كتاب الجامع لأحكام الصلاة ( الجزء الأول )

وننتقل إلى بحث ما اختلف فيه الشافعي وأبو حنيفة في القدر الذي يجوز للجُنُب قراءته من القرآن، فالشافعي يمنع الجُنُب من أن يقرأ آية وما دونها، أما أبو حنيفة فيبيح قراءة ما دون الآية. والحق الذي يجب الأخذ به هو أن نقول إن الجُنُب ممنوع من قراءة القرآن، أي من قراءة ما يطلق عليه اسم القرآن، ويباح له قراءة ما لا يطلق عليه اسم القرآن. هذا هو الرأي الذي يجب المصير إليه، لأن الحديث يقول «لم يكن يحجبه عن القرآن شيء ليس الجنابة» ولكن يبقى علينا معرفة القدر الذي يطلق عليه اسم القرآن لنستطيع من ثَمَّ معرفة الصواب والخطأ في رأيي أبي حنيفة والشافعي.

إن آيات القرآن الكريم تتفاوت في الطول والقصر، ففي حين أن آية الديْن أو آية الكرسي مثلاً في سورة البقرة تتضمن العديد من الأسطر، فإنَّ هناك آيات مثل آية قل يا أيها الكافرون وآية فسبِّح بحمدِ ربِّك واستغفره إنَّه كان توَّاباً تتضمن سطراً أو بعض سطر، فنحن إذا قرأنا نصف آية الديْن أو ربعها فإن السامع يتحقق من أننا قرأنا قرآناً، وكذلك قل في قراءة نصف آية الكرسي أو ربعها مثلاً، فلو قرأنا منها الله لا إله إلا هُو الحيُّ القيُّومُ لا تأْخُذُه سِنةٌ ولا نومٌ له ما في السَّمَواتِ وما في الأرض فإننا نكون قد قرأنا قرآناً، ويكون السامع قد تحقق أننا قرأنا قرآناً وإن كان المقروء جزءاً من آية، ولكن إن قرأنا (يا أيها الكافرون) أو قرأنا (سبح بحمد ربك) أو (إنه كان تواباً) فإن السامع لا يفهم أننا قرأنا قرآناً، وحيث أن المُحرَّم على الجُنُب قراءة القرآن، أي قراءة ما يُطلق عليه أنه قرآن فإن الجُنُب يَحرُم عليه أن يقرأ ما سبق من آية الكرسي وما هو من مثله من أجزاء الآيات الطويلة، ولا يحرم عليه قراءة ما لا يطلق عليه أنَّه قرآن من أجزاء الآيات القصيرة من مثل أجزاء آية سورة وآية سورة وغيرهما مما هو مثلهما في القِصَر، وهكذا فالعبرة هو في القدر المسمى قرآناً ، وهذا كله في أجزاء الآيات.

أما الآيات الكاملة وما هو أكثر منها فإن الحديث الشريف قطع علينا البحث حين قال «فلا ولا آية» فأيَّة آية مهما صغرت وقصرت لا يحلُّ للجُنُب أن يقرأها كاملة مطلقاً، وعلى هذا فإن الشافعي مصيب إنْ هو عنى الآياتِ الطويلة التي إن اجتُزِيء منها قدر ظل القدر المتبقي قرآناً، وأبو حنيفة مصيب إنْ هو عنى الآيات القصيرة التي إن اجتُزِيء منها قدر كان القدر المتبقي غير قرآن، وما سوى ذلك فالقولان غير دقيقين. هذا ما ترجَّح لدىَّ، وهذا ما يدل عليه الحديثان الشريفان.

9- إن الجنابة تكون من التقاء الختانين، أي من ولوج حَشَفة الذكر في فرج الأنثى بإنزال وبدون إنزال، وتكون من الإنزال مطلقاً في اليقظة وفي المنام. وخروج المني من ذَكَر الرجل ومن فرج المرأة يدل على البلوغ، ويعتبر علامة على أن الذكر والأنثى قد دخلا مرحلة التكليف الشرعي. فعن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «رُفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل» رواه أبو داود والبخاري والترمذي وابن ماجة والدارمي.

وإذا بلغ الذكر أو الأنثى نبتت عانتاهما بالشعر الخشن، فكان هذا الشعر علامة ثانية على البلوغ، فعن عطية القُرَظي قال «كنت من سَبْي بني قريظة، فكانوا ينظرون، فمن أنبت الشعر قُتِل، ومن لم يُنبت لم يقتل، فكنت فيمن لم يُنبت» رواه أبو داود وابن ماجة والدرامي وأحمد. ورواه الترمذي وقال (حديث حسن صحيح) وكان هذا عند الحكم على رجال بني قريظة بالقتل عقب هزيمتهم أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان المسلمون يكشفون عن عانات غلمان يهود بني قريظة، فمن وجدوه أنبت - أي بلغ - قتلوه، ومن لم ينبت اعتبروه صبياً وكفوا عن قتله وضموه إلى السَّبْي. فخروج المني من القبل، وظهور الشعر الخشن حول الذكر والفرج هما علامتان دالتان على البلوغ عند الذكر والأنثى على السواء. إلا أن الأنثى لها علامتان أُخريان خاصتان بها إضافة إلى ما سبق هما الحيض والحمل، فمن حاضت أو حملت حكمنا عليها بأنها بلغت ، وصارت امرأةً مكلَّفة.

هذه هي العلامات الحسية الدالة على انتقال الصبيان إلى مرحلة البلوغ والتكليف، وهي علامات اتفق عليها الأئمة الأربعة باستثناء الإنبات الذي رفضه أبو حنيفة كدليـلٍ على البلوغ، وحديث عطية السابق يرد عليه، كما يرد عليه ما كان عليه صحابة رسول الله  من العمل به ، فقد روى أبو عُبيد في كتابه عن أسلم مولى عمر أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد «أن يضربوا الجزية، ولا يضربوها على النساء والصبيان، ولا يضربوها إلا على من جرت عليه الموسى».

أمّا من حيث السن الدالة على البلوغ ، فالذي عليه الجمهور أن من بلغ خمس عشرة سنة ذكراً كان أو أنثى فقد بلغ، وخالفهم أبو حنيفة فأوجب مرور ثماني عشرة سنة على الذكر وسبع عشرة سنة على الأنثى للحكم ببلوغهما، والصحيح هو رأي الجمهور، والدليل عليه ما رُوي عن ابن عمر أنه قال «عرضني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد في القتال وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يُجِزني، وعرضني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني» رواه مسلم والبخاري وأبو داود أحمد. وفي لفظ أصرح «عُرضتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يُجِزْني ولم يرني بلغتُ، ثم عُرضت عليه وأنا ابنُ خمسَ عشرةَ سنةً فأجازني» رواه ابن حِبَّان والبيهقي. ورواه الترمذي وأضاف (قال نافع: فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز فقال: هذا حدُّ ما بين الصغيـر والكبير ثم كتب أن يُفرض لمن بلغ الخمسَ عشرة).

وهذه السن هي العلامة التي أرى أن تعتبرها الدولة في أحكامها، فمن بلغ الخامسة عشرة من عمره فرضت عليه دولة الخلافة التدريب العسكري وأوجبت عليه الجهاد، وطالبته بسائر التكاليف الشرعية، في حين أن العلامات الحسية السابقة هي العلامات المعتبرة في حق أصحابها، فمن احتلم بأن أمنى، أو من حاضت ألزم نفسه بجميع التكاليف الشرعية من صلاة وصيام وغضِّ نظر عن العورات وستر العورة وغيرها، ولو لم يبلغ السن التي تعتبرها الخلافة، لأن الدولة تحكم بالظاهر وتعمم الحكم الواحد على الجميع، والاحتلام والحيض هي أمور خاصة بأصحابها لا يكاد يطلع عليها أحد، وتختلف من شخص لآخر.

وقد اختلف الأئمة والعلماء في أقل السن التي تبلغ فيه الأنثى، فذهب كثيرون إلى أن الأنثى قد تحيض لتسع سنين، لما روى الربيع عن الشافعي قال (أعجلُ ما سمعتُ به من النساء يحضن، نساءٌ بتهامة، يحضن لتسع سنين). ولما رُوي عن عائشة أنها قالت «إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة». ولما روى حرملة عن الشافعي قوله (رأيت بصنعاء جدة بنت إحدى وعشرين سنة، حاضت ابنة تسع وولدت ابنة عشر، وحاضت البنت ابنة تسع وولدت ابنة عشر). روى هذه الأقوال الثلاثة البيهقي في السنن الكبرى. والصحيح هو أنه لا حدَّ لأقل سنٍ للحيض، فمنطقة حارة كتهامة يمكن أن تحيض فيها الأنثى وهي بنت تسع سنين، ولكن منطقة باردة كتركية يغلب أن تحيض الإناث فيها بعد هذه السن بعدد من السنين، وقد حصلت في إفريقية حالات حيض لإناث بلغن ستَّ سنين فقط، وإذن فإن تعيين أقل سنٍّ للحيض والبلوغ غير ممكن، ولم يَجْرِ في الشرع تحديد له.
أما أعلى سنٍّ لانقطاع الحيض فقد اختلفوا فيه أيضاً ، وغالبيتهم يقدرونه بما بين الخمسين والستين، والأصح عدم التحديد، فأيَّة أنثى ترى الدم فهي حائض سواء بلغت الأربعين أو السبعين ما دام الدم دم حيض.

وبالتدقيق في هذه الألفاظ نجد أن بينها قاسماً مشتركاً هو التطهُّر الذي حصل بفعل الإنسان نفسه، ولذلك جاءت الألفاظ المُطَّهِّرين والمُتَطَهِّرين وتطهَّرْنَ، واسم الفاعل هو متطهرات، أي أن من قام بتطهير نفسه وُصف بأنه متطهِّر أو مُطَّهِّر، ولم يوصف بأنه مُطَهَّر، في حين أنَّ من طهَّرهم الله لم يوصف أحد منهم بأن متطهِّر أو مُطَّهِّر، وإنما مُطَهَّر ومُطَهَّرون، وهكذا، والفرق واضح تماماً، وإذن فكل من طهَّره الله دون مشاركة من غيره فهو مُطَهَّر، وكل من طهَّر نفسه فهو مُتَطَهِّر ومُطَّهِّر. هذه هي استعمالات القرآن الكريم وبتطبيقها على آية سورة الواقعة نجد أن قوله تعالى لا يمسُّه إلا المُطَهَّرون يعني الذين طهَّرهم الله، وبذلك يتعين تفسير هذه اللفظة بالملائكة وليس بالناس.

من ذلك كله يتضح أن آية الواقعة عنت الملائكة ولم تَعنِ الناس، وإلى هـذا المعنى مال الإمام مالك فيما رواه عنه القرطبي في تفسيره (وهو نحو ما اختاره مالك حيث قال: أحسن ما سمعت في قوله لا يمسه إلا المُطهَّرون أنها بمنزلة الآية التي في عبس وتولى فمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ. في صُحُفٍ مُكَرَّمةٍ. مَرْفُوعةٍ مُطهَّرةٍ. بأَيْدِي سَفَرةٍ. كِرَامٍ بَرَرَةٍ يريد أن المُطهَّرين هم الملائكة الذين وُصفوا بالطهارة في سورة عبس). وممن فسَّروا الآية لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرون بأنهم الملائكة وأن الكتاب المكنون هو الذي في السماء فيما رواه عنهم الطبري في تفسيره هم: ابن عباس ومجاهد والضحاك وجابر بن زيد وابن نهيك وسعيد بن جبير وعكرمة وأبو العالية. وقد سبق أن ذكرنا أن ابن تيمية قال بذلك وإن خالف هؤلاء في الاستدلال. وبذلك يظهر بوضوح أن آيات القرآن الكريم فيها دلالة على أن مس المصحف يحتاج إلى وضوء، فلم يبق إذن سوى الحديث المشار إليه وفيه الغُنية.

والخلاصة هي أن مس المصحف يحتاج إلى وضوء وليس فقط إلى رفع الحدث الأكبر الذي هو موضوع بحثنا. وقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز للمحدث حدثاً أكبر أن يمسَّ المصحف، ولم يخالف في ذلك سوى داود. أما الذين اشترطوا لمس المصحف أن يكون طاهراً من الحَدَثين معاً فهم: علي وابن مسعود وسعد وسعيد وابن عمر والحسن وعطاء وطاووس والقاسم بن محمد ومالك والزُّهري والحكم وحماد والشافعي وأصحاب الرأي وأحمد. وقــال ابن قُدامـة (ولا نعلـم مخالفـاً لهم إلا داود فإنه أباح مسَّه، واحتج بأن النبي  كتب في كتابه آية إلى قيصر. وأباح الحكم وحماد مسَّه بظاهر الكف لأن آلةَ المس باطنُ اليد فينصرف النهي إليه دون غيره).

أما الحكم وحماد فهما مع القائلين بعدم جواز المسِّ إلا أنهما قصراه على باطن اليد دون ظاهرها. أما دليل داود فهو ضعيف جداً لأننا نتحدث عن مس المصحف وليس عن مسِّ ورقة فيها آية أو بضع آيات، والمصحف كلمة لها دلالة معلومة، فما كان مصحفاً حرم مسه دون وضوء، وما لا فلا، فتخرج كتب التفسير وكتب الفقه رغم ما فيها من آيات من القرآن لأنها ليست مصاحف فيجوز مسُّها، وكتاب رسول الله  لهرقل ليس مصحفاً فجاز مسُّه، وكلامنا كله هـو في مسِّ المصحف دون سواه، فما سوى المسِّ يجوز على إطلاقه فالنظر إليه وحمله بعلاَّقة ومسُّه بعود كل ذلك جائز، وهو رأي أبي حنيفة وابن قدامة، ورُوي عن الحسن وعطاء وطاووس والشعبي والقاسم والحكم وأبي وائل وحماد. ومنعه الأوزاعي ومالك والشافعي قياساً للحمل على المسِّ وتعظيماً للقرآن، ولا يصح قياسهم، لأن حمله بعلاَّقة ومسَّه بعود لا يشاركان المسَّ في العلة، ثم هما فعلان لا ينافيان التعظيم للقرآن. وفي مسِّ طلاب المدارس رأيان أرجحهما عندي المنع إلا إن كانوا دون البلوغ فلا بأس لأنهم غير مكلفين.

8- ورد في قراءة الجُنُب للقرآن الكريم حديثان هما:

أ- عن علي رضي الله عنه قال «كان رسول الله  يقضي حاجته ثم يخرج فيقرأ القرآن ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه عن القرآن شيءٌ ليس الجنابة» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. ورواه النَّسائي بلفظ «كان رسول الله  يقرأ القرآن على كل حال ليس الجنابة» وحسنه ابن حجر.

ب- عن علي رضي الله عنه قال «رأيت رسول الله  توضأ ثم قرأ شيئاً من القرآن ثم قال: هذا لمن ليس بجُنُب، فأما الجُنُب فلا ولا آية» رواه أحمد وأبو يعلى. وقال الهيثمي (رجاله موثَّقون).

وقد ذهب الأئمة الأربعة وغيرهم إلى تحريم قراءة القرآن على الجُنُب، وروي ذلك عن ابن عمر وعطاء وطاووس، وقال الشافعي بتحريم قراءة الآية وما دونها وما فوقها، وقال أبو حنيفة بتحريم قراءة آية فما فوقها وأجاز قراءة دون آية إذ ليس بقرآن، وأجاز بعض أصحابه قراءة القرآن للجُنُب لغير التلاوة، وخالفهم آخرون قائلين بجواز قراءة الجُنُب للقرآن منهم ابن عباس والشعبي والضحاك والبخاري والطبري وابن المنذر وداود، والشوكاني وقال (إنه لم يصح خبرٌ عن رسول الله  يصلح لتحريم قراءة القرآن) واستشهد بما روى البخاري عن ابن عباس أنه لم ير في القراءة للجُنُب بأساً، وبما رُوي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت «كان النبي  يذكر الله على كل أحيانه» رواه مسلم. وأضاف (وبالبراءة الأصلية حتى يصح ما يصلح لتخصيص هذا العموم وللنقل عن هذه البراءة). والذي أذهب إليه أن الجُنُب يحرم عليه أن يقرأ القرآن، وأن الشوكاني ومن يقول بقوله لم يصيبوا فيما ذهبوا إليه، وذلك:

1- إن قول الشوكاني إنه لم يصح خبرٌ عن رسول الله  يصلح لتحريم قراءة القرآن مردود بحديث علي الأول الذي رواه أحمد وغيره وصححه ابن حِبَّان وابن السكن والبغوي، وحسَّنه ابن حجر، ومثل هذا الحديث يصلح للاحتجاج.

2- إن استشهاده بما روي عن عبد الله بن عباس أنه لم ير في القراءة للجُنُب بأساً هو استشهاد لا يصح، لأن قول الصحابي ليس دليلاً، خاصة إذا عارضه حديث مرفوع صحيح أو حسن كحديث علي الأول وحديث علي الثاني.

3- أما استشهاده بما روته عائشة رضي الله عنها أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يذكر الله على كل أحيانه، فهو استشهادٌ مخصَّص بحديثي علي السابقين، لأن حديث عائشة عام بينما حديثا علي مُخصِّصان، والمخصِّص مقدَّم على العام، ولا تعارض بين الأحاديث، فالرسول عليه الصلاة والسلام كان يذكر الله على كل أحيانه ومنها حالة الجنابة بشتى أنواع الذكر إلا بالقرآن.

4- أما قوله (وبالبراءة الأصلية حتى يصح ما يصلح لتخصيص هذا العموم) فنرد عليه من وجهين:

أ- لقد صح ما يخصص هذا العموم كما أسلفنا.

ب- إن قوله بالبراءة الأصلية هنا غير صحيح، لأن البراءة الأصلية إنما تكون في الأشياء والموجودات من حيث الحكم دون الأفعال، فالشيء إن لم نجد له حكماً ورد بدليل ألحقناه بالبراءة الأصلية أي بالإباحة، أما الأفعال فلا بد من أن يكون لها أحكامٌ بنصوص أو بقياس، فالقاعدة الأصولية تقول (الأصل في الأشياء الإباحة والأصل في الأفعال التقيُّد) ولم يخالف هذه القاعدة إلا القليل من العلماء، ولست هنا بصدد إثبات صحة هذه القاعدة، لأن الأصل في المسلم التقيد في الأفعال بحكم الشرع، فإن عرفنا حكم الفعل التزمنا به، وإن لم نعرف توقفنا عنه حتى نجد نصاً أو نجد قياساً، ولا يُتصور وجود فعل لا نصَّ فيه ولا قياس لأن الشريعة كاملة، وهنا قراءة الجُنُب فعل، فلا بد من أن يكون فيها نصٌّ أو قياس. وبذلك يظهر ضعف رأي الشوكاني ومن وافقه، ويكون رأي الجمهور هو الصحيح.

وبالوصول إلى هذه النقطة نجد أن المسألة صارت سهلة متقاربة ، لأن أياً من المعنيين ليس منفصلاً عن الآخر ولا بعيداً عنه، فإنَّ ما بينهما من فارق ليس كما بين الحَدَث والمؤمن، وليس كما بين المؤمن والمتطهِّر من النجاسة، وإنما هما شيء واحد أو جنس واحد من شقين، ولذا سُميا الحدث الأكبر والحدث الأصغر، فكلاهما حدث، ويدخل الأصغر في الأكبر حين القيام بالأكبر إلى غير ذلك، فحين يريد الشرع أن يطلبهما يقول: تطهَّروا أو ارفعوا الحدث مثلاً، أما إن أراد أحدهما نص عليه وعيَّنه فقال: توضأوا للأصغر، وارفعوا الجنابة للأكبر وهكذا، فحين يقول الحديث أيها المؤمن لا تمسَّ المصحف إلا إذا تطهَّرت، أو إلا إذا كنت طاهراً يجب صرفه إلى الإثنين وعدم صرفه إلى أحدهما إلا بقرينة، ولا قرينة هنا لهذا الصرف. ثم إنَّ الطهارة من الحَدَث الأكبر هي طهارة ناقصة لا تصلح وحدها للصلاة ولا للطواف، وهذا معلوم، وبرفع الحدث الأصغر تكتمل الطهارة وتتم، فحين يطلب الحديث شيئاً فإن المعنى الذي ينبغي أن يقفز إلى الذهن هو الشيء بتمامه، ولا يصح فهمُه على النقص إلا بقرينة، فالرسول عليه الصلاة والسلام يطلب منا أن لا نمس المصحف إلا ونحن طاهرون، وحيث أن طهارتنا تكتمل بالوضوء، فالأصل وسلامة الفهم تدفعنا إلى القول بكامل الطهارة ، سيما وأنه لا قرينة هنا على صرفها إلى النقص. من كل ما سلف يترجح لدينا أن مسَّ المصحف لا يصح إلا من رافعٍ للحدث بشقيه الأكبر والأصغر، وهذا هو رأي جمهور الأئمة والفقهاء.

بقي أن أشير إلى أن عدداً من الفقهاء لم يكتفوا بالاستدلال بالحديث السابق، وإنما استدلوا على هذا الرأي بالقرآن الكريم قائلين إنَّ الآيات التي تقول إنَّه لَقُرآنٌ كريمٌ. في كتابٍ مكنونٍ . لا يمسُّه إلا المُطهَّرون. تَنْزيلٌ مِن ربِّ العَالمين الآيات من 77-80 من سورة الواقعة. تدل على أن المسلم يجب أن يتطهر لمسِّ المصحف لا يمسُّهُ إلا المُطهَّرون وقالوا إن الآيات صُدِّرت بلفظ (القرآن الكريم) ثم أتت على أوصافه الثلاثة وهي أن القرآن في كتابٍ مَكْنُونٍ وأنه لا يمسُّهُ إلا المُطهَّرون وأنه تَنْزيلٌ مِنْ ربِّ العَالمين جاعلين الضمير في يمسُّه يعود إلى القرآن ، واعتبروا هذه الآيات دليلاً لهم.

والذي أراه هو أن هذه الآيات لا تدل على ما ذهبوا إليه، وكان الأَولى بهم الاقتصار في الاستدلال على الحديث السابق. وقد ذهب ابن تيمية في الاستدلال بهذه الآيات مذهباً غريباً بقوله (إنَّ الآية تدل على الحكم من باب (الإشارة) فإذا كان الله تبارك وتعالى يخبر أن الصحف المطهَّرة في السماء لا يمسُّها إلا المطهَّرون، فالصحف التي بأيدينا كذلك ينبغي ألا يمسَّها إلا طاهر) فهو يقرر أن الآيات لا تدل على رأيه إلا من باب الإشارة، وذلك لأنها في الحقيقة تدل على الملائكة المطهرين وليس البشر المتطهرين لمسِّ المصحف. وقد أخطأ حين لم يقف عند مدلولات هذه الآيات وقام بعملية قياس غير صحيحة، إذ قاس البشر على الملائكة من حيث الطهارة، والمعلوم أن الإشارة هذه لها باب في أصول الفقه يسمونه باب مفهوم الإشارة، وهذا المفهوم لا يُعمل به هنا، لأن الأصوليين لم يقولوا بقياس الإنسان على الملائكة فأتى بقوله هذا غريباً من القول، وهو بيِّن الضعف.

وبالنظر في هؤلاء الآيات الكريمات نجد أن الآية لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرون تتحدث عن الكتاب المكنون الموجود في السماء، والذي تمسه الملائكة المطهَّرون، وليس عن القرآن الكريم الذي يمسه المسلمون المتطهِّرون، والدليل على ذلك ما يلي:

أ- المعلوم أن الضمائر في اللغة تعود إلى أقرب اسم يصلح لعودتها إليه، ويمكن للضمائر أن تعود إلى اسم أبعد إن كان الاسم الأقرب لا يصلح لعودتها إليه، أو كانت هناك قرينة تعيِّن الاسم الأبعد ليعود الضمير إليه، وما عدا هاتين الحالتين فالأصل في الضمير ما ذكرنا، وفي هذه الآيات الكريمات نجد أن ضمير يمسُّه - وهو مذكَّر غائب - قد سبقه اسمان: القرآن وكتاب، والقرآن هو الاسم البعيد، والكتاب هو الاسم القريب، والضمير المذكر الغائب يصلح أن يعود إلى الكتاب، وحيث أنه هو الاسم الأقرب، فالأصل أن يعود الضمير إليه لهذين السبين، ولأنه لا توجد قرينة تصرف عودته إلى القرآن، بل القرينة تؤكِّد عودته إلى الكتاب، وبذلك يكون معنى الآيات كما يلي: إنَّه لقرآنٌ موجود في كتاب، هذا الكتاب لا يمسُّه إلا المطهَّرون. أما الآية الأخيرة تَنْزيلٌ مِنْ ربِّ العالمين فهي وصفٌ للقرآن وليس للكتاب لقرينة تنزيل فهذا المعنى لا يصلح لوصف الكتاب المكنون به، لأن الكتاب المكنون لم ينزل، ولم ينزل إلا القرآن، فاستحق وصفه به دون وصف الكتاب المكنون.

قلنا قبل قليل (بل القرينة تؤكِّد عودته إلى الكتاب) ونقول هنا إنَّ هذه القرينة هي لفظة المُطهَّرون فهذه اللفظة وصفٌ للملائكة وليست وصفاً للإنسان، وحتى نقف على الدليل على ذلك لننظر في الآيات القرآنية التالية:

1- ولهم فيها أزواجٌ مُطهَّرةٌ وهم فيها خالدون الآية 25 من سورة البقرة.

2- خالدين فيها وأزواجٌ مُطهَّرةٌ ورِضْوانٌ مِن الله الآية 15 من سورة آل عمران.

3- لهم فيها أزواجٌ مُطهَّرةٌ ونُدْخِلُهم ظِلاً ظليلاً  الآية 57 من سورة النساء.

4-فمن شاء ذَكَرَهُ. في صُحُفٍ مُكرَّمةٍ. مرفوعةٍ مُطهَّرةٍ الآيات 12، 13، 14 من سورة عبس.

5- رسول من الله يتلو صحفاً مُطهَّرة الآية 2 من سورة البيِّنة.

6- لا يَمَسُّهُ إلا المُطهَّرون الآية 79 من سورة الواقعة.

لنجد أن الآية الأولى وصفت نساء الجنة بأنهنَّ مطهَّرات، وكذلك الآية الثانية والآية الثالثة. أما الآيات في البند الرابع فوصفت الصحف بأنها مطهَّرة، وكذلك الآية الخامسة. والآية السادسة وصفت من يمسُّون بأنهم مطَهَّرون.

وبالتدقيق نجد أن هناك قاسماً مشتركاً بين هذه الكلمات، وهو أن هذا التطهير حصل بفعل من الله دون مشاركة من غيره، فأزواج الجنة طهَّرهن الله فهن مطهَّرات أبداً، والصحف طهَّرهن الله، والملائكة طهَّرهم الله، ولم تشارك الأزواج ولا الصحف ولا الملائكة بفعل التطهير، فجاء الوصف كما رأيتم. ثم لننظر في الآيتين القرآنيتين التاليتين:

1- فإذا تطهَّرنَ فأْتوهنَّ مِنْ حيثُ أَمَرَكُمُ الله إنَّ الله يحبُّ التَّوابين ويحبُّ المُتَطَهِّرين الآية 222 من سورة البقرة.

2-فيه رجالٌ يُحِبُّون أنْ يَتَطَهَّروا والله يُحِبُّ المُطَّهِّرين الآية 108 من سورة التوبة. لنجد أن الآية الأولى ذكرت النساء في الدنيا بقولها تطهَّرن واسم الفاعل من تطهَّر هو مُتطهِّر، ووصفت المسلمين بقولها المتطهرين وأن الآية الثانية وصفت الرجال الذين يتطهرون بأنهم [المُطَّهِّرين بتشديد الطاء المفتوحة والهاء المكسورة.

فهذه الأحاديث تذكر تارة أنه عليه الصلاة والسلام كان يأكل وهو جُنُب ولا يزيد على غسل يديه، وتذكر تارة أخرى أنه كان يأكل وهو جُنُب بعد أن يتوضأ وضوءه للصلاة، ما يدل على أن المسلم بالخيار بين الوضوء وتركه، يؤكد ذلك الحديث الذي رواه ابن عمر المار وفيه «ويتوضأ إن شاء» وكذلك كان عليه الصلاة والسلام يأمر الجُنُب إذا أراد المعاودة بالوضوء، وكان هو يفعل ذلك أحياناً، ولكنه كان أحياناً أخرى يعاود دون وضوء «يصيب من أهله من أول الليل ثم ينام ولا يمس ماء، فإذا استيقظ من آخر الليل عاد إلى أهله».

وإنما قلنا بالاستحباب، لأن الوضوء نفسه مندوب في كل حال، وما دام مندوباً فهو في حالة الجنابة مندوب، وهذا طبعاً غير الوضوء الواجب، فالجُنُب يباح له الأكل والشرب ومعاودة الجماع والنوم دون وضوء ، إلا أنه إن توضأ كان أفضل.

6- لا يجوز للجُنُب أن يصلي، ومن الصلاة سجود الشكر وسجود التلاوة، والطواف حول الكعبة. أما الصلاة عموماً فلقوله جلَّ وعزَّ ولا جُنُباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا. هذا عدا عن الأحاديث الكثيرة، وهذا الأمر معلوم من الدين بالضرورة. أما الطواف حول الكعبة خاصة، فلأنه صلاة فيأخذ حكمها، وذلك لما روى طاووس عن رجل قد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إنما الطواف صلاة، فإذا طُفتم فأقِلُّوا الكلام» رواه أحمد والنَّسائي. ولما روى عبد الله بن عباس رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن الطواف بالبيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير» رواه ابن خُزَيمة والدارمي، ورواه الحاكم وصحَّحه.

7- لا يجوز للجُنُب مسُّ المصحف، وقد ورد فيه الحديث التالي: عن أبي بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه كتب إلى أهل اليمن بكتابٍ فيه الفرائضُ والسننُ والدياتُ، وبعث فيه مع عمرو بن حزم، فذكر الحديث، وفيه: ولا يمس القرآنَ إلا طاهراً» رواه البيهقي والدار قطني والحاكم والطبراني، وحسَّنه الحازمي.

هذا الحديث طعن فيه كثيرون وضعَّفوه، ولكن في المقابل صححه كثيرون وقبلوه، فابن حجر قال فيه (كتاب عمرو بن حزم تلقاه الناس بالقبول) وقال ابن عبد البر: إنَّه أشبه المتواتر لتلقي الناس له بالقبول. وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم كتاباً أصحَّ من هذا الكتاب فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين يرجعون إليه ويَدَعُون رأيهم. وقال الحاكم (قد شهد عمر بن عبد العزيز والزهري لهذا الكتاب بالصحة) فكفى بعمر بن عبد العزيز والزهري شاهدين على صحة هذا الحديث فالحديث صالح للاحتجاج.

بقي وجه الدلالة فيه. قال الشوكاني مُعقِّباً على كلمة طاهر (إن الراجح كون المشترك مُجمَلاً في معانيه فلا يعين حتى يبين، وقد دلَّ الدليل ههنا أن المراد به غيره لحديث «المؤمن لا ينجس» ولو سُلِّم عدم وجود دليل يمنع من إرادته، لكان تعيينه لمحلِّ النزاع ترجيحاً بلا مرجح، وتعيينه لجميعها استعمالاً للمشترك في جميع معانيه وفيه الخلاف، ولو سُلِّم رجحان القول بجواز الاستعمال للمشترك في جميع معانيه لما صح لوجود المانع وهو حديث «المؤمن لا ينجس»).

فالشوكاني يعتبر كلمة طاهر لفظةً مشتركةً، ولا بد من وجود دليل يعين المراد منها، لأنها تشمل المؤمن، وتشمل مَن تطهَّر من الجنابة، وتشمل مَن توضأ، وتشمل مَن غسل النجاسة عن بدنه، وكل هذه المعاني يفيدها لفظ طاهر، فلا بد من معرفة أي هذه المعاني هو المقصود من الحديث. هذا مجمل رأي الشوكاني في رد الاحتجاج بهذا الحديث على موضوعنا وهو مثال على رأي القائلين بقوله. ونرد عليه بما يلي:

صحيح أن كلمة طاهر تشمل المعاني المذكورة كلها، ولكن لا بد من وجود قرينة تُعيِّن المعنى المراد، أو تصرف اللفظة عن معنى معين أو معان معينة، ولا يُتصور أن يكون هذا الحديث خالياً من قرينةٍ فيه، أو في غيره من الأحاديث، وإنَّ حديثاً يكاد يبلغ التواتر لشُهرته وتلقِّي الناسِ صحابةً وغيرَ صحابةٍ له بالقبول لا يُتصور أن لا تكون فيه ولا في غيره قرينة تعين المعنى المقصود، لأن تلقي الناس له بالقبول يدل على أنهم أخذوه وعملوا به، ولا يدل على أنهم سمعوه فقط واحتاروا في فهمه، وما كان لهذا الحديث أن يكون مشهوراً ويُتلقَّى بالقبول لو كان معناه محتمَلاً ودلالته مجمَلَة غامضة، فهذا افتراض مرفوض. وقد اتفق المسلمون أو كادوا على أن معناه لا يمس القرآن إلا من رفع الحدثين الأكبر والأصغر، وحتى الأئمة الذين يُجيزون لفاقد الوضوء مسَّ المصحف لم ينكروا هذا التفسير، وإنما ردوا الحديث ووصفوه بالضعف، ولم يحتجوا به.

أما أن من معاني لفظ [ الطاهر ] المؤمن ، أخذاً بالحديث «المؤمن لا ينجس» كما يقول الشوكاني فهو صحيح، ولكن القرينة تصرفه عن هذا المعنى، فالحديث قولٌ أرسله الرسول عليه الصلاة والسلام لليمن وأهله مسلمون، أي وأهله طاهرون، وهو خطاب لهم، فعلى تفسير لفظ الطاهر بالمؤمن يكون الحديث كالآتي: أيها الطاهرون لا يمس المصحف أحد منكم إلا إذا كان طاهراً. وبصيغة المفرد: لا تمس أيها الطاهر المصحف إلا إذا كنت طاهراً. وهذا من التأويل الفاسد وهو مردود ، إذ لو كان الرسول عليه الصلاة والسلام أراد هذا المعنى، أي لو أراد أن لا يمسَّه إلا المؤمنون لقال: لا يمسّ القرآنَ مشركٌ، أو لا يمسّ المصحف كافرٌ ، فلما عدل عن هذا التعبير دل على أن للحديث معنى آخر.

وأما أن من معاني لفظ ( الطاهر) مَن تطهَّر من النجاسة كما يقول الشوكاني فهو أيضاً صحيح، ولكن من تطهر من النجاسة اثنان وليس واحداً، فالذي أزال النجاسة عن بدنه متطهِّر وطاهر، والذي أزالها عن ثوبه طاهر أيضاً ومتطهِّر، فهل الحديث أراد من المتطهِّر مِن النجاسة الأول أم الثاني؟ إنه ليس من صحابي ولا تابعي قال إن مسَّ المصحف يحتاج إلى طهارة البدن والثوب أو طهارة أحدهما مستدلاً بهذا الحديث، فقد اتفقت كلمة المسلمين سلفاً وخلفاً على اطِّراح هذا المعنى لهذا الحديث، فإيراد الشوكاني لهذا الاحتمال إيراد نظري.

وأيضاً فإن عندنا العديد من النصوص التي تطلب طهارة البدن وطهارة الثوب من النجاسة، وتُبرز هذه النصوص الحالةَ المقصودة من الحالتين في كل مرة، فالآية الكريمة تقول وثِيابَكَ فَطَهِّرْ فنصَّت على الثياب، والحديث يقول «كيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: يكفيك أن تأخذ كفاً من ماء فتنضح به ثوبك» فذكر الثوب مرتين، والحديث يقول «فتغسل من ذلك فرجك وأُنثييك» فذكر الجزء المقصود من البدن، والحديث يقول «فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض» ولم يقل إحدانا يصيبها من دم الحيض، والحديث يقول «سألت عائشة عن الحيض يصيب ثوبها الدم» والحديث يقول «فاغسلي موضع الدم» وهكذا يذكر نجاسة الموضع ويعيِّنه بصريح اللفظ، فمن تأمَّل النصوص وكانت عنده دراية بها فَهِم أن الطهارة لا تأتي بمعنى غسل النجاسة، إلا مقرونة بقرينة تصرفها إلى إزالة النجاسة، وحديثنا يجب فهمه على ضوء هذه الملاحظات. فلم يبق وقد استُبعد تفسير الطاهر بالمؤمن وبالمتطهِّر من النجاسة إلا الحَدَث بشقيه الأكبر والأصغر فحسب، وجاء الحديث يطلب أحد الشقين أو يطلبهما معاً، ولا ثالث لهذين الاحتمالين.

الماءُ المستعمَل4
وقد يقال إن هذا منه يدل على أنه من خصوصياته، فنجيب بأن هذه دعوى غير صحيحة، لأنه لا يصح اعتبار ما فعله الرسول ïپ² من خصوصياته إلا أن يقوم الدليل على أن الفعل هو من خصوصياته، ولم يقم الدليل هنا على ذلك . والمعلوم للصحابة ومَن بعدهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يصلي فيأخذ الصحابة عنه كيفية الصلاة ، وكان يتوضأ فيتعلم منه المسلمون الوضوء، وإن معظم أحاديث الوضوء التي عمل بها المسلمون هي أفعال منه عليه الصلاة والسلام ، أو أفعال من الصحابة ذكروا أنها تشبه أفعال الرسول عليه الصلاة والسلام، وكانوا يجاهرون صراحة حين يتوضَّأون بأنهم توضَّأوا كما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يتوضأ، وكان منهم من يقول: إني أَشْبَهُكم وضوءاً برسول الله ïپ²، فهذا الفرض الشرعي أُخذ من الرسول عليه الصلاة والسلام من فعله أكثر مما أُخذ من قوله ، ثم يأتي من يقول إن هذا المسح للرأس من فضل ماء اليدين هو من خصوصياته عليه الصلاة والسلام ، ما هكذا تفهم النصوص!

من هذه الأرضية السابقة ننطلق إلى القول بأن حديث جارية على فرض صحته يُحمَل على مَحْمل الأحاديث السابقة لأنه في موضوعها، والمقصود منه واضح وهو أن يمسح المسلم رأسه بماء جديد، أي بغير ما فضل في يديه، وهذا يضاف إلى الحديثين السابقين اللذين يذكران ذلك من فعله عليه الصلاة والسلام، وليس فيه جديد، فقد أمر الرسول عليه الصلاة والسلام هذا المسلم المخاطَب بأن يفعل في مسح رأسه كما مسح هو رأسه بماء جديد ، كما جاء في حديثي الباب وهما اللذان خالفهما حديثان آخران، واختلاف الأحاديث يدل على إباحة مسح الرأس بماء جديد وإباحة مسحه بماء يفضل في اليدين، فالأمر فيه سعة.

هكذا يجب أن تفهم النصوص، لا أن تُحَمَّل ما لا تحتمل، حتى استنبطوا منها علَّة الاستعمال، وهي غير موجودة في النص لا منطوقاً ولا مفهوماً اللهم إلا لرجلٍ وضع هذه العلَّة في ذهنه وبدأ يبحث لها عن سند.

ولقد اختلف الفقهاء كثيراً في موضوع مسح الأذنين، واستشهدوا بالأحاديث وأعمال الصحابة واستعانوا بمعاجم اللغة، ومدار النقاش يدور حول: هل الأذنان من الرأس، أم هما مستقلَّتان عنه؟ فمَن قالوا إنهما من الرأس، وإنهما بالتالي جزء من عضوٍ، قالوا: إن الأُذُنين تُمسحان مع الرأس مسحة واحدة مشتركة ولا يُؤخذ لهما ماء جديد، ومَن قالوا إن الأُذُنين ليستا من الرأس قالوا بوجوب أخذ ماء جديد لهما. وهكذا أوجبوا لكل عضو مستقلٍّ في الوضوء أن يُؤخذ له ماءٌ جديد، وذلك من أجل الفصل بين الأعضاء، واعتبروا الفصل علَّة لأخذ الماء الجديد، وتركوا هنا علَّة الاستعمال، وبما أن الرأس عضو مستقل فقد وجب عندهم أن يُؤخذ له ماءٌ جديد مستقل عن ماء اليدين، وهكذا أخذوا علَّة الاستعمال مرة وعلَّة الفصل بين الأعضاء مرة أُخرى.

وكمثال على ذلك أقدِّم لكم مقطعاً من كتاب المغني لابن قُدامة (مسألة : قال: [وأَخْذُ ماء جديد للأذنين ظاهرهما وباطنهما] المستحب أن يأخذ لأذنيه ماء جديداً، قال أحمد: أنا أستحب أن يأخذ لأذنيه ماء جديداً، كان ابن عمر يأخذ لأذنيه ماء جديداً، وبهذا قال مالك والشافعي، وقال ابن المنذر: هذا الذي قالوه غير موجود في الأخبار، وقد روى أبو أُمامة وأبو هريرة وعبد الله بن زيد أن النبي ïپ² قال «الأذنان من الرأس» رواه ابن ماجة، وروى ابن عباس والرُّبيِّع بنت مُعوِّذ والمقدام بن معد يكرب أن النبي ïپ² مسح برأسه وأذنيه مرة واحدة، رواهن أبو داود، ولنا أن إفرادهما بماء جديد قد رُوي عن ابن عمر ، وقد ذهب الزُّهري إلى أنهما من الوجه، وقال الشعبي ما أقبل منهما من الوجه وظاهرهما من الرأس، وقال الشافعي وأبو ثَوْر: ليس من الوجه ولا من الرأس ففي إفرادهما بماء جديد خروج من الخلاف فكان أولى، وإنْ مسحهما بماء الرأس أجزأه، لأن النبي ïپ² فعله). فهذا القول الذي ذكره صاحب المغني عن الشافعي وأحمد وغيرهما صريح في أن ما كان عضواً مستقلاً في الوضوء يُؤخذ له ماء جديد، وهم أصحاب القول بفقد المستعمَل في الوضوء للطُّهورية، فقد ذهبوا إلى أن العضو المستقل يؤخذ له ماء جديد، وهذا دليل واضح على أنهم فهموا من أخذ الماء الجديد ابتداء العمل بعضوٍ جديد مستقل في الوضوء، فعلَّة أخذ الماء الجديد عندهم هي الفصل بين الأعضاء، ثم هم مع ذلك يقولون إن طلب الرسول عليه الصلاة والسلام أخذَ ماءٍ جديد للرأس يدل على منع المستعمل في الوضوء من رفع الحدث؟!.

نخلص من ذلك كله إلى أن المستعمَل يجوز استعماله في الوضوء لأنه يظل ماء، وحكم الماء أنه لا يُجنِب وأنه طَهور، إلا ما غُلب على صفاته وسُلب اسمُه ، والوضوء لا يغيِّر صفات الماء ولا يسلبه اسمه، ولذا يظل طَهوراً وإن أصابه بعضُ الدنس القليل من أعضاء الوضوء، إلا أن يكون المتوضِّيء ملطَّخاً بالقَذَر، فيخرج ماء وضوئه ملطخاً وقد غُيِّرت صفاتُه وسُلب اسمه، فحينذاك لا يجوز التوضؤ به، أو أن يكون المتوضيء مُلطَّخاً بالنجاسة فيخرج ماء وضوئه نجساً، وهذا أندر من الكبريت الأحمر . وبذلك نفرغ من مناقشة رأي القائلين بأن المستعمَل في رفع الحدث طاهر غير مطهِّر، وقد بان الصواب في هذه المسألة .

7- وننتقل الآن لمناقشة الرأي الأخير. اعتمد أبو يوسف القاضي وشيخه أبو حنيفة في رواية عنه على حديث «لا يبولَنَّ أحدكم …» فقالا: اقترن النهي عن الاغتسال من الماء الدائم بالنهي عن البول فيه، وبدلالة الاقتران والتسوية بين الأمرين نخرج بحكم تنجيس الماء بالاغتسال فيه مثل تنجيسه بالبول فيه ، وعند هذين الإمامين أن دلالة الاقتران تفيد التسوية في أصل الحكم، وفي تفاصيله.

ونجيب على هذه الشبهة إضافة إلى ما سبق بأن دلالة الاقتران ضعيفة عند الأصوليين، وحتى من يقولون بها، لا يشترطون التسوية بين طرفي الاقتران ، فقد يقترن نهيان أو أكثر، ويكون حكم الأول التحريم وحكم غيره الكراهة، وقد يقترن أمران أو أكثر، ويكون حكم أحدهما الوجوب وحكم الآخر الندب أو الإباحة، فهذه القاعدة التي استندا إليها ضعيفة بل خاطئة لا يجوز أن يُعوَّل عليها، وقد سبق أن أشرنا إلى هذه النقطة بما يكفي.

ثم إن هذا التنجيس من الاغتسال في الماء ليس منطوقاً، وإذا عارضه منطوق نفاه، لأن المنطوق أقوى في الحجة والعمل، وحديث الجَفْنة المار وهو «إن الماء لا يُجْنِب» منطوق فيُعمل به ويُترك العمل بالمفهوم من حديث «لا يبولَنَّ …» هذا على فرض التسليم بصحة هذا المفهوم وبذلك يسقط الاستدلال بهذا الحديث على ما ذهبوا إليه.

يتبع /5

أحكامُ الجُنُب

للجُنُب أحكام نفصلها كما يلي:

1- لا يجوز للجُنُب أن يمكث في المسجد، ويُرخَّص له في اجتيازه والمرور منه فقط أخذاً من الآية الكريمة يا أيها الذين آمنوا لا تَقْرَبوا الصلاةَ وأنتم سُكَارى حتى تَعْلَموا ما تقولون ولا جُنُباً إلا عابِرِي سبيلٍ حتى تغتسلوا وإنْ كُنتم مَرضى أو على سَفَرٍ أو جاء أحدٌ منكم مِن الغائِطِ أو لامستم النساءَ فلم تجدوا ماءً فتيمَّمُوا صَعيداً طيِّباً فامسحوا بوجوهِكم وأيديكُم إنَّ اللهَ كان عفُوَّاً غفوراً  الآية 43 من سورة النساء. فالآية الكريمة تقول ولا جُنُباً إلا عابري سبيلٍ حتى تغتسلوا أي إذا كنتم جُنُباً فاعبروا المساجد عبوراً فقط حتى تغتسلوا، وآنذاك يمكنكم المُكث فيها والصلاة، هذا هو التفسير الراجح، وليس هو تفسير عابري سبيل بالمسافرين.

وقد أعجبني تفسير ابن جرير الطبري لهذه الآية أنقله لكم من كتابه [جامع البيان] (وأَولى القولين بالتأويل لذلك تأويل من تأوَّله ولا جُنُبَاً إلا عابري سبيل إلا مجتازي طريقٍ فيه وذلك أنه قد بيَّن حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جُنُب في قوله وإن كنتم مرضى أو على سفر، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً، فكان معلوم بذلك أنَّ قوله ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا لو كان معنيَّاً به المسافر لم يكن لإعادة ذلك في قوله وإن كنتم مرضى أو على سفر معنى مفهوم، وقد مضى ذِكْرُ حكمه قبل ذلك، وإذا كان ذلك كذلك فتأويل الآية يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد للصلاة مُصلِّين فيها وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها أيضاً جُنُباً حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل، والعابر السبيل المجتاز مَرَّاً وقطعاً) .

وقد أخرج ابن جرير عن يزيد بن أبي حبيب «أن رجالاً من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، فكانت تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم، فيريدون الماء ولا يجدون ممراً إلا في المسجد فأنزال الله تبارك وتعالى ولا جُنُباً إلا عابِرِي سبيلٍ ». وهذا يوضح ويقوي رأينا السابق.

ومما يدل على ذلك أيضاً ما رواه جابر قال «كان الجُنُب يمر في المسجد مُجْتَازاً» رواه ابن أبي شيبة. ورواه ابن المنذر ولفظه «كان أحدنا يمر في المسجد وهو جُنُب». أما ما رُوي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت «جاء رسول الله  ووجوه بيوت أصحابه شارعةٌ في المسجد فقال: وجِّهوا هذه البيوت عن المسجد، ثم دخل النبي  ولم يصنع القوم شيئاً رجاء أن تنزل فيهم رخصة، فخرج إليهم بعدُ فقال: وجِّهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أُحلُّ المسجد لحائض ولا جُنُب» رواه أبو داود وابن خُزَيمة. وما رُوي عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت «دخل رسول الله صلى الله عيه وسلم صَرْحةَ هذا المسجد، فنادى بأعلى صوته: إنَّ المسجد لا يحلُّ لجُنُب ولا لحائض» رواه ابن ماجة والطبراني. فأقول: حديث ابن ماجة هذا ضعيف، جاء في الزوائد (إسناده ضعيف، محدوج لم يوثَّق، وأبو الخطَّاب مجهول) فلا يصلح للاحتجاج. فيبقى الحديث الأول الذي رواه أبو داود، فهذا الحديث يجب حمله على المُكث دون المرور، لأن هذا عام وأحاديث المرور مخصِّصة، والخاص يُعمل به. وممن ذهب إلى جواز مرور الجنب في المسجد ابن مسعود وابن عباس والشافعي والطبري.

أما من ذهـب إلى عدم الجواز فمالك وأبو حنيفة. وقال أحمد وإسحق بالجواز للجُنب إنْ توضأ، واستدلا بحديث رواه عطاء بن يسار «رأيت رجالاً من أصحاب رسول اللهصلى الله عيه وسلم يجلسون في المسجد وهم مُجْنِبون إذا توضأوا وضوءَ الصلاة» عزاه الشوكاني لسعيد بن منصور. فنرد عليهما بأن في الحديث هشام بن سعد قال عنه أبو حاتم إنه لا يُحتجُّ به، وضعَّفه يحيى بن مُعين والنَّسائي وأحمد، فالحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج. وهكذا يثبت أن الجُنُب يجوز له أن يجتاز المسجد ويمر منه مروراً دون مُكْث. وهكذا أيضاً يظهر خطأ الرأيين الآخرين.

2- يجوز للجُنُب الاختلاط بالناس ومصافحتهم ومحادثتهم وما إلى ذلك، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه «أنه لقيه النبي صلى الله عيه وسلم في طريق من طرق المدينة وهو جُنُب، فانسلَّ فذهب فاغتسل، فتفقده النبي صلى الله عيه وسلم، فلما جاء قال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: يا رسول الله لقيتَني وأنا جُنُب، فكرهتُ أن أُجالسك حتى أغتسل، فقال رسول الله صلى الله عيه وسلم: سبحان الله إنَّ المؤمن لا ينجس» رواه مسلم. الرسول عليه الصلاة والسلام أنكر على أبي هريرة انسلاله مِن أمامِهِ كراهةَ مجالسته لأنه جُنُب، وهذا الإنكار منه يفيد جواز مصافحة الجُنُب ومجالسته ومحادثته.

3- يجوز للجُنُب أن يجاهد ، وقصة غسيل الملائكة مشهورة، ففي سيرة ابن هشام «فقال رسول الله صلى الله عيه وسلم: إنَّ صاحبكم، يعني حنظلة، لتُغَسِّلُه الملائكة، فسألوا أهله ما شأنه، فسُئلت صاحبته عنه، فقالت: خرج وهو جُنُب حين سمع الهاتفة، فقال رسول الله صلى الله عيه وسلم: لذلك غسلته الملائكة». ورواه أيضاً ابن حِبَّان من طريق عبد الله بن الزبير رضي الله عنه. قوله الهاتفة : أي الصوت الشديد.

4- يجوز لمن أصبح جُنُباً أن يُتِمَّ صومــه، لمــا رُوي عن عائشة وأم سلمة زوجي النبي  أنهما قالتا «إنْ كان رسولُ الله صلى الله عيه وسلم ليصبح جُنُباً من جِماعٍ غير احتلام في رمضان ثم يصوم» رواه مسلم والبخاري وأحمد. وهو رأي الجمهور، ويكاد يبلغ حد الإجماع بين الفقهاء.

أما ما رُوي بأن أبا هريرة كان يفتي بأن من أدرك الفجر جُنُباً فلا صوم له، فإنه قد رجع عنه، فهذه الفتوى وهذا الرجوع ذكرهما مسلم في صحيحه في حديث واحد رواه من طريق عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي بكر، وكذلك روى ابن أبي شيبة أن أبا هريرة قد رجع عنه ، فيُترك العمل به، وهذا في الجُنُب من جماع. أما جواز الصوم لمن أصبح جُنُباً من احتلام فلم يختلف عليه اثنان من العلماء، ولست أُطيل أكثر، لأن هذا البحث مكانه باب الصوم وليس باب الطهارة.

5- يجوز للجُنُب أن يأكل ويشرب دون أن يتوضأ، قالت عائشة رضي الله عنها «كان رسول الله صلى الله عيه وسلم إذا أراد أن ينام وهو جُنُب توضأ وضوءَه للصلاة، فإذا أراد أن يأكل أو يشرب غسل كفيه ثم يأكل أو يشرب إن شاء» رواه أحمد والنَّسائي ومسلم. وروى ابن خُزَيمة من طريق عائشة «أن النبي صلى الله عيه وسلم كان إذا أراد أن يطعم وهو جُنُب غسل يديه ثم طعِم». فالرسول عليه الصلاة والسلام كان يغسل يديه وهو جُنُب ثم يأكل.

وكذلك يجوز للجُنُب أن يجامع أهله وينام دون أن يتوضأ، لما رُوي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت «كان رسول الله صلى الله عيه وسلم يصيب من أهله من أول الليل ثم ينام ولا يمس ماء، فإذا استيقظ من آخر الليل عاد إلى أهله واغتسل» رواه أحمد وأصحاب السُّنن. وعن عائشة بلفظ «أن النبي صلى الله عيه وسلم كان ينام وهو جُنُب ولا يمسُّ ماء» رواه البيهقي وصححه. والحديث هذا ضعَّفه عدد من أئمة الحديث بقولهم إن الحديث من رواية أبي إسحق عن الأسود عن عائشة، وإن أبا إسحق لم يسمعه من الأسود، ولكن البيهقي قال (إن أبا إسحق بيَّن سماعه من الأسود) وأضاف (قد صح عندنا حديث الثوري عن أبي إسحق عن الأسود) فيُعمَل به إذن. فهذه الأحاديث لم تذكر وضوءاً ولا غُسلاً لمعادوة الجماع أو للنوم أو للأكل أو للشرب، إلا أن الأفضل لهذه الأفعال أن يتوضأ وضوءه للصلاة، لما رُوي عن عائشة أنها قالت «كان رسول الله صلى الله عيه وسلم إذا كان جُنُباً فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة» رواه مسلم والبخاري. ولما رُوي عن عبد الله بن أبي قيس أنه قال «سألت عائشة عن وِتْر رسول الله  فذكر الحديث، قلت: كيف كان يصنع في الجنابة؟ أكان يغتسل قبل أن ينام أم ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: كل ذلك قد كان يفعل، ربما اغتسل فنام، وربما توضأ فنام. قلت الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة» رواه مسلم. ولما رُوي عن أبي سعيد الخدري أنه قال : قال رسول الله  «إذا أتى أحدُكم أهلَه ثم أراد أن يعود فلْيتوضأ» رواه مسلم وأحمد وأصحاب السنن. ولما رُوي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال «استفتى عمر النبي صلى الله عيه وسلم أينام أحدُنا وهو جُنُب؟ قال: نعم إذا توضأ» رواه البخاري ومسلم وأحمد وأصحاب السنن. ولما روى ابن عمر عن عمر رضي الله عنه «أنه سأل رسول الله صلى الله عيه وسلم: أينام أحدُنا وهو جُنُب؟ قال: ينام ويتوضأ إن شاء» رواه ابن خُزَيمة وابن حِبَّان.

الفصـل التاسـع - مُوجبـــــاتُ الغُسل

يجب الغسل للأسباب الآتية:

  1. الجنابة: وتكون بالتقاء الختانين في الجماع، وتكون بنزول المني في الاحتلام، وتكون بنزول المني في حالة اليقظة.

  2. إسلام الكافر.

  3. الموت.

  4. الحيض.

  5. النفاس والولادة.

أولاً: الجنابة

وجـوب الغسـل مـن الجنابــة مُجمعٌ عليه مـن المسلمـين ، وهـو معلوم مـن الدين بالضرورة، وقد دلَّــت عليه النصوص مـن القـرآن الكريم والسُّنة النبويـة المشرفـة ، نذكـر منهـا مـا يلـي:

1- يا أيها الذين آمنوا لا تَقْرَبُوا الصلاةَ وأنتُم سُكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جُنُباً إلا عابِري سبيلٍ حتى تغتسلوا .. الآية 43 من سورة النساء.

2- يا أيها الذين آمنوا إذا قُمْتُم إلى الصَّلاةِ فاغْسِلوا وجوهَكُم وأيديَكُم إلى المرافق وامْسَحُوا برؤوسِكُم وأَرْجُلكم إلى الكعبين وإنْ كُنتم جُنُباً فاطَّهَّروا… الآية 6 من سورة المائدة.

3- عن خولة بنت حكيم قالت «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة تحتلم في منامها فقال : إذا رأت الماء فلْتغتسل» رواه النَّسائي وأحمد. وروى النَّسائي ومسلم عن أنس «أنَّ أم سُلَيم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل قال: إذا أنزلت الماء فلْتغتسل».

4- عن عليٍّ رضي الله عنه قال «سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المذي؟ فقال: مِن المذي الوضوء ومِن المني الغُسل» رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. ورواه النَّسائي وأبو داود. ولفظ النَّسائي «قال : كنت رجلاً مذَّاء فسألتُ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إذا رأيت المذي فتوضأ واغسل ذَكَرَك، وإذا رأيت فضخَ الماء فاغتسل».

5- عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا جلس بين شُعَبها الأربع ومس الختانُ الختانَ فقد وجب الغُسل»رواه مسلم وأحمد. ورواه الترمذي ولفظه «إذا جاوز الختان الختان وجب الغُسل» وقال: حديث حسن صحيح.

الآيتان الكريمتان قد ذكرتا الغُسل من الجنابة صلى الله عليه وسلم ولا جُنُباً إلا عابِري سبيلٍ حتى تغتسِلوا، صلى الله عليه وسلم وإنْ كنتم جُنُباً فاطَّهَّرواصلى الله عليه وسلم وجاءتا بإجمالٍ دون تفصيل، والأحاديث جاءت مُجملة ومفصلة، فحديثا خولة وأم سُلَيم ذكرا الاحتلام مع الإنزال للرجل وللمرأة، وحديث علي بروايتيه ذكر إنزال المني مطلقاً دون تقييده بجماعٍ، أو احتلامٍ أو يقظةٍ دون جماع، وحديث عائشة ذكر مسَّ الختان للختان ومجاوزة الختان للختان، وهذا في الجماع دون ذكر الإنزال.

فهذه الأحاديث الشريفة قد ذكرت الأنواع التي تشكِّل الجنابة، فالجنابة تكون بالتقاء الختانين - حديث عائشة - وتكون بالاحتلام مع نزول المني - حديثا خولة وأم سُلَيم - وتكون بنزول المني مطلقاً - حديث علي-. هذه هي الجنابة، وهذه هي الحالات الثلاث التي تحصل فيها الجنابة التي يجب منها الغسل، فلو تفكَّر رجل بامرأة أو نظر إليها، أو قبَّل زوجته فأمنى، فقد وجب عليه الغسل، ولو جامع زوجته فأمنى أو لم يُمن فقد وجب عليه الغسل، ولو احتلم فأمنى فقد وجب عليه الغسل وكلُّ ذلك جنابة.

وبالتدقيق نجد أن هذه الحالات يمكن دمجها في حالتين اثنتين فقط هما إنزال المني، وتغييب الحَشَفة في فرج الأنثى أو ما يسمى بمسِّ الختان الختان أو الإيلاج، فإنزال المني والإيلاج هما الحالتان الجامعتان للجنابة، وفيهما الغسل. فعن عائشة زوج النبي  قالت «أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجامع أهله ثم يُكْسِل هل عليهما الغسل؟ وعائشة جالسة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل» رواه مسلم. فهو نصٌّ صريح واضح في الإيلاج دون إنزال، وفيه الغسل بالنص.

أما ما يقوله بعضهم من أن الإيلاجَ أو الجماعَ أو مسَّ الختان للختان إذا كان دون إنزال فيكفي فيه الوضوء، ولا يجب منه الغسل، مستدلين على ذلك بحديث عثمان رضي الله عنه الذي رواه زيد بن خالد الجهني «أرأيتَ إذا جامع الرجل امرأته فلم يُمْنِ؟ قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره، قال عثمان: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألت عن ذلك علي ابن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وأبيَّ بن كعب رضى الله عنهم، فأمروه بذلك» رواه البخاري. وبالحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري قال «خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين إلى قُباء، حتى إذا كنا في بني سالم وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على باب عِتبان، فصرخ به فخرج يجرُّ إزاره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعجلنا الرجلَ، فقال عِتْبان : يا رسول الله أرأيت الرجل يُعْجل عن امرأته ولم يُمْنِ ماذا عليه؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما الماء من الماء» رواه مسلم. ومعنى «إنما الماء من الماء»: إنما الغسل من المني. فالرد عليه من وجوه:

1- إن حديث عائشة «ثم مسَّ الختان الختان فقد وجب الغسل» لم يذكر الإنزال، وأوجب الغسل من الجماع فحسب، ولو كان الإنزال واجباً لبيَّنه صلى الله عليه وسلم لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. وربما يقال إن هذا غير صريح ولا دلالة فيه، فنأتي لهم بحديث أبي هريرة «إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا جلس بين شُعَبها الأربع ثم جَهَدها فقد وجب عليه الغسل وإنْ لم يُنْزل» رواه مسلم وأحمد. وهو نصٌّ صريح الدلالة على ما نقول.

2- روى جابر عن أم كلثوم عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت «إن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجامع أهله ثم يُكْسل - أي يضعُفُ عن الإنزال - هل عليهما الغسل؟ وعائشة جالسة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل» وقد مرَّ ، فهذا نص صريح في الغسل من الجنابة بمجرد الجماع دون إنزال.

3- إن حديث «الماء من الماء» كان معمولاً به فترة ثم نُسخ لما يلي:

أ- عن أبيِّ بن كعب قال «إن الفُتيا التي كانوا يُفتون أن الماء من الماء كانت رخصة رخَّصها رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدء الإسلام ثم أمر بالاغتسال بعد» رواه أبو داود وأحمد. وفي لفظ «إنما كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام ثم نُهِيَ عنها» رواه ابن حِبَّان وابن ماجة وابن خُزَيمة. ورواه الترمذي وقال (هذا حديث حسن صحيح). وقال الإسماعيلي: هو صحيح على شرط البخاري.

وقد كان النسخ عقب فتح مكة لما روي عن الزًّهري قال «سألت عُروة عن الذي يجامع ولا يُنْزِل؟ قال : على الناس أن يأخذوا بالآخِر، والآخِر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم : حدثتني عائشة أن رسول الله  كان يفعل ذلك ولا يغتسل، وذلك قبل فتح مكة، ثم اغتسل بعد ذلك، وأمر الناس بالغسل» رواه ابن حِبَّان.

ب- عن أبي موسى قال «اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو من الماء، وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل، قال، قال أبو موسى: فأنا أشفيكم من ذلك، فقمت فاستأذنت على عائشة فأُذن لي، فقلت لها: يا أماه، أو يا أم المؤمنين، إني أريد أن أسألك عن شيء وإني أَستحييكِ، فقالت: لا تستحيي أن تسألني عما كنت سائلاً عنه أمك التي ولدتك، فإنما أنا أمك، قلت: فما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطت، قال رسول الله  : إذا جلس بين شُعَبها الأربع ومسَّ الختان الختان فقد وجب الغسل» رواه مسلم. فهذان حديثان صحيحان ينسخان الحكم المأخوذ من حديث «إنما الماء من الماء» وحديث عثمان عند البخاري.

وبذلك يظهر بوضوح لا لبس فيه أن قولهم إن الجماع دون إنزال لا يوجب الغسل هو خطأ بعد أن ثبت نسخُ دليلهم. وقد ذهب إلى ما نقول الخلفاء الأربعة وجمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم.

قال ابن عبد البر: إن بعضهم قال انعقد إجماع الصحابة على إيجاب الغسل من التقاء الختانين، وليس ذلك عندنا كذلك ، ولكنا نقول إن الاختلاف في هذا ضعيف، وإن الجمهور الذين هم الحجة على من خالفهم من السلف والخلف انعقد إجماعهم على إيجابِ الغسل من التقاء الختانين، أو مجاوزة الختان الختان، وأما القائلون بأن الإنزال فقط هو السبب لوجوب الغسل فهم أبو سعيد الخدري وزيد بن خالد وسعد ومعاذ ورافع ابن خديج وعمر بن عبد العزيز وداود الظاهري، ولا يبعد أن يكون هؤلاء الصحابة والتابعون لم يصلهم خبر النسخ. انتهى قوله.

7- والسنَّة في الغسل استعمال القليل من الماء لما رُوي عن سفينة قال «كان رسول

الله  يُغَسُّله الصاع من الماء من الجنابة ويوضِّئه المُدُّ» رواه مسلم. ولما رُوي عن أنس قال «كان النبي  يتوضأ بالمُدِّ ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمدادٍ» رواه مسلم وأحمد. ولما رُوي عن عائشة رضي الله عنها قالت «كنت أغتسل أنا والنبي  من إناء واحد من قدح يقال له الفَرق» رواه البخاري ومسلم وأحمد. والفرق ـ بتسكين الراء وفتحها - ستةَ عشرَ رطلاً بالعراقي. والمُدُّ: حفنة بكفَّي الرجل المتوسطتين. والصاع: أربعة أمدادٍ وهو خمسة أرطال وثلث بالعراقي، والمدُّ ربع ذلك وهو رطل وثلث. وهذا قول الحنابلة ومالك والشافعي وإسحق وأبي عبيد وأبي يوسف. أما أبو حنيفة فقال: الصاع ثمانية أرطال. ولسنا نريد الدخول في تفاصيل ليست بذات موضوع، لأن الأمر كله لأجل التقريب.

وباختصار نقول: بمعادلة هذه المكاييل بالمكاييل الحديثة نجد أن المُدَّ يعادل ربع لِتر تقريباً، والصاع يعادل حوالي اللتر الواحد. وبتقريب أكثر نقول إن المُدَّ يعادل حوالي سدس قارورة ماء من قوارير المياه المعدنية، وهذه الكمية تكفي للوضوء، في حين أن حوالي قارورة واحدة من الماء تكفي للغسل ، وهذا على رأي الحنابلة والشافعية والمالكية.

غير أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها روت الحديث «كنت أغتسل أنا والنبي  من إناء واحد من قدح يقال له الفَرق». وبما أن الفرق ستة عشر رطلاً، فيكون نصيب الواحد منهما ثمانية أرطال، وهو تقدير أبي حنيفة، وبمعادلتها بالمكاييل الحديثة نجد أن الأرطال الثمانية تعادل قارورة ونصف القارورة تقريباً، هي الكمية التي كان يستعملها الرسول  في غسله من الجنابة حسب حديث عائشة، وإذن فالغسل يكفي له من الماء ما بين قارورة واحدة وقارورة ونصف، ويكفي للوضوء سدس قارورة ماء فحسب.

وقد ذكرتُ هذه المكاييل والمقادير على وجه التقريب وذلك لعدم الحاجة لأكثر من ذلك وهذه المقادير لا يجب التقيد بها، وهي لم تُذكر إلا لمعرفة حدود الاعتدال في استعمال الماء للوضوء والغسل، واستعمال الماء باعتدال خير من تجاوزه بزيادة أو نقص سيما إن كانا كبيرين.

8- الترتيب في الغُسل مندوب ، ويدخل فيه من حيث الحكم غسل أعضاء الوضوء، فلا يجب الترتيب فيه ، لأنه جزء من الغسل وليس هو وضوءاً حتى يجب فيه الترتيب بل هو مندوب، فيُندب البدء بغسل الميامن قبل المياسر، لما روت عائشة رضي الله عنها قالت «أنْ كان رسولُ الله  ليُحب التَّيَمُّنَ في طهوره إذا تطهَّر، وفي ترجِّله إذا ترجَّل - وفي انتعاله إذا انتعل» رواه مسلم. ويبدأ برأسه أولاً ثم يُفيض الماء على سائر بدنه.

أمّا الموالاة فواجبة، وحدُّها أن يباشر بغسل العضو التالي قبل جفاف العضو السابق، أي يباشر بغسل التالي والبلل لا يزال في العضو السابق. ولا يعجبني قول من قال إن الموالاة لا تجب لأن الترتيب في الغُسل لا يجب، فاعتبروا الموالاة تابعة للترتيب. والصحيح أن الموالاة أمر مستقل عن الترتيب، فالترتيب في الغسل لا يجب كما يقول الجمهور، وهذا صحيح، لكن الموالاة لا بد منها وتظل واجبة، ولكن بالكيفية التي ذكرت، وإلا جاز للمسلم أن يغسل رأسه ويخرج من الحمام، ثم بعد ساعة يعود فيغسل صدره ثم يخرج، وهكذا حتى يفرغ من غسل جميع بدنه، وهذا كما لا يخفى ليس غُسلاً، بل لا بد من غسل العضو اللاحق قبل جفاف ماء العضو السابق حتى يصح اعتبار العملية كلها فعلاً واحداً هو الغسل وهذا لا يحتاج إلى نصٍّ، وإنما هو من باب تحقيق واقع ما يسمَّى غُسلاً.

9- هناك أمور بسيطة أودُّ ذكرها هنا تتميماً للبحث هي:

أ- يجوز للمسلم الاستعانة بغيره في الغسل، لما روت ميمونةُ رضي الله عنها زوجُ

النبي  قالت «أدنيتُ لرسول الله  غُسله من الجنابة …» رواه مسلم.

ب- يجوز للزوج وزوجته الاغتسال معاً من إناء واحد، لما روت معاذة عن عائشة رضي الله عنها قالت «كنت أغتسل أنا ورسول الله  من إناءٍ بيني وبينه واحدٍ، فيبادرني حتى أقول: دع لي، دع لي . قالت: وهما جنبان» رواه مسلم.

ج- لا يجوز لمسلم ولا لمسلمة الاغتسال على مرأى من الآخرين، لما روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله  قال «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يُفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تُفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد» رواه مسلم . ولما روى يعلى «أن رسول الله  رأى رجلاً يغتسل بالبَرَاز بلا إزار، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : إن الله عزَّ وجلَّ حَييٌّ سِتِّير يحب الحياء والسِّتر، فإذا اغتسل أحدكم فلْيستتر» رواه أبو داود والنَّسائي ورجاله رجال الصحيح. والبَرَاز : هو الفضاء الواسع الخالي من الشجر.

د- يجب حين البدء بالغسل أن ينوي رفع الحدث الأكبر، لما روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال «إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى …» رواه مسلم والبخاري.

هـ- إذا أجنب المسلم مرة ولم يغتسل، ثم أجنب ثانية أو ثالثة ولم يغتسل اغتسل مرة واحدة فحسب، ولا يجب عليه الاغتسال مرتين أو ثلاثاً بعدد المرات التي أجنب فيها، وذلك لما روى أنس «أن النبي  كان يطوف على نسائه بغُسل واحد» رواه مسلم وأحمد والنَّسائي. ورواه ابن حِبَّان ولفظه «أن رسول الله  كان يطوف على جميع نسائه في ليلة، ثم يغتسل غُسلاً واحداً».

و- يُسَنُّ للمغتسل أن يذكر اسم الله عند بدء الاغتسال، فيقول: بسم الله الرحمن الرحيم وهذه التسمية ليست بحاجة إلى دليل خاص بها، وإنما المسلم يسمى الله عند كل فعل ذي بال.

ز- إن قلَّم أظافره ونتف إبطه وحلق عانته وأخذ من شاربه وتسوَّك وتطيَّب عند غسله كان ذلك أبلغ في النظافة وكان جمع سُنناً إلى الفرض.

ح- لا يُجزئ في الوضوء والغسل سوى الماء دون سائر المانعات، خلافاً لإزالة النجاسات التي يجوز فيها غير الماء مما يصلح للإزالة. قال تعالى فلم تَجِدُوا ماءً فتيَمَّمُوا فالله سبحانه لم يتركنا نختار أي مائع عند فقد الماء، وإنما طلب منا حينذاك التيمُّمَ. وقد روى أبو ذر أن رسول الله  قال «إن الصعيد الطيب طَهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين ، فإذا وجد الماء فلْيُمِسَّه بشرته فإن ذلك خير» رواه الترمذي وقال: حسن صحيح . ورواه أحمد وابن ماجة. وهذا الحديث يفيد المعنى نفسه المستفاد من الآية الكريمة، فالوضوء والأغسال محصورة في استعمال الماء دون سائر السوائل والمائعات، فإن عدم الماء انتقلنا إلى التيمم بالتراب، وهذا القول لا أعلم أحداً قال بخلافه.

5- بخصوص نقض شعر الرأس: اختلفوا على مذاهب شتى. فقال الحسن وطاووس وأحمد: يجب النقض في الحيض دون غسل الجنابة، ورجَّح جماعة من أصحاب أحمد أن النقض في غسل الحيض هو للاستحباب، وكذلك النقض في غسل الجنابة. وقال ابن قُدامة (لا أعلم أحداً قال بوجوبٍ فيهما إلا ما رُوي عن عبد الله بن عمر) فأضاف ابن عمر إلى أصحاب هذا الرأي، وقال النووي (حكاه أصحابنا عن النخعي) يعني الوجوب، فأضاف النخعي اليهم.

وقد استدل هؤلاء على دعواهم بحديث عائشة «أن النبي  قال لها وكانت حائضاً: انقضي شعرك واغتسلي» رواه ابن ماجة بإسناد صحيح. وقال الجمهور بعدم وجوب النقض مطلقاً، واستدلوا على رأيهم بالحديثين الرابع والخامس، وهو الصحيح، وذلك لأن الحديث الرابع يقول «أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا» وهو منطوق في عدم النقض في غسل الجنابة. وقد وقع في بعض ألفاظ حديث أم سَلَمة قالت «قلت يا رسول الله: إني امرأة أشدُّ ضَفْرَ رأسي، أفانقضه للحيضة والجنابة؟ فقال: لا، إنما يكفيك أن تَحثي على رأسك ثلاث حَثَيَات ثم تُفيضين عليك الماء فتطهُرين» رواه مسلم. وهذا منطوق في عدم النقض بغسل الحيض أيضاً، وهذه الزيادة يتعين قبولها والمصير إليها، وهو صريح في نفي الوجوب.

ومثله ما روت عائشة رضي الله عنها «أن أسماء سألت النبي  عن غسل المحيض فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسِدْرتها فتَطَّهَّر فتُحسن الطُّهور ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكاً شديداً حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء … وسألته عن غسل الجنابة فقال: تأخذ ماء فتطَّهَّر فتحسن الطُّهور أو تبلغ الطُّهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤونَ رأسها، ثم تفيض عليها الماء …» رواه مسلم . فلم يطلب الرسول  منها أن تنقض شعرها في غسل المحيض وفي غسل الجنابة، ولو كان واجباً لطلبه. والحديث الخامس يقول «فلا عليها أن لا تنقضه» وهو منطوق أيضاً في عدم النقض، وهذا كله رد حاسم على من أوجبوا نقض شعر المرأة في غسل الجنابة وغسل المحيض.

أما القائلون بوجوب النقض فسندهم كما أسلفنا حديث عائشة المار ، وفيه «انقضي شعرك واغتسلي» فنرد عليهم بأن هذا الحديث لا يصلح للاحتجاج به على دعواهم، لأنه جاء في غير الموضوع الذي تكلموا عليه، فموضوعه غسل الحائض عند الإهلال بالحج، وقد رواه ابن ماجة مبتوراً، وتمامُه أن عائشة أحرمت بعمرة، ثم حاضت قبل دخول مكة، فأمرها الرسول الكريم  أن تنقض شعرها وتمتشط وتغتسل، وتُهِلَّ بالحج وهي ما زالت في حيضتها، فهذا الغُسل ليس غسل المحيض الذي تكلموا عليه، فلا يصلح لمعارضة حديث أم سَلَمة. فقد روى النَّسائي وأبو داود وأحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت «… فقدمتُ مكة وأنا حائض فلم أطُفْ بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله  فقال : انقضي رأسك وامتشطي وأَهِلِّي بالحج ودَعِي العُمرة …». فالحديث ينص على أنها تغتسل وهي حائض، وأن هذا الغسل إنما هو لأجل الإهلال بالحج، ومثله أو قريب منه ما روى أبو داود عن عائشة قالت «نُفِست أسماء بنت عُميس بمحمد بن أبي بكر بالشجرة، فأمر رسول الله  أبا بكر أن تغتسل فتُهِلَّ». فهو غُسلُ حجٍّ للنفساء وليس غُسلَ تطهُّر من النفاس.

وهذان الغسلان يُحملان على أنهما لأجل النظافة وأنهما مستحبان، فلا يصلحان للاحتجاج على ما ذهبوا إليه من وجوب النقض في غُسل المحيض. قال البيهقي بعد أن روى حديث عائشة الأول (وهي أن اغتسلت للإهلال بالحج وكان غُسلها غُسلاً مسنوناً، وقد أُمرت فيه بنقض رأسها وامتشاط شعرها، وكأنها أُمرت بذلك استحباباً كما أُمرت أسماء بنت عُميس بالغسل للإهلال على النفاس استحباباً).

أما ما رواه الطبراني في المعجم الكبير والدار قطني في الإفراد عن أنس قال: قال رسول الله  «إذا اغتسلت المرأة من حيضها نقضت شعرها وغسلته بخَطْمِيٍّ وأُشْنان، وإذا اغتسلت من جنابة صبت على رأسها الماء وعصرته» والخَطْمِيُّ - بفتح الخاء وسكون الطاء وتشديد الياء -: هو نبات يُدقُّ ورقه يابساً ويُغسل به الرأس. والأشنان -بضم أوله وكسره- هي مادة تُغسل بها الأيدي. فهذا الطلب يُحمل على أنه للاستحباب، لقرينةِ طلب الخطمي والأشنان، وهو طلب ندب لأجل النظافة، ولقرينة حديث أم سَلَمة القائل «إنما يكفيك».

ويدل أيضاً على عدم وجوب النقض ما رواه مسلم وأحمد «بلَغَ عائشةَ أن عبد الله ابن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن فقالت: يا عجباً لابن عمرو هذا، يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن، لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله  من إناء واحد، ولا أزيد على أن أُفرغ على رأسي ثلاث إفراغات» . فهذا الحديث ينص على أن ابن عمرو كان يأمر النساء بنقض الشعر دون تفريق بين حيض وجنابة، وجواب عائشة وإن كان في الجنابة إلا أنها أنكرت عليه مطلق قوله ولم تُقيده ولم تخصِّصه ، ولو كان النقض في الحيض واجباً لنوَّهت به ولَما أنكرت على ابن عمرو قوله كله. وهذا يدل على عدم وجوب نقض الشعر في غسل الحيض وغسل الجنابة.

ومثله في الدلالة الحديث المروي من طريق عائشة رضي الله عنها «أنَّ امرأة سألت

النبي  عن غُسلها من المحيض، فأمرها كيف تغتسل، قال: خذي فِرْصةً من مِسك فتطهَّري بها. قالت: كيف أتطهَّر؟ قال: تطهَّري بها. قالت: كيف؟ قال: سبحان الله تطهَّري، فاجتذبتُها إليَّ فقلت: تتبَّعي بها أثر الدم» رواه البخاري ومسلم وأحمد والنَّسائي. قوله الفِرصة: هي القطعة من كل شيء. فهذا الحديث يذكر صنفاً آخر من التنظيف عند الاغتسال من الحيض، وهو كغيره تنظيفٌ مستحب ليس غير. وما قلناه في نقض الشعر وتخليل شعر الرأس للرجل نقوله في تخليل شعر اللحية، فهو مندوب لما روى عثمان رضي الله عنه «أن النبي  كان يُخلل لحيته» رواه الترمذي وقال حسن صحيح. وهذا الحكم عام في الغسل وفي الوضوء، وهو رأي الإمام مالك.

أما الآخرون فقد فرقوا بين الوضوء والغسل ، فقال أبو حنيفة والشافعي والثوري وأحمد والأوزاعي والليث وإسحـق وأبو ثور وداود والطبري إن تخليل اللحية واجب في غسل الجنابة دون الوضوء، وهؤلاء استدلوا على رأيهم بما روى أبو هــريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله  «إن تحت كــل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأَنْقُوا البَشَر» رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة والبيهقي. وبما رُوي عن عليٌّ رضي الله عنه أن رسول الله  قال «من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها الماء فُعل بها كذا وكذا من النار. قال عليٌّ: فمن ثمَّ عاديت رأسي، وكان يجزُّ شعره» رواه الدارمي وأبو داود وأحمد.

وجوابنا على الحديث الأول قول راويه أبي داود (الحارث بن وجيه حديثه منكرٌ ، وهو ضعيف) وعلى الحديث الثاني إن الصواب وقفه على عليٍّ ، والحديث ضعَّفه النووي، وذكر ثلاثة ضعافاً في سنده. ثم إن حديث أم سلمة ردٌّ عليهم.

6- واختلفوا في الدلك وإمرار اليد على الجسد في الغسل، فذهب الإمام مالك إلى وجوب الدلك باليد إلى حيث تصل من بدنه، وبمثل قوله هذا في وجوب الدلك قال أبو العالية وعطاء ودليلهم قوله تعالى حتى تغْتَسِلوا وقالوا : لا يقال اغتسل إلا لمن دلك نفسه. وقال الحسن والنخعي والشعبي وحمَّاد والثوري والأوزاعي وإسحق وأصحاب الرأي والشافعي والحنابلة إنه لا يجب إمرار اليد على الجسد في الغسل والوضوء، وهو الصحيح، لأن الأحاديث الشريفة ذكرت إفاضة الماء، فحديث أم سَلَمة «ثم تُفيضين عليك الماء فَتَطهُرين» وليس فيه ذِكرُ الدلك، ثم إن الغسل لغة لا يتضمن الدلك يقال: غسل الإناء إذا صب عليه الماء وإن لم يُمِرَّ يده عليه، والسَّيل يُسمى غاسولاً، ويقال عـن الشيء: غسلته الأمطار إذا سقطت عليه. قال الشوكاني (لم نجد في كتب اللغة ما يُشْعِر بأن الدلك داخل في مسمَّى الغسل، فالجواب ما صدق عليه اسم الغسل المـأمور به لغة، اللهم إلا أَنْ يقال حديث «بلُّوا الشعر وأنقوا البشر» - على فرض صحته - مُشعرٌ بوجوب الدلك لأن الإنقاء لا يحصل لمجرد الإفاضة. ولا يقال إذا لم يجب الدلك لم يبق فرق بين الغسل والمسح، لأنَّا نقول إنَّ المسح هو الإمرار على الشيء باليد يصيب ما أصاب ويخطيء ما أخطأ فلا يجب فيه الاستيعاب بخلاف الغسل فإنه يجب فيه الاستيعاب).

تفصيلات تتعلق بالغسل

1- اختلف العلماء في موضوع الوضوء أو ما سُمِّي بالوضوء للصلاة الوارد في حديث عائشة الأول، هل هو وضوءٌ مستقل أم هو جزء من الغسل، اختلفوا على رأيين: فذهب أبو ثور وداود إلى أن الوضوء مستقل، وأوجبوا على المسلم أن ينوي له نية رفع الحدث الأصغر ، ثم إذا أفاض الماء على رأسه وبدنه نوى رفع الحدث الأكبر، أي هم أوجبوا عليه نيتين لفعلين أحدُهما مستقلٌّ عن الآخر.

وذهب سائر العلماء إلى أن أفعال الوضوء ليست مستقلة عن أفعال الغسل ، ولذا أوجبوا لهما نية واحدة. وتردد ابن حجر في هذه المسألة فقال (يُحتمل أن يكون الابتداء بالوضوء قبل الغسل سُنَّة مستقلة بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء مع بقية الجسد، ويحتمل أن يكتفي بغسلها في الوضوء عن إعادته ، وعلى هذا فيحتاج إلى نية غسل الجنابة في أول عضو، وإنما قدم غسل أعضاء الوضوء تشريفاً لها ولتحصل له صورة الطهارتين الصغرى والكبرى) .

والذي أرجِّحه هو أنه لا يلزمه إلاَّ نيَّة واحدة فحسب، وهي تُستحضر عند غسل أول عضو من البدن، وأن ما سمته عائشة وضوءاً وجاءت ميمونة على ذكره فليس هو الوضوء المعروف، لأن الوضوء المعروف فيه مسح الرأس، وهذا الذي يسمونه وضوءاً لا مسح للرأس فيه كما يظهر في جميع الأحاديث، وهو ما تمسك به الإمام مالك، ثم إنَّ رواية ميمونة ذكرت غسل الرجلين بعد إفاضة الماء على البدن، وبذلك فصلت أعمال الوضوء بعضها عن بعض، وهذا أمرٌ لا يرد في الوضوء، ولا يرد إلا في الغسل.

لهذه الفروق أقول إن ما سمَّته عائشة وضوءاً هو سُنة من سنن الغُسل، وإن هذه السُّنَّة لا مسح للرأس فيها، ولا موالاة بين أجزائها، ودخلت تحت غسل الجنابة كجزءٍ مسنون منه ، وكل ما في الأمر أن سُنَّة الغسل تشابهت في معظمها مع أعمال الوضوء.

وأزيد فارقاً آخر هو أن من يفعل هذه السنَّة لا يجب حين يفيض الماء على جميع بدنه أن يُفيض الماء على ما غسل من أعضاء الوضوء أو أعضاء هذه السُّنة، وتُجزئه إفاضة الماء على ما سواها من أعضاء البدن.

وربما كانت الدقة والوضوح أن يقال: يبدأ المغتسل بمواضع الوضوء بدل أن يقال: يبدأ بالوضوء، يدل على ذلك مــا رواه البخــاري ومسلم وأهل السنن عــن أم عطيــة قالت: قال النبي  لهنَّ في غسل ابنته «ابدأْنَ بميامنِها ومواضعِ الوضوء منها». وهذا قول منه ، قاله لمن كنَّ يغسلن إحدى بناته عند وفاتها، في حين أن جميع الروايات التي ذكرت الوضوء هي أقوال صحابة، وقول الرسول الله  هو الحجة. ولقد أفرد البخاري باباً سماه (من توضأ في الجنابة ثم غسل سائر جسده، ولم يُعِد غسل مواضع الوضوء منه مرة أخرى) .

2- اختلف العلماء في تكرار الغسل للبدن، فقال بعضهم يُستحب ذلك قياساً على غسل الرأس ثلاثاً، وقال بعضهم لا يُستحب ذلك وهو الصحيح ، لأنه لم تُنقل أية رواية صحيحة أو حسنة أنه  قد أفاض الماء على جسده أكثر من إفاضة واحدة، في حين أن رواياتٍ صحيحةً عديدةً ذكرت إفاضة الماء على الرأس ثلاثاً، ما يدلُّ على المغايرة بين الإفاضتين، فالسُّنة غسل الرأس ثلاثاً، وغسل سائر الجسد مرة واحدة.

3- اختلف الأئمة في موضوع غُسل الرِّجْلين على رأيين، فقال الشافعي إنَّ غسل الرجلين قبل إفاضة الماء على الرأس أفضل حتى يكتمل الوضوء أولاً ويتصل بعضه ببعض، واستدلَّ بحديث عائشة الأول. وقال الجمهور إن غُسل الرجلين في نهاية الغُسل أفضل، لأن قول ميمونة صريح في ذلك، وحتى قول عائشة في الحديث الأول فإنه يذكر تأخر غسل الرجلين. وقال بعض علماء المالكية بتأخير غسل الرجلين إن كان الموضع وسخاً، قاله ابن الحاجب وغيره. وقال الأحناف إنْ كان في مستنقع أَخَّر رجليه وإلا فلا، فالتقى بعضُ المالكية مع الأحناف على أن علَّة تأخير غسل الرجلين هي النظافة.

والصواب هو أن الحديث الذي روته عائشة، والحديث الذي روته ميمونة بل وجميع الأحاديث الواردة في الغسل لم تأت على ذكر النظافة أو المستنقعات، فهذه إضافة أضافوها من عند أنفسهم، ذلك أن الأحاديث قد أخرت غسل الرجلين نصاً، فهو منطوق، والأحاديث التي لم تذكر ذلك كان تقديم غسل الرجلين فيها مفهوماً محتملاً، والمنطوق يُقدَّم على المفهوم المحتمل، وإذا وجد النص وجب المصير إليه والوقوف عنده، ولا يصح القول بما يخالفه.

وقد يقال إن حديث عائشة ذكر الوضوء في أول الغسل ولم يستثن غسل الرجلين، ثم ذكر غسل الرجلين في آخر الغسل، فصار المطلوب غسل الرجلين مرتين: مرة في الوضوء، وأخرى في نهاية الغسل، فنقول: كلا، لأن حديث ميمونة ذكر المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه وغسل اليدين فقط، ولم يذكر مسح الرأس كما لم يذكر غسل الرجلين، وحديث ميمونة الثامن في إحدى رواياته جاء أصرح من حديثها الثاني حين قال «يتوضأ رسول الله  وضوءه للصلاة غير رجليه». بل إن عائشة في الحديث السادس ذكرت المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه واليدين ولم تذكر مسح الرأس ولا غسل الرجلين، تماماً كما ذكرت ميمونة ، ما يدل على أن غسل الرجلين لا يُطلب منا مرتين، وليس في الأحاديث إلا غسلهما مرة واحدة وفي نهاية الغسل فقط. إذن فالواجب حمل الحديث الأول على الأحاديث الأخرى، والقول بغسل الرجلين فقط في نهاية الغسل.

4- ورب قائل يقول إن صفة الغسل هي كالآتي: يغسل يديه أولاً ويغسل أعضاء الوضوء المذكورة ثانياً ثم يغسل فرجه، ثم يُفيض الماء على رأسه وسائر بدنه، أي يؤخر غسل الذَّكَر أو الفرج إلى ما بعد الوضوء أو ما يسمى بالوضوء، ويستدل على ذلك بحديث رواه ابن عباس عن ميمونة زوج النبي  قالت «توضَّأ رسول الله  وضوءه للصلاة غير رجليه، وغسل فرجه وما أصابه من الأذى، ثم أفاض عليه الماء، ثم نحَّى رجليه فغسلهما، هذا غُسله من الجنابة» رواه البخاري. فهذا الحديث ذكر غسل الفرج عقب الوضوء.

فنرد عليه بأنَّ في هذا الحديث تأخيراً وتقديماً، وأنَّ الواو في هذا الحديث لا تفيد الترتيب، وذلك لأنَّ الأحاديث الصحيحة المارة ذكرت غسل الفرج قبل الوضوء، وكذلك الحديث الآتي الذي رواه ابن عباس عن ميمونة رضي الله عنها قالت «سترتُ النبي  وهو يغتسل من الجنابة فغسل يديه، ثم صبَّ بيمينه على شماله فغسل فرجه وما أصابه، ثم مسح بيده على الحائط أو الأرض، ثم توضأ وضوءَه للصلاة غيرَ رجليه، ثم أفاض على جسده الماء، ثم تنحَّى فغسل قدميه» رواه البخاري. وله من طريقها روايات عديدة تجدون أربعاً منها في البند الثامن، وكلها باستثناء هذه الرواية تجعل غسل الفرج قبل غسل أعضاء الوضوء، فيُعمل بالروايات العديدة، وتُحمل هذه الرواية عليها. وعلى أية حال فنحن نتحدث هنا عن مندوبات الغسل، لأن الترتيب في الغسل مندوبٌ وليس بواجب. فمن شاء الإتيان بالمندوب جاء بالغسل مرتباً كما ورد في الأحاديث.

الفصـل الثامـن - الغُســــل

الغُسل بالضم اسم للاغتسال، والماء الذي يُغتسل به، وبالفتح المصدر، وحقيقة الغُسل جريان الماء على الأعضاء دون الحاجة إلى الدلك. وقد جاء الأمر به في القرآن الكريم، قال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تَقْرَبوا الصَّلاةَ وأَنتم سُكَارى حتى تَعلَمُوا ما تَقُولُون ولا جُنُباً إلا عابِري سبيلٍ حتى تَغْتَسِلوا الآية 43 من سورة النساء. كما جاءت الأحاديث تأمر به وتبيِّن صفته وكيفيته.

صفة الغُسل
وردت في صفة الغسل الأحاديث التالية:

1- عن عائشة رضي الله عنها قالت «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يُفرغ بيمينه على شماله فيغسل فَرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء فيُدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أنه قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه» رواه مسلم والبخاري. وفي روايةٍ للبخاري «… ثم يخلِّل بيده شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات …».

2- عن ميمونة رضي الله عنها قالت «وضعتُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ماء يغتسل به، فأفرغ على يديه فغسلهما مرتين أو ثلاثاً، ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل مذاكيرَه، ثم دلك يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ويديه، وغسل رأسه ثلاثاً، ثم أفرغ على جسده، ثم تنحَّى من مقامه فغسل قدميه» رواه البخاري ومسلم. وفي روايةٍ للبخاري عن ميمونة رضي الله عنها «… قالت : فأتيته بخِرقة فلم يُرِدْها، فجعل ينفض بيده». وفي روايةٍ لمسلم «… ثم أتيته بالمنديل فردَّه».

3- عن عائشة رضي الله عنها قالت «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتوضأ بعد الغسل» رواه النَّسائي وأبو داود وأحمد وابن ماجة. ورواه التِّرمذي وقال: حسن صحيح.

4- عن أم سلمة رضي الله عنها قالت «قلت يا رسول الله إني امرأة أشدُّ ضَفْرَ رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تُفيضين عليك الماء فتطهرين» رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي.

5- عن ثوبان أنهم استفتَوْا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك - يعني الغسل من الجنابة - فقال «أما الرجل فلْينشر رأسه فلْيغسله حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقضَه، لتغرف على رأسها ثلاث غَرَفات بكفَّيها» رواه أبو داود بسند قوَّاه الشوكاني.

6- عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها أنها وصفت غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجنابة، وفيه «… ثم مضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وذراعيه ثلاثاً، ثم صبَّ على رأسه وجسده الماء، فإذا فرغ غسل قدميه» رواه البيهقي وصححه ابن حجر.

7- عن أبي سلمة قال «دخلت أنا وأخو عائشة على عائشة فسألها أخوها عن غسل النبي صلى الله عليه وسلم، فدعت بإناءٍ نحوٍ من صاع فاغتسلتْ وأفاضتْ على رأسها ، وبيننا وبينها حجاب» رواه البخاري.

8- عن ابن عباس رضي الله عنه قال : قالت ميمونة «وضعتُ للنبي صلى الله عليه وسلم ماء للغسل فغسل يديه مرتين أو ثلاثاً، ثم أفرغ على شماله فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق، وغسل وجهه ويديه ثم أفاض على جسده، ثم تحول من مكانه فغسل قدميه» رواه البخاري . وفي رواية أخرى له عنها «توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوءَه للصلاة غير رجليه، وغسل فرجه وما أصابه من الأذى، ثم أفاض عليه الماء، ثم نحَّى رجليه فغسلهما…». وفي رواية ثالثة له عنها «أفرغ بيمينه على يساره فغسلهما ثم غسل فرجه، ثم قال بيده الأرض فمسحها بالتراب ثم غسلها ثم تمضمض واستنشق، ثـم غسل وجهه وأفاض على رأسه، ثم تنحَّى فغسل قدميه…». وفي رواية رابعة له عنها «فصبَّ على يـده فغسلها مـرة أو مرتين، ثم أفرغ بيمينه على شمـاله فغسل فرجه، ثم دلك يده بالأرض أو بالحائط، ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهـه ويديه، وغسل رأسه ثم صبَّ على جسده، ثم تنحى فغسل قدميه..».

9- عن عائشة رضي الله عنها قالت «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحِلاب فأخذ بكفِّه، بدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه » رواه مسلم والبخاري . قوله الحِلاب: أي إناءٌ يُحلَب فيه. وبالنظر والتدقيق في هذه الأحاديث التسعة يتبين أن الغسل منه ما هو مُجْزِئ ومنه ما هو أعلى وأكمل، وكلاهما مشروع.

الغُسل المُجْزئ

أما الغسل المُجزئ فهو كالتالي: ينوي المغتسل رفع الحدث الأكبر، ثم يفيض الماء على رأسه، ثم على سائر بدنه، يفعل ذلك مرة واحدة.

وقد استُخلِص هذا الغسل من الأدلة الآتية:

أ- حديث «إنما الأعمال بالنية» وقد مرَّ في أول الكتاب، وهو صالح لإثبات النية لكل عبادة ومنها الوضوء والغسل.

ب- حديث ميمونة برواياته المتعددة :

1- «ثم أفاض على جسده» ولم يذكر عدداً ، ولم يذكر الرأس ، فيدخل غسل الرأس في غسل الجسد ويأخذ حكمه وصفته.

2- «ثم أفاض عليه الماء» ولم يذكر الجسد ولم يذكر عدداً ، فدلَّ على أن الرأس وسائر الجسد شيء واحد.

3- «وأفاض على رأسه» فذكر الإفاضة على الرأس، ولم يذكر الجسد ولم يذكر عدداً ، فدل على أن الرأس له حكم الجسد ، والجسد له حكم الرأس.

4- «وغسل رأسه ثم صب على جسده» فذكر غسل الرأس وصبَّ الماء على الجسد، ولم يذكر عدداً. وإذن فإن إفاضة الماء إنما تكون على الرأس وعلى سائر الجسد دون تحديد عدد.

ج- حديث أم سَلَمة الرابع «ثم تُفيضين عليك الماء فتطهرين» ولم يذكر غسل الرجلين أو تنحيتهما، فدل على أن ذلك يدخل في غسل البدن، ودل حديث ميمونة برواياته المتعددة على أن غسل الرأس ثلاثاً الوارد في أحاديث أخرى لا يجب.

وحيث أن الغسل المُجزئ هو الغسل الأدنى، أي هو الذي يتضمن ما يجب في الغسل فقط دون زيادات وإضافات مسنونة، فإن هذه الأحاديث الثلاثة قد أتت على أدنى الغسل، وبالتالي تبين منها أن الغسل المُجزئ هو: النية، وغسل الرأس مرة، وغسل سائر البدن مرة فقط، دون أية إضافة أخرى، فمن أتى به فقد أزال الجنابة وجازت له به الصلاة ومسُّ المصحف والطواف دون أن يحتاج معه إلى وضوء، يدل على ذلك حديث عائشة الثالث «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتوضأ بعد الغسل».

ورب قائل يقول : إن الأحاديث في عمومها ذكرت غسل الرأس ثلاثاً والبدن مرة، فلِمَ لا يكون غسل الرأس ثلاثاً هو المُجزئ، سيما وأن حديث أم سلمة يقول «إنما يكيفك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تُفيضين عليك الماء فتطهُرين» فأدخل غسل الرأس ثلاثاً في الغسل الذي وُصف بالكفاية، بمعنى أن ما هو أقل منه غير كافٍ؟ والجواب هو أن حديث عائشة التاسع يقول «فأخذ بكفه بدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأسر ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه» فهو يبين بشكل صريح أن الجزء الواحد من الرأس لم يغسل ثلاثاً، لأن ما أُفيض من الماء على ميمنة الرأس لم يصب الميسرة، وهذا ينفي وجوب غسل الرأس ثلاثاً ، وبالتالي يفهم منه أن التثليث غير واجب . هذا هو الغسل المُجزئ.

الغُسل الأكمل

أما الغسل الأكمل فصفته أو كيفيته كما يلي: ينوي رفع الحَدَث الأكبر، ثم يسمِّي الله، ثم يغسل يديه ثلاثاً، ثم يغسل فرجه، ثم يتمضمض ثلاثاً، ثم يستنشق ثلاثاً، ثم يغسل وجهه ثلاثاً، ويخلل لحيته، ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاثاً، ثم يخلل شعر رأسه حتى يبلغ البلل أصول الشعر ، ويصب الماء على رأسه ثلاثاً، ثم يفيض الماء على سائر بدنه مرة واحدة ، ثم يغسل رجليه. وبذلك يرتفع الحدث الأكبر، ويكون قد اغتسل أفضل غسل وأكمله. هذا الغسل حوى واجبات الغسل وسننه كلها، لذا فإن المسلم يُندب له أن يغتسل هذا الغسل، وإذا اختار أحدٌ هذا الغسل ولكنه فعله مرة واحدة فإنه يكون قد أتى بغسلٍ أدنى من الأكمل وأعلى من المُجزئ.

والمرأة في الغسل كالرجل ، إلا أن الرجل يُندب له أن يخلل شعر رأسه ولا يُندب ذلك للمرأة، فحديث أم سلمة الرابع يقول «أفأنقضه لغسل الجنابة ؟ قال: لا» فقوله عليه الصلاة والسلام «لا» يدل على أن النقض غير واجب وغير مستحب.

غُسل من غسَّل ميتاً

وردت فيه الأحاديث التالية:

1- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من غَسَّل مَيْتاً فلْيغتسل، ومن حمله فلْيتوضأ» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حِبَّان والبيهقي.

2- عن عبد الله بن الزُّبير عن عائشة أنها حدَّثته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «يُغتَسَلُ من أربع: من الجنابة ويوم الجمعة وغُسل الميت والحِجامة» رواه ابن خُزَيمة والبيهقي وأبو داود.

3- عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من غسَّل ميتاً فلْيغتسل» رواه أحمد وأبو داود والبيهقي وابن ماجة. ورواه التِّرمذي وحسنه. وصحَّحه ابن حزم.

4- عن ابن عباس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليس عليكم في غُسل ميتكم غُسل إذا غسَّلتموه، إنه مسلم مؤمن طاهر، وإن المسلم ليس بنجس، فحسبُكم أن تغسلوا أيديكم» رواه البيهقي.

5- عن عبد الله بن أبي بكر «أنَّ أسماء بنت عُمَيس غَسَّلت أبا بكر الصِّدِّيق حين توفي، ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين فقالت: إني صائمة وإنَّ هذا يوم شديد البرد، فهل عليَّ مِن غُسل؟ فقالوا : لا» رواه مالك .

6- عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال «دخل علي بن أبي طالب على رسول الله ، فأخبره بموت أبي طالب، فقال : اذهب فاغسله، ولا تُحْدِثنَّ شيئاً حتى تأتيني، فغسلته وواريته ثم أتيته، فقال: اذهب فاغتسل» رواه البيهقي.

7- عن ابن عمر رضي الله عنه قال «كنا نغسل الميت فمنَّا مَن يغتسل ومنَّا من لا يغتسل» رواه البيهقي والخطيب. وصححه ابن حجر.

وقد اختلف الأئمة في حكم الاغتسال من غسل الميت، فذهب علي وأبو هريرة في رواية عنهما، وابن حزم إلى وجوب الاغتسال. وذهب مالك وأحمد وأصحاب الشافعي إلى أن الاغتسال مُستحبٌّ، وذهب أبو حنيفة والليث إلى أن الاغتسال لا يجب ولا يُستحب.

وقبل أن نعمد إلى استنباط الحكم، لِننْظُر في هذه النصوص حتى نتبين الصالح منها للاستدلال من غير الصالح . الحديث الأول قال فيه البيهقي (قال البخاري: إن أحمد بن حنبل وعلي بن عبد الله قالا لا يصح في هذا الباب شيء)، وقال (هو الصحيح موقوفاً على أبي هريرة كما أشار إليه البخاري). والحديث الثاني ضعَّفه أحمد بن حنبل والبخاري وأبو داود. والحديث الرابع رواه البيهقي من طريقين، وقال عن إحداهما (لا يصح رفعه)، وقال عن الأخرى (هذا ضعيف). والحديث السادس ضعَّفه البيهقي، فقد قال (فيه علي بن أبي علي اللهبي، ضعيفٌ جرَّحه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وجرَّحه البخاري وأبو عبد الرحمن النَّسائي). وإذن فإن الأحاديث: الأول والثاني والرابع والسادس ضعيفة ، فتسقط عن مرتبة صلاحها للاستدلال، فيبقى عندنا الحديث الثالث والحديث الخامس والحديث السابع.

أما الحديث الثالث فيقول «من غسَّل ميتاً فلْيغتسل» فهو يأمر بالاغتسال، والأمر يفيد مجرد الطلب، والقرينة هي التي تحدِّد أياً مِن أنواع الطلب هو المقصود، وليس في هذا الحديث قرينة، ولكننا نجد القرينة في الحديث الخامس والحديث السابع. أما الخامس فإن عدداً من الصحابة المهاجرين أفتَوْا زوجة أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنهما بأنه لا غُسل عليها من تغسيل الميت، وقد أفتَوْها بعد أن قالت «إني صائمة وإن هذا يومٌ شديد البرد» وهذا الجواب من الصحابة ينفي وجوب الغُسل. وأما السابع فهو أن ابن عمر قال «منا من يغتسل ومنا من لا يغتسل» وهذا الفعل من أصحاب رسول الله  ينفي أيضاً وجوب الغسل، فلا يبقى أمامنا إلا الإباحة وإلا الندب فحسب. وحيث أن الغُسل مندوب لأنه تنظيف، فإن قوله عليه الصلاة والسلام «مَن غسَّل ميتاً فلْيغتسل» يجعله يُحمَل على الندب والاستحباب، والمندوب يصح تركه، وهذا ما يفسر ترك ناس من الصحابة لهذا الغسل، وما يفسر فتواهم لامرأة أبي بكر - وكانت صائمة وكان اليوم آنذاك شديد البرد - بأن لا غُسل عليها. ومن ذلك يترجح رأي مالك وأحمد والشافعية القائل بالاستحباب.

غُسل الإحرام ودخول مكة

وردت فيه الأحاديث التالية:

1- عن زيد بن ثابت «أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم تجرَّد لإهلاله واغتسل» رواه التِّرمذي وحسَّنه. ورواه أيضاً الدار قطني والبيهقي والطبراني.

2- عن عائشة رضي الله عنها قالت «نُفِسَتْ أسماءُ بنتُ عُمَيس بمحمد بن أبي بكر بالشجرة فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن تغتسل فتُهلَّ» رواه أبو داود وابن ماجة ومالك ومسلم. ولمسلم وابن حِبَّان وابن ماجة من طريق جابر بلفظ «… فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحُلَيْفة، فولدت أسماءُ بنتُ عُمَيس محمدَ بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أصنع؟ قال: اغتسلي واستثْفِرِي بثوبٍ وأَحْرِمي … » قوله استثفري : أي تحفَّظي بخِرقة قماش لمنع نزول الدم.

3- عن نافع «أن ابن عمر كان لا يَقْدم مكة إلا بات بذي طُوى حتى يصبح ويغتسل ثم يدخل مكة نهاراً، ويَذْكُر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله» رواه مسلم وأحمد وأبو داود. ورواه البخاري ولفظه «كان ابن عمر رضي الله عنه إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طوى ثم يصلي به الصبح ويغتسل، ويحدِّث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك» وذو طوى : هو موضع في مدخل مكة تُفتَح طاؤُه أو تُضمُّ أو تُكْسر.

قال ابن المنذر (الاغتسال عند دخول مكة مستحبٌّ عند جميع العلماء) وبه أقول. وإنما قلت بالغُسل عند دخول مكة والإحرام معاً، لأن الأصل في المسلم أن يدخل مكة مُحْرِماً وليس دون إحرام، ولكن إن دخلها دون إحرام فالمستحب له أيضاً الاغتسال، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم اغتسل لدخول مكة عام الفتح وهو حَلالٌ يُصيب الطِّيب، ذكر ذلك الشافعي في الأم. وروى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما «أنه كان يغتسل إذا دخل مكة ويأمرهم بذلك» رواه ابن أبي شيبة. وإنَّ أوضحَ دليلٍ على استحباب الغُسل هو الحديث الثاني إذ فيه الطلب من أسماء أن تغتسل رغم أنها نُفَسَاء وهذا وحده كافٍ للاستدلال على استحباب غُسل الإحرام ودخول مكة ، وما سواه فدونه في الدلالة.

غُسل مَن أُغمي عليه

ورد فيه الحديث الطويل الآتي: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال «دخلتُ على عائشة فقلت: ألا تُحدِّثيني عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: بلى، ثَقُل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أَصلَّى الناسُ؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك، قال: ضَعوا لي ماء في المِخْضَب، قالت: ففعلنا، فاغتسل فذهب لينوءَ فأُغميَ عليه، ثم أفاق فقال صلى الله عليه وسلم: أَصَلَّى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، قال : ضعوا لي ماءً في المِخْضَب قالت : فقعد فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأُغمي عليه، ثم أفاق فقال: أصلَّى الناسُ؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، فقال: ضعوا لي ماءً في المِخْضَـب، فقعد فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأُغمي عليه ثم أفاق فقال: أصلَّى الناس؟ فقلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله - والناس عكوفٌ في المسجد ينتظرون النبي عليه السلام لصلاة العشاء الآخرة - فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر بأن يُصلِّي بالناس …» رواه البخاري ومسلم. وروى أحمد والنَّسائي والدارمي وابن خُزَيمة هذا الحديث باختلاف في الألفاظ. قوله المِخْضَب: أي الإناء الذي تُغسل فيه الثياب. وقوله ينوء: أي ينهض بجهد ومشقة.

هذا الحديث يفيد مشروعية غسل من أفاق من إغماء، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم رغم مرضه الشديد قد اغتسل ثلاث مرات عقب إغماءاته الثلاث المتتالية، فدلَّ حرصه على الاغتسال مع وجود المشقة على مشروعيته.

أما أن هذا الاغتسال سُنة وليس فرضاً فلِما روى ابنُ خُزَيمة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه «صُبُّوا عليَّ من سبع قرب لم تُحْلل أَوكِيَتُهُنَّ لَعلِّي أستريح فأعهد إلى الناس، قالت عائشة: فأجلسناه في مِخْضَبٍ لحفصة من نحاس، وسكبنا عليه الماء منهن، حتى طفق يُشير إلينا أن قد فعلتنَّ، ثم خرج» فقوله عليه الصلاة والسلام «لعلِّي أستريح» يدل على القصد من اغتساله، وأنه بالتالي لم يكن اغتسالَ فرضٍ واجب.

الحديث الأول صحيح، والحديث الثاني سُئل أحمد عنه وعن الحديث الثالث فقال: حديث علي أثبت وأقوى. وقال الجوزجاني: واهٍ . والحديث ضعَّفه أبو زُرعة وأبو حاتم. ولكن المنذري وابن الصلاح والنووي حسَّنوه. ودافع ابن حجر عنه. فالحديث حسن يصلح للاحتجاج، خاصة إذا علمنا أن تضعيف أبي زُرعة له آت من قوله إن عبد الرحمن بن عائذٍ لم يسمع من عليٍّ، وهو قول ردَّه ابن حجر. والحديث الثالث ضعيف، لأن في إسناده بقية عن أبي بكر بن أبي مريم وهو ضعيف، فالحديث لا يصلح للاحتجاج. والحديث الرابع صحيح. والحديث الخامس أيضاً صحيح. والحديث السادس ضعَّفه أحمد والبخاري وأبوداود وإبراهيم الحربي والترمذي، وقال البيهقي (تفرَّد به أبو خالد الدالاني وأنكره عليه جميع أئمة الحديث، وأنكروا سماعه من قتادة) وقال ابن حِبَّان (لا يجوز الاحتجاج به) فالحديث ضعيف فيترك. والحديث السابع تفرَّد به بحر بن كنبز وهو ضعيف، ولا يُحتج بروايته، قاله البيهقي. فالحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج. والحديث الثامن قال عنه الحافظ ابن حجر (إسناده جيد وهو موقوف) وقال البيهقي (هذا موقوف) أي ليس بحديث مرفوع، أي ليس بدليل، لأن أقوال الصحابة وأفعالهم وإن جاز تقليدها واتِّباعُها إلا أنه لا يجوز اعتبارها أدلة. والحديث التاسع موقوف على أبي هريرة، فلا يصلح دليلاً هو الآخر. فيبقى عندنا الحديث الأول والثاني والرابع بألفاظه الأربعة، والخامس برواياته الثلاث، وندع الأحاديث الأخرى وهي الثالث والسادس والسابع والثامن والتاسع.

والآن لنستعرض الأحاديث التي ترجح لدينا صلاحها للاحتجاج فنقول: الحديث الأول فيه «ولكن من غائط وبول ونوم» والحديث الثاني فيه «فمن نام فليتوضأ» والحديث الرابع لفظ مسلم فيه «فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمه أُذني» ولفظ البخاري فيه «ثم اضطجع ـ أي رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ فنام حتى نفخ ثم أتاه المنادي فآذنه بالصلاة، فقام معه إلى الصلاة فصلى ولم يتوضأ» ومثله لفظ مسلم. ولفظ البخاري الثاني «ثم نام حتى سمعت غطيطه أو خطيطه ثم خرج إلى الصلاة» والحديث الخامس فيه «ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضأون» واللفظ الآخر «يُوقَظون للصلاة، حتى إني لأسمع لأحدهم غطيطاً ثم يصلون ولا يتوضأون» واللفظ الثالث «كانوا يضعون جنوبهم، فمنهم من يتوضأ ومنهم من لا يتوضأ».

الحديثان الأول والثاني يدلان على أن النوم ينقض الوضوء، الأول بمفهومه والثاني بمنطوقه، والحديث الرابع ـ لفظ مسلم الأول ـ يدل على أن الإغفاء في أثناء الصلاة لا ينقض الوضوء، ووجه الاستدلال ظاهر. والحديث الخامس بلفظه الأول يدل على أن النوم في انتظار الصلاة لا ينقض الوضوء، وكذلك اللفظ الثاني ولكن بزيادة الغطيط، أي أن النوم الذي يصحبه غطيط في أثناء انتظار الصلاة لا ينقض الوضوء. وبجمع ألفاظ الحديث الخامس ولفظي البخـاري ومسلم في الحديث الرابع «ثم اضطجع» أقول إن النوم الذي يصحبه خفق الرؤوس والغطيط ووضع الجنوب والاضطجاع في انتظار الصلاة لا ينقض الوضوء.

والخلاصة هي أنه بينما جاء الحديثان الأول والثاني بأن النوم ينقض الوضوء، فقد جاء الحديث الرابع بألفاظه والخامس بألفاظه بأن النوم لا ينقض الوضوء وصاحب هذا النوم إغفاءٌ في أثناء الصلاة، أو خفق رؤوس وغطيط ووضع جنوب واضطجاع في انتظار الصلاة، والأحاديث كلها صحيحة أو حسنة، وإعمال الأدلة أولى من إهمالها أو إهمال أحدها أو بعضها، وهنا إعمال الأدلة ممكنه بل ظاهر، ولا حاجة بنا هنا إلى القول بالتعارض وعدم إمكان الجمع بينها.

وبإعمال الأدلة وبالتدقيق والتَّفحُّص نجد أن الأحاديث التي دلت على النقض أفادت مطلق النوم، والأحاديث التي أفادت عدم النقض جاءت مقيدة بحالة الصلاة وانتظار الصلاة، وإنما قلنا حالة ولم نقل حالتين ، لأن انتظار الصلاة صلاة كما جاء في الأحاديث، فعن أنس قال «أخَّر النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم صلى ثم قال: قد صلى الناس وناموا، أمَا إنكم في صلاة ما انتظرتموها» رواه البخاري ومسلم وأبو داود. وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه ما لم يُحْدث، اللهم اغفر له اللهم ارحمه، لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة» رواه البخاري ومسلم. وروى مسلم أيضاً من طريقه «… فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يُصلُّون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلَّى فيه يقولون: اللهم ارحمه اللهم اغفر له اللهم تُب عليه، ما لم يُؤْذ فيه، ما لم يُحْدِث فيه». فقد اعتبرت هذه الأحاديث انتظار الصلاة صلاة.

فانتظار الصلاة صلاة، ويعني ذلك أنها صلاة حكماً وليست فعلاً، فالصلاة المعهودة صلاة فعلاً، وانتظارُها صلاةٌ حكماً فكانتا حالة واحدة في الوصف، وجاءت أحاديث عدم النقض تسوِّي بين الصلاة حكماً والصلاة فعلاً، وتجعلهما شيئاً واحداً من حيث عدم نقض النوم للوضوء فيهما. وإذن فإن هذه الأحاديث قد استثنت النوم في حالة الصلاة من كونه ناقضاً، ويبقى النوم ناقضاً على عمومه وعلى إطلاقه. وعليه فإن النوم ينقض الوضوء لا شك في ذلك، ويستثنى منه النوم في حالة الصلاة. هذا هو الحكم الراجح المستفاد من الأحاديث.

وهنا نسجل ملاحظة لا بد منها هي أن النوم الناقض هو ما يستحق وصفه بالنوم، أما نوم الخفقة والخفقتين فقد عفى الشرع عنه ولم يجعله ناقضاً، وهذا ليس نوماً آخر، وإنما هو عفو من الشرع عن القليل منه، تماماً كالدم الناقض للوضوء يُعفى عن يسيره وقليله، ولا يكون صنفاً من الدم لا ينقض، فالشرع عفى عن الأشياء والأفعال القليلة اليسيرة، فالنجاسة اليسيرة عفو، والدم اليسير الخارج من البدن عفو، والنوم يندرج تحت هذه القاعدة، فما كان منه يسيراً فهو عفو. وفي هذا المعنى روى عبد الرزاق عـن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال «وجب الوضوء على كل نائم إلا من أخفق خفقة برأسه». والخفقة: هي النعسة. وخَفَق برأسه من النعاس: أماله. فهذا لا ينقض الوضوء.

والآن لنعد إلى الآراء الثمانية السابقة . الرأي الأول يقول إن النوم لا ينقض على أي حال بدلالة حديث أنس، وقد تبين مما سبق أن هذا الحديث بألفاظه الثلاثة لا يفيدهم، بل يفيد عدم نقض النوم في حالة الصلاة، والخطأ آت من كون أصحاب هذا الرأي قد عمموه وأطلقوه. والرأي الثاني لم يستثن حالة الصلاة وانتظارها. والرأي الثالث أيضاً لم يستثن حالة الصلاة وانتظارها، ويقل الخطأ إنْ عنَوا بالقليل من النوم ما أخرجناه منه. أما الرأي الرابع فهو خطأ، فإن إخراج النوم على هيئة من هيئات الصلاة في غير الصلاة من نواقض الوضوء خطأ، والخطأ آت من استدلالهم بحديث ضعيف، ومن تعميم ما جاء فيه على الصلاة وعلى غيرها. والرأي الخامس أيضاً خطأ، فقد قالوا إن الراكع والساجد يكونان في وضع لا يتمكنان فيه من منع خروج الريح، وهذا منهم استدلال فاسد، ولا يسعفهم فيه نص. وأما الرأي السادس فخطأ لما بيَّنَّاه في تخطئة الرأي الخامس. وأما الرأي السابع فصحيح جملة، وليتهم جعلوا النوم في انتظار الصلاة غير ناقض، ورغم أن هذا الرأي صحيح جملة كما قلنا إلا أن الدليل الذي استدلوا به هو الحديث الضعيف جداً الذي رواه الديلمي وابن عساكر من طريق أنس «إذا نام العبد في سجوده باهى الله عزَّ وجلَّ به ملائكته يقول: انظروا إلى عبدي روحُه عندي وجسدُه في طاعتي». وأما الرأي الثامن فأراه خطأ، وقد استدلوا عليه بحديث علي ومعاوية وأنس، أما حديث معاوية فضعيف لا يصلح للاحتجاج، وأما حديث أنس فهو لا يسعفهم، فهم قد استدلوا باللفظ الأول «تخفق رؤوسهم ثم يصلون» فحملوه على نوم الجالس، ولم ينظروا في اللفظ الثالث «كانوا يضعون جنوبهم» فهو نص صريح في غير الجلوس ولا أراهم يستطيعون تأويله إلا بتكلُّف.

وللبحث بقية …

  1. النِّوم

اختلف العلماء والأئمة اختلافاً واسعاً في حكم النوم من حيث نقض الوضوء على ثمانية مذاهب جمعها النووي في شرح صحيح مسلم كما يلي :

الأول: إن النوم لا ينقض الوضوء على أي حال كان، وهو رأي أبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وأبي مجلز وحميد الأعرج وشعبة.

الثاني: إن النوم ينقض الوضوء بكل حال ، وهو مذهب الحسن البصري والمُزَني وأبي عبيد القاسم بن سلاَّم وإسحق بن راهُوَيه وابن المنذر، وروي عن ابن عباس وأنس وأبي هريرة.

الثالث: إن كثير النوم ينقض بكل حال ، وقليله لا ينقض بحال، وهو مذهب الزُّهري وربيعة والأوزاعي ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه.

الرابع: إذا نام على هيئة من هيئات المُصلِّين كالراكع والساجد والقائم والقاعد لا ينتقض وضوؤه، سواء كان في الصلاة أو لم يكن، وإن نام مضطجعاً أو مستلقياً على قفاه انتقض، وهو مذهب أبي حنيفة وداود، وهو قول للشافعي غريب.

الخامس: إنه لا ينقض إلا نوم الراكع والساجد ، روي هذا عن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.

السادس: إنه لا ينقض إلا نوم الساجد، ورُوي أيضاً عن أحمد رضي الله عنه.

السابع:لا ينقض النوم في الصلاة بكل حال، وينقض خارج الصلاة وهو قول ضعيفٌ للشافعي.

الثامن: إنه إذا نام جالساً ممكِّناً مقعـدته من الأرض لم ينتقض، وإلا انتقض سواء قلَّ أو كثر، سواء كان في الصلاة أو خارجها، وهذا مذهب الشافعي رحمه الله تعالى.

ونحن سنورد الأحاديث الواردة في موضوع النوم ، ونبين صحيحها وحسنها من ضعيفها، ثم نستنبط منها الحكم الراجح بإذن الله:

1- عن صفوان بن عسَّال قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سَفْراً أن لا ننزع خِفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم» رواه الترمذي وقال (حسن صحيح). ورواه أحمد والنَّسائي. وقد مرَّ قبل قليل.

2- عن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «العين وِكاء السَّهِ فمن نام فلْيتوضأ» رواه ابن ماجة وأبو داود وأحمد والدار قطني.

3- عن معاوية بن أبي سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إنما العينان وِكاءُ السَّهِ فإذا نامت العين استطلق الوكاءُ» رواه الدارمي والدار قطني والبيهقي وأحمد والطبراني. والسَّهُ: اسمٌ لحلقة الدُّبُر.

4- عن ابن عباس رضي الله عنه قال « بتُّ ليلةً عند خالتي ميمونة بنت الحارث، فقلت لها: إذا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأيقظيني، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت إلى جنبه الأيسر فأخذ بيدي فجعلني من شقه الأيمن، فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني، قال: فصلى إحدى عشرة ركعة ثم احتبى، حتى إني لأسمعُ نَفَسه راقداً، فلما تبين له الفجر صلى ركعتين خفيفتين» رواه مسلم. وفي روايةٍ للبخاري عن ابن عباس رضي الله عنه بلفظ «بتُّ عند خالتي ميمونة ليلةً، فقام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل، فلما كان في بعض الليل قام النبي صلى الله عليه وسلم فتوضأ من شَنٍّ معلَّق وضوءاً خفيفاً ـ يخفِّفه عمرو ويُقلِّله ـ وقام يصلي فتوضأت نحواً مما توضأ، ثم جئت فقمت عن يساره

ـ وربما قال سفيان عن شماله ـ فحوَّلني فجعلني عن يمينه، ثم صلَّى ما شاء الله، ثم اضطجع فنام حتى نفخ، ثم أتاه المنادي فآذنه بالصلاة، فقام معه إلى الصلاة فصلى ولم يتوضأ…». وفي رواية ثانية لمسلم عن ابن عباس رضي الله عنه بلفظ «… فقام فصلى فقمت عن يساره، فأخذ بيدي فأدارني عن يمينه، فتتامَّت صلاةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل ثلاث عشرة ركعة، ثم اضطجع فنام حتى نفخ، وكان إذا نام نفخ، فأتاه بلال فآذنه بالصلاة، فقام فصلَّى ولم يتوضأ…» وفي روايــة ثانية للبخـــاري عن ابن عبـــاس رضـــي اللــه عنـه بلفظ «… ثم صلى ركعتين ثم نام حتى سمعت غطيطه أو خطيطه ، ثم خرج إلى الصلاة».

5- عن أنس قال «كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلُّون ولا يتوضأون» رواه أبو داود والشافعي والبيهقي ومسلم والدار قطني. وفي رواية «لقد رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يُوقَظون للصلاة حتى إني لأسمع لأحدهم غطيطاً ثم يصلون ولا يتوضأون» رواها الدار قطني والبيهقي والترمذي. وفي رواية ثالثة عند البزَّار والخلاَّل بلفظ «إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يضعون جنوبهم فمنهم من يتوضأ ومنهم من لا يتوضأ». وهذا الحديث بجميع رواياته صحيح أو حسن.

6- عن يزيد بن عبد الرحمن عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «ليس على من نام ساجداً وضوء حتى يضطجع، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله» رواه أحمد. ورواه أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنه بلفظ «… قال : فقلت له : صليتَ ولم تتوضأ وقد نمتَ؟ فقال : إنما الوضوء على من نام مضطجعاً، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله» ورواه الترمذي والبيهقي قريباً منه. وللبيهقي أيضاً «لا يجب الوضوء على من نام جالساً أو قائماً أو ساجداً حتى يضع جنبه، فإنه إذا وضع جنبه استرخت مفاصله».

7- عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال «كنت في مسجد المدينة جالساً أخفق، فاحتضنني رجل من خلفي، فالتفتُّ فإذا أنا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله هل وجب عليَّ وضوء؟ قال: لا حتى تضع جنبك» رواه البيهقي.

8- عن يزيد بن قسيط قال إنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول «ليس على المحتبي النائم ولا على القائم النائم ولا على الساجد النائم وضوء حتى يضطجع، فإذا اضطجع توضأ» رواه البيهقي.

9- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال «من استحق النوم فقد وجب عليه الوضوء» رواه البيهقي بإسنادٍ صحيح موقوفاً على أبي هريرة وقال (لا يصح رفعه). ورواه الدار قطني وقال (وقفُه أصح).

وللبحث بقية …

وقال الشافعيون إن النقض إنما يكون إذا مُسَّ الذكر بباطن الكف لما يعطيه لفظ الإفضاء، وروي عن مالك القول بندب الوضوء من مسِّ الذَّكر، ورُوي عن جابر بن زيد أنه قال بالنقض إن وقع المسُّ عمداً لا إن وقع سهواً. هذه خلاصة الآراء في هذه المسألة.

ونستعرض الأحاديث المتعلقة بهذه المسألة، ونستنبط منها الأحكام بإذن الله كما يلي: الحديث الأول: الرواية الأولى تقول «مَن مسَّ ذَكَره فلا يُصلِّ حتى يتوضأ» والرواية الثانية تقول «ويُتوضأ من مسِّ الذَّكر» والرواية الثالثة تقول «إذا مسَّ أحدُكم فرجَه فلْيتوضأ، والمرأة مثل ذلك» والرواية الرابعة تقول «من مسَّ فرجه فقد وجب عليه الوضوء» والحديث الثاني يقول «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه … فلْيتوضأ » والحديث الثالث يقول «أيُّما رجلٍ مسَّ فرجه فلْيتوضأ وأيُّما امرأةٍ مسَّت فرجها فلْتتوضأ» والحديث الرابع يقول «هل هو إلا مُضغة منه، أو قال: بَضعة منه ؟».

من هذا الاستعراض يتبين أن من مسَّ ذَكَره أو فرجه أو ذَكَراً توضأ، وأن ذلك عام في الرجال والنساء، فمن مسَّ ذَكره أو ذَكَر غيره بدلالة الرواية الثانية من الحديث الأول، أو مسَّ فرجه توضأ، والمرأة إن مسَّت فرجها توضأت، ونجد أن الأحاديث ذكرت الذَّكَر وذكرت الفرج، أما الذَّكر فهو قُبُل الرجل، وأما الفرج فيطلق على القُبُل وعلى الدُّبُر للرجال والنساء، لأنه العورة كما في القاموس ولسان العرب، وألفاظ الأحاديث تُفسر باللغة ما لم يكن لها حقائق شرعية مغايرة، وهنا كلمة الفرج وكلمة الذَّكَر ليس لهما في الشرع معنى مغاير لما هو في اللغة فتُفسَّران تفسيراً لغوياً، والقاموس ولسان العرب فسَّرا الفرج بأنه العورة وهي تشمل القبل والدُّبر، فيُعمل بهذا التفسير. وبذلك تكون الأحاديث قد أفادت أن مسَّ القُبُل والدُّبُر للرجل والمرأة ينقض الوضوء، والأحاديث صحيحة تصلح للاحتجاج، وهي أعطت هذا الحكم، أي حكم النقض للوضوء من مسِّ القُبُل والدُّبُر للذَّكَر والأنثى.

أما الحديث الرابع فقد استدل به من قالوا بعدم النقض، وهم من ذكرنا من الصحابة والأئمة والعلماء، ولكن الحديث لا يُسعفهم، ولا يصمد أمام أحاديث النقض، قال البيهقي (يكفي في ترجيح حديث بُسرة ـ أي الأول ـ على حديث طلق ـ أي الرابع ـ أن حديث طلق لم يحتجَّ الشيخان بأحد من رواته، وحديث بسرة قد احتجا بجميع رواته) فهذه أولى الحجج في ترجيح الإيجاب على عدمه.

والثانية : إن إسلام بُسرة متأخر وإسلام طَلْقٍ متقدِّم. قال ابن حِبَّان الذي روى الحديث (خبر طلق بن علي الذي ذكرناه خبر منسوخ، لأن طلق بن علي كان قدومه على النبي صلى الله عليه وسلم أول سنة من سِنِي الهجرة، حيث كان المسلمون يبنون مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة) . في حين أن بسرة أسلمت بعد ذلك بكثير كما هو معلوم عند أئمة الحديث، وحديث أبي هريرة الثاني يعضد حديث بُسرة لأن أبا هريرة هو الآخر متأخر الإسلام كبُسرة. قال ابن حِبَّان (أبو هريرة أسلم سنة سبعٍ من الهجرة، والمتأخر أقوى وأوجب في الأخذ والعمل من المتقدم، والذي يزيد حديث بُسرة قوة أنها حدَّثت بالحديث في دار المهاجرين والأنصار وهم متوافرون).

والثالثة: إن حديث طلق ضعَّفه عدد كبير من الأئمة المعتبرين. قال الشافعي: قد سألنا عن قيس بن طلق فلم نجد من يعرفه. وقال أبو حاتم وأبو زُرعة: قيس بن طلق ممن لا تقوم به حجة. والمعلوم أن حديث طلق بن علي هو من رواية ابنه قيس بن طلق، في حين أن الأئمة الذين ضعَّفوا حديث بسرة إنما ضعَّفوه من طريق عروة عن مروان عن بُسرة، ومروان مطعون في عدالته، ولكن ابن خُزَيمة وغيره جزموا بأن عُروة سمعه من بُسرة مباشرة، ففي صحيح ابن حِبَّان وسنن الدار قطني «قال عروة فسألت بُسرة فصدَّقته». وبمثل هذا أجاب ابن خُزَيمة والحاكم ، فيسقط تضعيفهم هذا.

ثم هم قد ضعَّفوه بقولهم إن هشاماً لم يسمع من أبيه عروة، قاله النَّسائي والطَّحاوي، ونحن ندفع هذا التضعيف بأن هشاماً قد رواه مرة عن أبيه عروة، ومرة عن أبي بكر بن محمد، وقد صرَّح أحمد في روايةٍ بأن أباه حدثه، وصرَّح الترمذي في رواية بأن أباه أخبره، وبذلك يكون هشام قد رواه مرة عن أبيه مباشرة، ومرة عن أبي بكر بن محمد بن عمرو، فحدَّث بهذا وحدَّث بهذا، وهذا لا يضعِّف الحديث. فالحديث غير ضعيف بل هو صحيح، في حين أن حديث طلق مشكوك في صحته.

والرابعة: إن عدم وجوب الوضوء من مسِّ الفرج أُخذ من حديث طلق بالمفهوم، في حين أن أحاديثنا تفيد الوجوب منطوقاً، والمنطوق أقوى من المفهوم.

لهذه الأسباب يترجح حديث بُسرة والأحاديث الأخرى القائلة بإيجاب النقض، ويُترك العمل بحديث طلق لأنه لا يصلح للاستدلال به على هذه المسألة بعد أن بان ما بان. وبذلك يظهر وجه الحق في إيجاب الوضوء من مسِّ الفرج قُبُلاً كان أو دُبُراً، لرجل أو لامرأة ، لفرجِهِ أو لفرجِ غيرِهِ.

أما رأي الشافعية من أن النقض إنما يكون بباطن الكف دون ظهره فضعيف، قال عالم اللغة ابن سيده في المحكم: أفضى فلان إلى فلان وصل إليه، والوصول أعم من أن يكون بظاهر الكف أو باطنها. وقال ابن حزم (الإفضاء يكون بظاهر الكف كما يكون بباطنها، قال: ولا دليل على ما قالوه من التخصيص بالباطن من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قول صاحب ولا قياس ولا رأي صحيح) أجل إما أن يأتي الشافعيون بدليل على ما يقولون وإما أن رأيهم غير صحيح، فالأدلة الشرعية لا تقول بما يقولون، واللغة لا تسعفهم فيما ذهبوا إليه.

أما ما يُروى عن مالك من القول باستحباب الوضوء من المسِّ دون الوجوب، فحديث بُسرة القائل «فقد وجب عليه الوضوء» يردُّه. وأما رأي جابر بن زيد القائل إن النقض إنما يكون بالمسِّ المتعمَّد دون المسِّ سهواً فإن الأحاديث كلها تردُّه، إذ لم تُفرِّق الأحاديث بين العمد والسَّهو.

والأحاديث تفيد أن نقض الوضوء إنما هو من مسِّ فرج الآدمي، فيخرج فرج البهيمة، فمسُّ فرج البهيمة لا ينقض الوضوء، وتخرج كذلك العانة، فلا ينقض مسُّها لعدم انطباق الدليل عليها، أما مسُّ الخصيتين فناقض لما روى البيهقي والطبراني والدار قطني عن بُسرة بنت صفوان قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «من مسَّ ذَكَرَه أو أُنثييه أو رُفُغَه فلْيتوضأ وضوءه للصلاة ». والرُّفُغ : أصل الفخذ القريب من الذَّكر، والأُنثييان: الخصيتان. وهذا الحديث وإن ضعَّفه ناس فقد حسَّنه آخرون فيصح الاستدلال به.

والفرج الذي ينقض مسُّه الوضوء هو أي فرجِ آدميٍّ، لا فرق بين فرج الكبير البالغ والصغير دون البلوغ وحتى الرضيع ما دام كل ذلك يدخل تحت لفظ فرج الآدمي، كما أنه لا فرق بين المسِّ بشهوة والمسِّ بدون شهوة لأن الأحاديث لم تُخصِّص أياً من ذلك، فيظل الحكم على عمومه. والمقصود باليد هنا ما كانت إلى الكوع أي الرسغ، وهذا رأي جميع العلماء فيما أعلم ، لأن هذه اليد هي أداة المسِّ دون الساعد أو العضد.

  1. خروج الدم

الدم إما أن يخرج من الفرج كدم الاستحاضة، أو من الدبر في حالة المرض بالباسور أو غيره، أو من الفم في حالة مرض السُّل مثلاً، أو من الأنف وهو ما يسمى بالرعاف، أو من سائر أعضاء البدن، فإنَّ هذا الدم الخارج كلَّه ناقض للوضوء. والدليل على ذلك ما روت عائشة رضي الله عنها أنها قالت «جاءت فاطمة بنت أبي حُبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني امرأة أُستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: لا إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي» رواه مسلم والبخاري وأحمد. ورواه الترمذي وزاد «قال أبو معاوية في حديثه: وقال: توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت». كما روى الأمر بالوضوء لكل صلاةٍ أحمد والدارمي. وقد سبق إثبات وجوب الوضوء للمستحاضة في بحث [المستحاضة وأحكامها] في [الفصل التاسع] فيراجع هناك.

وهنا نَعرض لخروج الدم من عموم البدن سواء من الفرج أو غيره فنقول: ذهب إلى أن خروج الدم من البدن ناقض للوضوء أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد تلميذاه، وأحمد بن حنبل وإسحق، فيما ذهب مالك والشافعي وسعيد بن المسيِّب ومكحول وربيعة - ورُوي عن ابن عباس وأبي هريرة - إلى أن الدم غير ناقض.

والذي يترجح لدينا هو أن خروج الدم من أي جزء من البدن ناقض للوضوء، بدليل حديث عائشة المذكور. أما وجه الاستدلال به على دعوانا فهو أن الحديث يقول «إنما ذلك عِرق» أي أن دم الاستحاضة هو دم نازف من عِرق، ومع هذا الوصف أمرها الرسول عليه الصلاة والسلام بأمرين: أن تغسل الدم «فاغسلي عنك الدم» وأن تتوضأ «وتوضئي لكل صلاة». وإذن فإن الدم إن هو خرج من أيِّ عِرقٍ بدليل تنكير (عِرق) فإن الواجب فيه أن يُغسل، والوضوء. أما الغُسل فلأنه نجس، وأما الوضوء فلأنه ناقض.

ولا يقال إن هذا في موضوع الاستحاضة فيقصر عليه، أو يقال إن هذا الدم خرج من الفرج فيقصر عليه، لا يقال ذلك لأن العبرة بألفاظ الحديث وهي تفيد العموم، وهذه الألفاظ وصفت الدم بأنه من عِرق، وحيث أن أي دم ينزف من البدن إنما يخرج من عِرق مقطوع، فإنه يدخل تحت هذا الوصف ويأخذ حكمه، وهذا ليس من باب القياس، وإنما هو من باب تطبيق العام على أفراده. فالحديث يشمل دم الاستحاضة ودم الجروح ودم الرعاف سواء بسواء، لأن كل ذلك دم عرق، ودم العِرق يُغسل ويَنقُض. هذا هو وجه الاستدلال وهذا هو وجه الفقه فيه.

أما أن يقال إنه خرج من الفرج فلا يقاس عليه غيره فهو خطأ، لأن الحديث لو لم يذكر أنه دم عرق، وقال إن دم الاستحاضة يُغسل ويَنقض، أو قال إن دم الفرج يُغسل ويَنقض لكان هذا القول في محله ولانتفى الشمول، أما وأن الحديث ذكر دم الاستحاضة بأنه يخرج من عرق، وأنه نجس وناقض، فإنَّ كل دم يدخل تحت هذا الوصف يأخذ حكمه في النجاسة والنقض، وحيث أن كل الدم الخارج من البدن إنما يخرج من عروق فإن كل دم خارج من البدن يشمله الحديث وينقض الوضوء، ولذا فنحن لسنا في حاجة إلى دليل خاص على أن الرعاف ناقض لأن دليلنا الصحيح هذا كافٍ للدلالة على أنه ناقض للوضوء. أما ما رواه الدار قطني والبيهقي من طريق ابن جريج عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من قَلَسَ أو قاء أو رعفَ فلينصرف فليتوضأ، وليُتِمَّ على صلاته» وما رواه الدار قطني وابن ماجة والبيهقي من طريق ابن جريج عن ابن أبي مُليكة عن عائشة، فذكر الحديث أعلاه، وما رواه الطبراني في الأوسط وابن عدي في الكامل عن سلمان رضي الله عنه قال « رعفتُ عندَ النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: توضأ». فهذه الأحاديث كلها ضعيفة لا تصلح للاستدلال.

أما الحديثان عند الدار قطني وغيره فرواهما إسماعيل بن عياش، وإسماعيل هذا إذا روى عن الحجازيين ضُعِّفت رواياته، وفي هذين الحديثين نجده يروي عن الحجازيين. ثم إن الشافعي قال عن الرواية الأولى [ليست هذه الرواية بثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم] وذكر البيهقي عن محمد بن يحيى قوله عن هذه الرواية [إن رواية ابن جريج عن أبيه مرسلة غير متصلة] وقد ضَعِّف يحيى بن معين هذا الحديث بطريقيه، فلا يصلح هذا الحديث للاحتجاج .

وأما الحديث الثالث عند الطبراني وابن عدي ففي سنده حسين الاشقر ضعيف، وجعفر بن زياد الأحمر متشيع، فلا يصلح هو الآخر للاحتجاج . على أن مالكاً قد روى عن نافع «أن عبدالله بن عمر كان إذا رعف انصرف فتوضأ، ثم رجع فبنى ولم يتكلم» فهذا الفعل من عبد الله بن عمر يشهد لما ذهبنا إليه .

وما قلناه عن الرعاف نقوله عن دم الجروح، لأن واقعهما واحد وهو خروج الدم من عروق في البدن ، ومن ثم فإن حكمهما واحد، وهو نقض الوضوء.

أما ما استدل به أصحاب الرأي الآخر من أن أنس بن مالك روى «أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم احتجم، فصلى ولم يتوضأ ولم يزد على غسل محاجِمِه» رواه الدار قطني والبيهقي. فأخذوا منه حكم عدم النقض لخروج الدم، فنقول إن هذا الحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج، قال ابن حجر (في إسناده صالح بن مقاتل وهو ضعيف) وقد ادعى ابن العربي أن الدار قطني صححه وليس كذلك، بل قال عقبه في السنن (صالح بن مقاتل ليس بالقوي) وضعَّفه النووي أيضاً.

وأما ما يستدلون به أيضاً على دعواهم من أقوال الصحابة أو أفعالهم مثل أن صحابياً من الأنصار أصيب بسهام وهو يصلي فاستمرَّ في صلاته، روى قصَّته أبو داود وابن خُزَيمة والبيهقي، ومثل أن ابن عباس رضي الله عنه قال «اغسلوا أثر المحاجم عنكم وحسبَكم» رواه البيهقي. فهذه ليست أدلة أولاً، لأن قول الصحابي أو فعله ليس دليلاً، ثم إن الحديث الأول فيه عقيل بن جابر قال عنه الذهبي: لا يُعرف. وفي الحديث الثاني رجل مجهول، فالحديثان ضعيفان. ثم إن ما سبق وسقناه من فعل ابن عمر أنه كان يتوضأ من الرعاف يخالف ما ذكروه وكلا الأمرين أفعال صحابة. فإذا كان الصحابة مختلفين في هذه المسألة فإن الدواعي تكون أكبر لعدم الاستدلال بآرائهم سيما وأن الحديث النبوي الصحيح يغنينا عن أقوالهم وافعالهم. ويمكن مراجعة بحث نجاسة الدم في [أعيان النجاسات] في [الفصل الثاني] ففيه مزيد بيان وتفصيل.

مسألـــةلم يرد في القيح والصديد نصٌّ يفيد نجاستهما أو نقضهما للوضوء، إلا أننا بتحقيق المناط نتوصل إلى أن القيح نجس وناقض وليس كذلك الصديد، ذلك أن واقع القيح أنه دم فاسد أو متخلق من الدم، وحيث أن أصله نجس وناقض، فإن الفرع يتبع الأصل ويأخذ حكمه، وهذا رأي قتادة ومجاهد ، ذكر ذلك عبد الرزاق. أما الصديد فليس كذلك، ولا يندرج تحت أي ناقض للوضوء، ولا تحت أية مادة نجسة، فيأخذ حكم الطاهر وغير الناقض.

الفصـل الثاني عشـر - نواقض الوضوء

  1. الخارج من السبيلين

الخارج من السبيلين يشمل:

أ- البول من القُبُل، والبراز أو الغائط من الدُّبُر.

ب- المني من القبل.

ج- المذي من القبل.

د- الودي من القبل.

هـ- الريح - وهو الفُساء أو الضراط- من الدُّبُر.

والأدلة على كل ذلك ما يلي:

أ. البول والغائط:

1- عن صفوان بن عسَّال قال »كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سَفْراً أن لا ننزع خِفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم» رواه الترمذي وأحمد والنَّسائي. وقال الترمذي (هذا حديث حسن صحيح). وقد مرَّ في بحث [ما يُلبس في القدم] في [الفصل الحادي عشر] بلفظ أحمد.

2- عن همَّام قال «بال جرير ثم توضأ ومسح على خُفَّيه فقيل: تفعل هكذا ؟ فقال نعم، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خُفَّيه» رواه مسلم وأبو داود أحمد والنَّسائي والترمذي. وقد مرَّ.

3- قوله تعالى (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِن الغَائِطِ) الآية 43 من سورة النساء.

الحديث الأول نصٌّ في البول والغائط، والحديث الثاني نصٌّ في البول، والنص الثالث يتناول البول كما يتناول البراز، لأن الغائط هو المنخفض من الأرض، وهو كناية عن قضاء الحاجة، وهي تشمل البول والبراز. والبول والغائط كناقِضَيْن معلومان من الدين بالضرورة لا يختلف فيهما مسلمان ، ووجه الدلالة في كل نص واضح.

ب. المني:

المني ليس ناقضاً للوضوء فحسب بل هو ناقض أيضاً للطهارة الكبرى ويُوجب الغُسل. وقد مرَّ بحثه في بحث في [الفصل التاسع] .

ج. المذي:

الأدلة على أن المذي ناقض للوضوء هي:

1- عن سهل بن حنيف قال «كنت ألقى من المذي شدة، وكنت أُكثر من الاغتسال، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال : إنما يُجْزِيك من ذلك الوضوء …» رواه أبو داود وابن ماجة. ورواه الترمذي وقال (حديث حسن صحيح).

2- عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال «كنت رجلاً مذَّاءً، فاستحييتُ أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال: فيه الوضوء» رواه البخاري ومسلم، وفي روايةٍ لمسلم «يغسل ذَكَره ويتوضأ» وسيأتي في بحث القيء حديث ابن جُرَيج الدال على أن المذي ينقض الوضوء.

د. الودي:

دليله دليل البول لأنه يقطرُ من الذَّكَر عُقَيْبَ البول مختلطاً به. وعن ابن عباس رضي الله عنه قال «المني والمذي والودي، فالمني منه الغُسل، ومن هذين الوضوء، يغسل ذَكَره ويتوضأ» رواه البيهقي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة. وروى ابن أبي شيبة عن عائشة مثله، وأقوال الصحابة أحكام شرعية يصح أخذها وتقليدها.

هـ. الريح:

الأدلة عليه ما يلي:

1- عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تُقبل صلاةُ مَن أحدث حتى يتوضأ، قال رجل من حضرموت: ما الحَدَثُ يا أبا هريرة؟ قال: فُساءٌ أو ضراط» رواه البخاري وأحمد ومسلم. قوله لا تُقبل: أي لا تُجْزِيء ولا تصح.

2- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه أخَرَج منه شيء أم لا، فلا يخرجنَّ من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً» رواه مسلم والترمذي وأبو داود. وروى البخاري ومسلم قريباً منه من طريق عباد بن تميم عن عمه.

3- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لا وضوء إلا من صوت أو ريح» رواه الترمذي وقال (هذا حديث حسن صحيح). ورواه أحمد وابن ماجة.
مسألة
البول والغائط ناقضان للوضوء، سواء خرجا من السبيلين أو من غيرهما، فقول الحديث «لكن من غائط وبول ونوم» مطلق غير مقيد بالسبيلين، ولذا لو أُجرِيَتْ لمريضٍ عمليةُ شقِّ البطن وركبَّ الطبيب له أنبوباً لإخراج البول أو الغائط من البطن عن طريقه، فإن البول والغائط الخارجين منه ينقضان وضوء المريض. فالبول والغائط ناقضان على إطلاقهما.

3- عن ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة عن ورَّاد كاتب المغيرة بن شعبة، عن المغيرة ابن شعبة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح أعلى الخف وأسفله» رواه ابن ماجة وأبو داود وأحمد والترمذي والدار قطني.

الحديث الأول حسَّنه الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، وصححه في التلخيص. والحديث الثاني قال البخاري عنه في كتابه التاريخ (هو بهذا اللفظ أصح من حديث رجاء بن حيوة) أي الحديث الثالث. وعن الحديث الثالث قال الأثرم عن أحمد إنه كان يضعِّفه، وقال نعيم بن حماد: اضربوا على هذا الحديث. وقال أبو داود (وبلغني أنه لم يسمع ثور هذا الحديث من رجاء) فهو إذن منقطع، فالحديث لا يصلح للاحتجاج.

يبقى الحديثان الأول والثاني فحسب، وهذان الحديثان يفيدان المسح على ظاهر الخف، وليس فيهما المسح على باطنه. وممن ذهب إلى ذلك وأن المسح المشروع هو مسح ظاهر الخف دون باطنه أو أسفله : الثوري وأبو حنيفة والأوزاعي وأحمد بن حنبل.

وذهب مالك والشافعي والزهري وابن المبارك إلى مسح الظهور والبطون، ورُوي عن سعد بن أبي وقاص وعمر بن عبد العزيز، إلا أن الشافعي ومالكاً قالا: إن مسح ظهورهما دون بطونهما أجزأه. وقالا: من مسح باطن الخفين دون ظاهرهما لم يُجزئه وكان عليه الإعادة وليس هو بماسح. فيكون مالك والشافعي يحملان رأي أبي حنيفة وأحمد نفسَه، وهو أن المسح المشروع المُجْزيء هو مسح ظاهر الخفين فحسب. والخلاف إنما هو في مسح الباطن، فعند أحمد وأبي حنيفة لا يُمسح، وعند مالك والشافعي يُمسح استحباباً فقط، فالخلاف يسير.

وكما سبق فإن الأحاديث الواردة الصالحة للاحتجاج لا تفيد سوى مسح الظاهر دون الباطن، وأن مسح الباطن لم يرد فيه حديث صحيح يُعتدُّ به. وأما ما روى الشافعي والبيهقي عن ابن عمر أنه كان يمسح أعلى الخف وأسفله فهو فعل صحابي وليس هو بدليل، ولا يصلح إلا عند من يريد تقليد ابن عمر في هذه المسألة والأصل الوقوف عند الأدلة.

أما كيف يمسح ظاهر الخف فأبو حنيفة يوجب مسح قدر ثلاث أصابع من أصابع اليد. وأحمد يوجب مسح أكثر الخُفِّ. والشافعي لم يحدد وقال: الواجب ما يسمَّى مسحاً. وابن عقيل قال: سنَّة المسح أن يمسح خفيه بيديه، اليمنى لليمنى واليسرى لليسرى. وهو ما أقول أنا به . والدليل هو ما روي أن المغيرة ذكر وضوء النبي  فقال «… ثم توضأ ومسح على الخفين، فوضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ووضع يده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة، حتى كأني أنظر إلى أثر أصابعه على الخفين» رواه الخلاَّل. ذكر ذلك صاحب المغني.

أما قدر الممسوح من ظاهر الخف فليس في الأحاديث تحديد له، ولذا فإن رأي الشافعي في هذا الأمر هو الأصح، وهو أن يمسح قدراً من ظاهر الخف يصح به القول إنه مسح ظاهر الخف، والأَوْلى والأكمل أن يمسح جميع الظاهر خروجاً من الخلاف وأخذاً بالأحوط.

مسألـــة

المسح على الخفين والجوربين والنعلين خاص بالوضوء دون الغُسل، بمعنى أن الغسل من الجنابة لا يصح فيه مسح الخفين مطلقاً، لا أعلم أحداً خالف ذلك، وادَّعى ابن حجر الإجماع فيه، ومثله المسح على العمامة وما يلحق بها كالطاقية والقلنسوة والطربوش، أما المسح على الجبيرة وعصابة الجرح فعامٌّ في الغُسل والوضوء.

وذهب أبو حنيفة والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحق بن راهُويه وداود والطبري إلى التوقيت، وروي ذلك عن علي وابن مسعود وابن عباس وحذيفة والمغيرة وأبي زيد الأنصاري وعمر في الرواية الثانية، ومن التابعين شريح القاضي وعطاء والشعبي وعمر ابن عبد العزيز . قال ابن عبد البر: أكثر التابعين والفقهاء على ذلك. وأدلة هؤلاء هي الأدلة التي ذكرناها من قبل.

أما أدلة النافين للتوقيت، فمنها ما أخرجه أبو داود من حديث أبيِّ بن عمارة، أنه قال «يا رسول الله أمسحُ على الخفين؟ قال: نعم، قال: يوماً؟ قال: يوماً: قال: ويومين؟ قال: ويومين، قال: وثلاثة ؟ قال: نعم وما شئت» وفي رواية له «حتى بلغ سبعاً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم وما بدا لـك» وما رواه ابن حِبَّان عن خُزَيمة بن ثابت أنه قال «رخَّص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نمسح ثلاثاً، ولو استزدناه لزادنا» وما رواه ابن حِبَّان وابن ماجة «… ولو مضى السائل على مسألته لجعلها خمساً». حديث أبي داود من طريق ابن عمارة ضعيف، قال أحمد: رجاله لا يُعرفون. وقال الدار قطني (هذا إسناد لا يثبت، وفي إسناده ثلاثة مجاهيل) وقال ابن عبد البر: لا يثبت وليس له إسناد قائم. وقال أبو داود (إسناده ليس بالقوي) وعدَّه الجوزجاني في الموضوعات. وأما حديث خزيمة بن ثابت بالزيادة المذكورة فلا تقوم به حجة، لأن الزيادة على التوقيت مظنونة، فقوله «ولو استزدناه لزادنا» وقوله «ولو مضى السائل على مسألته» صريح في أنهم لم يسألوا ولم يُزادوا، فلا يصلح للاستدلال على عدم التوقيت. فمثل هذه النصوص الضعيفة وغير المفيدة لمزيدِ رأي لا تصمد أمام الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي ذكرت التوقيت، فيسقط قولهم ويثبت قول القائلين بالتوقيت.

أما بدء مدة المسح ، فمن حين الحدث وهو لابس وليس من حين المسح، لأن المسح عبادة مؤقتة، فاعتُبر أول وقتها من حين جواز فعلها وليس من حين المسح، وإن كان القول الآخر محتملاً، وليست لدينا نصوص ناطقة بترجيح أيٍّ من الرأيين.

والواجب عند المسح على النعال والخفاف أن تكون ملبوسة على طهارة، أي على وضوء، والأدلة على ذلك حديث صفوان بن عسَّال السابق وفيه «نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طُهْر» وحديث المغيرة الأسبق وفيه «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين» ورواه أبو داود بلفظ «دع الخفين فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان، فمسح عليهما» فهذه النصوص تدل على اشتراط الطهارة عند اللبس، ومقتضاه أن إدخالهما غير طاهرتين يقتضي عدم المسح. وهذا رأي مالك والشافعي وأحمد وإسحق.

وخالفهم أبو حنيفة وسفيان الثوري ويحيى بن آدم والمزني وأبو ثور وداود، إذ قالوا يجوز اللبس على حدث ثم يكمل طهارته، وحملوا الأحاديث السابقة على اشتراط الطهارة من النجاسة، وليس الطهارة من الحدث. نعم إن لفظ الطهارة يشمل رفع الحدث ويشمل إزالة النجاسة ويشمل غيرهما، وإن القرينة هي التي تعين المعنى المقصود، وهنا القرينة ورود النصوص في موضوع الوضوء والمسح له، وليس في موضوع التطهُّر من النجاسات وغيرها، فكون النصوص جاءت في موضوع الوضوء فهي قرينة على أن المراد من الطهارةِ الطهارةُ من الحَدَث لا غير، ولا قرينة لديهم على صرف الطهارة إلى إزالة النجاسة، وإنما هو تعيين بدون معيِّن وتحديد بدون محدِّد.

واختلف الأئمة في حالة غسل الرجل اليمنى في الوضوء ولبس الخف قبل أن تُغسل الرجل اليسرى ويُلبس الخف الأيسر، هل يجوز مستقبلاً لمن فعل ذلك أن يمسح على خفيه؟ على رأيين الأصح منهما أنه لا يجوز، لأنه بفعله هذا يكون قد لبس الخف الأيمن قبل تمام الطهارة أي قبل تمام الوضوء، في حين أن الواجب على الماسح على الخفين أن يكون قد أدخل رجليه الخفين على طهارة، والطهارة لا تكون قبل اكتمال الوضوء. وقد نصر ابن حجر والنووي هذا الرأي خلافاً للثوري والمزني وابن المنذر.

ويَبطُل المسح على الخفين ومن ثم الوضوء بثلاثة أمور:

أولها: خلع الخفين أو أحدهما ولو لحظــة، وينـدرج تحتـه تمزُّق الخف وتخرُّمه بحيث لا يعود يصلح للبس عــادة. وخالف المزني وأبو ثور فقــالا إنْ نَزَع الخفين غسَل قدميه وصح وضوؤه، وكذا قال مالك والليث إلا إنْ تطاول النزع، وقال الحسن وابن أبي ليلى وغيرهمــا ليس عليه غسل قدميــه ويظــل وضوؤه صحيحاً، وقاسوه على من مسح رأسه ثم حلقه أنه لا تجب عليه إعــادة المسح، ويظل وضوؤه صحيحاً. وهــذا قياس لا يصح، وذلك أن الشعــر لا يلبس، ولا يخلــع ليعــاد لبســه بخــلاف الخف الــذي مــن شأنه اللبـس والنزع، ثم إن الشعر جزء من الرأس بخلاف الخف، فالواقعان مختلفان، ثم إنَّ القياس في العبادات لا يصح إلا أن وُجدت علةٌ ظاهر. وعلق ابن حجر على هذا القياس بقوله (فيه نظر).

وثانيها: انقضاء مدة المسح التي ذكرناها آنفاً.

وثالثها: الجنابة، لحديث صفوان السابق وفيه «ولا يخلعهما إلا من جنابة» وإذا كان المسلم يلبس خفاً فوقه حذاء ومسح على الحذاء ثم خلعه وبقي الخف بطل وضوؤه، لأن شرط بقاء الوضوء بقاء الممسوح عليه، وإن كان يلبس خفاً ومسح عليه، ثم لبس فوقه خفاً آخر أو حذاء استمر وضوؤه، وإذا كان الخف شديد التَّخرُّق لا يصلح للمسح ولبس فوقه خفاً آخر شديد التَّخرُّق بحيث صار من الخفين المتخرِّقين ملبوس ساتر جاز المسح عليهما وبطل الوضوء بنزع أحدهما، وإنما قلنا (شديد التَّخرُّق) تقييداً، حتى لا نُخرج الأحذية ذات الخروق اليسيرة المعتادة، فالخف أو الحذاء أو الجورب أو النعل إن كانت بها خروق معتادة جاز المسح عليها ما دامت تُلبس عادة. قال الثوري: كانت خِفاف المهاجرين والأنصار لا تسلم من الخروق كخفاف الناس، فلو كان في ذلك حظر لورد ولنقل عنهم. وإن كان الخف غير ساتر لمحل الفرض كأن يكون حذاء دون الكعبين لا يصح المسح عليه، لأن الجزء المكشوف من القدم يجب غسله في الوضوء، والخف يمسح عليه، ولا يجتمع غسلٌ ومسحٌ لعضو واحد في الوضوء، والواجب حينئذ خلع الحذاء وغسل الرِّجل.

أما كيفية المسح على الخفين فنورد لها الأحاديث التي عالجتها، ونبيِّن الحكم الصحيح المستفاد منها بعون الله:

1- عن علي رضي الله عنه قال «لو كان الدين بالرأي لكان أسفلُ الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه» رواه أبو داود والدار قطني.

2- عن عروة بن الزبير عن المغيرة بن شعبة «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمسح على ظهر الخفين» رواه أبو داود وأحمد. ورواه الترمذي وحسَّنه ولفظه «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين على ظاهرهما».