كتاب الجامع لأحكام الصلاة ( الجزء الثاني )

كيفيةُ سجود السَّهو

سجود السَّهو سجدتان اثنتان متتاليتان عاديتان، فيهما ذِكرٌ كحالهما في الصلاة وبينهما جلوس، ولهما تكبير عند الخفض وعند الرفع كالحال في الصلاة، يعقبهما جلوس يسير، ثم تسليم عن اليمين وعن الشمال دون تشهُّدٍ، ويُؤتى بهما قبل التسليم من الصلاة فهذا هو الأصل، ويجوز أن يُؤتى بهما بعد التسليم. وفي كل ذلك وردت النصوص، نأخذ منها ما يلي:

1- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إنَّ أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان فلَبَس عليه حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدُكم فلْيسجد سجدتين وهو جالس» رواه مسلم وأحمد والنَّسائي والترمذي.

2- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العَشِيِّ إما الظهر وإما العصر، فسلَّم في ركعتين، ثم أتى جذعاً في قِبْلة المسجد فاستند إليها مُغْضَباً، وفي القوم أبو بكر وعمر ، فهابا أن يتكلما، وخرج سُرْعانُ الناس: قُصِرت الصلاةُ، فقام ذو اليدين فقال: يا رسول الله أقُصرت الصلاة أم نسيتَ؟ فنظر النبي ïپ² يميناً وشمالاً فقال: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق، لم تصلِّ إلا ركعتين، فصلى ركعتين وسلم، ثم كبَّر ثم سجد، ثم كبَّر فرفع، ثم كبَّر وسجد، ثم كبَّر ورفع، قال: وأُخبرت عن عمران بن حصين أنه قال: وسلَّم» رواه مسلم والبخاري وأحمد والنَّسائي والترمذي. ورواه أبو داود بلفظ «… فصلى الركعتين الباقيتين، ثم سلَّم ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع وكبَّر ثم كبَّر وسجد مثـل سجوده أو أطول، ثم رفع وكبَّر …».

3- عن عبد الله بن بُحَيْنة رضي الله عنه قال «صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين من بعض الصلوات، ثم قام فلم يجلس، فقام الناس معه، فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمَه كبَّر فسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم، ثم سلَّم» رواه مسلم والبخاري وأحمد وأبو داود والنَّسائي.

4- عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدْرِ كم صلى ثلاثاً أم أربعاً، فلْيطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلِّم، فـإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماماً لأربعٍ كانتا ترغيماً للشيطان» رواه مسلم وأحمد والبيهقي وابن حِبَّان. وقد مرَّ قبل قليل.

الحديث الرابع جاء الأمر فيه بالسجود قبل التسليم، والحديث الثالث جاء فيه الفعل منه صلى الله عليه وسلم كذلك، وهذان الحديثان يدلاَّن على أن سجود السهو إنما يكون قبل التسليم، هذه واحدة. أما الثانية فهي أن سجود السهو هو في حقيقته جزءٌ من الصلاة وتتمَّةٌ لها، وليس هو صلاة منفردة مستقلة بذاتها ، فهو من ضمن الصلاة وليس خارجاً عنها، وما دام أنه من الصلاة وجزء منها فإنَّ الأصل إذن أن يقع قبل التسليم، مثله مثل سائر أجزاء الصلاة، ولهذا قلنا إن الأصل في سجود السهو هو أن يكون قبل التسليم. والذي دعانا إلى هذا القول والوقوف عنده هو أن الرأي الآخر القائل بأن سجود السهو يكون بعد التسليم لديه أدلته القوية الصحيحة، وهو رأي وجيه معتبَر بلا شك، ولولاه لذهبنا إلى القول إنه الرأي الصواب وحده دون سواه، ولهذا اكتفينا بالقول إن الأصل في سجود السهو أن يكون قبل التسليم، ويجوز أن يكون بعده. أما أدلة من ذهبوا إلى القول بأن سجود السهو إنما يكون بعد التسليم فهي:

الفصـل الثالـث

الأذان: حكمُها وألفاظُه

فرضُ الأذان وألفاظُه**

فُرِض الأذان في السنة الأولى للهجرة في المدينة المنورة، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال «كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحيَّنــون الصلــوات وليس ينادي بها أحد، فتكلموا يوماً في ذلك، فقال بعضهم: اتَّخِذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: قَرناً مثل قَرن اليهود، فقال عمر: أَوَلا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بلال قم فنادِ بالصلاة» رواه مسلم والبخاري وأحمد والنَّسائي والترمذي. وقد رأى صيغةَ الأذان صحابةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فأقرَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بلالاً ينادي بها بالصلاة، فعن عبد الله بن زيد بن عبد ربه رضي الله عنه قال «لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس لِيُضرَبَ به للناس في الجمع للصلاة - وفي رواية وهو كاره لموافقته النصارى - طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً في يده، فقلت له: يا عبدالله أتبيع الناقوس؟ قال: ما تصنع به؟ قال فقلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلُّك على ما هو خير من ذلك؟ قال فقلت له : بلى، قال تقول:

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر

أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله

أشهد أنَّ محمداً رسول الله، أشهد أنَّ محمداً رسول الله

حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة

حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح

الله أكبر، الله أكبر

لا إله إلا الله

ثم استأخر غير بعيد، ثم قال : تقول إذا أُقيمت الصلاة:

الله أكبر، الله أكبر

أشهد أن لا إله إلا الله

أشهد أنَّ محمداً رسول الله

حيَّ على الصلاة

حيَّ على الفلاح

قد قامت الصلاةُ، قد قامت الصلاةُ

الله أكبر، الله أكبر

لا إله إلا الله

فلما أصبحتُ أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت، فقال : إنها لَرُؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فأَلقِ عليه ما رأيت فَلْيُؤذِّن به فإنه أندى صوتاً منك، قال فقمت مع بلال، فجعلت أُلقيه عليه ويُؤذِّن به، قال فسمع بذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته، فخرج يجر رداءه يقول: والذي بعثك بالحق لقد رأيتُ مثل الذي أُرِي، قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلله الحمد». وعنه من طريق ثان بنحوه - وزاد «ثم أمر بالتأذين، فكان بلال مولى أبي بكر يؤذن بذلك ويدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة، قال، فجاءه فدعاه ذات غداة إلى الفجر فقيل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نائم، قال: فصرخ بلال بأعلى صوته: الصلاةُ خيرٌ من النوم ، قال سعيد بن المسيِّب: فأُدخلتْ هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر» رواه أحمد وابن ماجة وابن خُزَيمة وابن حِبَّان. وأخرج الطريق الثانية أحمد والحاكم.

حديث عبد الله بن زيد هذا يذكر كلمات الأذان - وهو ما كان بلال يؤذِّن به - خمس عشرة، ويذكر كلمات الإقامة إحدى عشرة، وهذا هو ما نذهب إليه ونقول به فبلال رضي الله عنه كان مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم طيلة حياته، وإذن فإن أذان بلال هو المعتبر والأخذ به متعيِّن.

إلا أن عدداً من الأئمة والفقهاء لم يأخذوا بهذا الأذان ، وإنما أخذوا بأذان أبي محذورة، بدعوى أن أبا محذورة تعلَّم الأذان عند فتح مكة في السنة السابعة للهجرة، في حين أن أذان عبد الله بن زيد قد شُرع عند بدء الهجرة، فيكون أذان أبي محذورة متأخراً على أذان عبد الله بن زيد، فوجب عندهم الأخذ به - أعني أذان أبي محذورة.

والناظر في الأحاديث يجد أن الروايات عن أبي محذورة لم تتفق على صيغة واحدة كما هو الحال في الروايات عن عبد الله بن زيد ، فنجد روايةً تأتي بتسع عشرة كلمة، وأخرى تأتي بسبع عشرة. فعن أبي محذورة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علَّمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة، الأذان:

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر

أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله

أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله

أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله

أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله

حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة

حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح

الله أكبر، الله أكبر

لا إله إلا الله

والإقامة:

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر

أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله

أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله

حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة

حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح

قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة

الله أكبر، الله أكبر

لا إله إلا الله»

رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي والترمذي والدارمي. وقد أخذ الإمام الشافعي بهذه الصيغة للأذان، أي بصيغة التسع عشرة كلمة. وعن أبي محذورة «أن نبي الله  علَّمه هذا الأذان.

الله أكبر، الله أكبر

أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله

أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله

ثم يعود فيقول :

أشهد أن لا إله إلا الله ــ مرتين

أشهد أن محمداً رسول الله ــ مرتين

حيَّ على الصلاة ــ مرتين

حيَّ على الفلاح ــ مرتين

زاد إسحق:

الله أكبر ــ الله أكبر

لا إله إلا الله»

رواه مسلم والنَّسائي. وقد أخذ الإمام مالك بهذه الصيغة للأذان، أي بصيغة السبع عشرة كلمة.

وإذن فإن الروايات المروية عن أبي محذورة لم تتفق على صيغة واحدة، في حين أن الروايات المروية عن عبد الله بن زيد قد جاءت بصيغة واحدة، هي صيغة خمس عشرة كلمة للأذان، وهذا مرجِّح معتبر.

ثم إن الناظر المدقق في روايات أبي محذورة يجد أنه يمكن الجمع بينها وبين رواية عبد الله ابن زيد لتصبح الصيغة المشتركة بينها جميعاً خمس عشرة كلمة، وذلك بالقول إن التكرار الوارد في روايات أبي محذورة - أعني تكرار الشهادتين - ليس القصد منه أن يكون ثابتاً مكرَّراً في الأذان كما فهم الكثيرون، وإنما حصل هذا التكرار من أجل التعليم، فالرسول عليه الصلاة والسلام عندما لقَّن أبا محذورة كلمات الأذان، ونطق أبو محذورة بالشهادتين، نطقهما بصوت منخفضٍ مغايرٍ لصوته عند النطق بالتكبير، فأمره بالإعادة وأن يرفع صوته، فظنَّ أن تكرار النطق بالشهادتين مقصودٌ لذاته وليس ذلك كذلك، وإنما هو من فعل معلِّم مع تلميذه عندما يؤدي التلميذُ المطلوبَ منه بشكل خاطئ، فيقوم المعلم بتصحيحه بالأمر بالإعادة، وبهذا الفهم نقوم بالجمع بين روايات أبي محذورة وعبد الله بن زيد بخصوص كلمات الأذان.

استمعوا إلى أبي محذورة وهو يقول إن الرسول صلى الله عليه وسلم «علَّمه هذا الأذان»، «علَّمه الأذان» ووقع في رواية عند النَّسائي «أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال له: اذهب فأذِّن عند البيت الحرام، قلت: كيف يا رسول الله؟ فعلَّمني كما تؤذِّنون الآن بها». ثم إن النَّسائي أورد رواية أخرى ذكر فيها كيف التقى أبو محذورة برسول الله صلى الله عليه وسلم في نفرٍ ببعض طريق حنين، إلى أن قال «… فألقى عليَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم التأذين هو بنفسه، قال قل:

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر

أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله

أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله

ثم قال: ارجع فامْدُد صوتك، ثم قال قل :

أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله

أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله

حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة

حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح

الله أكبر، الله أكبر

لا إله إلا الله،

ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صُرةً فيها شئ من فضة …» . ووقع في رواية لأبي داود «ثم ارجع فمُدَّ من صوتك» وفي رواية لأحمد «ارجع فامْدُدْ من صوتك» وفي رواية لابن ماجة «ارفع من صوتك». فقوله (ارجع) واضح فيه التعليم، وأنه أراد من أبي محذورة أن يتدارك الخطأ في الأداء بالعودة إلى الأداء الصحيح، وهو رفع الصوت ومدُّهُ عند التأذين، وإذن فإن القصد من التكرار هو تصويب الخطأ في الأداء، وليس زيادة كلماتٍ بتكرارها بالأذان، وبهذا الفهم يصبح أذان أبي محذورة كأذان عبد الله بن زيد تماماً خمسَ عشرةَ كلمةً، والجمع بين الأحاديث واجب ما دام ممكناً، وهنا أمكننا أن نجمع بين الروايات المنقولة عن أبي محذورة وعن عبد الله بن زيد. وقد ذهب الأحناف إلى هذا الفهم.

وإذا أُذِّن لصلاة الصبح زيدت كلمة [الصلاةُ خيرٌ من النوم] مرَّتين عقب كلمة [حيَّ على الفلاح] لما جاء في حديث عبد الله بن زيد، ولما روى أبو محذورة رضي الله عنه قال «قلت: يا رسول الله علِّمني سُنَّة الأذان، قال … فإن كان صلاةُ الصبح قلتَ: الصلاةُ خيرٌ من النوم، الصلاةُ خيرٌ من النوم» رواه أبو داود وأحمد وابن حِبَّان والبيهقي وابن خُزيمة. ولما روى أبو محذورة رضي الله عنه قال «كنت أُؤَذِّن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح، فإذا قلتُ: حيَّ على الفلاح قلتُ: الصلاةُ خيرٌ من النوم، الصلاةُ خيرٌ من النوم، الأذان الأول» رواه أحمد والنَّسائي والبيهقي. ولما رُوي عن أنس أنه قال «من السُّنَّة إذا قال المؤذن في أذان الفجر: حيَّ على الفلاح، قال: الصلاة خير من النوم» رواه ابن خُزيمة والدار قطني.

هذه هي كلمات الأذان المختار فحسب، فيُوقف عندهــا ولا يُزاد عليهــا من مثل [حيَّ على خير العمل] عقب [حيَّ على الفلاح]، ومن مثل الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر الأذان ، فهذه الزيادات وأمثالها لم تصحَّ فيها أحاديثُ فتترك، ولا ينبغي أن يُلحِق المؤذِّنُ بالأذانِ الصلاةَ على الرسول صلى الله عليه وسلم بحجة ما رواه عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ، ثم صلُّوا عليَّ … » رواه مسلم. وسيمرُّ بتمامه قريباً، فإن هذا النص لا دلالة فيه على ذلك، وإنما يدل على أن الصلاة هذه يقولها من سمعوا الأذان وليس المؤذن نفسه، فإن أحب المؤذن أن يقولها فلا بأس بشرط أن لا يجعلها من صيغة الأذان، وإنما يقولها في نفسه ولا يرفعها بصوت عال.

أفضل المساجد

كل المساجد تستوي في الفضل إلا أربعة ، فإن لها مزيد فضل، وهذه المساجد مرتَّبةً حسب الفضل هي: المسجد الحرام بمكة والصلاة فيه تعدل مائة ألف صلاة، والمسجد النبوي بالمدينة والصلاة فيه تعدل ألف صلاة، والمسجد الأقصى بالقدس واختلفت الروايات في فضل الصلاة فيه، فورد أن الصلاة فيه تعدل ألف صلاة، وورد أن الصلاة فيه تعدل خمسمائة صلاة، ثم مسجد قُباء بالمدينة، والصلاة فيه تعدل عُمرة. والمساجد الثلاثة الأولى هي وحدها التي تُشَدُّ إليها الرِّحال، أي يُسافَر إليها قصدَ العبادة فيها والصلاة، ولا يُشرع السفر قصدَ العبادة إلى غيرها من المساجد، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا تُشدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجدِ الحرام، ومسجدِ الرسول صلى الله عليه وسلم، ومسجدِ الأقصى» رواه البخاري. وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «صلاةٌ في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاةٌ في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه» رواه ابن ماجة. وعن ميمونة مولاةِ النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت «قلت: يا رسول الله أَفتِنا في بيت المقدس، قال: أرض المَحْشَر والمَنْشَر ائتوه فصلُّوا فيه، فإن صلاةً فيه كألف صلاة في غيره، قلت: أرأيت إن لم أستطع أن أتحمَّل إليه؟ قال: فتهدي له زيتاً يُسرَج فيه، فمن فعل ذلك فهو كمن أتاه» رواه ابن ماجة . قوله أتحمَّل إليه: أي أرتحل إليه. وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة ، وفي مسجدي ألف صلاة، وفي مسجد بيت المقدس خمسمائة صلاة» رواه البزَّار. وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أن سليمان بن داود سأل الله تبارك وتعالى ثلاثاً، فأعطاه اثنتين، وأرجو أن يكون قد أعطاه الثالثة، سأله مُلْكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده فأعطاه إياه، وسأله حكماً يُواطئ حكمَه فأعطاه إياه، وسأله مَن أتى هـذا البيت يريد بيت المقدس لا يريد إلا الصلاة فيه أن يخرج منه كيوم ولدته أمُّه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأرجو أن يكون قد أعطاه الثالث» رواه ابن حِبَّان. وعن أسيد بن ظهير الأنصاري رضي الله عنه - وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - يُحدِّث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «صلاةٌ في مسجد قُباء كعُمْرةٍ» رواه ابن ماجة. ورواه الترمذي بلفظ «الصلاة في مسجد قُبا كعُمْرةٍ» بدون الهمزة.

الصلاةُ على غير الأرض

تجوز الصلاة على أي شئ طاهر، تراباً كان أو صخراً أو ثلجاً أو خشباً أو بساطاً كان أو حصيراً أو ثياباً أو فراشاً دون فارق بينها، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال «سأل النبي صلى الله عليه وسلمعن الصلاة في السفينة ؟ فقال: كيف أصلي في السفينة ؟ فقال: صلِّ فيها قائماً إلا أن تخاف الغرق» رواه البزار. والصلاة في السفينة هي صلاة على الخشب . وعن أبي سعيد رضي الله عنه «أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم قال: فرأيته يصلي على حصير يسجد عليه …» رواه مسلم. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في بيت أُمِّ حرامٍ على بساط» رواه أحمد والبيهقي. وعنه رضي الله عنه قال «كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدُنا أن يُمكِّن وجهه من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه» رواه البخاري ومسلم. وروت عائشة رضي الله عنها «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي، وهي بينه وبين القِبْلة ، على فراشِ أهله اعتراض الجنائــز» رواه البخاري. وروى البخاري أن ابن عمر رضي الله عنه صلى على الثلج.

ألصلاة علـى الكرسـي

منذ سني التسعينيات من القرن المنصرم انتشرت ظاهرة الصلاة على الكراسي في المساجد وفي البيوت، حتى لم تعد ترى مسجداً يخلو من أعدادٍ من الكراسي المعدَّة للصلاة، ولم تكن هذه الظاهرة تُلحظ قبل ذلك إلا نادراً، والسؤال هنا هو ما حكم الصلاة على الكرسي، وهل من دليل شرعي على جوازها؟ وللجواب على هذا السؤال أقول ما يلي: باستعراض النصوص ذات العلاقة بهذه المسألة نتبين أن الصلاة على الكرسي غير مشروعة في صلاة الفريضة أو المكتوبة، وجائزة ومشروعة فقط في صلاة التطوع أو النافلة، وللمريض الذي إذا جلس على الأرض لا يستطيع السجود على الأرض. وهذه هي الأدلة :

أ - عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته حيث توجهت، فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة » رواه البخاري ومسلم.

ب - عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبِّح وهو على راحلته، ويومئ إيماءً قِبَلَ أيَّ وجهٍ توجَّه، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة» رواه البيهقي والبخاري ومسلم.

ج - عن سالم بن عبدالله عن أبيه - عبدالله بن عمر - رضي الله عنه قال « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبِّح على الراحلة قِبلَ أيِّ وجهٍ توجَّه ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة » رواه مسلم والبخاري.

تدل هذه الأحاديث الثلاثة على وجود فارق في الصلاة بين المكتوبة والتطوع، هذا الفارق هو أن صلاة التطوع - وعُبِّر عنها بالتسبيح في الحديثين ب ، ج - يصح تأديتها على ظهر الدابة، بينما يتوجب أداء الفريضة على الأرض ، وطبعاً على هيآتها المعلومة، «فإذا أراد الفريضة نزل» «ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة» «غير أنه لا يصلي عليها - أي على الدابة - المكتوبة» وهذه نصوص بالغة الوضوح على أن صلاة الفريضة لا تؤدَّى إلا على الأرض، ولا يُشرع أداؤها على ظهر الدابة .

وحيث أن الجلوس على ظهر الدابة والجلوس على الكرسي شئ واحد وفعل واحد، لأن كلا الفعلين جلوس المرء على مقعدته وترك رجليه تتدليان إلى أسفل، فإن هذين الفعلين يشتركان في حكم شرعي واحد، وأن ما ينطبق على أحدهما ينطبق على الآخر، هذا الحكم الشرعي هو الجواز والإباحة في صلاة التطوع فحسب، فمن أراد أن يصلي تطوعاً ونافلةً جاز له ذلك وهو جالس على الكرسي، كما جاز له ذلك وهو جالس على ظهر دابة سواء بسواء، وتكون صلاته صحيحة متقبَّلة .

أما صلاة الفريضة أو المكتوبة فلم يُشرع أداؤها على ظهر الدابة، كما لم يشرع أداؤها على الكرسي، لأن الفعلين فعل واحد في واقعهما، ولم يُرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى الفريضة أبداً وهو على ظهر دابته، أو وهو جالس على كرسي، وإنما جاءت النصوص تذكر فقط أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي على ظهر دابته صلاة التطوع فحسب. وليس ذلك فقط، وإنما تذكر هذه النصوص أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يصلي الفريضة وهو راكبٌ دابته نزل عنها وصلاها على الأرض، ولو كانت صلاة الفريضة تصح على ظهر الدابة لأدَّاها ولو مرة واحدة ليدل ذلك على الجواز، فلما لم يفعل ذلك مرة واحدة، والتزم في كل مرة بأداء المكتوبة على الأرض فإن ذلك دليل واضح على أن الصلاة المكتوبة تُؤدَّى على الأرض فحسب .

أما لماذا جعلنا الجلوس على ظهر الدابة كالجلوس على الكرسي وأعطيناهما حكماً واحداً غير ما مرَّ، فالجواب عليه ما رواه معاذ بن أنس ، وكان من أصحاب رسول الله ، أنه ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «اركبوا هذه الدواب سالمةً وابتدعوها سالمةً ، ولا تتخذوها كراسي» رواه أحمد والدارمي والطبراني والحاكم وأبو يعلى. وفي رواية أخرى لأحمد بلفظ «إركبوها سالمة ودعوها سالمة، ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق …» فقد ذكر لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ركوب الدابة هو اتخاذها كرسياً، وأن الجلوس على ظهور الدواب هو جلوس على الكراسي، وبذلك يكون قد ثبت لنا واقعياً وشرعياً أن ركوب الدواب والجلوس على الكراسي فعل واحد، وبالتالي يكون قد ثبت لنا أن ما ينطبق على أحدهما ينطبق على الآخر دون أي فارق، وأن حكم أحدهما هو حكم الآخر تماماً .

والخلاصة هي أن الصلاة على الكرسي جائزة ومشروعة فقط في صلاة التطوع، وغير جائزة وغير مشروعة في صلاة الفريضة، وهذا الحكم عامٌّ ينطبق على السليم كما ينطبق على المريض، فكما أن السليم يصلي الفريضة على الأرض فإن المريض يتوجب عليه هو الآخر أن يصلي الفريضة على الأرض.

ونقف هنا وقفة عند صلاة المريض فنقول: إن الأصل في المريض أن يمكِّن جبهتَه من الأرض في سجوده، سواء كان يصلي واقفاً كالسليم أو جالساً إن كان لا يقوى على الوقوف، إلا أنْ لا يتمكن هذا المريض من السجود على الأرض فيومئ عندئذٍ إيماءً ، وهذا الموضوع تجدونه مفصَّلاً في بحث [صلاة المريض ] في [الفصل العاشر ] فلا نعيد.

فالمريض ينبغي عليه أن يسجد على الأرض في كل أحواله إن كان قادراً على ذلك، ولا عذر له بترك السجود على الأرض إلا في حالة عدم تمكُّنِهِ من ذلك، وبدون هذه الحالة فإنه مطالَبٌ بالسجود على الأرض، فإن ترك السجود ولم يُؤدِّه على الأرض فقد بطلت صلاته إلا في حالة عجزه عن ذلك كما أسلفنا.

وهنا نقول بخصوص صلاة المريض على الكرسي ما يلي:هذا المريض الجالس على الكرسي في صلاة الفريضة يُنظَرُ فيه فإن كان يستطيع السجود على الأرض في أية كيفية من كيفيات الجلوس كالجلوس متربعاً أو مفترشاً أو متورِّكاً فإنه لا يعذر بترك السجود مطلقاً ، وعندئذٍ لا تصح صلاته على الكرسي لأن هذه الصلاة لا يستطيع المريض فيها من السجود على الأرض، فصلاته على الكرسي تحول بينه وبين أداء السجود الواجب عليه والقادر عليه. أما إن كان المريض لا يقوى على السجود على الأرض مطلقاً مهما حاول ذلك واتخذ أوضاعاً عدة لجلوسه، فعندها، وعندها فقط يجوز له أن يصلي على الكرسي، لأن صلاته على الكرسي لم تحُلْ دون قيامه بالسجود على الأرض الذي لم يَعُدْ يقوى عليه، فهي رخصة له أرجو الله سبحانه أن يقبلها منه .

أدب المسجد

المسجد بيت لله عزَّ وجلَّ، فعلى مَن يزوره أن يتأدَّب فيه، ويراعي جملة من الآداب الشرعية، وأول هذه الآداب التَّجمُّل في اللباس والهيئة والتعطُّر، واجتنابُ أكلِ ما تنبعث منه روائح تؤذي المصلِّين، قال تعالى ïپ‌يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِيْنَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ … ïپ? الآية 31 من سورة الأعراف. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي ïپ² قال «من أكل من هذه البقلة الثوم، وقال مرة: من أكل البصل والثوم والكُرَّاث فلا يقربَنَّ مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» رواه مسلم.

ويُسنُّ الدخول إلى المسجد مبتدئاً بالرِّجل اليمنى، والخروج منه مبتدئاً باليسرى لما رُوى عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه كان يقول «من السُّنَّة إذا دخلتَ المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى» رواه الحاكم.

وتقول عند الدخول [بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك] وإن زِدْتَ على ذلك بالقول [أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم] فهو خير. وتقول إذا خرجت [اللهم صلِّ وسلِّم على رسول الله ، اللهم إني أسألك من فضلك] وإن زدت بالقول [اللهم اعصمني مِن الشيطان الرجيم، أو: اللهم أَجِرني من الشيطان الرجيم] فهو خير ، فعن أبي حميد أو أبي أسيد قال: قال رسول الله ïپ² «إذا دخل أحدكم المسجد فلْيقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فلْيقل: اللهم إني أسألك من فضلك» رواه مسلم. ورواه الدارمي بلفظ «إذا دخل أحدكم فليُسلِّم على النبي، ثم ليقل …». ورواه ابن ماجة من طريق أبي هريرة، فزادا التسليم على رسول الله ïپ². وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ïپ² قال «إذا دخل أحدكم المسجد فلْيصلِّ على النبي ïپ²، وليقُل: اللهم أَجِرني من الشيطان الرجيم» رواه الحاكم. فزاد الصلاة على رسول الله ïپ². وروى عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ïپ² «أنه كان إذا دخل المسجد قال: أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم قال: أَقط؟ قلت: نعم، قال: فإذا قال ذلك قال الشيطان حُفِظ مني سائر اليوم» رواه أبو داود. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ïپ² قال «إذا دخل أحدكم المسجد فليسلِّم على النبي ïپ² ولْيقُل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فلْيسلِّم على النبي ïپ² وليقل: اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم» رواه ابن ماجة. ورواه ابن حِبَّان بلفظ «اللهم أَجِرْني» بدل «اللهم اعصمني».

ويُسن خفض الصوت في المسجد، فلا يرفع المسلم صوته بحديثٍ ولا بدعاءٍ ولا بقراءة القرآن، ولو كان ذلك في أثناء صلاته الفردية، وذلك حتى لا يشوِّش على غيره من المصلِّين، فعن البياضــي «أن رســول الله ïپ² خــرج على الناس وهم يصلُّون، وقد علت أصواتُهم بالقراءة فقال: إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعضٍ بالقرآن» رواه مالك وأحمد. وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال «اعتكف رسول الله ïپ² في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر وقال: ألا إنَّ كلَّكم مناجٍ ربه، فلا يؤذينَّ بعضكم بعضاً، ولا يرفع بعضكم على بعضٍ في القراءة - أو قال - في الصلاة» رواه أبو داود وأحمد والبيهقي وابن خُزَيمة.

أما إن خلا المسجد من ناسٍ يصلون، أو كان المصلون بعيدين عنه فلا بأس بأن يرفع صوته فيه، فعن كعب «أنه تقاضى ابن أبي حَدرَدٍ دَيْنَاً كان له عليه فــــي المسجــد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ïپ² وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سِجْفَ حجرته، فنادى: يا كعب، قال: لبيك يا رسول الله، قال: ضع من دَينك هذا، وأومأ إليه، أي الشطر، قال: لقد فعلتُ يا رسول الله ، قال: فقم فاقضه» رواه البخاري ومسلم. فقد ارتفعت أصواتهما في المسجد فلم ينكر عليهما الرسول ïپ² ذلك .

ويُكره التشبيك بين الأصابع في المسجد لما رُوي أنَّ كعب بن عُجرة قال «دخل عليَّ رسول الله ïپ² المسجد، وقد شبَّكت بين أصابعي، فقال لي: يا كعب إذا كنت في المسجد فلا تُشبِّك بين أصابعك، فأنت في صلاة ما انتظرت الصلاة» رواه أحمد. ولما رُوي عن أبي هريرة أنه قال: قال أبو القاسم ïپ² «إذا توضأ أحدكم في بيته، ثم أتى المسجد، كان في صلاة حتى يرجع، فلا يقل هكذا، وشبَّك بين أصابعه» رواه الحاكم وابن خُزَيمة. ولما رُوي عن أبي سعيد الخُدري أن رسول الله ïپ² قال «إذا كان أحدُكم في المسجد فلا يُشبِّكنَّ ، فإن التشبيك من الشيطان، وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد حتى يخرج منه» رواه أحمد.

ويكره اتخاذ المسجد للبيع والشراء، كما يُكره عقدُ الحلقات فيه يوم الجمعة قبل الصلاة، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن النبي ïپ² نهى عن التحلُّق يوم الجمعة قبل الصلاة، وعن الشراء والبيع في المسجد» رواه النَّسائي.

ويحرم التنخم والبصاق في أرض المسجد وجدرانه، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي ïپ² «البُزاق في المسجد خطيئة وكفَّارتها دفنُها» رواه البخاري ومسلم وابن خُزَيمة وأحمد وأبو داود.

فالتشويش بكلامٍ وإلحاق الأذى بإلقاء القاذورات وأمثال ذلك منهيٌّ عنه، ويشتدُّ النهي عند إقامة الصلوات، أما ما سوى ذلك مما لا يعدُّ تشويشاً، وما ليس فيه تحقيرٌ للمسجد مخالفٌ لواجب احترامه والتأدب فيه فلا بأس به.

وقد وردت أعمال وأمور عديدة مما فعلها رسول الله ïپ² وصحابته في المسجد كدليل على جوازها، نجتزئ منها ما يلي [النوم، والأكل، والتَّصدُّق على الغير، والتقاضي، واللعب المباح، ومداواة المرضى والجرحى] وهذه أدلتها:

أ- عن عباد بن تميم عن عمه «أنه رأى رسول الله ïپ² مستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى» رواه البخاري وأحمد ومسلم.

ب - عن سهل بن سعد قال «جاء رسول الله ïپ² بيت فاطمة فلم يجد علياً في البيت، فقال: أين ابن عمك؟ قالت: كان بيني وبينه شئ فغاضبني فخرج، فلم يَقِلْ عندي، فقال رسول الله ïپ² لإنسان: انظر أين هو، فجاء فقال: يا رسول الله هو في المسجد راقد، فجاء رسول الله ïپ² وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شِقِّه وأصابه تراب، فجعل رسول الله ïپ² يمسحه عنه ويقول: قم أبا تراب، قم أبا تراب» رواه البخاري.

ج - عن عبد الله بن الحارث الزبيدي قال «كنا نأكل على عهد رسول الله ïپ² في المسجد الخبز واللحم» رواه ابن ماجة.

د - عن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ïپ²: «هل منكم أحد أطعم اليوم مسكيناً؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: دخلت المسجد فإذا أنا بسائلٍ يسأل، فوجدت كِسرة خبز في يد عبد الرحمن ، فأخذتها منه فدفعتها إليه» رواه أبو داود.

هـ - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال «اليهودُ أتَوْا النبي ïپ² وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم في رجلٍ وامرأة زنيا منهم» رواه أبو داود. وقد مرَّ قبل قليل تقاضي كعب وابن أبي حَدرَد، وقضاء الرسول ïپ² في ذلك.

و - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال« دخل رسول الله ïپ² المسجد والحبشة يلعبون فزجرهم عمر، فقال النبي ïپ²: دعهم يا عمر فإنهم بنو أرفِدة» رواه أحمد. والمقصود بقوله بنو أرفِدة: أن اللعب عادة هؤلاء الناس.

ز - عن عائشة رضي الله عنها قالت «أُصيب سعد يوم الخندق في الأكحل، فضرب النبي ïپ² خيمةً في المسجد ليعوده من قريب …» رواه البخاري.

ولو علِمنا أن المسجد كان مكان سكنٍ لفقراء المسلمين، وهم المُسمَّون بأهل الصُّفَّة، لأدركنا أنَّ كل الأعمال التي يُقام بها في البيوت مما له علاقة بالعيش، جائزٌ فعلُها فيه، ولو تذكَّرنا أن رسول الله ïپ² - وهو رئيس الدولة - كان يتخذ المسجد دار حكم يدير فيه شؤون دولته من عقد الرايات، وبعث السرايا والبعوث، وربط الأسرى واستقبال الوفود، وتوزيع الأموال، وتصفُّح أعمال الولاة والعمال والموظفين، وتعليم المسلمين أحكام دينهم، لأدركنا أنَّ كل أعمال المسلمين من رعايا وحكام جائزٌ فعلُها في المسجد، ويُخْطِئ مَن يَقْصُر المساجد على أداء الصلوات ومتعلقاتها فحسب.

أما ما عليه المساجد وما يفعله المسلمون فيها في أيامنا المعاصرة من تشييدٍ وزخرفةٍ، وتعليقِ آيات القرآن الكريم وكتابتها على الجدران، وتنميقِ المنابر والمحاريب، بحيث تبدو كالقصور الفخمة وقاعات الاستقبال في جمالها وزخارفها، فهو خلاف السنَّة، وربما وصل إلى حد الحرمة، وذلك لأن مثل هذه الأمور تفتن المُصلَّين وتشغلهم وتُلهيهم عن الصلوات وما فيها من خشوع.

وأُنوِّه هنا بتعليق أسماء الله سبحانه وآياتِ القرآن الكريم وكتابتها على الجدران والمحاريب والمنابر، فأقول إنَّ هذه أمورٌ ما عُهدت في زمن الرسول ïپ²، ولا في زمن الخلفاء الراشدين، ولو كان فيها الخير، أو لو كانت مستحبَّةً لسبقونا إليها، وهم السبَّاقون إلى كل فضل وفضيلة، لهذا فإن المساجد ينبغي أن تخلو من كل هذه الكتابات والزخارف لتعود إلى بساطتها الأولى، فقد روى ابن عباس رضي الله عنه عن النبي ïپ² «ما أُمرتُ بتشييد المساجد. قال ابن عباس: لَتُزَخْرِفُنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى» رواه أبو داود. وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ïپ²: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد» رواه أحمد والدارمي. وروت أُم عثمان بنت سفيان أن النبي ïپ² قال « … إنه لا ينبغي أن يكون في البيت شئ يُلهي المُصلِّين» رواه أحمد. والبيت هنا هو المسجد الحرام.

الفصل الثاني

المساجدُ وأماكن الصلاة

فضلُ المساجد

إن مما تفضَّل الله به على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين أن جعل لهم الأرض كلها مسجداً دون الأمم الماضية يُؤدُّون فيها صلواتهم حيثما حلوا أو ارتحلوا، وهذه توسعةٌ ما بعدها توسعةٌ، فعن حذيفة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فُضِّلنا على الناس بثلاث: جُعِلتْ صفوفُنا كصفوف الملائكة وجُعِلت لنا الأرضُ كلُّها مسجداً، وجُعِلت تربتها لنا طَهُوراً إذا لم نجد الماء، وذكر خَصلة أخرى» رواه مسلم. وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «جُعِلت لي الأرض طَهوراً ومسجداً، فأيُّما رجلٍ أدركته الصلاة فلْيصلِّ حيث أدركته» رواه أحمد. وكلمة ـ مسجد ـ هنا تعني مكان السجود، أي مكان الصلاة، فأية بقعة من الأرض صلحت للصلاة عليها جاز إطلاق كلمة مسجد عليها.

أما المسجد، وهو المكان المُعدُّ والمخصَّص للعبادة، فقد ورد في فضله الكثير من النصوص نذكر منها على سبيل المثال قوله تعالى إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ … الآية 18 من التوبة. فقد نسب الله سبحانه وتعالى المساجد إليه، وجعل عُمرانها دليلاً على الإيمان به وباليوم الآخر. وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلمأنه قال «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قلت: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: المساجد، قلت: وما الرَّتع يا رسول الله؟ قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» رواه الترمذي. وكفى بهذا الوصف فضلاً. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «مَن غدا إلى المسجد وراح أعد الله له نُزُلَه من الجنة كلما غدا أو راح» رواه البخاري وأحمد. وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من راح إلى مسجد جماعة ، فخطوتاه خطوة تمحو سيئة، وخطوة تكتب حسنة ، ذاهباً وراجعاً» رواه ابن حِبَّان وأحمد والطبراني. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من تطهَّر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطوتاه: إحداهُما تحطُّ خطيئة، والأخرى ترفع درجة» رواه مسلم وابن حِبَّان والبيهقي. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «سبعةٌ يُظلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه … ورجلٌ قلبُه مُعَلَّق في المساجد …» رواه البخاري.

أما بناء المساجد فهو شرف وفضل يجزي الله سبحانه عليه الجزاء الأوفى، فعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول «من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة» رواه البخاري ومسلم وأحمد. وهذا لا  يعني أن بناء المساجد هي من التكاليف الفردية، بل إن هذه المهمة هي من الواجبات المفروضة على الدولة الإسلامية، وللمسلمين بعدئذٍ أن يساهموا في بناء المساجد من أموالهم الخاصة.

الذهاب إلى المسجد

يُستحب لمن سمع الإقامة في المسجد أو عرف حصولها أن يسعى للمسجد بسكينة ووقار ولا يسرع في المشي، ولْيعلم أنه ما دام ساعياً وماشيـاً فهو في صلاة، أي في حكم المصلي، فيستحب له أن يعتمد ما ينبغي للمصلي اعتماده، ومنه السعي بالسكينة والهدوء وعدم العجلة، فما أدركه من صلاة الجماعة صلاه معهم، وما فاته منها أتمه وحده، فعن أبي قتادة رضي الله عنه قال «بينما نحن نصلي مع النبيصلى الله عليه وسلم، إذ سمع جَلَبَةَ رجالٍ فلما صلى قال: ما شأنُكم؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة، قال: فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتِمُّوا» رواه البخاري ومسلم وأحمد. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم بالسكينة والوقار ولا تُسرعوا، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود وابن ماجة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إذا ثُوِّبَ للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعَوْن، وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتمُّوا، فإنَّ أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة» رواه مسلم.

يتبع …أدب المسجد

متفرقات

فضل صلاتي الصبح والعصر

قلنا في بحث [وقت صلاة العصر] إن الله سبحانه قد خص صلاة العصر بمزيد ذكرٍ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خـص صلاة العصر بمزيد ذكــرٍ وتفضيل، ونقـول هنا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكر لصلاتي الصبح والعصر فضلاً مشتركاً زائداً على فضل سائر الصلوات، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون» رواه مسلم. ورواه أحمد والبخاري والنَّسائي وابن خُزَيمة باختلاف في الألفاظ.

قضاء الصلاة الفائتة

إذا خرجت الصلاة عن وقتها اعتُبرت فائتة، والفائتة قد تكون لنسيانٍ أو لنومٍ، وقد تكون لتقصيرٍ متعمَّد، فإن كانت الصلاة قد فاتت لنوم أو لنسيان، فيجب أداؤها على النحو التالي:

1- تُؤدَّى صلاة النوم والنسيان وقت الاستيقاظ مباشرة ووقت تذكُّرِها، لأن ذلك هو وقتها لا يحل تأخيرها عنه، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فلْيصلِّها إذا ذكرها فإن الله يقول: أَقِم الصلاة لذكري» رواه مسلم وأحمد.

2- إذا أراد المسلم أداء صلاة منسيَّة فائتة لتشاغلٍ أو نوم في وقت صلاة مكتوبة لم يُصلِّها بعدُ، قدَّم الصلاة الفائتة، ثم صلى المكتوبة ، فقد روى جابر بن عبد الله رضي الله عنه «أن عمر بن الخطاب يوم الخندق جعل يسب كفار قريش وقال: يا رسول الله ما كدتُ أن أُصلي العصر حتى كادت أن تغرب الشمس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فوالله إن صليتُها، فنزلنا إلى بُطْحان، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوضأنا، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب» رواه مسلم. وهذه الصلاة الفائتة لنوم أو نسيان وتشاغل إن أُدِّيت على النحو السابق لم يلحق صاحبها إثم، لأن صاحبها بأدائـه لها يكون قد كفَّر عن صلاته الفائتة هذه، فقد روى أنس رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال «مَن نسي صلاةً فلْيُصَلِّها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك - قال قتادة صلى الله عليه وسلم

( و أقِم الصَّلاةَ لِذِكْرِي)» رواه مسلم والبخاري وأحمد.

أمَّا من فاتته صلاةٌ بتقصيرٍ متعمَّد دون عذر شرعي، فإنه يأثم إثماً عظيماً ويحتاج عند ذلك إلى توبة نصوحٍ من ذنبه الكبير هذا، وهذه الصلاة الفائتة لا كفارة لها، لأن الكفارة لا تكون إلا لفوات صلاة بسبب شرعي كنوم أو نسيان وغفلة لا غير، وإذا قضى هذا المقصِّر صلاته الفائتة، فإن الإثم الذي لحقه لا يسقط عنه، وأرجو أن ينتفع من القضاء هذا، وأن يكون ذلك دالاً على صدق توبته.

وإذا كان قضاء المسلم لصلواته الفائتة في حالة الترك المتعمد لا يُسقط الإثم عنه، فأحرى بقضاء غيره عنه في حالة وفاته وعليه صلواتٌ متروكة أن لا يُسقط الإثم عنه، فالصلاة المقبولة تكون من صاحبها وتكون في وقتها، قال تعالى (إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ على المؤْمِنِيْنَ كِتَابَاً مَوْقُوْتَاً) الآية 103 من سورة النساء. ولم يثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أمر بأن يقضي المسلم صلاة فائتة عن غيره المسلم، أو أن أحداً قضى عن مسلمٍ صلاةً فائتة وأقرَّه الرسول صلى الله عليه وسلم على فعله، والعبادات توقيفية لا يصح فيها القياس إلا إذا وُجدت العلة الظاهرة في النص.

أما عن كيفية صلاة الفائتة فكما يلي: من صلى الفائتة صلاها على حالها وعلى هيئتها كما لو كانت غير فائتة وفي وقتها، فيصليها كما هي من حيث الجهر والإسرار والإقامة والجماعة، فلو فاتته صلاة الصبح وصلاها في النهار عقِبَ طلوع الشمس، شُرع له أن يقيم ويصليها جهرية ويصليها في جماعة، وإن فاتته صلاة العصر وذكرها في الليل صلاها بإقامةٍ صلاةً سِرِّية، وصلاها في جماعة، فعن أبي قتادة رضي الله عنه في قصة نومهم عن صلاة الفجر قال «… ثم أذَّن بلالٌ بالصلاة، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ثم صلى الغداة، فصنع كما كان يصنع كل يوم» رواه مسلم. والمقصود بالركعتين ركعتا السُّنَّة لصلاة الفجر، والمقصود بالغداة صلاة الفجر.

وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال «حُبِسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب هُوِيَّاً، وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، فلما كُفينا القتال، وذلك قوله (فَى اللهُ المؤْمِنِيْنَ القِتَـالَ وكانَ اللهُ قَوِيَّاً عَزِيْزَاً) أَمـــر النبــي صلى الله عليه وسلم بلالاً فأقام الظهر، فصلاها كما يصليها في وقتها، ثم أقام العصر فصلاها كما يصليها في وقتها، ثم أقام المغرب فصلاها كما يصليها في وقتها» رواه أحمد والنَّسائي وابن خُزَيمة.

والأذان في هذه الحالة يُشرع عندما تُشغَلُ الجماعةُ أهلُ المِصر عن الأذان في الوقت نتيجةَ حرب، كما حصل مع الرسول صلى الله عليه وسلم وجماعة المسلمين في المدينة المنورة في معركة الخندق، أو يُشْغَل أهلُ بلد عن الأذان نتيجة كارثة زلزالٍ مدمِّر أو طوفان مثلاً، فيؤذن عند إقامة الصلاة الفائتة، أما إن أذَّنت الجماعة القاطنة في بلد، وأراد صاحب الفاتئة أن يصلي في غير وقتها المعتاد فلا يحتاج لأذان، وتكفيه الإقامة فحسب.

النومُ قبل صلاة العشاء والسَّمَرُ بعدها

يُكرَه النومُ قبل العشاء والسَّمَرُ بعدها، فالمسلم يُندب له أن لا ينام قبل أن يصلي صلاة العشاء، وإذا صلاها كُره له أن يسمُر ، ونُدب له أن ينام بعدها، فعن أبي بَرزةَ رضي الله عنه قال «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها» رواه البخاري والترمذي. ورواه أبو داود وابن ماجة جزءاً من حديث. وعنه رضي الله عنه قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبالي بعض تأخير صلاة العشاء إلى نصف الليل، وكان لا يحب النوم قبلها ولا الحديث بعدها» رواه مسلم.

ويباحان لحاجة مثل أن ينام في مصلاه منتظراً الصلاة، فقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلمينامون في المسجد ينتظرون الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن أنس رضي الله عنه قال «أخَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء ذات ليلة إلى شطر الليل، أو كاد يذهب شطْرُ الليل، ثم جاء فقال: إن الناس قد صلوا وناموا، وإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة …» رواه مسلم والبخاري.

ومثل أن يكون مسافراً أو يريد مزيد صلاة أو ما شاكل ذلك، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا سَمَرَ بعد الصلاة، يعني عشاء الآخرة، إلا لأحدِ رجلين: مُصلٍّ أو مسافر» رواه الطبراني، ذكر ذلك الهيثمي، وقال (رجاله ثِقات).

ومثل أن يكون عليه عمل يتطلب منه إنجازه فلا بأس، لما رُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمُر مع أبي بكر في الأمر مِن أمر المسلمين وأنا معهما» رواه الترمذي وأحمد.

يتبع : الفصل الثاني - المساجدُ وأماكن الصلاة

ـ5 ــ وقت صلاة الفجر:

يبدأ وقت صلاة الفجر، أو صلاة الصبح، أو صلاة الغداة، من انشقاق الفجر الصادق إلى أن تطلع الشمس - أي إلى أن يظهر أول جزء منها - فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح …» رواه مسلم.

والمسلم بالخيار بين التبكير بها في أول وقتها - وهو المسمى بالتَّغْليس - وبين الإسفار - وهو تأخيرها إلى قُرْب نهاية وقتها - فعن أنس رضي الله عنه قال «سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن وقت صلاة الغداة، فصلى حين طلع الفجر ثم أسفر بعد، ثم قال: أين السائل عن وقت صلاة الغداة؟ ما بين هذين وقت» رواه البزَّار. ولكن التغليس، أي التبكير، أفضل قليلاً، فعن عائشة رضي الله عنها «كنَّ نساءُ المؤمنات يشهدن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر متلفِّعات بمُرُوطِهنَّ، ثم ينقلبن إلى بيوتهنَّ حين يقضين الصلاة، لا يعرفهنَّ أحدٌ من الغَلَس» رواه البخاري وأحمد ومسلم. وعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنـه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «…صلى الصبح مرةً بغَلَسٍ، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التَّغليس حتى مات، ولم يعُد إلى أن يُسْفِر» رواه أبو داود . ورواه ابن حِبَّان وابن خُزَيمة والبيهقي جزءاً من حديث طويل.

فالتغليس أفضل ، خاصةً في ليالي الشتاء الطويلة التي يأخذ النائم فيها حاجته من النوم، أما في ليالي الصيف فلو أسفر فيها المصلي بصلاة الفجر لأحسن صنعاً، لأن الليل قصير والناس ينامون، فيمهلهم الإمام حتى يدركوا الصلاة. أمَّا ما ورد من أحاديث تأمر بالإسفار، وأنه أعظم للأجر، فإنها تُحمَل على معنى آخر غير التأخير، هو التحقُّق والتثبُّت من حلول الفجر.

إذا أخَّر الإمام الصلوات عن مواقيتها

يُندب لأئمة المساجد وحكام الدولة أداءُ جميع الصلوات في المساجد في أوائل مواقيتها، وعدم تأخيرها إلى أن تنتهي أوقــات الاختيار، فــإن عُرف مِــن إمامٍ أو حاكــمٍ تأخيرُ الصلاة شُرع للمصلِّين أن لا ينتظــروا الصلاة معــه بل يصلونهـــا منفردين، ثم إن هم أرادوا الصلاة مع الإمــام أو مع الحاكـــم بعد ذلك في المسجد فلا بأس، وتكون صلاتهم في هذه الحالة نافلة، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، أو يُميتون الصلاة عن وقتها؟ قال قلت: فما تأمرني؟ قال: صلِّ الصلاة لوقتها، فـإن أدركتها معهم فصلِّ فإنها لك نافلة» رواه مسلم. وعن أبي عالية البراء قال «أخر ابن زياد الصلاة، فجاءني عبد الله بن الصامت، فألقيت له كرسياً فجلس عليه، فذكرت له صنيع ابن زياد، فعضَّ على شفته فضرب إلى فخذي وقال: إني سألت أبا ذر كما سألتني، فضرب فخذي كما ضربت فخذك وقال: إني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني، فضرب فخذي كما ضربت فخذك وقال: صلِّ الصلاة لوقتها، فإن أدركت الصلاة معهم فصلِّ ولا تقُل: إني قد صليت فلا أُصلي» رواه مسلم وأحمد النسائي وابن حِبَّان. وعن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لعلكم ستدركون أقواماً يصلُّون الصلاة لغير وقتها، فإن أدركتموهم فصلُّوا في بيوتكم للوقت الذي تعرفون، ثم صلُّوا معهم واجعلوها سُبْحةً» رواه ابن ماجة. والسُبْحة هــي صلاة النافلــة أو التطوُّع. وروى عُبادة بن الصامت رضي الله عنه عــن النبي  أنه قـــال «سيكون أمــراء تُشغلهم أشياء، يؤخِّرون الصلاة عن وقتها ، فاجعلوا صلاتكم معهم تطوعاً» رواه ابن ماجة.

أما لماذا تكون نافلة ولا تكون مكتوبة ما دام يأتمُّ بإمام يصلي المكتوبة؟ فلأن المسلم لا يحلُّ له أن يصلي الصلاة المكتوبة في اليوم الواحد مرتين، فلا يجوز له شرعاً أن يصلى الظهر مرتين أو المغرب مرتين، أو أية صلاة مكتوبة أكثر من مرة واحدة في اليوم، فعن سليمان بن يسار مولى ميمونة قال «أتيت على ابن عمر وهو قاعدٌ على البلاط والناس في الصلاة، فقلت : ألا تصلي؟ قال: قد صليتُ، قلت: ألا تصلي معهم؟ قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تصلوا صلاةً في يومٍ مرتين» رواه ابن خُزَيمة وأحمد وأبو داود والنَّسائي وابن حِبَّان.

إِدراكُ ركعة من الصلاة في وقتها

من أدرك ركعة من أية صلاة مفروضة قبل خروج وقتها فقد أدرك الصَّلاة، ويُتمُّها في وقت الصلاة التي تليها، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» رواه مسلم. ورواه البخاري بلفظ «إذا أدرك أحدُكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فلْيُتمَّ صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فلْيُتمَّ صلاته» وليس هذا خاصاً بصلاتي الصبح والعصر فحسب، وإنما هو حكم عام في كل صلاة مكتوبة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» رواه البخاري. ورواه أحمد بلفظ «.. فقد أدركها كلها». ولا يعني هذا أنه يجوز للمسلم تأخير صلاته حتى يضيق وقتها إلى هذا الحد، فإنه إن فعل ذلك اعتُبر مُفَرِّطاً ولحقه إثم، ويكون قد تشبَّه في صلاته بالمنافقين، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «تلك صلاة المنافق ، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرنَي الشيطان قام فنقرها أربعاً، لا يذكر الله إلا قليلاً» رواه مسلم.

وتُدرك الركعة بإدراك ركوعها ، فإنْ فاته الركوع فقد فاتته الركعة ووجب عليه عدم اعتدادها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سُجود فاسجدوا ولا تعدَّوها شيئاً، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة» رواه الحاكم وصححه. ورواه الدار قطني. وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه «مَن فاته الركوع فلا يعتد بالسجود» رواه عبد الرزاق.

4ــ وقتُ صلاة العشاء:

يبدأ وقت صلاة العشاء من غياب الشفق الأحمر إلى أن ينشقَّ الفجر الصادق، وبعبارة أخرى يبدأ الوقت عند سقوط القمر، أي غيابه لثالثة الشهر الهجري، لما روى النعمان بن بشير رضي الله عنه قال «إني لأعلمُ الناس بوقت هذه الصلاة صلاة العشاء الآخرة، كان رسول الله  يصليها لسقوط القمر لثالثةٍ» رواه الحاكم وأحمد وابن حِبَّان. وينتهي بظهور الفجر المستطير ، أي المنتشر معترضاً في الأفق عكس المستطيل الذي يبدو ممتداً إلى الأعلى، ويسمى الأول الفجر الصادق تمييزاً له عن الفجر الكاذب، فعن سَمُرة بن جُندُب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يغرَّنَّكم من سحوركم أذانُ بلال ولا بياضُ الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا …» رواه مسلم.

وحيث أن صلاة الفجر تعقب صلة العشاء فإن وقت العشاء يمتدُّ حتى صلاة الفجر وليس إلى ثلث الليل أو شطر الليل فحسب كما يُفهم من حديث جابر المار في المواقيت. فكما قلنا بخصوص صلاة العصر وبخصوص صلاة المغرب في البندين 2، 3 من أن التحديد الوارد في حديث جابر إنما هو لوقت الاختيار وليس لوقت الضرورة، فإننا نقول القول نفسه بخصوص صلاة العشاء. فالتحديد بثلث الليل أو بشطر الليل إنما هو تحديد وقت الاختيار أي وقت الأفضلية فحسب. ثم إن الطحاوي قد روى عن عائشة رضي الله عنها بسند صحيح قولها «أَعْتَمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ذات ليلة حتى ذهب عامَّة الليل وحتى نام أهل المسجد، ثم خرج فصلى وقال: إنه لوقتها لولا أن أشقَّ على أمتي» فقد جاء في حديث عائشة «حتى ذهب عامَّة الليل» وهذا يعني أنه تجاوز شطر الليل. وعن أبي قتادة رضي الله عنه، من حديث طويل، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أَمَا إنه ليس في النوم تفريطٌ، إنما التفريط على من لم يُصلِّ الصلاة حتى يجئ وقت الصلاة الأخرى» رواه مسلم. ولولا ورود أحاديث تدل على انتهاء وقت صلاة الفجر بطلوع الشمس لصلح هذا الحديث للاستدلال به على أن صلاة الفجر تمتد إلى صلاة الظهر، فصلاة العشاء تصح حتى حلول وقت صلاة الفجر.

أما الوقت المختار فينتهي عند منتصف الليل، أو حوله قليلاً، ليبدأ بعد ذلك وقت الجواز حتى صلاة الفجر، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال « سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الصلوات، فقال … ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل» رواه مسلم وأحمد وأبو داود.

ويُفضَّل تأخير العشاء إلى ما بين ثلث الليل ونصفه للمنفرد وللجماعة على السواء، إلا أَنْ تُوجَد مشقَّةٌ فتُؤدَّى في أول وقتها، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لولا أن أشقَّ على أمتي لأخَّرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل أو نصف الليل» رواه ابن ماجة وأحمد. ومن المشقة ضعف الضعيف ومرض المريض وأمثالهما، لما رُوي عن أبي سعيد رضي الله عنه أنه قال «صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العَتَمة، فلم يخرج حتى مضى نحوٌ من شطر الليل فقال: خذوا مقاعدكم، فأخذنا مقاعدنا فقال: إن الناس قد صلوا وأخذوا مضاجعهم، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة، ولولا ضعف الضعيف وسقم السقيم لأخَّرت هذه الصلاة إلى شطر الليل» رواه أبو داود وأحمد والنَّسائي. والمقصود بصلاة العَتَمة في هذا الحديث صلاة العشاء. والأفضل تسميتها صلاة العشاء، وذلك لما روى ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَغْلِبَنَّكُم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء، فإنها في كتاب الله العشاء، فإنها تُعْتِم بحِلاب الإبل» رواه مسلم وابن ماجة وأحمد وأبو داود والنَّسائي . ورواه ابن ماجة أيضاً من طريق أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ «لا تَغْلِبَنَّكُم الأعراب على اسم صلاتكم فإنما هي العشاء، وإنما يقولون العَتَمةَ لإعتامهم بالإبل». فقدكان الأعراب يؤخِّرون حِلاب الإبل إلى أن يشتد الظلام، أي العتَمَة، فأطلقوا على صلاة العشاء صلاة العَتَمَة لهذا السبب.

2ــ وقت صلاة العصر، وهي الصلاة الوسطى:

يبدأ وقت صلاة العصر من حين يصير ظل كل شئ مثله في الطول وينتهي بغروب الشمس. وإنما قلنا بغروب الشمس وليس باصفرارها كما جاء في حديث مسلم المار، ولا بصيرورة ظل كلِّ شئ مثليه كما جاء في حديث أحمد المار، لأن هذين الحديثين كما أسلفنا حدَّدا للعصر وقت الاختيار فحسب، دون تمام الوقت، كما جاء في نصوص أخرى. فالعصر له وقت اختيار ينتهي باصفرار الشمس، وله وقت ضرورة أو وقت جواز يبدأ باصفرار الشمس إلى أن تغرب في الأفق الغربي، وذلك لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « .. ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» رواه مسلم.

فأفضل وقت لصلاة العصر يقع ما بين أول الوقت إلى أن يبدأ اصفرار قُرص الشمس، فهو الوقت المختار، وهو الذي صلى فيه جبريل عليه السلام الصلاتين برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم يعقبه الوقت الجائز الذي يمتد إلى غياب الشمس، ويُسمى وقت الضرورة، أو وقت الكراهة. ونقصد بالغروب غيابَ كاملِ قرصِ الشمس، بمعنى أن وقت العصر يمتد حتى يتوارى قرص الشمس كله.

وقد سميت صلاة العصر بالصلاة الوسطى لفضلها، فهي الصلاة الوسطى على الرأي الراجح الأصح، فعن عليٌّ رضي الله عنه أنه قال «لمَّا كان يوم الأحزاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ملأ الله قُبورهم وبيوتهم ناراً كما حبسونا وشغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس» رواه مسلم والبخاري. ووقع عند مسلم التصريح بصلاة العصر في حديثين: عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر … » وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر …».

كما وقع التصريح بصلاة العصر عند البخاري في رواية له عن علي رضي الله عنه «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق، فقال: ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس وهي صلاة العصر». ووقع التصريح بها عند ابن المنذر وعبد الرزاق والبيهقي عن علي رضي الله عنه «لما كان يوم الأحزاب صلينا العصر بين المغرب والعشاء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله قبورهم وأجوافهم ناراً». وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «صلاة الوسطى صلاة العصر» رواه الترمذي. ورواه أحمد والبيهقي من طريق سمرة.

وقد خصها الله سبحانه بمزيد ذِكْرٍ فقال صلى الله عليه وسلم حَافِظُوا على الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ الوُسْطَى وقُوْمُوا لله قَانِتِيْنَصلى الله عليه وسلم الآية 238 من سورة البقرة. كما خصها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بمزيد ذِكْرٍ وتفضيل، فقال «الذي تفوته صلاة العصر كأنما وُتِرَ أهلَه ومالَه» رواه مسلم من طريق ابن عمر. وعن أبي بصرة الغفاري رضي الله عنه قال «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بالمُخَمَّص فقال: إن هذه الصلاة عُرِضت على مَن كان قبلكم فضيَّعوها، فمن حافظ عليها كان له أجرُهُ مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد - والشاهد النجم» رواه مسلم والنسائي وأحمد.

3ــ وقت صلاة المغرب:

جاء في حديث جابر المارِّ في المواقيت أن للمغرب وقتاً واحداً صلى فيه جبريل عليه السلام في يومين متتاليين هو «حين غابت الشمس» وجاء ذلك أيضاً في الحديث الذي رواه ابن عباس رضي الله عنه «أن جبرئيل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فصلى به الصلوات وقتين إلا المغرب» رواه الحاكم. ولكن جاء في حديث عبد الله بن عمرو المار في المواقيت أن «وقت المغرب ما لم يسقط ثَوْرُ الشفق» فنقول إن حديث جابر حدَّد وقت الاختيار وهو المشار إليه في حديث ابن عباس، وهو عند غياب الشمس مباشرة، وأما حديث عبد الله ابن عمرو فقد حدَّد كامل وقت المغرب، وأنه يبدأ من غياب الشمس وينتهي بغياب الشفق الأحمر، وإلى هذه النهاية أشار الحديث الذي رواه عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا تزال أمتي بخير، أو على الفطرة، ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم» رواه أحمد وأبو داود والحاكم والبيهقي. ورواه ابن ماجة والحاكم أيضاً من طريق العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، فجعل اشتباك النجوم نهاية وقت المغرب. واشتباكُ النجوم: انتشارُ الظلام عقب غياب الشفق الأحمر بحيث تبدو جميع النجوم فتتشابك لكثرتها. وروى بريدة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن رجلاً سأله عن وقت الصلاة، فقال له صلى الله عليه وسلم : صل معنا هذين، يعني اليومين … - وجاء في الحديث - … ثم أمره - أي بلالاً - فأقام المغرب حين غابت الشمس … وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق … ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله، قال: وقت صلاتكم بين ما رأيتم» رواه مسلم . فالرسول صلى الله عليه وسلم صلى المغرب حين غابت الشمس يوماً، وصلاها قبل أن يغيب الشفق يوماً آخر، وجعل ذلك وقت صلاة المغرب، فهو نص قاطع في الدلالة على ما نقول.

ويُسنُّ التبكير بصلاة المغرب وأداؤها في أول الوقت قبل أن يشتد الظلام وتنتشر النجوم في السماء، لحديث جابر ولحديث ابن عباس المشار إليهما في أول البحث، ولما روى سَلَمةُ بن الأكوع رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب» رواه مسلم والبخاري.

الصلوات المكتوبة ومواقيتها فرَض الله سبحانه على المسلمين خمس صلوات في اليوم والليلة هي صلاة الفجر أو صلاة الصبح أو صلاة الغداة وهي ركعتان، وصلاة الظهر وهي أربع ركعات، وصلاة العصر أو الصلاة الوسطى وهي أربع ركعات، وصلاة المغرب وهي ثلاث ركعات، وصلاة العشاء أو صلاة العَتَمَة وهي أربع ركعات، فعن معاذ رضي الله عنه قال «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فادعُهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأَعْلمْهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة …» رواه مسلم.

وقد عين الشرع لكل صلاة من هذه الصلوات الخمس ميقاتاً، فقد روى جابر بن عبد الله رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه جبريل فقال: قــم فَصَلِّـــه، فصلــى الظهـر حـين زالت الشمس، ثم جاءه العصر فقال: قم فَصَلِّه ، فصلى العصر حين صار ظل كل شئ مثله، ثم جاءه المغرب فقال: قم فَصَلِّه، فصلى حين وجبت الشمس، ثم جاءه العشاء فقال: قم فَصَلِّه، فصلى حين غاب الشفق، ثم جاءه الفجر فقال : قم فَصَلِّه، فصلى حين برق الفجر، أو قال حين سطع الفجر، ثم جاءه من الغد للظهر فقال: قم فَصَلِّه ، فصلى الظهر حين صار ظل كل شئ مثلَه، ثم جاءه للعصر فقال: قم فصَلِّه، فصلى العصر حين صار ظل كل شئ مِثْليه، ثم جاءه للمغرب حين غابت الشمس وقتاً واحداً لم يزل عنه، ثم جاءه للعشاء حين ذهب نصف الليل، أو قال ثُلُث الليل ، فصلى العشاء، ثم جاءه للفجر حين أسفر جداً فقال: قم فصَلِّه، فصلى الفجر ، ثم قال : ما بين هذين وقت» رواه أحمد والنَّسائي. وقال البخاري (هو أصح شئ في المواقيت) . وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عــن النبـــي صلى الله عليه وسلم قال «وقت الظهر ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفرَّ الشمس، ووقت المغرب ما لم يَسقط ثَوْرُ الشَّفَق، ووقت العشاء إلى نصف الليل، ووقت الفجر ما لم تطلع الشمس» رواه مسلم وأحمد والنَّسائي.

وبالنظر في هذين الحديثين يتبين أن مواقيت الصلاة هنا هي المواقيت المختارة دون المواقيت الجائزة، أي هي المواقيت التي يُندَب للمسلمين أداء الصلوات فيها، وهي المواقيت نفسها التي واظب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أداء الصلوات المفروضة فيها، فعن عائشة رضي الله عنها قالت «ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة لوقتهـا الآخر حتى قبضه الله» رواه الحاكم.

أما ما زاد عن هذه المواقيت مما جاء في نصوص أخرى ستأتي لاحقاً فهي المواقيت التي يجوز للمسلمين فيها أداء صلواتهم، وهي التي تُسمى أوقات الجواز أو أوقات الضرورة أو أوقات الكراهة. ونذكر الآن ميقات كل صلاة من هذه الصلوات الخمس بشئ من التفصيل:

1ــ وقت صلاة الظهر:

يبدأ وقت صلاة الظهر من زوال الشمس - أي من صُعود الشمس إلى قُبَّة السماء - وينتهي عندما يصير ظل كل شئ مثله في الطول، أي عندما يبدأ وقت صلاة العصر كما جاء في حديث جابر المار. وصلاة الظهر هذه لها وقت واحد كله وقت اختيار، فتؤدَّى هذه الصلاة في أيِّ حينٍ خلال هذه الفترة دون وجود فضل لأي منه على الآخر. وصلاة الظهر هي الصلاة الأولى من الصلوات المفروضة التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بإمامةِ جبريل عليه السلام في مكة بدلالة حديث جابر، وبما روى نافع بن جبير وغيره «لما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم من ليلته التي أُسري به فيها لم يَرُعْه إلا جبرئيل، فنزل حين زاغت الشمس، فلذلك سُمِّيت الأولى، قام فصاح بأصحابه: الصلاة جامعة ، فاجتمعوا، فصلى جبرئيل بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، طوَّل الركعتين الأوليين ثم قصَّر الباقيتين، ثم سلَّم جبرئيل على النبي صلى الله عليه وسلم ، وسلَّم النبي صلى الله عليه وسلم على الناس، ثم نزل في العصر على مثله …» رواه عبد الرزاق. وبما روى نافع بن جُبير بن مطعم عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أمَّني جبريل عليه السلام عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس، وكانت قدر الشِّراك، وصلى بي العصر حين كان ظله مثله، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حرُم الطعام والشراب على الصائم …» رواه أبو داود وابن المنذر والترمذي والحاكم وابن أبي شيبة. فقد بدأ بصلاة الظهر. قوله قدر الشِّراك: الشِّراك هو أحد سيور النعل التي تكون على وجهها. والمراد بذلك بيان أقل ما يكون من الظل وقت الزوال.

وحيث أن صلاة الظهر تكون في منتصف النهار، فإنها تكون في الوقت الذي تشتدُّ فيه الحرارة في البلاد الحارة، مما يجعل الصلاة تشق على المصلين، لهذا ودفعاً للمشقة، ولِكَوْنِ وقتِ هذه الصلاة كله وقت اختيار فإنه يُسن تأخير صلاة الظهر في أيام الحر إلى أن تنكسر حدَّته، وهو المسمى بالإبراد ، لا فرق في ذلك بين المنفرد والجماعة، ولا بين مَن هم في المسجد ومَن هم خارجه، فحكم الندب عام في جميع الحالات ، فعن أنس رضي الله عنه قال «كان رسول اللهصلى الله عليه وسلم إذا كان الحر أَبْرَدَ بالصلاة وإذا كان البرد عجَّل» رواه النَّسائي وابن عبد البر. وعن أبي ذرٍّ قال «أذَّن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظهر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أَبْرِدْ أَبْرِدْ ، أو قال: انتظر انتظر وقال: إن شدة الحر من فَيْحِ جهنم، فإذا اشتد الحر فأبْرِدوا عن الصلاة» رواه مسلم. ورواه البخاري وأحمد وأبو داود والترمذي باختلاف في الألفاظ .

الفصل الأول

الصلاةُ: حكمُها ومواقيتُها

فرضُ الصلاة

\

الصلاةُ لغةً الدعاءُ، ورجلٌ صلَّى إذا دعا، وسُميت الصلاة المشروعة صلاةً لاشتمالها على الدعاء. وقد فُرضت الصلاة ليلة الإسراء خمسين في اليوم والليلة، ثم خُفِّضت إلى خمس صلوات تَعْدل في ثوابها الخمسين، فعن أنس رضي الله عنه قال: «فُرضت على النبي صلى الله عليه وسلم ليلةَ أُسْرِي به الصلواتُ خمسين ثم نقصت حتى جُعلت خمساً، ثم نُودي يا محمد إنه لا يُبدَّل القولُ لديَّ وإنَّ لك بهذه الخمس خمسين» رواه الترمذي وابن المنذر وعبد الرزاق. وروى البخاري وأحمد والنَّسائي عن أنس حديثاً طويلاً عن الإسراء، وجاء فيه «… هنَّ خمسٌ وهنَّ خمسون، لا يُبدَّلُ القولُ لديَّ …» وروى أحمد عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال «فُرض على نبيكم صلى الله عليه وسلم خمسون صلاة، فسأل ربه عزَّ وجلَّ فجعلها خمساً».

فالصلوات المفروضات في اليوم والليلة خمس، وهذه معلومة من الدين بالضرورة، وحسبي أن أذكر حديثاً واحداً يذكرهنَّ هو ما رُوي عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أنه قال «جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجدٍ ثائرَ الرأس يُسمَع دويُّ صوتِه ولا يُفقَه ما يقول حتى دنا، فإذا هو يَسأل عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمسُ صلوات في اليوم والليلة فقال: هل عليَّ غيرُها ؟ قال : لا إلا أنْ تَطوَّع …» رواه البخاري ومالك والبيهقي وابن المنذر.

فضلُ الصلاة

الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام بعد ركن الشهادتين ، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بُني الإسلامُ على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة، والحج ، وصوم رمضان» رواه البخاري ومسلم والترمذي والنَّسائي.

وهي أول ما يحاسَب به الناسُ يوم القيامة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «أول شئ مما يحاسَب به العبدُ يوم القيامة صلاتُه المكتوبة، فإن أتمَّها وإلا زِيد فيها من تطوُّعه ، ثم يُفعَلُ بسائر الأعمال المفروضة كذلك» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي والنَّسائي.

والصلاة أحـبُّ الأعمال إلى الله سبحانه ، فعــن عبد الله بن مسعود رضي اللــه عنـه قال «سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ العملِ أحبُّ إلى الله؟ قال: الصلاةُ على وقتها، قال: ثم أيُّ؟ قال: ثم بِرُّ الوالدين، قال: ثم أيُّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: حدثني بهنَّ ولو استزدتُه لزادني» رواه البخاري. ورواه أحمد بمعناه عن رجل من الصحابة.

والصلاةُ تمحو الخطايا وتُذهب السيئات، فعن أبي هريرة أنه سمع رسول الله  يقول «أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كلَّ يوم خمساً ما تقول ذلك يُبقي من دَرَنِه؟ قالوا: لا يُبقي من درنه شيئاً، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله به الخطايا» رواه البخاري ومسلم. وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: سمعت النبي  يقول «إن العبد إذا قام يصلي أُتيَ بذنوبه فوُضعت على رأسه أو عاتقه، فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه» رواه ابن حِبَّان والبيهقي. وعن عُبــادة بن الصامــت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «مَــن جاء بالصلوات الخمس قــد أكملهن لم ينقص من حقهن شيئاً كــان لــه عند اللــه عهدٌ أن لا يُعذِّبــه …» رواه ابن حِبَّان.

قراءةُ القرآن في الصلوات الخمسة/2

وإلى مَن أحبَّ أن يقف على النصوص المتعلقة بقراءات رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوجيهاته أنقل له جملةً من هذه النصوص على سبيل المثال وليس على سبيل الاستقصاء.

1- بخصوص ركعتي السنة لصلاة الصبح: روى أبو هريرة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الفجر قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد» رواه النَّسائي. وروى ابن عباس رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما الآية التي في البقرة قولوا آمنا بالله وما أُنزل إلينا إلى آخر الآية، وفي الأخرى آمنا بالله واْشهد بأنَّا مسلمون» رواه النَّسائي.

أما بخصوص ركعتي الفريضة لصلاة الصبح فقد روى سِماك بن حرب عن رجل من أهل المدينة «أنه صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم ، فسمعه يقرأ في صلاة الفجر ق والقرآن المجيد ويس والقرآن الحكيم» رواه أحمد إلا أن الحديث ضعيف لضعف سِماك. وعن سالم بن عبد الله عن أبيه قال «إن رسول الله  لَيؤُمُّنا في الفجر بالصَّافَّات» رواه ابن حِبَّان وأحمد والنَّسائي. وفي صلاة الصبح يوم الجمعة على الخصوص ورد أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقرأُ في الركعة الأولى سورة ألم تنزيل السجدة، ويقرأ في الركعة الثانية سورة الإنسان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ألم تنزيل وهل أتى» رواه النَّسائي والبخاري ومسلم. ولأحمد من طريق ابن عباس رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ألم تنزيل وهل أتى، وفي الجمعة سورة الجمعة وإذا جاءك المنافقون».

2- بخصوص صلاة الظهر وصلاة العصر: عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى وفي العصر نحو ذلك، وفي الصبح أطول من ذلك» رواه مسلم وأحمد. وروى جابر بن سمرة رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر بـ سبح اسم ربك الأعلى، وفي الصبح بأطولَ من ذلك» رواه مسلم. وروى جابر بن سمرة رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر والعصر بالسماء والطارق والسماء ذات البروج» رواه الدارمي.

3- بخصوص صلاة المغرب: روى ابن عباس رضي الله عنه «أنَّ أُمَّ الفضل سمعته وهو يقرأ (والمرسلاتِ عُرْفاً) فقالت: يا بُني والله لقد ذكَّرْتني بقراءتك هذه السورةَ، إنها لآخِرُ ما سمعتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في المغرب» رواه البخاري. وأم الفضل هي والدة ابن عباس واسمها لُبابة بنت حارث الهلالية. وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بالطور» رواه البخاري.

4- بخصوص صلاة العشاء وتسمى أحياناً صلاة العَتَمَة: روى البراء رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر، فقرأ في العشاء في إحدى الركعتين بالتين والزيتون» رواه البخاري. وروى بريدة الأسلمي رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة العشاء بالشمس وضحاها وأشباهها من السُّور» رواه أحمد. وعن أبي رافع رضي الله عنه قال «صليت مع أبي هريرة العَتَمةَ فقرأ إذا السماء انشقَّت فسجد، فقلت له، قال: سجدت خلف أبي القاسم فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه» رواه البخاري. وعن جابر رضي الله عنه قال «صلى معاذ بن جبل الأنصاري لأصحابه العشاء فطوَّل عليهم، فانصرف رجل منا فصلى، فأُخبر معاذ عنه فقال: إنه منافق، فلما بلغ ذلك الرجل دخل على رسـول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ما قال معاذ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أتريد أن تكون فتَّاناً يا معاذ؟ إذا أمَمْتَ الناسَ فاقرأ بـ الشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، واقرأ بـ اسم ربك، والليل إذا يغشى» رواه مسلم.

الفصـلُ الخامس

القِبْلةُ والسُّتْرة

استقبال القِبلة في الصلاة

إن مما هو معلوم من الدين بالضرورة أن يستقبل المسلمون القِبلة في صلواتهم، والقبلة للمسلمين كانت المسجد الأقصى في بيت المقدس قُرابة السنة والنصف أولاً، ثم صارت قِبلتهم الكعبة في مكة المكرمة وستستمرُّ إلى آخر الدهر، فعن البراء قال «صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، ثم صُرِفنا نحو الكعبة» رواه مسلم . ورواه أحمد والنَّسائي والترمذي وابن ماجة باختلاف في الألفاظ. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال «صلى رسول الله  وأصحابه إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً، ثم صُرفت القِبلة» رواه أحمد والبيهقي والبزَّار والطبراني.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي إلى بيت المقدس يتوق إلى بلده مكة، وتهفو نفسه الكريمة إلى التحُّول إليها في الصلاة، فنزل قوله تعالى محققاً رغبته قَدْ نَرَى تقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلةً تَرْضَاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسْجِدِ الحَرَامِ وحيْثُمَا كَنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوْهَكُمْ شَطْرَهُ وإنَّ الذِينَ أُوْتُوا الكِتَابَ لَيَعْلَمُوْنَ أَنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ومَا اللهُ بغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُون الآية 144 من سورة البقرة. وعن البراء بن عازب قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يُوجَّه إلى الكعبة، فأنزل الله: قد نرى تَقَلُّبَ وجهِك في السماء، فتوجَّه نحو الكعبة …» رواه البخاري.

واستقبال القبلة واجب لا شك فيه لا يجوز تركه وإهماله ، ولكن لا يوجد في النصوص أي دليل على الشرطية لاستـقبال القِبْلة، بمعنى أن استقبال القبلة ليس شرطاً لصحة الصلاة وقبولها، وإنما هو واجب فقط، فمن صلى إلى غير القِبْلة عمداً دون عذر أثم ولكن صلاته مقبولة . ذلك أن كل ما ورد بخصوص الاستقبال لا يتعدى الأمر والطلب الجازم، ومجرد الأمر الجازم لا يفيد الشرطية، فما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «استقبل القِبْلة وكبِّر» رواه البخاري. هو مجرد أمر، وقوله تعالى فوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المسْجِدِ الحَرَامِ وحيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوْهَكُمْ شَطْرَهُ هو مجرد أمر، وما رواه ابن عمر رضي الله عنهما «بينما الناس في الصبح بقُباء، جاءهــم رجــل فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أُنزل عليه الليلة قرآن، وأُمر أن يَستقبل القِبْلة، ألاَ فاستقبلوها، وكان وجهُ الناس إلى الشام فاستداروا بوجوههم إلى الكعبة …» رواه البخاري ومسلم وأحمد ومالك والنَّسائي. هو أيضاً مجرد أمر ، ولا يصلح أن يكون شرطاً.

واستقبال القبلة واجب إلا في الحالات التالية:

أ- حالة العجز وعدم القدرة على الاستقبال، مثل أن يمنعه مرض من التحرك فيُصلِّي على حاله، ومثل أن يُجرح في معركةٍ فتثبته جراحُه في وضع لا يكون فيه متجهاً نحو الكعبة، ومثل أن يقيِّده آخرون لأي سبب من الأسباب إلى شجرة أو عمود في غير اتجاه القِبلة، ففي هذه الحالات يصلي دون استقبالٍ للقِبلة، فالله سبحانه يقول لا يُكَلِّفُ الله نَفْسَاً إلا وُسْعَها… الآية 286 من سورة البقرة. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: « … فإذا أمرتكم بشئ فأْتوا منه ما استطعتم …» رواه مسلم من طريق أبي هريرة رضي الله عنه.

ب - حالة شدة الخوف من عدو، فقد روى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان إذا سُئل عن صلاة الخوف قال « … فإن كان خوفٌ هو أشدَّ من ذلك صلوا رجالاً قياماً على أقدامهم أو رُكباناً، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، قال مالك قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن الرسول صلى الله عليه وسلم» رواه البخاري.

ج- صلاة التطوع على الدابة وعلى كلِّ مركوب، فعن ابن عمر رضي الله عنهما «أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته حيث توجَّهت به» رواه مسلم وأحمد.

وقد جاء ذِكر التطوُّع صريحاً في رواية أخرى من طريق أبي سعيد الخدري وابن عمر رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلـي علــى راحلته في التطوُّع حيثما توجَّهت به يومئ إيماءً، ويجعل السجود أخفض من الركوع» رواه أحمد ومسلم. وكذلك من طريق أنس بن مالك رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كــان يصلــي علــــى ناقتـه تطوُّعاً في السفر لغير القِبلة» رواه أحمد. وعن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلميصلي على ظهر راحلته النوافل في كلِّ جهة» رواه أحمد والبخاري ومسلم. وعن جابر قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته حيث توجَّهت، فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القِبلة» رواه البخاري. ورواه الدارمي والبيهقي وابن حِبَّان بلفظ «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته نحو المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل فاستقبل القِبلة».

ففي هذه الحالات الثلاث يجوز ترك استقبال القبلة والتوجُّه في الصلاة إلى أية جهة من الجهات، وأما في غير ذلك فيتوجب على المسلم أن يتحرى استقبال القِبلة ويتوجَّه في صلاته إليها، ولا يضيره بعد التحري أن يخطئ في تحديد الاتجاه الصحيح فيصلي إلى غير القِبلة، كأن يكون مسافراً ولا يعرف الجهات، أو يكون اليوم غائماً يصعب على المرء فيه تحديد الاتجاه، فيصلِّي حيث يغلب على ظنه أنه الاتجاه نحو الكعبة، ولا إعادة عليه إن تبين له خطؤه بعد أداء صلاته سواء كان ذلك قبل خروج الوقت أو بعد خروجه، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال «صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم غيم في سفرٍ إلى غير القِبْلة، فلما قضى الصلاة وسلَّم تجلَّت الشمس فقلنا: يا رسول الله صلينا إلى غير القِبلة، فقال: قد رُفعت صلاتُكم بحقِّها إلى الله عزَّ وجلَّ» رواه الطبراني. وأصرح من ذلك ما رُوي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال «صلينا ليلة في غيم، وخفيت علينا القِبلة وعلَّمنا عَلَماً، فلما انصرفنا نظرنا فإذا نحن قد صلينا إلى غير القبلة، فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قد أحسنتم ولم يأمرنا أن نعيد» رواه البيهقي.

حُرمةُ اتخاذ القبور مساجد

قلنا في بحث [المواضع التي لا تجوز الصلاة فيها] إن المقبرة لا تجوز فيها الصلاة، ونريد هنا أن نفصِّل القول في هذا الموضوع الخطير الذي تجاوز فيه كثير من المسلمين كل حدٍّ، فبَنَوْا مساجد على القبور، وصاروا يتوسَّلون إلى الله بأصحابها في أدعيتهم، ويقيمون حولها الطقوس الوثنية فنقول:

هنالك فارق بين من يصلي في مقبرة، وبين مَن يصلي في مكان فيه قبر أو عدة قبور من أجل هذا القبر أو القبور ظناً منه أن الصــلاة هنــاك أفضل وأعظم بركــة وأَدعــَى للقبول والاستجابة، ذلك أن الصــلاة فــي المقبرة حــرام - ونعني بالمقبرة الأرض المخصصة لدفن الموتى، وأما الأرض التي دفن فيها ميت أو اثنان وبقيت مستعملة في غير شأن الدفن من زراعة وبناء وعمران فهي ليست مقبرة، وبالتالي فإن الصلاة تصح فيها ولا تحرم، فالمكان المخصص لدفــن الموتى ودُفــن فيه أمـوات بالفعــل هو المقبرة بغـض النظــر عـن كثرة القبور فيها أو قلَّتِهـا - نعم إن الصلاة في المقبرة حرام، بغض النظر عن كون المصلي يصلي فوق القبر أو في بقعة من المقبرة لا قبور فيها ما دامت مقبرة وتحمل اسم المقبرة.

أما الصلاة على القبر لذات القبر رجاء نوال بركته أو اتخاذه مسجداً فالحرمة أعظم والذنب أكبر، فعن جُندُب رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمسٍ وهو يقول « … إنَّ مَن كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتَّخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك» رواه مسلم. وعن عائشة رضي الله عنها وعبد الله بن عباس رضي الله عنه قالا «لما نزلت برسول الله صلى الله عليه وسلم ، طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتمَّ كشفها عـن وجهه، فقال وهو كذلك: لعنةُ الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يُحذِّر مثل ما صنعوا» رواه مسلم. ورواه أحمد بمعناه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» رواه مسلم والبخاري. وفي رواية أخرى لمسلم والبخاري من طريق أبي هريرة «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لعن الله قوماً اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» رواه ابن حِبَّان وأحمد والنسائي. وعن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد ، اشتـدَّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» رواه مالك بسند سقط منه اسم الصحابي، وسقوط اسم الصحابي لا يضرُّ لأنهم كلَّهم عدول. وعن عبد الله - بن مسعود - رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن مِن شرار الناس مَن تدركهم الساعة وهم أحياء، ومَن يتخذ القبور مساجد» رواه ابن خُزَيمة وأحمد وابن حِبَّان. فقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد، أي أماكن للصلاة، وذم من يفعل ذلك ، وقال [لعنة الله]، [قاتل الله] [لعن الله]، [اشتد غضبُ الله] ، [إن من شرار الناس]، وهذه أبلغ صيغٍ ممكنة في النهي والذم، وفي التحريم. وهذه الصيغ العديدة الشديدة المشار إليها وهذا التغليظ في التحريم لم يصل إليها النهي عن الصلاة في المقابر مما يشعر بالفارق بينهما. فكل مسجد بُني على قبر نبي أو قبرِ صالحٍ من صحابة وأئمة من أجل ذلك القبر لا تجوز الصلاة فيه، ويجب هدمه مثله مثل مسجد الضِّرار، وانظر في قوله عليه الصلاة والسلام «اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد». ففيه إشـارة إلى الوثنية المتَّخَذة حيال هذه القبور، من طوافٍ حولها، وتقديمٍ للأموال عندها، وتمسُّحِ بها، وتوسُّلِ بها وعندها، إلى غير ذلك من الطقوس الوثنية.

وكأمثلة على هذه القبور، وما بُني عليها من مساجد: المسجد الإبراهيمي في الخليل، ومساجد الصحابة في غور الأردن وفي مُؤتة، ومساجد في القاهرة، ومساجد كثيرة في العراق وإيران، فهذه المساجد لا تحلُّ الصلاة فيها، ويجب هدمها أو على الأقل إغلاقها، وتخليص المسلمين من فتنتها.

وكما قلنا بخصوص مسجد الضِّرار والمقبرة والحمام والمكان النجس والمكان الذي فيه تماثيل، نقول بخصوص المساجد على القبور، فهذه الأماكن كلها تحرم الصلاة فيها، ولكن من صلى فيها صحت صلاته مع الإثم، ولا تجب عليه الإعادة، يراجع صدر البحث [المواضع التي لا تجوز الصلاة فيها ] المار قبل قليل .

تحويلُ معابد الكفار ومقابرهم إلى مساجد

يجوز تحويل كنائس النصارى وبِيَع اليهود ومعابد الهِندوس وسائر معابد الكفار إلى مساجد، بعد إزالة ما فيها من منكرات: كالأصنام والتماثيل والصُّلبان وشعارات الكفر، فعن عثمان بن أبي العاص «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يجعل مساجد الطائف حيث كانت طواغيتهم» رواه أبو داود.

كما يجوز تحويل مقابر الكفار إلى مساجد بعد نبشها وتنظيفها من رُفاتهم، فقد روى أنس رضي الله عنه ـ في قصة بناء الرسول صلى الله عليه وسلم مسجده عند قدومه إلى المدينة ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «يا بني النجار ثامِنوني بحائطكم هذا، قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، فقال أنس: فكان فيه ما أقول لكم قبور المشركين، وفيه خِرَبٌ، وفيه نخل فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنُبشت ثم بالخِرَب فسُوِّيت، وبالنخل فقُطع، فصفُّوا النخل قِبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه الحجارة، وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون…» رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنَّسائي.

ولا يكون هذا التحويل لمعابد الكفار جبراً عنهم وتعدياً على حقوق أهل الذمة في العبادة، فإن هذا لا يجوز شرعاً، وإنما يجوز ذلك بعدما يُسلم الكفار، أو يهجروا المعبد، أو يكونوا قد بنوا معبدهم خلاف أحكام أهل الذمة، ففي هذه الحالات يقوم المسلمون بتحويل هذا المعبد إلى مسجد، أو إلى أية دائرة من دوائر الدولة.

الثوبُ في الصلاة**

إن المسلم ذكراً كان أو أُنثى مأمور وجوباً بستر عورته في الصلاة، ويندب له فوق ذلك إن كان ذكراً أن يلبس ما يزيد على ستر العورة، بأن يكون شئ من ثوبه ملقىً على الكتفين أو على أحدهما، فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لا يصلي أحدُكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شئ» رواه مسلم. ووقع في روايةٍ لأحمد « ليس على منكبيه منه شئ». ووقع في روايةٍ أُخرى لأحمد «ليس على عاتقه منه شئ». بالإفراد. وروى أحمد من طريق كيسان «أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المطابخ حتى أتى البئر، وهو مُتَّزر بإزار ليس عليه رداء، فرأى عند البئر عبيداً يُصلُّون، فحل الإزار وتوشح به وصلى ركعتين …». والتوشُّح هو أن يُدْخِل شيئاً من الثوب تحت الإبط الأيمن ويلقيه على الكتف الأيسر.

ويكره أن يغطي المسلم فمه بثوبه ، أي يكره التلثُّم في الصلاة لما رُوي عن أبي هريرة أنه قال «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغطي الرجل فاه في الصلاة» رواه ابن ماجة. ولما رُوي عنه أيضاً «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن السدل في الصلاة، وأن يغطي الرجل فاه» رواه ابن حِبَّان وأبو داود وابن خُزيمة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. والسَّدل هو بمعنى اشتمال الصَّمَّاء.

ويكره أن يصلي المسلم وهو يشتمل الصَّمَّاء، واشتمال الصَّمَّاء هو أن يجلل بدنه بثوب بحيث لا يرفع منه جانباً، ولا يُبقى منه ما يُخْرِج يديه منه، كأن يلقي على رأسه أو كتفيه كساءً واسعاً يلُفُّه من كل جانب وتبقى اليدان في الداخل، وذلك لما روى أبو هريرة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبستين: الصَّمَّاء، وأن يحتبي الرجل بثوبه ليس على فرجه منه شئ» رواه أحمد والبخاري ومسلم.

وإذا صلى المسلم كُره له أن يكفَّ ثوبه فلا يتركه على حاله يسقط حيثما سقط، دون أن يرفعه أو يلملمه أو يجمعه بين رِجليه، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه «أُمرنا ألاَّ نكُفَّ شعراً ولا ثوباً ولا نتوضأ مِن مَوْطَأ» رواه مالك. قوله موطأ: أي ما يوطأ من الأذى في الطريق. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أُمرت أن لا أكفَّ شعراً ولا ثوباً» رواه ابن ماجة . ونجد في هذين الحديثين زيادة عما قلنا بخصوص الثوب وهي كراهة كفِّ الشعر، وهذا الحكم متعلق بصاحب الشعر الطويل المسترسل، وهو قليل بين الرجال في عصرنا الحديث، فمن كان شعره طويلاً تركه على حاله من التَّهدُّل والسقوط على الأرض في أثناء السجود دون أن يعقصه أو يُردِّده.

وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن أنواعٍ من اللباس، فعلى المصلي أن يجتنب هذه الأنواع في صلاته من باب أولى، فلا يصلي في ثوب الحرير، ولا يصلي في الثوب المغصوب، ولا يصلي في الثوب الذي دفع ثمنه من مالٍ حرام، ولا يصلي في الثياب الخاصة بالنساء فيكون متشبهاً بهن، إلى غير ذلك من أنواع اللباس.

الصلاةُ بالأحذية

كما تجوز الصلاة دون حذاء تجوز بالخُفَّين وتجوز بالنعلين، فعن عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جده قال «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حافياً ومنتعلاً» رواه ابن ماجة وأحمد. وعن سعيد الأزْدي قال «سألت أنس بن مالك: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في نعليه؟ قال: نعم» رواه البخاري ومسلم. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال « … لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في الخفين والنعلين» رواه أحمد من حديث طويل.

ويُندب للمسلم أن يصلي مرة أو عدداً من المرات بالنعلين استجابةً لطلب الرسول صلى الله عليه وسلم، فعن شدَّاد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ïپ²: «خالفوا اليهود فإنهم لا يصلُّون في نعالهم ولا خفافهم» رواه أبو داود والحاكم والبيهقي. فكون الطلب جاء مقروناً بمخالفة اليهود يجعل الطلب للندب، ويتحقق الندب بفعل ذلك مرة واحدة، ويبقى حكم الصلاة بالنعلين والخفين الجواز.

وتجوز الصلاة بالنعال وبالأحذية بجميع أصنافها ومسمَّياتها ، إلا أن تكون نجسة فتُطهَّر بأن تُدلك بالأرض حتى تزول عين النجاسة، فعن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه صلى فخلع نعليه فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال لهم: لم خلعتم؟ قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، فقال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثاً، فإذا جاء أحدكم المسجد فلْيقلب نعليه ولْينظر فيهما، فإن رأى خَبَثَاً فلْيمسحه بالأرض، ثم لِيُصلِّ فيهما» رواه أحمد وأبو داود وابن حِبَّان والحاكم والبيهقي. ولا يجب عليه استعمال الماء في تطهير النعال.

الصلاةُ على الدَّابَّة وكل مركوب

يجوز للمصلي أن يصلي النافلة على الدابة كالبعير والحمار والفرس، وأن يصلي على كل مركوب كالسيارة والطيارة والسفينة والقطار، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على حمار وهو موجه إلى خيبر» رواه مسلم. وروى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته حيث توجَّهت به» رواه مسلم . والراحلة: هي الناقة. وقد جاء ذلك في رواية أخرى عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما «أن رسول اللــه صلى الله عليه وسلم كــان يصلي سُبْحته حيثما توجهت بـه ناقته » رواه مسلم. وعــن ابن عمــر رضــي اللــه عنهما قال «سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في السفينة، فقال : كيف أُصلي في السفينة؟ فقال: صل فيها قائماً إلا أن تخاف الغَرَقَ» رواه البزَّار.

ويُندب للمسلم أن يستقبل القبلة عند بدء الصلاة وتكبيرة الإحرام، ثم لا يضيره أين تتجه به راحلته أو مركوبُه بعد ذلك، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال «كان رسول الله ïپ² إذا أراد أن يصلي على راحلته تطوُّعاً استقبل القبلة فكبَّر للصلاة، ثم خلَّى عن راحلته فصلى حيثما توجَّهت به» رواه أحمد.

أما الصلاة المفروضة أو المكتوبة فالأصل فيها أن تُصلَّى على الأرض وليس على الدابة، فعن سالم بن عبد الله عن أبيه قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبِّح على الراحلة قِبَل أيِّ وجه توجَّه، ويُوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة » رواه مسلم. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته حيث توجَّهت، فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القِبلة» رواه البخاري.

أما إن عجز المسلم عن الصلاة على الأرض لمطرٍ نازلٍ ووحلٍ حاصلٍ جازت الصلاة المكتوبة على الدابة وفي السيارة، ويجب في هذه الحالة استقبالُ القِبلة طيلة وقت الصلاة، فقد روى يَعْلَى بن مُرة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى مضيق هو وأصحابه وهو على راحلته، والسماء من فوقهم والبِلَّةُ مِن أسفلَ منهم، فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن فأذن وأقام، ثم تقدَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته فصلى بهم يُومئ إيماءً، يجعل السجود أخفض من الركوع، أو يجعل سجوده أخفض من ركوعه» رواه أحمد والنَّسائي.

أما في حالة الخوف من عدوٍ وشبهه، فلا بأس بأداء صلاة الفريضة على الدابة وعلى كل مركوب، ولْيُصلِّ المسلم كيفما اتفق له، مستقبِلاً القِبلة وغير مستقبِلٍ لها، فقد رُوي عن ابن عمر رضي الله عنهما «أنه كان إذا سُئل عن صلاة الخوف وصفها، ثم قال: فإن كان خوفٌ هو أشدَّ من ذلك صلوا قياماً على أقدامهم وركباناً مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، قال نافع: ولا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم» رواه البخاري.

الفصـلُ الرابـع

أحوالُ المُصَلّي

الطهارةُ للصلاة**

إنه لمن المعلوم من الدين بالضرورة أن الصلاة يُشترط لها الطهارة من الحدثين الأكبر والأصغر لا أعلم فقيهاً يقول غير هذا، وقد جرى على هذا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون وسائر المسلمين، ولكن ذلك لا يمنع من استعراض عدد من النصوص الدالَّة على ذلك:

أ- قال تعالى: يَا أيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوْا إذَا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوْهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ إلى المَرَافِقِ وامْسَحُوا برُؤُوْسِكُمْ وأَرْجُلَكُمْ إلى الكَعْبَيْنِ وإنْ كَنْتُم جُنُباً فاطَّهَّرٌوا … الآية 6 من سـورة المائدة.

ب- قال تعالى يَا أيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوْا لا تَقْرَبُوْا الصَّلاةَ وأَنْتُمْ سُكَارَى حتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُوْلُوْنَ وَلا جُنُباً إلا عَابِرِي سَبِيْلٍ حتَّى تَغْتَسِلُوْا … الآية 43 من سورة النساء.

ج- عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مفتاح الصلاة الوضوء وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة.

الآية الأولى أمرت بالوضوء عند إقامة الصلاة، والاغتسال من الجنابة للجُنُب عند إقامة الصلاة أيضاً، والآية الثانية أمرت بالاغتسال من الجنابة للجُنُب قبل الصلاة، والحديث الشريف وصف الوضوء بأنه مفتاح الصـلاة، بمعنى أنه لا يدخل إلى الصلاة إلا بالوضوء، ففي هذه النصوص الثلاثة جاء الأمر بالتَّطهُّر قبل أداء الصلاة، فوجب على المسلم أن يكون طاهراً من الحدثين الأكبر والأصغر إن هو أراد الصلاة.

ورب قائل يقول إن وجوب الطهارة للصلاة مسلَّم به ولكن ذلك لا يعني أن الطهارة شرطٌ لصحة الصلاة، كالأمر بالتَّوجُّه نحو القِبلة، فإنه وإن كان من واجبات الصلاة إلا أنه لا يوجد دليلٌ يدل على أنه شرط لصحة الصلاة فهذا كذاك. فنقول لهؤلاء: نعم إن مجرد الوجوب لا يعني أنه شرط، فالواجب إن لم يُقَمْ به فإن صاحبه يأثم وتبقى الصلاة صحيحة، في حين أن شرط صحة الصلاة إن لم يُقَمْ به فإن الصلاة تكون باطلة غير مقبولة، ونقول إن الطهارة شرط صحة وليست واجبة فحسب، وذلك لأن الشرع اعتبر الصلاة بدون الطهارة غير مقبولة، وهذا يعني أن الطهارة شرطُ صحةٍ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله  «لا يقبل الله صلاةَ مَن أحدث حتى يتوضأ» رواه البخاري وأحمد. ورواه مسلم بلفظ «لا تُقبل صلاةُ أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». فهذا نصٌّ يفيد أن الوضوء شرط لصحة الصلاة وقبولها، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إني سمعت رسول الله  يقول «لا تُقبل صلاةٌ بغير طهور، ولا صدقةٌ مِن غُلُول» رواه مسلم والبخاري والترمذي والدارمي وأحمد. وهذا نص يفيد أن الطُهُّور - عموم الطُهُّور - شرطٌ لصحة الصلاة وقبولها، يدخل فيه الوضوء ورفع الحدث الأكبر، أي الغسل من الجنابة. فالتطهُّر بالوضوء والتطهُّر بالغسل من الجنابة كلاهما شرط لصحة الصلاة، وكما قلت في أول البحث، فإن هذا الأمر معلوم من الدين بالضرورة.

سَترُ العَورة

سَتر العورة شرط لصحة الصلاة وقبولها، فالله عزَّ وجلَّ لا يقبل من مسلم صلاة يصليها وهو كاشف عورته، يستوي في ذلك الذكور والإناث، سواء كانت الصلاة أمام الناس أو في خلوة، فينبغي للمصلي أن يستر عورته في الصلاة، قال تعالى يَا بَنِي آدَمَ خُذُوْا زِيْنَتكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ … الآية 31 من سورة الأعراف. وقد ذكر ابن عباس رضي الله عنه سبب نزول هذه الآية فقال «كانت المرأة إذا طافت بالبيت تُخرج صدرَها وما هناك فأنزل الله تعالى خُذوا زينتَكم عند كل مسجد» رواه البيهقي. فالزينة المطلوبة في هذه الآية هي اللباس وستر العورة، وروى ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إذا صلَّى أحدُكم فَلْيَتَّزِرْ ولْيَرتدِ» رواه ابن حِبَّان وأحمد والبيهقي والطحـاوي. وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي  قال «لا يقبل الله صلاة حائضٍ إلا بخمار» رواه ابن ماجة وأحمد وأبو داود وابن حِبَّان. وروى محمد بن سيرين «أن عائشة رضي الله عنها نزلت على صفية أُم طلحة الطلحات، فرأت بنات لها يصلين بغير خِمْرةٍ قد حِضْن، قال فقالت عائشة: لا تُصَلِّيَنَّ جاريةٌ منهن إلا في خمار، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليَّ وكانت في حجري جارية، فألقى عليَّ حَقْوه فقال: شُقِّيه بين هذه وبين الفتاة التي في حجر أُم سلمة، فإني لا أراها إلا قد حاضت أو لا أراهما إلا قد حاضتا» رواه أحمد . قوله يُصلين بغير خِمرة: أي يُصلين بغير أغطية الرؤوس. والحَقْو : هو موضع الإزار وهو هنا الإزار نفسه. وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا يقبل الله من امرأةٍ صلاةً حتى تُواري زينتها، ولا من جارية بلغت المحيض حتى تختمر» رواه الطبراني. وعن أُم سلمة رضي الله عنها «أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم : أتصلي المرأة في درع وخِمار ليس عليها إزار؟ قال: إذا كان الدرع سابغاً يُغطي ظهور قدميها» رواه أبو داود والحاكم.

بيَّنت هذه النصوص أن على المرأة عند الصلاة أن تستر جميع بدنها من رأسها حتى قدميها بدلالة (الخمار) في حديث ابن ماجة وحديث أحمد، و (حتى تختمر) في حديث الطبراني، وبدلالة (ظهور قدميها) في حديث أبي داود والحاكم. ولا يُستثنى مِن ستر بدنها سوى الوجه والكفين فحسب لقوله تعالى وَلا يُبْدِيْنَ زِيْنَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا الآية 31 من سورة النور، فقوله تعالى إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا هو استثناء فسَّره ابن عباس وعائشة وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم بالوجه والكفين.

ويشترط لستر العورة أن تكون الثياب سميكة تخفي لون البشرة تحتها فلا تُجزئ الثياب الرقيقة الشفافة، فعن أُسامة بن زيد رضي الله عنه قال « … قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما لك لم تلبس القُبْطِية؟ قلت: كسوتها امرأتي، فقال: مُرْها فلْتجعل تحتها غلالةً ، فإني أخاف أن تصف حجم عظامها» رواه أحمد. والقُبطية كساء رقيق يُنسب إلى أقباط مصر.

أما عورة الرجال فما بين السرة إلى الركبتين، وليست السُّرة ولا الركبتان من العورة ، ولكن الأحوط ستر السرة ، وذلك لأنها لصغرها لا يكاد المرء يستطيع وهو ينظر اليها أن يَصرف نظره عما تحتها فيقع في الحرام ، فعن أبي أيوب رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول «ما فوق الركبتين من العورة ، وما أسفل من السرة من العورة» رواه الدار قطني. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «وإذا زوَّج أحدُكم عبدَه أمتَه أو أجيرَه فلا تنظر الأمة إلى شئ من عورته، فإن ما تحت السُّرة إلى ركبته من العورة» رواه البيهقي.

أما الفخذان فهمــا من العــورة لمـــا روى محمــد بن جحــش قـــال «مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم وأنا معه على مَعْمَر وفخذاه مكشوفتان، فقال: يا مَعْمَر غطِّ فخذيك فإن الفخذين عورة» رواه أحمد والحاكم. وعن جَرْهَـــد «أن النبي صلى الله عليه وسلم أبصره وقد انكشف فخذُه في المسجد وعليه بُردة فقال: إن الفخد من العورة» رواه الحاكـم وصححــه. ورواه الترمذي وحسَّنه. وروى أحمد الحديث بألفاظ قريبة. وعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «الفخذ عورة» رواه الترمذي والبيهقي. وذكره البخاري تعليقاً - أي بدون سند -.

أما ما استدل به بعضهم على أن الفخذ ليس عورة، وأن العورة عندهم هي القُبُل والدُّبُر فحسب - وهو ما رواه أحمد من طريق عائشة رضي الله عنها «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالساً كاشفاً عن فخذه، فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عمر فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عثمان فأرخى عليه ثيابه، فلما قاموا قلت : يا رسول الله استأذن أبو بكر وعمر فأذنت لهما وأنت على حالك، فلما استأذن عثمان أرخيت عليك ثيابك، فقال: يا عائشة ألا أستحي من رجل واللهِ إن الملائكة تستحي منه ؟» - فالجواب عليه أن هذا فِعلٌ منه عليه الصلاة والسلام، والأحاديث السابقة قولٌ وأمرٌ منه، والقول والأمر أقوى في الاستدلال من الفعل ، ثم إن هذا الحديث رواه مسلم بلفظ «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعاً في بيتي كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه فاستأذن أبو بكر …». ففيه تردُّدٌ بين الفخذين والساقين ، والساقان ليستا من العورة ، فصار الحديث محتملاً، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال، وقل مثل ذلك بخصوص ما رواه أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا خيبر - إلى أن قال «وانحسر الإزار عن فَخِذَيْ نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فإني لأرى بياض فخذَيْ نبي الله صلى الله عليه وسلم …» رواه أحمد . ورواه البخاري بلفظ «حُسِر الإزار». فإن هذا الحديث حادثة فعلٍ، وتلك أقوال وأوامر ، فتلك أقوى في الاستدلال. ومن ناحية ثانية فإنَّه إذا تعارضت أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم مع أفعاله حُملت أفعاله على أنها من خصوصياته، وبقيت أقواله محكمةً واجبة الاتِّباع كما هو الحال هنا. والنتيجة هي إنَّه يجب على المصلي أن يستر ما بين سرته إلى ركبتيه عند الصلاة إن كان ذكراً، وأما الأنثى فتستر جميع بدنها ما عدا الوجه والكفَّين.

مغادرةُ المسجد عقب الأذان

يحرم على من سمع الأذان وهو في المسجد، أو من دخل المسجد عقب الأذان، أن يخرج منه قبل أن يؤدي الصلاة المفروضة إلا لعذرٍ شرعي كقضاء الحاجة أو الوضوء، وهو ينوي العودة إليه لأداء الصلاة، فعن أبي الشعثاء قال: سمعت أبا هريرة ـ ورأى رجلاً يجتاز المسجد خارجاً بعد الأذان - فقال «أمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلّم» رواه مسلم والبيهقي. وعن أبي الشعثاء عن أبي هريرة «أنه كان في المسجد، فأذَّن المؤذن فخرج رجل، فقال أبو هريرة: أمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلّم، أمَرَنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم إذا سمعنا النداء أن لا نخرج من المسجد حتى نصلي» رواه أبو داود الطيالسي وأحمد. قال الترمذي (وعلى هذا العملُ عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم ومَن بعدهم أن لا يخرج أحدٌ من المسجد بعد الأذان إلا *مِن عذر أن يكون على غير وضوء أو أمر لا بد منه).

الأذانُ في عصرنا الحديث

تقوم بعض الإذاعات برفع الأذان للصلوات الخمس، فيسمعه الناس من المذياع والتلفاز، فهذا الأذان لا يجوز لأهل مدينة أو قرية أو مُجَمَّعِ إسكانٍ أن يقتصروا عليه فلا يُرفع فيهم الأذان من مساجدهم، فالأذان من المذياع والتلفاز لا يغنيهم عن رفع الأذان، بل لا بد لأهل الأمصار من أن يرفعوا بأنفسهم الأذان، إذ ما دام الأذان فرض كفاية عليهم فلا بد من أن *يُؤدُّوه بأنفسهم.

ويقوم الناس بتسجيل أذان بعض المؤذنين، خاصةً مؤذني المسجد الحرام بمكة والمسجد النبوي بالمدينة، فمثل هذا التسجيل لا يجوز أن يوضع في إذاعات المساجد وإسماع الناس الأذان المسجَّل عوضاً عن رفعه مِن قِبَل مؤذن المسجد، ذلك أن رفع الأذان فرض كفاية على أهل المصر، فلا بد لهم من تأدية هذا الفرض، أما إدارةُ آلة التسجيل وإسماعُ الناس الأذان المسجَّل فإنه لا يُسقط عن أهالي المدينة أو القرية الفرض عليهم، فالمسجد الذي يُذاع منه الأذان المسجَّل لا يُعتبر أنَّ أحداً من الأهالي قام بأداء الفرض فيه.

والبُلدان إما أن تتعدد فيها المساجد ، وإما أن لا يكون فيها سوى مسجد واحد، فإن كان في المدينة أو القرية مسجدٌ واحد فلا بد شرعـاً من أن يَرفع الأذانَ فيه شخصُ المؤذن حيَّاً على الهواء مباشرة ، ولا يجوز له ولا لغيره أن يسجِّلوا أَذانهم، ثم يقوموا ببثه بواسطة آلة التسجيل وإذاعة المسجد عند دخول كل وقت من أوقات الصلاة، فهذا لا يُسقط الفرض عنهم.

أمَّا في المدينة أو القرية الكبيرة التي تضمُّ عدداً من المساجد، فإن قيام مؤذنِ مسجدٍ منها برفع الأذان يُعتَبَر قياماً بالفرض من أهل مدينته أو قريته، وفي هذه الحالة لو قامت المساجد الأخرى ببث الأذان المسجَّل فلا بأس، ويكون عملها في هذه الحالة مجرد إعلامِ الناس بدخول وقت الصلاة، ولا يُعتبر فعلُها هذا تأديةً لفرض الأذان، فلا ينال فاعلُه ثوابَ التأذين الذي يناله لو قام هو بنفسه برفع الأذان .

ومثل هذه الحالة الثانية أن تُربَطَ مساجدُ المدينة الواحدة بشبكة إذاعةٍ موحَّدة تقوم ببث الأذان من مؤذن إحداها، فيسمع أهل المدينة الواحدة صوت مؤذن واحد في مسجد واحد فحسب من سمَّاعات المساجد كلها، فهذه الحالة جائزة شرطَ أن يَرفع الأذان مؤذنٌ بشخصه وليس من شريط مسجَّل، أما إن حصلت هذه الحالة بواسطة شريط مسجَّل فإنها لا تفي بالغرض ، ويأثم أهل المدينة جميعُهم.

فالعبرة في هذه الحالة وفي الحالة الثانية التي سبقتها هي أن يَرفع الأذانَ في البلد الواحد شخصٌ واحد بنفسه على الأقل، ثم لا يضير أهلَ البلد أن يستعملوا الأذان المسجَّل في المساجد الأخرى بعدئذٍ، أمَّا أن لا يَرفع الأذانَ في البلد الواحد أيُّ مُؤذِّن بنفسه فإنه لا يجوز، ويأثم جميع السكان.

ويحصل أن تقع قريتان في منطقة ضيقة لا يفصل بينهما سوى ميلين أو ثلاثة أميال مثلاً، بحيث لو أُذِّن في مسجد إحدى القريتين سمع أهلُ القرية الأخرى الأذان هذا، فإن الأذان هذا يُسقط الفرض عن أهل القرية الأولى، ولا يُسقطه عن أهل القرية الأخرى، إذ لا بد لأهل القرية الأخرى مِن أن يرفعوا هم أيضاً الأذان في قريتهم، أي لا بد لأهل كل قرية من القريتين من القيام بفرض التأذين، سواء وصل أذان إحداهما إلى الأخرى أو لم *يصل.

فضلُ الأذان

فضل الأذان عظيم وثوابُ رفعِهِ كبير، فقد روى البَرَاء بن عازب رضي الله عنه «أنَّ نبي الله صلى الله عليه وسلم قال … والمُؤذن يُغفرُ له مدَّ صوته، ويصدِّقه مَن سمعه من رطبٍ ويابس، وله مثل أجر من صلى معه» رواه أحمد والنَّسائي. ويتحصل كمال الفضل للمؤذن إن هو لم يأخذ أجرةً على التأذين وأدَّاه احتساباً، فعن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه قال «يا رسول الله اجعلني إمامَ قومي، قال: أنت إمامُهم واقتدِ بأضعفهم، واتَّخذْ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً» رواه أبو داود وأحمد. ويكفي المؤذن شرفاً وفضلاً أنه يكون بين الناس يوم القيامة أطولهم عنقاً، فعن معاوية قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «المؤذنون أطولُ الناس أعناقاً يوم القيامة» رواه مسلم. ولكن إنْ أخذ المؤذن أُجرة على التأذين فإنَّ ذلك يجوز، فعن أبي محذورة - من حديث طويل - قال «… فألقى إليَّ رسولُ الله  التأذين هو نفسه … ثم دعاني حين قضيتُ التأذين، فأعطاني صُرَّةً فيها شئ من فضة …» رواه أحمد والنَّسائي وابن ماجة وابن حِبَّان وأبو داود.

حكمُ الأذان

الأذان فرضٌ على الكفاية على أهل الأمصار من مدن وقرى دون مَن كانوا في مزارعهم ومتنزهاتهم أو كانوا مسافرين، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «ما مِن ثلاثةٍ في قرية فلا يُؤذَّن ولا تُقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان …» رواه أحمد. فقد قال (في قرية). وروى مالك أن ابن عمر كان يقول «إنما الأذان للإمام الذي يجتمع الناس إليه». وروى الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال «إقامةُ المِصر تكفي».

والأذان من شعائر الإسلام، فقد روى أنس رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا بنا قوماً لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذاناً كفَّ عنهم، وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم» رواه البخاري. وإذا كان التأذين فرض كفاية على سكان البلدان، فإنه مندوب للمسافرين والمنفردين والمنتشرين في الحقول، فعن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري أن أبا سعيد الخُدري قال له «إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك أو باديتك فارفعْ صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جنٌّ ولا إنس ولا شئ إلا يشهد له يوم القيامة، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله » رواه البخاري وأحمد والنَّسائي وابن ماجة ومالك. وعن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله  يقول «يُعجَب ربُّك من راعي غنم في رأس الشَّظيَّة للجبل يؤذِّن للصلاة ويصلي، فيقول الله: انظروا إلى عبدي هذا يؤذِّن ويقيم الصلاة يخاف مني، قد غفرتُ لعبدي وأدخلته الجنة» رواه ابن حِبَّان وأحمد وأبو داود والنَّسائي. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال «سمع رسول الله  رجلاً وهو في مسيرٍ له يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال نبي الله : على الفطرة، ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله : حَرُم على النار، فابتدرناه فإذا هو صاحب ماشية أدركته الصلاة فنادى بها» رواه ابن حِبَّان ومسلم وأحمد والترمذي وابن خُزيمة.

والتأذين عبادة مفروضة على الرجال دون النساء ، وهذا الحكم معلـوم عند جميع المسلمين ، قال ابن عمر رضي الله عنه «ليس على النِّساء أذانٌ ولا إقامة» رواه البيهقي. وكونه مفروضاً على الرجال لا يعني أنه لا يجوز للمرأة أن تُؤذن أو تُقيم في جماعة النساء، فقد روى البيهقي عن عائشة رضي الله عنها «أنها كانت تؤذن وتقيم وتؤُم النِّساء، وتقوم وسطهن» وطبعاً كان ذلك يحصل في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالأذان جائزٌ للنساء.

أحوال المؤذن

يُسنُّ للمؤذن أن يرفع الأذان واقفاً، لأن ذلك أبلغ في توصيل الصوت، وهذا قبل أن تُعرف مكبِّرات الصوت، ولكن الاستمرار على هذه السنَّة أفضل وأولى، فعن ابن عمر أن رسول الله  قال «يا بلال قُم فنادِ بالصلاة» رواه البخاري ومسلم. كما يُسنُّ له أن يستقبل القبلة إلا عند الحيعلة، فيلتفت يميناً ويلتفت شمالاً، فعن أبي جُحَيفة رضي الله عنه قال «رأيت بلالاً خرج إلى الأبطح فأذَّن، فلما بلغ حيَّ على الصلاة حيَّ على الفلاح، لوى عنقه يميناً وشمالاً ولم يَستَدِر …» رواه أبو داود. ولا بدَّ من أن بلالاً كان يفعل هذا بإقرارٍ من الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذا كله إن رُفِعَ الأذانُ بغير مكبِّر الصوت، أمّا إن رُفِعَ بمكبِّر الصوت فلا يلزم ذلك. ولا بأسَ بأن يضع المؤذن أصبعيه في أُذنيه في أثناء التأذين، فذلك يساعده على تحسين أدائه، فعن أبي جحيفة رضي الله عنه قال «رأيت بلالاً يؤذن ويدور، وأتتبع فاه ههنا وههنا - يعني يميناً وشمالاً - وأصبعاه في أذنيه» رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي.

ويُندب للمؤذن أن يؤذِّن على طهارة لأن الأذان ذِكرٌ ، وتُسنُّ للذِّكر الطهارة، فقد روى المُهاجر بن قُنفذ رضي الله عنه «أنه أتى النبي  وهو يبول، فسلم عليه فلم يردَّ عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال: إني كرهتُ أن أذكر الله عزَّ وجلَّ إلا على طهارة» رواه أبو داود.

ويُفضَّل أن يكون صوت المؤذن حسناً نَدِيَّاً قوياً، فقد جاء في حديث عبد الله بن زيد المار في [فرض الأذان وألفاظه] «فقم مع بلال فأَلقِ عليه ما رأيت فلْيؤذن به، فإنه أندى صوتاً منك». وجاء في حديث البراء بن عازب المار في [فضل الأذان] «والمؤذن يُغفرُ له مدَّ صوته، ويُصدِّقه مَن سمعه من رطب ويابس».

ويرفع الأذان أيُّ رجل مسلم ولو كان فاسقاً، ولو كان جاهلاً ، ولو كان أعمى، فعن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال «أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن شبيبة متقاربون، فأقمنا معه عشرين ليلة، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيماً رفيقاً، فظنَّ أنَّا قد اشتقنا أهلنا، فسألنا عمن تركنا في أهلنا فأخبرناه فقال: ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم، وعلِّموهم ومروهم إذا حضرت الصلاة، فلْيؤذن لكم أحدُكم، ثم ليؤمَّكُم أكبرُكم» رواه أحمد. فقوله عليه الصلاة والسلام «فليؤذن لكم أحدُكم» هو دليل على عدم وجــود شروط فــي المؤذن سوى أن يكون واحداً منهم، أي مسلماً. وقــد كـــان لرسول اللــه صلى الله عليه وسلم مؤذن أعمى هو ابن أُم مكتوم. والأذان فرض على الرجال دون النساء كما مرَّ في بحث [حكم الأذان] ، ويصح الأذان من صبي قادر قوي الصوت لأنه يدخل تحت لفظة (أحدكم) .

ويُسنُّ ترتيل الأذان ، بمعنى أن تُمدَّ حروفُ المد فيه مداً مناسباً يُضفي على الأذان جمالاً، فتُمَدُّ حروفُ الألف والواو والياء دون سواها من الحروف، فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نرتِّل الأذان ونحذف الإقامة» رواه الدار قطني.

إلا أنه يجب أن يُعلَم أن الترتيل لا تنبغي المبالغةُ فيه إلى أن يتحول إلى غناء وتطريب، فإنه إن وصل إلى هذا الحدِّ مُنع، فعن ابن عباس رضي الله عنه «كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذِّن يُطرِّب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأذان سهلٌ سمحٌ، فإن كان أذانك سهلاً سمحاً وإلا فلا تؤذن» رواه الدار قطني. وأنا لستُ عالماً بفن الغناء والطرب حتى أخوض فيه وأُبيِّن الفارق بينه وبين الترتيل، ولكن لا بأس من أن أقول: إن الحروف إذا جرى مدُّها على وتيرة واحدة فهو ترتيل، وإذا جرى مدُّها مُكسَّرةً ذات ترددات متفاوتة في القوة والضعف فهو الغناء، والله أعلم.

ألأذانُ أولَ الوقت

لا يجوز تقديم الأذان عن أول الوقت إلا في حالتين، إحداهما: النداء لصلاة الجمعة، فيجوز رفع النداء الأول قبل دخول الوقت، وتجدون هذا مفصَّلاً في بحث [النداء ليوم الجمعة] فصل [صلوات مفروضة عدا الصلوات الخمس] ، والأُخرى: النداء لصلاة الفجر في رمضان فحسب، ففي هذه الحالة أيضاً يجوز تقديم الأذان ليُتِمَّ المُتهجِّدُ صلاته ويستيقظ النائم، ويتمكن الغافل من تناول طعام السحور. والدليل على أن التأذين يكون في أول الوقت هو ما رواه جابر بن سمرة رضي الله عنه قال «كان بلال يؤذن إذا زالت الشمس لا يَخرِم، ثم لا يقيم حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم، قال فإذا خرج أقام حين يراه» رواه أحمد. وأما الدليل على استثناء الفجر في رمضان فما رُوي عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «لا يمنعنَّ أحدَكم أو أحداً منكم أذانُ بلالٍ من سَحوره، فإنه يؤذن أو ينادي بليل، ليرجع قائمكم ولينبه نائمكم» رواه البخاري. وفـي هذه الحالة فإنه يجب رفع أذان ثان عند دخول الميقات لصلاة الصبح، ويفصل بين الأذانين مقدار يسير قدر تناول وجبة طعام، أو قدر ما يحتاجـه المرء لقضاء حاجته والوضوء، وتُقدَّر في زمن استعمال الساعات الحديثة بعشر دقائق أو بربع ساعة، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله : «إذا أذَّن بلال فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن اُم مكتوم قالت: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا» رواه النَّسائي.

ما يقال عند التأذين وعقب الفراغ منه

يُندب للمسلم عند سماع الأذان أن يقول مثل ما يقول المؤذن إلا أن يقول المؤذن [حيَّ على الصلاة حيَّ على الفلاح] فيقول [لا حول ولا قوة إلا بالله] لما رُوي عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكبر فقال أحدُكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أنَّ محمداً رسول الله قال: أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حيَّ على الصَّلاة قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال: حيَّ على الفلاح قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله قال: لا إله إلا الله ، مِن قلبه دخل الجنة» رواه مسلم وأبو داود وابن خُزيمة وابن حِبَّان. وعن أبي سعيد الخُدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن» رواه البخاري وأحمد ومالك وأبو داود.

أمَّا عقب فراغ المؤذن من الأذان فيُسنُّ للمسلم أن يقول ما يلي:

1- [اللهم صلِّ وسلِّم على رسول اللـه] أو أية صيغـة مـن صيغ الصـلاة على الرسول .

2- [اللهم رب َّهذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آتِ محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته].

3- [أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله رضيتُ بالله رباً وبمحمدٍ رسولاً وبالإسلام ديناً].

4- [اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة].

والأدلة على ذلك ما يلي بالترتيب:

1- عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليَّ، فإنه مَن صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلةٌ في الجنة لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلَّت له الشفاعة» رواه مسلم وأحمد وأبو داود.

2- عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من قال حين يسمع النداء: اللهم ربَّ هذه الدعوة التامةِ والصلاة القائمةِ آتِ محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلَّت له شفاعتي يوم القيامة» رواه البخاري وأحمد وأبو داود والنَّسائي والترمذي.

3- عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «مَن قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله رضيتُ بالله رباً وبمحمدٍ رسولاً وبالإسلام ديناً، غُفر له ذنبه» رواه مسلم وأحمد. أما عقب أذان المغرب خاصةً فيُندب للمسلم أن يضيف إلى ما سبق الكلمة التالية: [اللهمَّ إنَّ هذا إقبالُ ليلك وإدبارُ نهارك وأصواتُ دُعاتِك فاغفر لي] لما رُوي عن أُم سلمة رضي الله عنها أنها قالت «علَّمني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقول عند أذان المغرب: اللهم إنَّ هذا إقبالُ ليلك وإدبارُ نهارك وأصواتُ دُعاتِك فاغفر لي» رواه أبو داود والحاكم.

4- كما يندب للمسلم أن يُكثر من الدعاء عقب الأذان وقبل الإقامة، لأن الدعاء في هذا الوقت مستجاب لا يُرد، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الدعاء لا يُردُّ بين الأذان والإقامة ، قالوا : فماذا نقول يا رسول الله ؟ قال : سلُوا الله العافيةَ في الدنيا والآخرة» رواه الترمذي. ورواه أحمد بلفظ «الدعاء لا يُردُّ بين الأذان والإقامة».

حكمُ الصلاة المكتوبة الصلاة ركن من أركان الإسلام، وهي فرضٌ واجبةٌ على كل مسلم عاقل بالغ ذكراً كان أو أنثى، أما الصبي الذي لم يبلغ الحُلُم فهو غير مكلَّف شرعاً بأي تكليف، ومع ذلك فإنه فيما يتعلق بالصلاة قد طُلب من وليِّ أمره أن يأمره بأداء الصلاة، ولا شئ على وليِّ أمره أكثر من الأمر حتى يبلغ الصبي عشر سنين، فحينئذ يُطلب من وليِّ الأمر أن يضرب صبيه إن هو لم يمتثل للأمر ولم يصلِّ ، ليدل كلُّ ذلك على ما للصلاة من أهمية ومكانة عند المسلمين، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرِّقوا بينهم في المضاجع» رواه أبو داود وأحمد والحاكم. وعن سبرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «علِّموا الصبي الصلاةَ ابن سبع سنين، واضربوه عليها ابن عشرة» رواه الترمذي. ورواه أحمد بألفاظ مختلفة.

فالصبي ابن سبع سنوات يؤمر شرعاً بالصلاة، ويُضرب عليها إن هو بلغ عشر سنوات، رغم أنه غير مكلَّف شرعاً لأن البلوغ شرطٌ في التكليف، وهذا الأمر وهذا الضرب إنما هما لتعويد الصبي على الصلاة وتمرينه عليها وليس ذلك تكليفاً له بها، فعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «رُفع القلم عن ثلاث، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يعقِل» رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي والنَّسائي.

أما تارك الصلاة فهو إما أن يكون تَرَكها كسلاً وتهاوناً، وإما أن يكون تركها إنْكَاراً لوجوبها وجحوداً لها، فأَما إن هو تركهاً كسلاً وتهاوناً فهو فاسق عاصٍ يُعاقَب على فعله تعزيراً بعقوبةٍ يراها الحاكم والقاضي زاجرة، وأَما إنْ هو تركها جحوداً وإنكاراً فهو كافر مرتد عن دين الله سبحانه، وهذا يُستتابُ ثلاثة أيام فإن تاب وإلا قتل، فعن عُبادة بن الصامت رضي الله عنه قال «خمس صلوات افترضهن الله على عباده، فمن لقيه بهن لم يضيِّع منهن شيئاً لقيه وله عنده عهد يُدخِله به الجنة، ومن لقيه وقد انتقص منهن شيئاً استخفافاً بحقهنَّ لقيه ولا عهد له، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له» رواه أحمد وابن ماجة. ورواه أبو داود بلفظ «خمسُ صلوات افترضهن الله تعالى، مَن أحسن وضوءَهنَّ وصلاَّهنَّ لوقتهنَّ وأتمَّ ركوعهنَّ وخشوعهنَّ كان له على الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه» فلو كان ترك الصلاة كفراً كما يقول بذلك عدد من الأئمة لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن شاء غفر له» لمن يترك الصلاة بالانتقاص منها كما يفيد النص الأول، وبعدم الفعل لها كما يفيد النص الثاني، فالانتقاص ترك لقسم منها، وعدم الفعل ترك لها كلها، وهذا وذاك يبقيان تحت رحمة الله ومشيئته بالمغفرة، فإذا علمنــا أن اللـه سبحانه لا يغفر للكافر ولا يغفر للمشرك ولا يغفر للمرتد عن دينه، وأن ذلك معلوم من الدين بالضرورة، وأن في القرآن دليل ذلك - فالله سبحانه يقول صلى الله عليه وسلم إن الله لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلك لِمْنْ يَشَاءُ ومَنْ يُشْرِكْ باللهِ فَقَد افْتَرَى إثْمَاً عَظِيْمَاً صلى الله عليه وسلم الآية 48 من سورة النساء، ويقول عزَّ وجلَّ صلى الله عليه وسلمإنَّ الذين كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيْلِ الله ثُمَّ مَاتُوا وهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ الله لهمصلى الله عليه وسلم الآية 34 من سورة محمد، ويقول سبحانه صلى الله عليه وسلم… ومَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِيْنه فَيَمُتْ وهُو كَافِرٌ فأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيْهَا خَالِدُوْنَصلى الله عليه وسلم الآية 217 من سورة البقرة - أدركنا أنَّ تارك الصلاة جزئياً أو كلياً غير كافر وغير مشرك وغير مرتد ، فلم يبق إلا أن يكون مسلماً عاصياً وفاسقاً فحسب.

ورب قائل يقول إن النص الأول وهو الانتقاص لا يدل على الترك جزئياً للصلاة وإنما يدل على لحوق النقص في صلواته من خشوع وقنوت واطمئنان وما إلى ذلك، وإن النص الثاني لا يدل كذلك على الترك الكلي، وإن قوله «ومن لم يفعل» ينصرف إلى عدم إحسان الوضوء والصلاة في غير وقتها، وعدم إتمام الركوع والخشوع، فنقول له إنَّ عندنا نصاً فيصلاً لا يحتمل إلا الترك الكلي للصلاة، وهذا هو: عن عُبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلميقول «خمس صلوات كتبهن الله عزَّ وجلَّ على العباد، فمَن جاء بهنَّ لم يضيِّع منهن شيئاً استخفافاً بحقهنَّ كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومَن لم يأت بهنَّ فليس له عند الله عهد، إن شاء عذَّبه وإن شاء أدخله الجنة» رواه مالك وأبو داود والنَّسائي والبيهقي. ورواه أحمد ولفظه «… إن شاء عذبه وإن شاء غفر له». وتحضرني في هذا المقام أحاديث صحيحة انصرف الكثيرون من الفقهاء عنها ولا أقول جميعهم، واضطربوا في فهم دلالاتها، ولم يقفوا عندها أذكر منها ما يلي:

أ - عن أبي بكر عن أبيه أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من صلى البَرْدَين دخل الجنة » رواه مسلم والبخاري ومالك وعبد الله بن أحمد. والبردان هما صلاتا الفجر والعصر.

ب - عن عمارة بن رُؤيبة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «لن يلج النار أحدٌ صلَّى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، يعني الفجر والعصر» رواه مسلم وأبو داود وابن خُزَيمة وأحمد والنَّسائي.

ج - عن فُضالة رضي الله عنه قال: علَّمني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان فيما علمني «وحافِظْ على الصلوات الخمس، قال قلت: إنَّ هذه ساعاتٌ لي فيها أشغالٌ فمُرْني بأمرٍ جامعٍ إذا أنا فعلتُه أَجْزأ عني، فقال: حافظ على العصرين، وما كانت من لغتنا ، فقلت: وما العصران؟ فقال: صلاةٌ قبل طلوع الشمس وصلاةٌ قبل غروبها» رواه أبو داود وأحمد. فأقول: أليس من اقتصر على صلاتي الفجر والعصر يُعتبر تاركاً للصلوات الخمس تركاً جزئياً ومع ذلك يبقى مسلماً؟.

أمَّا الأحاديث التي هي من مثل ما رواه بُرَيدة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» رواه أحمد وابن ماجة والنَّسائي والترمذي. وما رواه جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «بين الرجل وبين الشِّرك والكفر ترك الصلاة» رواه مسلم وأحمد والترمذي. فإنها تُحمل على التغليظ الشديد على من ترك الصلاة، فهي من مثل ما رُوي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» رواه البخاري ومسلم. وما رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت» رواه مسلم وأحمد. وما رُوي عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ليس مِن رجلٍ ادَّعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر بالله …» رواه البخاري ومسلم. وما رُوي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من أُعطي عطاءً فوجَدَ فلْيَجْزِ به، ومن لم يجد فَلْيُثْنِ، فإن من أثنى فقد شكر، ومن كتم فقد كفر …» رواه الترمذي وأبو داود وابن حِبَّان والبيهقي. وقال الترمذي (ومعنى قوله ــ ومن كتم فقد كفر ــ يقول: كفر تلك النعمة). وما رُوي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « … وأُريتُ النارَ فلم أرَ منظراً كاليومِ قطُّ أفظعَ، ورأيتُ أكثر أهلِها النساء، قالوا: بمَ يا رسول الله؟ قال: بكفرهنّ ، قيل: يكفرن بالله؟ قال: يكفرنَ العشير ويكفرن الإحسان …» رواه البخاري ومسلم.

فقتال المسلم والطعن في النسب والنياحة على الميت وادّعاء الشخص لغير أبيه وكتمان العطاء وجحود المرأة فضل زوجها وإحسانه هي بلا شك معاصٍ فحسب وليست أفعالاً تُخرج من الملة، وما إطلاق الكفر عليها إلا لمجرد التغليظ الشديد عليها. وقد أُستُعملت لفظة الكفر هنا بمعناها اللغوي وتعني السّتر والغطاء، يقال كفر الشّئ إذا ستره وغطاه، ويقال كفر الزارع البذر بالتراب إذا غطّاه، وقد ورد استعمال هذه اللفظة في كتاب الله بهذا المعنى، فقال تعالى ( وَعَدَ اللهُ الذّينَ آمنوا مِنْكمْ وَعَمِلوا الصّالحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهمْ في الأرضِ … ومنْ كَفَرَ بعْدَ ذلك فَأولئِكَ هُمُ الفَاسِقون) الآية 55 من سورة النور . فقوله - ومن كفر - فسّرها المفسرون بأنها كُفر النعمة، وقال سبحانه ( أَفَبِالباطِلِ يؤْمِنون وَبِنِعْمَةِ اللهِ همْ يكْفُرون) الآية 72 من سورة النحل. فسّرتها الآية التي قبلها ( … أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدون).

فالكفر يطلق على الخروج من الملّة، وقد يطلق على أفعالٍ محرّمة لا تُخْرِجُ من الملّة، والقرينةُ هي التي تحددُ أيّاً من المعنيين هو المقصود، وحيث أن النصوص التي وصفت ترك الصلاة بأنهُ كفر قد وُجِدت قرينةٌ منها تصرفها إلى المعنى اللغوي فحسب، وهي التي ذكرناها سابقاً، فإنه لا يصح معها أن نعتبر ترك الصلاة خروجاً من الملة، وأن من اعتبروا ترك الصلاة كفراً إنما أخطأوا فيما ذهبوا إليه.

الصلاةُ على رسول الله في الصلاة

يندب للمسلم أن يصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته، فعن أبي مسعود عقبة بن عامر رضي الله عنه قال «أقبل رجل حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن عنده فقال: يا رسول الله، أمَّا السلام فقد عرفناه فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا صلَّى الله عليك؟ قال فصَمَتَ حتى أحببنا أن الرجل لم يسأله، ثم قال: إذا أنتم صليتم عليَّ فقولوا: اللهم صلِّ على محمــد النبي الأُمي وعلــى آل محمــد كمــا صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، وبارك على محمد النبي الأُمــي وعلـى آل محمــد كمــا باركت على إبراهيم وعلــى آل إبراهيم، إنك حميــد مجيد» رواه ابن خُزَيمة. ورواه أحمــد والحاكــم قريباً منـه. قولــه أمــا السلام فقد عرفنــاه: يعنـي مــا جاء في التشهد من القول (السلام عليـك أيها النبي ورحمــة اللــه وبركاتــه) . أمــا قولــه (كيف نصلي عليك إذا نحــن صلينا فـي صلاتنـــا) فإنه يدل علــى مشروعية الصـلاة هذه في الصلاة، دون تقييدهـــا بموضع من مواضع الصلاة، إذ ليس في النصوص نص واحد صحيح أو حسنٌ يدل علـى تحديــد مكـــانٍ أو موضعٍ فـي الصلاة للصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما ما رواه البيهقي والحاكم من طريق ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «إذا تشهَّد أحدكم في الصلاة فليقل: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمداً وآل محمد، كما صليت وباركت وترحَّمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» . فهو وإن حوى تحديداً لموضعِ الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك إنما هو عقب التشهد، إلا أن هذا الحديث في إسناده مجهول - رجلٌ من بني الحارث - فهو إذن حديث ضعيف لا يُعتدُّ به. وأما ما رواه الحاكم من قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه «يتشهد الرجل ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو لنفسه» . فإنه وإن حوى أيضاً تحديداً لمكان الصلاة الإبراهيمية في الصلاة إلا أنه قول صحابي، وقول الصحابي ليس دليلاً على الأحكام الشرعية، وإنما هو حكم شرعي اجتهادي يجوز تقليده. وإذن فإنه ليس بين أيدينا نصٌّ واحد معتبرٌ يحدد موضع الصلاة الإبراهيمية في الصلاة. أما ما درج عليه المسلمون من قول هذه الصلاة عقب التشهد الأخير، وأنَّ كلمتهم قد اتفقت على ذلك ، فإنه أمرٌ نُقل إلينا عملياً جيلاً عن جيلٍ ، فكان ذلك متواتراً.

وليست للصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم صيغة معينة يجب الالتزام بها، ذلك أنه رُويت عدة صيغ لهذه الصلاة من عدة طرق صحيحة وحسنة، كل صيغة منها تُجزئ وتكفي، فقد وردت عدة صيغ منسوبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم من طرقٍ عدَّةٍ عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل وردت عدة صيغ من طريق الصحابي الواحد من هؤلاء، فقد رويت من طريق كعب بن عُجرة رضي الله عنه أكثر من ثلاث صيغ، ومثل ذلك من طريق أبي حُمَيد الساعدي رضي الله عنه، وأكثر من ذلك من طريق أبي مسعود الأنصاري عقبة بن عامر رضي الله عنه، وكل هذه الطرق صحيحة وحسنة صالحة للاستدلال. فالمسلم بالخيار بين أيٍّ من هذه الصيغ. والدليل على ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «مَن سَرَّه أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صلِّ على محمد النبي وأزواجِه أُمهاتِ المؤمنين وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد» رواه أبو داود. فقوله «من سرَّه أن يكتال بالمكيال الأوفى» هو دليل على وجود تفاوت بين الصيغ، ولولا ذلك، أو لولا أن الصلاة هذه تُؤدَّى بعدة صيغ لما كان هذا القول. وجميع هذه الصيغِ مرويةٌ ومنسوبةٌ لرسول الله ، مما يجعلنا نطمئن إلى مشروعية تعدد الصيغ، وهذا لا يمنع من الأخذ بأقوى هذه الصيغ من حيث الإسناد. وإن أقوى هذه الصيغ من حيث الإسناد هي بلا شك ما اتفق على روايتها الشيخان البخاري ومسلم ، وقد اتفق الشيخان على صيغتين من هذه الصيغ العديدة هما:

أ- [اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد].

ب- [اللهم صلِّ على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد].

فالأَولى اختيار واحدة من هاتين الصيغتين.