كتاب الجامع لأحكام الصلاة ( الجزء الثالث)

أــ الاستغفار
يُسَنُّ الاستغفار عقب الصلاة ، ويُسَنُّ أن يكــون ثلاث مــرات، فعـن ابن مسعود رضي الله عنه قال «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يدعو ثلاثاً، ويستغفر ثلاثاً» رواه أحمد وأبو داود. ويصح الاستغفار بأية صيغة من الصِّيغ، كأن يقول (أستغفرُ الله) يكررها ثلاثاً، أو يقول (أستغفرُ الله الذي لا إله إلا هو الحيَّ القيُّومَ وأتوبُ إليه) يكررها ثلاثاً، أو يقول (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتَني وأنا عبدُك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعتُ، أعوذُ بك من شرِّ ما صنعتُ، أبوءُ لك بنعمتك عليَّ وأبوءُ بذنبي، فاغفرْ لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) يكررها ثلاثاً. وهذه الصيغة الأخيرة هي خير صيغ الاستغفار وسيِّدتها. فعن ثَوْبان رضي الله عنه قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً، وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والإكرام …» رواه مسلم. ورواه أحمد وابن خُزَيمة والنَّسائي بلفظ «يا ذا الجلال والإكرام» بزيادة . وقد مرَّ في بحث [الجلوس فترةً عقب الصلاة] في هذا الفصل. وروى زيد مولى النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «من قال: استغفرُ الله الذي لا إله إلا هو الحيَّ القيُّومَ وأتوب إليه ، غُفِر له وإن كان فرَّ من الزحف» رواه أبو داود والترمذي ورواه الحاكم بسند صحيح من طريق ابن مسعود وزاد «ثلاثاً ». وعن شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم «سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقْتَني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شرِّ ما صنعتُ، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوءُ بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» رواه البخاري وأحمد وابن ماجة.

ويُندب أن يقول عقب الاستغفار (اللهم أنت السلامُ ومنك السلامُ تباركتَ يا ذا الجلالِ والإكرامِ) لحديث ثوبان، ولما روت عائشة رضي الله عنها «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سلَّم من الصلاة قال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام» رواه أحمد ومسلم.

ب ــ الاستعاذةُ
يُندب للمسلم أن يستعيذ بالله سبحانه من مجموعة من الشرور عقب الصلوات، وإنَّهُ وإنْ كان التعوُّذ بالله مندوباً في كل حين، إلا أنه عقب الصلوات آكدُ في الندب وأدعى إلى الاستجابة، فعن أبي أُمامة رضي الله عنه قال «قيل: يا رسول الله أيُّ الدعاء أسمعُ؟ قال: جوفَ الليل الآخِر ودُبُرَ الصلوات المكتوبات» رواه الترمذي. وقد جاء من صيغ التعوُّذ عقب الصلوات الصيغتان التاليتان:

1- [اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر].

2- [اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من أن أُردَّ إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر].

فعن أبي بَكرة رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دُبُر كل صلاة: اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر …» رواه أحمد وابن خُزَيمة والترمذي والنَّسائي. وعن مصعب بن سعد وعمرو بن ميمون الأزدي قالا «كان سعدٌ يعلِّم بنيه هؤلاء الكلمات كما يعلم المكتبُ الغلمانَ يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوَّذ بهن دُبُرَ الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من أن أُردَّ إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر» رواه ابن خُزَيمة وأحمد والبخاري والترمذي. قوله كما يعلم المكتبُ الغلمان: أي كما يعلم المعلم الغلمان، كما جاء التصريح بذلك في رواية أخرى.

وقد رُويت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في الاستعاذة بالله من كثير من الشرور مما لم تُقيَّد بأَدبار الصلاة، أذكر منها: الكسل وسوء القضاء ودَرْك الشقاء، وشماتة الأعداء وجَهْد البلاء، والعجز والهرم والمأثم والمغرم، وشر ما خلق الله، وضَلْع الدَّين وغَلَبة الرجال، وشر الغنى والفقر والقلة والذِّلَّة، وزوال النعمة وتحويل العافية، وفُجاءة النِّقمة وجميع سخط الله، والشِّقاق والنفاق وسوء الأخلاق، والجوع والخيانة، وعلماً لا ينفع وقلباً لا يخشع ونفساً لا تشبع ودعاءً لا يُسمع، وشر السمع وشر البصر وشر اللسان وشر القلب وشر المنيِّ، والهدم والتردِّي والغرق والحرق، وتخبُّطَ الشيطان والموت في سبيل الله مدبراً، والموت لديغاً، والبرص والجنون والجُذام وسئ الأسقام، ومنكراتِ الأخلاق والأهواء والأعمال. ولم أُورد الأحاديث النبوية الشريفة التي ذكرت هذه الاستعاذات لأنني اكتفيت بذكر الاستعاذات الواردة في النصوص مقيدةً بأدبار الصلاة فحسب. وأُذكِّر بأنني ذكرت جملة من التعوذات في بحث [الدعاء والتعوُّذ في آخِر الصلاة] فصل [صفة الصلاة] وردت في الصلاة وليس في دُبُرها، ولله الحكمة في اختصاص بعضها بالصلاة وبعضها بأدبار الصلاة، وجاء بعضها مطلقاً. والعبادة توقيفية يؤتَى بها كما وردت. ولا يعني قولي هذا أنه لا يجوز التعوُّذ من سوى ما ورد التعوذ منه في أدبار الصلاة مما جاء مطلقاً، وإنما عنيت أن التعوذ مما ورد التعوذ منه في أَدبار الصلاة يُقدَّم ويفضَّل في أَدبار الصلاة على ما سواه.

ثانياً ــ ما يُقالُ عَقِبَ الصلاة من أذكار

للذِّكْر عدة معانٍ، فقد يطلق على القرآن الكريم كما في قوله عزَّ وجلَّ ذَلِكَ نَتْلُوْهُ عَلَيْكَ مِن الآيَاتِ والذِّكْرِ الحَكِيْمِ الآية 58 من سورة آل عمران. وكما في قوله سبحانه وتعالى إنا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لَحَافِظُوْنَ الآية 9 من سورة الحِجْر. وقد يُطلق على كتب الأنبياء السابقين كقوله تعالى وَلَقَدْ كَتَبْنَا في الزَّبُوْرِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُوْنَ الآية 105 من سورة الأنبياء. والذكر هنا يعني التوراة. وكقوله عزَّ وجلَّ ومَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إلا رِجَالاً نُوْحِيْ إلَيْهِمْ فَاسْأَلُوْا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُــوْنَ الآية 43 مــن سورة النحــل. وقــد يطلق علــــى معنــى الشرف والرفعة كما في قوله سبحانه وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْأَلُوْنَ الآية 44 من سورة الزخرف. وقد يطلق ويراد منه الصلاة كقوله تعالى يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوْا إذَا نُوْدِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللهِ وذَرُوْا البَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُوْنَ الآية 9 من سورة الجمعة. وقد يطلق ويُراد منه الدين كما في قوله عزَّ وجلَّ ومَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيْشَةً ضَنْكَاً… الآية 124 من سورة طه.

أما أصلُ الذِّكر فمعناه الاستحضار، فذِكرُ الشئ استحضارُه، ويكون الاستحضار في الذهن، ويكون بالجريان على اللسان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يقول الله عزَّ وجلَّ: أنا عند ظنِّ عبدي بي وأنـا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرتُه في ملأٍ هم خيرٌ منهم …» رواه مسلم وأحمد. وهذا المعنى للذكر هو الشائع وهو الأكثر، وقد ورد في كتاب الله كثيراً، قال عزَّ وجلَّ … إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَىْ عَن الفَحْشَاءِ والمُنْكَرِ ولَذِكْرُ اللهِ أكبرُ واللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُوْنَ الآية 45 من سورة العنكبوت. وقال سبحانه … وإذَا قَامُوْا إلى الصَّلاةِ قَامُوْا كُسَالَى يُرَاؤُوْنَ النَّاسَ ولا يَذْكُرُوْنَ الله إلا قَلِيْلاً الآية 142 من سورة النساء. وقال تعالى فإذَا قَضَيْتُم الصَّلاةَ فَاذْكُرُوْا اللهَ قِيَامَاً وقُعُوْدَاً وعَلَىْ جُنُوْبِكُمْ … الآية 103 من سورة النساء. وكثيرٌ غيرها، وهذا المعنى الأخير للذِّكر - الاستحضار - والمعنى الأول له - القرآن الكريم - هما المقصودان من هذا البحث ، وهما اللذان يُراد الإتيان بهما عقب الصلاة.

لقد حث كتاب اللــه على ذكر الله ، وعلى الإكثار منه في الكثير من آياته، قال تعالى فَإذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوْا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرَاً… الآية 200 من سورة البقرة. وقال تعالى … وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيْرَاً وَسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكَارِ الآية 41 من سورة آل عمران. وقال سبحانه إلا الذِيْنَ آمَنُوْا وَعَمِلُوْا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوْا اللهَ كَثِيْرَاً… الآية 227 من سورة الشعراء . وقال سبحانه كَيْ نَسَبِّحَكَ كَثِيْرَاً . وَنَذْكُرَكَ كَثِيْرَاً الآيتان 33 و 34 من سورة طه. وقال عزَّ وجلَّ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُوْلِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةُ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوْ اللهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيْرَاً الآية 21 من سورة الأحزاب. وقال عزَّ وجلَّ .. والذَّاكِرِيْنَ اللهَ كَثِيْرَاً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وأَجْرَاً عَظِيْمَاً الآية 35 من سورة الأحزاب. وقال جلَّ جلاله يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوْا اذْكُرُوْا اللهَ ذِكْرَاً كَثِيْرَاً الآية 41 من سورة الأحزاب. وقال جلَّ جلاله فَإذَا قُضِيَت الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوْا في الأَرْضِ وَابْتَغُوْا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوْا اللهَ كَثِيْرَاً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُوْنَ الآية 10 من سورة الجمعة.

كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حث على ذكر الله، ونوَّه بفضل الإكثار منه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في طريق مكة، فمرَّ على جبل يُقال له جُمْدان، فقال: سيروا، هذا جُمْدان، سبق المُفَرِّدون، قالوا: وما المُفَرِّدون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات» رواه مسلم. ورواه الترمذي وفيه «قال: المستهترون في ذكر الله، يضعُ الذِّكرُ عنهم أثقالَهم، فيأتون يوم القيامة خفافاً». ورواه أحمد وفيه «قال: الذين يهتَرون في ذِكر الله». قوله يهترون: أي يُولَعون أو يُكثِرون جداً.

وللذِّكر منزلة عالية ودرجة رفيعة، وقد مرَّ قوله سبحانه وتعالى … إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَىْ عَن الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ … الآية 45 من سورة العنكبوت. وقد فُسِّر بأن ذِكر الله أكبر في منع الفحشاء والمنكر من الصلاة. وعن أبي الدَّرداء رضي الله عنه قال: قال النبي  «ألا أُنبئُكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم، وخيرٌ لكم من إنفاق الذهب والورِق، وخيرٌ لكم من أن تلْقَوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذِكرُ الله» رواه الترمذي وأحمد وابن ماجة والحاكم وصححه، ورواه مالك موقوفاً.

والذِّكر يكون بالاستغفار، ويكون بالاستعاذة، ويكون بالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، ويكون بتلاوة آيات من القرآن، ويكون بالدعاء. ونُفْرِدُ لكلٍّ بحثاً منفصلاً.

ب. الانصرافُ عن اليمين والشمال

من قضى صلاته وجلس الفترة التي أراد للذكر والدعاء، ثم نهض للانصراف فإنه بالخيار بين أن ينفتل يمنةً وبين أن ينفتل يسرةً، ولذلك فإن المسلم ينفتل إلى جهة حاجته لا يتقيد بجهة دون جهة، فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب قائماً وقاعداً، ويصلي حافياً ومنتعلاً وينصرف عن يمينه وعن شماله» رواه النَّسائي والطبراني. وروى هُلْب رضي الله عنه «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤُمُّنا، فينصرف على جانبيه جميعاً، على يمينه وعلى شماله» رواه الترمذي. ورواه أبو داود وابن حِبَّان بلفظ «وكان ينصرف عن شقَّيه». قال الترمذي (يُروى عن علي بن أبي طالب أنه قال: إن كانت حاجته عن يمينه أخذ عن يمينه، وإن كانت حاجته عن يساره أخذ عن يساره). وروى أبو داود عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال «لا يجعل أحدكم نصيباً للشيطان من صلاته أن لا ينصرف إلا عن يمينه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثرَ ما ينصرف عن شماله، قال عمارة: أتيت المدينة بعدُ، فرأيت منازل النبي صلى الله عليه وسلم عن يساره». ورواه مسلم بلفظ «لا يجعلنَّ أحدُكم للشيطان من نفسه جزءاً، لا يرى إلا أنَّ حقَّاً عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه، أكثر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصرف عن شماله». وأنا لا أظن أن عبارة «أكثر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصرف عن شماله» قُصد منها الإحصاء وتغليبُ الانصراف عن الشمال على الانصراف عن اليمين، بقدر ما قُصد منها بيان أن الانصراف لم يكن تُلتَزَمُ فيه جهة اليمين، على ما يقول بذلك عدد من الناس، استدلالاً بقول أنس رضي الله عنه «… أكثر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه» رواه مسلم وابن حِبَّان والنَّسائي. فقد جاءت رواية البخاري - وهو القمة بين المحدِّثين في الالتزام بألفاظ الحديث - هكذا «لا يجعلَنَّ أحدُكم للشيطان شيئاً من صلاته، يرى أن حقاً عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه، لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلمكثيراً ينصرف عن يساره». فقد جاء القول هكذا «كثيراً ينصرف عن يساره» وهذا اللفظ أدقُّ من اللفظ الوارد في رواية مسلم وابن حِبَّان والنَّسائي «أكثر ما رأيت … ينصرف عن شماله» ويمكن التوفيق بين رواية «أكثر ما رأيت ينصرف عن شمالـه» وبين رواية «أكثر ما رأيت ينصرف عن يمينه» - وإن كان التوفيق بين هاتين الروايتين ليس مهماً - بالقول إن راوي الرواية الأولى ذكر ما شاهده، وإن ذلك كان يحصل في صلواته عليه الصلاة والسلام في مسجده بالمدينة حيث كانت حُجُرات زوجاته واقعة إلى يسار المسجد، فكان ينصرف إلى جهة الشمال، فنقل ابن مسعود مشاهداته لذلك الانصراف، وجاءت الرواية في صحيح ابن حِبَّان واضحة جداً «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامَّة ما ينصرف عن يساره إلى الحُجُرات». وأما راوي الرواية الثانية فذكر ما شاهده، وأنه رأى الرسول صلى الله عليه وسلم يُكثر من الانصراف عن اليمين، ولا يبعد عندي أن ذلك كان يحصل منه عندما لم يكن يصلي في مسجده بالمدينة ، أو لم يكن يريد الانصراف إلى حجراته عقب صلواته، فـكان ينصرف عن اليمين، لأنه عليه الصلاة والسلام كان يحب التيامن في سائر أموره. وعلى أية حال فإن هذا الأمر موسَّع.

الفصـل الثامـن

ما يُفعل ويُقال عقب الصلاة

أولاًــ ما يُفعَل عَقِبَ الصلاةُ

أ. الجلوسُ فترةً عَقِبَ الصلاة

يُندب للمصلي إذا خرج من صلاته بالتسليم أن يلبث فترة في مُصلاه لما في هذا اللبث من ثواب، ولا ينقطع ثوابه إلا أن يقوم من مقامه أو ينتقض وضوؤه، وذلك لما رُوي عـن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إذا صلى أحدكم، ثم جلس مجلسه الذي صلى فيه لم تَزَل الملائكة تصلي عليه: اللهم اغفر له اللهم ارحمه، ما لم يُحْدِث» رواه ابن خُزَيمة والبخاري. وفي رواية أخرى لابن خُزَيمة «ما لم يُحْدِث أو يقوم». ولما روى أبو عبد الرحمن واسمه عبد الله بن حبيب بن ربيعة السلمي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إن العبد إذا جلس في مصلاه بعد الصلاة صلَّت عليه الملائكة، وصلاتهم عليه: اللهم اغفر له اللهم ارحمه، وإن جلس ينتظر الصلاة صلت عليه الملائكة، وصلاتهم عليه: اللهم اغفر له اللهم ارحمه» رواه أحمد. وكفى باستجلاب دعوات ملائكة الله سبحانه بالمغفرة والرحمة فضلاً وخيراً، فلْيُكْثِر المسلم من هذه الدعوات بالإكثار من المكث. ويزداد المكث استحباباً إن كان عقب صلاة الفجر. والمدة المثلى للمكث أن يلبث المصلي في مصلاه إلى أن تطلع الشمس وترتفع قليلاً، فقد سُئل جابر بن سمرة «كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع إذا صلى الصبح؟ قال: كان يقعد في مصلاه إذا صلى الصبح حتى تطلع الشمس» رواه ابن خُزَيمة. ورواه مسلم ولفظه «كان لا يقوم من مُصلاَّهُ الذي صلي فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام». وفي رواية أخرى لمسلم من طريق جابر بن سمرة رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس حَسَناً». قوله حَسَناً: أي طلوعاً حَسَناً، أي تطلع وترتفع.

فلْيُطِل المسلم المكث ما استطاع ، إلا أنْ تدعوه حاجةٌ للانصراف، أو كان إماماً للجماعة فينصرف دون طول مكث لا سيما إنْ كان إمامُ الجماعةِ خليفةً المسلمين أو والياً جرت العادة أن لا ينصرف الناس قبل انصرافه، فيعجِّل في الانصراف حتى لا يشق على الناس. وقد كان المسلمون في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينصرفون قبل أن يروه ينصرف احتراماً وتوقيراً، ومثله الخلفاء الراشدون، لهذا كان عليه الصلاة والسلام ربما عجَّل الانصراف لأجل ذلك، وكذلك كان يفعل خلفاؤه، فقد روت أم سلمة رضي الله عنها «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سلَّم يمكث في مكانه يسيراً» رواه البخاري وأحمد. وعن أنس رضي الله عنه قال «صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم، فكان ساعةَ يُسلِّم يقوم، ثم صليت وراء أبي بكر فكان إذا سلم وثب، فكأنما يقوم عن رضفة» رواه عبد الرزاق. قوله يقوم عن رضفة: أي يقوم مسرعاً كأَنَّه كان جالساً على شئ محمَّى بالنار. ويمكن للإمام في هذه الحالة أن ينصرف من مكانه من أجل أن ينصرف الناس، ثم يعود إلى الجلوس ثانية.

ويُندبُ للمُصلي أن لا يغادر مُصلاهُ قبل أن يمكث فترة تكفيه ليقول فيها (استغفر الله) ثلاثاً، و (اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركتَ يا ذا الجلال والإكرام) لما روى ثوبان رضي الله عنه قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والإكرام …» رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة. ورواه احمد وابن خُزَيمة والنَّسائي بلفظ «يا ذا الجلال والإكرام». بزيادة . وكذا رواه الترمذي، إلا أنه أسقط من أوله. وعن عائشة رضي الله عنها قالت «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقعد بعد التسليم إلا قدر ما يقول : اللهم أنت السلام …» رواه ابن حِبَّان.

وكما يُشرع للإمام أن يمكث في مكانه عقب الصلاة استجلاباً لأدعية الملائكة بالرحمة والمغفرة ويمكث معه المصلون، يُشرع له ولهم المكوث لسببٍ ثانٍ هو تمكين النساء من مغادرة المصلى قبل انصراف الرجال حفظاً لهن وصوْناً، فعن أم سلمة رضي الله عنها «أن النساء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلَّم من الصلاة المكتوبة قُمْنَ، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثبت من صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قام الرجال» رواه أحمد والنَّسائي وابن خُزيمة وابن حِبَّان والشافعي. ووقع عند البخاري عن أم سلمة رضي الله عنها «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه، ومكث يسيراً قبل أن يقوم - قال ابن شهاب - فأُرى والله أعلم أن مكثـه لكي ينفذ النساء قبل أن يدركهن مَن انصرف من القوم». ووقع عند أحمد وأبي داود من طريق أم سلمة رضي الله عنها «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلَّم مكث قليلاً، وكانوا يرون أن ذلك كيما ينفذ النساء قبل الرجال».

وهذا وذاك مما يتعلق بثواب المكث. أما ثواب الذكر عقب الصلاة فإن الإمام المتعجل لا يُحْرَم بقيامه الفوري منه، إذ يمكنه تحصيل ذلك في مكان ثـانٍ يتحول إليه، أو وهو عائد من صلاته إلى بيته أو إلى مكان حاجته، فإنَّ ذِكْرَ الله يُندب في كل حال.

وإذا جلس الأمام عقب الصلاة - طال جلوسُه أو قَصُر - استُحِبَّ له أن يستقبل بوجهه الناسَ وأهلَ ميمنته خاصةً، فينحرف بوجهه نحوهم، فعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى أقبل علينا بوجهه» رواه البخاري. وعن البراء رضي الله عنه قال «كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحببنا أن نكون عن يمينه يُقْبِل علينا بوجهه، قال فسمعته يقول: رب قِني عذابك يوم تبعث أو تجمع عبادك» رواه مسلم. ورواه أبو داود بدون ذكر الدعاء في آخره. وعن يزيد بن الأسود رضي الله عنه قال «صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إذا انصرف انحرف» رواه أبو داود. ورواه النَّسائي بلفظ «أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، فلما صلى انحرف». قوله انصرف: أي خرج من الصلاة. وقوله انحرف: أي غيَّر اتجاهه الذي كان عليه في أثناء الصلاة ليصبح في مواجهة الناس.

ج. الأفعال المُحرَّمة في الصلاة

مرَّ معنا في أبحاثنا السابقة عدد من الأفعال المحرَّمة في الصلاة، فنحن نُشير إليها هنا دونما حاجة لإعادة بحثها، ثم نبحث الأفعال المحرَّمة المتبقية قاصدين جمع جميع الأفعال المحرَّمة في مكان واحد، وهذه هي الأفعال المحرَّمة التي سبق بحثها:

1- الالتفاتُ في الصلاة: ونعني به لَيَّ العنق والنظر إلى الخلف بحيث يتجاوز نظر المصلي جهةَ القِبلة، انظر بحث [النظر في الصلاة] فصل [صفة الصلاة].

2- رفع البصر إلى السماء: أُنظر بحث [النظر في الصلاة] [صفة الصلاة] وانظر بحث [الخشوع في الصلاة] فصل [القنوت والخشوع في الصلاة].

3- العملُ الكثير والعَبَثُ في الصلاة: ونعني بالعمل الكثير ما لا يمكن تصنيفه تحت العمل القليل، وهو الذي يغلب على الصلاة فيسلبها هيئتَها، ويمحو الخشوع منها. ونعني بالعبث الحركات والأعمال التي لا حاجة للمصلي بها، وإنما يقوم بها تسليةً واستهتاراً بسكينة الصلاة ووقارها، وانظر بحث [العمل القليل] بند [الفصل بين المتخاصمين ] المار قبل قليل.

ونبحث الآن الأفعال المحـرَّمة المتبقية:

4- القهقهة أو القرقرة : وهي الضحك بصوت مسموع، هذا الفعل محرَّم في الصلاة ويتنافى مع الخشوع، مثله مثل العمل الكثير والعبث، فهذه الأفعال الثلاثة حرام. وقد رُوي عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «التبسُّمُ لا يقطع الصلاة ولكن القرقرة» رواه البيهقي وابن أبي شيبة. ورواه الطبراني بلفظ «لا يقطع الصلاة الكَشَرُ ولكن تقطعها القهقهة». قوله الكَشَر: أي إبداء الأسنان بالتبسُّم. وهذا الحديث رواه عبد الرزاق موقوفاً على جابر، ورجَّح البيهقي وقفه على جابر أيضاً ، إلا أن الطبراني قال عند روايته للحديث (لم يروه مرفوعاً عن سفيان إلا ثابت) وإذن فقد أثبت لهذا الحديث رواية مرفوعة فيقبل. وقد مرَّ الحديث في بحث [العمل القليل] بند [التبسم ] المار قبل قليل.

5- البُصاق والتنخُّم تجاه القِبلة أو عن اليمين: فمن بصق أمامه في الصلاة تجاه قِبلته، أو تنخَّم فلفظ نُخامته تجاه قِبلته، أو فعل ذلك عن يمينه فقد ارتكب خطيئة وفعلَ فِعلاً محرَّماً، ولكن إن بصق أو تنخَّم جهة اليسار أو تحت القدم اليسرى ففعله مباح لا شئ فيه، فقد روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى بُصاقاً في جدار القِبلة فحكَّه، ثم أقبل على الناس فقال: إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قِبَل وجهه، فإنَّ الله قِبَل وجهه إذا صلى» رواه البخاري ومسلم ومالك. ورواه الدارمي ولفظه «بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، إذ رأى نُخامة في قِبلة المسجد، فتغيَّظ على أهل المسجد، وقال: إن الله قِبَلَ أحدِكم إذا كان في صلاته، فلا يبزقنَّ، أو قال لا يتنخَّمَنَّ، ثم أمر بها فحك مكانها، أو أمر بها فلُطخت بزعفران». وعن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «إن المؤمن إذا كان في الصلاة فإنما يناجي ربه، فلا يبزقَّن بين يديه ولا عن يمينه، ولكن عن يساره أو تحت قدمه» رواه البخاري ومسلم. ورواه أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان أحدكم في الصلاة، فإنه مُناجٍ ربَّه، فلا يتفلنَّ أحدٌ منكم عن يمينه، قال ابن جعفر: فلا يتفل أمامه ولا عن يمينه، ولكن عن يساره أو تحت قدميه». وروى أبو سهلة السائب بن خلاَّد رضي الله عنه «أن رجلاً أمَّ قوماً فبسق في القِبلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر، فقال رسول اللهصلى الله عليه وسلم حين فرغ: لا يصلِّ لكم ، فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم فمنعوه، وأخبروه بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: نعم، وحسبت أنه قال: آذيتَ الله عزَّ وجلَّ» رواه أحمد. ورواه أبو داود وفيه «إنك آذيت الله ورسوله». وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب العراجين، ولا يزال في يده منها، فدخل المسجد فرأى نُخامةً في قِبلة المسجد فحكها، ثم أقبل على الناس مُغْضَباً فقال: أيُسَرُّ أحدُكم أن يُبصَق في وجهه؟ إن أحدكم إذا استقبل القِبلة فإنما يستقبل ربه جلَّ وعزّ، والملك عن يمينه، فلا يتفل عن يمينه ولا في قِبلته، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه، فإن عجل به أمرٌ فليقل هكذا، ووصف لنا ابن عجلان ذلك: أن يتفل في ثوبه، ثم يرد بعضه على بعض» رواه أبو داود وابن حِبَّان. قوله العراجين: أي أعواد النخيل. وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يُبعَثُ صاحبُ النخامة في القِبلة يوم القيامة وهي في وجهه» رواه ابن خُزَيمة. وروى أيضاً من طريق حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من تفل تجاه القِبلة جاء يوم القيامة وتفلُه بين عينيه».

الحديث الأول فيه «لا يبصق قِبَل وجهه ، فإن الله قِبَل وجهه» والحديث الثاني فيه «إن المؤمن إذا كان في الصلاة فإنما يناجي ربه، فلا يبزقنَّ بين يديه، ولا عن يمينه» والحديث الثالث فيه «فإنه مُناجٍ ربَّه فلا يتفلنَّ أحدٌ منكم عن يمينه … فلا يتفل أمامه ولا عن يمينه» والحديث الرابع فيه «فبسق في القِبلة … قال آذيتَ الله عزَّ وجلَّ … إنك آذيت الله ورسوله» والحديث الخامس فيه «أقبل على الناس مُغْضَباً فقال: أيُسَرُّ أحدكم أن يُبْصَقَ في وجهه؟ إن أحدكم إذا استقبل القِبلة فإنما يستقبل ربه جلَّ وعزَّ، والملك عن يمينه» والحديث السادس فيه «يُبعَثُ صاحبُ النخامة في القِبلة يوم القيامة وهي في وجهه» والحديث السابع فيه «من تفل تجاه القِبلة جاء يوم القيامة وتفلُه بين عينيه» فهل هناك محرَّم في الصلاة ورد فيه تغليظٌ في النهي وجزمٌ فيه أكثر مما ورد في البصاق والنخامة تجاه القِبلة وعن اليمين؟.

وهذا كله لمن لا يحمل منديلاً أو أوراقاً صحيَّةً، أما من يحمل منديلاً أو أوراقاً صحية، فإنَّه يبصق أو يتنخم فيها وهو في صلاته، دونما حاجةٍ إلى لَيِّ عنقه عن اليمين أو الأمام.

هذه هي الأفعال المحرَّمة في الصلاة التي وردت في الأحاديث النبوية الشريفة قصرنا بحثنا عليها، ولم نتطرق إلى أفعالٍ رآها الفقهاء مكروهةً أو محرَّمةً دون أن يُورِدوا عليها نصوصاً شرعيَّة معتبرةً مثل: تحريم الأكل والشرب، وكراهة الصلاة في المحراب، وكراهة تغميض العينين، إلخ …

الأفعالُ والحالات المنهيُّ عنها في الصلاة

أ. الأفعال المكروهة في الصلاة

مرَّ معنا في أبحاثنا الماضية عدد من الأفعال المكروهة، ونحن نشير إليها هنا دون إعادة بحث، ثم نتحدث عن الأفعال المكروهة المتبقية قاصدين جمع جميع الأفعال المكروهة في موضع واحدٍ تيسيراً لدراستها والإحاطة بها.

أما الأفعال المكروهة التي سبق بحثها فهي:

1- التَّخصُّر: أي وضع اليدين على الخاصرتين . انظر بحث [وضع اليدين في الصلاة] فصل [صفة الصلاة].

2- اشتمال الصَّمَّاء: أي أن يجلِّل المصلي بدنَه بثوب بحيث لا يرفع منه جانباً، ولا يُبقي منه ما يُخرج يديه منه . انظر بحث [الثوب في الصلاة] فصل [أحوال المُصلي].

3- التَّلثُّم: أي تغطية الفم بثوبٍ وشبهِه. انظر بحث [الثوب في الصلاة] فصل [أحوال المصلي].

4- الاعتماد على اليدين: أُنظر بحث [التشهُّد وهيئة الجلوس له] فصل [صفة الصلاة] .

5 - كفُّ الثوب: أي لملمته وجمع أطرافه باليدين للحيلولة دون سقوطه على الأرض عند السجود. انظر بحث [الثوب في الصلاة] فصل [أحوال المصلي].

6- كفُّ الشَّعَر الطويل: أي جعله ضفائر وعقصه وربطه، للحيلولة دون سقوطه على الأرض عند السجود. انظر بحث [الثوب في الصلاة] فصل [أحوال المصلي]. وأُضيف إلى ما سبق إيراده من أدلة ما رواه أبو سعيد المقبري «أنه رأى أبا رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ بحسن بن علي، وحسن يصلي قد غرز ضَفْريه في قفاه، فحلَّهُما أبو رافع، فالتفت حسن إليه مُغْضَباً، فقال أبو رافع: أَقْبِل على صلاتك ولا تغضب، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ذاك كِفْلُ الشيطان، يقول مقعد الشيطان - يعني مغرز ضَفْريه» رواه ابن خُزَيمة وأبو داود والترمذي وابن حِبَّان. قوله ضَفريه: أي عقيصتيه، والضَّفْر والعقيصة هما الشَّعر المنسوج أو المجدول. وما رواه كُرَيب مولى ابن عباس «أن عبد الله بن عباس رأى عبد الله بن الحارث يصلي ورأسُه معقوصٌ مِن ورائه، فقام وراءه فجعل يحله، وأقرَّ له الآخَر، فلمَّا انصرف أقبل إلى ابن عباس فقال: ما لك ولرأسي؟ قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف» رواه أبو داود ومسلم وأحمد والنَّسائي وابن حِبَّان.

ونعرض الآن للأفعال المكروهة المتبقية :

7- التشبيك بين الأصابع: يُكره للمصلي أن يشبِّكَ بين أصابعه في الصلاة من حين خروجه من بيته إلى أن يفرغ من صلاته، فيُكره له أن يشبِّك بين أصابعه وهو ذاهب إلى المسجد، وكذلك وهو ماكثٌ فيه، سواء كان يصلي أو ينتظر الصلاة، وطبعاً وهو يصلي كذلك، ففي هذه الأحوال الثلاث يكره التشبيك بين الأصابع، فعن أبي أُمامة الخياط «أن كعب بن عُجْرَة أدركه وهو يريد المسجد قال: فوجدني وأنا مشبِّك يديَّ إحداهما بالأخرى، قال: ففتق يديَّ ونهاني عن ذلك وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا توضأ أحدكم فأحْسَنَ وضوءَه، ثم خرج عامداً إلى المسجد فلا يشبِّكنَّ يده فإنه في صلاة» رواه ابن حِبَّان. وروى أحمد وابن خُزَيمة الجزء الأخير منه، إلا أنهما ذكرا اسم أبي ثمامة. وعن أبي هريرة أنه قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم «إذا توضأ أحدكم في بيته، ثم أتى المسجد كان في صلاة حتى يرجع فلا يقل هكذا، وشبَّك بين أصابعه» رواه الحاكم وابن خُزَيمة. وقد مرَّ في بحث [أدب المسجد] فصل [المساجد وأماكن الصلاة] فهذان دليلان على كراهية التشبيك في أثناء الذهاب إلى المسجد.

وعن كعب بن عُجْرَة رضي الله عنه قال «دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شبَّكت بين أصابعي فقال لي: يا كعب إذا كنت في المسجد فلا تُشبِّك بين أصابعك، فأنت في صلاةٍ ما انتظرتَ الصلاة» رواه أحمد وأبو داود. وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إذا كان أحدكم في المسجد فلا يُشَبِّكنَّ، فإن التَّشبيك من الشيطان، وإنَّ أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد حتى يخرج منه» رواه أحمد. وقد مرَّ هذا الحديث والذي قبله في بحث [أدب المسجد] فصل [المساجد وأماكن الصلاة]. فهذان دليلان على كراهية التشبيك في أثناء المُكث في المسجد.

وروى ابن ماجة من طريق كعب بن عُجْرة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قد شبَّك أصابعه في الصلاة، ففرَّج بين أصابعه». فهذا دليلٌ على كراهية التشبيك في أثناء الصلاة، إضافةً إلى ما ورد في النصوص السابقـة التي تقول إن مَن «أتى المسجد كان في صلاة»، «إنَّ أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد»، «إذا كنت في المسجد فلا تشبِّك بين أصابعك، فأنت في صلاة ما انتظرت الصلاة».

8- مسح موضع السجود أكثرَ من مرة: وذلك أن المسلم إذا صلى في مكان فيه تراب خشنٌ أو حصى أو ما يشبه ذلك وأراد السجود، أُبيح له أن يمسح بيده موضع جبهته مرة واحدة فحسب، وكُره له أن يزيد عن واحدة، فعن مُعيقيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا تمسح وأنت تصلي، فإن كنت فاعلاً فواحدة ، تسويةَ الحصا» رواه أبو داود. ورواه أحمد والترمذي وابن خُزَيمة وابن حِبَّان. ورواه مسلم بلفظ «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الرجل يُسوِّي التراب حيث يسجد قال: إن كنت فاعلاً فواحدة» . ولمسلم رواية أخرى بلفظ «ذكر النبي صلى الله عليه وسلم المسح في المسجد - يعني الحصى - قال: إن كنت فاعلاً فواحدة». وقـد مرَّت هذه الروايات كلها في بحث [العمل القليل] المار قبل قليل.

9- النظر إلى ما يُلهي المصلي عن صلاته: وذلك أن المسلم مأمور بحضور الذهن والانشغال بصلاته عما سواها لقوله عليه الصلاة والسلام «… إن في الصلاة لشُغلاً». هذا طرف من حديث رواه مسلم وأبو داود وابن أبي شيبة وأحمد مرَّ بتمامه في بحث [القنوت في الصلاة] . ولما روى عُقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ما مِن أحد يتوضأ فيحسن الوضوء ويصلي ركعتين يُقْبِل بقلبه ووجهه عليهما إلا وجبت له الجنة» رواه أبو داود . فإذا نظر المصلي إلى شئ أو أمرٍ من الأمور فأشغله نظره عن صلاته، صار النظر مكروهاً، فعن عائشة رضي الله عنها قالت «قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في خميصة ذات أعلام، فنظر إلى علمها، فلما قضى صلاته قال: اذهبوا بهذه الخميصة إلى أبي جَهم بن حذيفة، وأْتوني بأَنْبِجانِيَّةٍ، فإنها ألهتني آنفاً في صلاتي» رواه مسلم. وقد مرَّ في بحث [المواضع التي تُكره فيها الصـلاة] فصل [المساجد وأماكن الصلاة] وفي أيامنا المعاصرة يُكره للمصلي النظر إلى شاشة التلفاز، كما يكره له الاستماع إلى صوت الإذاعات، لأن النظر إلى التلفاز والاستماع إلى الإذاعات يشغلان الذهن إشغالاً كبيراً.

العمل القليل في الصلاة/3

  1. إصلاح الثوب:

ومن ذلك إصلاحُ الثوب بحركات قليلة، فعن وائل بن حُجْرٍ رضي الله عنه قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل في الصلاة رفع يديه، ثم كبَّر ثم التحف، ثم أدخل يديه في ثوبه، ثم أخذ شماله بيمينه، ثم ذكر الحديث» رواه ابن خُزَيمة. ورواه مسلم ولفظه « … فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب …».

  1. حملُ المصحف:

ومن ذلك حمل المصحف والقراءة فيه، فقد روى ابن أبي مُلَيكة عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم «أنها كان يؤُمُّها غلامُها ذكوان في المصحف في رمضان» رواه البيهقي وابن أبي شيبة. وذكره البخاري تعليقاً. وروى ابن التيمي عن أبيه «أن عائشة كانت تقرأ في المصحف وهي تصلي» رواه عبد الرزاق. وفي هذا الحديث والذي قبله وإِنْ كان فعلَ صحابي، وفعلُ الصحابي ليس دليلاً، إلا أنه مما يصح تقليده واتِّباعُه والعملُ به كحكمٍ شرعي، ناهيك عن أن عائشة مشهود لها بالفقه، إضافة إلى أنها كانت تفعل هذا في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبعد جداً أن لا يطَّلع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقرَّها عليه .

  1. الفصل بين المتخاصمين:

ومن ذلك الفصل بين المتخاصمين، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال «لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس، فجاءت جاريتان من بني عبد المطلب اقتتلتا، فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزع إحداهما من الأخرى …» رواه ابن خُزَيمة وأبو داود وابن حِبَّان. وفي رواية أخرى لابن خُزَيمة من طريق ابن عباس أيضاً «… وجاءت جاريتان من بني عبد المطلب، فأخذتا بركبتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففرع - أو فرَّق - بينهما ولم ينصرف». ورواه النَّسائي. قوله ولم ينصرف: أي لم يقطع صلاته وإنما أتمها.

هذه الأعمال الاثنتا عشرة وأمثالها لا تتنافى مع الخشوع ولا تُفسد الصلاة. وينبغي أن يعلم الجميع أن الخشوع لا يعني الجمود، وإنما يعني الاستكانة والتحرك فيما يلزم بقدر ما يلزم، دون عبثٍ أو إكثارٍ يغلب على الصلاة، وبحيث يبقى المصلي في خضوعٍ لأمر ربِّه، فمن التزم بذلك فلْيفعل بعد ذلك أي فعل يحتاجُ إليه، ولْيتحرك أية حركة لازمة.

وهذه الاستكانة - وإن شئت قلت السكينة - مطلوبةٌ من المسلم في الصلاة، وفي أثناء المشي إلى المسجد للصلاة، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إذا ثُوِّب للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعَوْن، وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتمُّوا، فإنَّ أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة» رواه مسلم. ورواه البخاري وأبو داود وابن ماجة بلفظ «إذا أُقيمت الصلاة …» دون قوله «فإنَّ أحدَكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة». ولكن الزيادة في الحديث إن كانت مروية من طريق صحيحة فإنها تُقبل. وجاء في رواية أخرى لمسلم من طريق أبي هريرة رضي الله عنه «إذا ثُوِّب بالصلاة فلا يَسْعَ إليها أحدُكم، ولكن ليمشِ وعليه السكينة والوقار، صلِّ ما أدركتَ واقضِ ما سبقك». فالمشي لا يتنافى مع السكينة مع أنه حركة كثيرة متواصلة، بينما السَّعي - وهو الاستعجال في المشي ، ومثله الركض وما يصاحبه من حركات إضافية - يتنافى مع السكينة، فعن أبي قتادة رضي الله عنه قال «بينما نحن نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ سمع جلبة رجال، فلمَّا صلى قال: ما شأنكم؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة، قال: فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلُّوا وما فاتكم فأتمُّوا» رواه البخاري ومسلم. فعندما استعجل الناس أحدثوا جَلَبة، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وأمرهم بالسكينة، رغم أنهم لم يكونوا قد دخلوا في الصلاة بعد.

فالمشي إلى الصلاة يكون بخشوع وسكينة، وعدم ركض واستعجال، وما يتبع ذلك من جلبة وحركات إضافية، وكأنه في صلاة، فقد روى كعب بن عُجْرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إذا توضأ أحدُكم فأحسن وضوءَه، ثم خرج عامداً إلى المسجد فلا يشبكنَّ بين أصابعه، فإنه في صلاة» رواه الترمذي. ورواه ابن حِبَّان وفيه «فلا يشبكنَّ يده». ورواه أبو داود وفيه «فلا يشبكنَّ يديه». فإذا كان المشي لا يتناقض مع السكينة فإن الحركات القليلة في الصلاة لا تتناقض مع السكينة هي الأُخرى، وإنما يتناقض معها العبث واللهو والحركات الصاخبة والأعمال غير اللازمة. فالخشوع واجب في الصلاة، ومع وجوبه والالتزام بـه فإن المصلي يستطيع الإتيان بأعمال قليلة بتأنٍّ وهدوء، وبقدر الحاجة فحسب ولا إثم في ذلك. وهذا كـلُّه متعلق بالخشوع في الجوارح.

أما الخشوع في القلب فإن انشغال الذهن في الصلاة بأمر من الأمور، وطروءَ أفكارٍ على ذهنه لا يتنافــى مع خشوع القلب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله  «إن الله عزَّ وجلَّ تجاوز لأمتي عما حدَّثت به أنفُسَها، ما لم تعمل أو تتكلم به» رواه مسلم. ورواه ابن خُزَيمة بلفظ «… ما لا ينطق به ولا يعمل به». وعن عقبة رضي الله عنه قال «صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة العصر فسلم، ثم قام مسرعاً فتخطى رقاب الناس إلى بعض حُجَر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم فرأى أنهم عجبوا من سُرعته فقال: ذكرتُ شيئاً من تِبْرٍ عندنا، فكرهت أن يحبسني، فأمرت بقسْمتِه» رواه البخاري وأحمد والنَّسائي. قوله من تِبْر: أي من ذهب لم يُصهر بعد. والأمر من الوضوح والبيان بحيث لا يحتاج إلى مزيد أدلة.

العمل القليل في الصلاة/2

  1. قتلُ الحية والعقرب:

يجوز لمن كان في صلاة فـعَرَضت له حية أو عقرب أو وحش كاسر مؤذٍ أن يقتله ويمضي في صلاته، فعن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في البيت، فجاء علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه فدخل، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ، قام إلى جانبه يصلي، قال: فجاءت عقرب حتى انتهت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تركته وأقبلت إلى عليٍّ، فلما رأى ذلك علي ضربها بنعله، فلم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله إياها بأساً» رواه البيهقي والطبراني. وروى أبو هريرة رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الأَسْودَيْن في الصلاة العقرب والحية» رواه أحمد والترمذي وابن خُزَيمة وابن ماجة. ورواه أبو داود والبيهقي بلفظ «اقتلوا الأَسْودَين …».

  1. حمل الطفل:

يجوز للمصلي أن يحمــل طفــلاً أو طفلــة على ظهــره أو كتفيه، أو يحمله بين يديه وهو في الصلاة، فقد روى أبو قتادة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حاملٌ أُمامةَ بنتَ زينب بنتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي العاص بن ربيعة، فإذا قام حملها، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها» رواه البخاري. وعن شدَّاد الليثي رضي الله عنه قال «خرج علينــا رسول الله صلى الله عليه وسلم فــي إحــدى صلاتَــي العشي الظهــر أو العصـر وهو حامــلُ حســنٍ أو حسينٍ، فتقــدم النبــي صلى الله عليه وسلم فوضعه، ثم كبَّر للصــلاة فصلى، فسجـد بين ظهري صلاته سجدةً أطالها، قال: إني رفعت رأسي، فإذا الصبي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، فرجعت في سجــودي، فلمــا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصــلاة قال الناس: يا رسول الله إنك سجدت بين ظهـري الصلاة سجدةً أطلتَها، حتى ظننَّا أنه قد حدث أمرٌ، أو أنه يُوحَى إليك، قال: كلُّ ذلك لم يكن، ولكنَّ ابني ارتحلني فكــرهت أن أُعجلــه حتــى يقضي حاجته» رواه أحمـد. ورواه النَّسائي والحاكــم.

  1. الالتفات:

مرَّ معنا في فصل [صفة الصلاة] بحث [النظر في الصلاة ] حديث الحاكم وابن خُزَيمة بلفظ «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتفت في صلاته يميناً وشمالاً، ولا يلوي عنقه خلف ظهره». ورواه أيضاً أحمد وابن حِبَّان.

  1. دفعُ المارّ بين يدي المصلي:

ومن ذلك دفع المارِّ بين يدي المصلي إنساناً كان أو حيواناً فقد مرَّ معنا في فصل [القِبلة والسُّترة] حديث مسلم بلفظ «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان أحدكم يصلي، فلا يدع أحداً يمر بين يديه، ولْيدرأه ما استطاع، فإن أبى فلْيقاتله فإنما هو شيطان». وحديث البخاري بلفظ «إذا صلى أحدكم إلى شئ يستره من الناس، فأراد أحدٌ أن يجتاز بين يديه فلْيدفعه فإن أبى فلْيقاتله فإنما هو شيطان». فهذا بحق الإنسان، ومرَّ معنا في بحث [سُترة الإمام] فصل [القِبلة والسُّترة] حديث أبي داود بلفظ «هبطنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثَنِيَّةِ أَذاخِر، فحضرت الصلاة - يعني فصلى إلى جدار - فاتخذه قِبلة ونحن خلفه، فجاءت بهيمة تمرُّ بين يديه، فما زال يُدَارِئُها حتى لصق بطنه بالجدار ومرت من ورائه، أو كما قال مسدد».

  1. تسوية موضع السجود:

من ذلك تسوية موضع السجود وتهيئته للسجود، فقد روى معيقيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا تمسح وأنت تصلي، فإن كنت لا بدَّ فاعلاً فواحدة، تسويةَ الحصا» رواه أبو داود. ورواه أحمد والترمذي وابن خُزَيمة وابن حِبَّان ومسلم بلفظ «إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الرجل يسوِّي التراب حيث يسجد قال: إن كنت فاعلاً فواحدة». وفي رواية أخرى لمسلم «ذكر النبي صلى الله عليه وسلم المسح في المسجد، يعني الحصى، قال: إن كنت لا بدَّ فاعلاً فواحدة». فالمسح مرَّةً واحدة جائز لا شئ فيه.

  1. التبسُّم:

ومن ذلك التبسُّم، دون أن يصل إلى حـدِّ القهقهــة أو القرقــرة، فعــن جابر رضــي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «التبسُّمُ لا يقطع الصــلاة ولكنْ القَرقَرة» رواه البيهقي وابن أبي شيبة. ورواه الطبراني بلفظ «لا يقطع الصلاة الكَشَرُ، ولكنْ تقطعها القهقهة» والقرقرة: هي الضحك العالي. والكشر هو إبداء الأسنان بالتبسم.

  1. البُصاق والتَّنَخُّم:

ومن ذلك البصاق والتنخُّم على أن يكون ذلك عن اليسار أو تحت القدم اليسرى فحسب، فقد روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نُخامةً في قِبلة المسجد فحكَّها بحصاة، ثم نهى أن يبزق الرجل عن يمينه أو أمامه، ولكن يبزق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى» رواه مسلم وابن حِبَّان وابن خُزَيمة والبخاري.

العمل القليل في الصلاة

إن الشرع الشريف وإن هو أوجب الخشوع إلا أنه توسَّع في الإذن بالقيام بأعمال مختلفة في الصلاة على أن تكون خفيفة، دون أن يعتبرها قادحة في الخشوع ولا منافية له، ونذكر جملة من هذه الأعمال:

  1. المشي لحاجةٍ تَعْرِضُ للمصلي:

يجوز للمصلي إن عَرض له عارضٌ فاحتاج إلى أن يتقدم قليلاً إلى الأمام أو إلى أن يتأخر قليلاً، أو إلى أن يخطو قليلاً يمنة أو يسرة أن يفعل ذلك بأناة وهدوء وسكينة ويمضي في صلاته، ويبقى في كل أوضاعه مستقبلاً القِبلة، فعن أبي حازم قال «سألوا سهل بن سعد: مِن أي شئ المنبر؟ فقال: ما بقي من الناس أعلم مني، هو من أَثلِ الغابة، عَمِلَه فلان مولى فلانة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقام عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عُمل ووُضع، فاستقبل القِبلة، كبَّر وقام الناس خلفه، فقرأ وركع وركع الناس خلفه، ثم رفع رأسه، ثم رجع القَهقَرى فسجد على الأرض، ثم عاد إلى المنبر، ثم ركع ثم رفع رأسه، ثم رجع القَهقَرى حتى سجد بالأرض، فهذا شأنه» رواه البخاري. فقد اعتلى رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر وصلى عليه ، إلا أنه كان إذا أراد السجود رجع إلى الوراء، فنزل إلى الأرض فسجد عليها، ثم تقدم فاعتلى المنبر، يفعل ذلك في كل ركعة. وقد فعل ذلك من أجل تعليم الناس الصلاة، يدل عليه ما رواه البخاري ومسلم من طريق سهل ابن سعد الأنصاري رضي الله عنه ، فقد جاء فيه «… فسجد في أصل المنبر ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: أيها الناس إنما صنعتُ هــذا لتأتمُّوا ولتعَلَّموا صلاتي». وعــن عائشة رضــي اللــه عنها قالت «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في البيت والباب عليه مغلق، فجئت فمشى حتى فتح لي ثم رجع إلى مقامه، ووصفَتْ أنَّ الباب في القِبلة» رواه أحمد وأبو داود والبيهقي. ورواه النَّسائي وفيه أنه كان يصلي تطوعاً. وعن عائشة رضي الله عنها قالت «استفتحتُ الباب ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائمٌ يصلي، فمشى في القِبلة إما عن يمينه وإما عن يساره حتى فتح لي، ثم رجع إلى مُصلاه» رواه أحمد. ورواه الترمذي والطيالسي والبيهقي باختلافٍ في الألفاظ، ورواه النسائي بلفظ «استفتحتُ الباب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تطوعاً، والباب على القِبلة، فمشى عن يمينه أو عن يساره ففتح الباب، ثم رجع إلى مُصلاه». ورواه الدار قطني بلفظ «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، فإذا استفتح إنسان الباب فتح له ما كـان في قِبلته، أو عن يمينه أو عن يساره، ولا يستدبر القِبلة».

  1. الإِشارةُ باليدين وتحريكهما:

يجوز للمصلي أن يرد التحية إشارةً بيده أو بإصبعه أو برأسه، وأن يتناول بيديه ما يحتاج إلى تناوله، وأن يحرك بهما ما يحتاج إلى تحريك، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قُباء يصلي فيه، قال: فجاءته الأنصار فسلَّموا عليه وهو يصلي، قال فقلت لبلال: كيف رأيتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال يقول هكذا، وبسط كفَّه، وبسط جعفر بن عون كفه، وجعل بطنه أسفلَ وظهره إلى فوق» رواه أبو داود والبيهقي. وعن ابن عمر قال «دخل النبي صلى الله عليه وسلم مسجد بني عمرو بن عوف - يعني مسجد قُباء - فدخــل رجــال مـن الأنصار يسلمون عليـه ، قـال ابن عمــر: فسألـتُ صُهيباً وكــان معه: كيف كــان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل إذا كان يُسلَّمُ عليه وهو يصلي؟ فقال: كان يشير بيده» رواه ابن حِبَّان وابن خُزَيمة وابن ماجة والدارمي والنَّسائي . وعن نافع «أن ابن عمر مرَّ على رجل وهو يصلي فسلَّم عليه، فرد الرجل كلاماً، فرجع إليه عبد الله بن عمر فقال له: إذا سُلِّم على أحدكم وهو يصلي فلا يتكلم، ولْيُشِر بيده» رواه مالك . وعن أبي هريرة عن عبد اللــه بن مسعــود رضي اللـه عنه قال «لما قدمتُ من الحبشة أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلَّمتُ عليه فأومأ برأسه» رواه البيهقي. وعن صهيب رضي الله عنه قال «مررتُ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلَّمتُ عليه فردَّ إشارةً، قال ولا أعلمه إلا قال: إشارةً بإصبعه» رواه أبو داود وأحمد وابن حِبَّان. وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال «انخسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام قياماً طويلاً - وذكر الحديث إلى أن قال - ثم انصرف وقد تجلَّت الشمسُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله، قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئاً في مقامك ثم رأيناك كَعْكَعْتَ، قال صلى الله عليه وسلم: إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقوداً، ولو أصبتُهُ لأكلتم منه ما بقيت الدنيا …» رواه البخاري. قوله كعكعتَ: أي رجعتَ إلى الوراء. وعن جابر بن سَمُرَة رضي الله عنه قال «صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر، فجعل يَهوي بيده، فسأله القوم حين انصرف فقال: إن الشيطان هو كان يُلْقِي عليَّ شررَ النار ليفتنني عن صلاتي فتناولته، فلو أخذتُه ما أنفلت مني حتى يُناط إلى سارية من سواري المسجد، ينظر إليه وِلْدانُ أهل المدينة» رواه أحمد. قوله يُناط إلى سارية: أي يُربَط بعمود. وعن ابن عباس رضي الله عنه قال «نمتُ عند ميمونة والنبي صلى الله عليه وسلم عندها تلك الليلة، فتوضأ ثم قام يصلي ، فقمتُ على يساره فأخذني فجعلني عن يمينه، فصلى ثلاث عشرة ركعة، ثم قام حتى نفخ وكان إذا نام نفخ، ثم أتاه المؤذن فخرج فصلى ولم يتوضأ» رواه البخاري. وميمونة هي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخالة ابن عباس. وقد جاء التصريح بذلك فيما رواه ابن ماجة عن ابن عباس رضي الله عنه قال «بِتُّ عند خالتي ميمونة، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل، فقمت عن يساره ، فأخذ بيدي فأقامني عن يمينه» . وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته وهو شاكٍ، فصلى جالساً وصلى وراءه قومٌ قياماً، فأشار إليهم أنْ اجلسوا، فلما انصرف قال: إنما جُعل الإمام ليُؤْتمَّ به، فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً» رواه البخاري. ورواه البيهقي قريباً منه. وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت «أتيت عائشةَ زوجَ النبي صلى الله عليه وسلم حين خَسَفَت الشمسُ، فإذا الناس قيام يصلون، وإذا هي قائمة تصلي فقلت: ما للناس؟ فأشارت بيدها إلى السماء وقالت: سبحان الله، فقلت: آية ؟ فأشارت أن نعم ..» رواه البخاري. وإنَّ فعلَ صحابية كعائشة رضي الله عنها وهي المشهود لها بالفقه لمما يُستأنَسُ به.

2ــ الخشوعُ في الصلاة

الخشوع معناه السكون في ذلَّةٍ وخضوع، قال عزَّ وجلَّ ïپ‌وتَرَاهُمْ يُعْرَضُوْنَ عَلَيْهَا خَاشِعِيْنَ مِن الذُّلِّ يَنْظُــرُوْنَ مِــنْ طَرْفٍ خَفِــيٍّ …ïپ? الآية 45 من سورة الشورى. وقال سبحانه ïپ‌خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وقَدْ كَانُوْا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُوْدِ وهُمْ سَالِمُوْنَïپ? الآية 43 من سورة القلم. وروى النعمان بن بشير رضي الله عنه أن رسول الله ïپ² قال: «.. إن الله عزَّ وجلَّ إذا بدا لشئ من خلقه خشع له ..» رواه النَّسائي.

إن الصلاة أقوال وأفعال وإنها كلها لله رب العالمين، فينبغي أن لا يُقال فيها إلا ما هو مشروع وموجَّهٌ إليه سبحانه.كما أنه ينبغي أن لا يُفعل فيها إلا ما هو مشروع من أفعال الصلاة إلا ما جاءت النصوص باستثنائه فيباح، وما سوى ذلك فهو حرام، ويدخل تحت قوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ïپ² «مفتاح الصلاة الطُّهور، وتحريمُها التكبير ، وتحليلها التسليم» رواه أحمد والترمذي. وقد مرَّ في بحث [حكم تكبيرة الإحرام] وبحث [القنوت في الصلاة] فالتكبير للصلاة يجعل كل قولٍ وكلَّ فعلٍ غير مشروع في الصلاة حراماً.

وقد حث الشرع على الخشوع في الصلاة ورغَّب فيه وبيَّن فضله في العديد من النصوص نذكر منها قوله عزَّ وجلَّïپ‌قَدْ أَفْلَحَ المؤْمِنُوْنَ . الذِيْنَ هُمْ في صَلاتِهِمْ خَاشِعُوْنَïپ? الآيتان 1، 2 من سورة المؤمنون. وقوله تعالى ïپ‌واسْتَعِيْنُوْا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّهَا لَكَبِيْرَةٌ إلا عَلَى الخَاشِعِيْنَ. الذِيْنَ يَظُنُّوْنَ أَنَّهُمْ مُلاقُوْ رَبِّهِمْ وأَنَّهُمْ إلَيْهِ رَاجِعُوْنïپ? الآيتان 45، 46 من سورة البقرة. وعن عثمان رضي الله عنه «… فدعا بوَضُوءٍ فقال: سمعت رسول الله ïپ² يقول: ما من امرئ مسلمٍ تحضُره صلاةٌ مكتوبةٌ فيُحسن وضوءَها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارةً لِما قبلها من الذنوب ما لم يُؤت كبيرة، وذلك الدهرَ كلَّه» رواه مسلم. وعن عُبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: أشهدُ سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «خمس صلوات افترضهن اللهُ على عباده، مَنْ أحسن وضوءَهن وصلاَّهن لوقتهن، فأتمَّ ركوعهن وسجودهن وخشوعهن كان له عند الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له عند الله عهد، إن شاء غفر له وإن شاء عذَّبه» رواه أحمد وأبو داود.

وقد اختلف الفقهاء في حكم الخشوع في الصلاة، فاختار أكثرهم الندب والاستحباب، واختار الآخرون الوجوب وهو الصحيح. وحتى نتبين وجه الصواب في هذه المسألة لننظر في النصوص المتعلقة بذلك:

أ - عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء فنزلت: الذين هم في صلاتهم خاشعون، فطأطأ رأسه» رواه الحاكم. وقد مرَّ في بحث [النظر في الصلاة].

ب - قوله تعالى ïپ‌قَدْ أَفْلَحَ المؤْمِنُوْنَ . الذِيْنَ هُمْ في صَلاتِهِمْ خَاشِعُوْنَ. والذِيْنَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُوْنَ. والذِيْنَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُوْنَ. والذِيْنَ هُمْ لِفُرُوْجِهِمْ حَافِظُوْنَ. إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإنَّهُمْ غَيْرُ مَلُوْمِيْنَ. فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُم العَادُوْنَ. وَالذِيْنَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وعَهْدِِهِمْ رَاعُوْنَ. والذِيْنَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُوْنَ. أُولَئِكَ هُم الوَارِثُوْنَ. الذِين يَرِثُوْنَ الفِرْدَوْسَ هُمْ فِيْهَا خَالِدُوْنَïپ? الآيات من 1-11 من سورة المؤمنون.

ج - عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال « كنا إذا صلينــا مــع رسول اللــه صلى الله عليه وسلم قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيده إلى الجانبين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : علامَ تُومِئُون بأيديكم كأنها أذنابُ خيلٍ شُمْسٍ؟…» رواه مسلم. وقد مرَّ بتمامه في بحث [القنوت في الصلاة] ولمسلم حديثٌ ثانٍ عن جابر بن سمرة رضي الله عنه أنه قال «خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذنابُ خيلٍ شُمْسٍ؟ اسكُنوا في الصلاة …» . وقد مرَّ في بحث [القنوت في الصلاة].

الدليل الأول يدل على وجوب الخشوع ، فقد مرَّ معنا في بحث [النظر في الصلاة] حُرمةُ النظر إلى السماء بما يغني عن إعادته هنا، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى السماء في صلاته فنزل قوله تعالىïپ‌الذِيْنَ هُمْ في صَلاتِهِمْ خَاشِعُوْنَïپ? الآية 2 من سورة المؤمنون. ففهم عليه الصلاة والسلام من هذه الآية أن الخشوع يقتضي عدم رفع النظر فطأطأ رأسه، وهذا كله يدل على أن الخشوع يتعارض مع رفع البصر، وأن رفع البصر يتعارض مع الخشوع، وما دام أن رفع البصر حرام، فالخشوع بخفض البصر إذن واجب.

والدليل الثاني يدل هو الآخر على وجوب الخشوع، فالله سبحانه وتعالى وصف المؤمنين إن هم فعلوا كذا وكذا وكذا، وفعلوا الخشوع وصفهم بالفلاح، وبشَّرهم بوراثة الفردوس، وهذا يعني أن من أراد الفوز بالفلاح ودخول أعلى درجات الجنة فلْيخشع في صلاته، ولْيُعْرِض عن اللغو ولْيُزَكِّ، ولْيَحْفظ فرجه، ولْيُراعِ الأمانة والعهد، ولْيُحافظ على الصلاة، فإن ترك فعلاً من هذه الأفعال لم يستحق الفلاح ودخول الفردوس، بمعنى أن من لا يخشع لا يضمن الفلاح ودخول الفردوس، فهل يستطيع بعد ذلك أن يدَّعيَ مُدَّعٍ أن الخشوع غير واجب؟ إن الفلاح ودخول الفردوس هما الفوز الأكبر، وإن الفوز الأكبر بحاجة إلى الثمن الأكبر والثمن الأكبر لا يكون من صنف المندوبات، وإنما هـو من الواجبات، ولهذا نجد أن جميع المذكورات في هؤلاء الآيات المباركات هي من الواجبات، فالخشوع واجب.

وأما الدليل الثالــث فـإنه يعضــد الرأي القائل بوجــوب الخشوع ويتَّسق معـه، فالرسول صلى الله عليه وسلم قد نهى المسلمين عن تحريك الأيدي عند التسليم والخروج من الصلاة نهياً قاسياً، فقد سألهم سؤالاً استنكارياً، وشبَّه أيديهم بأذناب الخيل، ثم نهاهم باللفظ الصريح [اسكُنُوا] ويبعد أن يقول كل ذلك لمجرد رؤية أمرٍ مكروهٍ فحسب، فلم يبق إلا أنه نهى عن فعلٍ محرَّم مضادٍّ للخشوع. وبذلك يثبت للخشوع حكم الوجوب، فالخشوع واجب في الصلاة.

مسافة القصر/3

4 - مناقشة رأي الحنابلة: القول فيه هو القول نفسه في رأي الشافعية، فالحنابلة قد اتَّبعوا بعض الصحابة، ولم يستدلوا على تقدير المسافة بالنصوص الشرعية، والغريب أنَّ ابن قُدامة، وهو فقيه الحنابلة المقدَّم ، لم يأخذ برأي إمامِه أحمد، ولم يقلد أو يتَّبع صحابةً ، ولم يستند إلى نص شرعي، وإنما اتَّبع ، كما يقول، عامةَ العلماء ، فأخذ بمسيرة يومٍ تامٍّ ، وليتهُ ذكر لنا أسماء عامة العلماء هؤلاء، أو عددهم على الأقل، فأخطأ خطأين اثنين: أولهما أنه لم يستدل على رأيه بالنصوص الشرعية ، والثاني أنه قلَّد أو قل اتَّبع عامة العلماء كما قال، مع أن علماء المذاهب الأربعة هم عامة العلماء، وهم لا يقولون بهذا القول .

5 - مناقشة رأي ابن حزم: إن ابن حزم بحث المسألة بحثاً لُغوياً ، وبنى رأيه على دلالة اللغة، فذكر أن السفر لغةً هو البروز عن محلة الإقامة، وكذلك الضرب في الأرض فأطلق السفر وجعل مطلق السفر يبيح القصر، ولكنه وقد قضى بما قضى به أحبَّ أن يستشهد بقول صحابي على صحة رأيه المبني على دلالة اللغة ، فروى قولاً لابن عمر «لو خرجتُ ميلاً لقصرتُ الصلاة » ورواه أيضاً ابن أبي شيبة .

ولقد أخطأ ابن حزم خطأين اثنين : أولهما أنه بنى رأيه على دلالة اللغة ، في حين أن هناك نصوصاً شرعيةً حددت مسافة القصر لم يأتِ على ذكرها. والثاني أنه استشهد، ولنقل استأنس بقول ابن عمر ولم يستدلَّ به، وحتى لو استدل به فإنه يبقى مخطئاً، فهو لم يأخذ بقول ابن عمر، وإنما أخذ بدلالة اللغة، ثم أورد قول ابن عمر لأنه رآه يؤيد ما توصَّل إليه، هذا إضافة إلى أن ابن عمر قد رويت عنه أفعال ٌ وأقوالٌ تعارض هذا القول المنسوبة إليه مما يجعلنا لا نطمئن إلى هذا الاستشهاد ، ولا نقبل الاحتجاج به . فعن محمد بن زيد بن خُلَيدة عن ابن عمر قال «يَقْصُرُ الصلاةَ في مسيرة ثلاثة أميال» رواه ابن أبي شيبة . وعن نافع عن سالم «أن ابن عمر خرج إلى أرضٍ له بذات النصب فقصر وهي ستةَ عشرَ فرسخاً» رواه ابن أبي شيبة وعبدالرزاق والشافعي .وعن محارب بن دثار قال: سمعت ابن عمر يقول «إني لأُسافر الساعةَ من النهار فأقصر» رواه ابن أبي شيبة . وهذا عبدالرزاق قد ذكر في مصنَّفه عن ابن عمر عدة روايات مختلفة في تقدير مسافة القصر، فروى عنه أن مسافة القصر هي من المدينة إلى خيبر، وهي تعادل ستةً وتسعينَ ميلاً، وأن المسافة هي من المدينة إلى السُّويداء، وهي تعادل اثنين وسبعين ميلاً ، وأنها من المدينة إلى ريم، وهي تعادل ثلاثين ميلاً، فكيف يُجيز ابن حزم وغيره ممن ينهج نهجه أن يستدل أو يستشهد على تقدير المسافة بقولٍ لابن عمر أو بفعلٍ له، وقد تعددت أقواله وأفعاله المروية عنه واختلفت ؟

إن ابن حزم قد أخطأ بالاستشهاد بقول ابن عمر ، وإن الشافعي قد أخطأ في الاستدلال بفعل ابن عمر الدال على أن القصر في أربعة بُرُدٍ ، وإن الحنابلةَ قد أخطئوا بتقليد أو اتباع ابن عمر ، فكل من استدل أو استشهد أو قلد أو اتبع ابن عمر رضي الله عنه في هذه المسألة فقد جانبه الصواب.

إن أقوال الصحابة إن تعارضت لم تقم بها حجة، وإن أقوال الصحابي الواحد إن تعارضت اعتُبرت لا قيمة لها، ولم يصح الاستدلال ولا الاستشهاد بها، وقد جاءت أقوال الصحابة في مسألتنا هذه متعارضةً ومختلفةً كثيراً، مما يدعونا إلى طرحها كلها، وعدم الاحتجاج بها مطلقاً، لا سيما وأن في هذه المسألة عدداً من النصوص الشرعية الصحيحة الكافية لاستنباط حكم هذه المسألة منها . قال ابن قُدامة صاحب المُغني [قال المصنف: ولا أرى لما صار إليه الأئمة حجة، لأن أقوال الصحابة متعارضة مختلفة ولا حجة فيها مع الاختلاف، وقد روي عن ابن عباس وابن عمر خلاف ما احتج به أصحابنا ثم لو لم يوجد ذلك لم يكن في قولهم حجة مع قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله ، وإذا لم تثبت أقوالهم امتنع المصير إلى التقدير الذي ذكروه لوجهين (أحدهما) أنه مخالف لسنة النبي صلى الله عليه وسلم التي رويناها، … (والثاني) أن التقدير بابه التوقيف ، فلا يجوز المصير إليه برأي مجرد، لا سيما وليس له أصل يرد إليه، ولا نظير يقاس عليه … ]. ولقد أصاب ابن قدامة في قوله هذا وأجاد .

أما النصوص التي جاءت تعالج هذه المسألة فهي:

أ - عن جُبير بن نُفير قال: خرجت مع شرحبيل بن السمط إلى قرية على رأس سبعةَ عشر أو ثمانية عشر ميلاً ، فصلى ركعتين ، فقلت له ، فقال «رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلى بذي الحُليفة ركعتين، فقلت له ، فقال: إنما أفعل كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل» رواه مسلم وأحمد والنسائي والبيهقي وابن أبي شيبة . وذو الحليفة: موضع يبعد عن المدينة ستةَ أميالٍ أو سبعة أميالٍ تقريباً.

ب - عن أنس رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعاً، وصلى العصر بذي الحُليفة ركعتين» رواه مسلم والبخاري وأبو داود والنسائي والترمذي. ورواه أحمد وزاد في آخره «آمناً لا يخاف في حجة الوداع»

ج - عن يحيى بن يزيد الهنائي قال : سألت أنس بن مالك عن قصر الصـلاة، فقــال:

«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ - شُعبةُ الشاكُّ - صلى ركعتين» رواه مسلم وأبو داود وأحمد والبيهقي وابن أبـي شيبـة.

د - عن أبي هارون عن أبي سعيد «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر فرسخاً قصر الصلاة» رواه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور .

الحديث الرابع فيه أبو هارون ضعَّفه القطان وأحمد وابن معين وأبو زُرعة وأبو حاتم الرازي والنسائي ، ولم أجد مَن وثقه أو قبله ، فيترك الحديث . فتبقى عندنا ثلاثة أحاديث صحيحة.

الحديثان الأول والثاني يذكران أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى بذي الحليفة - وهي تبعد عن المدينة ستةَ أميال أو سبعة أميال - ركعتين ، وجاء في الحديث الثاني أنها كانت صلاة العصر . وذكر حديث أحمد أن ذلك كان في حجة الوداع، وفي ذلك دلالة على تأخر هذه الحادثة مما ينفي عنها حصول النسخ . فهذان نصان صحيحان يدلان على أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قصر الصلاة الرباعية عندما سافر ما بين ستة أميال وسبعة، فلماذا لم يأخذ الأئمة الأربعة بهذين النصين؟ وإنما راح ثلاثة منهم ينظرون في أقوال الصحابة ، ويستنبطون منها الأحكام رغم تعارضها واختلافها، أو في أدلة ليست في المسألة كما فعل الأحناف ؟!

إن هذين الحديثين يبطلان أقوال الأئمة الأربعة بشكل واضح ، فلا مسيرة ثلاثة أيام ولا مسيرة يومين ، ولا مسيرة يوم وليلة، ولا مسيرة ميل واحد تصلح لتقدير مسافة القصر، فوجبت العودة عن هذه الأقوال ، والتقيد بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم .

يتبع >>>>>>>>>4

)

  1. الصلاة ركعة واحدة:

يُصلي الإمام بطائفةٍ ركعةً واحدة، ثم يَثْبُتُ قائماً ويتركهم خلفه يسلِّمون وينصرفون، فتأتي الطائفة الثانية فيصطُّفون خلفه، فيصلي بهم ركعته الثانية وركعتَهم الوحيدة ويسلم ويسلمون، ولا تُؤدِّي أيٌّ من هاتين الطائفتين ركعةً أخرى، بل تصلي كل طائفة ركعة واحدة فحسب، بينما يصلي الإمام ركعتين اثنتين، والأدلة على هذا الشكل الأحاديث الثلاثة المارة قبل قليل: عن ابن عباس حديثان وعن أبي هريرة حديث واحد.

  1. الصلاة ركعتان اثنتان:

أ- يصلي الإمام بطائفة ركعةً واحدة ويَثْبُتُ قائماً، وينتظر حتى يُتِمُّوا لأنفسهم ركعتهم الثانية وينصرفوا، وتأتي الطائفة الثانية فيصطفُّون خلفه فيصلي بهم ركعته الثانية، ويصلون هم معه ركعتهم الأولى، ثم يثبت الإمام جالساً، وينتظرهم حتى يُتمُّوا لأنفسهم الركعة الثانية، ثم يسلم ويسلمون، والدليل على هذا الشكل ما رواه صالح بن خوَّات عمن شهـد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرِّقاع صلى صلاة الخوف «أن طائفة صفَّت معه وطائفة وُجَاهَ العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائماً وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا، فصفُّوا وُجَاهَ العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالساً وأتمُّوا لأنفسهم، ثم سلم بهم» رواه البخاري ومسلم وأحمد ومالك وأبو داود.

ب - أو يصلي الإمام بطائفة ركعتين اثنتين يُتِمُّونهما معه وينصرفون ويثبت، ثم تأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم الإمام ركعتين اثنتين يتمونهما معه ويسلم ويسلمون، والدليل على هـذا الشكل ما رُوي عن جابر رضي الله عنه قال «أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بذات الرِّقاع قال … قال فنودي بالصلاة، فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، قال فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتان» رواه مسلم وأحمد وأبو داود والطحاوي والبيهقي.

ج - يصلي الإمام بطائفة ركعتين ويسلم ويسلمون ثم ينصرفون، وتأتي الطائفة الأخرى فتصطفُّ خلفه ثم ينوون معاً ويصلون معاً ركعتين ثم يسلم ويسلمون، وهذه أسهل الأشكال كلها، والدليل عليها ما رُوي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال«صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فصلى ببعض أصحابه ركعتين ثم سلَّم فتأخروا، وجاء آخرون فكانوا في مكانهم فصلى بهم ركعتين ثم سلَّم ، فصار للنبي صلى الله عليه وسلم أربع ركعـات وللقوم ركعتان ركعتان» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي وابن حِبَّان والدار قطني. وتكون صلاة الإمام الثانية نافلة. وأنت أخي المسلم بالخيار بين هذه الأشكال وبين غيرها من الأشكال الأخرى الثابتة والمروية كلها بأسانيد صحيحة، وإن كان لي أن أختار لكم فإني أختار الأسهل منها وهو الشكل الثالث الأخير.

أما بخصوص صلاة المغرب فإن الإمام يفعل كما يفعل في الصلاة الثنائية مـما جاء في البند 2 سوى أنه يكون بالخيار بين أن يصلي بالطائفة الأولى ركعة وبالطائفة الأخرى ركعتين، أو يعكس فيصلي بالطائفة الأولى ركعتين وبالطائفة الأخرى ركعة، فكلا الأمرين جائز.

أما إن دهم العدو المسلمين في ديارهم وأخافهم في بيوتهم فأرادوا أن يصلوا في الحضر صلاة الخوف أربع ركعات تامات، فإن الإمام يفعل مثل فعله في البند 2 سوى أنه يصلي بالطائفة الأولى ركعتين ويثبت قائماً ريثما يُتِمُّون وحدهم صلاتهم الرباعية، أي ريثما يأتون بركعتين إضافيتين ثم ينصرفون، ثم تأتي الطائفة الأخرى ويصطفون خلف الإمام فيصلي بهم ركعتيه المتبقيتين، فيُتِم لنفسه أربع ركعات ، ويصلون هم معه ركعتيهم الأوليين، ويثبت الإمام جالساً ريثما يُتمُّون هم ركعتيهم المتبقيتين، وبذلك يتمون لأنفسهم أربع ركعات ، ثم يسلم ويسلمون.

الصلاة إيماءً وعلى المركوب وفي غير جهة القِبلة

إذا اشتد الخوف واستبدَّ بالناس الذعرُ من الأعداء، ولم يعد يسهل عليهم إقامة صلاة الخوف بأية كيفية من الكيفيات المشروعة ذات القيام والقعود والركوع والسجود، جاز لهم إتيانُ الصلاة إيماءً بحيث يكون السجود أخفض من الركوع، وجازت لهم الصلاة وهم ماشون، وهم راكبون، كما جازت لهم دون أن يستقبلوا القِبلة، فيؤدون الصلاة إيماءً وكيفما اتفق، يصليها هكذا الهاربُ من عدوه، راكباً السيارة أو الطائرة أو الدابة أو السفينة، كما يصليها إيماءً الملتصقُ بحجر أو صخرة أو جدار في حالة اختباء من العدو. فهذه الحالات وأمثالها لا يحتاج فيها المصلي إلى أكثر من القراءة والذكر والإيماء فحسب، ولْيُصلِّ إلى أي اتجاه، ولا عليه عند ذلك، وصلاته صحيحة مقبولة. وقد مرت النصوص الثلاثة الدالَّةُ على ذلك المرويةُ عن حذيفة وعبد الله بن أنيس وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين.

  1. صــلاة الـخـوف

إذا خاف المسلمون عدوَّهم شُرع لهم أداء صلاتهم مقصورةً بأشكال وكيفيات عدة أوصلها بعض الأئمة إلى سبعة أشكال، وأوصلها بعضهم الآخر إلى سبعة عشر شكلاً، والدليل على مشروعية هذه الصلاة قولُه تعالى وَإذَا ضَرَبْتُمْ في الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوْا مِن الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الذِيْنَ كَفَرُوْا إنَّ الكَافِرِيْنَ كَانُوْا لَكُمْ عَدُوَّاً مُبِيْنَاً الآية 101 من سورة النساء.

أما قصر صلاة الخوف فعامٌّ يشمل إنقاص عدد ركعات الصلاة، فتُصلَّى الرباعية ركعتين، كما تُصلى ركعـةً واحدة ، وكذلك الصلاة الثنائية صلاة الصبح، كما يشمل إنقاص حدودها وركوعها وسجودها وهيئاتها، فتُصلَّى إيماءً بلا ركوع ولا سجود ولا وقوف ولا توجُّهٍ نحو القِبلة، أي تُصلَّى كيفما اتفق، والحالة الأخيرة تكون عند اشتداد الخـوف وعند الالتحام في القتال، وكل هذه الإنقاصات تدخل تحت قوله تعالى أَنْ تَقْصُرُوْا مِن الصَّلاةِ. فالقصر الوارد في الآية الكريمة يعني مطلق الإنقاص وليس هو القصر الوارد في السفر الخاص بإنقاص الركعات الأربع إلى ركعتين فحسب، والدليل على هذا الفهم آت من جهة القرآن ومن جهة الحديث.

أمــا القرآن الكريم فيقول بعــد الآيــة المذكــورة أعــلاه وَإذَا كُنْـتَ فِيْهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُم الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوْا أَسْلِحَتَهُمْ فَإذَا سَجَدُوْا فَلْيَكُوْنُوْا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَىْ لم يُصَلُّوْا فَلْيُصَلُّوْا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوْا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الذِيْنَ كَفَرُوْا لَوْ تَغْفُلُوْنَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيْلُوْنَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ كَانَ بِكُمْ أَذَىً مِن مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَىْ أَنْ تَضَعُوْا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوْا حِذْرَكُمْ إنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِيْنَ عَذَاباً مُهِيْنَاً. فَإذَا قَضَيْتُم الصَّلاةَ فاَذْكُرُوْا اللهَ قِيَامَاً وَقُعُوْدَاً وَعَلَىْ جُنُوْبِكُمْ فَإذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيْمُوْا الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَىْ المُؤْمِنِيْنَ كِتَابَاً مَوْقُوْتَاً الآيتان 102 ، 103 من سورة النساء. فقد قال سبحانه وتعالى فَأَقَمْتَ لَهُم الصَّلاةَ، وذكر بعده شكلاً من أشكال قصر الصلاة، أي أنه سبحانه وصف صلاة الخائف المقصورة بأنها إقامةٌ للصلاة، بمعنى أن من صلى صلاة الخوف المقصورة إلى ركعتين اعتُبِرَ مقيماً للصلاة، ثم قال في الآية التي تليها فَإذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيْمُوْا الصَّلاةَ مع بقاء حالة القصر، ما يعني أن الصلاة بغير الاطمئنان لا تُعتبر إقامة لها . وبمعنى آخر فإن أداء الصلاة عند الاطمئنان يوصف بأنه إقامةٌ لها، ومفهومه أن أداء الصلاة في غير حالة الاطمئنان لا يعتبر إقامةً لها، فإذا علمنا أن الرسول  عندما أُمر أن يصلي صلاة الخوف المقصورة بالمؤمنين خوطِبَ بقوله تعالى فَأَقَمْتَ لَهُم الصَّلاةَ أدركنا أن صلاة الخوف المقصورة إلى ركعتين هي إقامةٌ للصلاة ، فلم يبق من دلالة قوله تعالى فَإذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيْمُوْا الصَّلاةَ إلا أنَّ أداءَ الصلاة عند عدم الاطمئنان لا يطلق عليه لفظ إقامة الصلاة ، فلم يبق إلا أن يكون أداؤها عند عدم الاطمئنان بإنقاص لا توصف الصلاة معه بأنها مُقامة، وهي إشارة إلى أداء هذه الصلاة بإنقاصٍ آخر غير إنقاصِ عدد الركعات إلى ثنتين، وهو الإيماء أو الاقتصار على ركعة واحدة فحسب.

وأما الحديث فقد ورد منه ما يلي:

أ- عن ابن عباس رضي الله عنه «أنَّ الله عزَّ وجلَّ فرض الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم على المقيم أربعاً، وعلى المسافر ركعتين، وعلى الخائف ركعة» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنَّسائي والبيهقي.

ب - عن ابن عباس رضي الله عنه قال «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بذي قَرَد - أرضٍ من أرض بني سُليم - فصفَّ الناس خلفه صفَّين، صف موازي العدو وصف خلفه، فصلـى بالصف الذي يليه ركـعـة، ثم نكـص هـؤلاء إلـى مصـافِّ هــؤلاء وهؤلاء إلى مصافِّ هؤلاء، فصلى بهم ركعة أخرى - زاد في رواية - فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم ركعتين ولكل طائفة ركعة» رواه أحمد والنَّسائي والبيهقي والحاكم وابن حِبَّان. وروى أحمد والنَّسائي والبيهقي والطحاوي عن جابر مثله. وروى أحمد وأبو داود والنَّسائي والبيهقي والحاكم عن حذيفة مثله.

ج- عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بين ضَجْنانَ وعُسْفانَ، فقال المشركون: إن لهم صلاةً هي أحبُّ إليهم من آبائهم وأبنائهم وهي العصر، فأَجْمِعوا أمرَكم فميلوا عليهم ميلةً واحدة، وإن جبريل عليه السلام أتى النبي  فأمره أن يقسم أصحابه شطرين، فيصلي ببعضهم، وتقوم الطائفة الأخرى وراءهم ولْيأخذوا حِذْرَهم وأسلحتهم، ثم تأتي الأخرى فيصلون معه، ويأخذ هؤلاء حِذْرَهم وأسلحتهم، لتكون لهم ركعة ركعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان» رواه أحمد والنَّسائي والترمذي. وضَجْنان وعُسْفان هما موضعان بين مكة والمدينة. فهذه الأحاديث تدل على أن الصلاة عند الخوف تُخَفَّض أي تنقص إلى ركعة واحدة فقط، وأيضاً:

أ- روى البخاري ومالك وابن ماجة حديثاً طويلاً عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه وجاء في آخره قول ابن عمر «فيكون كل واحد من الطائفتين قد صلى ركعتين، فإذا كان خوفٌ هو أشد من ذلك صلوا رجالاً قياماً على أقدامهم أو ركباناً، مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها». ورواه مسلم وجاء فيه «فإذا كان خوفٌ أكثر من ذلك فصلِّ راكباً أو قائماً تُومئ إيماءً».

ب- عن عبد الله بن أنيس قال «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خالد بن سفيان الهذلي وكان نحو عُرَنة وعرفات، فقال: اذهب فاقتلْه، قال: فرأيته وحضرتْ صلاةُ العصر فقلت: إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما إنْ أُؤخر الصلاة، فانطلقت أمشي وأنا أُصلي أومئ إيماءً نحوَه، فلما دنوت منه قال لي: مَن أنت؟ قلت: رجل من العرب بلغني أنك تجمع لهذا الرجل فجئتك في ذاك، قال: إني لفي ذاك ، فمشيت معه ساعة حتى إذا أمكنني علوتُه بسيفي حتى برد» رواه أبو داود . ورواه أحمد والبيهقي مطوَّلاً، وجاء في رواية أحمد «فصليت وأنا أمشي نحوه أُومئ برأسي الركوع والسجود».

ج- عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه قال لسعيد بن العاص وهو يشرح له كيفية صلاة الخوف «وتأمر أصحابك إنْ هاجهم هَيْجٌ من العدو فقد حلَّ لهم القتال والكلام» رواه أحمد وهذا طرف منه. ورواه أبو داود والنَّسائي والبيهقي والحاكم. فهذه النصوص الثلاثة وإن وردت على ألسنة صحابة فإنه يبعد أن تكون من عند أنفسهم، وكلها تفيد أن صلاة الخوف تكون إيماءً، أو يتخللها القتال والكلام، ما يعني أن الصلاة هنا غير مقامة على هيئتها المعروفة. فالقصر الوارد في قوله سبحانه فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوْا مِن الصَّلاةِ عام في القصر إلى ركعتين ، وفي القصر إلى ركعة، وفي القصر إلى الإيماء.

قلت في بدء البحث إنَّ لصلاة الخوف أشكالاً وكيفيات عدة، وأقول هنا إنَّ أبرز هذه الأشكال ما يلي:

القراءة في صلاة الجمعة

قلنا في بحث [قراءة القرآن في الصلوات الخمس] فصل [صفة الصلاة] ما يلي (إنه ليس هناك سُنـة ثابتة في اختيار الآيـات القرآنية لكـل صـلاة، لـذا فــإن المسلم بالخيــار بين قراءة هذه السورة أو تلك في هــذه الصلاة أو تلك، فليست أيــة سورة مــن سور القــرآن الكريم بأفضــل من أختهــا لصلاة دون صلاة) . ونضيف هنا: إنْ ورد نصٌ يفيد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قرأ في صلاة كذا بسورة كذا فإنَّ ذلك لا يعني أن قراءة هذه السورة في هذه الصلاة صارت هي المندوبة دون سواها من السُّور، فالعبرة هي بقراءة سورة أو بضع آيات من القرآن، أو حتى بقراءة آية واحدة، وأما قراءة ما قرأه رسول الله صلى الله عليه وسلم فليست هي المندوبة وحدها، وإنما يتحقق المندوب بقراءة أي شئ من كتاب الله عزَّ وجلَّ. ونذكر هنا جملة من الأحاديث التي وردت في قراءته عليه الصلاة والسلام في صلاة الجمعة للعلم بها وللاطلاع فحسب، وندع مَن يودُّ أن يقرأ كما قرأ عليه الصلاة والسلام يأخذ من هذه الأحاديث مبتغاه:

1- عن ابن أبي رافع قال «… فصلى لنا أبو هريرة الجمعة، فقرأ بعد سورة الجمعة في الركعة الآخــرة إذا جـاءك المنافقون، قال: فأدركـت أبا هريرة حـين انصرف فقلت له: إنك قرأت بسورتين كان علي بن أبي طالب يقرأ بهما بالكوفة، فقال أبو هريرة: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما يوم الجمعة» رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي والترمذي. وفي رواية ثانية عند مسلم من طريق ابن أبي رافع أيضاً بلفظ «فقرأ بسورة الجمعة في السجدة الأولى، وفي الآخرة إذا جاءك المنافقون».

2- عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ سبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية» رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي والترمذي.

3- عن ابن عباس رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة ألم تنزيل السجدة، وهل أتى على الإنسان حين من الدهر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة، والمنافقين» رواه مسلـم وأحمد وأبو داود.

4- عن سَمُرة بن جُنْدُب رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الجمعة بـ سبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية» رواه أحمد وأبو داود والشافعي والنَّسائي والبيهقي.

السُّنّة الراتبة لصلاة الجمعة

أخذاً بالقاعدة التي اعتمدناها في فصل [صلاة التطوع] فإنَّا نقول إن لصلاة الجمعة سنة مؤكدة راتبة بعدية هي ركعتان اثنتان فحسب، وإن لها ركعتين أُخريين بعديتين ملحقتين بالسنة المؤكدة الراتبة، فيُسنُّ الإتيان بركعتين اثنتين عقب صلاة الجمعة، وإن أتى بأربع ركعات كان ذلك أفضل. والأفضل أن تُؤدَّى السُّنَّة البعدية في البيت، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته وبعد العشاء ركعتين، وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلي ركعتين» رواه البخاري. ورواه مسلم ولفظه «كان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين في بيته». وعنه رضي الله عنه «أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فسجد سجدتين في بيته، ثم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك» رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي والترمذي. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا أربعاً - وفي رواية - فإن عجل بك شئ فصلِّ ركعتين في المسجد وركعتين إذا رجعت» رواه مسلم وأحمد. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا صلى أحدكم الجمعة فلْيُصلِّ بعدها أربعاً» رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي والترمذي.

فضل يوم الجمعة

يوم الجمعة أفضل الأيام على الإطلاق، فهو أفضل من يوم الفطر ومن يوم الأضحى ومن يوم عرفة، فالأحاديث التي جعلت يوم عرفة أفضل الأيام هي أدنى مرتبة من أحاديث تفضيل الجمعة على سائر الأيام. ففي يوم الجمعة خلق الله آدم عليه السلام، وفيه أدخله الله الجنة، وفيه أخرجه منها، وفيه توفَّاه الله سبحانه، وفي يوم الجمعة ساعة يُستجاب فيها الدعاء، وفيه تقوم القيامة. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «خيرُ يومٍ طلعت عليه الشمس يومُ الجمعة، فيه خُلق آدم ، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة» رواه مسلم وأحمد والترمذي. وعن أبي لبابة البدري بن عبد المنذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «سيد الأيام يوم الجمعة وأعظمها عند الله تعالى، وأعظم عند الله عزَّ وجلَّ من يوم الفطر ويوم الأضحى، وفيه خمس خلال: خلق الله فيه آدم، وأهبط الله فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفَّى الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل العبدُ فيها شيئاً إلا آتاه الله تبارك وتعالى إياه ما لم يسأل حراماً، وفيه تقوم الساعة، ما من ملَكٍ مقرَّب ولا سماءٍ ولا أرضٍ ولا رياحٍ ولا جبالٍ ولا بحرٍ إلا هن يُشفقن من يوم الجمعة» رواه أحمد. ورواه ابن ماجة والبزَّار والطبراني باختلاف في اللفظ.

أما الساعة التي يستجاب فيها الدعاء في يوم الجمعة فهي واقعةٌ ما بين صلاة العصر وغروب الشمس على الرأي الأصحِّ، فلْيجتهد المسلمون في الدعاء في هذه الساعة، وليثقوا باستجابة اللــه سبحانه لدعائهـم، فعـن أبي هريـرة رضـي اللــه عنـه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة فقال: فيه ساعة لا يوافقها عبدٌ مسلم وهو قائم يصلي، يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه، وأشار بيده يُقلِّلها» رواه البخاري ومسلم وأحمد والنَّسائي ومالك. قوله يقللها: أي أنها ساعة قصيرة. وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبدٌ مسلم يسأل الله عزَّ وجلَّ فيها إلا أعطاه إياه وهي بعد العصر» رواه أحمد والبزَّار. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «يوم الجمعة ثِنتا عشرة، يريد ساعة، لا يوجد مسلم يسأل الله عزَّ وجلَّ شيئاً إلا آتاه الله عزَّ وجلَّ، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر» رواه أبو داود والنَّسائي والحاكم.

وقــد أشكلــت علـى النــاس العبــارة التــي تقـول «لا يوافقـهــا عبدٌ مسلــم وهــو قائــم يصلي»، وذلك لأن آخر ساعة من النهار وبعد صلاة العصر لا صلاة فيها، فكيف يقال «وهو قائم يصلي»؟ والجواب على هذا الإشكال هو أن من جلس بعد الصلاة، أو جلس ينتظر الصلاة فهو في صلاة، فعن أبي سلمة «قلت لعبد الله بن سلام: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في صلاة وليست بساعة صلاة، قال: أَوَ لم تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: منتظر الصلاة في صلاة؟ قلت: بلى هي والله هي» رواه أحمد وابن خُزَيمة والحاكم. وعن أبي النضر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن سلام قال «قلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس: إنا نجد في كتاب الله في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو في الصلاة فيسأل الله عزَّ وجلَّ شيئاً إلا أعطاه ما سأله، فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بعض ساعة، قال فقلت: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أبو النضر قال أبو سلمة: سألته: أية ساعة هي؟ قال : آخر ساعات النهار، فقلت: إنها ليست بساعة صلاة، فقال: بلى إنَّ العبد المسلم في صلاة إذا صلى ثم قعد في مصلاه لا يحبسه إلا انتظار الصلاة» رواه أحمد وابن ماجة.

فالساعة التي يُستجاب فيها الدعاء واقعة في آخر نهار يوم الجمعة، لأن هذه الساعة هي ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة الكثيرة. أما الحديث الذي رُوي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه بلفظ «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تُقضى الصلاة» رواه مسلم وأبو داود والبيهقي. فقد أعلَّه الدار قطني بالانقطاع بين مخرمة راوي الحديث وبين أبيه، ووافقه الحافظ ابن حجر قائلاً (وجود التصريح من مخرمة بأنه لم يسمع من أبيه كـافٍ في دعوى الانقطاع). وقال أحمد نقلاً عن حمَّاد بن خالد: مخرمة بن بكير رواه عن أبيه بكير بن عبد الله بن الأشجِّ وهو لم يسمع من أبيه. وأضاف: إن حمَّاد بن خالد سمعه من مخرمة نفسه. ثم إن الحافظ العراقي قد رمى هذا الحديث بالاضطراب، فالحديث وإن ورد في صحيح مسلم إلا أنه لا يُحتجُّ به.

وفي يوم الجمعة يُندب الإكثار مــن الصلاة علــى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الصلاة عليه تعرض عليه في هذا اليوم فيُسَرُّ بها، فعن أوس بن أبي أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خُلق آدم وفيه قُبض، وفيه النفخة وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليَّ، فقالوا: يا رسول الله وكيف تُعرض عليك صلاتُنا وقد أَرِمْتَ؟ ـ يعني وقد بَلِيتَ ـ قال: إن الله عزَّ وجلَّ حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء صلوات الله عليهم» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة وابن حِبَّان.

خطبـة الجمعـة

خطبةُ الجمعة فرضٌ إلقاؤها وفرضٌ سماعها والاستماع إليها، فهي داخلة في المعنى المقصود من ذكر الله الوارد في قوله تعالى يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوْا إذَا نُوْدِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللهِ وذَرُوْا البَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تعْلَمُوْنَ الآية 9 من سورة الجمعة. وهي قسمان يفصل بينهما جلوس قصير، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال «إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب يوم الجمعة خطبتين يفصل بينهما بجلسة» رواه البزار وأحمد وأبو يعلى، ورواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. وعن ابن عمر رضي الله عنه قال «كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً، ثم يقعد ثم يقوم كما تفعلون الآن» رواه البخاري ومسلم. وروى أحمد والطبراني عن ابن عباس مثلــه. وروى مسلم والنَّسائي أيضاً عن جابر عن سمرة مثله. ويُسنُّ أن تتضمن الخطبة مـا يـلـي:

أ- ذِكْر الشهادتين، لما رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كل خطبة ليس فيها تشهُّدٌ فهي كاليد الجَذْماء» رواه ابن حِبَّان وأحمد. قوله الجذماء: أي القصيرة.

ب- شيئاً من القرآن الكريم ، لما رُوي عن جابر بن سَمُرَة رضي الله عنه قال «كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويُذكِّر الناس» رواه مسلم. وعن أُم هشام بنت حارثة بن النعمان رضي الله عنها قالت «… وما أخذتُ ق والقرآن المجيد إلا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقرأُها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس» رواه مسلم وأحمد والنَّسائي وأبو داود.

ج- الوقوف حين الخطبة، ولا بأس بالاتِّكـاء على قوس أو عصا، لما روى جابر بن عبد الله رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائماً يوم الجمعة …» رواه مسلم. وعنه رضي الله عنه قال «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في الجمعة إلا قائماً، فمَن حدَّثك أنه جلس فكذِّبه فإنه لم يفعل، كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب ثم يقعد ثم يقوم فيخطب، كان يخطب خطبتين يقعد بينهما في الجمعة» رواه أحمد وأبو داود. وعن أبي سعيد رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب قائماً على رجليه» رواه أحمد.

د- إلقاؤُها بصوت قوي غاضب، لما رُوي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرَّت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه، حتى كأنه منذِرُ جيشٍ، يقول: صبَّحكم ومسَّاكم، ويقول: بُعثتُ أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين أصابعه» رواه مسلم.

هـ - أن تكون الخطبة قصيرة موجزة ، وذلك من فقه الإمام الخطيب، لما رُوي عن عمار ابن ياسر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إنَّ طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئِنَّةٌ من فقهِه، فأطيلوا الصلاة وأَقصروا الخطبة، فإنَّ من البيان لسِحْراً» رواه أحمد ومسلم. قوله مَئِنَّة: أي علامةٌ ودلالة. ولما رُوي عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال «كنت أُصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت صلاته قصداً وخطبته قصداً» رواه مسلم والنَّسائي والترمذي وابن ماجة والدارمي.

و- بدء الخطبة بحمد الله والثناء عليه ، فعن جابر رضي الله عنه قال «خطَبَنـا رسولُ الله ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهل له، ثم قال: أمَّا بعدُ، فإنَّ أصدقَ الحديث كتابُ الله، وإنَّ أفضلَ الهَدْي هديُ محمدٍ، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتُها وكلَّ بدعة ضلالة، ثم يرفع صوته وتحمَرُّ وجنتاه، ويشتد غضبه إذا ذكر الساعة كأنه مُنْذِرُ جيشٍ، قال: ثم يقول: أتتكم الساعة» رواه أحمد وابن ماجة.

ز - إذا دعا الخطيب رفع سبَّابَته فقط، ولم يرفع يده كلها كما يفعل الخطباء في زماننا هذا، لما رُوي عن حصين بن عبد الرحمن السلمي رضي الله عنه قال «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب إذا دعا يقول هكذا، ورفع السَّبَّابَة وحدها» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسائي. ولما رُوي عن عمارة بن رُوَيْبة رضي الله عنه قال «خطب بِشْر بن مروان وهو رافع يديه يدعو، فقال عمارة: قبَّح الله هاتين اليدين، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، وما يقول إلا هكذا، يشير بإصبعه» رواه ابن خُزَيمة ومسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي.

وهذا مثالٌ لافتتاحية خطبة [إنَّ الحمد لله نستعينه ونستغفره ونستهديه ونستنصره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبدُه ورسولُه، من يطع الله ورسوله فقد رَشد ، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى ، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته ولا تموتُنَّ إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجـالاً كثيراً ونساء واتَّقوا اللــه الذي تساءلون به والأرحــام إن الله كان عليكم رقيباً، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يُصلح لكم أعمالكم ويَغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً، أما بعد …] . وتجدون أجزاء هذه الافتتاحية مبثوثة فيما رواه الشافعي في مسنده من طريق ابن عباس، وفيما رواه أبو داود من طريق ابن مسعود، وفيما رواه غيرهما.

وإذا خطب الإمام سكت الناس وحرم عليهم الكلام، إلا أن يكلِّم أحدُهم الإمام فلا بأس. والكلام في أثناء الخطبة لغوٌ، واللغو يحرم صاحبه ثوابَ صلاةِ الجمعة، فإنَّ من تكلم لغا ومن لغا فلا جمعة له ، وتُحتَسَبُ له صلاة ظهر. وإذا سلم أحدهم على جاره ردَّ الآخر السلام في نفسه دون إخراج صوتٍ، وأثِمَ مَن سلَّم. وهذا الإنصات مشروع لمن حضر الخطبة: الداني القريب والنائي البعيد. فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إذا قلتَ لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت» رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي. وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «…ومن لغى وتخطى رقاب الناس كانت له ظهراً» رواه أبو داود. وقد مرَّ بتمامه في البند 2 من بحث [سنن الجمعة]. وعن علي رضي الله عنه قال «… ومَن قال يوم الجمعة لصاحبه (صه) فقد لغا ومن لغا فليس له في جمعته تلك شئ، ثم يقول في آخر ذلك: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك» رواه أبو داود. وعن أنس رضي الله عنه قال «بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ قام رجل فقال: يا رسول الله هلك الكُراع وهلك الشاءُ، فادع الله أن يسقينا، فمد يديه ودعا» رواه البخاري. قوله الكُراع: أي الخيل. وقوله فمد يديه ودعا: مدّ اليدين هنا إنما حصل في دعاء الاستسقاء، وهو هنا حالة عرَضية، وهو لا يتعارض مع قولنا إن خطيب الجمعة يرفع سبَّابته ولا يرفع يده كلها، ففي دعاء الاستسقاء يُشرع مد اليدين حتى يظهر بياض الإبطين، فعن أنس بن مالك قال «كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شئ من دعائه إلا في الاستسقاء، وأنه يرفع حتى يُرى بياض إبطيه» رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي. وسيأتي في بحث الاستسقاء.

أما الإمام فيجوز له إنْ عَرَضت له حاجة وهو يخطب أن يقطع الخطبة، وله أن ينزل عن المنبر لقضائها، ثم بعد قضاء الحاجة يعود لإتمام خطبته، فعن أبي رفاعة رضي الله عنه قال «انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب ، فقلت : يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينه، قال: فأقبل إليَّ، فأُتيَ بكرسي فقعد عليه، فجعل يعلمني مما علَّمه الله تعالى، قال: ثم أَتى خطبته فأتمَّ آخرها» رواه أحمد ومسلم والبيهقي. وعن بُريدة الأسلمي رضي الله عنه قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا، فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر، فحملهما فوضعهما بين يديه ثم قال: صدق الله ورسوله إنما أموالكم وأولادكم فتنة، نظرتُ إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي والبيهقي.

سُنن الجمعة

لصلاة الجمعة جملةٌ من السنن والمندوبات يُندب الإتيان بها وهي:

1- أن يغتسل الرجل قبل خروجه إلى الصلاة، فيذهب إلى الصلاة نظيفاً طيب الرائحة، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إذا جاء أحدكم الجمعة فلْيغتسل» رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والترمذي. وعن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت «كان الناس ينتابون يوم الجمعة من منازلهم والعوالي، فيأتون في الغبار يصيبهم الغبار والعرق، فيخرج منهم العرق، فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إنسانٌ منهم وهو عندي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو أنكم تطهَّرتم ليومكم هذا» رواه البخاري ومسلم. قوله ينتابون، وفي رواية يتناوبون: أي يأتون فوجاً إثر فوج. والعوالي: هي منطقة خارج المدينة فيها المزارع. وعن ابن عباس رضي الله عنهما - وسأله رجل عن الغُسل يوم الجمعة أواجبٌ هو؟ - قال «لا، ومن شاء اغتسل، وسأُحدثكم عن بدء الغسل، كان الناس محتاجين وكانوا يلبسون الصوف، وكانوا يسقون النخل على ظهورهم، وكان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ضيقاً متقارب السقف، فراح الناس في الصوف فعرقوا، وكان منبر النبي صلى الله عليه وسلم قصيراً ، إنما هو ثلاث درجات، فعرق الناس في الصوف فثأرت أرواحُهم أرواحُ الصوف، فتأذى بعضهم ببعض حتى بلغت أرواحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر، فقال: يا أيها الناس إذا جئتم الجمعة فاغتسلوا، ولْيمسَّ أحدكم من أَطيب طيبٍ إن كان عنده» رواه أحمد وأبو داود والبيهقي والحاكم.

2- أن يلبس ثياباً حسنة نظيفة ، وأن يتطيَّب بما تيسر من الطيب، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «من اغتسل يوم الجمعة ومسَّ من طيب امرأته إن كان لها، ولبس من صالح ثيابه، ثم لم يتخطَّ رقاب الناس، ولم يَلْغُ عند الموعظة كانت كفارة لما بينهما، ومن لغى وتخطى رقاب الناس كانت له ظهراً» رواه أبو داود. وعن ابن سلام رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ما على أحدكم إن وجَد، أو ما على أحدكم إن وجدتم أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته» رواه أبو داود. ورواه مالك عن يحيى بن سعيد مرسلاً، ورواه ابن ماجة ولفظه «ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوب مهنته».

3- أن يذهب إلى الصلاة ماشياً بسكينة وهدوء، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله  يقول «إذا أُقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعَوْن، وائتوها تمشون عليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأَتِمُّوا» رواه البخاري. أمَّا إن كان المسجد بعيداً عنه فلْيركب ولْيدرك مرتبةً من مراتب التبكير فإن ذلك أفضل.

4- أن يصلي ركعتين تحيةَ المسجد قبل أن يجلس، فإن دخل والإمام على المنبر فلْيجعلهما خفيفتين، فعن جابر رضي الله عنه قال «دخل رجل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال: أصليت؟ قال: لا، قال: فصلِّ ركعتين» رواه البخاري ومسلم والدارمي. وعنه «أن سُليكاً جاء ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فجلس، فأمره النبي صلى الله عليه وسلمأن يصلي ركعتين، ثم أقبل على الناس فقال: إذا جاء أحدكم والإمام يخطب فليصلِّ ركعتين يتجوَّز فيهما» رواه أحمد ومسلم وأبو داود. قوله يتجَوَّز فيهما: أي يسرع فيهما. ويمكن مراجعة بحث [تحية المسجد] فصل [صلاة التطوع].

5- أن يجلس في أقرب مكان إلى الإمام بدون أن يتخطى رقاب الناس إلا أن يرى فُرجة لا يصل إليها إلا بتخطِّي الرقاب فلا بأس من ذلك، فعن سَمُرة بن جُنْدُب رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال «احضُروا الذكر وادنُوا من الإمام، فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يُؤخَّر في الجنة وإنْ دخلها» رواه الحاكم. وعن عبد الله بن بُسر رضي الله عنه «أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم - زاد في رواية يتخطى رقاب الناس - وهو يخطب يوم الجمعة، فقال: اجلس فقد آذيت وآنيت» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي وابن خُزَيمة والطَّحاوي. ويمكن مراجعة بحث [تحية المسجد] فصل [ صلاة التطوع].

وإن لم يجد المسلم مكاناً يجلس فيه في المسجد فلا يقيم غيره ويجلس مكانه، وإنما يقول: افسحوا أو تفسَّحوا، فعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا يقيم أحدُكم أخاه يوم الجمعة، ثم يخالفه إلى مقعده ، ولكن ليقل: افسحوا» رواه أحمد والبخاري ومسلم.

6- ومن نعس فــي المسجـد يوم الجمعة فلْيتحول من مكانه، وليجلس في مكان آخر، فإنَّ ذلك أدعى لدفع النعاس وغلبة النوم، فعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا نعس أحدكم في المسجد يوم الجمعة فلْيتحول من مجلسه ذلك إلى غيره» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حِبَّان.

7- يُسنُّ للمُصلِّي أن يجلس قُبالة الإمام متوجِّهاً إليه لسماع خطبته ورؤيته، أما مَن كانوا بعيدين عنه لا يستطيعون رؤيته فإنهم يتوجهون نحو القِبلة، فعن عدي بن ثابت عن أبيه قال «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم» رواه ابن ماجة، وهو مرسَل صحابي، ومراسيل الصحابة صالحة للاحتجاج.

8- يُندَب التَّنفُّل بالصلاة قبل الجمعة، وليس للتنفُّلِ قبل الجمعة مقدار معين، فلْيُصلِّ ما شاء من ركعات، وهذه الركعات ليست سُنةً للجمعة، لأن الجمعة لا سنـةَ لها قبليةً، إلا أن يدخل المسجد والإمام على المنبر فيقتصر على ركعتي تحية المسجد فحسب، فعن نافع «أن ابن عمر كان يغدو إلى المسجد يوم الجمعة، فيصلي ركعات يطيل فيهن القيام، فإذا انصرف الإمام رجع إلى بيته فصلى ركعتين وقال: هكذا كان يفعل رسول الله » رواه أحمد وأبو داود. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قُدِّر له، ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته، ثم يصلي معه غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى ، وفضل ثلاثة أيام» رواه مسلم.

سُنن الجمعة

لصلاة الجمعة جملةٌ من السنن والمندوبات يُندب الإتيان بها وهي:

1- أن يغتسل الرجل قبل خروجه إلى الصلاة، فيذهب إلى الصلاة نظيفاً طيب الرائحة، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إذا جاء أحدكم الجمعة فلْيغتسل» رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والترمذي. وعن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت «كان الناس ينتابون يوم الجمعة من منازلهم والعوالي، فيأتون في الغبار يصيبهم الغبار والعرق، فيخرج منهم العرق، فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إنسانٌ منهم وهو عندي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو أنكم تطهَّرتم ليومكم هذا» رواه البخاري ومسلم. قوله ينتابون، وفي رواية يتناوبون: أي يأتون فوجاً إثر فوج. والعوالي: هي منطقة خارج المدينة فيها المزارع. وعن ابن عباس رضي الله عنهما - وسأله رجل عن الغُسل يوم الجمعة أواجبٌ هو؟ - قال «لا، ومن شاء اغتسل، وسأُحدثكم عن بدء الغسل، كان الناس محتاجين وكانوا يلبسون الصوف، وكانوا يسقون النخل على ظهورهم، وكان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ضيقاً متقارب السقف، فراح الناس في الصوف فعرقوا، وكان منبر النبي صلى الله عليه وسلم قصيراً ، إنما هو ثلاث درجات، فعرق الناس في الصوف فثأرت أرواحُهم أرواحُ الصوف، فتأذى بعضهم ببعض حتى بلغت أرواحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر، فقال: يا أيها الناس إذا جئتم الجمعة فاغتسلوا، ولْيمسَّ أحدكم من أَطيب طيبٍ إن كان عنده» رواه أحمد وأبو داود والبيهقي والحاكم.

2- أن يلبس ثياباً حسنة نظيفة ، وأن يتطيَّب بما تيسر من الطيب، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «من اغتسل يوم الجمعة ومسَّ من طيب امرأته إن كان لها، ولبس من صالح ثيابه، ثم لم يتخطَّ رقاب الناس، ولم يَلْغُ عند الموعظة كانت كفارة لما بينهما، ومن لغى وتخطى رقاب الناس كانت له ظهراً» رواه أبو داود. وعن ابن سلام رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «ما على أحدكم إن وجَد، أو ما على أحدكم إن وجدتم أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته» رواه أبو داود. ورواه مالك عن يحيى بن سعيد مرسلاً، ورواه ابن ماجة ولفظه «ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوب مهنته».

3- أن يذهب إلى الصلاة ماشياً بسكينة وهدوء، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله  يقول «إذا أُقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعَوْن، وائتوها تمشون عليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأَتِمُّوا» رواه البخاري. أمَّا إن كان المسجد بعيداً عنه فلْيركب ولْيدرك مرتبةً من مراتب التبكير فإن ذلك أفضل.

4- أن يصلي ركعتين تحيةَ المسجد قبل أن يجلس، فإن دخل والإمام على المنبر فلْيجعلهما خفيفتين، فعن جابر رضي الله عنه قال «دخل رجل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال: أصليت؟ قال: لا، قال: فصلِّ ركعتين» رواه البخاري ومسلم والدارمي. وعنه «أن سُليكاً جاء ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فجلس، فأمره النبي صلى الله عليه وسلمأن يصلي ركعتين، ثم أقبل على الناس فقال: إذا جاء أحدكم والإمام يخطب فليصلِّ ركعتين يتجوَّز فيهما» رواه أحمد ومسلم وأبو داود. قوله يتجَوَّز فيهما: أي يسرع فيهما. ويمكن مراجعة بحث [تحية المسجد] فصل [صلاة التطوع].

5- أن يجلس في أقرب مكان إلى الإمام بدون أن يتخطى رقاب الناس إلا أن يرى فُرجة لا يصل إليها إلا بتخطِّي الرقاب فلا بأس من ذلك، فعن سَمُرة بن جُنْدُب رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال «احضُروا الذكر وادنُوا من الإمام، فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يُؤخَّر في الجنة وإنْ دخلها» رواه الحاكم. وعن عبد الله بن بُسر رضي الله عنه «أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم - زاد في رواية يتخطى رقاب الناس - وهو يخطب يوم الجمعة، فقال: اجلس فقد آذيت وآنيت» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي وابن خُزَيمة والطَّحاوي. ويمكن مراجعة بحث [تحية المسجد] فصل [ صلاة التطوع].

وإن لم يجد المسلم مكاناً يجلس فيه في المسجد فلا يقيم غيره ويجلس مكانه، وإنما يقول: افسحوا أو تفسَّحوا، فعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا يقيم أحدُكم أخاه يوم الجمعة، ثم يخالفه إلى مقعده ، ولكن ليقل: افسحوا» رواه أحمد والبخاري ومسلم.

6- ومن نعس فــي المسجـد يوم الجمعة فلْيتحول من مكانه، وليجلس في مكان آخر، فإنَّ ذلك أدعى لدفع النعاس وغلبة النوم، فعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا نعس أحدكم في المسجد يوم الجمعة فلْيتحول من مجلسه ذلك إلى غيره» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حِبَّان.

7- يُسنُّ للمُصلِّي أن يجلس قُبالة الإمام متوجِّهاً إليه لسماع خطبته ورؤيته، أما مَن كانوا بعيدين عنه لا يستطيعون رؤيته فإنهم يتوجهون نحو القِبلة، فعن عدي بن ثابت عن أبيه قال «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم» رواه ابن ماجة، وهو مرسَل صحابي، ومراسيل الصحابة صالحة للاحتجاج.

8- يُندَب التَّنفُّل بالصلاة قبل الجمعة، وليس للتنفُّلِ قبل الجمعة مقدار معين، فلْيُصلِّ ما شاء من ركعات، وهذه الركعات ليست سُنةً للجمعة، لأن الجمعة لا سنـةَ لها قبليةً، إلا أن يدخل المسجد والإمام على المنبر فيقتصر على ركعتي تحية المسجد فحسب، فعن نافع «أن ابن عمر كان يغدو إلى المسجد يوم الجمعة، فيصلي ركعات يطيل فيهن القيام، فإذا انصرف الإمام رجع إلى بيته فصلى ركعتين وقال: هكذا كان يفعل رسول الله » رواه أحمد وأبو داود. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من اغتسل ثم أتى الجمعة فصلى ما قُدِّر له، ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته، ثم يصلي معه غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى ، وفضل ثلاثة أيام» رواه مسلم.

إدراك ركعة من الجمعة لا بد منه لإدراك الجمعة

من أدرك ركعة من ركعتي الجمعة فقد أدرك صلاة الجمعة، وعليه أن يُتِمَّ صلاته بالإتيان بركعة ثانية فقط، أما مـن أدرك أقــل من ركعــة كــأن أدرك الإمــام وهو ساجــد فـي الركعة الثانية، أو وهو جالس جلوس التشهد فإنه لا يكون قد أدرك صلاة الجمعة، ولذلك وجب عليه أن يصلي أربعاً هي صلاة الظهر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة» رواه الترمذي وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أدرك من الجمعة ركعة فلْيصلِّ إليها أُخرى» رواه الحاكم . ولابن خُزَيمة بلفظ «من أدرك من صلاة الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة». وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال «من أدرك من الجمعة ركعة فلْيُضِف إليها أُخرى، ومــن فاتته الركعتــان فلْيصلِّ أربعــاً» رواه الطبراني. قال الترمذي (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، قالوا: من أدرك ركعة من الجمعة صلَّى إليها أُخرى، ومن أدركهم جلوساً صلى أربعاً).

التبكيـر في الحضـور

يُسنُّ التبكير في الذهاب للمسجد لصلاة الجمعة، وأنَّ مَن أتى إليه في الساعة الأولى فكأنما تصدَّق بجمل، ومَن أتى إليه في الساعة الثانية فكأنما تصدق ببقرة، ومَن أتى إليه في الساعة الثالثة فكأنما تصدق بكبش، ومَن أتى إليه في الساعة الرابعة فكأنما تصدَّق بدجاجة، ومَن أتى إليه في الساعة الخامسة فكأنما تصدق ببيضة. وحيث أن الذي يأتي بعد حلول وقت الصلاة عند اعتلاء الإمام المنبر لا يكون مبكِّراً بحال، فإن الواجب القول إن التبكير يكون قبل حلول الوقت، أي قبل الزوال. فالحديث يندب المسلمين للتبكير إلى صلاة الجمعة قبل الزوال، وجعل الوقت مقسَّماً إلى خمسة أقسام أو ساعات، وجاء في بعض الروايات ذِكر ست ساعات، وهذه الساعات ليست هي الساعات التي نستعملها في أيامنا الراهنة، إذ لا يُتصوَّر أن تكون هذه الساعات هي الساعات الفلكية التي نعرفها اليوم، وإلا لوجب القول إن المبكِّــر الأول يحضر في وقت شروق الشمس تقريباً، ولم يُرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من صحابته أنهم كانوا يحضرون لصلاة الجمعة عند شروق الشمس، فلم يبق إلا اعتبار هذه الساعات مجرَّد تقسيمات زمنية يُقدِّرُها عُرف الناس بالتبكير، ويقدرها قدوم الناس فعلاً لصلاة الجمعة، فنقول إن الفوج الأول من القادمين كأنما تصدَّقوا بجمل، والفوج الذيـن يلونهم كأنما تصدقوا ببقرة، وهكذا، ويبدأ العدُّ عند قدوم أول فوج من المصلين، وهذا القدوم يتقدم مرة ويتأخر مرة، فالعبرة بوقوع القدوم وليس بالتعيين الزمني المسبَق. وإني أرى أن لا يُعتدَّ بالقدوم إن كان حصل قبل ارتفاع الشمس عند الضحى، لأن ما قبل ذلك ليس وقت صلاة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من اغتسل يوم الجمعة غُسْل الجنابة ثم راح فكأنما قرَّب بَدَنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرَّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرَّب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرَّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرَّب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» رواه البخاري ومسلم وأحمد ومالك وأبو داود. قوله بَدَنةً: أي بعيراً ذكراً كان أو أُنثى. وقوله كبشاً أقرنَ: أي ذا قرنين . فالحديث ذكر ساعات التبكير قبل خروج الإمام أي قبل حصول وجوب السعي، لأن في هذه اللحظة تطوي الملائكة صحفهــا وتشرع في الاستماع للذكر، فعـن أبي هريرة رضـي اللــه عنه قـال: قـال النبــي صلى الله عليه وسلم «إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول، ومَثَل المُهَجِّر كمثل الذي يُهدي بَدَنة، ثم كالذي يُهدي بقرة، ثم كبشاً ، ثم دجاجة، ثم بيضة، فإذا خرج الإمام طَوَوْا صحفهم ويستمعون الذكر» رواه البخاري ومسلم وأحمد والنَّسائي والدارمي. ورواه ابن ماجة ولفظه «إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس على قدر منازلهم الأول فالأول، فإذا خرج الإمام طَوَوْا الصحف واستمعوا الخطبة، فالمُهجِّر إلى الصلاة كالمُهدي بَدَنة، ثم الذي يليه كمُهدي بقرة، ثم الذي يليه كمُهدي كبش - حتى ذكر الدجاجة والبيضة، زاد سهل في حديثه - فمن جاء بعد ذلك فإنما يجئ بحقٍّ إلى الصلاة». قوله المُهجِّر: أي الآتي في الهاجرة وهي وقت اشتداد الحر. وقوله خرج الإمام: أي صعد الإمام المنبر للخطبة. فهذا الحديث يدل فوق ما يدل عليه على أمرين اثنين: أن التبكير يكون قبـل خروج الإمام، لأن الملائكة لا تكتب عند خروج الإمام، أي أن التبكير ينتهي وقته إذا خرج الإمام، والأمر الثاني هو أن التبكير يبدأ عند اشتداد الحرِّ بدلالة قوله «ومَثَلُ المُهَجِّر»، «فالمُهَجِّر إلى الصلاة». والمُهجِّر هو القادم عند اشتداد الحر، وهذا ينفي أن يكون التبكير مبدأُه من شروق الشمس، وينفي بنفيه أن تكون الساعات الواردة في الحديث ساعاتٍ فلكية.

وقت صلاة الجمعة

وقتُ صلاة الجمعــة وقتُ صــلاة الظهر، أي عندما تزول الشمس عن منتصف السماء جهة الغرب، فقد روى إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال «كنا نُجَمِّعُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبع الفئ» رواه مسلم. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس» رواه البخاري وأحمد والترمذي.

وكما كان يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم بخصوص صلاة الظهر من تأخيرها أيام الحر الشديد وتقديمها أيام البرد فكـذلك كان يفعل بخصوص صــلاة الجمعــة، فقد كان يُعَجِّل الصلاة عند البرد ويؤخرها عند اشتداد الحرِّ ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اشتد البرد بكَّر بالصلاة، وإذا اشتد الحرُّ أبْرَدَ بالصلاة، يعني الجمعة» رواه البخاري وابن خُزَيمة.

النداء لصلاة الجمعة

كان الأذان لصلاة الجمعة واحداً زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، وكان هذا الأذان يُرفع عند اعتلاء الإمام المنبر، ولم يكن يُرفع أذان آخر غيره، إلى أن جاء عثمان رضي الله عنه وكثر الناس، فزاد أذاناً آخر قبل هذا الأذان لإعلام الناس بقرب موعد صلاة الجمعة، وهذا الأذان إضافةً إلى الأذان الأول لا يزال معمولاً به حتى اليوم. فالأذان زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمن صاحبيه أبي بكر وعمر هو الأذان الثاني المعمول به حالياً، والأذان الذي زاده عثمان هو الأذان الأول في أيامنا هذه.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل المسجد لصلاة الجمعة ثم يعتلي المنبر، فيقف المؤذن فوراً ويرفع الأذان في المسجد، وكان ذلك عند بدء وقت الصلاة، فوقت صلاة الجمعة يكون عند رفع الأذان والإمام جالسٌ على المنبر، وليس عند رفع الأذان الأول، ولهذا نجد في بعض مناطق المسلمين اليوم من يرفع الأذان الأول قبل زوال الشمس بساعة زمنية فلكية ولم يكن وقت الجمعة قد دخل، ولا يُعتبر الوقت قد دخل إلا عند رفع الأذان الثاني، ولهذا فإنا نقول إن وجوب السعي لصلاة الجمعة يكون عند رفع الأذان الثاني وليس عند الأذان الأول، وهذا الأذان الثاني هو المقصود من قوله تعالى يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوْا إذَا نُوْدِيَ للصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُوْا البَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تعْلَمُوْنَ الآية 9 من سورة الجمعة. فعن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال «إن التأذين الثاني يوم الجمعة أمر به عثمان حين كثر أهل المسجد، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام» رواه البخاري. قوله التأذين الثاني هنا: هو الأذان الأول. وجاء ذكره في بعض الروايات بأنه الأذان الثالث، والمقصود به الثالث بعد الأذان الأول ونداء الإقامة، فعن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال «إن الذي زاد التأذين الثالث يوم الجمعة عثمان بن عفان رضي الله عنه حين كثر أهل المدينة، ولم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم غير واحد، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام، يعني على المنبر» رواه البخاري. ورواه أحمد ولفظه «كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلموأبي بكر وعمر رضي الله عنهما أذانين، حتى كان زمن عثمان فكثر الناس، فأمر بالأذان الأول بالزَّوْراء». والخلط في وصف أذان عثمان آت من جهة الاعتبار، فإن اعتُبرت الإقامة أذاناً قيل زاد عثمان الأذان الثالث، وإن لم تعتبر الإقامة أذاناً قيل زاد عثمان الأذان الثاني، وإن اعتُبر الترتيب في رفع النداء قيل زاد عثمان الأذان الأول.

وقد زاد عثمان رضي الله عنه هذا الأذان لإعلام الناس مسبقاً حتى يتهيأوا للصلاة قبل حلول ميقاتها، وكان يرفعه في سوقٍ بالمدينة يقال لها الزَّوراء لتسمعه جموع الناس، أما الأذان الثاني في الترتيب الزمني فيُرفع في المسجد أو على باب المسجد، هكذا كان، فعن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال «كان يُؤذَّنُ بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس على المنبر يوم الجمعة، على باب المسجد، وأبي بكر وعمر» رواه أبو داود. والأمر المهم في هذا الموضوع هو أن الأذان الأول - وهو أذان عثمان - إنما كان يُرفع لتهيئة الناس للصلاة، ويكون قبل دخول وقت الوجوب، وأن الأذان الثاني المرفوع عند جلوس الإمام على المنبر هو الأذان المعتبر لوجوب السعي للصلاة وللإيذان بدخول الوقت.ولكن جمهرة المسلمين في عصرنا الراهن قد غيروا ميقات الأذان الأول، فجعلوه عند دخول وقت الوجوب وليس قبله كما كان الحال زمن عثمان، ولا مانع من ذلك ما دامت الصلاة لا تقام إلا بعد رفع الأذان الثاني كالمعتاد.

أما ما أحدثه الناس في أيامنا هذه من الذكر والدعاء قبل الأذان الأول فليس له أصل والأَوْلى تركه.

العدد الذي تجب فيه الجمعة

الجمعة كالجماعة تصح من اثنين فصاعداً، وكلما كان العدد أكبر كانت الجمعة أفضل، ولكن الاثنين ومن هم أكثر من اثنين حتى تجب عليهم الجمعة لا بُدَّ من أن يكونوا في المدينة أو في القرية أو في التجمُّع السكاني، وليس في البوادي والحقول والعراء، وذلك لأن أهل البوادي والصحراء والمزارع لا تجب عليهم الجمعة ولو كثروا، ولا تجب الجمعة إلا على أهل الأمصار كما ذكرنا من قبل.

أما ما اختلف فيه الفقهاء من الأعداد اللازمة لوجوب صلاة الجمعة فكلها اجتهادات فقهية غير مستنبطة من نصوص صالحة للاستدلال على ما ذهبوا إليه، فلم يثبت في عدد الجمعة حديث ، إذ لم يثبت في شئ من الأحاديث تعيين عدد مخصوص، أعني اشتراط عددٍ مخصوصٍ لصحّة انعقاد الجمعة، وما ورد في الأحاديث من ذِكر الأعداد فإنه لا يخلو من أن يكون قد وقع اتفاقاً - أي واقعةَ عين - ولم يقع شرطاً، أو يكون قد ورد في روايات ضعيفة لا تصلح للاستدلال، فمثلاً:

1- عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه «كان أسعد أوّل من جمّعَ بنا في المدينة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم في هزْمٍ من حَرَّةِ بني بياضة في نقيعٍ يقال له الخَضِمات، قلت: وكم أنتم يومئذٍ؟ قال: أربعون رجلاً» رواه البيهقي والدار قطني. قوله - في هَزْم - الهزم هو ما استوى من الأرض. وقوله - حرّة بني بياضة - الحرّة هي الأرض المغطاة بالحجارة السوداء، وحرّة بني بياضة تقع على بعد ميل واحد من المدينة. والنقيع: البئر الكثيرة الماء.

2- عن جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائماً يوم الجمعة، فجاءت عيرٌ من الشام فانفتل الناس إليها حتى لم يبْقَ إلا اثنا عشرَ رجلاً» رواه مسلم والترمذي وأحمد.

فهذان النصَان ورد في أولها عدد الأربعين، وورد في ثانيهما عدد الاثني عشر، وقد ورد هذان العددان في النصين اتفاقاً ولم يردْ أيّ منهما كشرطٍ لوجوب الجمعة، وما يقع اتفاقاً لا يصلح مطلقاً ليكون شرطاً، فلا يؤخذ من هذين النصين أن صلاة الجمعة يشترط لها توفر الأربعين أو توفُّر الاثني عشر كما تقول الشافعية والمالكية والحنابلة. ومثلاً:

1- عن جابر قال «مضت السُّنَّة في كل ثلاثة إماماً وفي كل أربعين فما فوق جمعة وفطر وأضحى، وذلك أنهم جماعة» رواه أحمد والنسائي والدار قطني وابن حِبّان والبيهقي.

2- عن أُمِّ عبد الله الدَّوْسِيَّة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الجمعة واجبةٌ على كل قرية وإن لم يكن فيها إلا أربعة» رواه البيهقي.

3- عن أبي أُمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «على الخمسين جمعة ليس فيما دون ذلك» رواه الدار قطني.

فهذه ثلاثة نصوص وردت فيها الأعداد كشرط لصحة الجمعة ولكنها فوق كونها متناقضة هي نصوص ضعيفة الإسناد لا تصلح مطلقاً للاحتجاج فالنص الأول ضعّفه جمهرة الحفّاظ، وقال البيهقي (لا يُحْتَجُّ بمثله) والنص الثاني ضعّفه البيهقي نفسه والنص الثالث ضعّفه الدار قطني نفسه لأن في سنده جعفر بن الزبير قال الدار قطني: متروك. فهي أحاديث ضعيفة لا يحتج بها، ومن ثمّ لا تصلح للاستدلال.

أما ما رُوي عن عمر بن عبد العزيز من أنه اشترط الأربعين في رواية واشترط الخمسين في رواية أخرى فلا يصلح للاستدلال، لأن أقوال التابعين ومَن بعدهم ليست أدلة على الأحكام الشرعية.

وباختصار أقول إن كل ما قيل من اشتراط العدد لا يدل عليه دليل معتبر .

وقت صلاة الجمعة

وقتُ صلاة الجمعــة وقتُ صــلاة الظهر، أي عندما تزول الشمس عن منتصف السماء جهة الغرب، فقد روى إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال «كنا نُجَمِّعُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبع الفئ» رواه مسلم. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس» رواه البخاري وأحمد والترمذي.

وكما كان يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم بخصوص صلاة الظهر من تأخيرها أيام الحر الشديد وتقديمها أيام البرد فكـذلك كان يفعل بخصوص صــلاة الجمعــة، فقد كان يُعَجِّل الصلاة عند البرد ويؤخرها عند اشتداد الحرِّ ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اشتد البرد بكَّر بالصلاة، وإذا اشتد الحرُّ أبْرَدَ بالصلاة، يعني الجمعة» رواه البخاري وابن خُزَيمة.

النداء لصلاة الجمعة

كان الأذان لصلاة الجمعة واحداً زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، وكان هذا الأذان يُرفع عند اعتلاء الإمام المنبر، ولم يكن يُرفع أذان آخر غيره، إلى أن جاء عثمان رضي الله عنه وكثر الناس، فزاد أذاناً آخر قبل هذا الأذان لإعلام الناس بقرب موعد صلاة الجمعة، وهذا الأذان إضافةً إلى الأذان الأول لا يزال معمولاً به حتى اليوم. فالأذان زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمن صاحبيه أبي بكر وعمر هو الأذان الثاني المعمول به حالياً، والأذان الذي زاده عثمان هو الأذان الأول في أيامنا هذه.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل المسجد لصلاة الجمعة ثم يعتلي المنبر، فيقف المؤذن فوراً ويرفع الأذان في المسجد، وكان ذلك عند بدء وقت الصلاة، فوقت صلاة الجمعة يكون عند رفع الأذان والإمام جالسٌ على المنبر، وليس عند رفع الأذان الأول، ولهذا نجد في بعض مناطق المسلمين اليوم من يرفع الأذان الأول قبل زوال الشمس بساعة زمنية فلكية ولم يكن وقت الجمعة قد دخل، ولا يُعتبر الوقت قد دخل إلا عند رفع الأذان الثاني، ولهذا فإنا نقول إن وجوب السعي لصلاة الجمعة يكون عند رفع الأذان الثاني وليس عند الأذان الأول، وهذا الأذان الثاني هو المقصود من قوله تعالى يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوْا إذَا نُوْدِيَ للصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُوْا البَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تعْلَمُوْنَ الآية 9 من سورة الجمعة. فعن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال «إن التأذين الثاني يوم الجمعة أمر به عثمان حين كثر أهل المسجد، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام» رواه البخاري. قوله التأذين الثاني هنا: هو الأذان الأول. وجاء ذكره في بعض الروايات بأنه الأذان الثالث، والمقصود به الثالث بعد الأذان الأول ونداء الإقامة، فعن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال «إن الذي زاد التأذين الثالث يوم الجمعة عثمان بن عفان رضي الله عنه حين كثر أهل المدينة، ولم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم غير واحد، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام، يعني على المنبر» رواه البخاري. ورواه أحمد ولفظه «كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلموأبي بكر وعمر رضي الله عنهما أذانين، حتى كان زمن عثمان فكثر الناس، فأمر بالأذان الأول بالزَّوْراء». والخلط في وصف أذان عثمان آت من جهة الاعتبار، فإن اعتُبرت الإقامة أذاناً قيل زاد عثمان الأذان الثالث، وإن لم تعتبر الإقامة أذاناً قيل زاد عثمان الأذان الثاني، وإن اعتُبر الترتيب في رفع النداء قيل زاد عثمان الأذان الأول.

وقد زاد عثمان رضي الله عنه هذا الأذان لإعلام الناس مسبقاً حتى يتهيأوا للصلاة قبل حلول ميقاتها، وكان يرفعه في سوقٍ بالمدينة يقال لها الزَّوراء لتسمعه جموع الناس، أما الأذان الثاني في الترتيب الزمني فيُرفع في المسجد أو على باب المسجد، هكذا كان، فعن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال «كان يُؤذَّنُ بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس على المنبر يوم الجمعة، على باب المسجد، وأبي بكر وعمر» رواه أبو داود. والأمر المهم في هذا الموضوع هو أن الأذان الأول - وهو أذان عثمان - إنما كان يُرفع لتهيئة الناس للصلاة، ويكون قبل دخول وقت الوجوب، وأن الأذان الثاني المرفوع عند جلوس الإمام على المنبر هو الأذان المعتبر لوجوب السعي للصلاة وللإيذان بدخول الوقت.ولكن جمهرة المسلمين في عصرنا الراهن قد غيروا ميقات الأذان الأول، فجعلوه عند دخول وقت الوجوب وليس قبله كما كان الحال زمن عثمان، ولا مانع من ذلك ما دامت الصلاة لا تقام إلا بعد رفع الأذان الثاني كالمعتاد.

أما ما أحدثه الناس في أيامنا هذه من الذكر والدعاء قبل الأذان الأول فليس له أصل والأَوْلى تركه.

العدد الذي تجب فيه الجمعة

الجمعة كالجماعة تصح من اثنين فصاعداً، وكلما كان العدد أكبر كانت الجمعة أفضل، ولكن الاثنين ومن هم أكثر من اثنين حتى تجب عليهم الجمعة لا بُدَّ من أن يكونوا في المدينة أو في القرية أو في التجمُّع السكاني، وليس في البوادي والحقول والعراء، وذلك لأن أهل البوادي والصحراء والمزارع لا تجب عليهم الجمعة ولو كثروا، ولا تجب الجمعة إلا على أهل الأمصار كما ذكرنا من قبل.

أما ما اختلف فيه الفقهاء من الأعداد اللازمة لوجوب صلاة الجمعة فكلها اجتهادات فقهية غير مستنبطة من نصوص صالحة للاستدلال على ما ذهبوا إليه، فلم يثبت في عدد الجمعة حديث ، إذ لم يثبت في شئ من الأحاديث تعيين عدد مخصوص، أعني اشتراط عددٍ مخصوصٍ لصحّة انعقاد الجمعة، وما ورد في الأحاديث من ذِكر الأعداد فإنه لا يخلو من أن يكون قد وقع اتفاقاً - أي واقعةَ عين - ولم يقع شرطاً، أو يكون قد ورد في روايات ضعيفة لا تصلح للاستدلال، فمثلاً:

1- عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه «كان أسعد أوّل من جمّعَ بنا في المدينة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم في هزْمٍ من حَرَّةِ بني بياضة في نقيعٍ يقال له الخَضِمات، قلت: وكم أنتم يومئذٍ؟ قال: أربعون رجلاً» رواه البيهقي والدار قطني. قوله - في هَزْم - الهزم هو ما استوى من الأرض. وقوله - حرّة بني بياضة - الحرّة هي الأرض المغطاة بالحجارة السوداء، وحرّة بني بياضة تقع على بعد ميل واحد من المدينة. والنقيع: البئر الكثيرة الماء.

2- عن جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائماً يوم الجمعة، فجاءت عيرٌ من الشام فانفتل الناس إليها حتى لم يبْقَ إلا اثنا عشرَ رجلاً» رواه مسلم والترمذي وأحمد.

فهذان النصَان ورد في أولها عدد الأربعين، وورد في ثانيهما عدد الاثني عشر، وقد ورد هذان العددان في النصين اتفاقاً ولم يردْ أيّ منهما كشرطٍ لوجوب الجمعة، وما يقع اتفاقاً لا يصلح مطلقاً ليكون شرطاً، فلا يؤخذ من هذين النصين أن صلاة الجمعة يشترط لها توفر الأربعين أو توفُّر الاثني عشر كما تقول الشافعية والمالكية والحنابلة. ومثلاً:

1- عن جابر قال «مضت السُّنَّة في كل ثلاثة إماماً وفي كل أربعين فما فوق جمعة وفطر وأضحى، وذلك أنهم جماعة» رواه أحمد والنسائي والدار قطني وابن حِبّان والبيهقي.

2- عن أُمِّ عبد الله الدَّوْسِيَّة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الجمعة واجبةٌ على كل قرية وإن لم يكن فيها إلا أربعة» رواه البيهقي.

3- عن أبي أُمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «على الخمسين جمعة ليس فيما دون ذلك» رواه الدار قطني.

فهذه ثلاثة نصوص وردت فيها الأعداد كشرط لصحة الجمعة ولكنها فوق كونها متناقضة هي نصوص ضعيفة الإسناد لا تصلح مطلقاً للاحتجاج فالنص الأول ضعّفه جمهرة الحفّاظ، وقال البيهقي (لا يُحْتَجُّ بمثله) والنص الثاني ضعّفه البيهقي نفسه والنص الثالث ضعّفه الدار قطني نفسه لأن في سنده جعفر بن الزبير قال الدار قطني: متروك. فهي أحاديث ضعيفة لا يحتج بها، ومن ثمّ لا تصلح للاستدلال.

أما ما رُوي عن عمر بن عبد العزيز من أنه اشترط الأربعين في رواية واشترط الخمسين في رواية أخرى فلا يصلح للاستدلال، لأن أقوال التابعين ومَن بعدهم ليست أدلة على الأحكام الشرعية.

وباختصار أقول إن كل ما قيل من اشتراط العدد لا يدل عليه دليل معتبر .