وننتقل إلى بحث ما اختلف فيه الشافعي وأبو حنيفة في القدر الذي يجوز للجُنُب قراءته من القرآن، فالشافعي يمنع الجُنُب من أن يقرأ آية وما دونها، أما أبو حنيفة فيبيح قراءة ما دون الآية. والحق الذي يجب الأخذ به هو أن نقول إن الجُنُب ممنوع من قراءة القرآن، أي من قراءة ما يطلق عليه اسم القرآن، ويباح له قراءة ما لا يطلق عليه اسم القرآن. هذا هو الرأي الذي يجب المصير إليه، لأن الحديث يقول «لم يكن يحجبه عن القرآن شيء ليس الجنابة» ولكن يبقى علينا معرفة القدر الذي يطلق عليه اسم القرآن لنستطيع من ثَمَّ معرفة الصواب والخطأ في رأيي أبي حنيفة والشافعي.
إن آيات القرآن الكريم تتفاوت في الطول والقصر، ففي حين أن آية الديْن أو آية الكرسي مثلاً في سورة البقرة تتضمن العديد من الأسطر، فإنَّ هناك آيات مثل آية قل يا أيها الكافرون وآية فسبِّح بحمدِ ربِّك واستغفره إنَّه كان توَّاباً تتضمن سطراً أو بعض سطر، فنحن إذا قرأنا نصف آية الديْن أو ربعها فإن السامع يتحقق من أننا قرأنا قرآناً، وكذلك قل في قراءة نصف آية الكرسي أو ربعها مثلاً، فلو قرأنا منها الله لا إله إلا هُو الحيُّ القيُّومُ لا تأْخُذُه سِنةٌ ولا نومٌ له ما في السَّمَواتِ وما في الأرض فإننا نكون قد قرأنا قرآناً، ويكون السامع قد تحقق أننا قرأنا قرآناً وإن كان المقروء جزءاً من آية، ولكن إن قرأنا (يا أيها الكافرون) أو قرأنا (سبح بحمد ربك) أو (إنه كان تواباً) فإن السامع لا يفهم أننا قرأنا قرآناً، وحيث أن المُحرَّم على الجُنُب قراءة القرآن، أي قراءة ما يُطلق عليه أنه قرآن فإن الجُنُب يَحرُم عليه أن يقرأ ما سبق من آية الكرسي وما هو من مثله من أجزاء الآيات الطويلة، ولا يحرم عليه قراءة ما لا يطلق عليه أنَّه قرآن من أجزاء الآيات القصيرة من مثل أجزاء آية سورة وآية سورة وغيرهما مما هو مثلهما في القِصَر، وهكذا فالعبرة هو في القدر المسمى قرآناً ، وهذا كله في أجزاء الآيات.
أما الآيات الكاملة وما هو أكثر منها فإن الحديث الشريف قطع علينا البحث حين قال «فلا ولا آية» فأيَّة آية مهما صغرت وقصرت لا يحلُّ للجُنُب أن يقرأها كاملة مطلقاً، وعلى هذا فإن الشافعي مصيب إنْ هو عنى الآياتِ الطويلة التي إن اجتُزِيء منها قدر ظل القدر المتبقي قرآناً، وأبو حنيفة مصيب إنْ هو عنى الآيات القصيرة التي إن اجتُزِيء منها قدر كان القدر المتبقي غير قرآن، وما سوى ذلك فالقولان غير دقيقين. هذا ما ترجَّح لدىَّ، وهذا ما يدل عليه الحديثان الشريفان.
9- إن الجنابة تكون من التقاء الختانين، أي من ولوج حَشَفة الذكر في فرج الأنثى بإنزال وبدون إنزال، وتكون من الإنزال مطلقاً في اليقظة وفي المنام. وخروج المني من ذَكَر الرجل ومن فرج المرأة يدل على البلوغ، ويعتبر علامة على أن الذكر والأنثى قد دخلا مرحلة التكليف الشرعي. فعن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «رُفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل» رواه أبو داود والبخاري والترمذي وابن ماجة والدارمي.
وإذا بلغ الذكر أو الأنثى نبتت عانتاهما بالشعر الخشن، فكان هذا الشعر علامة ثانية على البلوغ، فعن عطية القُرَظي قال «كنت من سَبْي بني قريظة، فكانوا ينظرون، فمن أنبت الشعر قُتِل، ومن لم يُنبت لم يقتل، فكنت فيمن لم يُنبت» رواه أبو داود وابن ماجة والدرامي وأحمد. ورواه الترمذي وقال (حديث حسن صحيح) وكان هذا عند الحكم على رجال بني قريظة بالقتل عقب هزيمتهم أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان المسلمون يكشفون عن عانات غلمان يهود بني قريظة، فمن وجدوه أنبت - أي بلغ - قتلوه، ومن لم ينبت اعتبروه صبياً وكفوا عن قتله وضموه إلى السَّبْي. فخروج المني من القبل، وظهور الشعر الخشن حول الذكر والفرج هما علامتان دالتان على البلوغ عند الذكر والأنثى على السواء. إلا أن الأنثى لها علامتان أُخريان خاصتان بها إضافة إلى ما سبق هما الحيض والحمل، فمن حاضت أو حملت حكمنا عليها بأنها بلغت ، وصارت امرأةً مكلَّفة.
هذه هي العلامات الحسية الدالة على انتقال الصبيان إلى مرحلة البلوغ والتكليف، وهي علامات اتفق عليها الأئمة الأربعة باستثناء الإنبات الذي رفضه أبو حنيفة كدليـلٍ على البلوغ، وحديث عطية السابق يرد عليه، كما يرد عليه ما كان عليه صحابة رسول الله من العمل به ، فقد روى أبو عُبيد في كتابه عن أسلم مولى عمر أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد «أن يضربوا الجزية، ولا يضربوها على النساء والصبيان، ولا يضربوها إلا على من جرت عليه الموسى».
أمّا من حيث السن الدالة على البلوغ ، فالذي عليه الجمهور أن من بلغ خمس عشرة سنة ذكراً كان أو أنثى فقد بلغ، وخالفهم أبو حنيفة فأوجب مرور ثماني عشرة سنة على الذكر وسبع عشرة سنة على الأنثى للحكم ببلوغهما، والصحيح هو رأي الجمهور، والدليل عليه ما رُوي عن ابن عمر أنه قال «عرضني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد في القتال وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يُجِزني، وعرضني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني» رواه مسلم والبخاري وأبو داود أحمد. وفي لفظ أصرح «عُرضتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يُجِزْني ولم يرني بلغتُ، ثم عُرضت عليه وأنا ابنُ خمسَ عشرةَ سنةً فأجازني» رواه ابن حِبَّان والبيهقي. ورواه الترمذي وأضاف (قال نافع: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز فقال: هذا حدُّ ما بين الصغيـر والكبير ثم كتب أن يُفرض لمن بلغ الخمسَ عشرة).
وهذه السن هي العلامة التي أرى أن تعتبرها الدولة في أحكامها، فمن بلغ الخامسة عشرة من عمره فرضت عليه دولة الخلافة التدريب العسكري وأوجبت عليه الجهاد، وطالبته بسائر التكاليف الشرعية، في حين أن العلامات الحسية السابقة هي العلامات المعتبرة في حق أصحابها، فمن احتلم بأن أمنى، أو من حاضت ألزم نفسه بجميع التكاليف الشرعية من صلاة وصيام وغضِّ نظر عن العورات وستر العورة وغيرها، ولو لم يبلغ السن التي تعتبرها الخلافة، لأن الدولة تحكم بالظاهر وتعمم الحكم الواحد على الجميع، والاحتلام والحيض هي أمور خاصة بأصحابها لا يكاد يطلع عليها أحد، وتختلف من شخص لآخر.
وقد اختلف الأئمة والعلماء في أقل السن التي تبلغ فيه الأنثى، فذهب كثيرون إلى أن الأنثى قد تحيض لتسع سنين، لما روى الربيع عن الشافعي قال (أعجلُ ما سمعتُ به من النساء يحضن، نساءٌ بتهامة، يحضن لتسع سنين). ولما رُوي عن عائشة أنها قالت «إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة». ولما روى حرملة عن الشافعي قوله (رأيت بصنعاء جدة بنت إحدى وعشرين سنة، حاضت ابنة تسع وولدت ابنة عشر، وحاضت البنت ابنة تسع وولدت ابنة عشر). روى هذه الأقوال الثلاثة البيهقي في السنن الكبرى. والصحيح هو أنه لا حدَّ لأقل سنٍ للحيض، فمنطقة حارة كتهامة يمكن أن تحيض فيها الأنثى وهي بنت تسع سنين، ولكن منطقة باردة كتركية يغلب أن تحيض الإناث فيها بعد هذه السن بعدد من السنين، وقد حصلت في إفريقية حالات حيض لإناث بلغن ستَّ سنين فقط، وإذن فإن تعيين أقل سنٍّ للحيض والبلوغ غير ممكن، ولم يَجْرِ في الشرع تحديد له.
أما أعلى سنٍّ لانقطاع الحيض فقد اختلفوا فيه أيضاً ، وغالبيتهم يقدرونه بما بين الخمسين والستين، والأصح عدم التحديد، فأيَّة أنثى ترى الدم فهي حائض سواء بلغت الأربعين أو السبعين ما دام الدم دم حيض.