**الوجه الأول ( الإسلامي )…
مسجد شاه علم كمثال



زرنا المسجد في يوم الجمعة.. قبل موعد الصلاة الجامعة بقليل.. قال لنـا الحارس إن التصوير ممنوع في الداخل وعلينا الاكتفاء بتصوير الباحة الخارجية.. قال أيضا حتى التصوير في هذه الباحة ممنوع الآن لأن هناك احتفالا بأحـد الأعراس وقد يرفض الأهالي أن يصورهم أحد. ولكـن أهل العرس خرجوا إلينا حين عرفوا أننا عـرب ومسلمون أخـذونا بالأحضان. كان المدعوون يجلسـون في صحنين طـويلين واحـد للنسـاء والآخـر للرجال بينهما أطبـاق الطعام.. طعام العرس.. أرز لحم وخضـار مطبـوخ وحلـوى.. اجلسـونا في صف الرجـال بالطبع ونهض العريس بنفسـه كـي يحضر لنـا الاطباق وابتسمت العروس بخجل وهي ترقب عدسة التصوير ودعت عـريسها ليجلس بجانبها.. كانوا جميعا يرحبـون بنا في حفاوة ودعة.. يعطـونك نوعاً من السـلام يتنـاسب مع البهـاء الذي يلف هذا المسجـد الضخم..
مسجـد شاه علم.. على بعـد 50 كيلـو مترا من كوالالمبور.. يوجـد في مدينـة شاه علم عاصمة ولاية سلانجور.. إنـه واحد من أكبر ثلاثة مساجد في العالم بعـد المسجـد النبـوي الشريف والمسجـد الجامع في افغانستان.. ليس هذا فقط ولكنـه أكثر المساجد أيضا استخـداما للتكنولوجيـا الحديثة.. فشبكـة الاضـاءة المنتشرة فيه تعمل بواسطـة الكمبيوتر وتعطي المسجد ألوانا مختلفة على مدار الليل.. وصنابير الميـاه ليست عاديـة.. يكفي أن تضع يدك تحتهـا فتحس حرارتها وينساب إليك الماء من تلقاء نفسه والأعمـدة تتحـول قمتهـا في مراوح هوائيـة لجلب الهواء البارد في الأيام الحارة.. والمسجـد يعتبر بـذلك جـامعـة للصنـاعة الاسلامية فقد تضافرت في إنشائه خبرات من تركيـا وباكستان وإيران ومصر.
استغرق بناء المسجد خمس سنوات كـاملة ويتراوح لونه بين الرخام الابيض الشـاهق والأزرق الملكي وتمتد أمامه بحيرة رائعة وهو يحتوي على أطول مئذنة في العالم وأكبر قبة ويسع 24 ألف مصل وهـو بذلك يعـد من أكـبر المساجد في جنوب شرق آسيا، تحتـوي ساحتـه الواسعة على مستويين الأول للرجال والثاني للنساء. وقد أخذ التصميم من معمار أول مسجـد أنشئ في ماليـزيا أنشأه التجـار المسلمون في ولايـة كلنتان. وقد صنع السجـاد من الصـوف الناعم وأخذت نقوشه اللون الأزرق حتى تتناسب مع ألوان جدران المسجد. وتحيط به مجمـوعة من النافـورات والحدائق يتداخل فيهـا كلها اللون الأبيض والأزرق.
ولقد زينت أبهاء المسجـد بالآيات القرآنية التي تحولت إلى لوحـات ناطقة قام بها أشهر خطاط مصري هو الشيخ عبدالمنعم الشرقاوي.
إنـه مفتتح رائع وبالـغ البهاء يقودنا لمحاولة تتبع تضاريس الوجه الإسلامي في ماليزيا .. لقد كان الأمر مفـاجئـا لي ومختلفـا وأنـا اجـوس وسط مسلمي ماليزيا .. كان في خيالي بعض من المشاهد المرعبة التي وصفها الكاتب الانجليزي من أصـل بولندى جوزيف كوزاد في روايته “لورد جيم”.. كان يصف تلك السفن القديمة المعطوبة التي تبحر إلى هذه الجزر ويشحن فيهـا المسلمون الراغبون في الحج إلى مكة كأنها تقودهم إلى مصير غامض.. إما الموت غرقـاً أو الذبح على أيدي القـراصنة واللصـوص.. كـان إيمانهم قـويا وبؤسهم طاغيا ورغبتهم في الحج تتحـول إلى نزوع للانتحـار. أصبحت الصورة مختلفة تمامـا.. لم يعودوا ذلك القطيع الـذي يقوده الرجل الأبيض ولكنهم تحولـوا إلى شعب يريد ويضع بصمته على كل شـيء.
لقد تناسب الإسلام مـع طبيعة أهالي الملايو.. فهم متسـامحون وخجلون وهم غير متعصبين وهي أشياء أهلتهم إلى أن يجدوا شخصيتهم في هـذا الدين السمح الذي وصل إليهم عن طريق التجار الهنـود. وما زالوا يتسمون بالأسماء العربية. ورغم أن السلاطين قد فقدوا كثيراً من قيمتهم إلا أنهم ما زالوا قوة رمزية حاكمة.
النظافة أحد العناصر الإسلامية التي يحرص عليها المسلم الماليزي.. شاهدت ذلك في البيوت القروية.. بسيطة متواضعـة ولكنهـا شديدة النظافة. قـالت لي إحـدى الفلاحـات.. النظافة الجيدة.. تعني إيمانـا جيداً، بتعبير آخر.. النظافة من الإيمان.. العديد من البيوت تضع أمام مدخلها حوضاً من المياه حتى تغسل أقـدامك قبل أن تدخل إلى المنزل.. الأشياء القذرة محرمة تماما في المنزل.. الخنازير ولعاب الكلاب ولأكل يجب أن يكون حلالا كـما تقضي تعاليم الإسلام. ولكل قرية أستاذ يعلمها القرآن بـاللغة العربية على قدر المستطاع. والعديد من الأطفال يتلون القرآن بالعربية بطلاقة ويبدو هذا واضحاً في المناسبات الدينية المهمة مثل رمضان ومولد النبي عنـدما يتبارى حفظة القرآن في تلاوة آياته.
ولكن هناك بعض العادات القديمة ما زالت تحكم السلوك اليومي.. ولابد أن الإسلام الذي انتقـل إليها من الهند قد اختلط ببعض الثقافـات الهندوسية. فرغم الحجـاب الذي تتمسك به الفتاة في المدينة فإن الكثير من النساء القرويات يطلقن شعورهن في مواسم الحصاد حتى يأتي محصول الأرز وفيراً.. وما زالت بعض مظاهر العرس تأخذ الطابع الهندوي حين يتزيا والعروسان مثل أمير وأميرة بكـامل زينتهما ويجلسـان على مقعد أشبه بالعرش.
والمرأة في ماليزيا أكثر قوة عن مثيلاتها في شرقنا العربي المسلم.. ولعل مصدر قوتها يمتد في جذوره إلى المجتمع الأمومي الذي كـان سائدا في هذه المنطقة. فالمرأة يمكن أن يكـون لها ممتلكـاتها الخاصة وحـرية التصرف في أموالها وأن تأخذ القرارات بالنسبـة للأسرة وعادة ما تكون قرارات نهائية..
وتتمتع بنت المدينة بحرية أكبر.. فمع خروجها من المنزل تعلمت السهر وأن يكون لها “بوي فرند” خاص بها يقوم بإيصالها للمنزل تحت أنظار أهلها.. وتعاني ماليزيا من مشكلة القاصرات اللاتي يهربن من بيوتهن البعيدة في القرى النائية ويأتين إلى المدينة لممارسة أقدم مهنة في التاريخ..
وفي أثناء أيام الزيارة ثارت فضيحة سياسية مدوية عندما اتهم رئيس وزراء ولاية “ملقا” وهو في نفس الوقت أمين الشباب في الحزب الحاكم “أمن” أنه قد أقام علاقة جنسية مع طالبة مدرسة عمرها 15 سنة.. وعنـدما انكشفت الحكاية وذهبت الفتاة بنفسها واعترفت أمام سلطات محاربة الفساد فألقت القبض عليها ووضعتها داخل أحد أقسام البوليس وفر رئيس الوزراء إلى سنغافورة المجاورة وصرخت جدة الفتاة متعجبة “لقد قبضوا على الضحية وتركوا الجاني يفر ببساطة”.
أحد الدبلوماسيين همس في أذني أن هذا الحادث يعد عملا سائداً.. فمعظم ذوي السلطة لهن عشيقات صغيرات.. وهو الأمر الذي دفع رئيس الوزراء لتكوين لجنة لمحاربة الفساد بكل أنواعه لعله يستطيع أن يحافظ على معدل الأداء الحكومي عاليا..

منقول عن موقع وادي ماليزيا:
**







































*















