**ما يُستحبُّ للصائم أن يفطر عليه :
يستحبُ للصائم أن يفطر على حبَّاتٍ من الرُّطب ، فإن لم توجد انتقل الاستحباب إلى حبَّات من التمر ، فإن لم توجد الحباتُ من التمر انتقل الاستحباب إلى جرعات من ماء ، وله بعد ذلك أن يأكل ما يشاء . ولم يَرِدْ في النصوص تعليلٌ لهذا الترتيب إلا ما جاء في الحديث الأول الآتي بعد قليل بخصوص الماء من أنه طَهور . ولذلك لا يصح أن يخوض الناس في سبب اختيار الرطب أولاً ثم التمر ثانياً ثم الماء ثالثاً ، وإنما يفعلون كل ذلك تعبُّداً وطاعةً فحسب ، فليس صحيحاً تعليلُهم تقديمَ التمر بأن فيه وَفْرةً من السكر وهو ما يفقده الصائم ، فجاء النص يطلب منهم تعويض أبدانهم عن فقده ، أو أن التمر سريع الهضم ، فيسهِّل على الصائم التغذية التي يحتاج إليها وما إلى ذلك من أبحاث لا تقدِّم شيئاً ولا تؤخِّر في أحكام الشرع ، ولو أراد الشرع الحنيف أن يعلِّل لعلَّل ، فلما سكت عن التعليل فقد وجب علينا السكوت عنه ، اللهم إلا أن تُبحث هذه الأمور في باب دلائل النبوة فلا بأس . وهذه طائفةٌ من الأحاديث تتناول هذه المسألةَ :
1- عن سلمان بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذا كان أحدكم صائماً فلْيفطر على التمر ، فإن لم يجد التمر فعلى الماء ، فإن الماء طَهُور } رواه أبو داود ( 2355 ) والنَّسائي والترمذي وابن ماجة وأحمد والدارمي . وصححه ابن حِبَّان والحاكم وأبو حاتم الرازي ، وقال الترمذي [ حديث حسن صحيح ] .
2- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رُطَباتٍ قبل أن يصلي ، فإن لم تكن رُطَبات فعلى تمرات ، فإن لم تكن حسا حَسَواتٍ من ماء } رواه أبو داود ( 2356 ) والترمذي وقال [ حديث حسن غريب ] ورواه أحمد والدارَقُطني وصحَّحه . ورواه الحاكم وصححه وأقرَّه الذهبي . والحُسْوة بالضم : الجُرعة من الشراب . والحَسْوة بالفتح : المرة الواحدة .
3- عن أنس رضي الله عنه قال { ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قط صلى صلاة المغرب حتى يفطر ولو على شَربةٍ من ماء } رواه ابن حِبَّان ( 3504 ) وابن خُزيمة والبزَّار والحاكم والبيهقي والطبراني في المعجم الأوسط ، وإسناده صحيح .
وهذا الحديث الثالث يدل على أن السُّنة في الإفطار تعجيله ، وأنه مقدَّم على صلاة المغرب ، فلا يصلي الصائم إلا بعد أن يفطر .
ما يقوله الصائم إذا أفطر :
إذا فرغ الصائم من عبادة ربه بالصيام وأفطر ، فإن دعاءه عندئذٍ يخرج من فم امتنع طيلة النهار عن الأكل والشرب طاعةً لله وتعبُّداً أي يخرج من فمٍ عابدٍ لربه صابرٍ على الجوع والعطش فاستحق من الله سبحانه أن يستجيب دعاءه . فعلى المسلم عقبَ هذه العبادةِ ، بل وعقبَ كلِّ عبادة أن يحمد ربه وأن يدعوه ، وأن يُخلصَ في الدعاء ، لأن الدعاء آنذاك مقبول مستجاب بإِذن الله . فعن عبد الله بن أبي مُلَيكةَ قال : سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن للصائم عند فِطرهِ لدعوةً لا تُردُّ ، قال ابن أبي مُلَيكةَ : سمعت عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر : اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كلَّ شيء أن تغفر لي }. رواه ابن ماجة ( 1753 ) وسنده صحيح . ورواه الحاكم . ورواه أبو داود الطيالسي دون أن يذكر دعاء ابن عمرو . والذِّكْرُ والدعاء مشروعان بأية صيغة من الصيغ ولكنه بالمأثور أفضل . هذا وقد ورد في الذِّكرِ والأدعيةِ المأثورة عقبَ الصيام وبدء الإفطار ما يلي :
1- عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أفطر قال : ذهب الظمأُ وابتلَّت العروقُ ، وثبت الأجرُ إن شاء الله } رواه النَّسائي في السنن الكبرى ( 3315 ) وأبو داود والحاكم والبيهقي . ورواه الدارَقُطني وقال [ إسناده حسن ] .
2- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قـال { كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صام ثم أفطر ، قال : اللهم لك صمتُ ، وعلى رزقك أفطرتُ … } رواه ابن أبي شيبة ( 2 /511 ) ورواه أبو داود ( 2358 ) والبيهقي من طريق معاذ بن زهرة أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أفطر قال : - فذكر لفظ حديث ابن أبي شيبة - . ومعاذ بن زهرة ويقال معاذ بن أبي زهرة هو من ثقات التابعين .
3- عن أنس بن مالك رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أفطر عند الناس قال : أفطر عندكم الصائمون ، وأكل طعامَكم الأبرارُ ، وتنزلَّت عليكم الملائكة } رواه الدارمي ( 1773 ) وابن أبي شيبة والبيهقي وعبد الرزاق . وفي لفظ ثانٍ عند البيهقي ( 4/240 ) { … وصلَّت عليكم الملائكة } فيستحبُّ للصائم إذا أفطر أن يقول ما يلي [ اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت ، ذهب الظمأ وابتلَّت العروق وثبت الأجر إن شاء الله ] ثم له أن يدعو أيضاً بما شاء . ويعجبني دعاء عبد الله ابن عمرو رضي الله تعالى عنه [ اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كلَّ شيء أن تغفر لي ] فيضمها الصائم إلى دعائه إِن شاء .**