيني - كان الله في عونه - قد وضع القدس الغربية العربية المغتصبة كعنصر اساسي في ايجاد حل عادل لقضية القدس تعيد الحق الى نصابه والملك لمالكه، لماذا تقتصر المفاوضات على قدس شرقية ابتلعت اسرائيل نصفها؟ أليست القدس مدينة واحدة، فلماذا الكيل بميكالين؟ وما رأي العالم في ذلك؟ دعونا نمتحن ضمائره ونكشف عوراته ونُذكّره بان القدس الغربية في معظمها كانت قدسا عربية موثقة في سجلات الامم المتحدة وليس مجرد القدس الشرقية التي تنازعنا اسرائيل فيها البقاء، بما في ذلك اقدس مقدساتنا. انني ادعو الاوقاف الاسلامية في القدس وعمان الى رفع صوتها عالياً، بما في ذلك امكانية رفع قضية قد تصبح سابقة لسائر الممتلكات والحقوق والاوطان المسلوبة. القضية ليست قضية شارع وعمارة ومقبرة، انها مَثَلٌ صارخ على وطن مستلب وحق مضاع وقانون مستباح.
الاحد 2008-03-02
ذكريات تراثية - تاريخية عن القدس.. لكي لا ننسى
الضوء في نهاية النفق
منقول : www.alrai.com
.**










**