كتاب : الجامع لأحكام الصيام

**ما يُستحبُّ للصائم أن يفطر عليه :

يستحبُ للصائم أن يفطر على حبَّاتٍ من الرُّطب ، فإن لم توجد انتقل الاستحباب إلى حبَّات من التمر ، فإن لم توجد الحباتُ من التمر انتقل الاستحباب إلى جرعات من ماء ، وله بعد ذلك أن يأكل ما يشاء . ولم يَرِدْ في النصوص تعليلٌ لهذا الترتيب إلا ما جاء في الحديث الأول الآتي بعد قليل بخصوص الماء من أنه طَهور . ولذلك لا يصح أن يخوض الناس في سبب اختيار الرطب أولاً ثم التمر ثانياً ثم الماء ثالثاً ، وإنما يفعلون كل ذلك تعبُّداً وطاعةً فحسب ، فليس صحيحاً تعليلُهم تقديمَ التمر بأن فيه وَفْرةً من السكر وهو ما يفقده الصائم ، فجاء النص يطلب منهم تعويض أبدانهم عن فقده ، أو أن التمر سريع الهضم ، فيسهِّل على الصائم التغذية التي يحتاج إليها وما إلى ذلك من أبحاث لا تقدِّم شيئاً ولا تؤخِّر في أحكام الشرع ، ولو أراد الشرع الحنيف أن يعلِّل لعلَّل ، فلما سكت عن التعليل فقد وجب علينا السكوت عنه ، اللهم إلا أن تُبحث هذه الأمور في باب دلائل النبوة فلا بأس . وهذه طائفةٌ من الأحاديث تتناول هذه المسألةَ :

1- عن سلمان بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا كان أحدكم صائماً فلْيفطر على التمر ، فإن لم يجد التمر فعلى الماء ، فإن الماء طَهُور } رواه أبو داود ( 2355 ) والنَّسائي والترمذي وابن ماجة وأحمد والدارمي . وصححه ابن حِبَّان والحاكم وأبو حاتم الرازي ، وقال الترمذي [ حديث حسن صحيح ] .

2- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رُطَباتٍ قبل أن يصلي ، فإن لم تكن رُطَبات فعلى تمرات ، فإن لم تكن حسا حَسَواتٍ من ماء } رواه أبو داود ( 2356 ) والترمذي وقال [ حديث حسن غريب ] ورواه أحمد والدارَقُطني وصحَّحه . ورواه الحاكم وصححه وأقرَّه الذهبي . والحُسْوة بالضم : الجُرعة من الشراب . والحَسْوة بالفتح : المرة الواحدة .

3- عن أنس رضي الله عنه قال { ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قط صلى صلاة المغرب حتى يفطر ولو على شَربةٍ من ماء } رواه ابن حِبَّان ( 3504 ) وابن خُزيمة والبزَّار والحاكم والبيهقي والطبراني في المعجم الأوسط ، وإسناده صحيح .

وهذا الحديث الثالث يدل على أن السُّنة في الإفطار تعجيله ، وأنه مقدَّم على صلاة المغرب ، فلا يصلي الصائم إلا بعد أن يفطر .

ما يقوله الصائم إذا أفطر :

إذا فرغ الصائم من عبادة ربه بالصيام وأفطر ، فإن دعاءه عندئذٍ يخرج من فم امتنع طيلة النهار عن الأكل والشرب طاعةً لله وتعبُّداً أي يخرج من فمٍ عابدٍ لربه صابرٍ على الجوع والعطش فاستحق من الله سبحانه أن يستجيب دعاءه . فعلى المسلم عقبَ هذه العبادةِ ، بل وعقبَ كلِّ عبادة أن يحمد ربه وأن يدعوه ، وأن يُخلصَ في الدعاء ، لأن الدعاء آنذاك مقبول مستجاب بإِذن الله . فعن عبد الله بن أبي مُلَيكةَ قال : سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن للصائم عند فِطرهِ لدعوةً لا تُردُّ ، قال ابن أبي مُلَيكةَ : سمعت عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر : اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كلَّ شيء أن تغفر لي }. رواه ابن ماجة ( 1753 ) وسنده صحيح . ورواه الحاكم . ورواه أبو داود الطيالسي دون أن يذكر دعاء ابن عمرو . والذِّكْرُ والدعاء مشروعان بأية صيغة من الصيغ ولكنه بالمأثور أفضل . هذا وقد ورد في الذِّكرِ والأدعيةِ المأثورة عقبَ الصيام وبدء الإفطار ما يلي :

1- عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال : ذهب الظمأُ وابتلَّت العروقُ ، وثبت الأجرُ إن شاء الله } رواه النَّسائي في السنن الكبرى ( 3315 ) وأبو داود والحاكم والبيهقي . ورواه الدارَقُطني وقال [ إسناده حسن ] .

2- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قـال { كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صام ثم أفطر ، قال : اللهم لك صمتُ ، وعلى رزقك أفطرتُ … } رواه ابن أبي شيبة ( 2 /511 ) ورواه أبو داود ( 2358 ) والبيهقي من طريق معاذ بن زهرة أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أفطر قال : - فذكر لفظ حديث ابن أبي شيبة - . ومعاذ بن زهرة ويقال معاذ بن أبي زهرة هو من ثقات التابعين .

3- عن أنس بن مالك رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أفطر عند الناس قال : أفطر عندكم الصائمون ، وأكل طعامَكم الأبرارُ ، وتنزلَّت عليكم الملائكة } رواه الدارمي ( 1773 ) وابن أبي شيبة والبيهقي وعبد الرزاق . وفي لفظ ثانٍ عند البيهقي ( 4/240 ) { … وصلَّت عليكم الملائكة } فيستحبُّ للصائم إذا أفطر أن يقول ما يلي [ اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت ، ذهب الظمأ وابتلَّت العروق وثبت الأجر إن شاء الله ] ثم له أن يدعو أيضاً بما شاء . ويعجبني دعاء عبد الله ابن عمرو رضي الله تعالى عنه [ اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كلَّ شيء أن تغفر لي ] فيضمها الصائم إلى دعائه إِن شاء .**

الفصـل الثانـي - الفِطرُ والسُّحور
أولاً : الفِطر
متى يفطر الصائم ؟
وردت في إفطار الصائم الأحاديثُ التالية :
1- عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال { كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرٍ في شهر رمضان ، فلما غابت الشمس قال : يا فلان انزلْ فاجْدَحْ لنا ، قال : يا رسول الله إنَّ عليك نهاراً ، قال : انزلْ فاجْدَحْ لنا ، قال : فنزل فجَدَحَ ، فأتاه به فشرب النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال بيده : إذا غابت الشمس من ههنا ، وجاء الليل من ههنا ، فقد أفطر الصائم } رواه مسلم ( 2559 ) والبخاري وأبو داود والنَّسائي وأحمد . قوله اجدح : الجَدْحُ هو خلطُ الشيء بغيره لتهيئته للأكل أو للشرب ويطلق على خلط السَّوِيق ? وهو المتخذ من القمح أو الشعير ? واللبن ونحوهما بالماء . والمِجدَح : خشبة ذات رأسين أو ثلاثة يُحرَّك الخليطُ بها .
2- عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا أقبل الليل من هاهنا ، وأدبر النهار من هاهنا ، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم } رواه البخاري ( 1954 ) وأبو داود والنَّسائي وأحمد والترمذي والدارمي ورواه مسلم ( 2558 ) بلفظ { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغابت الشمس فقد أفطر الصائم } .
3- عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { لا يزال الناس بخير ما عجَّلوا الفِطر } رواه البخاري ( 1957 ) ومسلم والنَّسائي والترمذي وابن ماجة والدارمي والشافعي .
4- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا يزال الدين ظاهراً ما عجَّل الناسُ الفِطر ، إن اليهود والنصارى يؤخِّرون } رواه أحمد ( 9809 ) وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة وابن حِبَّان بسند حسن . وصحح الحاكم والذهبي إِسناده .
5- عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا تزال أمتي على سُنَّتي ما لم تنتظر بفِطْرِها النجومَ } رواه ابن حِبَّان ( 3510 ) وأحمد وابن خُزيمة والدارمي والحاكم بسند صحيح .
6- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { إِنَّا معاشرَ الأنبياء أُمرنا أن نُعجِّل فِطرنا وأن نؤخر سحورنا ، وأن نضع أَيماننا على شمائلنا في الصلاة } رواه الطبراني في المعجم الأوسط ( 1905 ) وابن حِبَّان وأبو داود الطيالسي . قال الهيثمي [ رجاله رجال الصحيح ] ورواه الطبراني في المعجم الأوسط أيضاً ( 3053 ) من طريق ابن عمر رضي الله عنهما .
7- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم { إنَّ جزءاً من سبعين جزءاً من النبوة تأخيرُ السُّحور وتبكيرُ الفِطر ، وإِشارةُ الرجلِ بإصبعه في الصلاة } رواه عبد الرزاق في مصنَّفِه ( 7610 ) .
8- عن عمرو بن ميمون الأزدي ، قال { كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أعجلَ الناس إفطاراً ، وأبطأَهم سُحوراً } رواه البيهقي ( 4/238 ) ورواه الطبراني في كتاب المعجم الكبير ، ورواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنَّفيهما . قال الهيثمي [ رجاله رجال الصحيح ] .
9- عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { يقول الله عزَّ وجلَّ : إن أحبَّ عبادي إليَّ أعجلُهم فِطراً } رواه أحمد ( 7240 ) وابن حِبَّان وابن خُزيمة والبيهقي . ورواه الترمذي وقال [ حسن غريب ] .
في الحديث الأول وفي الحديث الثاني بروايتيه جاء اللفظ واحداً : وهو دالٌّ على أن إقبال الليل من المشرق وإدبار النهار من المغرب وغروب الشمس هو موعد الإفطار وهذا يعني أن مجرد الغروب يكفي للإفطار ، فلا حاجة للتأخير ولا مبرر لانتظار المزيد من الوقت كي يفطر الصائم كما تفعل الشيعة الإمامية . ولعل ما هو أوضح من هذه النصوص الثلاثة ، الحديث الخامس ( لا تزال أمتي على سُنتي ما لم تنتظر بفِطْرها النجومَ ) وانتظار النجوم يعني تأخير الإفطار حتى تَسْودَّ صفحةُ السماء فتظهر فيها النجوم ، وهو يعني التأخُّرَ في الفطر عن غروب الشمس بما يقارب الربع ساعة على الأقل ، فهذا كما نصَّ عليه هذا الحديث مخالف للسُنَّة النبوية وموافق لليهود والنصارى ، كما نصَّ على ذلك الحديث الرابع فلا ينبغي تأخير الإفطار تحت أية ذريعة من الذرائع . وهذا ما فهمه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكانوا أعجلَ الناس إِفطاراً كما جاء في البند الثامن . وإذا كان تبكير الإفطار مما أُمر به الأنبياء وأنه جزء من سبعين جزءاً من النبوة وأَنَّ أحبَّ عباد الله إليه أعجلُهم فطراً بان التشدُّدُ في الهَدْيِ النبوي على تعجيل الإفطار وعدم تأخيره .
وأقول كلمة هنا : هي أن العادة قد جرت في عصرنا الراهن بأن نتناول طعام الإفطار إذا أذَّن المؤذن لصلاة المغرب ، كما أن العادة قد جرت أيضاً بأن يُؤخَّر رفعُ أذان المغرب قليلاً عقب غياب الشمس ، وهذا يجعل الصائمين يؤخرون الإفطار عن موعده فهذا التأخير مخالفٌ للسُنَّة النبوية ، فعلى الصائمين أن يتثبتوا من المدة التي يؤخِّر فيها المؤذِّنون أذان المغرب فيتلافَوْها ، ولو أدى ذلك بهم إلى أن يفطروا قبل رفع الأذان فالسنة النبوية أحق وأولى بالاتِّباع مما جرت به عادة الناس في أيامنا هذه .
.

**حِلُّ الجماع في ليالي الصيام :

كان الجماع في ليل رمضان محظوراً في البداية وقيل كان محظوراً في الليل عقب النوم ، أما قبل النوم فكان جائزاً ، وقد وردت النصوص في كلا الأمرين . وقد شق الامتناعُ عن الجماع على ناس من الصحابة فقارفوه ، فوقعوا في الإثم ، فنزل قوله تعالى يذكر ذلك ، ويرفع الحظر عن الجماع في ليالي رمضان . وهذه طائفة من النصوص تذكر ذلك :

1- قال تعالى { أُحِلَّ لكم ليلةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نسائِكم هُنَّ لباسٌ لكم وأَنتم لباسٌ لهنَّ عَلِمَ اللهُ أنكم كنتم تَخْتَانون أَنْفُسَكم فتابَ عليكم وعفا عنكم فالآن باشِروهنَّ وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لكم … } من الآية 187 من سورة البقرة . قوله الرَّفَث : هو هنا الجماعُ وغَشَيانُ النساء . وقوله تختانون : أي ترتكبون الخيانة .

2- عن البراء رضي الله عنه قال { كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائماً ، فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلتَه ولا يومَه حتى يمسي ، وإنَّ قيس بن صِرْمَةَ الأنصاري كان صائماً ، فلما حضر الإِفطار أتى امرأته فقال لها : أعندكِ طعام ؟ قالت : لا ، ولكن أَنطلقُ فأَطلب لك ، وكان يومَه يعمل ، فغلبته عيناه فجاءته امرأته ، فلما رأته قالت : خيبةً لك ، فلما انتصف النهار غُشِي عليه ، فذُكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية ( أُحِلَّ لكم ليلةَ الصِّيامٍ الرَّفَثُ إِلى نسائِكم ) ففرحوا بها فرحاً شديداً ، ونزلت ( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسود ) } رواه البخاري ( 1915 ) وأبو داود والنَّسائي وأحمد والبيهقي والطبري .

3- عن أبي إِسحق قال : سمعت البراء رضي الله تعالى عنه قال { لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساءَ رمضانَ كلَّه وكان رجالٌ يخونون أنفسهم ، فأنزل الله تعالى ? عَلِمَ اللهُ أنكم كنتم تَخْتَانونَ أَنفُسَكم فتابَ عليكم ? الآية } رواه البخاري ( 4508 ) والدارمي والنَّسائي .

4- عن ابن عباس رضي الله عنهما { في قول الله تعالى ذِكْرُهُ ? أُحِلَّ لكم ليلةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نسائِكم ? وذلك أن المسلمين كانوا في شهر رمضان إذا صلوا العشاء حرم عليهم النساءُ والطعامُ إلى مثلها من القابلة ، ثم إن ناساً من المسلمين أصابوا الطعام والنساء في رمضان بعد العشاء منهم عمر بن الخطاب فشَكَوْا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله ? عَلِمَ اللهُ أنكم كنتم تخْتانون أنْفُسَكم فتابَ عليكم وعفا عنكم فالآنَ باشروهُنَّ ? يعني : انكحوهن ? ، وكلوا واشربوا حتى يتبينَ لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ من الفجر } رواه الطبري ( 2/165 ) وابن المنذر .

5- عن كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه قال { كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام حَرُم عليه الطعامُ والشرابُ والنساءُ حتى يُفطر من الغد ، فرجع عمر ابن الخطاب من عند النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة وقد سهر عنده ، فوجد امرأته قد نامت ، فأرادها ، فقالت : إني قد نمت قال : ما نمتِ ثم وقع بها ، وصنع كعب بن مالك مثل ذلك فغدا عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فأنزل الله تبارك وتعالى ( عَلِم اللهُ أنكم كنتم تختانون أنفُسَكم فتابَ عليكم وعفا عنكم ) } رواه الإمام أحمد ( 15888 ) والطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم ، وسنده حسن . والنصوص واضحة لا تحتاج إلى تفسير**

**لا صوم على المجنون وعلى المغمَى عليه :

قال الإمام أبو حنيفة : يصح صوم المغمَى عليه لأن النية قد صحَّت ، وزوال الاستشعار بعد ذلك لا يمنع صحة الصوم كالنوم . وقال الشافعي : إذا وُجد الجنون في جزء من النهار أفسد الصوم ، لأنه معنى يمنع وجوب الصوم فأفسده وجودُه في بعضه كالحيض . وقال الشافعي وأحمد : متى أُغمي عليه جميعَ النهار فلم يُفِقْ في شيء منه لم يصحَّ صومُه . وجاء في كتاب الشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة [ لا نعلم خلافاً في وجوب القضاء على المغمَى عليه ، لأن مدته لا تتطاول غالباً ولا تثبت الولاية على صاحبه ، فلم يلزم به التكليف كالنوم ، فأما المجنون فلا يلزمه قضاء ما مضى ، وبه قال أبو ثور والشافعي في الجديد . وقال مالك : يقضي وإن مضى عليه سنون . وعن أحمد مثله ، وهو قول الشافعي في القديم ، لأنه معنى يزيل العقل ، فلم يمنع وجوب الصوم كالإغماء . وقال أبو حنيفة : إن جُنَّ جميع الشهر فلا قضاء عليه ، وإن أفاق في أثنائه قضى ما مضى لأن الجنون لا ينافي الصوم ، بدليل أنه لو جُنَّ في أثناء الصوم لم يفسد ، فإذا وجد في بعض الشهر وجب القضاء كالإغماء ، ولأنه أدرك جزءاً من رمضان وهو عاقل فلزمه صيامه كما لو أفاق في جزء من اليوم ] فأقول ومن الله التوفيق والسَّداد ما يلي :

إن القلم ، أي التكليف ، قد رفع عن ثلاثة : عن المجنون حتى يُفيق ، وعن الصبي حتى يحتلم ، وعن النائم حتى يستيقظ ، كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود ( 4403 ) والترمذي وأحمد من طريق علي رضي الله عنه بلفظ { عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : رُفع القلم عن ثلاثةٍ : عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يَعقِل } وذكره البخاري في باب الطلاق موقوفاً . ورواه ابن ماجة والدارمي والنَّسائي من طريق عائشة رضي الله عنها . ومن ضمن التكليف الصيام ، فالصيام مرفوع عن النائم حتى يستيقظ وهو مرفوع عن الصبي حتى يبلغ مبلغ الرجال والصبيَّة مبلغ النساء ، كما هو مرفوع عن المجنون حتى يعقل أو يُفيق . فلا صيام على نائم ، ولا صيام على صبي ، ولا صيام على مجنون ، ما دام هؤلاء الثلاثة على حالهم لم يخرجوا منه ، فإذا خرجوا منه صاروا مكلَّفين . وعليه فإن المجنون ، إذا مضى عليه يوم كامل أو أكثر من يوم دون أن يعود إليه عقله فلا تكليف عليه ولا صوم عليه في الحال وبالتالي فلا قضاء عليه لذلك اليوم ، ولا للأيام التي أمضاها مجنوناً . وقل مثل ذلك بخصوص المغمَى عليه إذا مضى عليه يوم كامل وهو في إغماء متواصل ، أي مضى عليه ليلٌ ونهارٌ دون إِفاقة ، فإنه لا صوم عليه في الحال وبالتالي فلا قضاء عليه ، لأن المجنون والمغمى عليه غير مكلَّفَين وعلى من كلَّفهما بالصوم وقضاء الصوم أن يأتينا بدليل من الشرع .

وإنَّ صيام رمضان عبادةٌ تتكرر كل نهار ، والصيام هو الامتناع عن المفَطِّرات وعليه فإنه ليس صحيحاً أن صيام شهر رمضان كله عبادة واحدة تلزمها نية واحدة ، وإنما الصحيح هو أن صيام كل يوم من أيام رمضان عبادة مستقلة عما قبلها ، وعما بعدها وهذه العبادة تحتاج إلى نية ، وهذه النية يجب عقدها كلَّ ليلة قبل حلول الفجر .

ثم إن العبادات توقيفية تحتاج كل واحدة منها إلى نص من قرآن أو حديث أو إجماع صحابة ، ولا تصح أية عبادة بالقياس ، لأن العبادات لا تعلَّل إلا أن توجد العلة في النص فتؤخذ وهي نادرة جداً في العبادات فإنْ جاء نصٌّ بعبادة قلنا بها وإلا رفضناها مهما كان عدد القائلين بها أو نوعيتهم .

وبناء على ما سبق أقول : إن المجنون والمغمى عليه لا تكليف عليهما ولا صوم عليهما ، وبالتالي فإنه لا يتوجَّب عليهما قضاءُ ما فاتهما من صيام ، سواء فاتهما صيام يوم أو عدة أيام أو شهر رمضان بكامله ، وهذا واضح . وأما إن نوى شخص في الليل الصيام ، ثم بعد النية أصابه جنون أو إغماء في جزء من النهار ثم أفاق احتُسِب له صيامُ يوم ، وأيضاً لا قضاء عليه ، فهو كالنائم سواء بسواء . فالنائم إن نوى الصيام من الليل ثم نام جزءاً من النهار ، سواء كان الجزء طويلاً أو قصيراً ، أولَ النهار ، أو وسَطَه ، أو آخِرَه احتُسب له صيام ذلك اليوم ، ولا يضيره أن يفقد الاستشعار بالصوم ، لأن زوال الاستشعار لا يمنع صحة الصوم كما يقول أبو حنيفة .

وقد يقول قائل : ما دام أن الإغماء كالنوم فلماذا يُطلب من النائم عن الصلاة أن يأتي بها عند إفاقته ويقظته ، ولا يطلب من المغمَى عليه الإتيانُ بالصوم عند إفاقته ؟ والجواب عليه هو أن العبادات كما قلنا لا تعلَّل وأنها توقيفية ، وبالتالي لا تقاس واحدة على الأخرى فلا يقاس الصوم على الصلاة ، ولا يقاس قضاء الصوم على قضاء الصلاة فالحائض مثلاً تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة وهنا جاء الأمر للنائم أن يقضي الصلاة فوجب عليه أن يأتي بها عندما يستيقظ ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها ، فلْيُصَلِّها إذا ذكرها ، فإن الله يقول : أقم الصلاة لذِكْري } رواه مسلم ( 1569 ) وأحمد والبيهقي وأبو نعيم . فهو نصٌّ في الصلاة لا نجد مثله في الصوم ، والشرع لا يغفل عن تشريع ما يجب ، فلو كان الصوم يُقضَى من قبل النائم أو المغمى عليه أو المجنون ، لقال لنا الشرع ذلك ، فلما لم يقله فإنه لا يُقبَل من أيِّ مسلم فضلاً عن أي فقيه أن يقوله . وإذن فإن الرجل إذا جُن أو أُغميَ عليه يوماً كاملاً أو أياماً كاملة فلا صوم عليه ، ولا قضاء ، ومثله إن جُن أو أُغميَ عليه جزءاً من نهار ، وكان في الليل قد عقد النية للصوم فإن صومه مقبول ، ولا قضاء عليه . ونستأنس هنا بما رُوي عن نافع قال { كان ابن عمر يصوم تطوُّعاً فيُغْشَى عليه فلا يفطر } رواه البيهقي ( 4 /235 ) وقال [ هذا يدل على أن الإغماء خلال الصوم لا يفسده ] .

فتبقى حالة ما إذا كان الجنون ، أو الإغماء ، قد حصل في الليل ، فلم يتمكن الشخص من أن يعقد نية الصوم ، ثم زال عارض الجنون أو الإغماء في جزء من النهار ففي هذه الحالة يتوجب على هذا الشخص أن يمسك فوراً عن المفَطِّرات ، ويصوم بقية اليوم ثم يقضيه في يوم آخر لأن النية ركن وشرط في الصيام لا يصح بدونها ، فلا يصح منه الصيام في هذه الحالة ، ولذا وجب عليه القضاء . وحيث أنه أدرك جزءاً من النهار وهو مفيق فإنه يكون قد أدرك جزءاً من عبادةٍ واجبةٍ ، فوجب أن يمسك عن المفطرات ومثل هذه الحالة ما رواه عبد الرحمن بن مسلمة عن عمه { أن أَسلمَ أتت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : صمتم يومكم هذا ؟ قالوا : لا ، قال : فأَتمُّوا بقيةَ يومِكم ، واقضوه } قال أبو داود : يعني يوم عاشوراء . رواه أبو داود ( 2447 ) والبيهقي . قوله أَسلم : أي قبيلة أسلم . فقد جاء في هذا الحديث ( أتمُّوا بقية يومكم واقضوه ) وأما كون هذا النص في يوم عاشوراء فلا يغير من الأمر شيئاً .

ومن ذلك يظهر أن قول مالك وأحمد : يقضي وإن مضى عليه سنون هو خطأ وأن قول أبي حنيفة : إن جُن جميع الشهر فلا قضاء عليه ، وإن أفاق في أثنائه قضى ما مضى ، هو أيضاً خطأ ، وخطؤُه آت من اعتباره رمضان كله عبادةً واحدة ، ولو كان يعتبر صيام كل يوم عبادة منفصلة تحتاج إلى نية ، لما قال ما قال . وإن قول أبي ثور والشافعي في الجديد : فأما المجنون فلا يلزمه قضاء ما مضى هو قول سديد صائب .**

**صوم الحامل والمرضع :

ورد في صوم الحامل والمرضع الحديثان التاليان :

1- عن أنس بن مالك ? رجل من بني عبد الله بن كعب إخوةِ بني قُشَير ? قال { … قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اجلس أحدِّثْكَ عن الصلاة ، وعن الصيام : إن الله تعالى وضع شطر الصلاة ، أو نصف الصلاة ، والصومَ عن المسافر وعن المرضع أو الحبلى ، واللهِ لقد قالهما جميعاً أو أحدَهما … } رواه أبو داود ( 2408 ) والنَّسائي وابن ماجة وأحمد . وهذا لفظ النَّسائي ( 2274 ) { إن الله وضع عن المسافر نصف الصلاة والصوم ، وعن الحبلى والمرضع } ورواه الترمذي وحسَّنه .

2- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال { رخَّص رسول الله صلى الله عليه وسلم للحُبلى التي تخاف على نفسها أن تفطر ، وللمرضع التي تخاف على ولدها } رواه ابن ماجة ( 1668 ) وابن عَدِي .

قال الترمذي [ قال بعض أهل العلم : الحامل والمرضع يفطران ، ويقضيان ، ويُطعمان وبه يقول سفيان الثوري ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل . وقال بعضهم : يفطران ويطعمان ، ولا قضاء عليها ، وإن شاءتا قضتا ، ولا إطعام عليهما . وبه يقول إسحق ] . وقد ذهب الحسن البصري وعطاء والضحاك وإبراهيم النخعي والأوزاعي وعكرمة وأصحاب الرأي وربيعة إلى أن الحامل إذا خافت على نفسها ، والمرضع إذا خافت على ولدها ، أن تفطرا ولا إطعام عليهما ، فهما بمنزلة المريض يفطر ويقضي ، وبه قال أبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر . وهو قول مالك في الحبلى إذا أفطرت ، وأما المرضع فإنها إن أفطرت فقد وجب عليها القضاء والإطعام . وقال الشافعي وأحمد : تفطران وتقضيان إن خافتا على نفسيهما فقط ، أو على نفسيهما وولديهما ، وأما إن خافتا على ولديهما فقط فعليهما القضاء والفدية ، عن كل يومٍ مُدٌّ . فأقول ، ومِن الله التوفيق ، ما يلي :

أما أن الحامل والمرضع تفطران فهذا ما لا خلاف فيه بين الفقهاء وهو الصواب وإن الحديث الأول دليل عليه ( إن الله تعالى وضع … الصوم عن المسافر ، وعن المرضع أو الحبلى ) ( إن الله وضع عن المسافر … الصوم ، وعن الحبلى والمرضع ) فكما أن المسافر يصح له الإفطار لأن السفر رخصة وعذر ، فكذلك الحبلى والمرضع يصح لهما الإفطار ، لأن الحَبَل والرضاعة رخصةٌ وعذرٌ . وقد جاء النص الأول عاماً في الحُبْلى والمرضع ، وأَما النص الثاني ، فقد جاء خاصاً بالحَبَل الذي يُخشى معه على النفس ، وبالإِرضاع الذي يُخشى معه على الولد ، فوجب الأخذُ بهذا التخصيص . فأقول ما يلي :

إن الحبلى إذا خشيت بسبب الحَبَل على نفسها فإن لها أن تفطر ، وإن المرضع إذا خشيت بسبب الإِرضاع على ولدها فإن لها أن تفطر ، وأما إن عدمت الخشيةُ من الحبلى والمرضع فلا يصح لهما الإفطار ، فالعام يُحمل دائماً على الخاص . وأما القضاء فإنه لا بد منه ، وليس صحيحاً قول إسحق [ إن شاءتا قضتا ] كما أنه ليس صحيحاً ما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنه من القول إِنَّ الحامل والمرضع ليس عليهما قضاء ، كما جاء في الرواية عند الدارَقُطني ( 2/206 ) في سننه من طريق سعيد بن جُبير { أن ابن عباس قال لأم ولدٍ له حُبلى أو مُرضع : أنتِ من الذين لا يطيقون الصيام ، عليكِ الجزاء ، وليس عليكِ القضاء } ورواه أبو داود والبزَّار بمعناه . وكذلك ليس صحيحاً ما رُوي عن قتادة ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما من القول نفسه المنسوب لابن عباس رضي الله عنهما ، كما جاء في مصنَّف عبد الرزاق عن قتادة ( 7556 ) وعن ابن عمر ( 7558 ) من أنهما قالا عن الحامل والمرضع : تفطران وتطعمان عن كل يوم مسكيناً ، ولا قضاء عليهما . وكما روى الدارَقُطني ( 2 /207 ) مثله عن ابن عمر رضي الله عنه . وذلك لما يلي :

إنَّ الرواية الأولى عن ابن عباس عند الدارَقُطني القائلةَ بالجزاء ، وعدم القضاء تعارضها الرواية عنه عند عبد الرزاق ( 7564 ) القائلة بالقضاء وعدم الإِطعام . ولذا فإن الرواية عن ابن عباس مشكوك فيها ، فتترك . هذا إِضافةً إلى أنها قول صحابي وأقوال الصحابة ليست أدلة ، كما ذكرنا ذلك عدة مرات . وقل مثل ذلك بخصوص القول المنسوب لابن عمر رضي الله عنه .

أما الدليل الشرعي فهو الحديث الأول بروايتيه فقد أعطى هذا الحديث حكماً واحداً لكلٍّ من المسافر والحبلى والمرضع هو أن الله سبحانه قد وضع عنهم الصوم ، ولم يفرق بينهم بخصوصه ، ولذا فإن القائلين بالتفريق قد أخطأوا فيما ذهبوا إليه . وحيث أن المسافر يقضي صومه فإن كلاً من الحبلى والمرضع تقضي صومها كذلك ولا يُلتفت إلى رأي من قال إن الحبلى والمرضع لا تقضيان الصوم .

أما القول إن الحامل والمرضع تفطران وتطعمان فإنه لا دليل عليه من الشرع ، لا من كتاب الله سبحانه ، ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو لا يعدو كونه من اجتهادات الصحابة والفقهاء ، ونحن لا نلتزم في عباداتنا إلا بما شرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم . وممن قال بعدم الإِطعام الأحناف ، وقد أصابوا فيما ذهبوا إليه .**

**صوم الصبيان :

ذهب الجمهور إلى أن صوم الصبيان ، أي غير البالغين ، غير واجب واستحبَّه جماعة من التابعين منهم ابن سيرين وابن شهاب الزُّهري . وقال الشافعي : إن الصبيان يُؤْمَرون بالصيام للتمرين عليه إذا أطاقوه . وحدَّه أصحابُه بالسبعِ ، والعشرِ كالصلاة . وحدَّه إسحق باثنتي عشرة سنة . وأحمد في رواية عنه بعشرِ سنين . وقال الأوزاعي : إذا أطاق صوم ثلاثة أيام تباعاً لا يضعفُ فيهن حُمِلَ على الصوم . والمشهور في مذهب مالك أن صوم الصبيان لا يُشرع في حقهم . فأقول ما يلي :

إن هذه المسألة ما كان ينبغي أن تختلف فيها أفهام الفقهاء والعلماء ، إذ المعلوم في الشريعة أن التكاليف كلها شرطُها البلوغُ ، فمن بَلَغ كُلِّف ومن لم يبلغ لم يُكلَّف ، فإن جاء الشرع وأمر من هو دون البلوغ بالقيام بفعل ، أو جاء يأمر وليَّ الصبي بحمل الصبي على القيام بفعل ، فإنما هو من باب التمرين عليه فحسب كما يقول الشافعي ، ولا يجب على الصبي القيام به قطعاً ، وإن كان يُثاب على فعله هو ووليُّ أمره ، ومن ذلك الصيام . فولي أمر الصبي يأمر صبيَّه بالصيام ويحثُّه عليه دون أن يصل الأمر والحث إلى حد الإكراه والإجبار ، فإن امتثل الصبي للأمر فبها ونعمت ، وإن رفض فلا شيء عليه ولا على وليِّه .

أما متى يبدأ الطلب من الصبي أن يصوم ؟ فإن الشرع لم يحدِّد سناً معينة لذلك كما فعل بخصوص الصلاة ، ولا يصح القياس في العبادات ، فلا يقاس الصيام على الصلاة ، وتبقى السنُّ عامة غير مخصَّصة ومطلقة غير مقيَّدة ، والأمر كله راجع لتقدير أولياء الأمور وصحَّة الصبيان وقُدُراتهم البدنية .

وقد مرَّ حديث الرُّبيِّع بنت معوِّذ رضي الله عنها قالت { أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداةَ عاشوراء إلى قرى الأنصار : من أصبح مفطراً فلْيتمَّ يومه ، ومن أصبح صائماً فلْيصم ، قالت : فكنا نصومه بعد ونُصوِّم صبيانَنا ، ونجعل لهم اللعبةَ من العِهْنِ فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذلك ، حتى يكون عند الإفطار } رواه البخاري ( 1960 ) ومسلم وابن حِبَّان وابن خُزيمة والبيهقي والطحاوي .

فهذا في صيام التطوع كما أثبتناه سابقاً ، وصيام التطوع ليس واجباً على الكبار فلا يكون قطعاً واجباً على الصبيان . وكون هؤلاء الصبيان يُلَهَّوْن باللُّعب من الصوف في أثناء صومهم ، فإن ذلك يعني أن السنَّ التي كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يمرِّنون صبيانهم على الصيام فيها هي بلا شك فيما بين الخامسة والسابعة على أبعد تقدير ، فهذه هي السنُّ التي يُتصوَّر فيها إلهاء الصبيان عن الجوع بالُّلَعب من الصوف وغيرها ، ومع ذلك فإن هذه السن ليست للالتزام . وقد ذكر البخاري تعليقاً ? أي بدون سند ? هذا الأثر { وقال عمر رضي الله عنه لِنَشْوانَ في رمضان : ويلك وصبيانُنا صيامٌ ؟ فضربه } . ومعناه أن شخصاً قُبض عليه في رمضان وهو نشوان ، أي سكران ، فوبَّخه عمر وضربه قائلاً له : وصبياننا صيام ؟ أي تفطر وتشرب الخمر أيضاً في رمضان في حين أن الصبيان يصومون ؟ فالأصل عند المسلمين أن يُعوِّدوا أولادهم الصغار على أداء بعض التكاليف التي سيقومون بها كباراً مما يطيقون القيام به .**

**إثم من أفطر في رمضان بغير عذر :

إن صيام رمضان ركن من أركان الإسلام الخمسة ، فهو أحد أعمدة الإسلام الرئيسية الخمسة ، ولذا فإن التارك لهذا الركن ، أو حتى المقصِّر فيه ليستحق العذاب الأليم في الآخرة فضلاً عن إيقاع دولة الخلافة العقوبة عليه في الدنيا . وهذه طائفة من الأحاديث والآثار تحذِّر من الإفطار في رمضان :

1- عن أبي أُمامة رضي الله تعالى عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضَبْعَيَّ … وساق الحديث ، وفيه ? قال : ثم انطلقا بي فإذا قوم معلَّقون بعراقيبهم ، مشققةٌ أشداقُهم تسيل أشداقُهم دماً ، قلت : من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الذين يفطرون قبل تَحِلَّةِ صومهم ? } رواه النَّسائي في السنن الكبرى ( 3273 ) ورواه ابن حِبَّان وابن خُزيمة والبيهقي والحاكم والطبراني في المعجم الكبير . وصححه الحاكم والذهبي والهيثمي . والضَّبْع : هو وسط العضد . والعُرْقُوب : هو العصب الغليظ الموتَّر فوق العَقِب . والأشداق : هي جوانب الفم .

2- عن ابن مسعود رضي الله عنه قال { من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصةٍ لقي الله به ، وإن صام الدهر كله ، إن شاء غفر له ، وإن شاء عذبه } رواه الطبراني في كتاب المعجم الكبير ( 9/9575 ) . قال الهيثمي [ رجاله ثقات ] ورواه ابن حزم باختلاف في اللفظ . ورواه الترمذي ( 719 ) وأبو داود وابن ماجة وأحمد والدارَقُطني والبيهقي والدارمي من طريق أبي هريرة رضي الله عنه .

3- عن أبي هريرة رضي الله عنه { أن رجلاً أفطر في رمضان ، فقال أبو هريرة : لا يُقبَل منه صومُ سنة } رواه ابن حزم في المُحلَّى ( 6/184 ) وفي رواية أخرى عند ابن حزم فيه ( 6/184 ) قوله { من أفطر يوماً من أيام رمضان لم يقضه يومٌ من أيام الدنيا } وروى ابن أبي شيبة ( 2/516 ) عن عليٍّ رضي الله عنه قوله { من أفطر يوماً من رمضان متعمِّداً لم يقضه أبداً طولَ الدهر } .

4- عن أبي مروان { أن علي بن أبي طالب أُتِيَ بالنجاشي قد شرب الخمر في رمضان فضربه ثمانين ، ثم ضربه من الغد عشرين ، وقال : ضربناك العشرين لجرأتك على الله ، وإفطارِك في رمضان } رواه ابن حزم في المحلى ( 6/184 ) والطحاوي وسنده صحيح والنجاشي هذا هو شاعر اسمه قيس بن عمرو الحارثي ، وقد لازم علياً إلى أن جلده ، ففر إلى معاوية .

فالحديث والآثار الثلاثة ، أو قل الخمسة ، واضحة الدلالة على الإثم الكبير لمن أفطر ولو يوماً واحداً في رمضان ، فكيف بمن لا يصوم الشهر كله بل الشهور كلها ؟ إن المدقق في الآثار هذه يجد أن ألفاظها بعيدة الاحتمال عن أن تكون أفهاماً للصحابة أو اجتهادات منهم فمثل هذه الأقوال يبعد جداً أن تكون من عندهم ، ومع ذلك فإنني لا أعتبرها أدلة وإنما اعتبرها أَماراتٍ وأحكاماً شرعية يصح قبولها وتقليدُ أصحابها بها .**

**صيام من أصبح جُنُباً :

ذهب الجمهور إلى أن من أصبح جنباً فصومه صحيح ولا قضاء عليه من غير فرق بين أن تكون الجنابة من جماعٍ أو من احتلامٍ أو من فورة شهوة . وجزم النووي بأن الإجماع من العلماء قد استقر على ذلك . وقال ابن دقيق العيد إنه صار إجماعاً أو كالإجماع . ونقل ابن عبد البر عن الحسن بن صالح وإبراهيم النخعي إيجابَ القضاء في الفرض دون التطوُّع . ونقل الماوَرْدي أن الاختلاف إنما هو في حق الجُنُب من جماع ، وأَما من احتلام فأجمعوا على أنه يُجْزِؤُه . وقال الترمذي [ وقد قال قوم من التابعين : إذا أصبح جُنُباً يقضي ذلك اليوم ] هذه هي خلاصة الأقوال في هذه المسألة . وحتى نستطيعَ الوقوف على الصواب فيها لا بدَّ من استعراض الأحاديث التي تتناولها :

1- عن عائشة رضي الله عنها قالت { أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان لَيصبحُ جنباً من جماعٍ غير احتلامٍ ثم يصومه } رواه البخاري ( 1931 ) ومسلم والنَّسائي وأحمد وابن حِبَّان . وروى مسلم أيضاً ( 2591 ) من طريقها رضي الله عنها { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصبح جنباً من جماع لا من حُلُم ، ثم لا يفطر ولا يقضي } وروى البخاري أيضاً ( 1930 ) ومسلم من طريق عائشة رضي الله عنها { كان النبي صلى الله عليه وسلم يدركه الفجر جنباً في رمضان من غير حلم فيغتسل ويصوم } كما رويا مثل هذا اللفظ من طريق أم سلمة رضي الله عنها .

2- عن أبي يونس مولى عائشة رضي الله تعالى عنها { أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه وهي تسمع من وراء الباب فقال : يا رسول الله تدركني الصلاة وأنا جُنُبٌ فأصومُ ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأنا تدركني الصلاة وأنا جُنُبٌ فأصوم ? } رواه مسلم ( 2593 ) وأبو داود والنَّسائي وأحمد وابن حِبَّان وابن خُزيمة .

3- عن عائشة وأم سلمة رضي الله تعالى عنهما { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدركه الفجر وهو جُنُبٌ من أهله ، ثم يغتسل ويصوم … } رواه الإمام البخاري ( 1925-1926 ) ومسلم والترمذي وأحمد وابن حِبَّان والدارمي باختلاف في الألفاظ .

فهذه أربع روايات صحيحة ، تذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدركه الفجر وهو جُنُب من جِماع أهله غير احتلام ، ورواية خامسة ، تذكر أنه كان يدركه الفجر وهو جنب دون تحديدٍ فيصوم ، وهي روايات واضحة الدلالة على ما ذهب إليه الجمهور ، وما كاد يُجمِع عليه العلماء والفقهاء ، وهي في المقابل ردٌّ على المخالفين .

وأما ما رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { إذا نودي للصلاةِ ، صلاةِ الصبح ، وأحدُكم جُنُبٌ فلا يصمْ يومئذٍ } رواه أحمد ( 8130 ) فإن أبا هريرة رضي الله عنه قد رجع عن هذه الفتوى ، فعن عامر بن أبي أمية أخي أم سلمة رضي الله عنها أن أم سلمة حدَّثته { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً ثم يصوم فردَّ أبو هريرة فتياه } رواه ابن حِبَّان ( 3500 ) وأحمد والطبراني والطحاوي وأبو داود الطيالسي بسند صحيح . وعن أبي بكر بن عبد الرحمن قال { سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقصُّ ، يقول في قصصه : من أدركه الفجر جنباً فلا يصوم فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث ? لأبيه ? فأنكر ذلك ، فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما ، فسألهما عبد الرحمن عن ذلك ، قال : فكلتاهما قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبح جنباً من غير حُلُم ، ثم يصوم ، قال : فانطلقنا حتى دخلنا على مروان ، فذكر ذلك له عبد الرحمن ، فقال مروان : عزمتُ عليك إلا ما ذهبت إلى أبي هريرة فرددتَ عليه ما يقول قال : فجئنا أبا هريرة ، وأبو بكر حاضر ذلك كله قال : فذكر له عبد الرحمن فقال أبو هريرة : أهما قالتاه لك ؟ قال : نعم قال : هما أعلم ، ثم ردَّ أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن عباس فقال أبو هريرة : سمعت ذلك من الفضل ، ولم أسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك الحديث ، قلت لعبد الملك : أقالتا في رمضان ؟ قال : كذلك كان يصبح جنباً من غير حُلُم ، ثم يصوم } رواه مسلم ( 2589 ) والنَّسائي وابن ماجة وأحمد وابن حِبَّان . أبو بكر هنا هو أبو بكر بن عبد الرحمن راوي الحديث . وعن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول { من احتلم من الليل أو واقع أهله ثم أدركه الفجر ولم يغتسل فلا يصم ، قال : ثم سمعته نزع عن ذلك } رواه النَّسائي في السنن الكبرى ( 2940 ) كما روى ابن أبي شيبة ( 2/494 ) عن سعيد بن المسيِّب [ أن أبا هريرة رجع عن فتياه : من أصبح جنباً فلا صوم له ] . وبثبوت رجوع أبي هريرة عن فتياه لا تبقى أيةُ حجةٍ ، بل ولا أيةُ شبهةٍ ، لمن خالف قول الجمهور .**

**صوم الحائض والنُّفَساء :

إن الله سبحانه قد وضع الصلاةَ عن الحائض وعن النُّفَساء ، ورفع تكليفهما بها فلا صلاة عليهما في فترتي الحيض والنفاس ، كما أنه لا قضاء عليهما للصلاة ، عَقِبَ انقضاء الفترتين ، وليس كذلك الصيام ، فالصيام لم يُرفع تكليفُهما به ، وإنما أخَّر الله سبحانه أداءَ هما إياه إلى ما بعد انقضاء الفترتين ، فكون الحائض والنُّفَساء تقضيان الصوم عقب الفترتين فهو دليل على أن الصيام لم يسقط عنهما كما سقطت الصلاة ، ولم يُرفع عنهما هذا التكليف وإنما جرى تأخير أدائه فحسب . ولذا فإن الذين يقولون إن الله سبحانه قد وضع الصلاة والصيام عن الحائض والنُّفَساء ، هكذا دون أن يفرقوا بينهما ، يكونون قد جانبوا الدِّقةَ ، وكان الواجب عليهم أن يقولوا إن الله سبحانه قد أوجب الصوم على الحائض وعلى النُّفَساء ، وجعل أداء هذا الواجب عقب انتهاء فترتي الحيض والنفاس .

أما لماذا لم يساو ربُّ العالمين بين الصلاة والصيام بخصوص الحائض والنُّفَساء ؟ فالجواب عليه هو أن الصلاة عبادة وكذلك الصيام ، والعبادات لا تعلَّل ولا تُلتمس لها عللٌ إلا إن وردت في النصوص فتُؤخذ عندئذٍ ، وفي مسألتنا هذه لا توجد علَّةٌ لهذا التفريق ، فنقول بالتفريق دون تعليل ، ودون أن نأتي بعلَّة من عند أنفسنا ، كمن يقول إن الصلاة عمل دائم في الليل والنهار وعلى مدى الحياة ، فلو سقط التكليف بها بضعة أيام فإن ذلك لا يؤثر فيها ، بخلاف الصوم الذي لا يأتي في العام إلا في رمضان ، فإن نُفِست امرأة في أول الشهر فإنها لا تصوم سنتها كلَّها ، وربما تكرر ذلك معها في أعوام قادمة فتُحْرَم من الصوم أعواماً عدة ، ولذا أُمرت بقضاء الصيام ولم تؤمر بقضاء الصلاة لأجل ذلك ، فهذا القول وهذا التعليل خطأ لا يجوز لفقيه ولا لغيره أن يقوله .

والتفريق بين الصلاة والصيام ، بخصوص الحائض والنُّفَساء ، مُجمَعٌ عليه بين المسلمين ،لم يخالفه إلا فرقة الخوارج الحَرُوريَّة ، الذين يقولون بالتساوي في الحكم بين الصلاة والصيام ، فيأمرون الحائض والنُّفَساء بقضاء الصلاة ،كقضاء الصيام . وقد وردت في هذه المسألة الأحاديثُ التالية :

1- عن مُعاذة قالت { سألتُ عائشة فقلت : ما بال الحائض تقضي الصوم ، ولا تقضي الصلاة ؟ فقالت : أَحَروريةٌ أنتِ ؟ قلت : لست بحَروريَّة ولكني أسأل ؟ قالت : كان يصيبنا ذلك فنُؤْمَر بقضاء الصوم ولا نُؤْمَرُ بقضاء الصلاة } رواه مسلم ( 763 ) والبخاري وأبو داود والنَّسائي والترمذي . والحَروريَّةُ اسم يطلق على فرقة من الخوارج كانت قد ظهرت في قرية حَروراء قرب الكوفة بالعراق فنُسِبوا إليها .

2- عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم { أليس إذا حاضت لم تُصَلِّ ولم تَصُمْ ؟ فذلك من نقصان دينها } رواه البخاري ( 1951 ) وابن خُزيمة .

3- عن عائشة رضي الله عنها قالت { كنا نحيض عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فيأمرنا بقضاء الصوم } رواه ابن ماجة ( 1670 ) ورواه النَّسائي ( 2318 ) بلفظ { … كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نطهُر ، فيأمرنا بقضاء الصوم ، ولا يأمرنا بقضاء الصلاة } .

والحائض والنُّفَساء تقعدان عن الصوم ما دام الدم يسيل في الفترتين فإذا انقطع الدم قبل حلول الفجر ثم طلع الفجر دون أن تغتسلا ، فمذهب العلماء صحةُ صومها ، إلا ما حُكي عن الحسن بن صالح والأوزاعي وأحدِ الرأيين في مذهب مالك فإنهم قالوا بفساد صومهما إلا أن تغتسلا قبل حلول الفجر .

والصحيح هو القول الأول ، وذلك أن الحائض والنفساء إذا انقطع دمهما ، أو انتهت فترتا الحيض والنفاس لديهما ، بطل اعتبارُهما حائضاً ونُفَساء ، فوجب عليهما أداء الصوم عندئذٍ وليس صحيحاً أن الاغتسال هو الذي يُؤْذِن بانتهاء الحيض والنفاس وأنه لا بد من وجوده لصحة الصيام ، وإنما الصحيح هو أن الله سبحانه قد أمرهما بالغسل عند انتهاء الحيض والنفاس ، فالغسل ليس هو العلامة على نهاية الفترتين ، ولا هو المُؤْذِنُ بانتهاء الفترتين ، فقد تغتسل الحائض أو النفساء عقب انقطاع الدم فوراً ، وقد تغتسلان بعد مرور الساعات على انقطاع الدم فانقطاع الدم المُؤْذِن بنهاية الفترتين شيء ، والغسل شيء أخر ، وعليه فإن المرأة إذا انقطع حيضها ، أو نفاسها فقد وجب عليها أن تصوم ، دون أن يكون للصوم ارتباط بالغسل .

.**

**كم الشهر الهجري ؟

إنه لمما لا شك فيه ، وما هو معلوم بداهة أن الشهر الهجري القمري يكون تسعةً وعشرين يوماً ويكون ثلاثين يوماً ، ولا يكون أقل من ذلك ، كما أنه لا يكون أكثر من ذلك . وقد جاء هذا التحديد في عدد من الأحاديث ، أذكر منها ما يلي :

1- عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت { لما مضت تسع وعشرون ليلة أَعُدُّهنَّ دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت : بدأَ بي فقلت : يا رسول الله إنك أقسمتَ أن لا تدخل علينا شهراً ، وإنك دخلت من تسعٍ وعشرين أَعُدُّهنَّ ؟ فقال : إن الشهر تسع وعشرون } رواه مسلم ( 2520 ) والنَّسائي والترمذي وابن ماجة وأحمد .

2- عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { إنَّا أمَّة أمِّيَّة لا نكتب ولا نحسب ، الشهر هكذا وهكذا ، يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين } رواه البخاري ( 1913 ) ومسلم وأبو داود والنَّسائي وأحمد .

3- عن ابن مسعود رضي الله عنه قال { ما صُمنا مع النبي صلى الله عليه وسلم تسعاً وعشرين أكثر مما صُمنا ثلاثين } رواه الترمذي ( 684 ) وأبو داود وأحمد والبيهقي والدارَقُطني . ورواه الطبراني في المعجم الأوسط ( 5245 ) من طريق عائشة رضي الله عنها . ومن طريق جابر ( 5441 ) رضي الله عنه .

4- عن الوليد قال { صُمنا على عهد عليٍّ رضي الله عنه ثمانية وعشرين يوماً ، فأَمَرَنا بقضاء يوم } رواه البيهقي ( 4 /251 ) ودلالة هذه الأحاديث واضحة .

ولقد أشكل على الفقهاء الحديث الذي رُوي من طريق أبي بَكْرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { شهران لا ينقصان ، شهرا عيد ، رمضان وذو الحجة } رواه البخاري ( 1912 ) ومسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد . قال الترمذي [ قال أحمد : معنى هذا الحديث ? شهرا عيد لا ينقصان ? يقول : لا ينقصان معاً في سنة واحدة ، شهر رمضان وذو الحجة ، إن نقص أحدُهما تمَّ الآخر . وقال إسحق : معناه لا ينقصان ، يقول وإن كان تسعاً وعشرين فهو تمام غير نقصان وعلى مذهب إسحق يكون ينقص الشهران معاً في سنة واحدة ] وقد نُقل عن إسحق قوله : لا ينقصان في الفضيلة ، إن كان تسعة وعشرين أو ثلاثين . وذكر ابن حِبَّان لهذا الحديث معنيين ، أحدهما ما قال إسحق والآخر أنهما في الفضل سواء ، لقوله في الحديث الآخر ( ما من أيامٍ العملُ فيها أفضلُ من عشر ذي الحجة ) وقيل لا ينقصان في عامٍ بعينه ، وهو العام الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم تلك المقالة . وقيل لا ينقصان في الأحكام ، وبهذا جزم البيهقي والطحاوي . وقيل لا ينقص ثواب ذي الحجة عن ثواب رمضان لأن فيه المناسك ، حكاه الخطَّابي . وقال النووي : الأصح أن معناه لا ينقص أجرُهما والثوابُ المترتب عليهما وإن نقص عددهما .

والذي أراه وأُرجِّحه ، هو أن الله سبحانه قدَّر لكل شهر من هذين الشهرين على مدى الأعوام والدهور ثواباً ثابتاً ، لا يزيد ولا ينقص ، سواء جاء هذان الشهران ثلاثين يوماً ، أو جاءا تسعة وعشرين ، بمعنى أن من صام رمضان ذي التسعة والعشرين ثلاثين يوماً وقام ليله فإنه يحصل على ثوابٍ مماثل للأجر الذي يحصل عليه إن هو صام رمضان ذي الثلاثين يوماً وقام ليله . فالأجر والثواب في الشهرين واحد وإن نقص أحدهما يوماً عن الآخر ، وقل مثل ذلك بخصوص شهر ذي الحجة . والله يؤتي فضله من يشاء ، ويُنعم على من أدَّى ركني الإسلام ، الصيام والحج ، وافِرَ الإِنعام وأتمَّه .

ولا بأس بأن أذكر هنا أن علم الفلك يقول إن الشهر القمري يأتي دائماً ثابتاً لا يزيد ولا ينقص ، وأنه 29 يوماً ونصف اليوم تقريباً ، وإن شئت التحديد أكثر قلت إنه 29 يوماً و 53 % من اليوم ، أو 29 يوماً و 12 ساعة و44 دقيقة . وأنَّ السنة القمرية هي 354 يوماً و36 % من اليوم ، فهي تنقص عن السنة الشمسية بحوالي أحد عشر يوماً .

.**

** مسألة :

إننا نعيش في عصر العلمانية ، وتعني هذه اللفظة الأخذ بالقوانين والقواعد العلمية والعقلية دون نظرٍ في الأحكام والقواعد الدينية ، وبعبارة أخرى فإن العلمانية تعني إقصاء الدين عن حياة الناس والعملَ في الحياة بمقتضى القوانين والقواعد العلمية والعقلية التي توصلت إليها أبحاثهم وعقولهم . وقد أُخِذَ الناسُ بسحر هذه الكلمة ، واتخذوا منها المقياس العصري للنهضة والتقدم ، فقدَّسوا العلم وقدَّسوا العقل البشري ، ورفضوا أي فكر أو رأي أو حكم أو تشريع لا يصدر عن العقل البشري ولا يقبل به .

والذي يعنينا من كل هذا هو علوم الفلك والحساب الفلكي ، فهذا الحساب لكونه علماً من العلوم فإن الناس قد فُتنوا به ، حتى إن المسلمين راحوا يطالبون بالعمل به في عباداتهم ، من حج وصوم وأعياد ، ناسين أو متناسين أن الشريعة إنما تُؤْخَذ من مصادرها ، وهي الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والقياس ، ولا تُؤخذ من غير هذه المصادر الأربعة مهما كانت الدواعي والأسباب .

إن الشرع قد أمر بصيام شهر رمضان ، وشرع لهذا الصيام طريقةً لتحديد بدايته ونهايته ، هي رؤية العين لهلال رمضان ولهلال شوال ، ولم يكتف الشرع بذلك وإنما استبعد الحساب من التدخل في هذه الطريقة ، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { إِنَّا أمةٌ أُميةٌ لا نكتب ولا نحسِب الشهر هكذا وهكذا ، يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين } رواه البخاري ( 1913 ) ومسلم وأبو داود والنَّسائي وأحمد . وسيمرُّ بعد قليل . فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلن أن المسلمين لا يكتبون ولا يحسبون وأنه قال ذلك في معرض الحديث عن الصيام وما يتعلق به من تحديدٍ للأشهر ، مما يجعل إدخال الحساب الفلكي في تحديد بدايات الأشهر ونهاياتها غير مشروع وغير مطلوب .

إن ديننا كامل منذ أن نزل قوله تعالى { اليومَ أكملتُ لكم دينَكم … } من الآية 3 من سورة المائدة . فهو غير محتاج لأي علم من العلوم ، ولا إلى نِتاج أي عقل من العقول فيما يتعلق بتشريع الأحكام وطرائقها ، وإن كان يجوز الاستعانة بها فيما سوى ذلك من مثل الوسائل والأساليب والأدوات ، ما دامت هذه كلها لا تحِلُّ محل الأحكام الشرعية وطرائقها ، بل ولا تغير من هذه الأحكام والطرائق قليلاً أو كثيراً .

وحيث أن الله سبحانه قد شرع صيام شهر رمضان كحكمٍ شرعي ، وحيث أنه قد شَرع لتعيين بدء الصيام وبدء الإفطار طريقةً ، هي الرؤية بالعين ، فإنه لا يجوز مطلقاً أن يُتَّخَذَ الحسابُ الفلكي طريقةً بديلةً لطريقة الشرع في تحديد بداية الصوم وانتهائه ، بل إنه لا يجوز مطلقاً أن يكون لهذا الحساب أي تأثير في هذه الطريقة . ولتوضيح ذلك بشكل مفصَّل أقول ما يلي :

أولاً : إن الحساب الفلكي لم يأت به نص من كتاب ولا سنة ولا يُستدل عليه بقياس ولا بإجماع صحابة ، مما يجعله خارج الشرع ، فإدخاله في الشرع مخالفة صريحة للحكم الشرعي .

ثانياً : إن العلم بالحساب الفلكي القائم على تولُّد الهلال عند الاقتران قد يجعل المسلمين في غربيِّ العالم الإسلامي المترامي الأطراف ، يصومون قبل المسلمين في شرقيِّه بيومٍ ، فيصوم الغربيون الثلاثاء مثلاً ويصوم الشرقيون الأربعاء ، وهذه الحالة قد تحصل عندما يتولد الهلال بعد منتصف النهار في يوم الاثنين مثلاً ، فبالحساب الفلكي يُعتبر يومُ الثلاثاء بداية شهر عند الغربيين فيصومونه إن كان رمضانَ ، ولا يُعتبر يومُ الثلاثاء بدايةَ شهرِ رمضان عند الشرقيين ، لأن الهلال عند الغروب لا يكون متولداً عندهم بعد فيصومون يوم الأربعاء . وإذن فإن العمل بهذا الحساب الفلكي قد يؤدي إلى أن ينقسم المسلمون في الصيام إلى قسمين ، أو قل إلى مطلعين ، يسبق أحدُهما الأخر بيوم في حين أن العمل بالطريقة الشرعية يوحِّد المسلمين في العالم الإسلامي في الصيام وفي الإفطار وفي الأعياد ، لأن رؤية شاهدٍ عدلٍ واحد في أي قطر أو بقعة من بلاد المسلمين تكفي لقيام المسلمين جميعاً بالصيام والإفطار .

وقد يقال إن الحساب الفلكي دقيق جداً ، يستطيع تحديد بدايات الأشهر ونهاياتها بدقة تامة تصل إلى الدقائق والثواني ، وإنه قادر على تحديد البدايات والنهايات لسنين قادمة ، مما يجعل الخطأ في الصوم منتفياً تماماً . فنقول لهؤلاء : إن الله سبحانه لا يأمرنا بأن نتعبَّده بالصواب المقطوع به ، وإلا هلك المسلمون جميعاً ، وإنما يأمرنا بأن نتعبَّده بما نراه صواباً ، فإن أصبنا الصواب القطعيَّ فذاك ، وإن نحن أخطأناه قُبِل منا وأُثِبْنا ، ولا حساب علينا . فالعبادات في الإسلام ليست مسائل حسابية يجب التوصل إليها بالنظريات الحسابية والعلمية وإنما هي شرائعُ وأحكام أُمرنا باتِّباعها حسب فهمنا واجتهادنا ، والله سبحانه يتقبل منا ما نفعله عندئذٍ ، أصبنا الصواب أو أخطأناه .

بقيت نقطة مهمة يستند إليها الذين ينادون بالعمل بالحساب الفلكي ، هي أن المسلمين قد اعتمدوا الحساب الفلكي في تحديد مواعيد الصلاة ، فلماذا لا يعتمدون الحساب هذا في تحديد مواعيد الصيام والحج والأعياد ؟ وللإجابة عن هذا السؤال ، أو قل للإجابة عن هذه الشبهة ، أقول ما يلي :

إن الشرع الحنيف لم يحدِّد للصلاة طريقةَ الرؤيةِ العينيةِ لتعيين أوقاتها ولو حدَّد لنا ذلك لوجب علينا التمسك بها ورفض الحساب الفلكي ، وهذا مغاير للحج والصيام فالشرع الحنيف قد حدَّد للصيام طريقة الرؤية العينية ، كما هو ظاهر في كثير من النصوص ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ) ، كما أنه حدَّد للحج أيضاً طريقةَ الرؤية العينية ، وقد مرَّ الحديث قبل قليل ، وهو : عن حسين بن الحارث الجدلي ، من جديلة قيس ، أن أمير مكة خطب ، ثم قال { عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نَنْسُك للرؤية ، فإن لم نره ، وشهد شاهدا عدلٍ نسكنا بشهادتهما … } رواه أبو داود ( 2338 ) . ورواه البيهقي والدارَقُطني وصححه . فقد جاء في هذا الحديث ( أن ننسك للرؤية ) فقوله نَنْسُك : يعني أن نقوم بأداء الحج . والرؤية هنا رؤية هلال ذي الحجة .

وإذن فإن الشرع قد عين الطريقة لتحديد بدايات الصوم والحج ، هي الرؤية العينية ولم يعين هذه الطريقة ولا غيرها لتحديد مواقيت الصلاة وكلُّ ما فعله بخصوصها هو إعلامُنا بالأَمارات الدالة على هذه المواقيت ، ولنا بعد ذلك أن نجتهد في استخدام هذه الأَمارات لتحديد المواقيت . فالشرع قد فرَّق بين الصلاة ، وبين الصوم والحج ، فوجب الأخذ بهذا التفريق وعدم خلط الأوراق بعضها ببعض . هذا إضافةً إلى أنه لا يصح القياس في العبادات إلا أن تأتي معلَّلة ، وهنا لم ترد علَّةٌ في النصوص .

وعلى ذلك نقول : إنه لا يجوز اتخاذ الحساب الفلكي طريقةً بديلة للطريقة الشرعية ، وهي الرؤية العينية ، وإن الله سبحانه يحاسبنا على ما نعلم ، لا على ما يخفى علينا ، فنصوم ونفطر بالرؤية العينية سواء أصبنا أم أخطأنا ، لأن الله سبحانه قد أمرنا بهذا ، ويبقى بعد كل ذلك جواز أن نستعين بعلماء الفلك وعلومهم كما أسلفت قبل قليل في بحث [ هل يصح العمل بالحساب الفلكي ؟ ] .**

**دعوى اختلاف المطالع :

اختلف الفقهاء قديماً وقلًّ اختلافُهم حديثاً بخصوص المطالع ، فذهب عكرمة والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر وإسحق بن راهُويه إلى عدم وجوب صيام أهل بلد برؤية أهل بلد آخر للهلال . وقد حكاه الترمذي عن أهل العلم ، ولم يحكِ سواه ، وحكاه الماوَرْدي وجهاً في مذهب الشافعي . وذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد والليث بن سعد إلى أن الهلال إذا رُؤي ببلد لزم أهل جميع البلاد الصومُ ، وحكاه ابن المنذر عن أكثر الفقهاء ، وبه قال بعض الشافعية . واختلف الشافعية فيما ذهبوا إليه : فإنهم قالوا : إذا تقارب البَلَدان فحكمُهما حكمُ البلدِ الواحد ، وإن تباعدا فوجهان : أصحُّهما عند الشيخ أبي حامد والشيخ أبي إسحق والغزالي والأكثرين : أنه لا يجب الصوم على أهل البلد الآخر والثاني الوجوب وإليه ذهب القاضي أبو الطيب والروياني - قال محمد بن المنذر : إنه ظاهر المذهب ، واختاره جميع أصحابنا ، وحكاه البغوي عن الشافعي نفسه ? . وهؤلاء اختلفوا في التقارب ، والتباعد على آراء : فمنهم من فرض التباعد أن تختلف المطالع كالحجاز والعراق وخراسان ، والتقارب أن لا تختلف المطالع كبغداد والكوفة والري وقزوين ، ومنهم من قال : اعتباره باتحاد الأقاليم واختلافها . وقال آخرون أقوالاً أخرى لا حاجة لإيرادها .

أما الفريق القائلون إن الهلال إذا رُؤي ببلد لزم أهل جميع البلاد الصوم ، فقد استدلوا على قولهم هذا بالأحاديث الكثيرة الآمرة بالصوم لرؤية الهلال والإفطار لرؤيته وحجة هؤلاء أن رؤية الهلال هي سبب إيجاد الصوم ، وأن رؤية الهلال هي سبب إيجاد الفطر ، وأنه إذا وجد السبب وُجد المسبَّب ، وهو الصوم والفطر ، فقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( لرؤيته ) هو اسم جنس مضاف ، فهو إذن من ألفاظ العموم ، وقوله عليه الصلاة والسلام ( حتى تروا ) ( إذا رأيتم ) فيه ضميرٌ لجماعة يعود على اسم ، وهذا الاسم جمعٌ ، فهو يعود على جميع ، والجمع من ألفاظ العموم ، فضمير ( تروا ) وضمير ( رأيتم ) من ألفاظ العموم ، فتكون رؤية الهلال عامة أي يكون السبب عاماً فأية رؤية من أي مسلم تعمُّ جميع المسلمين ، فيجب عليهم الصوم عندئذٍ . وهذا القول من هؤلاء ، على تعقيدٍ في استنباطه مألوفٍ ، هو القول الصحيح .

وأما الآخَرون القائلون باختلاف المطالع ، وبعدم صيام أهل بلد برؤية أهل بلد آخر للهلال فإنهم استدلوا على ذلك بما رُوي عن كُريب { أن أمَّ الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام ، قال : فقدمتُ الشام فقضيت حاجتها ، واستُهِلَّ عليَّ رمضانُ وأنا بالشام فرأيت الهلالَ ليلة الجمعة ، ثم قدمتُ المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما ثم ذَكَر الهلال فقال : متى رأيتم الهلال ؟ فقلت : رأيناه ليلة الجمعة فقال : أنت رأيتَه ؟ فقلت : نعم ورآه الناس ، وصاموا وصام معاوية ، فقال : لكنَّا رأيناه ليلةَ السبت فلا نزال نصوم حتى نكمِّل ثلاثين أو نراه فقلت : أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه ؟ فقال : لا ، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم } رواه مسلم ( 2528 ) وأبو داود والترمذي وأحمد .

فهؤلاء قالوا : إنَّ التزام ابن عباس رضي الله عنهما بعدم الاكتفاء برؤية أهل الشام هو التزامٌ آتٍ من الأمر النبوي الكريم ، وبمعنى آخر فإنهم فهموا من قول ابن عباس رداً على القول ( أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه ؟ ) ، ( لا ، هكذا أَمَرَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ) أن ذلك يعني أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي أمر المسلمين بأن لا يأخذوا برؤية من كانوا في غير بلدهم ولم يفهموا القول هذا على أنه فهمٌ من ابن عباس للأمر النبوي الكريم ، فالتبس عليهم الأمر النبوي بفهم ابن عباس وحيث أن فهم ابن عباس نراه خطأً فإِنَّا نرى أنَّ الآخذين بهذا الفهم قد أخطأوا هم أيضاً .

إن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قد سمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ) ففهم منه أن كل جماعة من المسلمين ينبغي أن ترى الهلال فتصوم وتراه فتفطر وأن رؤية غيرها من الجماعات لا تغني عن رؤيتها هي فقال ما قال ، كما ورد في حديث كُريب ، أي أنه لم يعمِّم هذا النص على جميع المسلمين ، وإنما جعله يتناول كل جماعة من المسلمين على حدة ، وهذا فهم خاطئ . وعليه فإن من قالوا باختلاف المطالع إنما أخذوا حجتهم من فهم ابن عباس للحديث ، وليس من الحديث النبوي نفسه . ولست أريد أن أناقش هذا الخطأ بأكثر مما أوردْتُه من حجة القائلين بوحدة المطالع .

وقد أصدر مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة عام 1966م ما يلي [ لا عِبْرة باختلاف المطالع ولو تباعدت الأقاليم بشرط أن تكون مشتركة في ليلة واحدة ، وهذا ينطبق على البلاد العربية كلها ] كما أصدر مجلس الفتوى الأعلى في الديار الفلسطينية قراراً يؤكد فيه على تبني رأي وحدة المطالع . وهنا أقف وقفة ، فأقول ما يلي :

أولاً : لقد بدأتُ هذا البحث بقولي [ اختلف الفقهاء قديماً ، وقلَّ اختلافُهم حديثاً بخصوص اختلاف المطالع ] وهذا القول فيه إشارة واضحة إلى أن جمهرة العلماء في عصرنا الراهن قد تركوا القول باختلاف المطالع ، وأنهم قد التزموا ، أو كادوا بما أصدرته مجامع البحوث في القاهرة وغيرها من بلدان المسلمين فلم نعدْ نسمع عالماً يقول باختلاف المطالع إلا نادراً . ومع هذا الاتحاد في الرأي عند العلماء ، فإننا لا زلنا نرى حال دول المسلمين ، وكأن العلماء لم يتفقوا على رأي ، ولم تُصْدِر مجامعُ البحوث ومجالسُ الفتاوى قراراتهم بوحدة المطالع . فصار العلماء ? وهم في الأصل أصحاب الشأن في هذه المسألة ? معزولين عن القرارات الصادرة عن الحكام ، ولا يخفى على أي مسلم واعٍ أن السبب في ذلك هو فصل الدين عن الدولة لدى جميع دول المسلمين ، فصارت الدول تتخذ قراراتها بعيداً عن الاحتكام لأحكام الشرع وفتاوى العلماء ، وإذا رأينا هذه الدول تُصدر أحكاماً تبدو شرعية أو متوافقة مع الشرع ، أو رأيناها تأخذ بفتاوى صادرةٍ عن العلماء ، فإن المدقق فيها يجد أن هذه الدول هي التي بادرت إلى تشريع هذه الأحكام لمصالحها ولغاياتها الخاصة ، ثم هي أمرت العلماء المتعاملين معها باستحضار النصوص التي تجيز هذه التشريعات ، وليس العكس . فالحكام يأمرون ويشرِّعون ، والعلماء يوافقون ويفتون بما يرضي هؤلاء الحكام ، وإذا تعارض الموقفان فالنافذ هو رأي الحكام .

ثانياً : إن المشكلة في العالم الإسلامي اليوم هي أن كل دولة من دول المسلمين تعتبر نفسها كلاً وليس جزءاً من الأُمة الإسلامية ، وإن نصت بعض الدساتير فيها على غير ذلك ، فصارت كل دولة تتخذ قراراتها السياسية وحتى الدينية دون مراعاةٍ لسائر المسلمين ، لأنها تعتبر نفسها كياناً مستقلاً عن سائر المسلمين لا حق للمسلمين خارج كيانها بالتدخل فيه ، ومن ذلك إعلان الصيام وإعلان الإفطار ، فترى كلَّ دولة تعلن الصيام وتعلن الإفطار ، وكأنه لا يوجد مسلمون في غيرها ، وهذا هو السبب في بقاء الاختلاف بين الدول في العالم الإسلامي بخصوص بدء الصوم وبدء الإفطار ولو أن هذه الدول تعتبر نفسها أجزاءً من كلٍّ لربما توحَّدت المواقف في كثير من المسائل والقضايا .

ثالثاً : فإذا أضيف إلى ما سبق أن دولاً في شمالي إفريقيا تأخذ بالحساب الفلكي وأن هذا الحساب قد يتطابق مع الرؤية وقد لا يتطابق ، أدركنا السبب في بقاء اختلاف المسلمين في ديارهم حول بدء الصيام وبدء الإفطار ، وهذه الدول في شمالي إفريقيا مستمرة في الأخذ بالحساب الفلكي لا تلتفت إلى آراء العلماء الذين يعارضون العمل بهذا الحساب .

رابعاً : وبناء عليه أقول : إن المسلم في أي مكان من بلاد المسلمين ? وهي مشتركة كلها في الليلة الواحدة ? يجب أن يصوم إن هو سمع إعلان أية دولة من دول المسلمين عن بدء الصوم ، ويجب أن يفطر إن هو سمع إعلان أية دولة من دول المسلمين عن بدء الإفطار ، باستثناء الدول التي تأخذ بالحساب الفلكي ، فلا يصح له أن يَلْتَزِم بما تعلنه هذه الدول من حيث الصوم والإفطار .

خامساً :إن المسلمين عبر تاريخهم الطويل لم تكن تُعرَف فيهم مجالسُ إفتاء ، ولا مجامعُ بحوثٍ إسلاميةٍ إلا في وقت متأخر ، يوم أن ضعف فهمهم للإسلام ، وقلَّ أو تلاشى وجود المجتهدين عقب إغلاق باب الاجتهاد ، فصار من يطلقون على أنفسهم أنهم علماء ، يتجمَّعون في مجلس أو مجمع ، أو تقوم الدول بجمعهم ، ويصدرون فتاوى جماعية دون أن يعرف المسلمون أن صاحب هذه الفتوى هو فلان ، أو علاَّن من هؤلاء العلماء ، فيَحمل المسلمُ هذه الفتوى ، ويعمل بها تقليداً أو اتباعاً ، دون أن يعرف من صدرت عنه وهذا مخالف لطريقة الإسلام في التقليد والاتباع ، فالمسلم يصح له أن يقلِّد فلاناً من الفقهاء ، أو يتَّبع علاَّناً من العلماء ، أما أن يتبع مجلسَ إفتاءٍ ، أو يقلِّد مَجْمَعَ بحوثٍ فهذا لا يصح شرعاً ولا قيمة لما تصدره هذه المجالس والمجامع من فتاوى شرعية .

ومثل هؤلاء ، أن يقوم عدد من المؤلفين في عصرنا الراهن بتأليف كتاب في الأحكام الشرعية يصدر باسمهم مجتمعين ، فهذا الكتاب لا يصح تقليد ما جاء فيه ولا اتِّباعه مطلقاً ، وهو لا يعدو كونه مجرد معلوماتٍ يتعلمها القاريء لا أكثر ، وهذا من المصائب الكبرى التي طغت وفشت في العالم الإسلامي كله ، فصار القراء وتلاميذ الجامعات والمعاهد والمدارس يحملون أحكاماً في الشرع غير مَعزوَّةٍ لأصحابها ، ويَدْعُون الناس إليها ويعملون بموجبها ، وهذا لا يحلُّ شرعاً . فليتنبه المسلمون إلى هذه البدعة التي فشت في الناس ، وخفيت حتى على كثير من العلماء والمتعلمين .

.**

**هل يصح العمل بالحساب الفلكي ؟

ذهب الجمهور إلى عدم جواز الأخذ بالحساب الفلكي ، قائلين : إن الناس لو كُلِّفوا به لضاق عليهم ، لأنه لا يعرفه إلا أفراد ، والشرع إنما يعرِّف الناس بما يعرفه جماهيرهم . ونُقل عن ابن سُرَيج القول بجواز العمل بالحساب لمن خصَّه الله بهذا العلم ، معلِّلاً ذلك بأن قول الحديث ( فاقدروا له ) هو خطاب لمن خصه الله بهذا العلم ، وقول الحديث ( فأكملوا العدة ) هو خطاب للعامة . وقد نُسِبَ هذا القول أيضاً إلى مطرف بن عبد الله وابن قتيبة .

وبالنظر في النصوص نجد أن كلمة ( فاقدروا له ) وردت في الحديث على غير المعنى الذي ادَّعاه ابن سُرَيج ، فعن ابن عمر رضي الله عنهما { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال : لا تصوموا حتى تروا الهلال ، ولا تفطروا حتى تروه فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له } رواه البخاري ( 1906 ) ومسلم والدارمي وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة . فالحديث كله جاء خطاباً للأمة الإسلامية كلها لأن الصيام هو للجميع والرؤية هي للجميع والإفطار هو للجميع ، وجاءت كلمة فاقدروا له للجميع أيضاً ، وليس لمن خصَّه الله بهذا العلم ، وهذا واضح وضوح المس ، فتخصيص هذه الكلمة بمن خصه الله بهذا العلم هو خطأٌ محضٌ .

ثم إن الأحاديث يفسِّر بعضُها بعضاً ، وقد جاءت أحاديث تفسر هذه الكلمة بغير ما فسَّرها به ابن سُريج ، منها ما رُوي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم ? أو قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم ? { صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غُبِّيَ عليكم فأَكْمِلوا عدة شعبان ثلاثين } رواه البخاري ( 1909 ) ومسلم والنَّسائي وأحمد وابن حِبَّان . ووقع عند مسلم أيضاً ( 2514 ) لفظ { إذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فأَفطروا فإن غُمَّ عليكم فصوموا ثلاثين يوماً } فتفسير كلمة ( اقدروا له ) جاء في الحديث هكذا ( أكملوا عدة شعبان ثلاثين ) ( صوموا ثلاثين يوماً ) وهذا التفسير يقطع بخطأ تفسير ابن سُرَيْج ، لأن إكمال عدة شعبان ثلاثين لا يحتاج لعلم الحساب والفلك حتى تُحصَر الكلمة بأربابه ، وإنما هو خطاب لعموم المسلمين كما لا يخفى .

بل إن ما هو أقطعُ في الحجة وأَبينُ في الاستدلال هو ما جاء في الحديث الذي رواه البخاري ( 1906 ) من طريق ابن عمر المار قبل عدة أسطر بلفظ { لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه … } فهو لم يكتف بالأمر بالصوم عند الرؤية وإنما جاء النهي هنا عن الصيام دون الرؤية ، والصيام بالحساب الفلكي لا شك في أنه صيام دون رؤية .

إلا هذا كله لا يعني أن الاستفادة من الحساب الفلكي غير جائزة ، ولا يُحتاج إليها ، وإنما أردنا أن نبين فقط أن هذا الحساب ليس هو صاحب القرار في تعيين بدء الصوم أو بدء الإفطار ، وإنما الرؤية العينية في الصيام وفي الإفطار هي ما أوجبها الشرع ولم يوجِب غيرها ، فوجب القول بها وبها وحدها .

أما وجه الإفادة من الحساب الفلكي ، فأَن يأتي علماء الفلك ، ويرشدونا إلى الساعات والدقائق المناسبة للخروج لرؤية الأهلَّة ومواقع الأهلة عند رصدها فهذا يسهِّل على النظارة والمشاهدين عملهم ، ولا بأس أيضاً بالاستعانة بأدوات هؤلاء العلماء في الرصد والمشاهدة ، أي الاستعانة بالعدسات المكبِّرة والمقرِّبة عند الرصد ، فمثل هذه المساعدات جائزة ولا شيء فيها ، وهي تقدِّم عوناً للمشاهدين والنظارة .

ومن جانب آخر فإن قوله ( فاقدروا له ) قد فسَّرته الأحاديث تفسيراً كان ينبغي أن يقطع على الناس تفسيرهم له بغير ما ورد ، وقد أخذت الحنفية والمالكية والشافعية بهذا التفسير ، وكذلك جمهور السلف والخلف ، وأن معناه هو تمام العدد ثلاثين يوماً أي انظروا في أول الشهر واحسبوا تمام ثلاثين يوماً ، وهذا كله هو خطاب لعامة المسلمين . ومع هذا الوضوح في التفسير فقد ذهب آخرون إلى أن معناه : ضيِّقوا له وقدِّروه تحت السحاب . والقول بهذا التفسير يوجب الصيام من الغد ، ليلة الثلاثين من شعبان ، إذا كان في محل الهلال ما يمنع رؤيةً من غيم وغيره ، وهذا مرويٌّ عن ابن عمر رضي الله عنه ، وبه يقول أحمد بن حنبل في المشهور عنه وطاووس . والذي أوقع هؤلاء في الخطأ هو عدم النظر في كلِّ النصوص والاقتصار في النظر على روايتهم فقط: ( فاقدروا له ) ، ولو أنهم استحضروا جميع النصوص في هذه المسألة لربما رجعوا عن رأيهم هذا .

نعم إن من معاني ( اقدروا ) لغةً ضيِّقوا ، وقد جاء ذلك في قوله تعالى { لِيُنْفِقْ ذو سَعَةٍ من سَعَتِه ومَنْ قُدِرَ عليه رزقُهُ فلْيُنفِقْ مما آتاهُ اللهُ لا يكلِّفُ الله نفساً إلا ما آتاها سيجعلُ اللهُ بعد عُسْرٍ يُسْراً } الآية 7 من سورة الطلاق . وفي قوله سبحانه { وأَمَّا إِذا ما ابتلاه فَقَدَرَ عليه رزقَه فيقول ربِّي أَهانَنِ } الآية 16 من سورة الفجر . ولكن هذا المعنى ليس هو وحده ما قالت به اللغة ولا ما قال به كتاب الله سبحانه ، فالله سبحانه يقول :{ وما قَدَروا الله حقَّ قَدْرِهِ … } من الآية 91 من سورة الأنعام . ويقول تعالى { ضربَ اللهُ مَثَلاً عبداً مملوكاً لا يَقْدِر على شيءٍ … } من الآية 75 من سورة النحل ويقول سبحانه { … لا يقْدِرون على شيءٍ مما كَسَبوا … } من الآية 264 من سورة البقرة . وكلها لا تفسَّر بالتضييق . فتفسير هذه الكلمة الواردة في الحديث بالتضييق هو أخذٌ بأحد معانيها ، مقطوعٌ عن القرائن والبيان الواردة في النصوص الأخرى ، فكان تفسيرهم لها بالتضييق خطأً محضاً .**

**مسألة:

المعلوم أن الدولة ، أو الخليفة ، أو من يُوكَّل ، يستقبلون الذين يرون الأهلَّة ، فيعمِّمون الأمر بالصيام أو بالإفطار على الناس ، بعد التثبت من أقوالهم ومشاهداتهم ، والسؤال هنا هو : إذا رأى هلالَ رمضان أو رأى هلالَ شوال شخصٌ ، فشهد أمام الخليفة ، أو من وُكِّل أنه رأى هلال رمضان ، أو رأى هلال شوال ، فلم يُقبَل قولُه ، ورُدَّت شهادته ، فهل يلزمه هو العملُ بما رآه فيصوم وحده ويفطر وحده ، أم يلتزم بقرار الخليفة ؟ وثمة حالة ثانية ، هي أن يكون الرَّائي بعيداً عن الخليفة ، أو عمَّن وُكِّل بالأمر ، بحيث لا يتمكن من أداء الشهادة ، فهل يلزمه العملُ برؤيته هو أم يلتزم بقرار الخليفة ؟

فذهب الأئمة الأربعة إلى وجوب الصوم على المنفرد برؤية هلال رمضان . واختلفوا في الإفطار برؤية هلال شوال وحده ، فذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى استمرار الصيام وعدم الإفطار برؤية هلال شوال وحده . وقالت الشافعية ? وهو قولٌ للمالكية ? : يلزمه الفِطرُ عملاً بقول الحديث ( ولا تفطروا حتى تروه ) ولكن يخفيه لئلا يُتَّهم . فأقول ما يلي ، والله هو الموفق للصواب :

إن ما ذهب إليه الأئمة الأربعة من وجوب الصوم على المنفرد هو الصواب ، وهو ما يتعين القول به فصوم يوم من آخر شعبان جائز شرعاً ، وما رُوي من أحاديث تنهى عن التقدُّمِ قبل شهر رمضان فإنها تُحمل كلها على الكراهة كما سيأتي لاحقاً ، في حين أن صيام من شاهد هلال رمضان واجب عليه لا شك فيه ، والواجب مقدَّم على ترك المكروه ، فوجب على من رأى هلال رمضان ? وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صوموا لرؤيته ? أن يصوم ، لأن الرؤية قد حصلت لديه ، وقد روى عبد الله بن أبي موسى قال { وسألتها ? أي عائشة رضي الله عنها ? عن اليوم الذي يُختَلَف فيه من رمضان ، فقالت : لأَنْ أصوم يوماً من شعبان أحب إليَّ من أن أفطر يوماً من رمضان قال : فخرجت فسألت ابن عمر وأبا هريرة فكل واحد منهما قال : أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أعلم بذاك منا } رواه أحمد ( 25458 ) وسعيد بن منصور والبيهقي . قال الهيثمي [ رجال أحمد رجال الصحيح ] .

أما إفطار المنفرد برؤية هلال شوال فلا يجوز ، وهو ما ذلك إليه أبو حنيفة ومالك وأحمد ، لأن الإفطار يعني بدء شوال ، وبدء شوال يعني يوم عيد الفطر ، وهذا التحديد هو من عمل دولة الخلافةِ ، وليس من حق الأفراد ، وذلك أن كل شعيرة من شعائر الدين تتعلق بالجماعة كجماعة يجب على الخلافة وحدها أن تأمر بها وتنظِّمها ، وتحدِّد وقتها ، ولا حق لفرد ولا لمجموعة أفراد أن يتولَّوْا ذلك بأنفسهم ، وإلا اضطرب أمر الجماعة ، وهو حرام لا يجوز . فالفرد لا يحق له أن يعيِّد إلا في العيد الذي تعلنه دولة الخلافة ، ومن ثم لا يحق له منفرداً أن يعلن الإفطار ، ولا أن يحدِّد متى يوم العيد ، فوجب عليه الإمساك عن الإفطار والاستمرار بالصوم مع جماعة المسلمين . وقد جاء في الحديث المار قبل قليل والذي رواه ربعي ( فجاء أعرابيان فشهدا أن لا إله إلا الله ، وأنهما أهلاَّه بالأمس ، فأمرهم فأفطروا ) كما جاء في الحديث المار قبل قليل ، والذي رواه أبو عمير بن أنس ( فجاء ركب من آخر النهار ، فشهدوا عند النبي صلى الله عليه وسلم أنهم رأوا الهلال بالأمس ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفطروا ) ومثلهما حديث أنس الذي تلاهما . فالأعرابيان رغم أنهما رأيا هلال شوال ? أي هلال العيد ? بالأمس ، إلا أنهما صاما ذلك اليوم حتى أتاهما أمرُ الرسول صلى الله عليه وسلم بالإفطار ، والركبُ في الحديث الثاني بقُوا صائمين ، رغم أنهم رأوا هلال شوال ? أي هلال العيد ? إلى آخر النهار حتى أمرهم الرسول عليه الصلاة والسلام بالإفطار ، وقل مثل ذلك بخصوص حديث أنس ، وهذا يدل على أن إعلان وقت الإفطار هو من عمل الدولة وأنه لا يحق لأحد أن يفطر قبل ذلك الإعلان . وعلى هذا فإن رأي الأئمة الثلاثة هو الصواب ، ورأي الإمام الشافعي خطأ . والنتيجة هي أن المنفرد يصوم بشهادة نفسه ولكنه لا يفطر إلا بأمر الدولة فحسب .

.**

**صوموا لرؤيته وأَفطروا لرؤيته :

قال الترمذي [ والعمل على هذا الحديث ? حديث ابن عباس وسيأتي ? عند أكثر أهل العلم ، قالوا : تُقبل شهادة واحد في الصيام ، وبه يقول ابن المبارك والشافعي وأحمد . وقال إسحق : لا يُصام إلا بشهادة رجلين . ولم يختلف أهل العلم في الإفطار أنه لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين ] وقال الخطَّابي : لا أعلم اختلافاً في أن شهادة الرجلين العدلين مقبولة في رواية هلال شوال ، وإنما اختلفوا في شهادة رجل واحد ، فقال أكثر العلماء لا يقبل فيه أقل من شاهدين عدلين .

وقد ذهب الجمهور إلى القول بشهادة شاهد واحد عدلٍ في رؤية هلال رمضان ، أي في بدء الصوم ، وعندهم أنه إن شهد مسلم واحد عدل أنه رأى هلال رمضان فقد وجب الصيام على جميع المسلمين ، قال أحمد : ولو كان عبداً أو امرأة ، وهو قولٌ للشافعية . ومعتمد مذهب الشافعية أنه لا بد من أن يكون الشاهد حراً ذكراً وأجاز الأحناف شهادة العدل ولو كان عبداً أو أنثى إذا كان بالسماء غيم . وخالف الجمهورَ المالكيةُ وإسحقُ بن راهُويه ، فأوجبوا لثبوت هلال رمضان شهادةَ شاهدين عدلين ذكرين حرَّين بالغين أو جماعةٍ كثيرةٍ وعندئذ لا يشترط أن يكونوا كلهم ذكوراً أحراراً عدولاً .

أما بخصوص ثبوت رؤية هلال شوال أي بدء الإفطار فذهب الجمهور والأئمة الأربعة إلى أنه لا بد من شهادة شاهدَيْن في ثبوت رؤية هلال شوال . وقال الأحناف بوجوب أن يكون الشاهدان عدلين حريَّن ، أو حراً وحرَّتين بلفظ الشهادة . وخالفهم أبو ثور وابن المنذر من الشافعية ، وابن رُشْد من المالكية والشوكاني ، فأجازوا شهادة شاهد واحد عدل في إثبات رؤية هلال شوال أي بدء الإفطار .

ونحن ننظر في النصوص التالية لنرى الرأي في هذه المسألة بحول الله تعالى :

أولاً : النصوص المتعلقة برؤية هلال رمضان :

1- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال { جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أبصرتُ الليلةَ الهلالَ فقال : أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ؟ قال : نعم قال : قم يا فلان فأذِّن بالناس فلْيصوموا غداً } رواه ابن خُزيمة ( 1923 ) وابن حِبَّان . ورواه أبو داود ( 2340 ) بلفظ { … إني رأيت الهلال ? قال الحسن في حديثه : يعني رمضان … } وروى الحديثَ أيضاً النَّسائي والترمذي وابن أبي شيبة ، وصححه الحاكم والذهبي .

2- عن حسين بن الحارث الجدلي ، من جديلةِ قيس ، أن أمير مكة خطب ، ثم قال { عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نَنْسُك للرؤية فإن لم نره وشهد شاهدا عدلٍ نسكنا بشهادتهما … ثم قال الأمير : إنَّ فيكم من هو أعلم بالله ورسوله مني ، وشهد هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأومأ بيده إلى رجل ، قال الحسين : فقلت لشيخ إلى جنبي : من هذا الذي أومأ إليه الأمير ؟ قال : هذا عبد الله بن عمر ، وصدق ، كان أعلم بالله منه ، فقال : بذلك أمَرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم } رواه أبو داود ( 2338 ) والدارَقُطني وصححه . ورواه البيهقي . قوله ننْسُك : أي نعبد ، وهنا معناه نحجُّ . وقوله ننْسُك للرؤية : الرؤية هنا رؤية هلال ذي الحجة .

3- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال { تراءى الناسُ الهلال ، فأخبرتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أَني رأيته ، فصامه وأمر الناس بصيامه } رواه أبو داود ( 2342 ) والدارمي والبيهقي . ورواه ابن حِبَّان والحاكم وابن حزم وصححوه .

الحديث الثاني ، حديث أمير مكة ، ليس هو في باب الصوم ، وإنما هو في باب الحج فيبقى فيه ، ونَدَعه هناك . فيبقى حديثا ابن عباس وابن عمر : الأول يذكر أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد أثبت رؤية هلال رمضان وأمر بالصيام لشهادة أعرابيٍّ واحدٍ . والحديث الثاني يذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أثبت رؤية هلال رمضان ، وأمر بالصيام لشهادة ابن عمر نفسه . وهذان حديثان صالحان للاحتجاج ، ويدلان دلالة لا تقبل التأويل على أن ثبوت هلال رمضان وبدء الصوم يثبتان بشهادة شاهد واحد ، وهذا ردٌّ على من أوجب شهادة شاهدَيْن اثنين ، وهم المالكية وإسحق ابن راهُويه . والأمر من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى وِقفة أطول .

ثانياً : النصوص المتعلقة برؤية هلال شوال :

1- عن ربعي ، عن رجلٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم { أن النبي صلى الله عليه وسلم أصبح صائماً لتمام الثلاثين من رمضان ، فجاء أعرابيان فشهدا أن لا إله إلا الله وأنهما أَهَلاَّه بالأمس ، فأمرهم فأفطروا } رواه الدارَقُطني ( 2/168 ) وقال [ هذا صحيح ] ورواه أبو داود والنَّسائي وأحمد .

2- عن الحسين بن الحارث قال : سمعت عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب يقول { إنَّا صحبنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وتعلمنا منهم ، وإِنهم حدثونا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن أُغمي عليكم فعُدُّوا ثلاثين ، فإن شهد ذوا عدلٍ فصوموا وأَفطروا وانْسُكوا } رواه الدارَقُطني ( 2/167 ) وأحمد والنَّسائي . ولفظ أحمد ( 19101 ) { صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، وأنْ انسكوا لها فإن غُمَّ عليكم فأتموا ثلاثين وإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا }

3- عن الحارث عن علي رضي الله تعالى عنه قال { إذا شهد رجلان ذوا عدلٍ على رؤية الهلال فأفطروا } رواه ابن أبي شيبة ( 2/482 ) .

4- عن أبي عُمَير بن أنس بن مالك قال : حدثني عمومتي من الأنصار ، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا { أُغمي علينا هلالُ شوال فأصبحنا صياماً فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند النبي صلى الله عليه وسلم أنهم رأوا الهلال بالأمس ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفطروا وأن يخرجوا إلى عيدهم من الغَد } رواه ابن ماجة ( 1653 ) وأحمد والنَّسائي وابن حِبَّان والطحاوي . وقال الدارَقُطني [ إسناده حسن ] وكذا قال البيهقي ، وقال [ والصحابة كلهم عُدول سُمُّوا ، أو لم يُسَمَّوْا ] .

5- عن أنس رضي الله تعالى عنه { أن قوماً شهدوا عند النبي صلى الله عليه وسلم على رؤية الهلال ، هلالِ شوال ، فأمرهم أن يفطروا ، وأن يغدوا على عيدهم } رواه البزَّار ( 972 ) وأبو بكر القُطَيعي على مسند الإمام أحمد . قال الهيثمي [ رجاله رجال الصحيح ] .

الحديث الثاني عند الدارَقُطني وأحمد رواه الحجَّاج وهو ضعيف ، فيُترك سنداً . أما من حيث المتن فإن الزيادة ( فإن شهد ذوا عدل فصوموا وأفطروا وانسكوا ) غير محفوظة ، وذلك أن صدر الحديث رُوي من عدة طرق في الصحاح ، ليست فيها هذه الزيادة ، فيُرَدُّ متناً . أما رواية النَّسائي فليس فيها الحجاج وإنما فيها إبراهيم بن يعقوب قال عنه الذهبي في كتابه ميزان الاعتدال [ متَّهم بالكذب تالف ] فيُرَدُّ هذا الحديث أيضاً من رواية النَّسائي . أما الحديث الثالث فهو من رواية الحارث الأعور ، وهو متَّهم بالكذب ، فيُرَد الحديث . فتبقى عندنا الأحاديث ذوات الأرقام 1 ، 4 ، 5 .

الحديث الأول يقول ( فجاء أعرابيان فشهدا أن لا إله إلا الله ، وأنهما أهَلاَّه بالأمس ، فأمرهم فأفطروا ) والرابع يقول ( فجاء ركب من آخر النهار ، فشهدوا عند النبي صلى الله عليه وسلم أنهم رأوا الهلال بالأمس ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفطروا ) والخامس يقول ( أن قوماً شهدوا عند النبي صلى الله عليه وسلم على رؤية الهلال ، هلالِ شوال ، فأمرهم أن يفطروا ) بالنظر في هذه الألفاظ الثلاثة نجدها ذات نسق واحد ، هو أن الذي حصل كان وقائع أعيَانٍ ، أي وقائع حصلت مصادفةً لم تتضمَّن شرطاً أو شروطاً ، فليس في أيٍّ منها ذِكرٌ لأي اشتراط بأن يكون الشهود اثنين أو ركباً أو قوماً ، وإنما حصل أن جاء أعرابيان ، وحصل أن جاء ركْبٌ ، وحصل أن جاء قومٌ ، فلا تفيد هذه النصوص لا لغةً ولا شرعاً أن أقل من ذلك لا يُقبل ، فمن أدَّعى غير ذلك فليأتنا بالدليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردَّ شهادة شخص واحد في رؤية هلال شوال . والمعلوم أن وقائع الأعيان لا مفهوم لها ولا يقاس عليها ، ولا تدل على اشتراط أو تقييد ، وأَن كون الشهود أكثر من رجل واحد في هذه النصوص لا يعني أن شخصاً واحداً لا تكفي شهادته . فالقائل بكفاية شخص واحد إن جاءه اثنان أو خمسة أو عشرة أو مائة فإنه بلا شك سيقبلهم ، وزيادة الخير خير كما يقال ، وإنَّ الشخص الواحد الكافي ليدخل في الجموع ويتحقق المطلوب . وعليه فليس في هذه النصوص ما يدل على تقييدٍ أو اشتراطِ اثنين أو أكثر لرؤية هلال شوال .

وأقول لمن يرى في هذه النصوص أنها دالة على تقييدٍ أو اشتراطٍ : إنَّ الأخذَ بالحديث الرابع والحديث الخامس ، حسب فهمهم ، يعني أنه لا يصح قبول الشاهدَيْن فقط كما ورد في الحديث الأول ، فالقائلون بأن هذه النصوص توجب التقيد بالعدد يصبحون في حيرةٍ ، مالهم منها من خلاصٍ ، فهم إما أن يُعمِلوا النصوصَ الثلاثة ، وبذلك ينفون جواز الاثنين لأنهما أقل من الرَّكب ومن القوم ، وإما أن يعتبروها متعارضة فيأخذ من شاء منهم بالاثنين ويرُدُّ الرَّكب والقوم ، ويأخذ من شاء منهم بالرَّكب والقوم ويرد الاثنين !!

إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ) فاشترطَ الرؤيةَ عمومَ الرؤيةِ ، لرؤية هلال رمضان ولرؤية هلال شوال ، ولم يفرِّق هذا النص البالغ الصحة بين الصوم والإفطار ، فوجب القول بالتساوي بينهما نصوم للرؤية على عمومها ، ونفطر للرؤية على عمومها ، دون أن نجد مخصِّصاً واحداً لهذه الرؤية ، وإنما وجدنا نصوصاً تذكر قبول الشاهد الواحد على الصيام ، فنعمِّمُ القولَ بالشاهد الواحد كإثباتٍ على حصول الرؤية ، وحيث أن الرؤية لهلال الصوم كالرؤية لهلال الإفطار فإن شاهداً واحداً قد ثبت قبولُه في أحدهما يجب أن يُقبَل في الآخر إلا أن تأتي نصوصٌ تستثني الآخَر من العموم ، ولا نصوصَ مطلقاً .

وثمةَ نقطةٌ مهمة أذكرها هنا هي أن القول بقبول رؤية الشاهد الواحد لهلال رمضان يستلزم الإفطارَ عند تمام الشهر استناداً إلى قوله ، وهذه الحالة تعني قبولَ رؤيةِ هذا الشاهد الواحد في ثبوت شهر شوال . وبذلك يظهر أنَّ الأئمة الأربعة أخطأوا في اشتراط الشاهدَيْن للإِفطار ، ويظهر صواب رأي أبي ثور وابن المنذر وابن رشد والشوكاني القائلين بالمساواة بين رؤية هلال رمضان ورؤية هلال شوال .

وأما التفريعات المذكورة في ثنايا صدر البحث من حيث الحُرُّ والعبدُ والذكرُ والأنثى والغيومُ فلا محل لها هنا ولا دليل عليها . أما العبد فلم يعد له وجود فلا نُشغِلُ أنفسَنا به ، وأما الذَّكَر والأنثى فإن العَدْل منهما تُقبل شهادته ، فالعدالة في الإسلام لم تُعطَ للذكر فقط ولا للأنثى فقط ، وإنما هما مشتركان فيها ، وما جاء في النصوص من شهادة رجلين أو رجل وامرأتين فإنما يُقصَر على الموضوعات الواردة فيه ، ولا يُعمَّم .**

**النيَّة في الصيام :

ذهب عبد الله بن عمر وجابر بن زيد من الصحابة ، ومالك والليث وابن أبي ذئب إلى أنه لا بُدَّ من تبييت نيةِ الصيام وإيقاعِها في الليل في أي جزء منه ، لا فرق في الصيام بين الواجب منه والمندوب ، أي لا فرق بين صيام رمضان وصيام النذر وصيام الكفارات الواجب ، وبين صيام التطوُّع المندوب . وذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد إلى وجوب تبييت النية في الليل لصيام الفرض دون صيام التطوُّع ، قائلين إنه لا يجب تبييت النية في صيام التطوُّع .

وهل تجب النية في رمضان لكل يوم كما يقول الجمهور ، أم أن الصائم تُجزِئهُ نيةٌ واحدةٌ لجميع الشهر ، كما يقول مالك وأحمد وإسحق ؟ وهل يصح الصيام في رمضان في حق المقيم الصحيح بغير نية كما يقول زُفر من الأحناف وعطاء ومجاهد والزُّهري ؟ وإذا جازت النية في النهار في صيام التطوُّع ، كما يقول ابن عباس وابن مسعود وحذيفة وأبو هريرة وأبو الدرداء وأبو طلحة وأبو أيوب رضي الله تعالى عنهم ، وأبو حنيفة والشافعي وأحمد ، فهل تجب النية قبل الزوال ? أي قبل الظهيرة ? ولا تجزئ بعدها كما يُروى ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعن أبي حنيفة وعن الشافعي في قولٍ له ؟ أم تصحُّ النية قبل الظهر وبعده ، كما يقول ابن عباس وعائشة وحذيفة رضي الله عنهم ، وأحمد والشافعي في القول الآخر ؟

وحتى نتبين وجه الحق في هذه المسائل دعونا نستعرض هذه النصوص :

1- عن حفصة رضي الله عنها زوجِ النبي صلى الله عليه وسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { من لم يُجْمِع الصيامَ قبل الفجر فلا صيام له } رواه ابن خُزيمة ( 1933 ) وأضاف [ وأخبرني ابن عبد الحكم أن ابن وهب أخبرهم بمثله سواء ، وزاد قال : وقال لي مالك والليث بمثله ] ورواه أيضاً أحمد وابن حِبَّان والحاكم وابن حزم وصححوه هكذا ، أي مرفوعاً . في حين أن النَّسائي والترمذي صحَّحا وقفه على حفصة . وذكر أبو داود بعد أن رواه مرفوعاً أن مَعْمَرَ والزُّبيدي وابن عُيينة ويونس الأَيلي وقفوه على حفصة أيضاً. ورواه ابن ماجة والدارمي مرفوعاً فقط . فهذا الحديث مختلَف فيه ، منهم من صحَّح رفعه ، ومنهم من صحَّح وقفه على حفصة .

2- عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت { دخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال : هل عندكم شيءٌ ؟ فقلنا : لا ، قال : فإني إذن صائم ، ثم أتانا يوماً آخر ، فقلنا : يا رسول الله أُهدي لنا حَيْسٌ ، فقال : أرينيه ، فلقد أصبحتُ صائماً ، فأكل } رواه مسلم ( 2715 ) وأبو داود والنَّسائي والترمذي وابن ماجة . والحَيْس : هو طعامٌ من سمن وأَقِط ، أي جميد ، وتمر ، وقد يُجعل الدقيق بدل الأقِطِ . ووقع عند النَّسائي ( 2330 ) أيضاً ، والبيهقي والدارَقُطني بسند صحَّحه البيهقي ، بلفظ { عن عائشة أم المؤمنين قالت : جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال : هل عندكم من طعام ؟ قلت : لا ، قال : إذن أصوم ، قالت : ودخل عليَّ مرة أخرى ، فقلت : يا رسول الله قد أُهدي لنا حَيْسٌ ، فقال : إذن أُفطِر وقد فرضتُ الصوم } .

3- عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { الصائم بالخيار ما بينه وبين نصف النهار } رواه البيهقي ( 4/277 ) . وروى مثله من طريق أبي أُمامة رضي الله عنه .

4- عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { أنه كان يصبح حتى يُظهر ، ثم يقول : والله لقد أصبحتُ وما أريد الصوم ، وما أكلتُ من طعامٍ ولا شرابٍ منذ اليوم ، ولأصومنَّ يومي هذا } رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار ( 2 /56 ) .

5- عن أبي الأحوص عن عبد الله ? بن مسعود ? رضي الله عنه قال { متى أصبحتَ يوماً فأنتَ على أحد النظرين ما لم تَطْعَمْ أو تشربْ إن شئت فصم وإن شئت فأَفطر } رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار ( 2/56 ) وروى البيهقي مثله ( 4/277 ) .

6- عن أبي عبد الرحمن { أن حذيفة بدا له الصوم بعد ما زالت الشمس فصام } رواه الطحاوي في كتاب شرح معاني الآثار ( 2/56 ) وابن أبي شيبة والبيهقي . وروى عبد الرزاق ( 7780 ) عن سعد بن عبيدة قال { قال حذيفة : من بدا له الصيام بعد ما تزول الشمس فليصم } .

الحديث الثالث من طريق أنس رضي الله تعالى عنه فيه عون بن عمارة العنبري وكذلك رواية أبي أُمامة رضي الله تعالى عنه تفرَّد بها عون هذا وهو ضعيف كما ذكر البيهقي نفسه ، فيرد الحديث بروايتيه . والحديث الأول رُوي عن أُم المؤمنين حفصة ، مرفوعاً وموقوفاً ، وقد صحَّح المرفوع ناسٌ وصحَّح الموقوف ناس آخرون فأقول : إن الزيادة من الثقات مقبولة ، والزيادة هنا رفعُ الحديث إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وقد صحَّت عند عدد من المحدِّثين . وهذا الحديث واضح الدلالة على وجوب تبييت النية قبل الفجر ، أي في الليل ، وقد جاء اللفظ عاماً في الصيام ، فيُعمَل به على عمومه إلا أن تَرِدَ أحاديثُ تخصِّصه فيُحمَل عليها وقد جاء الحديثان المرويان عن عائشة رضي الله عنها في البند 2 يذكران أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نوى الصيام في النهار عندما لم يجد طعاماً عندها ، وأنه عندما وجد طعاماً مرة أخرى ، وكان صائماً ، أفطر وأكل من الطعام ، ليدل كلُّ ذلك على جواز النية في النهار لصوم التطوُّع ، لأن واقع الحديثين أنه في التطوُّع ، فكان هذان الحديثان صالحيَن لصرف حديث حفصة إلى صيام الفريضة .

وعليه فإِنَّا نقول إِنه لا بد لصيام الفرض من نيَّة مبيَّتة في الليل ، ونقول إنه يجوز عقدُ النية في النهار لصيام التطوع . وبهذا يُرَدُّ القول الأول المروي عن عبد الله بن عمر وجابر ومالك والليث وابن أبي ذئب بأن المندوب يحتاج أيضاً إلى تبييت النية من الليل إذ أن حديث عائشة ردٌّ على هؤلاء ، ويثبت في المقابل قولُ أبي حنيفة والشافعي وأحمد بوجوب تبييت النية في الليل لصيام الفرض فقط دون صيام التطوُّع .

بقيت الآثار ذوات الأرقام ( 4 ، 5 ، 6 ) فأقول ما يلي : إِن هذه أقوالُ صحابة ، وأقوال الصحابة وأفعالهم ليست أدلةً وليست حُجةً ، وإنما هي أحكام شرعية يصح تبنِّيها وتقليدُها ، لا سيما إذا لم يكن قد رُوي ما يعارضها عن صحابة آخرين ، وهنا لا أعلم أثراً واحداً رُوي يخالفها . الأثر الأول يقول إنَّ ابن عباس قد قرَّر الصيام في النهار دون أن يكون قد نواه من قبلُ ولكنه لم يكن قد تناول طعاماً في يومه ذاك . والأثر الثاني عن ابن مسعود يقول بقول ابن عباس ، وإن اختلفت العبارتان ، فهو يبين جواز عقد نية الصيام في النهار إن كان لم يأكل أو لم يشرب بعد . والأثر الثالث يذكر أن حُذَيفة صام بعد زوال الشمس من نهاره أي أنه عقد نية الصيام بعد الظهيرة وأعلن ذلك للناس . فهؤلاء ثلاثة من كبار الصحابة يجيزون عقد نية الصيام في النهار ، وقيَّده اثنان منهم بأن لا يكون الشخص آنذاك قد أكل أو شرب ، وذكر حذيفة جواز عقد النية بعد الظهيرة ، وهذه الآثار ردٌّ على من أوجب عقد النية قبل الظهيرة ولم يُجزها بعد الظهيرة . أما فعل حذيفة وقوله فواضحان ، وأما أثرا ابن عباس وابن مسعود فقد وردا مطلقَيْن من أي تقييد زمني ، ولم يكن فيهما من تقييدٍ سوى عدم الأكل قبل النية والمطلق يُعمل به على إطلاقه ما لم يُقيَّد ، وهنا لا يوجد تقييد . ثم إن حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قد خلا بروايتيه أيضاً من أي تقييدٍ زمني ، فقوله في الرواية الأولى ( دخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم ) وقوله في الرواية الثانية ( جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً ) دون أن يَرِدَ في هاتين الروايتين إن كان ذلك قد وقع في أول النهار أو في وسطه أو في آخره ، والمطلق يبقى على إطلاقه هنا .

وعليه فإني أقول إن عقد نية صيام التطوُّع يصح في النهار ، في أي جزء منه ، ولو كان ذلك قبل الغروب بساعة لأنه لا يصح تقييده إلا بدليل صحيح صالح ولا دليل هنا . وبذلك يظهر خطأ الذين أوجبوا عقد النية قبل الظهيرة فقط ويظهر صواب رأي القائلين بجواز عقد النية قبل الظهيرة وبعدها ، وهم عبد الله بن عباس وعائشة وحذيفة وأحمد والشافعي في أحد قوليه .

أما مسألة : هل تجب النية في رمضان لكل يومٍ أم أن الصائم تُجْزِئه نيةٌ واحدة لجميع الشهر ؟ فالصحيح هو أن النية تجب في رمضان لكل يوم وليس صحيحاً أن نيةً واحدةً تُجزئُ لجميع الشهر ، وذلك لأن صوم كل يوم هو عبادة مستقلة عما قبلها ، وعما بعدها ، يفصل بين الصوم والآخر إفطارٌ في الليل ، وما دام صوم كل يوم عبادة مستقلة فإنه لا بد له من نية حتى يصحَّ ، وهذا الفهم هو من باب تحقيق المناط .

بقي قول زُفَر وعطاء ومجاهد والزُّهري : إن الصيام يصح في رمضان في حق المقيم الصحيح بغير نيَّة . وقد قرأت رأي زُفَر في كتاب شرح فتح القدير لابن الهمام الحنفي هكذا [ يتأدَّى صومُ رمضان بدون النية في حق الصحيح المقيم ، لأن الإمساك مستحق عليه ، فعلى أي وجه يؤديه يقع منه ] وغفر الله لزُفَر ولمن قال بقوله ، وكأنهم لا يعلمون أن العبادات كلها تحتاج إلى نية ؟ ألم يسمعوا قوله عليه الصلاة والسلام كما رواه عمر رضي الله تعالى عنه { إنما الأعمال بالنيَّة ? } رواه البخاري ( 6689 ) ومسلم ؟ . وفي رواية أخرى له ( 1 ) بلفظ { إنما الأعمال بالنيَّات … } ؟ فكيف يقول : على أي وجه يُؤدِّيه يقع منه ؟ بمعنى أنه لو أمسك عن الطعام ذلك اليوم بنيَّة تنحيف جسمه مثلاً فإن صيامه يكون عبادة صحيحة ؟ إن هذا الرأي ليبلغ من الضعف درجة لا يحتاج معها إلى وقفة أطول .**

**متى شُرع الصيام الواجب ؟

اختلف الفقهاء والأئمة في تعيين أول صوم مفروض على المسلمين ، فذهب الأحناف وابن حجر من الشافعية إلى أن أول ما فُرض هو صيام يوم عاشوراء . وزاد الأحناف : ثلاثة أيام من كل شهر . وقالوا : إن ذلك قد نُسخ بصوم رمضان ، بحيث يمسك الصائم من صلاة العشاء إلى غروب الشمس ، ثم نُسخ ذلك بقوله تعالى { أُحِلَّ لكم ليلةَ الصيامِ الرَّفَثُ إِلى نسائِكم هُنَّ لِباسٌ لكم وأَنتم لِباسٌ لهنَّ عَلِمَ الله أَنكم كُنتم تخْتانُون أَنْفُسَكم فتابَ عليكم وعفا عنكم فالآن باشِرُوهُنَّ وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشْربوا حتى يتبينَ لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسْودِ من الفَجْرِ ثم أَتِمُّوا الصيامَ إِلى الليل … } من الآية 187 من سورة البقرة . كما أنهم استدلوا على ما ذهبوا إليه بالأحاديث التالية :

1- عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال { أُحيلت الصلاةُ ثلاثةَ أحوال ، وأُحيل الصيامُ ثلاثةَ أحوال فذكر الحديث إلى أن قال

? وأما أحوالُ الصيام ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدِم المدينة ، فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ? وقال يزيد : تسعة عشر شهراً ? من ربيع الأول إلى رمضان ، من كل شهر ثلاثة أيام وصام يوم عاشوراء ، ثم إن الله فرض عليه الصيام فأنزل الله عزَّ وجلَّ ( يا أَيُّها الذين آمنوا كُتِبَ عليكم الصِّيامُ كما كُتبَ على الذين من قبلِكم … ) إلى هذه الآية ( … وعلى الذين يُطيقونُه فِدْيةٌ طعامُ مسكين … ) قال : فكان مَن شاء صام ، ومن شاء أطعم مسكيناً ، فأجزأ ذلك عنه ، قال : ثم إن الله عزَّ وجلَّ أنزل الآية الأخرى ( شهرُ رمضانَ الذي أُنزلَ فيه القرآنُ … ) إلى قوله ( … فمن شهدَ منكم الشَّهرَ فَلْيصُمْه … ) قال : فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح ، ورخَّص فيه للمريض والمسافر ، وثبَّت الإِطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام ، فهذان حَوْلان ، قال : وكانوا يأكلون ويشربون ، ويأتون النساء ما لم يناموا فإذا ناموا امتنعوا ، قال : ثم إن رجلاً من الأنصار يقال له صِرْمة ، ظل يعمل صائماً حتى أمسى ، فجاء إلى أهله فصلَّى العشاء ثم نام فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح ، فأصبح صائماً ، قال : فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد جَهَد جَهْداً شديداً ، قال : مالي أراك قد جَهَدْت جَهْداً شديداً ؟ قال : يا رسول الله ، إني عملتُ أمسِ ، فجئت حين جئت ، فألقيتُ نفسي فنمت ، وأصبحتُ حين أصبحتُ صائماً ، قال : وكان عمر قد أصاب النساء من جارية ، أو من حرَّة ، بعدما نام ، وأتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر ذلك له ، فأنزل الله عزَّ وجلَّ ( أُحلَّ لكم ليلةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نسائِكم ? ) إلى قوله ( … ثم أتِمُّوا الصيامَ إِلى الليلِ … ) ? وقال يزيد ? فصام تسعةَ عشر شهراً من ربيع الأول إلى رمضان } رواه الإمام أحمد ( 22475 ) وأبو داود والبيهقي . وروى مسلم وأحمد مثله عن عبد الله بن مسعود أيضاً .

2- عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال { صام النبي صلى الله عليه وسلم عاشوراء وأمر بصيامه ، فلما فُرض رمضان تُرِك ، وكان عبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صومه } رواه البخاري ( 1892 ) ومسلم وأحمد والبيهقي . وفي لفظٍ ثان للبخاري ( 4501 ) ومسلم وأبي داود وأحمد من طريقه { كان عاشوراء يصومه أهلُ الجاهلية ، فلما نزل رمضان قال : من شاء صامه ، ومن لم يشأ لم يصمه } .

3- عن عائشة رضي الله عنها { أن قريشاً كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية ، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيامه حتى فُرض رمضان ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من شاء فلْيصُمْ ومن شاء أفطر } رواه البخاري ( 1893 ) ومسلم وأبو داود والنَّسائي والترمذي . وروى البخاري ( 4504 ) ومسلم وأبو داود والنَّسائي والترمذي ومالك وأحمد والدارمي من طريق عائشة رضي الله تعالى عنها ، قالت { كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه ، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه ، فلما نزل رمضان كان رمضانُ الفريضةَ وتُرك عاشوراء ، فكان من شاء صامه ، ومن شاء لم يصمه } .

4- عن علقمة عن عبد الله - بن مسعود ? رضي الله تعالى عنه قال { دخل عليه الأشعث وهو يَطْعَم فقال : اليوم عاشوراء ، فقال : كان يُصام قبل أن ينزل رمضان ، فلما نزل رمضان تُرك ، فادْنُ فكُل } رواه البخاري ( 4503 ) ومسلم وأحمد والبيهقي .

5- عن الرُّبَيِّع بنت مُعوِّذ رضي الله عنها قالت { أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداةَ عاشوراء إلى قرى الأنصار : من أصبح مفطراً فلْيُتمَّ بقيةَ يومه ومن أصبح صائماً فلْيصمْ قالت : فكنا نصومه بعدُ ونُصوِّم صبيانَنا ، ونجعل لهم اللعبةَ من العِهْن فإذا بكى أحدُهم على الطعام أعطيناه ذلك حتى يكون عند الإفطار } رواه البخاري ( 1960 ) ومسلم وابن خُزيمة وابن حِبَّان والبيهقي .

6- عن سَلَمَة بن الأكوع رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً ينادي في الناس يوم عاشوراء : إِنَّ مَن أكل فليُتِمَّ أو فلْيصُمْ ومن لم يأكل فلا يأكل } رواه البخاري ( 1924 ) ومسلم والنَّسائي وأحمد وابن حِبَّان والدارمي .

وذهب الجمهور والشافعية في المشهور عنهم ، إلى أنه لم يُفرض قطُّ صومٌ قبل صوم رمضان ، واستدلوا على قولهم هذا بما روى حُمَيد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنهما يوم عاشوراء عام حجٍّ على المنبر يقول { يا أهل المدينة أين علماؤُكم ؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : هذا يوم عاشوراء ، ولم يَكْتُب الله عليكم صيامَه وأنا صائم ، فمن شاء فليصم ، ومن شاء فليفطر } رواه البخاري ( 2003 ) ومسلم والنَّسائي وابن حِبَّان . ورواه أحمد بن حنبل ( 16992 ) بلفظ { هذا يوم عاشوراء ، ولم يُفرض علينا صيامُه ، فمن شاء منكم أن يصوم فليصم فإني صائم ، فصام الناس } فنقول ما يلي :

الحديث رقم 1 الذي رواه أحمد من طريق معاذ رضي الله عنه فيه انقطاع بين عبد الرحمن ابن أبي ليلى ومعاذ ، وذلك أن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يدرك معاذاً كما ذكر ذلك المحدِّثون ، فهو إذن حديث منقطعٌ ، فيُردُّ سنداً ، وبردِّه يُرَدُّ قول الأحناف بفرض صيام ثلاثة أيام قبل شهر رمضان . ونأتي الآن لمناقشة الأدلة الصحيحة :

الآية ليس فيها ذكرٌ لأي صومٍ فُرض على المسلمين قبل رمضان ولذا فإن هذه الآية لا يصح الاستدلال بها على موضوعنا . أما حديثا ابن عمر وحديثا عائشة عند البخاري ، فإن ألفاظها لها دلالة واحدة ، هي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أمر بصوم عاشوراء إلى أن فُرض رمضان فلما فُرض رمضان لم يعد الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر بصوم عاشوراء . وهذا الأمر يشكِّل دليلاً على أن يوم عاشوراء كان صومُه مفروضاً على المسلمين عند من يقولون ويتبنَّون أن الأمر يفيد الوجوب .

فنقول لهؤلاء : إننا لا نُقِرُّكم على أن الأمر يفيد الوجوب ، وإنما نحن نرى أن الأمر يفيد مجرد الطلب ، والقرائن هي التي تحدِّد نوع الطلب إن كان واجباً أو مندوباً أو حتى مباحاً وإذن فإن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بصيام يوم عاشوراء ، هكذا دون قرينة على الوجوب ، لا يدل على أن صوم يوم عاشوراء كان واجباً . ونضيف لهؤلاء القول : إنكم لا تقولون ما تقولون على إطلاقه ، وإنما تقولون إن الأمر يفيد الوجوب ، إلا إن وُجِدت قرينة تصرفه عن الوجوب إلى الندب مثلاً ، فهلا بحثتم عن القرينة ، وهي موجودة في النصوص بشكل لا يخفى على فقيه ؟!

إن حديث معاوية عند البخاري وأحمد ، يصلح قرينةً ظاهرةً تصرف الأمر النبوي الكريم إلى الندب ، فقوله عليه الصلاة والسلام : ( لم يَكْتُب اللهُ عليكم صيامه وأنا صائم ) ، أو قوله ( ولم يُفرض علينا صيامُه فمن شاء منكم أن يصوم فليصم ) هو قرينة على أن الأمر النبوي الكريم بصيام يوم عاشوراء كان أمراً على الندب وليس على الوجوب . أما أنه ليس أمراً على الوجوب فواضحٌ بالمنطوق ، وأما أنه أمرٌ على الندب فهو أنه عليه الصلاة والسلام قال للمسلمين ( وأنا صائم ) وقال لهم ( فمن شاء منكم أن يصوم فليصم ) فكونه عليه الصلاة والسلام يعلن أنه صائم ويأمر من يشاء أن يصوم بالصوم ، وكون الصوم عبادة يُتقرب بها إلى الله سبحانه فإن ذلك يشكل دليلاً وقرينة على أن صيام عاشوراء مندوب .

أما استدلالهم بحديثي الرُّبيِّع عند البخاري ، وحديث سَلَمة بن الأكوع عنده أيضاً ، فأقول : إن لفظ الحديثين من حيث الدلالة واحد ، الحديث الأول يقول ( من أصبح مفطراً فلْيُتمَّ بقيةَ يومه ، ومن أصبح صائماً فليصم ) والحديث الثاني يقول ( إنَّ مَن أكل فليُتمَّ أو فلْيصمْ ، ومن لم يأكل فلا يأكل ) وهذان الحديثان لم يأتيا في باب فرض الصوم لا بالمنطوق ولا بالمفهوم ، أما بخصوص المنطوق فواضح ، وأما بخصوص المفهوم ، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم حين يأمر بأمرٍ واجبٍ يُرشدنا إلى كيفيته ، وأيضاً عندما يأمرنا بأمر مندوب يرشدنا إلى كيفيته دون أن يكون لذِكر الكيفية دلالةٌ على الوجوب أو على الندب ، وإنما هي تابعة في الحكم لأصل الأمر ، فإن كان الأمر للوجوب أُلحقت كيفيته به ، وإن كان الأمر للندب كانت الكيفية تابعة له في الندب . ولا حاجة بنا لذكر الأمثلة على ما نقول فهي من الشيوع والشهرة بحيث لا تخفى على عالم أو فقيه . وهنا جاء ذكر كيفية العمل عند مرور وقتٍ من نهار يومٍ يُصام ولا تدل هذه الكيفية مطلقاً على وجوب ذلك الصوم .

وأما حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فإنه لا يضيف شيئاً إلى أحاديث ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما ، وهكذا يبقى حديث معاوية بمنطوقه دليلاً ناصعاً على نفي وجوب صيام يوم عاشوراء ، فوجب القول به وترك ما سواه .

ثم مالنا نبتعد كثيراً في البحث في هذه المسألة ، وعندنا الدليل والفيصل الساطع في كتاب الله الكريم ، يقول تعالى في الآية 183 من سورة البقرة { يا أيها الذين آمنوا كُتبَ عليكم الصيامُ كما كُتِبَ على الذين من قبلِكُم لعلَّكم تتَّقون } انظروا في قوله { كُتب عليكم الصيامُ كما كُتب على الذين من قبلكم } فقوله كتب عليكم الصيام هنا ، جاءت كلمة الصيام عامة ومطلقة ، وجاء البيان بأن الصيام قد كتب علينا آنذاك ولو كان الصيام مفروضاً علينا من قبل لما جاء اللفظ الكريم هكذا ، فهذه الآية الكريمة جاءت تعلن فرض الصيام ، وتدل على أنه لم يكن صيامٌ مفروضٌ قبل ذلك ، هذه واحدة .

والثانية هي قوله ، كما كتب على الذين من قبلكم ، ولو كان الصيام مكتوباً علينا من قبل هذه الآية لما جاء القول كما كتب على الذين من قبلكم ، فقد قال كما كتب على الذين من قبلكم ، ولم يقل كما كتب عليكم في يوم عاشوراء مثلاً ، وهذا دليل ناصع على أنه لم يكن على المسلمين صيام واجب قبل صيام شهر رمضان ، وغفر الله لمن يقول غير ذلك وإِنما الأخطاء عند الفقهاء والعلماء تأتي من الاقتصار على دليل أو بضعة أدلة وترك ما عداها ، وكأنَّ الاجتهاد مسالةُ انتقاءٍ للنصوص ، وليس أخذاً بها وإِعمالاً لها كلِّها إلا أن يكون منها ضعيف أو مخالفٌ للأحاديث الصحيحة فيطرح ولا يُلتفت إليه .

وقد نطقت عدةُ أحاديث بفرض صيام شهر رمضان دون أن نجد حديثاً واحداً ينطق بفرض صيام عاشوراء ، أذكر منها على سبيل المثال :

1- عن طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه { أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس ، فقال : يا رسول الله … أخبرني بما فرض الله عليَّ من الصيام ؟ فقال : شهر رمضان ، إلا أن تَطوَّع شيئاً … } رواه البخاري ( 1891 ) ومسلم وأبو داود والنَّسائي وأحمد .

2- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { بُني الإسلام على خمسٍ : شهادةِ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وإِقامِ الصلاة ، وإيتاءِ الزكاة ، والحجِ ، وصومِ رمضانَ } رواه البخاري ( 8 ) ومسلم والنَّسائي والترمذي وأحمد . ولا يُبنى الإسلام إلا على الفروض الواجبة ، بل ولا يُبنى إلا على الأركان .**

**الفصـل الأول

صيامُ رمضان

أحكامٌ عامة :

الصوم في اللغة هو الإمساك ، والصمت ، والركود ، وما في معناها . وقد ورد الصوم بهذا المعنى في كتاب الله الكريم ، قال تعالى { فكُلي واشربي وقَرِّي عيْناً فإِما تَرَيِنَّ من البَشَرِ أَحَداً فقولي إِني نَذَرتُ للرحمنِ صَوْماً فلن أُكلِّمَ اليومَ إِنْسِيَّاً } الآية 26 من سورة مريم .

وأما الصوم في الشرع ، فهو إِمساكٌ عن المفَطِّرات ، وهي : الأكل والشرب والجماع والاستعاط والاستقاء ، بنيَّةِ التقرُّبِ إلى الله سبحانه من فجر اليوم إلى مغربه . وقد ورد الصوم بمعناه الشرعي في كثير من آيات الله الكريمات ، لا حاجة لذكرها هنا وذلك لشهرتها ومعرفة الناس بها .

فضل الصيام :

ورد في فضل الصيام كثيرٌ من الأحاديث أذكر منها ما يلي :

1- عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { قال الله : كلُّ عملِ ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أَجزي به ، والصيام جُنَّة ، وإذا كان يومُ صومِ أحدِكم فلا يَرْفُثْ ولا يَصْخَبْ ، فإن سابَّه أحدٌ أو قاتله فلْيقلْ : إني امرؤٌ صائم والذي نفسي بيده لَخُلُوفُ فمِ الصائم أطيبُ عند الله من ريح المسك ، للصائم فرحتان يفرحهما ، إذا أفطر فرح وإذا لقي ربه فرح بصومه } رواه البخاري ( 1904 ) ومسلم والنَّسائي وابن ماجة وأحمد . وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { قال ربكم تبارك وتعالى : كلُّ العمل كفارةٌ ، إلا الصوم فإنه لي ، وأنا أَجْزي به … } رواه أبو داود الطيالسي ( 2485 ) وأحمد .

وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { كلُّ عملِ ابن آدم يضاعَف ، الحسنةُ عشرُ أمثالها إلى سبعِمائة ضعف ، قال الله عزَّ وجلَّ : إلا الصوم فإنه لي ، وأنا أَجزي به … } رواه مسلم ( 2707 ) والنَّسائي والدارمي والبيهقي . ورواه أحمد ( 9712 ) وابن ماجة بلفظ { قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل عمل ابن آدم يُضاعَف ، الحسنةُ بعشر أمثالها إلى سبعِمائة ضعف ، إلى ما شاء الله ، قال الله عزَّ وجلَّ : إلا الصوم فإنه لي وأَنا أَجزي به … } بزيادة ( إلى ما شاء الله ) .

2 ? عن سهل ? بن سعد ? رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { إِن في الجنة باباً يقال له الرَّيَّان يدخل منه الصائمون يوم القيامة ، لا يدخل منه أحدٌ غيرهم يقال : أين الصائمون ؟ فيقومون لا يدخل منه أحدٌ غيرهم فإذا دخلوا أُغلق فلم يدخل منه أحد } رواه البخاري ( 1896 ) ومسلم والنَّسائي . ورواه ابن ماجة ( 1640 ) والترمذي بلفظ { … فمن كان من الصائمين دخله ، ومن دخله لم يظمأ أبداً } .

3? عن عبد الله ? بن مسعود ? رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم { من استطاع الباءةَ فلْيتزوجْ فإِنه أغضُّ للبصر وأحصنُ للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم ، فإِنه له وِجاءٌ } رواه البخاري ( 1905 ) ومسلم وأبو داود والنَّسائي والترمذي . والوِجاء : رضُّ الخِصيتين أو رضُّ عروقهما لقطع الشهوة .

4- عن حذيفة ? بن اليمان - رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول { فتنةُ الرجل في أهله وماله وجارِه تُكفِّرها الصلاةُ والصيامُ والصدقةُ … } رواه البخاري ( 1895 ) ومسلم . ورواه ابن أبي شيبة ( 8/595 ) بلفظ { فتنةُ الرجل في أهله ، وماله ، ونفسه ، وجاره ، يكفِّرها الصيام والصدقة ، والأمرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر } وعنه رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { مَن خُتم له بصيام يومٍ دخل الجنة } رواه البزَّار ( 1038 ) . ورواه أحمد مطوَّلاً . قال الهيثمي [ رجاله موثَّقون ] .

5- عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة ، يقول الصيام : أَيْ ربِّ منعتُه الطعامَ والشهواتِ بالنهار فشفِّعني فيه ، ويقول القرآن : منعتُه النوم بالليل ، فشفِّعني فيه ، فيُشفَّعان } رواه أحمد ( 6626 ) وسنده حسن . ورواه الطبراني في كتاب المعجم الكبير . ورواه الحاكم وصححه .

6- عن أبي أُمامة رضي الله عنه قال { أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : مُرني بعملٍ يُدخلني الجنة ، قال : عليك بالصوم ، فإنه لا عِدْل له ، ثم أتيته الثانية فقال لي : عليك بالصيام } رواه أحمد ( 22501 ) والنَّسائي وابن حِبَّان وابن خُزيمة وابن أبي شيبة والطبراني في المعجم الكبير . وفي لفظٍ ثانٍ عند ابن حِبَّان ( 3425 ) والنَّسائي { … عليك بالصوم فإنه لا مِثلَ له … } .

7- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ثلاثةٌ لا تُردُّ دعوتُهم : الإمامُ العادل ، والصائمُ حتى يفطر ، ودعوةُ المظلوم ، يرفعها الله دون الغَمام يوم القيامة وتُفتح لها أبوابُ السماء ، ويقول : بعزَّتي لأنصرنَّكِ ولو بعد حين } رواه ابن ماجة ( 1752 ) . والغمام هنا هو الغمام المذكور في قوله تعالى { يومَ تَشَقَّقُ السماءُ بالغَمَامِ } وفي قوله سبحانه { هل يَنْظُرون إلا أَن يأتيَهُم اللهُ في ظُلَلٍ من الغَمَامِ } .

8- عن عثمان بن أبي العاص رضي الله تعالى عنه ، قال : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله سلم يقول { الصوم جُنَّةٌ من النار كجُنَّةِ أحدِكم من القتال } رواه النَّسائي ( 2231 ) وابن ماجة وأحمد وابن حِبَّان وابن أبي شَيْبَة .

9- عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { قال ربُّنا عزَّ وجلَّ : الصيام جُنَّةٌ يَستجِنُّ بها العبدُ من النار وهو لي وأنا أَجزي به } رواه أحمد ( 14724 ) بسند جيد . ورواه البيهقي .

10 - عن أبي عبيدة رضي الله عنه قال : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { … والصومُ جُنَّة ما لم يَخْرِقْها …} رواه أحمد ( 1690/1700 ) . ورواه الدارمي ( 1733 ) بلفظ { الصومُ جُنة ما لم يخرقها ، قال أبو محمد : يعني بالغيبة } ورواه الطبراني في المعجم الأوسط ( 4533 ) من طريق أبي هريرة رضي الله عنه .

فأكرمْ بالصيامِ من عبادةٍ هذه فضائلُها . فالصوم جُنَّة ، أي حفظٌ وعصمة ، وهو قامعٌ للشهوة لمن لم يستطع الزواج ، وهو مكفِّرٌ للذنوب عند الفتن ، وهو شافعٌ مشفَّع لصاحبه يوم القيامة ، وللصائمين باب الرَّيَّان ، من دخله منهم لم يظمأ أبداً . ويكفي في بيان فضل الصوم ما جاء في الحديث ( الحسنةُ عشرُ أمثالها إلى سبعِمائةِ ضِعف ، قال الله عزَّ وجلَّ : إلا الصوم فإنه لي وأنا أَجزي به ) . فلو لم يكن للصوم من حديثٍ يذكر فضله إلا هذا الحديث لكفى . فحقاً إن الصوم لا مثلَ له ولا عِدلَ له كما ورد في الحديث السادس ، وليس للصيام من نتيجة تبعاً لكل ما سبق ، إلا دخول الجنة كما ورد في حديث حذيفة رضي الله عنه عند البزَّار وأحمد ، واستحق بصيامه أن يكرمه الله باستجابة دعائِه ، كما ورد في الحديث السابع .

فضلُ رمضان :

قد وردت في فضلِ شهرِ رمضانَ الأحاديثُ التالية :

1- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول { الصلواتُ الخمسُ ، والجمعةُ إلى الجمعةِ ، ورمضانُ إلى رمضانَ ، مكفِّراتُ ما بينهنَّ إذا اجتَنَبَ الكبائر } رواه الإمام مسلم ( 552 ) وأحمد . ورواه البخاري في التاريخ الكبير .

2- وعنه رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { رَغِم أنفُ رجلٍ ذُكرتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ ، وَرغِم أنفُ رجل دخل عليه رمضان فانسلخ قبل أن يُغفَر له ، ورَغِم أنفُ رجل أدرك عنده أبواه الكبرَ ، فلم يُدخلاه الجنة ? قال ربعي ? : ولا أعلمه إلا قد قال : أو أحدُهما } رواه الإمام أحمد ( 7444 ) والترمذي وابن خُزيمة والحاكم ، وإسناده جيد .

3- وعنه رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا دخل رمضان فُتحت له أبوابُ السماء ، وغُلِّقتْ أبوابُ جهنم ، وسُلسلت الشياطينُ } رواه البخاري ( 1899 ) ومسلم والنَّسائي وأحمد وابن حِبَّان والدارمي ، باختلافٍ في الألفاظ .

4- وعنه رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه } رواه البخاري ( 38 ) والنَّسائي وابن ماجة وأحمد وابن حِبَّان . ولأحمد ( 8989 ) والنَّسائي في رواية ثانية من طريقه { … غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر } بزيادة ( وما تأخر ) . قال المنذري بإسنادٍ حسن . إلا أن حماداً شكَّ في وصله ، أو انفرد بهذه الزيادة قتيبة بن سعيد عن سفيان .

5- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { عُمرة في رمضان تعدل حَجَّةً } رواه ابن ماجة ( 2994 ) والنَّسائي وأحمد . وروى ابن ماجة ( 2991 ) الحديث بلفظه ، وأحمد والترمذي من طريق وهب بن خَنْبَش . ورواه أحمد ( 14855 ) وابن ماجة من طريق جابر رضي الله تعالى عنه . وروى البخاري ( 1863 ) من طريقه ، ومسلم وأبو داود بلفظ { … فإنَّ عُمرةً في رمضان تقضي حجة أو حجة معي } وروى الطبراني في المعجم الكبير ( 25/364 ) وأبو داود وأحمد عن أم معقل رضي الله عنها قالت { يا رسول الله إني امرأة قد كبرتُ وقد سقمتُ ، فهل عملٌ يَجزي عني من حجتي ؟ فقال : عمرة في رمضان تُجْزيءُ عنك } .

6- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { إذا كان أول ليلة من رمضان ، صُفِّدت الشياطين ومَرَدةُ الجن ، وغُلِّقت أبوابُ النار ، فلم يُفتح منها باب ، وفُتحت أبوابُ الجنة ، فلم يُغلق منها باب ، ونادى منادٍ : يا باغيَ الخير أَقْبِل ويا باغي الشَّرِّ أَقْصِر ، ولله عُتَقاءُ من النار ، وذلك في كل ليلة } رواه ابن ماجة ( 1642 ) وابن حِبَّان والبيهقي . ورواه الحاكم وصححه ، ووافقه الذهبي . ورواه ابن خُزيمة ( 1883 ) إلا أنه قال { صُفِّدت الشياطينُ مَرَدةُ الجن } وروى الطبراني في كتاب المعجم الأوسط ( 1586 ) والنَّسائي قريباً منه من طريق عُتبة بن فرقد رضي الله عنه .

ودلالات هذه الأحاديث واضحة لا تحتاج إلى تفسير . فإذا أضيفت الأحاديث الواردة في فضل الصيام بشكل مطلق إلى موضوعنا هذا ، هذا ظهر تماماً فضلُ رمضان والصوم فيه . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجودَ الناس ، وكان أجودَ ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسُه القرآن ، فَلَرسولُ الله أجودُ بالخير من الريح المرسَلَة } رواه البخاري ( 6 ) ومسلم والنَّسائي والترمذي وأحمد وابن حِبَّان .

.**

**بسم الله الرحمن الرحيم

مُقَدِّمَة

الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، والصلاة والسلام على رسول الله المبعوث رحمةً للعالمين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلَّم تسليماً كثيراً .

أما بعد ، فهذا كتابٌ في أحكام الصيام سميته [ الجامع لأحكام الصيام ] وقد صدر عقب صدور [ الجامع لأحكام الصلاة ] ، وقد نهجت فيه المنهاجَ نفسَه الذي سرت عليه في [ الجامع لأحكام الصلاة ] قاصداً أن أُقدِّم مثالاً آخر لما أراه النموذجَ الأصح لكتابة الفقه ، وبذلك يكون بين أيدي القراء الكرام كتابان جامعان يمثِّلان هذا النموذج .

هذا هو القصد من إصدار هذين الكتابين وإني لأرى أن إِصدار مثالين كبيرين يكفي لتوضيح النموذج الذي أدعو الفقهاء والمجتهدين إلى أخذه والكتابة بمقتضاه ، فأنا لم يخطر ببالي أن أضع بين أيدي القراء الكرام سلسلةً كاملةً للفقه الإسلامي ، وإنما أردت فقط وضع المثال والنموذج الأصح فحسب ، وإِن كتابين كبيرين يكفيان لتحقيق هذا الغرض المرجوِّ ، إلا أن يقضي الله أمراً آخر فأُضيف إليهما كتاباً ثالثاً .

إن هذا النموذج لكتابة الفقه يتحقق فيه ما يلي :

1- استعراضُ جميع النصوص من القرآن الكريم والسنة الشريفة ذات العلاقةِ عند كل مسألة تُبحثُ من مسائل الفقه ، وعدمُ الاقتصار على قسم من النصوص يراه الفقيه غالباً دليلاً كافياً على رأيه ، وداعماً لاجتهاده ، وترك ما سواه .

2- الاستدلالُ بالأحاديث الصحيحة وبالحسنة فقط ، وترك ما سواها من أحاديثَ ضعيفةٍ على اختلاف أنواعها ، وأعني بالضعيفة ما اتفق المحدِّثون على ضعفها ، فهذه الأحاديثُ لا يحلُّ الأخذ بها في الأحكام الشرعية ، ولا حتى في فضائل الأعمال . أما الأحاديث التي اختلف المحدِّثون بشأنها من حيث التضعيف والتحسين ، فإِنها إن كانت موافِقةً للأحاديث الصحيحة والحسنة ، أو انفردَتْ في بابها قُبلت ، أما ما خالف منها الأحاديث الصحيحة أو الحسنة ، أولم تنفرد في بابها فإِنها تُردُّ وتُترك .

3- استعراضُ آراء الفقهاء والعلماء والأئمة في كل مسألة من المسائل بقدر المستطاع ، فهذا الاستعراض يُثْري البحث ، ويَهَبُه قوة ، وبه تظهر قوة الأحكام المستنبطة عند مقارنتها بالأحكام الأخرى ، حالها كحال حباتِ لؤلؤٍ طبيعية تُعرض إلى جانب حبَّاتٍ صناعية ، فتظهر جودتها وجمالها وتفوُّقها.

4- إِعمالُ جميعِ النصوص المتعلقة بكل مسألة من المسائل ، وعدم إهمال أيٍّ منها ، لأن واقع النصوص أنها غير متعارضة في الأصل ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم لا تصدر عنه أحاديثُ متعارضة قطعاً ، اللهم إلا في حالة النسخ فقط ، وهي حالة قليلة نادرة .

أما ما نراه من أحاديث متعارضة في كل مسألة من مسائل الفقه تقريباً فهو راجع إلى سند هذه الأحاديث ، مما يتوجب علينا الوقوفُ عليه وبيانُه ، وإِبعادُ الأحاديث الضعيفة والواهية ، ومن باب أولى الأحاديث الموضوعة والتي لا أصل لها ، التي شاعت في كتب الفقه ، وكتب أصول الفقه ، وفصلُها عن الأحاديث الصحيحة والحسنة .

5- استنطاقُ النصوصِ ، واستنباطُ الأحكامِ منها ، إِنما يتم بطرقٍ ثلاثٍ : إما بمقابلة نصٍّ بنصٍّ آخر ، أي بتفسير نصٍّ بنصٍّ ثان ، وهو الأقوى في الاستنباط ، وإما بتفسير النص واستنطاقه بموجب المعارف الشرعية ، وإما بتفسير النصِّ بموجب المعارف اللغوية الثابتة المشهورة دون الضعيفة منها والشاذة . فالنص يُؤْخذ معناه ، إما بمقابلته مع نصٍّ آخر ، وإما بتفسيره بحسب المعارف الشرعية ، وإما بإخضاعه للمعارف اللغوية الثابتة فحسب . أما التأويلات البعيدة ، والتفسيرات المتعسِّفة ، وإخضاعُ النصوص ولَيُّها حتى تتوافق مع رأي الإمام أو المذهب ، فيجب أن تُستبعَد تماماً من الأبحاث الفقهية إكراماً للفقه وللشرع ، وصوناً لهما من الدخيل والتسريبات الغريبة التي طالما رأيناها بكثرةٍ في كتب الفقه ، وخاصة تلك المؤلفة في عصرنا الراهن !

6- إن الأصل في كل مسلم أن يتقيد بالحكم الشرعي ، ويلتزم به برضى واطمئنان ، لا أن يأخذه ويعمل به وهو شاكٌّ في صحته ، فحتى نُعِين المسلم على التقيُّد والالتزام بالحكم الشرعي برضى واطمئنان فإننا أتينا بهذا النموذج الذي يتضمَّن الأحكام وأدلتها مع البراهين على صحتها ، والبراهين على خطأ ما سواها .

7- كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقَّون النصوص من القرآنِ الكريمِ والسنةِ النبويةِ تلقِّياً طبيعياً ، كما نتلقى نحن الآن كلامَ بعضِنا لبعض ، بمعنى أنهم كانوا بمجرد أن يسمعوا آيةً أو حديثاً ، يفهمون المعنى المراد ببساطة العربي ، وبداهة فطنته ، فكانوا قَلَّما يختلفون في فهم النصوص ، وقَلَّما يختلفون مِن ثمَّ في استنباط الأحكام منها، وقد جرى التابعون وتابعو التابعين على هذا النهج ، ثم عندما جاء الفقهاء من بعد هؤلاء ، ووُجدت عندئذ المذاهبُ الفقهية ، وما صاحبها من تعصُّبٍ وتحزُّبٍ ، بدأ الفقه يأخذ منحىً جديداً ، ويبتعد تدريجياً عن طريقة التلقِّي الطبيعي ، إلى طرائق يصح وصفها بأنها طرائق صناعية ، بمعنى أن الصناعة في التلقِّي والاستنباط قد غلبت على اجتهادات هؤلاء الفقهاء لا سيما وأن كل فقيهٍ تابعٍ لمذهب أو إمام يُجْهِد عقَله وذِهنَه للانتصار لمذهبه وإِمامِه ، ثم أخذ قسمٌ منهم بصنوف الجدل وعلم الكلام ، أو قُلْ إنهم قد تأثروا قليلاً أو كثيراً بأساليب الجدل والكلام ، إضافةً إلى ما وضعوه من قواعدَ أصوليةٍ مختلفةٍ ، بالغوا في توسيعها وتفريعها وتعقيدها ، فصار الفقه صناعة لا يعرفها بدقائقها إلا أربابُها المتخصِّصون ، ومع الزمن وقف التَّلقي الطبيعي تماماً ، واقتصر استنباط الأحكام على صُنَّاع الفقه ، ثم قلَّ هؤلاء الصُّناع تدريجياً إلى أن أُغلق باب الاجتهاد .

وعلى ذلك أقول إنَّ السبب الرئيسي في غلق باب الاجتهاد ، وذهاب المجتهدين هو أن الفقه أصبح صناعةً لها قواعدُ وأصولٌ قلًّما يفهمها ويستوعبها المتعلمون ، ناهيك عن سواد الناس وذلك لتعقيداتها وتفريعاتها وتشعُّباتها ، إذ راح علماء كلِ مذهبٍ يضعون القواعد الأصولية الخاصة بمذهبهم ، ويتفننون في التفريعات والتشعُّبات ، حتى غدت القواعدُ الأصوليةُ معقدة جداً ، فاختلفت كثيراً الاجتهادات ، وما صدر عنها من أحكامٍ ، حتى إِنَّ الكثير من هذه الأحكام قد خرجت عن دائرةِ الاعتدال .

فحتى يعود الفقه إلى طريقته الطبيعية وينأى عن التعقيدات والتَّشعُّبات ، وتقل الخلافات المذهبية وما يصاحبها من تعصُّب ، وبالتالي يوجَد المجتهدون الكُثْر ، فإنني أتيت بهذا النموذج الذي أراه الأصحَّ لكتابة الفقه ، مستلهماً طريقةَ الصحابة في الفقه والتلقِّي ، ومبتعداً عن التعقيد والتَّشعُّب في الفهم ، ولهذا فإن القارئ الكريم سيجد أن القواعد الأصولية التي تظهر في هذا النموذج تخلو من التعقيد والتشعُّب .

إن الفارق بين طريقة الصحابة وطريقة أرباب صناعة الفقه ، هي أن الصحابة كانوا يضعون النص أمامهم ، فما يتبادر إلى أذهانهم من معانيه بمقتضى اللغة العربية ، إضافةً إلى درايتهم وخبرتهم بمرامي النصوص التي عاشوا أجواءها ودلالاتها ، يأخذونه ببساطة ودون تصنُّع . أما أرباب الصناعة الفقهية ، فإنهم يضعون القواعد الأصولية المختلفة أمامهم أولا مع جميع تفريعاتها وتعقيداتها وتفصيلاتها ، ثم يُخضعون النص لهذه القواعد ، فتخرج منه معان كثيرة متشعبة بقدر هذه التفريعات والتشعُّبات ، وهنا يقع الخلاف الكبير بينهم ، كلٌّ يتمسَّك بالمعنى الذي فهمه ، وبالحكم الذي استنبطه بحسب ما وضعه أمامَه من قواعد تفصيلية خاصةٍ به ، ويُجْهِد نفسه في الدفاع عنه والمنافحة عنه انتصاراً لمذهب إِمامِه ، حتى غدا الفقه أخيراً معرضاً واسعاً متنوعاً للأحكام المختلطة ، الصحيحة والضعيفة والشاذة ، ما أن يطَّلع عليها القارئ حتى يُصدَع رأسُه بهذا الكم الهائل من الآراء في كل مسألة فقهية . ومن أحبًّ أن يقف على أمثلةٍ مما أقول ، فما عليه إلا أن يراجع الآراء الفقهية في المسائل التالية : ليلة القدر متى هي ؟ والنوم هل هو ناقض للوضوء ؟ والصلاة الوسطى ما هي ؟ وتجدون الخلافات الواسعةَ والهائلةَ في هذه المسائل وفي غيرها في كتاب فتح الباري لابن حجر العسقلاني ، وشرح صحيح مسلم للنووي .

8- أما كيف نتخلص من الطريقة الصناعية لاستنباط الأحكام الشرعية والاجتهاد ، ونعود إِلى الطريقة الطبيعية التي سادت العصور الثلاثة الأولى ، أي طريقة الصحابة والتابعين وتابعيهم في الاستدلال والاجتهاد ، فما علينا إِلا الانكبابُ على النصوص من كتاب الله المجيد ، والأحاديث النبوية الشريفة : قراءةً وحفظاً وتفسيراً ، انكباباً يصحُّ وصفُه بأنه معايشةٌ دائمةٌ للنصوص الشرعية ، يستمر السنين والسنين ، حتى تتكون لدينا القدرة والدراية ، التي كان يملكها صحابةُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في التعامل مع النصوص الشرعية فهماً واستنباطاً ودلالات ، تماماً مثل القدرةِ التي نملكها نحن في التعامل مع كلامِ بعضنا لبعضٍ ، فنفهم النصوص كما نفهم تماماً كلامَ بعضنا لبعضٍ ، وبدون هذه الطريقة فلن يُفتحُ بابُ الاجتهاد ، وإِن فُتح فلن يكون اجتهاداً صحيحاً فيه قابليةُ الدوام والاستمرارية .

ولي هنا وقفةٌ مهمةٌ ، فأقول ما يلي : إنَّ المجتهد إِما أن يكون مجتهِداً مطلقاً ، وإِما أن يكون مجتهدَ مسألة ، وإِما أن يكون مجتهد مذهبٍ كما هو معلوم ، فأَما المجتهدان الأول والثاني فإن فيهما الخير الكثير للفقه وللمسلمين . أما مجتهد المذهب ، وهو من يقوم بالاجتهاد بحسب القواعد الأُصولية التي يتبناها إِمامُه فينظر ، فإن كان هذا المجتهدُ يُطلِق لعقلِه ولفهمِه العِنان في استنباط الأحكامِ ، ولا يتقيد بما توصل إليه إِمامه من أحكام ، فلا بأس ، وفيه من الخير ما في المجتهد المطلق ومجتهد المسألةِ ، وذلك كابن المنذر من الشافعية . وأما إن كان هذا المجتهدُ لا يخرج في اجتهاده عن اجتهاد إِمامه ، ولا يكون له من همٍّ وقصدٍ إلا نصرة مذهبه وإِمامه فإن هذا المجتهد لا بدَّ من أن يُتهمُ بمجانبة النزاهةِ والموضوعيةِ ، ويُحجَب في كثير من الأحيان عن الرأي الصائب والحكم الصحيح وذلك كالطحاوي من الحنفية .

ولي هنا وقفةٌ مهمة أخرى هي : أنَّ المسلمين كما أنهم في حاجةٍ لثورةٍ فكريةٍ غير تقليدية لإِنهاضهم وتخليصهم من التخلف ، فإِنَّ الفقه الإسلاميَ في حاجةٍ هو الآخر لثورةٍ وإبداعٍ غير تقليديَّين من أجل إعادة الحياةِ إليه ، ولا تكون الثورةُ بالتوسُّع في التعليم العالي في الجامعات وكليات الشريعة ولن تكون ، ما دامت الجامعاتُ والكلياتُ تسير على المناهج الحالية ، إِذ أنَّ هذه الجامعات والكليات ، ومنها جامعةُ الأزهر ، قد اعتمدت الطريقة الصناعية في الفقه وجمدت عليها ، ولم يعد يُرجى منها إحداثُ ثورة فيه ، ولذا لا نجد جامعةً ولا كلية شريعة قد خرَّجت مجتهدين ولا حتى فقهاء ، وإنما تقوم هذه الجامعات والكلياتُ بتخريج متعلمين ومتفقهين فحسب ، والفارق بين الفقيه والمتفقه ، هو أن الفقيه يملك رأياً خاصاً به في المسائل الفقهية ، أما المتفقه فهو من لا يملك رأياً خاصاً به ، وإنما يملك آراءَ غيره من الفقهاء ، فتجده إن سُئل عن مسألةٍ فقهية أجاب بقوله : إنَّ المذهب الفلاني يقول في هذه المسألة كذا ، وإنَّ العالم أو الإمام العلاني يقول في هذه المسألة كذا وقلما تجده يُرجِّح بين الرأيين ، وحتى لو قام بالترجيح فإن الرأي الذي يرجِّحه ليس رأيه هو وإنما هو رأي فقيه من الفقهاء .

وإني أرى أنَّ الحل الأوحد هو فعلاً العودةُ إلى طريقة الصحابة في التلقي والاستنباط ،وتكون بأن تقوم الجامعاتُ والكلياتُ والمعاهد الشرعيةُ بإِقرار هذه الطريقة وجعل المناهج كلها تقوم عليها ، وما لم يحصل هذا ، فإنَّ الفقه سيظلَّ في حالة جمودٍ وركود ، والله يهدينا إلى الرشاد والسداد .

أحببت أن أذكر لكم هذه النقاط الرئيسية الثماني لشرح النموذج والتعريف به وبيان الغرض منه والدواعي إليه ، وكلي أملٌ في أن يخرج في هذه الأمة الكريمة رجالٌ ينهجون هذا النهج ، ويُعيدون إلى الفقه الإسلامي أَصالَتَه وجماله وعظمته ويتناولون ما يستجِدُّ من وقائعَ وأعمالٍ ومشاكلَ ، ويستنبطون لها الأحكام الشرعية الصحيحة .

وقد التزمتُ في هذا الكتاب بوضع رقم كل حديث أخذته من مصدره كما هو مثبت فيه ، وهو ما لم يحصل في الكتاب السابق رغم دقة النقل وصوابيته التامة فيه وهي إِضافة نافعة وذلك ليسهل الرجوع إلى أي حديث إن وُجِدَت لدى القارئ رغبةٌ وحاجةٌ إلى قراءته في مصدره . وحيث أنني التزمت عند تعدُّد رواة الحديث بوضع اسم صاحب اللفظ المثبت في الكتاب في مقدمة الرواة ، وهو ما نوَّهت به في مقدمة كتاب [ الجامع لأحكام الصلاة ] فقد اكتفيتُ بوضع رقم الحديث المثْبَت فقط إلا في حالات قليلة دعت الدواعي إلى ذكر لفظٍ ثانٍ ، فوضعت له رقماً هو الآخر .

وتجدون في آخر الكتاب ثَبتاً بمصادر النصوص المعتمدة في هذا الكتاب ، مع ذِكر معلومات عنها حتى تُحْصَر المراجعةُ بها ويتسنى التثبُّتُ من صحة النصوص الواردة في الكتاب ، وهذه المصادر في غالبيتها قد تمَّ ترتيب الأحاديث فيها على طريقة الرقم المتسلسل ، والقليل منها تمَّ ترتيبُ الأحاديث فيها على طريقة الموضوعات ، ولم تُوضع لها أرقامٌ متسلسلة ، فما كان منها بحسب الطريقة الأولى ، فإني أَثبتُّ الرقم المتسلسل للحديث ، وما كان منها بحسب الطريقة الثانية ، فإني أَثبتُّ رقم الجزء أولاً ، ثم رقم الصفحة المتضمِّنة للحديث ، هكذا ( 4/250 ) مثلاً ، فرقم 4 هو رقم الجزء ، ورقم 250 هو رقم الصفحة ، باستثناء المعجم الكبير للطبراني ، ومسند أبي يعلى الموصلي ، فإن الرقم الأول هو رقم الجزء ، والرقم الثاني هو رقم الحديث فيهما .

وإني لأدعو الله السميع العليم أن يتقبًّل مني ما بذلتُ وما نويتُ وما إليه هدفت وأن يلقى هذا الكتاب من القبول ما لقيه الكتاب الأول ، والحمد لله أولاً وآخراً .

الخميس : 28 من شهر جمادى الأولى عام 1423هـ

8 من آب ( أغسطس ) عام 2002 م

.**

**الجامعُ لأحْكام الصّيام

لأبي إياس محمود بن عبد اللطيف بن محمود (عويضة)

هذا كتابٌ في أحكام الصيام سميتهالجامع لأحكام الصيام وقد صدر عقب صدور الجامع لأحكام الصلاة وقد نهجت فيهالمنهاجَ نفسَه الذي سرت عليه في الجامع لأحكام الصلاة قاصداً أن أُقدِّممثالاً آخر لما أراه النموذجَ الأصح لكتابة الفقه وبذلك يكون بين أيديالقراء الكرام كتابان جامعان يمثِّلان هذا النموذج هذا هو القصد من إصدارهذين الكتابين وإني لأرى أن إِصدار مثالين كبيرين يكفي لتوضيح النموذج الذيأدعو الفقهاء والمجتهدين إلى أخذه والكتابة بمقتضاه فأنا لم يخطر ببالي أنأضع بين أيدي القراء الكرام سلسلةً كاملةً للفقه الإسلامي وإنما أردت فقطوضع المثال والنموذج الأصح فحسب

الطبعة الأولى 2002 م

الطبعة الثانية 2005م

روابط التنزيل

adel-ebooks.sheekh-3arb.info

الفهرس

الموضوع - الصفحة - الورقه

مقدمة … 02-01

الفصل الأول : صيام رمضان ? أحكام عامة … 03-01

فضل الصيام??03-01

فضل رمضان ???03-01

متى شُرع الصيام الواجب ؟??..04-01

النية في الصيام???05-01

صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ???06-01

مسألة???07-01

هل يصح العمل بالحساب الفلكي ؟??..??? 08-01

دعوى اختلاف المطالع ??..??09-01

مسألة??..??.???10-01

كم الشهر الهجري ؟??.???11-02

صوم الحائض والنُّفَساء???12-02

صيام من أصبح جُنُباً??..???13-02

إثم من أفطر في رمضان بغير عذر???14-02

صوم الصبيان??? 15-02

صوم الحامل والمرضع???16-02

لا صوم على المجنون وعلى المغمى عليه ??17-02

حِلُّ الجماع في ليالي الصيام ??..?18-02

الفصل الثاني : الفِطْر والسُّحُور …19-02

أولاً : الفطر? 19-02

متى يفطر الصائم ؟ ??.? 19-02

ما يُستحَب للصائم أن يفطر عليه ???20-02

ما يقوله الصائم إذا أفطر ??20-02

ثواب من فطَّر صائماً ???21-03

الصائم إذا أفطر ناسياً??.22-03

ثانياً :السُّحور ??23-03

فضل السُّحور ???23-03

حكم السحور??? 24-03

وقت السحور ??..??24-03

الفصل الثالث : الصيام في السَّفر 25-03

حكم الصيام في السفر??25-03

أدلة من قالوا بوجوب الإفطار في السَّفر ???28-03

قدر مسيرة ما يفطر فيه??29-03

الفصل الرابع : قضاء الصوم 30-03

أولاً : قضاء الصوم عن النفس? 30-03

أ- قضاء الصوم المفروض???30-03

1- قضاء الصوم على المريض وعلى المسافر ?30-03

2- قضاء الصوم على المرأة الحائض وعلى النُّفَساء?30-03

3- قضاء الصوم على المتقيئ عمداً ???30-03

4- قضاء الصوم على من أفطر قبل الغروب ظاناً أن الشمس قد غربت?30-03

5- قضاء الصوم على المجنون وعلى المغمى عليه يصحوان في نهار رمضان 31-04

6- قضاء الصوم على الحامل وعلى المرضع إن أفطرتا?31-04

7- قضاء الصوم على الصبي وعلى الكافر إذا وقع عليهماالتكليف في نهار رمضان ?.. 31-04

8- قضاء صوم التطوُّع ??..? 31-04

ثانياً : قضاء الصوم عن الميت ?32-04

كيف ومتى يُقضى الصوم ؟??? 34-04

الفصل الخامس : صيام التطوع35-04

أولاً : أحكام عامة???35-04

صوم المرأة بإذن زوجها???35-04

الصائم المتطوِّع إذا دُعي???..?35-04

الصوم في الشتاء???36-04

الصوم في الجهاد??36-04

يصح قطع صيام التطوُّع??37-04

الصيام في أيام الأسبوع ??37-04

ثانياً : أنواع صيام التطوع? 38-04

صيام ما تيسَّر من كل شهر ??38-04

صيام يوم بعد يوم?38-03

صيام ثلاثة أيام من الشهر ???39-04

صيام الاثنين والخميس?40-04

صيام ستة أيام من شوال???40-04

الصيام في الأشهر الحُرُم ??? ?41-05

أ- الصومُ في شهر الله المحرَّم???41-05

ب- صيام تسعٍ من ذي الحجة?? 42-05

ج- الصيام في رجب ??42-05

د- الصيام في ذي القعدة???42-05

صيام يوم عرفة???42-05

صوم عاشوراء ???43-05

صوم شعبان ?44-05

صوم يوم ويومين وأربعة وخمسة وسبعة وتسعة وأحد عشر يوماً في الشهر ?45-05

الفصل السادس : الصيام المحرَّم الذي لا يجوز46-05

صوم يوم الشك???46-05

صوم الدهر ???47-05

صوم يومي الفطر والأضحى??? 49-05

صوم أيام التشريق???50-05

صوم الوِصال???52-06

صوم الحائض والنُّفَساء???53-06

صوم المرأة تطوُّعاً بدون إذن زوجها ??53-06

الفصل السابع : الكفَّارات…54-06

أ- الكفَّاَرات بالصيام ??54-06

صيام شهرين متتابعين?? 54-06

أولاً : صيام الظِّهار???.. 54-06

ثانياً : صيام القاتل خطأ?? 54-06

ثالثاً : صيام من جامع زوجته في نهار رمضان ??55-06

صيام عشرة أيام ?56-06

صيام ثلاثة أيام??56-06

أولاً : صيام الحانث في يمينه???56-06

ثانياً : صيام الحانث في نذره ???56-06

صيامٌ غير محدد ، وهو صيام قاتل الصيد وهو محرم?57-06

ب- الكفَّارات بالفدية ???58-06

أولاً : موجبات الكفارة??? 58-06

1- العجز عن الصيام ??56-06

2- الشخص يموت وعليه صيام???60-06

3- الرجل يجامع زوجته في نهار رمضان ، ويعجز عن صوم شهرين متتابعين??60-06

لا فدية على من أخَّر قضاء رمضان لغير عذر حتى أدركه رمضان آخر 60-06

ثانياً : مقدار الفدية ..?61-07

الفصل الثامن : ما يفطِّر الصائم… 62-07

1- قطع نية الصيام???62-07

2- الأكل والشرب عمداً ???62-07

3- الحيض والنفاس???62-07

4- القيء عمداً ???62-07

5- الجماع ???63-07

6- السُّعوط ???63-07

7 - تطبيقات على الطب?.?64-07

الفصل التاسع : ما لا يفطِّر الصائم65-07

القُبلة والمباشرة???65-07

الحِجامة ?? 67-07

الاكتحال ?69-07

السِّواك ???70-01

مسألة ???71-08

مسألة ??71-08

قولُ الزور والغيبة والجهل على الآخرين ??72-08

الفصل العاشر : قيام رمضان وليلة القدر73-08

فضل قيام رمضان وليلة القدر ???73-08

أوصاف ليلة القدر ??74-08

ليلة القدر متى هي ؟ ??? 74-08

الفصل الحادي عشر : الاعتكاف84-09

تعريف الاعتكاف???84-09

حكم الاعتكاف ???84-09

أين يكون الاعتكاف ؟??85-09

متى يكون الاعتكاف ؟ ??86-09

متى يبدأ الاعتكاف ؟ ??? 87-09

مدة الاعتكاف???88-09

هل الصيام شرط في صحة الاعتكاف ؟ ?? 88-09

ما يفعله المعتكف وما لا يفعله ??89-09

الاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان??90-09

اعتكاف النساء ???90-09

الفصل الثاني عشر : زكاة الفطر91-10

حكم زكاة الفطر???91-10

وقت وجوبها ???92-10

وقت إخراجها???92-10

على من تجب زكاة الفطر ؟ ???93-10

الأصناف التي تُجزئ في زكاة الفطر ???96-10

مقدار زكاة الفطر???97-10

مقدار الصاع النبوي??103-11

إلى من تُدفع زكاة الفطر ؟ ???104-11

الفهرس …105-11

.**