كراهية الأوروبيين للإسلام مؤامرة في ألفها الثاني

**سبب كراهية المسيحيين للإسلام هو سبب عداوة حكام وكهان المسيحية، سبب الحكام والكهان هو هدمُ الإسلام لسور التدجيل في استعباد الأوروبيين، الإسلام يقضي على ألوهة الحاكم المسيحي ويمنع الكاهن من حماية الحاكم جلاد الأوروبي بسيف الكنيسة المسيحي أو سوطها الكهنوتي. سبب كراهية المسيحيين للإسلام،**سببٌ موهومٌ سكبوه في نفس الأوروبي كما يسكبون في جسده ألوهة في خمر. لذلك، أسباب كراهية الأوروبي للإسلام كراهية معلّلة بأسباب موهومةٌ في عقله لأنها مسكوبة فيه لا نابعة منه. ولذلك، أسباب كراهية الأوروبيين للإسلام غير أسباب كراهية حكام الأوروبيين للإسلام. أسباب الحكام سرية غير معلنة، لم يعلن الحاكم جلاد الأوروبيين في المسيحية سبب كراهيته هو للإسلام، الأسباب التي أعلنها هي أسباب وجوب غرس كراهية الإسلام في نفوس الأوروبيين، لا أسباب كراهيته هو كحاكم مسيحي للإسلام. لو أخبر سبب كراهيته للإسلام لافتضحت مؤامرته في مسيحيي أوروبا وتحوَّلوا عن المسيحية للإسلام وذابت ألوهته في لهث الشيطان. الأسباب التي فرضها سبباً في نفوس المسيحيين أسبابٌ لتوقد سعير الكراهية للإسلام، فكراهية المسيحي الأوروبي نتيجة ليست في الحقيقة سبباً، نتيجة لكراهية الحاكم أولاً وهو الذي أوهَمَ الأوروبي بأسباب حتى تكون الكراهية للإسلام تنبع من نفس الأوروبي، فلو كانت أمراً لقلَّب الأمر بينه وفي نفسه ولكان في ذلك خطر فوران الكراهية وخبوت نارها، بينما في أن تكون قناعة تكون في ذاتها وقوداً منه تستمر بالكراهية.

لماذا، أو كيف لم يفرِّق الأوروبي بين سبب الكراهية عند الحاكم وسبب الكراهية التي غرسها الحاكم في الأوروبي؟

كيف، أو لماذا لم يتعرَّف الأوروبي إلى سبب الكراهية التي أمر بها الحاكم المسيحي أو كاهنه أن تُغرَسَ في قلب الأوروبي على أنها نتيجة؟ إذ لم يكن لدى المسيحي سبب لكراهية الإسلام.

السبب، أو الجواب على هذين السؤالين الكبيرين في تاريخ المسيحي الأوروبي وفي واقع حياة الأوروبي الحالي، هو في المسيحية ذاتها، في أناجيل قصتها، في لاهوت كُهّان الإمبراطور، وقرارات مجامع كهنوت كنيسة الملك. في صلب المسيحية أنه لا يمكن الإيمان بالمسيحية بطريق القناعة العقلية، أن المسيحية يستحيل التفكير بقبول العقل بها، فالمسيحية تُؤخذ دون تفكير، دون بحث في أقوالها، دون فهمٍ لتعاليمها أو عقيدتها. لذلك فئة المسيحيين الأولى قبل عصر قسطنطين كانت الفئة البسيطة الساذجة التي تنعدم فيها طبيعياً القدرة على التفكير، غيرنا يسميهم بُلهاء الناس، الكنيسةُ نفسها على لسان كهنتها تسميهم بسطاء الناس، المنبوذون في المجتمع، البؤساء، لكنها تُحجم عن وصفهم كما وصفهم غيرها أنهم البلهاء، لكن كل أوصاف الكنيسة للذين آمنوا بالمسيحية قبل فرض قسطنطين لها أنها دينٌ إمبراطوري، تعني أنهم بلهاء الوثنيين. فالأوروبي المسيحي وهو مأمور في دينه بتعطيل عقله ودوره في فهم أهم أمور الحياة: كيف يفكر بأمرٍ إلهي وهو ممنوع عليه أن يفكر في وجود الإله؟

سببُ كراهية الحاكم المقدَّس في المسيحية يعرفه المسلمون بداهة، فالإسلام يفرض طاعة حكم الله فقط ويمنع طاعة الحاكم إذا حكم بغير حكم الله، والحاكم في الإسلام شرطُ وجودِه وبقائِه الحكمُ بأمر الله، فليس في الإسلام تقديس للحاكم، ولا طاعة للحاكم إلا أن يكون منفِّذاً لحكم الله. فلو سمح الحاكم المسيحي الذي يحكم بهواه للأوروبيين أن يعلموا أنهم إذا أسلموا عليهم أن يرفضوا تقديس الطاعة لحكامهم الذين يستعبدونهم ويسخرون الكنيسة لتطويعهم وسوقهم في حياة البؤس والقهر والاغتصاب الفكري والعاطفي الذي كانوا يمارسونه فيهم، لكان في ذلك زوال حكم بل زوال وجود المسيحي حاكماً ظالماً قاتلاً سارقاً. سببُ سياسة حكام المسيحية في تربية النفوس الأوروبية على كراهية الإسلام حتى لا يروا في عبوديتهم منقذاً للخلاص بأجسادهم وأرواحهم من حكامهم وكهانهم. سبب كراهية الأوروبيين للإسلام هو أن يكون الحاكم مسيحياً أو يزول، سببٌ يتعلق بوجود الحاكم أساساً واستمراره في امتلاك الأوروبي جسداً، روحاً، عقلاً وممتلكات.

كراهية الأوروبي للإسلام نتيجة وليست سبباً، السبب مصلحة حكام المسيحية في بقاء الأوروبي في جهلٍ عن حقيقة الألوهة التي يثبتها الإسلام، والتي لو عرفها الأوروبي لتخلى عن تقديس الطاعة للحاكم، وبذا يزول الحاكم.

هذا كان سبب الكراهية الأول في مسيحيي أوروبا، وهذا هو سبب الكراهية الأول لدى ديمقراطيي أوروبا. فالديمقراطية ليست ضد المسيحية، وليست ضد عقلية الحكم المسيحي، بل هي فكرٌ ينبع من جذور الفكر المسيحي نفسها. الديمقراطية هي الوجه الآخر للعملة، وجهها الأول في أوروبا كان المسيحية، ووجهها الثاني بعد أن بال الزمن على وجهها الأول هو الديمقراطية. ولأن الديمقراطية صيغة بديلة عن المسيحية في تطويع الأوروبي فطريقتها في تزوير الحقائق لا تختلف، وهدفها في فرض تقديس الطاعة للحاكم بَدَّلُوهُ بفرض تقديس الطاعة للنظام، لهذا توارث الحاكم في الديمقراطية سبب كراهيته للإسلام من الحاكم بالمسيحية، ولهذا فرضه على الأوروبي، حشا عقله بالتضليل في مسيرة العيش ذليلَ غرائزه، ومَلأَ قلبه ببغض حقائق الوجود في الحياة حتى لا يبصر حقيقة التقديس في الإسلام، ولا يفقه سبب الحياة في الإسلام، ولا يسمع بأذنيه حتى حجة الإسلام في الإيمان، ولا يعي بعقله برهان الإسلام في القرآن. لأن الأوروبي اليوم، كما في الأمس، لو وعى بعقله برهان الإسلام في القرآن أو برهان القرآن في الإسلام لما بقي بالأمس مسيحياً يوماً واحداً، ولما بقي ذليلَ غرائزه في الديمقراطية ـ مسيحية اليوم ـ يوماً واحداً.

طريقة الإسلام للإيمان به هي في عرضه كما جاء من الله مباشرة كتاباً كاملاً لجميع شؤون الحياة، وكما جاء وحياً من الله على لسان رسول الله أو في عمله أو في سكوته دون اعتبار لأي حالة زمنية أو عرقية أو عرفية، فالإسلام هو كما جاء إن خالف واقعاً أو وافقه في زمن أو عرق أو عرف. طريقة صريحة كطريقة عرض أي حقيقة في أي موضوع أو جماعة أو زمن، إلا أنها طريقة مفروضة وليس في أخذها أو تركها في الإسلام خيار، أن تكون طريقة إيمان الفرد بالله الواحد، وأن القرآن كتابه الأوحد الذي ينسخ بقية الأديان، وأن رسوله محمداً صلى الله عليه وسلّم آخر رسله ونبوَّتهُ تلغي دور بقية الأنبياء والرسل سلام الله عليهم أجمعين، أمرٌ فرضٌ شرعي وتغييره بفرض الإيمان كُرهاً، ولو بالترهيب دون القتل، جريمة شرعية ومعصية لله صاحب الأمر كله يوم الحساب. هذه الطريقة تناقض طريقة المسيحية في انتشارها. فلو حصلت المقارنة بين طريقة الإسلام في نشره وطريقة المسيحية في نشرها لوقع العجب!

عجبُ المسيحية في سببها؛ سببُ الحاجة إليها الذي فرض سبب طريقة نشرها بطريقة المكر والخداع عندما لا يكون في يد رجالها سيف أو مدفع كما أرساها بولس في تعاليمه التبشيرية وقواعد المسيحية الأساسية عندما كان أول مسيحي بل أول رسول غنوصي باطني يدعو إلى المسيحية ـ وأظنه الوحيد الذي يدعونه رسولاً عن إله المعرفة الذي هبط عليه وحده ـ، والمكر والخداع في دوام قتل السلطة الحاكمة قبل تحول قسطنطين لخصوم المسيحية من النصارى الذين يشكلون حجة بيان زيف المسيحية بحجة أنهم مسيحيون. والقتل والتشريد الدائم في من يرفض الخضوع لسبب المسيحية في الوجود؛ تقديس الطاعة للحاكم. لو وقعت المقارنة بين طريقة نشر الإسلام التي فرضها الله على كل مسلم، وبين طريقة نشر المسيحية التي أوجدها بولس والسلطة الرومانية، التي أوجدت بولس ورعته في دور قاتل النصارى ورسول المسيحية ومؤسسها، لبان بسهولة سبب المسيحية من مجرد مقارنة طريقة نشرها بطريقة نشر الإسلام. إذ، طريقة نشر الفكر أيّ فكر تتعلق إما بسبب الفكر أو بغاية العمل، فإن تعلقت طريقة نشر الفكر بسببه استباح كل أمرٍ مباحاً أو محرَّماً، فاحشة أو فضيلة، كذباً أو صدقاً، مكراً أو قتلاً. فطريقة نشر المسيحية مثلاً كانت طبيعية عندما أرسى قواعدها بولس “بناموس أو بدون ناموس”، وحياة في مسيحية بولس أو موتاً في غير مسيحيته عندما أرست قواعدها السلطات الرومانية التي واكبت مسيرة المسيحية من البداية، لأن طريقتها تعلقت بتحقيق غايةَ سببها. كذا، طريقة نشر الإسلام تكون طبيعية في فرض حرية التفكير بالإسلام قبولاً به تصديقاً عقلياً بما جاء في حجته أو رفضاً له بغَلَبَةِ هوى نفسٍ على فهم، لأنَّ الإسلام فكرة وطريقة؛ مبدأٌ طريقته من جنس فكرته. فكرته أفكارٌ في الوجود، ومفاهيم تضبط قواعد الفهم في معنى حقيقة الوجود في الحياة، وتحدد مسيرة الهوى النفسي في إشباع الجوعات والرغبات، ونظام سلوك فرد في ذاته، وجماعة في أمّة، وأمة في كون، وعدلٌ في فرض الواجبات وإحقاقُ حقٍ في رفع الخلافات، وطريقة من جنسه في تنفيذ أحكامه ومن أحكامه نشره والدعوة له. فغاية طريقة نشره تتعلق بالفكرة لا بسببها، سبب الإسلام هداية الناس إلى سعادة الدنيا وجنَّةِ الآخرة، أما الفكرة فهي الهداية فقط. الفكرة تتعلق بفحواها ومحتواها لا بسببها، فالفكرة التي تتعلق بسببها ظرفية بحاجة السبب إليها، ومزاجية بحسب حاجة واضع السبب لها، ومحدودة بالجماعة التي وقع السبب فيها، فدوامها مصطنع وواقعها محدود. بينما فكرة الحياة دائمة في الزمن وشاملة في الحاجات وعامة في الجماعات. طريقة الإسلام في نشره لا تتعلق بظرف ولا بحاجة ولا بجماعة، فكرة للعيش في الحياة فلا يمكن أن يكون منبت طريقتها من مثل منبت طريقة المسيحية، أو الرأسمالية الديمقراطية، أو الديمقراطية الاشتراكية، أو أفكار المؤامرات الكبرى في التاريخ التي تشابه هذه وإن كانت تصغُر عنها. لذلك، نجد طريقة الإسلام في الإيمان به طريقة عرض أفكار الهداية إلى الحق الذي فيه وموافقته طبيعة الإنسان ونظام الوجود بالبرهان الساطع الذي تخضع له العقول، وتهنأ به القلوب، وتطمئن النفس بالعمل به والعيش في تجنّب محارمه وإتيان فرائضه. فغاية الإسلام أن يقنع الفرد بخيار الجنة، فإن قنع بهذا الخيار التزم أحكامه، وإن لم يقنع بهذا الخيار يكون سائراً بخياره إلى مصير الهلاك في عذاب الله. فلو فرضت شريعة الإسلام خيار الإيمان فرضاً لاستوجب أن يكون بالقتل كما فرضته المسيحية، ولو فرضته كذلك لانفصلت طريقة الإيمان به عن فكرته ولما عاد إسلاماً فكرة عامة للبشر، سببها هداية الناس إلى سعادة الدنيا وجنة الآخرة، ولبطلت حاجة أي إنسان لها ولتحولت إلى وثنية من الوثنيات المعهودة.

الواقع المنحط الذي يفرضه الأوروبي على المسلمين فرضاً مباشراً هو لمنع المسلمين أن يكونوا مؤمنين. شرط الإيمان العمل بأحكام الإسلام. منع العمل بأحكام الإسلام هو منعٌ من الإيمان. بذلك يتحوّل الإسلام عند بشرٍ بدون وعي على الإيمان إلى عصبية للناس، يتعصبون له بدون ممارسة له. هؤلاء البشر، يمنعون من حيث يدرون ودون دراية، إيجاد كيان يقوم على وجهة نظر الإسلام في الوجود. لم يعد الغرب يحتاج إلى جيوشه حتى يمنع المسلمين من إقامة كيان للإسلام. كيانات الإسلام التي أقامها المسلمون في باكستان، إيران، أفغانستان وغيرها تستجدي إرضاء كفار أوروبا، تتوسل إلى مشاركة حضارة الكفر، ثقافته وتراثه. تتذلّل في طلب عونه ونصحه ورعايته. ليس لضعفٍ أو لجهل، ولا لفقر في المال أو العقل، بل لإيجاد الواقع الذي يحتقره الأوروبي وينأى بنفسه عنه. أوجدوا كيانات يوهِمون بها مسلمي ثقافة الغرب المفروضة على المسلمين أنها كيانات لدينهم، على إسلامهم تقوم، ومن أجلهم. فإذا رفض أوروبي فهم الإسلام من خلال واقع المسلمين في ليبيا وأراد فهمه من واقع المسلم في باكستان صعقت المفاجأة عقله. فهم الإسلام ممنوع، يكاد يكون، على الأوروبي من دراسة مصادر الإسلام. وإذا تيسر فللدراسة كما يدرس العالم حركات العنكبوت، لا تحوله الدراسة إلى عنكبوت. أو للمقارنة، كما مقارنة الإباحية مع المسيحية لا تغير الإباحي إلى مسيحي. أو للنقد، فنفسية الناقد نفسية الضد وهي ضارة بصاحبها أكثر مما هي ضارة بالموضوع. الناقد فيه قرار الامتناع قبل عملية الفهم. كيف تجري عملية الفهم إذا سبقها قرار الامتناع عن الاقتناع، هي الكيفية التي تمنع الأوروبي من اعتناق الإسلام عندما يتعلم الإسلام. التعلم غير التفكير. الأوروبي يتعلم الإسلام لا يفكر في الإسلام. كيف يستطيع الأوروبي أن يفكر وليس عنده معطيات التفكير في سبب حياته وموته؟

الغربُ الأوروبي لم يعد يخشى إقامة كيان إسلامي بواسطة المسلمين الذين تعلموا إسلاماً صاغَهُ لهم خاصة. فيه كل قواعد الضلال، وكل أفكار التضليل عن دين الله، وفيه جميع المخالفات لأحكام الله. فهو الإسلام الذي يسمح به في مناهج مدارس الدين، في خطب المنابر وممارسة الأتقياء والعلماء والصوفيين. أما منعه لإقامة كيان “إسلامي” في الجزائر وتركيا رغم المطالبة الشعبية العارمة، فالمعارضة لم تكن معارضة “إسلام” أربكان أو مدني. بل كانت معارضة استبدال نفوذ دولة كبرى بنفوذ دولة أكبر استطاعت تحريك مسلمين بقيادة عملاء لها ليكونوا مطية للاستئثار بالنفوذ في سياسة تركيا والجزائر واقتلاع نفوذ الإنكليز أصحاب السيادة في قوى الحكم . لكن الغرب أثبت أنه يسيطر على جيش المسلمين لمنع إقامة كيانٍ “إسلامي” كما يسيطر على الشعب في منع إقامة كيان “إسلامي”. فالسيطرة الأوروبية مطلقة عامة في قوى الحكم، قوى الشعب، وقوى الجيش، لا يوجد قوة على مسرح العمل العام ليست منظمة في عقليتها أولاً، في كيانها ثانياً، وفي قيادتها أولاً وآخراً. هكذا يتحكمون في صياغة الواقع الذي يعيش فيه المسلمون. فأينما تطلّع الأوروبي في بلاد المسلمين، إن كان حكم البلد، ديمقراطياً، جيشياً أو إسلامياً يرى نفس مظاهر الانحطاط الذي يكرهه. ويرى نفس مستوى الجهل الذي يحتقره. ويرى نفس الفساد الذي يزدريه. كلها وقائع تثير في نفسه كراهية الإسلام وليس إسلام هؤلاء. لأنهم بالصوت والصورة أقنعوه أن هذا هو إسلام المسلمين. لم يعد يستطيع أحد التفريق بين إسلام القرآن وإسلام طالبان. هل يستطيع الإنسان حتى مسلماً أن يميز بين إسلام فضيلة الشيخ وإسلام قائد الجيش، أو بين إسلام السلام وإسلام الحرب، أو بين إسلام الخيانة وإسلام الحكم، أو بين إسلام الرعاية وإسلام الغدر؟

“مسلمو” الفساد والخديعة والانحطاط سياج حماية للأوروبي من الوقوع في فخ المسلمين الذي يقولون إن المسلمين نصبوه شِركاً لتحويل الأوروبي إلى مسلم.انحطاطُ المسلمين حالة تحمي الأوروبي في عقله بمنعه من التفكير في أفكار الإسلام وأحكامه ومقاصده، لأنهم يظنون أن الإسلام جاء ليخدع الإنسان في إنسانيته. ترسيخ احتقار الأوروبي لواقع المسلمين هو ترسيخ لكراهية الأوروبيين للإسلام، هكذا يبقى الأوروبي، في حسابهم، يعيش هارباً من نور الإسلام. المؤامرة، مؤامرة فرض انحطاط المسلمين ذَنَبُها الأول في بلاد المسلمين وذَنَبُها الثاني في عقل الأوروبي.

أمريكا استطاعت قهر ألمانيا وإيطاليا واليابان في حرب واحدة وهم الثلاثة مجتمعون. بريطانيا استطاعت هزيمة فرنسا واحتلال عشرات أضعاف مساحتها. فرنسا، ذليلة التاريخ رغم غدرها الدائم بغيرها من المسيحيين، مع بريطانيا وأمريكا وألمانيا قاهرة أوروبا كلها مرتين، لم يستطيعوا الوقوف بوجه الإرهاب “الإسلامي” المتمثل بالمنظمات التي كانت تريد “تحرير فلسطين”. عليهم جميعاً انتصرت منظمة التحرير لتفرض نفسها بجيشها المسلم حامياً ليهود الغرب والشرق الذي وطنه الإنكليز أرض فلسطين! بعد أن نجحت أوروبا بإزالة دولة الإسلام، دولة الخلافة في اسطنبول.

إرهاب هذه المنظمة في حقيقته ليس “إسلامياً” بل إنكليزياً فرنسياً ألمانياً أمريكياً نظامياً أوروبياً على المسلمين حتى يخضعوا لزعامة هذه المنظمة في إنهاء قضية فلسطين. إرهاباً أوروبياً على المسلمين حتى يقبل المسلمون تكريس قضية احتلال الإنكليز لفلسطين وتحويلها إلى وطن يهودي أنها قضية أهل فلسطين وليس قضية الأمة الإسلامية التي منها أهل فلسطين. إرهاب المنظمة الدولي كان إرهاباً على أهل فلسطين حتى يقبلوا بشرعية تمثيل المنظمة لهم بالتوقيع على تنازل المسلمين أهل فلسطين عن بلاد المسلمين فلسطين. إرهاب المنظمة “الإسلامي” كان حتى يستطيع الغرب الخضوع لقوة المسلمين في هذه المنظمة “الجهادية”. بطولة شباب هذه المنظمة لتكون مهمة تشريع وجود إسرائيل وحمايته الأبدية من أبطال المسلمين لا من عامتهم، من قادة الرأي والكفاح فيهم لا من بسطائهم لإيجاد طبقة تحكم المسلمين في فلسطين طبقاً لمعاهدات في الخيانة لم يعرف تاريخ الجنس البشري لها مثيلاً.

هذه المنظمة مثل واحد في حقيقة أهداف حركة إرهابية “إسلامية” رغم تبرئها من الإسلام في كل أقوالها وأفكارها وأعمالها وأهدافها ومصيرها ونتائج “كفاحها”. لا بل رغم عدائها للإسلام والمسلمين. هذا الإرهاب الجهادي “الإسلامي” كانت دول الغرب قاطبة تتوافق عليه وتشرف عليه وتساعده بكل ما يحتاجه لتحقيق الهدف من عمله في خداع الميلمبن لقبول عملائه ليكونوا أبطالاً قادةً للمسلمين. وكانت المعارضة الغربية إخراجاً إعلامياً لتثبيت قادة الإرهاب “الإسلامي” الفلسطيني زعماء التفاوض مع الغرب للاعتراف بإسرائيل، وتكريس كيانها، والتعهد بحماية يهود من غضب المسلمين، وبذل أرواح المسلمين في الدفاع عن يهود إسرائيل الإنكليز.

ما يصدق عن حقيقة هذه المنظمة الإرهابية يصدق عن جميع الحركات الإرهابية الأخرى بغض النظر عن موطنها وحجمها. جميعها كانت تكبر بطريقة النفخ لأن وجود ما كان يرتبط بتحقيق هدف. الوجود الذي يرتبط بتحقيق هدف غير الوجود الذي يرتبط بمسيرة. الوجود لهدف يندثر، الوجود في مسيرة يتواصل لا يفنى. جميع حركات الإرهاب “الإسلامي” رعى قيامها وتغاضى عن أعمالها جهاز مخابرات محلي بإدارة جهاز مخابرات دولي. هذا كان في الجزائر كما في أفغانستان وفي مصر كما في السودان ومع “الجهاد” في كل مكان.

هذا البحث في كراهية الأوروبيين للإسلام لا في الحركات الإرهابية “الإسلامية”. لذلك لن نسترسل في بحث خيانة الحركات الإرهابية للإسلام، ولا في ارتباط هذه الحركات بجهاز المخابرات الإنكليزي أو الأميركي. موضوع الحركات الإرهابية في هذا البحث هو علاقتها بتحقيق خطة الغرب العامة الدائمة في إيجاد وَهْمِ العدو الذي يقتل الأوروبي بدافع حقد ووحشية وانحطاط “المسلمين”. وليس الموضوعُ البحثَ في قضيتها، فكرها وطريقتها. ولا في بحث خيانتها لقضيتها، للإسلام والمسلمين. وليس في تعدادها وكثرتها وظروفها. ولا في ارتباطها الإنكليزي أو الأميركي أو بمن يمثلهما في حكم بلدٍ قبل الثورة او بعد الثورة، في جمهوريةٍ، أو ملكيةٍ أو مشيخة أو حركة. الموضوع دورُها في ان تكون الواقع الحي الدائم لكراهية الأوروبي. كما الحركات “الإسلامية” التافهة بدون إرهاب تكون الواقع الحي الدائم لاحتقار الأوروبيين لـِ “المسلمين” وإسلامهم. كلٌّ له دور في تضليل الأوروبي عن الإسلام، بل في منعه عن حتى محاولة فهم الإسلام.

الكراهيةُ مثلُ الاحتقار يمنع دور العقل في الفهم. منعُ عقلِ الأوروبي من محاولة فهم الإسلام هو سبب وجود جميع حركات الإرهاب “الإسلامي” في دول الغرب وبلاد المسلمين. وهو سبب وجود جميع الحركات “الإسلامية” غير الإرهابية مثل الخيرية، الاجتماعية، الخُلُقية، الفكرية والسياسية في دول الغرب وبلاد المسلمين. باستثناء الحزب السياسي الذي يقوم على مبدأ الإسلام أي على جميع أحكام الإسلام بطريقة الإسلام في نشر هديه ولا نعلم بأن هناك أكثر من حركة واحدة تقوم على هذا.

جميع الحركات “الإسلامية” إرهابية أو غير إرهابية تبرر تعاملها مع الطاغوت ? جهاز الحكم بغير ما أنزل الله ? أنها بحاجة إلى تغطية. هي تعترف أنها تتعامل مع الشيطان نفسه عدو الله. تبرر تعاونها أنها ضعيفة تحتاج إلى قوة. تتعامل مع الشيطان لتستمد منه قوة حتى إذا قويت تغدر به! قمت بزيارة إلى جحر الشيطان قصر الحاكم في أحد البلاد. عرضت عليه ما يقولون وكيف يطمئن إلى هكذا عبيد ويحتاط من ثورة هؤلاء. لم يستغرب، لم يهزأ، بكل رصانة وطمأنينة أجابني وهو يُشهِد الله على قوله إنه يعلِّمهم هذا القول، بل يقنعهم به حتى يستطيعوا إقناع غيرهم به. إذ خداع المسلمين بجعلهم يصدّقون الوَهْمَ هو السبيل الوحيد لإبقائهم أحياءً بدون إسلام. وهو السبيل الوحيد ليموتوا على غير الإسلام الذي يظنونه إسلاماً.

فرضُ كراهية الأوروبي للإسلام والمسلمين غاية فرضِ ازدراء حالة المسلمين المنحطة، سبب فرض الانحطاط في حياة المسلمين. حتى تتشوّه صورة الإسلام في الحاضر رغم انفصال الواقع عن الإسلام. فرضوا على حكام المسلمين أن لا يكون هناك علاقة منظمة بين الرعية وموظفي الحكومة، **جميع علاقات الرعية بأي جهاز حكومي تقوم على قهر الرعية في كرامتها، وظلمها في حقوقها.**منعوا تنظيم المصالح والمنافع بين الرعية وموظفي الحكومة لتكون جميع علاقات المصالح والمنافع علاقة رشوة وابتزاز. منعوا أجهزة الحكم من تقديم خدمات تخلو من الخديعة والغش للرعية، حتى يعمَّ الفساد في القول والخُلق. منعوا تطبيق أي قانون بالمنافع العامة حتى يعمَّ الكذب في المجتمع. السياسيون موالون ومعارضون يمارسون خيانةَ الناس في كل قضية وقناعة حتى تتحول علاقاتُ الناس إلى علاقاتِ غدرٍ وخيانة. لم يتركوا رذيلةً في خُلق، قولٍ وعمل إلا فرضوها على المسلمين. حتى الفاحشةَ أقاموا لها مؤتمراً في بلاد المسلمين. حتى الشذوذ بالفاحشة أقرها مؤتمر السكان والتنمية في بلاد المسلمين قانوناً يفرض ممارسة الإنجابِ خارج الزواج، ويفرض الشذوذ الجنسي ممارسةً في الواقع يحميه القانون وتدعو إليه برامج الإعلام بحجة التخفيف من تزايد المسلمين. لا يوجد بوائقَ في جنس الإنسان إلا وأقاموا له جمعية أو حزباً يدعو إليها باسم التحرر والحرية. لم يتركوا نقيصةً ولا عيباً محرماً في دين الله إلا وأفسدوا به المسلمين، وعمَّموه على العالِم والجاهل، وعلموه لكبير المسلمين وصعلوكهم. لم يفرِّقوا بين عالم في شرع وبين عالم في طب أفسدوا جميع العلماء. لم يميزوا بين طالب في صف وبين من في صف ضابط، أفسدوا جميع شباب الأمة، جيل ما قبلنا، جيلنا وجيل ما بعدنا. حرصاً على إيجاد مسلم كذاب، فاسد، غادر يقارنه الأوروبي بصدقه واستقامته ووفائه. عندها يطمئنون إلى ازدراء الأوروبي لواقع المسلمين الذي صنعوه للأوروبي من خلاله يدرس الإسلام فيكرهه. به يثقون في رجاحة عقل الأوروبي أنه سيتعاطى مع فكر الإسلام كما يتعاطى مع مسلم الفساد والرشوة والخديعةِ باحتقار وكراهية.

دراسة أي حركة مسلحة “إسلامية” في جميع نواحي الدراسة: الفكرية، التنظيمية، الأهدافُ مرتبطةً بطريقة العمل، التمويلية، الأهداف التي تحققت من العمل وأخيراً المصير الذي آلت إليه الحركة. جميعها تُثبت أن كل واحدة من هذه الحركات نشأت بتدبير جهازٍ من أجهزة الاستخبارات الدولية، معظمها نشأ برعاية جهازٍ دولي غربي واحد. جميعُ هذه الحركات كانت لتحقيق أحد هدفين:
الهدف الأول: أن ينجح التنظيم المسلح بأخذ الحكم ليقتلع نفوذَ دولة غربية محدَّدة وربط الحكم الجديد بالدولة العظمى الأخرى.
الهدف الآخر: أن يكون التنظيم المسلح منبراً يخرج إليه ويتطلع إليه جميع الذين تُحدِّثهم أنفسهم بنصرة دين الله. بذلك تخرج جميع القوى الإسلامية من أوكارها إلى العلنِ حتى يعرف النظامُ حجمهم ويقرر خطة التعامل معهم بالقتل أو السجن أو التخويف. ومن أجل فرض إجراءات أكثرَ عداءً لدين الله على المجتمع والأمة.

في الهدف الأول يكون المسلمون مسخَّرين في صراع بين دولة مُستعمِرة للبلد ودولة تريد أن تستعمر البلد. في الهدف الثاني تقوم الدولة المستعمِرة أي صاحبة النفوذ في البلد بهذا الإجراء لحماية الحكم العميل لها بتطهير البلد من كل معارض باسم الإسلام. من الواضح أن الهدفين لا يتعلقان بفرض كراهية الأوروبيين للإسلام، ولا يجب أن يكون في تحقيقهما أي علاقة، غير أننا نجد أن كل حركة مسلمة في أي بلد تتعرض جسدياً لأوروبيين لأن قتل أوروبي أو أكثر يساعد الدولة الغربية صاحبة النفوذ في البلد الإسلامي حيث يجري “الإرهاب”، في تأليب طاقات الدول الأوروبية في تثبيت دعائم حكم عميلٍ لها وحدها. هذا من ناحية أما في الأساس فإن هذا يساعدها أولاً في رص صفوف المواطنين كبناء متماسك بوجه الإسلام حتى لا يقرءوه ولا يسمعوه ويكتفوا بما يعرض عليهم ليشاهدوه. أما الأعمال الإرهابية التي تقع في أوروبا ولا تحقق الهدف الأول أو الهدف الآخر فإن لكل حادثة سبباً وغاية منفصلة عن الأخرى لكن كل منها للوصول إلى صفقة أو تحقيق معادلة سياسية جديدة. مثلاً الأعمال الإرهابية التي وقعت في فرنسا واختلف المحللون في أنها من صنع الحكومة الجزائرية أو جبهة الإنقاذ المسلح. بينما الحقيقة أنها من تخطيط جهاز مخابرات الدولة الأوروبية صاحبة النفوذ في الجزائر التي أرادت أن تضغط على أجهزة الحكم الفرنسي بتهديد مصالحها وأمنها، من أجل عدم وقوف فرنسا مع السياسة الأمريكية التي تدعم جبهة الإنقاذ وتعارض سياسة الحكم في الوقوف بوجه الضغط الأمريكي للسيطرة على الجزائر. وعندما خضعت فرنسا لتغيير سياستها حتى تحافظ على مصالحها الحيوية في الجزائر، وتحافظ على أرواح الفرنسيين وأمنها الداخلي توقفت بكبسة زر أعمال الإرهاب “الإسلامي” في فرنسا. لكن في سياق استغلاله قامت أجهزة الحكومة الفرنسية الفكرية، السياسية، الثقافية والإعلامية بكل ما يمكن أن تقوم به لترسيخ كراهية الأوروبيين للإسلام ورفع استعدادهم النفسي لقتل المسلمين ساعة ترى الحكومة الفرنسية ضرورة لذلك. طبعاً، دائماً، بالتشاور مع دول مجلس الاتحاد الأوروبي حتى يحصل تعميم الكراهية والحقد، وإضفاء صفة قدسيةٍ للكراهية وإلزاميةٍ قانونية.
أما في المصير فإن هناك مصيراً مشتركاً بين جميع الحركات الإرهابية “الإسلامية” والحركات “الإسلامية” غير الإرهابية. جميعها كما في نشوئها وصعودها تنشأ تبعاً لحاجة سياسية وتصعد من أجل استقطاب طاقة جماهيرية بقصد استهلاكها، كذلك تهبط وتذوي. جميع الصحف الأوروبية عندما تتحدث عن الحركات “الإسلامية” الإرهابية عندما تصل إلى البحث في نتيجة ما وصلت إليه الحركات الإرهابية وغير الإرهابية تسخرُ من ضآلة الأثر الذي تركته في المجال السياسي. فصعود حركة وهبوطها هو نفسه قصدٌ في وجودها، لأن استمرار وجود الفاشل في المسرح السياسي يجعله دليلاً على سخافة فكر الإسلام لا على سخافة الحركة فقط. لذلك، سخرية الصحافة الغربية من هذه الحركات وبيان زيف هذه الحركات رغم أنها عميلة لدول غربية يحقق قصداً بالغ الأهمية. قوة الاستهزاء بواقع حي أكثر تأثيراً من الاستهزاء بفكر غير مقروء. فهذه الحركات الإرهابية توجِد الواقع الذي يُثبِّت الأوروبي على كراهيته. والحركات غير الإرهابية تثبِّت الواقع الذي يزدريه الأوروبي وقد سبق بحث هذا الشق وما التذكير به هنا إلا لربطه بالواقع الذي يوقد كراهية الأوروبي عاماً بعد عام أو عقداً بعد عقد.
الإرهاب “الإسلامي” من مثل إرهاب منظمة التحرير الفلسطينية الذي أصبح تاريخاً. أو إرهاب الجهاد “الإسلامي” ? مصر التي أيضاً أصبحت تاريخاً بعد خيانة القيادة للقاعدة أو بعد اتهام القاعدة للقيادة. إذا أعادوا إليها حياة بقيادة جدية فلعمل ووقت. “حماس” فلسطين. أسماء حركات من الجزائر منها الذي له وجود ومنها الذي يفترضون أو يفرض الحكم وجودها. أسماء كثيرة أخرى لا فائدة من ذكرها. أسماء نفخوا فيها هالة لا تستحق حتى ذكر اسمها. أسماء حركات ما زالت تعمل. حركات أو أفراد رفعت أمريكا مستوى خطرهم عليها فوق أي مستوى وصل إليه خطر روسيا على أمريكا أو خطر الصين والفييتكونغ وكوريا الشمالية مجتمعين. حركات إرهابية تدعمها أنظمة حكم عميلة للغرب بشكل علني، أو حركات تعارض نظام حكم في عقر داره لا تتحرك الدولة لقمعه. جميعها، جميع هذه الحركات في أسباب وجودها أنها لعمل معين. في غايتها أن حيويتها تنطفئ بتحقيق الغاية الآنية من وجودها ولو بقيت بين المعروضات في واجهة “تحف” النظام. حركات يسخرها الغرب عبر نظام الحكم الذي تعمل فيه أو النظام الذي يرعاها وهي تعمل ضد غيره من عملاء الغرب لسبب حتى هو يجهله. حتى ولو كان ضد النظام الذي تعمل في أراضيه في استهلاك طاقتها غاية يحققها الغرب، وفي استمرار وجودها مع ذبول طاقتها غاية تخدم مخططات الغرب في تحقيق الكثير من الغايات.
جميع حركات الإرهاب “الإسلامي” خالية من وجهة نظر الإسلام أي من أيديولوجية الإسلام. جميع أفكارها أفكار ولو إسلامية لكنها لا ترتبط بثقافة فكرية إسلامية متكاملة. أفكارها ولو إسلامية مبعثرة متناثرة لأنها أفكار إسلامية غير مرتبطة بالقيادة الفكرية للأفكار. فالأفكار كالأفراد مهما وصل تعدادهم بدون قيادة مسؤولة يكونون تبعاً لأي راعٍ يسوقوهم كما هو حال تعداد المسلمين لهم. الفرق كبير بين قيادة لهم وقيادة عليهم. كذا الأفكار لا بد من فكر أساسي تجتمع عليه الأفكار وتتوافد حوله وتنبثق منه. فإذا قامت حركة “إسلامية” إرهابية أو غير إرهابية بتبني أفكار إسلامية دون تبني القيادة الفكرية الإسلامية فإنه من العار نعتها “إسلامية”، وبرهان عليها أنها عميلة في وجودها لضرب الفكر الإسلامي الأساسي، وهذا هو الهدف الأول والأخير من إيجاد أو السماح بوجود حركات إسلامية بأفكار إسلامية مبعثرة. أو أنه الهدف من إيجاد هكذا حركات لتكون مسبة وعاراً يُلبِسونه مبدأ الإسلام الفكري حتى يتبرأ المسلمون من الفكر الإسلامي المبدئي في سياق تبرئهم من فكر هذه الحركات. غير أن كثرة هذه الحركات الخائنة لدين الإسلام لها هدف في كثرتها غير هدف وجودها. هدف نظام الحكم في كثرتها هو أن تكون أنياب الحكم في نهش الحزب المبدئي الإسلامي الذي يقوم على الفكر الأساسي، فكر أيديولوجية الإسلام. فتكون هذه الحركات مانعاً لتجاوب المسلمين مع الحزب المبدئي.
لم توجد حركة استطاع الغرب أن يصف أعمالها أنها “إرهابية” أكثر من حركة تحرير فلسطين “فتح”. وما ينطبق في وصف الحالة الذي وصلت إليه هذه الحالة في واقعها ودورها، ينطبق على جميع الحركات الإرهابية الأخرى التي لا يوجد مقاربة لمقارنتها بها. ويكفي مقارنة ما كانت تقوله هذه الحركة في بدايتها بما تقوله اليوم لنتعرف إلى حقيقة أهداف المخطط الأوروبي في إيجادها أساساً ورعاية مسيرتها الإرهابية الفاشلة، المحزنة، المخزية المليئة بالأحداث الخيانية للقضية التي تبنتها وعليها ومن أجلها قامت. كما يكفي مقارنة الحضن الذي نشأت هذه المنظمة منه لنعرف حقيقة الحضن الذي هي فيه اليوم. كذلك في مقارنة أعمالها السابقة بأعمالها الحالية. أما بمقارنة تهديداتها السابقة في إنجازاتها الحالية فإننا نتعرَّف على حقيقة هدف الغرب في إيجاد هذه المنظمة وموقفها في مخطط تثبيت إسرائيل كياناً يهودياً دائماً في بلاد المسلمين بحماية أهل البلد ذاته الذي اغتصبوه. لم يسبق في التاريخ أن اغتصبت فئة من البشر أرض أمة فرضت على شعب الأرض أن يحميها. لم يحصل في التاريخ أن قامت منظمة لتحرير الأرض المغتَصَبةِ من أهل الشعب المغلوب لتصبح الجيش الذي يحمي المُغتصِب من الشعب المقهور في غلبته. لم يحصل في التاريخ أن قامت حركة إرهابية ضد الغرب وخاصة يهود الغرب، وقتلوا من الغرب ويهود الغرب، ثم يتحولون بإخراج تفاوضي وتوقيع معاهدات فيها كل الاعتراف بشرعية المنظمة لتمثيل الشعب المقهور في فرض التعبُّد والطاعة للمغتصب يهودي الغرب.

السلوكُ الإنساني في رقيِّه وانحطاطه يرتبط بتلبية حاجة. الحاجة إما تنتج عن قناعة عقلية أو عن رغبة غريزية. كراهية الإسلام وقتل المسلمين لا تنتج عن قناعة عقلية في الأوروبي لأنه في المحاجَّةِ الفكرية معه يتنكَّر أنه يكره الإسلام أو أنه يريد إبادة المسلمين حتى المستشرق الفرنسي كيمون عندما سُئل عن حقيقة اقتراحه بكيفية إبادة المسلمين جسدياً اعترف بأنه كان يهلوس في خلوته ولم يكن يقصد أن يخاطب بها عاقلاً.(1)

أثبتنا في الحالة الأولى كيف فرض آلهة حكم الأوروبي قناعةً عقليةً ينتج عنها كراهية الأوروبي للإسلام، وأنه ما كان يمكن فرض تلك القناعة إلا بتعطيل دور العقل. وفي مقدمة بحث الحالة الثانية أثبتنا أن قواعد إثارة غرائز الإنسان وأعمالِ إشباعها لا تستطيع استيعاب هذه الكراهية حدَّ التصفية الجسدية لوجود المسلم. يبقى أن نبحث في الأعمال التي تفصل بين قواعد الإثارة وأعمال الإشباع. إذ الحالة الطبيعة أن يرتبط الإشباع بالإثارة فإذا انفصل الإشباع عن عامل الإثارة يبقى العاملُ في الإثارة مؤثراً لأنه لا يخمدُ إلا بالإشباع. ويبقى السعي للإشباع عملاً مستمراً لا يتوقف لأنه في انفصاله عن عامل الإثارة فَقَدَ هدفاً له أو غايةً يحققها. وأي عمل للإشباع لا تتحقق غايته لا تنطفئ حاجته لتحقيق هدف، ولا تذبل حيويته للسعي في إشباع. لهذا نجد الأوروبي كهلاً وقد فقد معظم طاقاته الغريزية يستمر في كراهية الإسلام وحقده على المسلمين حد قتلهم. بتمام الزخم الذي كان يكره فيه ويحقد علينا ويقتلنا وهو أو وهي في سن الثلاثين. أيضاً بتمام الحماس عندما كان يتعلم كراهيتنا وحقده علينا من سن السادسة حتى الثلاثين، لهذا أيضاً نجد الأوروبيين ومنه الأمريكي، لا يشبع من نهمٍ حتى إنه يضطر أن يسعى لإشباع مظاهر غرائزه بشذوذ يحتقره حتى الوثنيون وشذّاذ البشر. هم لا يرون في شذوذِهم غرابةً بل يقولون إنه من طبيعة الإنسان. هذا صحيح، لكنه من شذوذٍ في طبيعه وليس من طبيعةٍ في طبيعه. إرهاب المسلمين أو الإرهاب الإسلامي كيفما سموه، هو الذي به يفصلون قواعد الإثارة عن عمل الإشباع. لكن لأن هذا الفصل مستحيلٌ في طبيعة الغريزة لأنه لا يتعلق بالجينات بل يتعلق بالنظام، عمدوا إلى الاحتيال على الإشباع بخداعه في تسخير طاقته.

قواعدُ الإثارةِ في الغريزة عند الإنسان الذي يرتقي في إنسانيته إلى ما يجب أن تكون عليه يلزمها أن ترتبط بمفاهيم فكرية سبق ان اقتنع بها العقل. عند الإنسان المنحط لا يلزمه هذا الارتباط لأنه يكون تخلى عن تميزه عن سائر المخلوقات، أي تخلى عن إنسانيته رغم سيره وجلوسه وكتابته باليمين وقتله باليمين واليسار. لكن في الإنسان الراقي والمنحط يرتبط الإشباع بعامل إلا في الأوروبي وفي موضوع كراهيته للإسلام وقتله للمسلم لا يرتبط الإشباع بعامل. عاملُ الإثارةِ ليس مطلقَ عاملٍ لأنه في طبيعته يرتبط بمظهر من مظاهر الغريزة، فهو قاعدةٌ في الإثارة تنتج عن طبيعة الغريزة. أي إنسانٍ هو هذا الأوروبي إذا لم يكن إنساناً راقياً في إشباع غرائزه، وليس إنساناً منحطاً في ربط الإشباع بعامل الإثارة؟ أيكون إنساناً مريضاً بتصديق وهم أوهموه به؟

في قانون الثأر أن القاتل يقتله أهل المقتول. في قانون الدولة الرأسمالية الديمقراطية أن القاتل يقتله القضاء، يعني نظام الحكم نيابة عن أهل القتيل. من أين جاء قانون إذا قتل “مسلم” فرنسياً غدراً تهبُّ الأمة الفرنسية بأجمعها بسياسييها وقوادها ومفكريها تطالب بقتل جميع المسلمين؟ وإذا قتل “مسلم” جرمانياً غدراً يجتمع الجرمان على كراهية المسلمين؟ وإذا قتل “مسلم” أمريكياً غدراً تجتمع جميع أمم أوروبا على الحقد الأبدي على المسلمين؟

إرهاب المسلمين أو الإرهاب الإسلامي حتى يمكن جعله سبباً للكراهية والحقد والقتل الأوروبي يجب أن يكون له واقع دائم في الزمن. يجب أن يكون له كادرات حقيقية في التنظيم. يجب أن يكون له برنامج فكري يشمل قناعات وأهدافاً تجذب بعض الناس إليها. في هذا الإطار يمكن فرضه عامل إثارةٍ في نفس الأوروبي يحتاج إلى إشباع بدل حقيقته أنه حادثٌ طارئ يكفيه رد فعل.

**في تناول صحافتهم للحركات الإرهابية “الإسلامية” مقالات لا تُعد لكثرتها ولا تُقاسُ فائدتها بمحتواها لأنها خالية المحتوى بل طولها وتكرارها يحقق فائدتها في الأوروبي. في المثل: التكرار يعلم الحمار. هكذا يعلمون الأوروبي كراهية الإسلام والحقد على المسلمين. لو أخذنا أي مقالة في أي صحيفة ترجموها إلى أي لغة من لغاتِ قبائلِ أكلةِ الخنزير الأوروبيين، نجدها هي نفسها التي صدرت في لغة أخرى أو في أعوام سابقة. مما تناولته الصحف الأوروبية، قمنا بتلخيص محتواها لحصر الأهداف التي حققتها الأحزاب أو الحركات “الإرهابية” التي يصنِّفونها كذلك، ويجزمون أنها المبرر لكراهية أوروبيي اليوم للإسلام وسبب خطة الحكم الأوروبي المعاصر في تعبئة قلوب الأوروبيين بوجوب قتل المسلمين.**كذلك قمنا بدراسة الموقف الدولي السياسي وتيارات سياسةِ الدول العظمى لمعرفة مدى ارتباطِ أو استقلاليةِ هذه الحركات الإرهابية “الإسلامية”. هكذا دراسة لا بد أن تشمل كيفية نشوءِ هذه الحركات، حقيقة ارتباطات واتجاهات مؤسسيها، أفكارهم الأساسية في: مبرر نشوء الحركة، ثقافة الحركة، الفكر النظامي الذي به يتكتل المنتمون. ثم المصادر الحقيقة للتمويل، الغطاء الأمني الذي يتيح لها القيام بأعمالها، الأهداف التي تحققت على يديها في أرض الواقع، مصيرها.

ليس هذا الكتاب في تفصيل خيانة الحركات الإرهابية “الإسلامية” ولا في خيانة الأحزاب والجبهات غير الإرهابية، أو تلك التي انساقت في استعمال السلاح، ولا في خيانة الحركات الإسلامية الموالية لأنظمة الكفر أو خيانة الأحزاب المعارضة لكتاب الله القرآن الكريم وسنَّة الرسول صلوات الله عليه وآله. إذ لا علاقة لهذا التفصيل بموضوع كراهية الأوروبيين، أو خطة الحكومات الأوروبية في فرض هذه الكراهية على قلوب الأوروبيين إلا بمدى حاجة الحكومات الأوروبية لهذه الحركات الإرهابية لإيجاد المسرح الذي عليه تجري المسرحية الهزلية.


(1) أثبتت دراسة كتاباته أنه مر بفترات اختلال عقلي.

الهلعُ، أو الخوف الغريزي، غير الخوف الفكري الذي يصدر عن بحث عقلي في واقع حاضر أو قد يحصل وقد انتهينا من بحثه. واقتنعنا أنه لا يبرر عداء الأوروبي للإسلام ولا كراهيته للمسلمين. الهلعُ نوع آخر من الخوف. يختلف في مبرراته وفي رداتِ فعله.الخوف الغريزي هو ما فُطِر عليه الإنسان من الخوف منه. هو جزء من طبيعة الإنسان ليس طارئاً عليه. مثل الخوف من الاحتراق أو الوقوع من مكان عالٍ أو مواجهة قطيع من الذئاب أو الانحباسِ في الماء. أمثال هذه مما يضر أو يقتل طبيعة الحياة في الإنسان. أيضاً، من الخوف الغريزي ما يضر بمظاهر الغريزة من مثل الإفلاس الذي يمنع إشباع حب التملك الذي هو أحد مظاهر غريزة البقاء. ومثل التشهير العلني الذي يناقض إشباع حب الجاه، ومثل منع المسلم من نصح الحاكم أو التعاطي بشؤون الرعاية العامة التي هي الأمور السياسية، وحماية عِرضِه من زوجة وأولاد وأمٍ وأخوات ومثلهم، فهذه كلها من مظاهر إشباع غريزة البقاء أو التدين أو النوع. هذا الخوف يتعلق بطبيعة الإنسان أولاً والأفكار التي ترسَّخت في ذهنه عن هذه الطبيعة. لذلك هي ليست ? أي الخوف الغريزي ? رد فعل غريزي بل تصرف ينتج عن قناعة عقلية بنوعية التصرف. فهو تصرف أرقى من تصرف الرجع الغريزي. ومنه الخوف من المحذور وهو من قبيل الحَزَن. الحَزَنُ هو الخوف الذي يفرض حماية الغرائز في إشباعها في تقلبات الظروف. لذلك الحَزَن هو الخوف من احتمالات في اضطراب إشباع الغرائز. ليس خوف من ظرف يواجهه. هل خوف الأوروبي من الإسلام يندرج أو يمكن أن يكون خوفاً غريزياً؟ هل عداء الأوروبي للمسلمين نتيجة خوف غريزي؟ هل كراهيته للإسلام حدَّ إقفال عقله عنه، وكراهيته للمسلمين حد قتلهم يبرره خوفٌ غريزي؟ هل هو من الحَزَن؟ الساسة، سياسيوهم، رعاتُهم يقولون نعم. مفكروهم، فلاسفتهم، كهنتهم يقولون نعم. هل نعم هذه يوجد ما يبررها واقعيا أو هي جزء من مؤامرة فرض كراهية الإسلام والمسلمين على الأوروبي؟ قبل البحث في الرد على الكذب في «نعم» هذه ننتقل إلى الخوف الثالث باختصار حتى نشمله في البحث.

الجزعُ، خوفٌ غير الخوف وغير الهلع. هو الخوف الذي ينتاب الإنسان من رجعٍ غريزي دون تفكير. يجابهه الإنسان بردِّ فعلٍ غريزي دون تفكير. هو آني ظرفي ومفاجئ. يزول بزوال ظرفه. كأن يقفز على الإنسان قط دون مبرر ودون مقدمات. مثلاً يكون القط هارباً مذعوراً من ملاحقته ومن هروبه أن يتسلل ويتسلق ويقفز. لكن في سرعة جريه تسبق رغبته من النجاة حسابَ المسافات. ففي قفزه قد يقع على إنسان أو قد يعترضه إنسان أو قد يمرقُ بمحاذاته بسرعة الهروب. ملامسةُ القط الفجائية أو مروقه بمجاورة الإنسان فجأة من خارج شبكة اللاقطِ الحسي للإنسان يُخيفه. ومثل أن يكون الإنسان سائراً باطمئنان يهاجمه آخر بمشعل من نار يحاول حرقه. أو أن يكون الإنسان في بيته فيُقذف بالحجارة ويُطلق عليه الرصاص. أو في شارع من سوهو تحوطه عصبة من الشاذين في نزواته. أو مثل رجل أكرمه الله بلون بشرة سوداء يجد نفسه في مدرسة أو منتزه رواد ممن أكرمهم الله ببشرة بيضاء يرمقونه بنظرات تشبه نظرات الحيوانات المفترسة. هذه وأمثالها توجد خوفاً مؤقتاً إذ خوفها يزول بزوال الشذوذ من الواقع لأنه لا يتأتى في ظروف عادية أو من أسباب عادية. هو خوف ينشأ من غير منشأ الخوفِ الفكري أو الهلع والحَزَن، خوف ينشأ من أي غريزة بحسب المظهر الذي نشأت عنه.

هذا البحث الموجز في الخوف ليس لبحث الخوف بل لبحث مصادر الخوف لأن التعرف إلى مصادر الخوف يسمح لنا بمعنى يفرض علينا طريقة معالجة الخوف الناشئ. فالخوف الذي ينشا عن غريزة التدين تكون معالجته في فهم كيفية إشباع غريزة التدين.( 1) بينما الخوف الذي يتعلق أو الذي ينشأ عن غريزة البقاء تكون معالجته في فهم سبب الحياة لا في إشباع الغريزة التي تطالب بالحياة وحماية مظاهرها.( 2) أما غريزة النوع فمعالجة خوفها لا تكون في فهم كيفية إشباع الغريزة، ولا في فهم سبب الحياة بل في فهم طاقتها في قدراتها واحتمالها.(3 )

معرفةُ مواطنِ الخوف أو مصادره تُنير طريقة الجزم بحقيقة الخوف الأوروبية، هل هو وهمٌ أوهموهُ به بمعنى هل هو خوفٌ لا واقع يبرره؟ أو أنه وهم أوهموه به بمعنى هل هو خوف لا مصدرَ له أي لا ينتج عن أي غريزة؟ أو أنه خوف أوهموه به لا مبرر له في الواقع ولا في المصدر؟ وحدهُ الأوروبي يستطيع إثباتَ ذلك لنفسه. على عاتقه في فرديَّتِه تقع مسؤولية هذه المهمة لأنها ترتبط بسبب وجوده في ذاته وفي سبب موته فريداً وفي وجهةِ خروجه بعد بوابة قبره. من أجله وحده، وفقط من أجله تكون فائدة بذل جهده في بيئته الفكرية السليمة، سعادته. أو تكون نتيجته دوام عيشه، في ذاته، في فراغ الحياة، حياة فارغة المحتوى، لا مبرِّر لوجوده، حائرٌ في مصيره، يجهدُ في يومه وليله حتى ينسى موته. يعيش راقداً طوال حياته هارباً، في كل أعماله وأفكاره، من الموت الذي يعلم عنه الكثير من حقائقه. يعلم عنه كيف يفنى فيه جسده، وكيف ينبتُ منه الدودُ والحشرات والبكتيريا التي ما كانت لتولد من خارج أحشائه. تعمى بصيرته عن ربط انبثاقِ الدود والحشراتِ والبكتيريا من جوفه بانبثاقِه من جوف أمه. لا يتذكر معجزةَ الخلق لأن معجزة الفناءِ تُربكه، تعطِّل عقله! ليس لأنه لا يفهمها في عمقِها بل لأنه لا يستوعبُ ارتباطها بسببها! عميته، عتمةُ حياته، انغلاق بصيرته في موته، ليس عمىً في رؤيةٍ بل عمىً في عقلِ الرؤية!

حقائقُ الفهمِ في أسباب الخوف لا تسمح للأوروبي ومنه الأمريكي بقتل المسلم لأنها كلها لا تثير حقدها على المسلم. قواعدُ عمل غريزة التدين، غريزة حب البقاء وغريزة النوع لا تحرِّض على قتل المسلم ولا على الحقد عليه وكراهيته. لأن فكر الإسلام ووجود المسلم لا يؤثر في إثارتها أو كبتها. عقليةُ الأوروبي ? مهما فقدت من عناصر العقلية السليمة ورغم خَطَلَها الفكري ? لا تستطيع بما هي عليه إنتاج هذا الحقد فكيف بفرضه على النفسية الفردية في الشخص الأوروبي. نفسيةُ الأوروبي ? على ما هي عليه من ضياع ورغم انحطاطها ? لا تستطيع احتمال فرض الكراهية فكيف بتحويله إلى حقد. مصدر كراهية الأوروبي للإسلام بالبحث الفكري المستنير، بالبحث الفكري العميق وبالبحث الفكري السطحي ليس من طبيعة عقليةِ الإنسان ولا من طبيعة نفسيةِ الإنسان إيجاده أو القدرة على احتماله في استمراره.


**(1) من طبيعة هذا الخوف أن يخبو بقدر زيادة إشباع غريزة التدين، فكلما التزم الإنسان طاعة خالقه الله ازداد اطمئنانه إلى رحمة الله. فهو يتحرك باتجاه عكس الإشباع. لهذا نقول إنه يرتبط بغريزة التدين لأنه يرتبط في إشباعها أو عدم إشباعها في صعوده أو في خموده.

(2) هذا الخوف يتعلق في فورانه وهبوطه بفكر الحياة لا في إشباع مظاهر غريزة البقاء، لأن هذا الفكر يتحكم بطريقة إشباع المظاهر وحدود هذا الإشباع. وكلما انحطَّ فكر الحياة ضعفت سيطرة الفكر على طريقة الإشباع وحدوده ما يؤدي إلى تنامي الخوف بدون مبرر.

(3 ) لأنه خوف يتعلق بوجود الذات وحمايتها وتواصلها واستمرارها، فهو خوف على ذات النوع لا على إشباع رغبات أو فهم سبب الوجود.**

حتى تكون هذه الأفكار مؤثرة في حياة الإنسان لا بد أن ينبثق منها نظام يسيِّر حياة الإنسان بمعنى ينظم إشباع حاجاته وغرائزه وينظم علاقاته. يعالج اضطراب هذه العلاقات وفيه حلول المشاكل أو معالجاتها التي تنتج عن هذه العلاقات. هذا المعنى للمبدأ الفكري الإنساني ينطبق على الرأسمالية الديمقراطية ولهذا يمكن تسميتها المبدأ الرأسمالي الديمقراطي. كذلك ينطبق على الإسلام ولهذا يمكن تسميته المبدأ الإسلامي. **من هنا كانت للرأسمالية الديمقراطية حضارة وكان للإسلام حضارة. فنظام الحكم الذي ينبثق من العقيدة في تطبيقه توجدُ الحضارة أما بدون تطبيقه فلا توجد حضارة للمبدأ في واقع الزمن. لهذا كان للإسلام حضارة وليس له في الحاضر العملي حضارة مؤثرة في الواقع.**حضارة الإسلام التي يتحدثون عنها حضارة سابقة. الذي يخافونه ويمنعون عودته هو عودة تلك الحضارة بمعنى عودة المسلمين إلى تطبيق نظام الحكم الإسلامي المنبثق من عقيدة الإسلام.

في هذا الزمن الذي نعيشه لا يوجد كيان يحكم بنظام الإسلام. لا يوجد حتى شبه كيان إسلامي بمعنى خيال كيان. لا يوجد حتى سوء تطبيق للإسلام في أي كيان. كل ما هو موجود تضليل عن الإسلام وتشويه له يجري بحسب خطة متقنة التدبير والتنفيذ من قبل دول الغرب لإنجاح خططهم في إبعاد المسلمين عن الإسلام. ومن أجل تجهيل المسلمين بإسلامهم. في هذا الواقع لا يوجد منبر لوجود الحضارة الإسلامية. ليس لفكر حضارة الإسلام واقع. ليس لنظام الإسلام كيان دولة. ليس لمبدأ الإسلام سلطة تطبق أحكامه في تنظيم علاقات الناس ومعالجة مشاكلهم. ليس له قوة تحمي تطبيقه أو تنفذ أحكامه. ليس له كيان في الوجود يقوم عليه ويدعو له. كيف يصارع الحضارة الغربية أو كيف يكون في الواقع صراع حضاري بين الديمقراطية والإسلام بينما للديمقراطية منبر وليس للإسلام منبر؟ بل للديمقراطية منابر وجيوش لا تعد، منها جيوش ممن يُفترض أنهم مسلمين، وليس للإسلام منبر واحد ولا جيش واحد!

غياب كيان حكم إسلامي لا يعني غياب الصراع بين الإيمان بالله والكفر بالله. ولا يعني أن الإسلام لم يعد فكراً حضارياً. بل هو فكر يدعو إلى عودة الحضارة الإسلامية للحياة، أو عودة الحياة إلى الحضارة الإسلامية. فكر الحضارة الإسلامية جزء من مبدأ الإسلام، بل هو عقيدة الإسلام، لذلك لا يمكن أن يندثر أو يطمس في النفوس. وما تتعرض له الأمة الإسلامية من طمس لفكرها الحضاري لم تتعرض له أمة في تاريخ البشرية منذ أن وجدت. لهذا قضية الإسلام اليوم هي إقامة الصرح الحضاري الإسلامي الذي لا يكون إلا بإقامة كيان حكم يحكم بالإسلام، وليس بإقامة أكبر مسرح احتفالي في الألفية الثالثة قي تقويمٍ يغاير تقويم المسلمين. وليس في خصخصة المرافق العامة في بلاد المسلمين. وليس في تشريع القوانين التي تبيح الفاحشة وتعممها في بيوت المسلمين. وليس في التسليم باحتلال بلاد المسلمين وتوقيع معاهدات سلام مع عدو كافر اغتصب بلداً من بلاد المسلمين. وليس في تنفيذ خطط قتل المسلمين بحجة الخضوع للقرارات الدولية والعجز عن مخالفتها. وليس في الإكثار من طبع نسخ من القرآن الكريم. ولا تكون في بناء مساجد لا يُسمح فيها حتى بقول كلمة ترتبط بفكر الإسلام الحضاري الذي هو أفكار الإسلام التي تدعو لإقامة حكم الله في الأرض.

صراعُ الحضاراتِ من وجهة نظر الغرب يعني فقط عدم السماح للمسلمين بالتزام أحكام دينهم. أحكام الإسلام تفرض على المسلم اعتناق فكر حضارة الإسلام والعمل لإقامة كيان تتمثل فيه أفكار الحضارة الإسلامية. الغرب يرى أن كل أو أي مسلم يهتدي إلى فكر الإسلام الحضاري عدو للغرب. المسلم الذي يحمل الفكر الحضاري الإسلامي للناس يَعُدّ نفسه حامل رسالة هداية ورحمة لغيره من الناس. كيف نفسر عداءهم وتهيؤهم الدائم لقتلنا مع رأفتنا الدائمة بهم عبر التاريخ أنه صراع من نفس الخلفية؟ كيف نسمي صمتنا في قتلهم الجسدي لنا في كل يوم بالطائرات والمدافع والرصاص في كل بلد من بلادنا، مع عجزنا المطلق، صراع حضارات؟

هل يتوهمون صراعاً؟ لا. هل يكذبون على أنفسهم؟ لا. هل يضلِّلون شعوبهم؟ نعم. هل يضللوننا؟ نعم. سبب تضليل الحكام الأوروبيين لشعوبهم في كذبةِ صراع الحضارات حتى تستمر تعبئة النفس الأوروبية بالخوف من الإسلام وكراهية المسلمين أعدائِهم وأعداء حضارتهم. سببُ تضليل المسلمين حتى يزداد المسلمون بُعداً عن الإسلام ويزداد حكام المسلمين إنكاراً للإسلام وتنكراً له بل عداءً له. حتى يمتنع أي مسلم عن التمسك بفكر الإسلام الحضاري. يُخيفون المسلمين بفتح معركة صراع الحضارات حتى يستمر المسلمون بالسكوت عن موت حضارتهم ويرضوا بأنظمة الحكم التي تمنع عودة الحضارة الإسلامية. حتى يكون حبس وقتل أي مسلم يدعو إلى الفكر الحضاري الإسلامي شأناً قانونياً لأنه يخالف قانون منع عودة الإسلام للحياة أو عودة الحياة للإسلام.

صراعُ الحضارات مقولةٌ فيها تضليل بالمعنى اللفظي لا بالممارسة العملية. في الممارسة العملية هو يعني فرض الحضارة الغربية على المسلمين، وكل مسلم يكتشف أن هذا ضد كلِّ آية من آيات القرآن الكريم فهو عدو للغرب يصارعه صراعاً حضارياً. بغض النظر عن كونه لا يمتلك طائرة ولا مدفعاً. ولو لا يمتلك قلم رصاصٍ يكتب به أفكاره أو يتعلم به الحساب. صراع الحضارات في مفهومها الغربي تستهزئ بالعقل الأوروبي أكثر مما تستهزئ بعقل المسلم. المسلم قد يعلم حقيقة معناها ويخشى التصدي لها أو يعجز عن التصدي لها. الأوروبي يستحيل عليه أن يهتدي إلى حقيقة التضليل في هذه الدعوة. هو في حقيقته عاجز عن اكتشاف أي تضليلٍ حكومي، فلسفي أو فكري في حياته. اقتنع منذ زمن، أن همَّه الأساسي في الحياة، بمعنى رسالته في الحياة، أن يفني حياته في السعي لإشباع غرائزه. إذا أعجبه فعل كلب تصرف مثله. إذا لم يكن للقرد هدف في الحياة فلماذا يكون له هدف؟ كيف ينظم النمل وكره يقوم هو بتنظيم مجتمعه ? وكره.

في الفكر الديمقراطي أن الكنيسة صنعت إلهاً، ثورة الشعب أطاحت بحكم الكنيسة إذاً الشعب أقوى من إله الكنيسة، إذاً ممثل الشعب أقوى من إله الكنيسة وأقوى من كاهن الكنيسة فهو لا يحتاج إلى مغفرة. من هنا كان آلهة الديمقراطية أكابر الكذابين في المجتمع الغربي. ليس بقولنا بل بدراسة سيرة حياة قادة السياسة في بريطانيا وفرنسا وأمريكا بلدان الزعامة الغربية وإن كانت فرنسا تحولت إلى ذيل أمريكي في عهد ميتران وشيراك، وبريطانيا ما زالت تدّعي أنها عظمى بطريقة مكر العشقية بسيدتها.

عناصر الصراع؛ منابره وأدواته متوافرة للحضارة الغربية. عناصر الصراع بمنابره وأدواته غير متوافرة للحضارة الإسلامية. صراع الديمقراطية مع الإسلام كصراع دون كيشوت مع ألواح دواليب طواحين أسبانيا. ضربة سيف في هواء. هذا في حقيقة الواقع لا في واقع مسرح الدمى. حقيقة الواقع أنْ ليس هناك مبرر لخوف أيديولوجي من المسلمين ولا يقال في هذا المقام إن خوف الأوروبي الحضاري ليس من المسلمين لأنهم يعلمون أنهم نجحوا في إبعاد المسلمين عن الإسلام بل من فكر الحضارة الإسلامية. لا يقال هذا الكلام لأن الرد عليه من الواقع في حقيقتين:

1- أن الأوروبي من أكثر الناس عشقاً للفكر. حتى ليكاد يكون لكل شاذّة فكرية أنصارٌ ومصدقون. صحيح أن الأوروبي لا يعرف معنى الفكر ولهذا لا يفصل بين الفكر والمعلومات ولا يفصل بين الفكر وطريقة التفكير ولا بين فكر الحقيقة وخيال فكر الحقيقة. لكن هذا يبقى جهلاً في الفكر في شروطه وفي مقاييسه لا علاقة له بشغف الأوروبي بالفكر والإخلاص لقناعته، واتباعه في حجته. وقد أثبت الأوروبي الحديث ضياعه في التفكير لا هروبه من التفكير. وأثبت إخلاصه في التفكير لا نفاقه في التفكير اللهم إلا الإنكليزي. وأثبت مثابرته على التفكير دون خوف في حجم التفكير. هذه النفسية في الأوروبي في ممارستها يستحيل عليها أن تخاف من أي فكر إسلامي أو غير إسلامي. عندما يقال “أي فكر” فهذا يشمل الفكر الذي له حجة تثبته والفكر الذي ليس له حجة تثبته.

صحيح أن الفكر الذي ليس له حجة لا يسمى فكراً، لكن في عصر عرفات زعيماً قائداً لتحرير فلسطين أصبح فكراً بقوة الطائرات الأميركية التي دمرت بيوت المسلمين في كوسوفا بحجة تدمير القوة العسكرية الصربية من أجل السلام. كما النفسية الأوروبية في صفائها لا تخاف من الفكر الإسلامي كذلك العقلية الأوروبية لا تخاف من البحث في أفكار الإسلام. كذلك سلطات الحكم في الإنكليز والأوروبيين لا تخاف من أن يبحث الأوروبي عن الإسلام. لأنها تعلم أن الأوروبي لا يملك مقياس صحة الفكر حتى يكتشف صحة الفكر الإسلامي. ولأنها تعلم أيضاً أن الأوروبي فقد منظار التمييز بين فكر في حجة وفكر بدون حجة. فالأوروبي كمسلم اليوم بينه وبين فكر أيديولوجية الإسلام سيل جارف من أفكار إسلامية متناثرة مبعثرة يمنع تجميعها غياب الرباط العقدي منها وليس بينها.

شرط الفكر الحضاري أن يرتبط بعقيدة الأفكار التي هي قاعدتها كلها. إذا أخذنا أفكار أي حضارة دون ربطها بوجهة النظر في الحياة التي صاغتها العقيدة وهي ما أصبح مصطلحها أيديولوجية الفكر فإنها حين فهمها ? أي فهم الأفكار ? يكون فهمها منفصلاً عن قصدها. إذا انفصل فهم الفكر عن فهم مقصده يكون فكراً ميتاً لا حياة فيع وغالباً ما يكون فكراً سخرياً. لأن الفكر الميت هو الفكر الذي لا روح فيه، هو الفكر الذي لا يرتبط بجذوره وبذلك لا يرتبط بفلسفة نبت منها. فارتباط الفكر بفلسفته هو روحه وهو الذي يحدد قصده. دراسة الفكر المنتجة المؤثرة في العقل توجب دراسة الفكر من خلال فلسفته ? فلسفة فكر المبدأ الفكري ? وإلا تكون دراسة سطحية غير مجدية مهما كانت مستفيضة لا تخرج عن كونها طقطقةً فكرية أو ثرثرةً قولية.

هذا في أحسن أحوال البحث في أفكار الإسلام وهو تعترضه سدود مفروضة على الأوروبي يكاد يستحيل افتراضها أو تجاوزها. حتى هذا المستوى الذي لا يمكن أن يؤدي بالأوروبي إلى الاقتناع إلا في الحالات النادرة وهي حالات فردية منزوية لا يسمحون أن يكون بمتناول الجميع. الواقع أن بحث الأوروبي في الإسلام ليس له مصادر متيسرة إلا من خلال أقنية الدراسة التي تطبق على المجتمع. ومن خلال المصادر المتوفرة للمجتمع. جميعها يرتبط بمناهج الثقافة ومراكزها ومنابر الإعلام الجماعي ورجاله، ولا يوجد مصدر آخر يتوافر للأوروبي. أما ما يحتجُّ به من توافر مراكز إسلامية ودعاة وجمعيات إسلامية ومدارس إسلامية في الغرب فهذا أسخف من أن يستحق رده. نرد المحتجين بهذا إلى وجوب أن يتعرفوا إلى حقيقة واقع هذه المراكز فهي تنطق بتفاهاتها وخبث دورها وارتداد نتائج أعمالها في غير الرجاء منها.

2-ليس لفكر حضارة الإسلام منبر. الإسلام مبدأ فكري للإنسان أي لجنس البشر أجمعين. المبدأ الفكري هو عقيدة ونظام معالجات لجميع شؤون الحياة ينبثق من هذه العقيدة. العقيدة هي الفكرة الكلية عن الحياة، عما قبلها وما بعدها. وهذا يعني فكرة كلية عن وجود الإنسان لأنه قصد البحث، وعن بدء الحياة التي هي الحقبة الزمنية لوجود الحياة، وعن تكوين الكون الذي يعيش فيه الإنسان. نقول الكون وليس الأرض فقط لأن وجود الأرض، مهبط الإنسان، يرتبط بأنظمة علاقة الأرض بغيرها. ثم عن علاقة الوجود الحياتي بمصيره في الموت. لأن مظهر الحياة في كل شيء فردي وليس جماعياً يفرض أن مصير الحياة الجماعي مثل مصير الأصل الذي هو فردي. أفكار علة الوجود الحاضر وعلاقته بماضيه ومستقبله جميعها تشكل وجهة نظر خاصة في الحياة أي أيديولوجية فكرية محددة. إذا اقتصرت هذه الأيديولوجية على هذه الأفكار تكون فكرة نظرية مبتورة لا تؤثر في سلوك الإنسان لا بل إذا اعتقدها تقوده في ضياع وحيرةٍ طوال حياته.

نحن، مسلمي الأمس، مؤمني اليوم، أحياء بعد غد نتمنى لو كان خوف الجرمان والفرنجة السكسون والرومان والأيبيريين والإنغليش والصرب والسلاف والأثينيين جيران المقدونيين وغيرهم من شعوب البلاد المنحطَّة والمتجمدة في تعصبها ضد المسلمين وحقدها عليهم مثل مخلوقات النرويج والسويد والدانمارك وهولندا وبلجيكا وجزر ما بين المحيطين من الجليد الشمالي إلى البركان في جنوبها. نتمنى لو كان خوفهم من فكرٍ أيديولوجي ينبع من وجهة نظرهم في الحياة. لا يمكن أن ينبع من فكر أيديولوجي مهما كان باطلاً فاسداً تافهاً مثل الفكر الأيديولوجي الأوروبي الذي يفصل بين واقع الحياة وما وراء الحياة في وجودها مخلوقة أو غير مخلوقة. وفي مصيرها ما وراء الموت مسؤولة أو غير مسؤولة. لا يمكن أن ينتج عنه خوف لا يرتوي إلا بقتل الآخر؛ المسلم، أخي وأختي وأنا! هذا التأبيد ليس جزافاً بل بحسب عناصر الفكر الحضاري في منشئه وفي عقيدته وفي غايته وفي طريقته. خوف الفكر الحضاري خوفٌ لا يحتم القتل بل لا يؤدي إلى القتل لهذا لم يقتل المسلمون خلال حكمهم ألفاً وثلاثمائة عام إنساناً واحداً لأنه يخالفهم في أيديولوجيته رغم خوفهم من الكفار جميعاً. لم يقتلوا مسيحياً ولا بوذياً ولا رأسمالياً ديمقراطياً واشتراكيا رغم كفرهم وحقدهم وقتلهم المسلمين. كون الأوروبيين قتلوا وأبادوا المسلمين حيثما استطاعوا ذلك ? كونهم أصحاب إيديولوجية مبتورة النصف الأعلى غير متكاملة في مسيحية رومانية أو ديمقراطية رأسمالية ? يجب أن لا يخدع بصيرتنا أن كراهيتهم للإسلام لها علاقة بفلسفتهم الفكرية حتى ولو نادى بها الفلاسفة. أو أن قتلهم للمسلمين له علاقة بعقيدة مبدأ الديمقراطية ولو نادى به وعمل له ساستهم وحكامهم الديمقراطيون. كذلك لا يعني أن هذا الحقد والقتل عبر التاريخ ينبع من طقوسهم المسيحية في عبادة صنم مصلوب وأكل الألوهة وشرب الدم الإلهي وغفران الكهان. أو أن له علاقة بالفكرة الإلحادية، بفكرة وحدة الوجود، فكرة صدفة الوجود، فكرة النشوء والتطور. أو إنه من حيرتهم في تقديس الصليب الذي صنعه يهود لصلب “مسيحهم” أو تقديس يهود الذين صلبوا “مسيحهم”. أو من حيرتهم في تقديس مسيح “الكاهن” أو إنكاره. أو من حيرتهم في تقديس كاهن “المسيح” أو في احتقاره. الحيرة تمنع القتل. الحقد والقتل يحتاج إلى قرار، في طبيعة الإنسان أنه لا ينبع من حيرة يحتاج إلى تربة مغايرة لا مشابهة.

صراع الحضارات ليس سبيله الإبادة وإن كان في حتمياته عداء وخوف وحروب فيها قتل وتشريد. عندما أباد المسيحيون الإنكليز والفرنسيين والأسبان والبرتغال سكان أمريكا لم يكن بسبب خلاف أو عداء أو خوف حضارياً إطلاقاً. ليس بقولنا بل بقولهم في سجلاتهم وتاريخهم وتصوير حروبهم، وتفصيل خداعهم وتقارير مكرهم وذكريات أكابر ساستهم وأساتذة فكرهم وقساوسة حملاتهم. جميعهم أجمعوا أنهم أبادوهم دون حاجة. نهب ثروات أهل البلاد لا يحتاج إلى إبادة، صحيح أنهم أبادوهم لينهبوهم لكن هذه الحقيقة تخالف الحاجة وهي تحقيق هدف النهب. تخالف بمعنى تثبت أن الخلاف الحضاري لم يكن سبب إبادة سكان أميركا اليوم بلاد الأنغلو سكسون واللاتين. كذلك، صراع الحضارات في جميع أشكاله لم يدفع بالمسلمين يوماً إبان سيادتهم على الأرض إلى إبادة واحد أو مليون في قرية أو دسكرة أو مدينة. فكيف بشعب أو أمة بكاملها كما فعل المسيحيون في إبادة ثلاثين مليون مسلم في إسبانيا. وكما فعل أكابر المسيحيين في كل بلدٍ مسلمٍ أهله وفي كل فردٍ تغلبوا عليه طوال وجود هذا الصراع. حتى بدون هذا الصراع كما هي حال اليوم لا يوجد صراع بين إسلام وكفر ومنه الديمقراطية أو الاشتراكية أو القومية. سنوات والمسيحيون يقتلون المسلمين في البوسنة والهرسك في منع دولي بقرار من جميع الدول في منظمة الأمم المتحدة من تسليح مسلمي البوسنة والهرسك للدفاع عن أنفسهم. حتى الدول التي عارضت القرار شاركت فيه والتزمته رغم أن جموع سكانها من المسلمين بحجة عدم الخروج عن التوافق الدولي في إبادة المسلمين وهم بدون أسلحة. جميع حكام الأرض وقفوا يراقبون قتل الإنكليز والفرنسيين والألمان والصرب والكروات للمسلمين وهم محاصَرون بدون طعام أو سلاح. جميعهم أعلنوا السلام وأصبحوا أبطال سلام، بما فيهم أمريكا، بعد أن أفنوا كل من استطاعوا إفناءه أو لزمهم إفناؤه.

عندما نقول لا يوجد اليوم صراع حضارات بين كفر الفكر الديمقراطي وشذوذ فكر الفلسفة الغربية وبين الإسلام ليس مجازاً بل في حقيقة الواقع. حضارة الغرب تقوم عليها كيانات حكم بما يلزمها من جماعات وصناعات ومؤسسات. حضارة الإسلام كانت، ليس لها في الحاضر كيان حكم حتى ولا يسمح بتذكرها أو قراءتها أو الحديث عنها. وليس لها حضور حتى في ذهن المسلمين فكيف بسلوكهم ونهجهم وطريقة تفكيرهم وتدبير أمور حياتهم. الصراع يحتاج إلى أدوات من منابر إعلام وقوى مادية من اقتصاد ونقد وجيوش. كيان الحكم القائم اليوم في أي بلد مثله مثل الجميع، يدعي الديمقراطية. نحن نصدق ذلك لأننا نعلم حقيقة شذوذ فكر الحضارة الديمقراطية كما يعرفه الذين يحاولون ترقيع هذا الشذوذ وإصلاحه. نصدقه لأن فكر المبدأ الرأسمالي الديمقراطي يقوم في كيان حكمه على رجال يتفوقون على جميع أفراد مجتمعهم بالكذب والخداع والتضليل. ففي طبيعة الفكر الحضاري للديمقراطية شذوذ وفي ممارسة العيش بالفكر الحضاري الديمقراطي شذوذ. نحن نصدق كل من يقول إنه ديمقراطي بقدر معرفتنا بشذوذ جهله لا بشذوذ علمه. بقدر معرفتنا لكذبه لا في صدقه. نصدّق الجميع أنهم ديمقراطيون لأننا نعلم يقيناً أن الفكر الديمقراطي يستوعب كل الكذب وجميع الكذابين.

في الفكر الكنسي الذي نشأ متأخراً عن الفكر المسيحي حتى إذا أمسك بقيادة الفكر المسيحي ألغى دوره وجعل الفكر الكنسي أساس المسيحية بدل الحقيقة التاريخية. يقولون إن الكاهن بمعنى الكنيسة نجحت في اصطناع إله ونجحت في دورها بحماية هذا الإله فكيف لا يكون لها القدرة على منح الغفران نيابة عن الإله. الشيء الطبيعي أن يكون للكنيسة حق منح الغفران لعصاة الكنيسة أو الحاكم الذي وراء الكنيسة. لذلك نرى شذوذ الحقد في النفس الوثنية ما قبل المسيحية أضعف في قوة شذوذها من شذوذ الحقد في النفس الإنسانية التي اعتنقت المسيحية. النفس الإنسانية بدون المسيحية ليس لها من يغفر لها ويطهرها قبل الموت. خشيتها في فطرتها من الموت كان يمنعها من الشطط بدون حدود في غيِّها وحقدها على غيرها. المسيحي لا يعبأ في الشطط كذباً، معصية، حقداً وقتلاً، فعلى ناصية كل حي كنيسة تنتظره لتغفر له معصيته وتباركه في شذوذه وإذا قتل مسلماً أو نكث عهداً مع مسلم فهو قديس.

لن ننساق في بحث موضوع العقل أو موضوع الميول، ولا موضوع السعادة ونظام إشباع الرغبات فهذه ليست بذاتها موضوعاً في هذا الكتاب. لكنها تتعلق في مصادر الخوف، في أسبابه وفي تفاعلاته التسلسلية. فبعد البحث في ترسيخ الخوف العقلي من الإسلام في الأوروبي، وهو الخوف الذي يمنع العقل من فهم الإسلام بحسب قواعد الفهم. وأيضاً هو الخوف الذي يفرض كراهية الإسلام واحتقار المسلمين، لكنه ليس الخوف الذي يوقد الرغبة في قتل المسلمين. خوف الغريزة هو الذي يستوطن شرارة الجريمة في الإنسان.

خوف الغريزة، وهو خوف الجسد، وحده فيه احتمال قرار قتل الخصم للنجاة أو قرار الهروب للنجاة. لكن، خوف الغريزة في الإنسان بعد خوف العقل أو مع خوف العقل الذي أوجد كراهية في النفس لا يحتمل غير قرار واحد: قرار قتل الخصم. لذلك، في الحالة الثانية وفي إيجاد الواقع الذي يُخيف الأوروبي الذي لم يعرف في طول تاريخه كيف يفكر أو لماذا يفكر، ولا كيف يسعد أو بماذا يسعد، ولا لماذا يحيا أو كيف يحيا، لا بد من أعمال غير أعمال الحالة الأولى. حتى يكون إنسان أوروبا اليوم كما كان في الأمس القريب والبعيد، ليس أكثر من حيوانٍ يفترس مسلماً ليس لنهبه فقط بل لإماتته. وحتى يبقى أوروبي اليوم، ومثله أمريكيه، لا يستطيع أن يفهم إنسانيته إلا على طريقة فهم الحيوان، الذي ما زال في اعتقاده أنه منه جاء. وفي أحسن أفكاره أنه مثل الحيوان يجب أن يعيش، دون قصدٍ في معرفة سبب الحياة فيه ومفارقتها لسبب الحياة في الحيوان الذي يقول إنه جدّه.

أكثر حالات الجزع تكون في طغيان الخوف على رباطة الجأش. رِباطة الجأش هي تحكم العقل في زمام النفس في كلام توضيحي علبةُ الحجة على النـزوة، وهي الحالة الطبيعية في حياة الإنسان. إلا أنه في طبيعة الإنسان حالات يمكن أن تتغير فيها القواعد النفسية الطبيعية بغلبة الشذوذ في السلوك. لكنه لا يحصل إلا بالتلاعب بقواعد النفس البشرية كما يمكن اليوم التلاعب بالجينات. الفارق أن التلاعب بالجينات تلاعب عضوي، بينما التلاعب بالقواعد النفسية لا يتم إلا بالخداع العقلي. في الإنسان العقل يسيطر على الميول النفسية، هذا في طبيعة الإنسان وليس في شذوذ طبيعته. عندما تضعف سيطرة العقل على الميول يحصل الانفصام في الشخصية وهو شذوذ أي اضطراب في الطبيعة. لذلك كان التلاعب العقلي الذي قامت به سلطة الحكم في الأوروبي بغطاءٍ كنسي لاهوتي مسيحي طوال ألف وخمسمائة عام خطيراً. خطورته لم تتوقف بانتهاء عصور الظلام أو زوال الحكم المسيحي كما يسمونه. خطورته أنه فرض على مفكري الثورة على الكنيسة الإمعان في تضليل الأوروبي. فبعد أن فرضت الحكومة الكنسية على الوثني الأوروبي الخاضع لحكمها قَتْلَ المسلمين قتل إبادة، جاءت الحكومات الديمقراطية، وريثة نجاح الثورة على الكنيسة، تفرض على المسيحي الأوروبي والملحد قناعة وجوب قتل المسلمين قتل إبادة. فرض هذه القناعة لا يمكن أن يتم باستمرار انفصام الشخصية الأوروبية، فقامت الفلسفة الأوروبية الحديثة بالتلاعب بقواعد الطبيعة في النفس الفرنسية والجرمانية ومن يلحق بهما بلعق نجاستهما الفكرية. هذا التلاعب بقواعد النفس استلزم إثارة الخوف الغريزي في الأوروبي. وهو الذي فرض حاجة الحكم في أوروبا إلى اصطناع واقع الإرهاب الإسلامي.فكان أن قامت أجهزة المخابرات في كل دولة بالتعاون لإيجاد حركات إرهابية “إسلامية”. وإيجاد إرهابيين “إسلاميين”، مهما كان هذا الإرهاب تافهاً في أعماله وفاشلاً في نتائجه. فالحاجة ليست في تحقيق قتل المسلم الإرهابي المسلم ? ويسمونه مسلماً ولو كان ممن لا يصلي ويشرب الخمر ? للأوروبي، بل الحاجة إلى إيجاد المسوِّغ في تعميم مبررات إثارة الخوف الغريزي.

فالخطط في التعميم الجماعي لإثارة عاطفة ما في الأمة يختصر في يوم أو يومين جهد سنين من العمل الرصين. فبعد إثارة الخوف الجماعي من المسلمين بسبب قتل “إرهابي مسلم” أو “إرهابيين مسلمين” لفرنسي أو ألماني أو إنغليشي او غيره، يسهل ترسيخ الحقد على المسلمين جميعاً وعموماً. الحقد لا يرتوي ويذوي إلا بالقتل، بالموت الجسدي للمسلم. وبما أن الحكومة الإنكليزية أو الأميركية أو الفرنسية أو غيرها لم تنجح في الإفناء الجسدي التام للمسلمين، رغم مطالبة كثير من سياسييهم، مفكريهم وعسكرييهم بهذه التصفية فإن الحقد يتحوَّل إلى حالة نفسية دائمة تظهر في تعامل أي أوروبي مع أي مسلم. حالة الحقد الدائم في النفس الخبيثة الأوروبية على المسلم هي الحالة الدائمة التي يريدها الحاكم الألماني للألماني بأن يعيش بها ويورِثها ابنه وابنته. بغض النظر عن الحزب الحاكم مسيحياً برئاسة المرتشي هلموت كول أو اشتراكياً برئاسة المخادع غيرهارد شرويدر. وبغض النظر عن كونه أميراً زانياً في قصر أو رئيساً زانياً خائناً لزوجته كاذباً في قسمه في بيت.

الخوف، الخوف الغريزي، الجزع: تعابير استعملناها ليس اعتباطاً بل انتقاءً لا يمكن لأي منها أن يغيَّر. صحيح أن شعور الخوف عام فيها، لكن كل كلمة تعبر عن خوف ينبع من مظهر مختلف من مظاهر الغريزة في الإنسان. الخوف هو الخوف الذي ينشأ عن قناعة فكرية في العجز. لا يتعلق بحساب الإمكانيات والأدوات للغلبة. هو الخرف الذي يكون مصدره في جذوره معرفة الفرد لحقيقة حجم قدراته في ذاته. هذه المعرفة لا بد أن ترتبط بمعرفة أخرى في حقيقة دور هذه القدرات ? قدراته ? في طبيعتها لا في تخطيطه. مزيج معرفة الأولى والثانية يجب أن ينير واقع حقيقة المعرفة الثالثة. معرفة علاقة القدرات ودورها في طبيعتها بسبب الحياة ووجوده فرداً إنساناً، عائلة ومجتمعاً في هذا الكون. في كلام أدبي هذا الخوف هو خوف الفرد في حالة ما وراء الموت وليس في حالة ما وراء الحياة. ولا يصل إنسان إلى هذه الخوف إلا إذا وصل في بحثه العقدي إلى أعلى مستويات الفكر الإنساني المفروض على كل فرد كان يمشي أو ما زال يتنفس أو يمكن أن يولَد. ليس فكراً خاصاً بمتعلم أو من عنده فسحةٌ في عيشه أو قادرٍ على الهذيان بفلسفة. جنسُ هذا الخوف فيه أمران بمعنى ينتج عنه قرارٌ وأمل. القرار والأمل ليس موضوعنا حتى نبحث فيه لكن لا يجتمعان إلا ويقترنان بعمل. خوف فكر ما وراء الموت غير فكرِ ما وراء الحياة. خوفُ فكرِ ما وراء الموت يتعلق بحياة أو بغير حياة لكنه يجري في عروق الفرد الحي بغضِّ النظر في أيٍّ من عروقه، ودون البحث في منابع هذه العروق وفي مصبِّها. من طبيعة هذا الفكر أو خوف هذا الفكر أن يصبغ بمعنى يؤثر على حياة الفرد بمعنى سلوكه الحياتي تأثيراً ظاهراً وليس خفياً أو مستتراً. لذلك خوف هذا الفكر هو جزء من وجهة نظر الإنسان في الحياة، أي جزءٌ من أيديولوجيته.

الحالة الثانية هي إيجاد الواقع الدائم الذي يُخيف الدويتش والفرانك والسكسون ولإغريق والرومان والمسعورين الذين تبعوهم في التاريخ من الأجناس الأوروبية الأخرى ممن لم يعد لهم شأن في حاضر الزمن. يُخيفهم في أجسادهم لا في عقولهم، بإثارة غريزة الجسد التي تُعطِّل دور العقل. الخوف مظهر من مظاهر غريزة النوع، ليس غريزة بذاته كما يعلن فلاسفة أوروبا. الخوف الجسدي وهو الخوف الغريزي غير الخوف العقلي أو المعنوي. خوف الغريزة يكون بالحرص على الجسد. مظهر الخوف الغريزي يكون باتخاذ إجراءات تحمي الجسد بكامل أعضائه وتفاصيله. خوف الجسد يبعث في أروقة النفس جيشين: جيشاً لحمايته بفرض إجراءات الاحتياط وجيشاً آخر ليبطش بالمعتدي. هذا الاستنفار لجيوش النفس البشرية يلغي وجود العقل في النفس رغم وجوده عضوياً في جمجمة الجسد. هذا الاستنفار يلزمه استنـزاف التعبئة في جميع طاقات الأعصاب العاملة في الواقع الدموي أو التواصل الكهربائي. فيه، في هذا الاستنفار، يتحوَّل الدماغ إلى عضو كما في بداية تاريخه في ولادة الجسد. كما في مرحلة ما قبل مفاجأة البلوغ. عضو غير مؤثر في قرار القتل. لذلك جرائم الدون ? دون سن البلوغ ? لها عقوبات مخفَّفة عن تلك التي يرتكبها الراشدون. في الحقيقة أن في حياة النصف الأولى للجسد حافتين: حافة البلوغ وحافة الرشاد. لكن الحافة الأولى تتعلق بكمال العضو بينما الحافة الثانية تتعلق بدور العضو. عندما نتكلم عن الدماغ أنه عضو فإن هذا يفرض الحديث عن كمال نموه. عدم اكتمال نموه يعني استبعاد البحث في صوابية نتائجه، أو قواعد أدائه، أو أحكام دوره. ويعني وجوب العفو المسبق عن كثير من أفعاله، وشروره وجرائمه. يعني تحويل الدماغ إلى مادة تمتص منها أعصاب الهلع سيولة الارتواء.

الخوف الغريزي، الخوف الجسدي، حالة ارتجاج في الجسد ليس في النفس. نحن نخالف فهم “فلاسفة” أوروبا الذين لا يُفرِّقون بين ارتجاج الجسد وارتجاج النفس. عندنا، ارتجاج الجسد في أسبابه وطاقاته وغاياته يخالف ارتجاج النفس في كلها. ارتجاج الجسد هو في بساطةٍ انفلاتُ أعضاء الجسد في قيود ارتباط النفس بالعقل. لذلك، هي عملية انقلاب على النفس ومصادرة جميع طاقاتها تلك التي يسيِّرها العقل، أو تلك التي يطمسها العقل في مستوعبات خليوية يختزنها. ليستثيرها عندما يرى حاجة في حماية الجسد بمزيدٍ من الطاقة التي لا يحصل عليها إلا عبر القنوات النفسية.

النفس، عندما ترتبط بالإدراك والفهم في دورها الطبيعي وفي رقي الإنسان. ليس في رقي إنسان اليوم، إنسان أوروبا ومِنه إنسان أمريكا. رقي هذا ليس أكثر من انحطاط إنسان روما والكلت ووثنيي الجرمان والسكسون والأنغلوش والفرنجة ونواطير الطواحين ولصوص الجنس البشري. رقي الإنسان في طبيعته لا يسمى ارتقاءً إلا إذا التزم قواعد الطاعة لله. رقي الإنسان لا يكون إلا بالتزام المسلم أحكام العقل والنفس في استخراج طاقة غريزة في جسد الإنسان. المسلم في طبيعته إنسان يرتقي في طريقة فهمه وفي إشباع ميوله ليجعل من دور العقل وغاية النفس في توحُّدهما تربة إخصابٍ للطاقة الفوَّارة اللازمة لشتى الميول والرغبات، إنسانية كانت أو حيوانية في إنسان. ليجعل توحُّدهما في طاعة الله نظاماً شاملاً للإشباع في جميع مراحل الوجود الفردي في برزخ الحياة. ليجعل توحُّدهما، توحُّد العقل وهو دور الدماغ في الفهم، والنفس وهو دور الغريزة أو مظاهر الغريزة في التطلب وتنامي الرغبة في الإشباع حتى تتكامل في ميل فحاجة.

في توحُّد الفهم بقناعةٍ أو قناعةٍ بفهمٍ مع ميول النفس أو رغبات الغرائز في مظاهرها تتكوَّن شخصيةُ الفرد التي فيها وحدها وفقط في حالة التوحد هذه تتواجد السعادة. لذلك، السعادة عندنا تكمن في طبيعة الفهم وطبيعة إشباع الرغبات. الفهم يتعلق بقواعد عمل الدماغ، وإشباع الرغبات يتعلق بنظامِ إشباعٍ يُقنِع الفرد بفهمٍ حسب قواعد عمل الدماغ. لذلك، ليس في الإسلام موضوع كبت غريزة حتى نلجأ إلى علم النفس لمعالجته. وليس في الإسلام موضوع إطلاق غريزة حتى نلجأ إلى إيجاد قوانين تبيحه. كذلك في شروط السعادة، لأن السعادة تكمن في إشباعٍ حسب نظامِ إشباعٍ اقتنع به العقل بحسب قواعد الفهم لا بحسب طغيان الرغبة.

في السعادة ليس هناك موضوع خضوع الغريزة للعقل، ولا موضوع خضوع العقل للغريزة. كذلك في الإسلام لا توجد هذه المواضيع. لأن الحياة في نظام الإسلام لا تكون إلا في سعادة. بينما هذه المواضيع لا تنشأ إلا في حياة الشقاء. موضوع السعادة هو ممارسة الإشباع حسب نظامِ إشباعٍ يُعرَضُ على العقل للاقتناع به حسب قواعد الفهم، لا بقوة الرغبة. موضوع السعادة ليس بإخضاع إشباع الرغبات إلى نظامٍ يضعه العقل. ليس في الفرد، في فطرته، إذا تُرك على طبيعته، عقلٌ ضد رغبة. في طبيعة الإنسان رغبةٌ تحتاج إلى نظام لا تملكه. وفي طبيعة الإنسان عقل يعمل بقواعد مفروضة عليه، لكنه بهذه القواعد يستطيع أن يقنع بفكرٍ أو يرفضه، لا يستطيع إيجاد فكرٍ إنشاءً ابتداءً فكيف بإيجاد نظام إشباع رغبةٍ أو رغبات. وليس في الإنسان رغبةٌ ضد عقل. فالرغبة لا تعلم بوجود عقل، ولا تحتاج في إشباعها إلى عقل. فكيف تكون الرغبة ضد مجهولٍ في وجوده. السعادة في شرطها وقاعدتها ارتباط الإشباع بنظام لا يُفرض على العقل ولا يكون صادراً عن العقل، فقط يقتنع العقل به. اقتناع العقل لا يكون كما قد يتبادر للساذجين بحرية العقل في الفرد بقبوله أو رفضه. اقتناع العقل يكون باستيفاء النظام ? نظام الإشباع ? لشروط قواعد الفهم. لأن توافر هذه الشروط يشمل قواعد الخطأ والصواب التي يقنعُ العقل بها وتطمئن بها النفس. العقل ليس فيه القدرة على القبول والرفض، قواعد العقل بمعنى قواعد الفهم هي التي تقرر الخطأ والصواب لا عملية الفهم. قواعد الفهم هي عناصر الفهم بينما عملية الفهم تتعلق أو تؤثر بنتائج الفهم.

حكامُ الغرب، كما أوضحوا لكل المسلمين، لا يخشون إلا صحوة مفكر يفهم الإسلام أنه مبدأُ كل فكر وعمل. يفهم الإسلام أنه مبدأ فكري سياسي شرطُ الإيمان به أن يتكتل المؤمنون به تكتلاً فكرياً سياسياً به، عليه وله. لا قيمة لأفكاره وأحكامه ووجهة نظره في الحياة دون كيانٍ يحكم بدستوره وقانونه. صحوة مفكر يتحوّل بفكر الإسلام المتعلق بفكر القيادة الفكرية للإنسان إلى تكتل سياسي حتى لا يبقى فكرُ الصحوة حبيسَ فرد يموت بموته. تكتل سياسي يرثُ فكر المبدأ السياسي لا نمط العمل، إذ نمط العمل يتعلق بالواقع لا بالفكر. الصحوة التي كان يخشاها الغرب صحوةُ المفكر في فكر القيادة الفكرية في الإسلام. فكرُ الفرد غير فكر القيادة الفكرية في الفرد. فكرُ القيادة الفكرية يخرج من الفرد بطبيعته، لا يمتّ إلى صاحبه الذي أطلقه، ولا إلى مُعتقِدِه الذي آمن به. لا يرتبط بأحد، لأن موطنه قلب الإنسان الذي يهتدي إليه. لذلك يلزم فكر المبدأ السياسي الذي يقوم على فكر القيادة الفكرية أن يكون له قيادة عمل ومجال عمل. فإذا وُجِد فكر القيادة الفكرية ومنه قيادة عمل وله مجال عمل فقد وُجد الحزب السياسي الذي يستطيع قيادة المسلمين في نهضتهم. فكر هذا الحزب من حجَّة عقيدة الإسلام لأن برهان فكره يتعلق ببرهان الوجود، وحقيقة فكره التي هي وقائع أفكاره تتعلق بحقيقة الوجود التي هي أيضاً وقائع الوجود. إنما هذا الحزب لا ينتصر في قيادة المسلمين لردع الغرب في قهرهم للمسلمين وفرض حكمهم بالكفر. حكمهم بغير ما أنزل الله أو بتحريف ما أنزل الله، لمجرّد وجود الفكر لديه أو مجرد إخلاص القيادة لفكر الحزب، بل بمدى وعيه على فكر القيادة الفكرية التي يتبناها بوعي على العمل الذي يحتاجه الفكر. انتصار الفكر، يدركه أصحاب الفكر، ليكون بارتباط الأسباب بالمسببات. الانتصار له مقومات لا يتم بدونها، هذا في فكر الإسلام كما في فكر الغرب.
غربِ بلاد المسلمين، غرب شعبِ العرب، حكوماتُ شعوب أوروبا ببرامجها تعبِّئ صدور الأوروبيين بكراهية للإسلام بطريقة النفخ الإعلامي الذي يُثير، لا بطريقة الحجة المقنعة. سبب ذلك أن ليس في موضوع كراهية الأوروبيين للإسلام حجة. كيفما قلَّب الإنسان حيثيات كراهية الأوروبي للإسلام لا يجد غير تلفيقات، أكاذيب تصطنع حججاً حتى مجرد طرح فكرة الخلافة التي ينادي بها حزب التحرير لا تشكل حجة في حد ذاتها. البرنامج السياسي في حكم الأوروبيين بدأ خطته في غرس كراهية الإسلام في النفس الوثنية وحتى المسيحية تسعةَ قرونٍ قبل وجود حزبِ التحرير بثقافة الفكر الإسلامي الذي يتبناه. حزبُ التحرير، حتى اليوم، رغم كونه الحزب الوحيد في بلاد المسلمين الذي يقوم على فكر المبدأ السياسي للإسلام ليس بحجمٍ يُخيف الغرب حتى يستنفر قواه في إثارة كراهية الأوروبيين للإسلام. حتى اليوم، يكاد لا يوجد ذكرٌ عام له في أوروبا، وفي بلاد المسلمين تمنعه أجهزة حكم ما يسمى اليمين المتطرِّف كما تمنعه أجهزة ما يسمى اليسار المتطرف. كما تحاربه جميع أحزاب الكفر والإسلام الذي تجيزه الدولة، وتحاربه جميع أحزاب الكفر والإسلام التي تعارض الحكم لتكون رصيداً احتياطياً لخيانة المسلمين وإعادة إخضاعهم بالخداع والتضليل في مسيرة هجر القرآن. تبني فكر القيادة الفكرية في الإسلام وهي فكرُ الإسلام المتعلق بالحياة وطريقته في الدعوة لهذه القيادة مبرِّرٌ لتحريك طبيعة العقل في نفس الإنسان المسلمة والكافرةِ حتى لو كانت أوروبية. النفس في الأوروبي مهما حاولت الثقافة التضليلية في إيهام الأوروبي أنه مجموعة غرائز وأن مهمته الأساسية في الحياة إشباع هذه الغرائز، وأنه يلزمه أن يكون أحطَّ من الحيوانات في طريقة إشباعه. أو أنه في أرقى أساليب إشباع غريزته أن يكون القرد والكلب والخنزير مثله الأعلى الذي يقتدي به. هذه النفس في الأوروبي مهما انحطَّت في إشباع غرائزها عن فطرة الإنسان فيها، تبقى نفس مصطنعة، تتصنّع الانحطاط والحيوانية وكراهية تنبع من نفسية مصّاصي الدماء. هذه مشاعر تنبت من أحاسيس في غياب العقل. تبقى فيها قابلية أن تعود نفساً إنسانية إذا ما أعيد إحياءُ طبيعة فطرة الإنسان فيها. وفي ذكر وتعداد أسباب كراهية الإسلام ومبرراته عند الأوروبي لا يعددون، فيما يذكرون ويفصِّلون، أن دعوة حزب التحرير لإقامة دولة الخلافةِ على أساس مبدأ الإسلام في عقيدته ونظام حكمه وطريقته، سبباً من أسباب الكراهية.
إنهم منذ البداية المطمورة في التاريخ يحتاطون لقيام تكتل فكري سياسي على أساس الإسلام. لذلك كان همهم منذ أن احتلوا بلاد المسلمين إنشاء الأحزاب والتكتلات الإسلامية التي تقوم على أفكار إسلامية مبهمة، أو على أفكار إسلامية فرعية. شجعوا قيام أحزاب وجمعيات تقوم على عمل وليس على فكر، على فكرٍ خاص لا فكر عام. أقاموا أحزاباً تدعو إلى إسلام بدون فكر، تقاوم شخصَهم لا فكرهم ولا كفرهم. كثَّروا الأحزاب والجمعيات بين المسلمين، قسموها قسمين. أحزاب تقوم ضداً للإسلام بعقيدته وأحزاب ضداً للإسلام بطريقته. جميعها، بكثرة منابرها وعلوِّ ضجيجها في الموالاة والمعارضة، تمنع بروزَ داعيةٍ بحق أو سماعِ حجةٍ في قول. هُم، منذ زمن سحيقٍ في بُعده احتاطوا لقيام حزب مبدئي. هم، في طمأنينةٍ لأن أحزاب معارضة الحكم جيشهم الكافي بالمرصاد لمنع عودة الإسلام للحياة، ومنع عودة الحياة للإسلام. أجهزة الحكم بمؤسساته الديمقراطية وجيوشه التي تقهر المسلمين ليل نهار في منعهم من التفكير في إسلام الحياة والموت، ليست، في رأيهم وحساباتهم، تقوى على الوقوف بوجه فكر الحياة والموت الذي يدعو إليه الإسلام ويتبناه في ثقافة الفكر الإسلامي. وحدها أحزاب المعارضة الإسلامية التي استولدوها من حبائل الشيطان قادرة على الوقوف في منع إقامة الخلافة، بطريقة استقطاب طاقات المسلمين وتشتيتها في قولِ وعملِ الهباء.
هذه كلها خطط في تأصيل انحطاط المسلمين، وفي السيطرة على جميع المقومات التي تمنع توقف استمرار هبوط المسلمين الوجودي لتسخيره في إيقاد الشعلة الشيطانية التي تتفوّق على الجذوة الإنسانية في نفس الفرنجة والجرمان وجيرانهم. هذه خطط في إيجاد حالة واحدة. خطط في أن يكون المسلمون في الحضيض الفكري، الحضيض المدني، والحضيض المعنوي الذي يحتقره الأوروبي في مقاييسه الفكرية، العلمية والمادية. من احتقاره يخشاها في جوفه حيث وضع قلبه. القلب في مكانه الطبيعي لا يخشى. فقط في غير بيئته حيث يتعطل دوره أو يتبدل يمكن أن يخشى. هذه الحالة، وإن نجدها قد تأصلت سمة في المسلمين. ونجد فيها أسباباً طاغية لاطمئنان الغرب إلى مصادرته لجذور العقل وجذوة المشاعر في المسلمين. وسيطرته المطلقة على طاقات الرجولة والأنوثة وعوامل الإنجاب وضرورات الشذوذ في المسلمين، كان دائماً يرى وجوب قيام حالة أخرى لتأصيل كراهية الأوروبي للإسلام بإخافته الدائمة من سفك دمه. حالة إرهاب الإسلام، حالة العيش في ترقب الموت بسبب غدرِ مسلم له.

حالة كراهية الإسلام

حالتان:

الأولى استمرار بقاء المسلمين في الحضيض السحيق الذي يكون المثل الحي للواقع الذي يسقط للعيش فيه كل جرماني ، إنغليشي، فرنسي حتى الإيطالي أو الإسباني وأي من الأجناس الأخرى إذا تحوَّل للإسلام. إظهار حالة انحطاط المسلمين تستوجب قيام الدول الأوروبية بتنفيذ خطط بمقومات المهازلِ المسرحية الأدبية لإنقاذ المسلمين من هذا الانحطاط. إيجاد الوعي في الرأي العام الأوروبي، ومنه الأمريكي، على انحطاط المسلمين يستوجب وضع مشاريع مساعدةِ المسلمين في انحطاطهم. هذه المشاريع ليست لإنقاذ المسلمين من الحضيض السحيق أو لوقف تدحرجهم المستمر، بل لمساعدة المسلمين في استمرار انحدارهم إلى أسفل. غاية هذه المشاريع إثارة الشفقة، شفقة الأوروبي، على إنسان بلغ من التخلف الفكري أن أصبح عاجزاً عقلياً عن أي أمر. هذا التقديم للمعاق عقلياً أنه بحاجة إلى مساعدة مُبرَّرة للقيام بمشاريع محسوسة تُطرح فكرياً، سياسياً، إعلامياً لتناقشها المؤسسات المختلفة ويُشرَك فيها الرأي العام في مختلف منابره له غايتان: الغاية الأولى أنه يوجِد الواقع المحسوس المؤلم في انحطاط المسلمين. هذا الألم يتفرَّع في النفس البشرية في ساقيتين، الساقية اليمنى: الشفقة، وتروي تربة الخير في الإنسان. أي عمل يُشبعها ويُبطل مفعولها. الساقية اليسرى: الاحتقار، وهي تروي تربة الخوف لكن مصدرها لا ينضب لأنه يستمر بوجود الواقع المؤلم، لا بإشباع الخوف. بهذا تذوي الشفقة ويبقى الازدراء في النفس يمنعها من التفاعل مع أي فكر إسلامي.

الغاية الثانية استمرارُ الخوف، نحن نقول أنه خوفان:خوف فكري، وخوف غريزي.

غيرنا يقول أنه خوف ثلاثي المَوطِن: خوف فكري، خوف غريزي، وخوف نفسي. الثالث، عند غيرنا، يبرّر في رأينا، بينما عندهم، يبرهن على وجود الثالث. الثالث أقنوم يضيِّعونه في إدراكهم الواعي لكن سرعان ما يثبتونه في إدراك اللاوعيهم. خوفُ الألم من انحطاط المسلمين ترسِّخه المشاريع الفكرية والمادية التي تطرحها حكومات أوروبا للمناقشة في برلماناتها، إعلامها ومؤتمراتها. تُبرز الواقع الذي يقارن بين رقيّ الأوروبي والتخلُّف الإسلامي، وتوازِن بين خوف الأوروبي من الوقوع في فكر المسلمين والحاجة إلى مشاريع تكرِّس الفصل بين رقيِّهم وتخلُّف المسلمين. مشاريع أوروبا لمساعدة المسلمين مهما تنوَّعت في جنسها ومسمَّياتها وحجمها، وتعدَّدت في برامجها وحقولها ونتائجها، ليس لها غير هدف أساسي واحد: إزالة العوائق التي تعيق استمرار المسلمين في انحدارهم لإيجاد الواقع الذي يراه الأوروبي فيزداد هروباً من أي فكر إسلامي. هكذا، يصدأ عقلُ وقلبُ كل فردٍ في أوروبا عن التفاعل مع أوكسجين الحياة: فكر الإسلام. بذلك يبقى الأوروبي عدواً للإسلام بفعله وعدواً للمسلم في عقله وقلبه.

[*]مشاريع وقود كراهية الأوروبي للإسلام لا تستمر إلا بتعاون القوى السياسية في بلاد المسلمين. لا تنجح إلا باستمرار تطوير المناهج التربوية والثقافية الإعلامية في بلاد المسلمين. لا تنضج ثمارها إلا بوجود قيادات إسلامية في الحكم أو المعارضة تصبغُ الانحدار والانحطاط والفشل الدائم أنه إسلامي. هذا في الحالة الأولى في وقود شعلة الكراهية وقد أعطينا أمثلة في خطوطها العريضة محلياً وعالمياً بما يناسب المقام وليس الموضوع. لكن هذا وحده وإن كان يكفي، عقلياً ونفسياً، لترسيخ كراهية الإسلام في النفس البريئة أو النفس الخبيثة. كما في النفس الراقية أو المنحطة والنفس الأوروبية لا فرق بين مسيحيِّها ووثنيِّها. لا يكفي بمعنى لا يقنع حكام أوروبا أنه يكفي للاطمئنان إلى استمرار عيش الأوروبي في غيبوبةٍ عقلية مفروضة عليه. يعلمون أن نهجهم في إثارة مظاهر الغرائز - وليس الغرائز - يُبطل دور العقل في الرؤية لا في التفكير. نهجهم يتلاعب في دور العقل لا بفاعلية العقل. سياسيو ومفكرو أوروبا يدركون أثر التفريق بين دور العقل وفاعليته. العامة، الذين يكرهون الإسلام، يضيعون في بحثه ولو فصَّلناه.

[*]في تلاعبهم في دور العقل يخشون صحوةَ مفكر منهم لا يخشون مفكر من المسلمين. مفكر منهم يعي على التلاعب في دور العقل وليس مفكرٍ منهم لا يفرِّق بين دور العقل وفاعليته. لذلك، مهما أسلمَ من المفكرين الغربيين الذين يفكرون في الإسلام بفاعلية العقل إنما يؤمنون بإسلام دون قيادته الفكرية. إسلامُ مسلمي اليوم، في انحطاطهم وانحدارهم المستمر، إسلامٌ من فكرٍ دون عمل، أو إسلامٌ في عمل دون فكر. كلاهما، إسلامٌ بلا القيادة الفكرية في الإسلام. القيادةُ الفكريةُ تفرض اقتران الفكر بالعمل، وتفرض اقترانَ مصدر الفكر بنتيجة العمل، وتفرض ارتباط نتيجة العمل بغاية الحياة بمظهرها الفردي في الإنسان، وفي مظهرها الجماعي في الكون.لذلك إسلام غارودي ومثله من أذكياء الغرب لا يؤثر في الأوروبي. ولا إسلام هوفمان ومثله من رجال الصحوة الفكرية في أوروبا لا يؤثر في الأوروبي، لأن صحوتهم يحصرونها في فهم أفكار وسلوك، يخالفون بها قواعد ونظريات، يُبقي صحوتهم حبيسةَ جدران فرديتهم. لا يفرِّقون في بحثهم ودعوتهم بين الفكر الذي يتعلق بقاعدة فكريةٍ والذي يتعلق بقاعدة الأفكار. إسلامُهم لا يفرّق بين إسلامِ المبدأ الفكري السياسي وإسلام الدين. لذلك يتحوّلون إلى مفكرين مسلمين ولا ينتقلون ليصبحوا مفكرين في القيادة الفكرية الإسلامية.

7- فصلُ القصدِ الشرعي عن القصد المادي. في الإسلام، أي في طبيعته أنه نظام شاملٌ للحياة وعلاقاتها ومعالجاتها ومقاصدها. شمولُ الإسلام ليس مجازاً وليس في العموميات. في شموله تفصيل لكل علاقةٍ ومعالجةٍ وقصد. فلسفةُ الإسلام تقوم على ضمِّ القصد الشرعي في العمل إلى القصد المادي وهو القصد الفردي في العمل الذي يقوم به الفرد لتحقيق منفعة له. القصد الشرعي في أي عمل هو قصدُ نظام الإسلام كله، وكل أمر تعلَّق بمباحٍ وحرام. قصدُ الشرع هو في التفريق بين من يقوم بعمله حسب الكيفية الشرعية لأنه يسعى لنيل رضوان الله، وبين الذي يقوم بعمله كما يراه هو أو تتطلّبه المنفعة من العمل دون اعتبارٍ للكيفية الشرعية التي يمكن أن يتوافق معها أو يغايرها. التزام الإنسان في أعماله بالكيفية الشرعية هو تحقيق القصد الشرعي لأن الله أنزل الأحكام للعمل بها. تحقيق الإنسان للفائدة من ممارسته هو تحقيق نتيجة العمل الذي يحتاجه هو أي منفعة العمل. الجمعُ بين القصد الشرعي وقصد العمل في الإسلام عبادة لله. لذلك قصدُ الحياة عند المسلم هو عبادة الله. وقد جاءت تسمية هذا الجمع أنها عبادةً من الله، كما أنزلها في القرآن الكريم. لم تأت نتيجة بحثٍ فلسفي أو فكري وإن كان البحث الفكري الراقي يثبتها ويبرهن عليها. وهو أساس فلسفة الإسلام مزج المادة بالروح الذي يقوم عليها التزام تقوى الله حين القيام بأعباء الحياة. هذا المزجُ خاصية في الإسلام لم تعرف البشرية لها مثيلاً في أي نظام حياتي منذ وجودها. وهي خاصيةٌ إذا انعدم وجودها في فكر وممارسة المسلمين يذهب الإسلام من حياتهم ويخرجون هم من الإسلام. لأن أحكام الإسلام تتعلق بكيفية الأعمال فمن تخلى عن كيفية الإسلام في العمل لا يكون مسلماً.
فلسفةُ الإسلام هذه تتناقض كلية مع قاعدة “الغاية تبرر الواسطة” التي تفرض الفلسفة الغربية ممارستها بحيث لا يستطيع الفرد في أي موقع العيش دون ممارستها. ونراه في سياسة أنظمة الحكم الغربي سمةً واضحة في كل فكرِ خطةٍ وإجراء. وهذه القاعدة منقولة عن المسيحية التي كرستها عندما أمرت بتقديس قولِ بولس رسول المسيحية عندما يقول: “فصرت لليهودي كيهودي? وللذين تحت الناموس كأني تحت الناموس?.وللذين بلا ناموس كأنني بلا ناموس. .. وكنت للكل كل شيء حتى أكسب على أي حال”. "{1كورنثوس:9: 20-22}
هذه القاعدة تفرض على الذي يقتنع بها التخلي عن كل أحكام الشرع، شرع الإسلام، ولو التزم الكيفية الشرعية لحاجة تحقيق منفعة العمل. لأن كل الأحكام الشرعية المتعلقة بتنظيم العلاقات والأعمال وتحقيق المقاصد تفرض قناعة الإيمان بالكيفية التي يلتزمها لأنها فرضٌ من الله. هذا تفسير القاعدة الشرعية التي تقول إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. فهي محصورة بقناعة المسلم وممارسته أنه حين يقوم بالعمل يقوم به بكيفيَّته الشرعية خوفاً من عقاب الله، وطمعاً في ثوابه في تحقيق مقصودِه في منفعة العمل. إلى جانب معناها أن هناك أعمالاً خاصة مثل العبادات والنوافل التي يتقرّب بها المسلم إلى الله لا يقبلها الله إلا إذا سبقتها النية الملازمة للعمل، فهي جزء من صفة العبادة والنافلة فلا تعتبر عبادة أو نافلة حين لا تقترن بنية تأديتها خالصة لله تعالى.
فصلُ تحقيق مقاصدِ الأعمال عن القصد الشرعي يحوّل المسلمين إلى ما هم عليه اليوم من مثلٍ فاسدٍ للإسلام. خضوع المسلمين لفكر نظام الحكم الذي يطبّق عليهم ويفرض تحقيق المقاصد بغير كيفية أحكام الإسلام هو الذي يحول دون ارتقاء المسلمين وخروجهم من هذا الدرك الأسفل في انحطاطهم. في موقعهم هذا الذي يفرض عليهم البقاء فيه بما هم عليه من جهلٍ في أفكار الإسلام أولاً. وبما هم عليه من تركٍ لأحكام الله ثانياً. وبغلبتهم بجيش النظام الذي يفرض عليهم القناعة بالعيش في هذا الدرك الأسفل أو الموت لمن يحاول الخلاص منه بالقول أو الممارسة، يكون موقع المسلمين في انحطاط اليوم فيه جميع خصائص الموقع الدائم. هذا الموقع المادي المحسوس للمسلمين بغضّ النظر عن أسبابه وظروفه ومن يفرضه وكيف يفرضه الحاكم المحلّي أو الدولي، هو الموقع الملائم واللازم في خطط أنظمة الحكم الغربي. على هذا الموقع تسمح أنظمة الحكم الغربي لشعوبها أن تنظر وتعتبر، وتتخذ الدول والشعوب والأفراد إجراءات عدم الوقوع في هذا الدَّرك الأسفل. بتعميق مشاعر الازدراء لواقع المسلمين، والخوف من الوقوع في سحق هبوط المسلمين تزداد كراهية المسلمين في نفس الأوروبي. وهكذا تعمى بصيرته عن رؤية أية حقيقة في هذا الوجود، ويمتنع عليه معرفة أي فكر يتعلق بسعادة وجوده.

6- تعميق الازدراء في نفس الأوروبي يحتاج إلى أمثلة حيةٍ في تطبيق الإسلام في كياناتِ دول. كما أن برامج تنفيس رغبة المسلمين لإقامة دولة الإسلام دولة الخلافة يحتاج إلى إقامة كياناتٍ إسلاميةٍ مهما كانت هزلية في تطبيقها للإسلام. لهذا كانت حاجة الغرب في إقامة كيانات دولٍ تسمى إسلامية حاجةً مزدوجة الأهداف.

الحاجةُ الأولى هو وجود الواقع الحي للإسلام. الغرب يعلم أنه لا يوجد إسلام دون كيان حكم، ولا يكون داعيةً لإسلامٍ من يدعو إلى إسلام ولا تقترن دعوته بالعمل لإقامة كيانٍ يحكم بالإسلام. ساسةُ الغرب يعلمون أنه لا يكون مسلماً مؤمناً من يقوم بجميع فرائض الإسلام ومندوباته، ويتمسك بجميع خُلُقيات الإسلام ويتصدّق بجميع أمواله، ويبني مئات المساجد ويوزع آلاف المصاحف ، لكنه يتخلى عن الجهر بعدائه للكفر، والعمل لإقامة دولة الخلافةِ لتطبيق أحكام الإسلام في الداخل والخارج في علاقة الدولة بغيرها، في معاهداتها، في تجارتها، في حمل الدعوة الإسلامية بالحكمة والموعظةِ الحسنة.

بريطانيا في كراهيتها للإسلام تعمى بصيرتها بسبب خوفها العميق بقناعة تامة أن لا كيان حكم في هذه الدنيا يستطيع زعزعةَ الوجود الدولي لبريطانيا كدولة عظمى إلا الدولة الإسلاميةَ دولة الخلافة. لهذا لم تُقِم أو تسمح بقيام كيان ولو كياناً كرتونياً تافهاً باسم الإسلام. لكنها سيطرت على أكثر الأحزاب والحركات والجمعيات الإسلامية والصوفيين، لتهديد الحاكم بهم في خطة تقسيم القوى وتوزيع الأدوار لشل قدرة أي حكم على العمل ساعة يلزمها ذلك. وكاحتياطي لإقامة كيان إسلامي تافه إذا اقتضت الظروف ذلك في علاجها الأخير.

أمريكا رأت أن اقتلاع نفوذ بريطانيا لتحل محله لا يمكن أن يتحقق إلا بإثارة مشاعر المسلمين الدفينة في أعماقهم، وتفجيرها بإثارة الرغبة في التخلص من الهيمنة الغربية التي تتمثل في احتكار بريطانيا لها. لذلك خططت لانقلاب “الضباط الأحرار” في بيت السفير الأمريكي في مصر، حمت ضباطه قبل الانقلاب وبعده. دفعت ثمن مصر للإنكليز يومها غالياً، مالاً، تكنولوجيا ومناورات سياسية مرهقة وخطيرة. كانت تريد أن يقوم عبد الناصر بتحريك المسلمين ضد الهيمنة الغربية المتمثلة ببريطانيا. لكن بعد أن اجتمع دالاس بعبد الناصر أدرك أن عبد الناصر لا يصلح زعيماً إسلامياً. في تقويمه أن عبد الناصر جيد كزعيمِ غوغاء، رجلٌ لا يستطيع أن يمتلك فكراً. لم يجد في عقلية عبد الناصر تربةً فكرية، لا تربة خصبةً ولا تربة جدباء. التربةُ الجدباء يمكن معالجتها، أما انعدامُ التربة فلا يمكن معالجته. لذلك أمر بتغيير دور عبد الناصر من زعيمٍ إسلامي إلى زعيمِ غوغاء، زعيم غوغائيين مخلصين في عصبيتهم لعشيرتهم، وطنهم، وفي ارتقائهم متحمسون لقوميتهم. الغوغاءُ هم الفئة الذين يتحمسون دون فكر، ينقادون بغلبة الرغبة على قناعة الحجة، يتفانون بإشباع عواطفهم الجماعية بدون وعي في غاية الإشباع أو وضوحٍ في كيفية الإشباع. الزعيم الغوغائي هو الزعيم الذي يثير الحماس الجماهيري الذي يطغى على العقل ويمنع الفهم. ليس في قوله فكر ولا في عمله ارتباطُ فكرِ بغاية، غايته ترتبط في قوله وفي عمله لا بفكر القولِ ولا بفكر العمل. سر القيادة الغوغائية، أو ميزتها أنه يسهل بها على القيادة الغوغائية أن تخدع شعبها، وعلى القائد الغوغائي أن يخون تطلعات الشعب وآماله التي عقدها عليه.

لما فشلت أمريكا في اقتلاع نفوذ بريطانيا في أي بلد عربي بالطرح الفكري القومي عمدت إلى الإسلام في إيران وباكستان. في إيران عجزت عن إقناع الجيش للإطاحة بالشاه عميلِ الإنكليز فأطاحت بالشاه والجيش بتفجير المشاعر الإسلامية، ونجحت في أخذ إيران من الإنكليز بواسطة إثارة مشاعر المسلمين الدفينة في الرغبة بالتخلص من الهيمنة عليهم. وقد أعمت هذه المشاعر وعي المسلمين في كل بقاع الأرض عن حقيقة الصراع. أما في باكستان فقد استطاعت أن تسيطر على الجيش وبعد ذلك جعلت الجيش يقبض على الحكم مع المحافظة على اللعبة السياسية في تصارع السياسيين، لكن أياً من السياسيين لم يعد يؤثر في إدارة الحكم. ولإيجاد قاعدة للحكم لا للسياسيين جعلت الحكم “إسلامياً” وأقامت حزبا “إسلامياً” ليتولى حكم “الدولة الإسلامية” المزعومة بحماية الجيش الذي تديره أمريكا مباشرة. في هذا التوجه وبغير ظروف إيران والخطة في باكستان احتاجت أمريكا مؤقتاً إلى قِناعٍ إسلامي لنفوذها المضطرب في السودان. جيشُ السودان لم تستطع بواسطته أن تأخذ أمريكا الحكم بعد، استطاعت أن تسيطر على الحكم سيطرة عصابة. القوى السياسية في السودان معظمها حتى اليوم تديرها بريطانيا بينما أمريكا تناوِر معها أو عليها لتمرير الوقت لأنها لا تستطيع تنفيذ خطة لواقعٍ لا تسيطر عليه. القوى العلمانية بقيادة المهدي ليست لأمريكا، والقوى الختمية بقيادة الميرغني متذبذبة، والقوى الإسلامية بقيادة الترابي ليست لأمريكا. الحقيقة أن ليس لأمريكا قوى في السودان غير خضوع بعض الضباط لها في تطويعِ الجيش ليكون أداة في يدها. لذلك كانت حاجتها إلى “إسلام” ولو كان بمثل “عمامة” الترابي يكون لها حجة بدل أن يكون عليها. ومبرراً لضرب الإسلام بسبب فشله في عباءة الترابي.

الحاجة الأولى في إيجاد هذه الكيانات كان إيجاد الواقع الإسلامي الذي يزداد به الغربي نفوراً من الإسلام واستعلاءً على المسلمين.

الحاجة الثانية كانت في أن تفشل هذه الكيانات “الإسلامية” فيكون فشلها إثباتاً لعجز الإسلام في إدارة علاقات الناس. فشلُ “الإسلام” في باكستان وإيران والسودان يريدونه فشلاً يغتال إيمان المسلمين أن الإسلام دينٌ لا تقوم له قائمة إلا بوجود دولةٍ تحكم بشرع الله. فشلُ “إسلام” باكستان، إيران والسودان يريدونه غمامةً تُمطِر يأساً من صلاح أحكام الإسلام لإدارة اقتصاد مجتمع هذا العصر، أو تنظيم العلاقات الخارجيةِ لدولة هذا العصر، أو القدرة على استمرار حكم الإسلام مع تكنولوجيا هذا العصر، فشلُ “إسلام” هذه الدول “الإسلامية” لا بد أن يؤدي إلى تفشي الإحباط في فئات الأمة الإسلامية لتقنع بالعيش في مستنقع الحياة.

كراهية الأوروبي للإسلام تحتاج إلى معطياتٍ متجددة في الازدراء والخوف. في مسرح الازدراء تكاد معطياته أن تكون اليوم بمستوى التجدد التلقائي رغم أنها مصطنعة. يكفي أن ننظر في “إسلام” الترابي حتى نعرف سبب ازدراء الأوروبي للإسلام. كذلك النظر في “إسلام” أربكان أو “إسلام” حكام باكستان، أو “إسلام” طالبان وغيرهم مما لا يعد من حركات وزعامات وحكام وعلماءَ كهنوت يصوغون “إسلاماً” لا يقتنع حتى الوثني أنه من الله وتأباه نفسه لأنه يمنعها من الاقتناع بطهارةَ الفطرة وسلامة الحس وسداد الرأي.

ثقافات “إسلاميي” الحاضر لا تزيد في عمقها عن سماكة قشرةِ التفاحة للب التفاحة. هي ليست إلا قشرة ليست من جنس اللب. المؤمنون يرفضونهم. الوثني يحتقرهم مهما قصرت لحاهم. كذلك المسيحي والأوروبي. احتقارهم يولّد فينا شفقة من حالهم. إشفاقنا يحتم علينا ، بفرضٍ من الله، أن ندعو لهم بالهداية والاستقامة والتوبة. الله وحده ينذرهم بوعيده إن لم يتخلوا عن محاربته بعلمهم أو بجهلهم. أما إن ماتوا على ما هم عليه من نفاقٍ في دين الله فإن الله يلعنهم.

احتقارُ الوثني الأوروبي مع قليلٍ من الخوف الجديد على تراكمِ الخوف القديم يتحول تلقائياً إلى كراهية. ليس بفرض من الحاكم ولا من الجامعة ولا من وسائط الإعلام. هؤلاء؛ الجامعة، الإعلام أو الحاكم يحافظ على قدرته في تفجير طاقات الأوروبي ساعة يريد بأي فتيل، مهما صغر حجمه أو تضاءلت ناره، يستطيع أن يشن حرباً على المسلمين. كراهية الأوروبيين للإسلام لم يوجدها حكام الأوروبيين حتى يسهل عليهم شن حرب على المسلمين. كراهيةُ الأوروبيين أوجدها الحكام، وأوجدَ الحقل الذي تنبت منه، حتى لا يستطيع الأوروبي أن يتحول إلى مسلم مهما اقتنع بأفكار الإسلام، أو أفكار حجته وأيديولوجيته بمعنى وجهة نظره في الحياة.

5- تحصين كراهية الأوروبي للإسلام تكون بتغذية دائمةٍ لخوف الأوروبي من الإسلام واحتقاره للمسلمين في واقع عيشهم وتراثِ حاضرهم، لذلك يقوم حكام المسلمين وساستهم ومفكروهم وأحزابهم وإعلامهم و"علماؤهم" بصياغة تراثٍ إسلامي معاصر جديرٍ باحتقار الأوروبي. فالتراث الفكري الحاضر في بلاد المسلمين هو بحق وبشهادةِ القرآن والسنة وإجماعِ الصحابة تراثُ التحريفِ للإسلام، ليكون إسلاماً يتوافق مع كفر الديمقراطية وكفر الاشتراكية وكفر القومية. بل أكثرُ من موافقة هؤلاء جميعاً تراثاً يتوافق حتى مع الوثنيات الغابرة والحاضرة. فِكرُ “علماء” الفضائيات، وهم أشهر علماء الحاضر إسلامٌ لا ينهض بالمسلمين ولا حتى يوقِظهم من سُباتهم. هل هناك إسلامٌ لا يوخِز تائهاً أو لا يرشِد حائراً، أو لا يرتقي بالإنسان؟ لا. إسلامُ أحزابٍ تشرِّعها أنظمة تحكم بغير الإسلام، هل يكون إسلاماً؟ لا. لماذا لا يحرك إسلامُ “الكهنوت” وإسلامُ خطباء المساجد ساكناً في أطراف الأمة؟ بعضٌ يقول إنه إسلامٌ ناقص، آخرون يقولون إنه إسلام مختلط كاختلاط نساء اليوم بالرجال. يعنون إسلاماً خليطاً بكفر. الجميع يعلم أنه ليس إسلاماً في غايته ولا في طريقته ولا في ربطه بواقعه. ببساطة الحقيقةِ نقول إن أي فِكرٍ من غير إسلام محمد صلى الله عليه وسلم ليس إسلاماً، فكراً باطلاً فاسداً مهما نعتوه وبأي اسم سموه كائنا من كان قائله. فالقول الفصل في تحديد فكرٍ أنه إسلاميّ أو غير إسلامي يكون ببيان دليله الشرعي من القرآن والسنة وإجماع الصحابة والقياس بالجنس نفسه.

الأوروبي يدرك أن تراث ثقافةَ مسلمي اليوم ليس تراثاً إسلامياً، يدرك تفاهته وفساده وتحريفه للإسلام. الأوروبي يدرك أن هذا التراث الجديد تفرضه حكومات الغرب على المسلمين يؤلفه “علماء” و"مفكرون" مسلمون لاسترضاء الأوروبي والتزلّف إليه رغمَ جهل الأوروبي بحقيقة معنى الحياة. لأن الأوروبي يدرك أنه يجهل حقيقة الحياة. عند الأوروبي معنى للحياة ولكنه معنى لا يرتبط ببرهان الحقيقة. لا يرتبط لأنه معنى بدون برهان. هو يدرك أن معنى الحياة عنده ليس له برهان في الحقيقة. عنده تعليل لمعنى الحياة أو تفسيرٌ له لكن ليس برهاناً. حتى لا يضيع في الحياة يكتفي بالتعليل ويجعله في مقام البرهان. الكنيسةُ خدعته في دينه وأذلته في عقله. الديمقراطيةُ خدعته في عقله وأذلته في روحه. هو خدعَ روحه وأذلَّ نفسه حتى يستمر بالعيش جاهلاً بقواعد التفتيشِ عن الحقيقة. مع جهله يوجد على هذه الأرض من يتزلف إليه! هو يزداد ازدراءً للمتزلفين ويزداد كراهية.

دول الغرب تفرض على المسلمين أن يتخلّوا عن خاصية الإسلام في تحقيق منافعه. لا تتحقق نتائج التزام الإسلام إلا باعتناق أفكار الإسلام وحدها. أما إذا حصل اعتناق أفكار الإسلام مع أفكارٍ من غير الإسلام فلا تكون العقلية إسلامية بل عقلية محشوّة من نفايات وغير نفايات. أفكارٌ سليمة وأفكار فاسدة. عندها يكون إنسان من غير طينة الإسلام، أفعاله لو التزم أحكام الإسلام في كثير منها لا تُقبل نتيجة الشرط الأهم في الإسلام بعد التمسك بمصادر الشرع وحدها. تعميم ثقافة إفساد الخاصية الثانية في الإسلام يؤدي بالمسلم الذي ينقاد لجهله في نقدها ومعرفة زيفها إلى أن يكون حثالة الجنس البشري في تصرفاته. هم بعد أن يتثقف ثقافتهم ويتحوّل إلى حثالةٍ يُبرِزونه أنه المثل الحي المنحط للإسلام. تحويلُ المسلمين إلى مجموعة بشرية منحطةٍ ليس هدفه إبقاء المسلمين في الغيبوبةٍ العقلية التي يفرضونها عليه بسبب امتلاكهم وسيطرتهم على أجهزة الحكم والتثقيف والإعلام ومصادر الأفكار فقط. هدفه الأول أيضاً إيجاد الواقع الذي تنفر منه حتى النفس الوثنية الأوروبية مهما بلغت في فساد أفكارها وشقاء رجالها ونسائها. خطة خبيثة في تخويف الأوروبي من السقوط للعيش في واقع “الإسلام”. نعترف بهذا الواقع لكن من يستطيع أن يعترف أنه واقع مصطنع غير طبيعي في الإسلام؟ من يستطيع أن يثبت لمئات الملايين من الأوروبيين أن هذا واقع يناقض واقع الإسلام؟

4- على طريقة تحريف معنى الإجماع سار علماء الدسِّ في تحريف كل قاعدة شرعية حتى فرضوا على المسلمين الخنوع في حياة الإحباط الذي يعيشونه في ذلِّ معصية الله وسلطان الكفر. وتحولوا إلى فئة قبلت ترك الإسلام “لأهل العلم” وفئة محبطة في جهلها إسلام نبيِّها. بهذا القبول والإحباط تحول المسلمون إلى مجموعة بشرية تجترّ الفكر الغربي، تقلِّده في زيه وفجوره وضلاله. لكنها في هذا الانحطاط ما زالت تصدِّق أن “قوَّادها” أو رؤساءها يعملون لإنهاضها وإنقاذها وإحيائها. هذه الحال التي عليها مسلمو الحاضر تحقق للغرب هدفين نهائيين لا هدف بعدهما. جميع الأهداف التي حققها الغرب من احتلال بلاد المسلمين وقتلهم، نهب خيرات بلادهم، تقسيمها تمزيقاً، وربطها سياسياً واقتصادياً، وتفتيت وحدة الأمة الإسلامية، وفصم الشخصية الإسلامية، والسيطرة على العقلية الجماعية والفردية. لم يكن أي منها هدفاً نهائياً، جميعها أهداف في السياق.

الهدف الرئيس الأول أن يتخلى المسلمين طوعاً وليس كرهاً عن الإسلام. وهذا يعني في هدف الغرب تخلي المسلمين عن اعتبار الإسلام أنه مبدأ الحياة كلها، أفكار الحياة وأعمال الحياة وغايةُ الحياة، ويعني تخلي المسلمين عن كون الإسلام أنه نظام حكم كامل متكامل في السياسة والحرب والاقتصاد والمجتمع. ويعني تخلي المسلمين عن حكم الإسلام أنه يفرض حمل الدعوة لغير المسلمين بالتطبيق العملي للإسلام في كافة مجالاته وأحكامه.

الهدف الرئيس الثاني إيجاد المفارقة المعيشية المدنية الهائلة في مستواها بين أوروبا وبلاد المسلمين أينما كانت في الشرق أو الغرب. حتى، في هذا الفارق، ينظر الأوروبي في عمق الهوة الواقعية بينه وبين المسلمين. في نظرته إلى حالة مسلمي القوميات، مسلمي “الجهاد” مسلمي “الجبهة” وما لا ينتهي من التسميات حتى التي تتناقض مع الإسلام مثل: وطنيون مسلمون، ديمقراطيون مسلمون، اشتراكيون ومسلمون، حتى قوميون ومسلمون، ينتابه الرعب من الوقوع في هذا الجحيم الحياتي. في خوفه يأخذ قرار التمني بالبقاء في موقعه في التشبث بموقعه، يضطر تسلسل التفاعل النفسي أن يغالي في تقويم ما هو عليه حتى يحتقروا من هم في وديان الحياة مسلمي الثورة العربية، والثورة التركية، مسلمي ثورة الخطابي وثورة الشريف حسين ومسلمي محمد علي جناح وغيرها من “الثورات” أقلها ‘الناصرية’، والجزائرية والسودانية وليس من آخر لها حتى مع البوسنية ، الطالبانيه والشيشانية.

خوفٌ واحتقارٌ في نفس واحدةٍ فأين الثالث الذي ينقذها من تدميرها الذاتي بتضارب مشاعر الخوف والاحتقار؟ لا بد من ثالث يصهرهما لتخرج منها النفس بِ طاقةٍ جديدة فينقذها من الانهزام الذي يؤدي إليه الخوف والاحتقار مجتمعين. فلسفةُ المسيحية تعتمد على اجتماع الثلاثة. ثالثُ الخوف والاحتقار مسيحيا يجب أن يلغي أثرهما. الثالث يجعل من الآخرين أُقنومَين فيه. فلسفةُ المسيحية تفرض أو تفترض أن الأول أبو الثاني والثالث روحُ الثاني يتوحدان لينتجا الثالث الذي نراه أو الذي لا يعرفونه إلا معلقاً منحوتاً في صخرٍ أو من خشب. رغم الروح التي فيه أبديا كما يقولون عنه. في دراسة النفس البشرية ثنائي الخوف والاحتقار كثنائي الألوهة في المسيحية. يحتاجان إلى ثالث يصهرهما في نتاج يكون مقدساً في المسيحية ومكرَّساً في النفس البشرية. ثالثُ الخوف والاحتقار هو الكراهية التي تتلبسُ روح الأوروبي مسيحياً كان أو جرمانياً أو إنكليزياً، فرنسياً، إيطالياً، دانياً أو حتى من رعاة البقر والأسبان أو السلاف.

كراهية الأوروبيين للإسلام تحتاج إلى حقل نفسي تنبتُ منه وتترعرع فيه. تغذية هذا الحقل عملية لازمة دائمة. تربةُ حقلِ الماضي غير تربة حقل الحاضر، سببُ خوف الماضي غير سبب خوف الحاضر. طبعاً لم يكن في الماضي سبب حقيقي للخوف. سبب الماضي كان وهماً، فرضوا تصديقه على الأوروبي حتى يحيا فيه. طبعاً ليس في الحاضر سبب حقيقي للخوف. سبب الحاضر وهمٌ فرضوا تصديقه على الأوروبي حتى يحيا فيه أيضاً.

كان ضرورياً التلاعب في هذه الخصائص حتى ينجح الغرب في إيجاد ينابيع جديدةٍ غير إسلامية تنتج أفكاراً “إسلامية”. مثالاً على تلك الأعمال تغيير مفهوم “الإجماع” كمصدر للإسلام. الإجماع بحقيقته كان “إجماع الصحابة” وحدهم، لا إجماع المسلمين ولا إجماع العلماء. فحوَّلوه ليكون إجماع المسلمين، رغم ما هم عليه من تخلف وجهل الغالبية العظمى وغلبتهم في قرارهم وأجسادهم وأوطانهم، مصدراً لأحكام الشرع. كذلك في أن يكون إجماع “العلماء - علماء السلاطين” رغم ذِلَّتِهم في خنوعِهم للحاكم بغير ما أنزل الله. ورغم فساد طريقة تلقيهم معارف الإسلام، وفساد طريقة دعوتهم للإسلام، وغياب الإسلام كوجهة نظر في الحياة بها وحدها يلزم التعامل مع أمور الحياة والحكم والحرب. وسطحيتهم في فهم الفكر القيادي الذي يلزم المسلم كحامل دعوة لنشر الإسلام في طريقة تطبيقه، وانعدام القدرة عندهم على التفريق بين فكر إسلامي وغير إسلامي في مجال العلم والثقافة، والحضارة والمدنية، والرعاية السياسية المعيشية والصناعية، والتجارة الداخلية والخارجية، والسياسة الخارجية والعسكرية للأمة الإسلامية. ولا حتى في التفريق بين فكر إسلامي وغير إسلامي فيما يتعلق حتى بعالمية الإسلام وخصوصية الإسلام. سطحية ‘العلماء’، عجزهم أو جهلهم ليس بالضرورة فيهم لكنه ظاهر واضح في كل ما يقولونه أو يصدر عنهم حتى يؤلفوا إسلاماً جديداً سطحياً بدون عمق يصوغ عقلية الإنسان. عاجزاً عن معالجة وقائع الحياة الملازمة للإنسان في طبيعته ومجتمعه. “إسلاماً” جاهلاً بحقيقة الوجود والمصير في سببه وغايته.

3- أحكام الإسلام تتوافق مع طبيعة الإنسان في فطرته حقيقة أثبتها الإسلام في كل حكم وشهد به جميع الذين التزموا أحكامه. حتى المفكرون والمؤرخون الأوروبيون الذين لا يؤمنون بالإسلام ديناً لأنهم لم يطلعوا على حجته، وليس كراهية له ولا عداءً للمسلمين، جميعهم يقرّ بهذه الحقيقة في الإسلام. لا ينكرها إلا المستشرق الذي كان يبحث في مجاري حقده والجهر في كراهيته مُستتراً بحجة البحث عن الحقيقة التي مات وهو يتساءل أأضعتها أم أضاعتني؟

توافقُ الإسلام مع طبيعة الإنسان هو غير توافق طبيعة الإنسان مع أحكام الإسلام عند المفكر الأوروبي. المفكر المسلم لا يرى اختلاف الواقع في صيغة الحقيقتين أو القولين. المفكرُ المسلم يعلم طبيعة الإنسان لأنه يعلم طبيعة حقائق هذه الطبيعة في جِبِلَّتها التي خلقه الله عليها. المفكر الغربي يعتمد على معرفة هذه الطبيعة من “علماء” النفس وعلى رأسهم “فرويد” الذي أثبت علماء اليوم تحريفه وجهله وخطأه في كل ما كتبه وأرساه من قواعدٍ لفهم طبيعة السلوك ومؤثِّراته. جهل المفكر الغربي لا يمكن معالجته لأنه ليس انحرافاً في فهمٍ بل جهل في بداية الفهم. إنهم ينظرون إلى طبيعة الإنسان أنها مجموعة غرائز تحتاج إلى إشباع. هذه حقيقة ولكنها ليست كل الحقيقة في هذه الطبيعة. هم من هذا الجزء من الحقيقة ينتقلون للبحث في تيسير إشباع هذه الغرائز. جميعُ فلسفتهم الفكرية والاقتصادية وجميع أعمالهم الحياتية تدور حول موضوع واحد هو إشباع الغرائز، وعلى غاية واحدة هي تحقيق الإشباع.

حقيقةُ طبيعة الإنسان أن غرائزه جزء من طبيعته وليست طبيعته. فالغرائز طبيعة في الإنسان حقيقة كغيرها من الحقائق في طبيعة الإنسان. الغرائز جزء من طبيعة الإنسان كما التفكير جزء من طبيعة الإنسان إلا أن يقولوا التفكير غريزة من غرائز الإنسان، عندها يثبتون أنهم أجهل مما نعلمُ في عمق جهلهم. عندها يلزم تغيير البحث في إثبات أن التفكير طبيعة بخصائص غير خصائص الغريزة، وهو غير موضوعنا “وقود كراهية الإسلام”. الغرائز جزء من طبيعة الإنسان كما الحاجات العضوية جزءٌ من طبيعة الإنسان، إلا أن يقولوا إن الحاجة هي غريزة من غرائز الإنسان، عندها يثبتون أنهم بعدم التفريق لا يفهمون الفارق بين أسباب التعاسة وحالة الموت، عندها يثبتون أنهم لا يفهمون معنى ما يقولون ولا يفهمون ما يعلمون. عندها يلزم تغيير البحث في إثبات أن سبب الشقاء غير حالة الموت وهو غير موضوعنا “وقود كراهية الإسلام”.

مفكرو الإسلام يفهمون في حقيقة طبيعة الإنسان أن الغرائز جزء من هذه الطبيعة وليست الطبيعة. في هذا الفهم يدركون أن البحث في هذه الغرائز موضوع يتعلق في نظام إشباع. نظام الجزء غير نظام الكل. نظام الجزء يجب أن يتوافق مع نظام جيرانه، يجب أن يتكامل مع نظام بقيّته. جزءُ الطبيعة ليس منفصلاً ولا كاملاً. جزء الطبيعة يتكامل في طبيعته. يتكامل في غيره لا مع غيره. نظام جزء الطبيعة كجزء الطبيعة في طبيعته يحتاج إلى التكامل. لا يستطيع الاستقلال. نظامُ الإشباع طريقة في تنظيم الإشباع للحياة ليس في إشباعٍ يستقل عن سبب الحياة. تسخيرُ الحياة بطاقاتها لإشباع الغرائز غير تسخيرِ إشباع الغرائز في خطة الحياة لتحقيق غاية الإنسان في الحياة.

عند المفكر المسلم توافق الإسلام مع طبيعة الإنسان هو نفسه توافق طبيعة الإنسان مع أحكام الإسلام. لأن إيمان الإسلام يفرض أفكار الإسلام أفكاراَ وحيدة في مصدرها فريدة في غايتها متميزة بطريقتها التي هي الطريقة الوحيدة لسعادة الحياة. لا يحلُّ لمسلم اعتناقَ والتزام غير أفكار الإسلام، فإن كانت لا تتوافق مع طبيعة الإنسان فكيف يستطيع المسلم التزامها؟ طبيعة الإنسان في غرائزه وغيرها لا تتغير، وسيلة الإشباع تتغير لا طبيعة الإشباع ولا طريقة الإشباع. إذا لم تتوافق طبيعة الإنسان التي خلقها الله مع أحكام الإسلام، كيف يكون الإسلام حكم الله؟

فكرُ المفكر الغربي الذي يحاول تعليمه للمسلمين فيه أمران:

**الأول أنه فكر ينتج عن سوء فهمٍ لطبيعة الإنسان فهو مخالف لطبيعة الإنسان في نظامه ونتائجه الحتمية.

الثاني أنه بسبب سوء فهمه لطبيعة الإنسان، ومخالفة نظامه لطبيعة الإشباع في غرائز الإنسان، فهو حتماً يخالف الإسلام. بل يناقضه في أفكار فهمه، أفكار نظامه وأفكار تبرير نتائجه.**

لا شك أن مخطط تقسيم إندونيسيا إذا ما احتاج إلى مزيد من فوضى الشارع ومزيد من خنوع الجيش لتبرير عدم تدخله في الوقوف بوجه مؤامرة تقطيعِ أواصر المسلمين في إندونيسيا، سيبرز فجأة دور جديد لحزب “المحمدية” وحزب “نهضة العلماء” في إندونيسيا ليكونوا أداة في تنفيذ الانفصال. من يدري لعل اللعبة تفرض أن يقوم كل حزب بالاستقلال بدولة انفصالية يتولى أمرها منفرداً بدون مشاركة من آخر، بحجة أن ذلك بداية خطة توحيد إندونيسيا، أو بداية حكم إسلامي في إندونيسيا!

أو لعل تنفيذ خطة تقسيم إندونيسيا توكل إلى ابنة بطل الاستقلال حتى لا يكون مبرر لمعترضٍ على التقطيع. مسرحية اللعبة السياسية في إعادة صياغة الحكم الجديد في رداء الخيانة يجمع الزعامات “الإسلامية” والمرتدين عن الإسلام بحجة محاربة الفساد ومحاكمة الفاسد لإثبات نزاهة الحكم الجديد في استغلال رغبة الشعب في محاربة الفساد يعلن الرئيس “المسلم” ونائبة الرئيس المرتدة أنهم سيقضون على وحدة إندونيسيا بتحويلها اتحادية اليوم حتى يسهل تقطيعها إلى دويلات غداً. هذا مَثل في أمر واحدٍ في بلد واحد، لأمثلة في واقعها تتجددُ في حبكها لا في مؤداها، في كل بلد في كل يوم. لذلك لن نخوض في تفصيلاتها في بلاد المسلمين بل نبحث بإيجاز وانتقاء بعض الخطوط العريضة للعمل في إفساد المسلمين في بلاد المسلمين.

1-أن يتحول المسلمون عن اعتبار نتاج الفكر الأوروبي أنه فكرٌ كافر. الفكرُ الكافر هو غير فكر الكافر. الفكر الكافر هو الفكر الذي ينبع من كفر. كل فكر يحتاج إلى ينبوع ينبع منه، إلى مصدرٍ فكري يصدر عنه. كل مصدر لفكر يتعلق بعقلية الإنسان ونفسيته، يحدِّد غايته في الحياة وقِيَمَهِ. يؤثر على سلوكه وعلى مقياس الخطأ والصواب في الفعل والقول، وعلى تحديد الخير والشر في العمل والنتيجة. كل فكر حياتي يصدر من غير كتاب الله القرآن الكريم وسنّة رسوله هو فكرُ كفرٍ بدين الإسلام. هذه قاعدة أساسية لِقبول الإسلام ديناً. مَنْ لا يؤمن ويتمسك بها يخرج من دين الإسلام ولو كان عالماً يدعو للإسلام من على منبر الرذيلة والدس تلفزيون … الفضائية أو الفضائيات. هذه الحقيقة في الإسلام يعرفها الساسة والمفكرون والمثقفون الإنكليز والجرمان خاصة والأوروبيون عامة. يطبقونها في برنامج تمييع الفكر الإسلامي.

2-تمييع الفكر هو عملية إزالة معالم الفكر وحدوده. تمييع الفكر يكون بمهاجمة الفكر على جبهتين:

الجبهة الأولى تكون بتغيير معاني أحكام الإسلام، تحريفُ مقاصد أحكام الإسلام وتسويغُ تعطيل أحكام الإسلام. وذلك بإصدار أفكار مباشرة بمعانٍ جديدة، مبتكرة، مستقلة عن أي دليل شرعي. بالتركيز على مقاصد الوثنيين في أعمالهم لتحل محل مقاصد الأحكام في الإسلام، وإيهام المسلمين أنهم في أحسن حالٍ إذا خضعوا لقهرهم وغلبتهم بجيوش منهم، ورضوا، لعجزهم، بغير نظامِ الله أن يسوسهم حكامهم.

هذا التغيير للمعاني، والتحريف للمقاصد وتسويغ التعطيل للأحكام يزيل معالم الإسلام الرئيسة ويهدم الحدود بين أفكار الإسلام وأفكارِ الكفر التي هي أفكارُ غير الإسلام. إلا أن هذا الأسلوب مكشوف في طريقته وغايته لذلك جوبه من قِبل كثيرٍ من المسلمين. حتى تولَّت أمريكا قيادة العالم وجعلت الهجوم المباشر على أفكار الإسلام وتفكيكها في وحدتها ومعانيها ومقاصدها قضيتها الأولى في حملتها الفكرية وقيادتها الفكرية. في هذه الخطة فرضت على كل نظام حكمٍ في بلاد المسلمين أن يجنِّد «علماءَه» في الخطة المباشرة لضرب أفكار الإسلام. وبسبب موافقةِ هذه الغاية لخطط بريطانيا في ترسيخ نفوذها في بلاد المسلمين أو حماية ذلك النفوذ فقد فرضت على جميع أنظمة الحكم التي تخضع لها أو تديرها حسب الدستور وشروط الاستقلال التعاونَ في تنفيذ هذه الخطة.

بدأت أمريكا هذه الحملة العالمية لهدم أفكار الإسلام بتكليف عبد الناصر بتبني هذه الخطة. لكن سرعان ما أدركت عجز «علماء» المسلمين في إنجاح هذه الخطة بسبب خضوعهم وارتباطهم بردّات الفعل المحلية. لذلك عمدت إلى إيجاد منابر عالمية للإسلام تستطيع أن تنفث عبرها أفكاراً من غير الإسلام على أنها أفكاراً إسلامية، دون أن تتأثر بردات الفعل المحلية أو الإقليمية. وهذا اقتضى إبراز «علماء» عالميون يستطيعون التصريح والدعوة لأي كفرٍ على أنه إسلام في غياب ندٍّ لهم في عالميتهم. واقتضى إيجاد مراكز لمعظم الأحزاب الإسلامية التي تسير في ركاب فكر الغرب، وفي دعم الخطة الجديدة بجهل من هذه الأحزاب أو بوعي منها، في معظم دول الغرب.

عنوانُ هذا البحث «وقود كراهية الإسلام» لا يسمح بالدخول في تفصيلات أسماء المنابر العالمية للإسلام، ولا أسماء «العلماء» العالميين للإسلام. كذلك الأحزاب أو الجمعيات الإسلامية التي ترعى دول أوروبا وجودها على أراضيها وحماية شخصياتها، تسهيل أعمالها ومراعاة ماليتها، تخصيصها بالتعاون والإشهار، مشاركة ندواتها وفتح المنابر الإعلامية لها. وإن كانت هذه المنابر والأحزاب و«العلماء» يمكن تسخيرهم في أي وقت في برنامجٍ يستهلكها في «وقود كراهية الإسلام»، فهذا أمر جانبي جداً في غاية وجود هذه الأحزاب.

الجبهة الثانية هو خطة خلط أفكار الإسلام بأفكار غير الإسلام، أفكار الكفر. هذه الخطة حققت نجاحا باهرا في عملها . اعتمدت هذه الخطة في تحريف الإسلام على استغلال عدم وضوح قواعد شرعية معينة في أذهان المسلمين. في الإسلام قواعد شرعية نتجت عن أحكام معينة كان سببها تسهيل فهم الحكم لعامة المسلمين في حادثة معينة. فهذه القواعد ترتبط بحكم معين وظرف معين وهي ليست قواعد للاجتهاد. ولا يجوز لأحد أن يتخذها مصدرا للاجتهاد ، بل إن اعتمادها مصدرا للاجتهاد يؤدي بالعالِم أو المجتهد أن يكون فاسقا عن أمر ربه. ولا يجوز إخراجُ حكم هذه القواعد من طبيعتها ولا من سببها أو قصدها. لكن، والعمل هو دسٌّ وتحريف فقد كان سهلا على “علماء” تمييع الإسلام في الإذاعات والصحف والتلفزيونات المحلية والفضائية العالمية وخاصة تلك التي يمتلكها نظام الحكم أو زبانيته. ما أعطى زخماً لِ"علماء" السلاطين والمفكرين ‘الإسلاميين’ والأحزاب ?الإسلامية? في الداخل في تكثيف نشاطها في إفساد الفكر الإسلامي. فسادُ النوع يبطل صلاحية النوع لعمله، فصلاح الشيء يكون في قدرته على تحقيق فائدته، فإن عجز الدواء عن تحقيق الشفاء لا يكون شفاءً للداء. فساد النوع يكون بذهاب مفعول مادته، أما فساد الفكر فيكون في إضافة فكر من غير جنسه إليه يُبطِل مفعوله في الفرد والحياة. في بحث نوع فكر الإسلام ثلاث خصائص:

**1- أ نها من القرآن أو السنة أو إجماع الصحابة أو القياس في جنسه.

2- أنها الأفكار الوحيدة التي يحق للمسلم اعتناقها والتزامها.

3 - تفرض تحقيق المقاصد بها لا بغيرها.**