**مُقَدّمَه
لقد مَنّ الله على الإنسان إذ وهبه العقل، كما وهبه السّمع والبصر والفؤاد فهداه النّجدين وعلمه وأدبه وأرشده محسناً تعليمه وتأديبه وإرشاده، لذا فقد هيأه الله لحمل الأمانة وللخِلافة في الأرض، فهو عنصر فعال في الأرض، وهو كيان متميّز، مُزَيّنٌ بالعقل والحس والإدراك، وليس مجرّد مادة تافهة وُجِدَت صُدْفَة تتحكم بها عناصر الطبيعة وتعصف بها حتمياتها، تُحَرِكه الصدف ويعبث به تعاقب الليل والنهار، قال تعالى:
(وَعَلّمَ آدَمَ الأسْمآءَ كُلّها)] (واللهُ أخْرَجَكُم من بُطونِ أمهاتِكُم لا تَعْلَمونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصارَ والأفْئِدّةَ لَعَلّكُم تَشْكُرون)
وبناء على ما حباه الله من نعمة العقل والإدراك والتمييز، وبما أنّه أرفع المخلوقات شأناً عند خالقها، وبعد أن دعاه الله إلى أن يُنْعِمَ النّظَرَ والتّدقيقَ في الموجودات جَميعاً وما حولها وما يتعلق بها من سُنَنٍ وقَوانينَ وأمورَ حياة، لِيَسْتَدِلّ بها على وجود الله تعالى كخالِق ومدبر لهذا الكَوْن، فلا بُدَّ أن يَحْصل من إمعان النََّظَر والتَّأمُل والتّفَكُرَ في المَوْجودات والقوانين إيمانٌ راسِخٌ هو إيمان المُسْتَنير المُتَيَقِنَ الذي نَظَرَ وَنَظَرَ وَفَكّرَ وَفَكّرَ بِعُمْقٍ واستنارَةٍ ثُمَّ وَصَلَ نتيجَةَ النّظَرَ والتَفْكير إلى القَطْع وَاليَقين بِالله جَلّت قُدْرَتُهُ، فَكانَ ذلِكَ إعتِقاداً جاذِماً لا يُخالِطَهُ أدنى شَك أو ارتياب، فالإسلام قَدْ أعطاه البَراهين الدامغَة مَصحوبَة بالأجْوِبَة المُقْنِعَة لِكُلِ استفساراته، فَعَمَدَ إلى حَل عُقْدَة الإيمان عِنْدَهُ حَلاً يُوافِق الفِطرَة، يملأ العَقْلَ اقتناعاً والقَلب طَمَأنينة، وبما أنّ الإنسان قد توصل بالدَليل العقلي أنّه مخلوق لِخالِق، وأنّ هذا الخالِق هو موجِبُ الوُجودِ وَمُدَبِره، وبما أنّه أرفع المخلوقات شَأناً عند خالقها، وَجَبَ أن يُكَلّفَ هذا الرّفيع الشأن بالمًهِمّة الشاقة:
(إنّا عَرَضْنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبينَ أن يحمِلنها وأشْفَقْنَ منها وحملها الإنسان إنّهُ كان ظلوماً جهولا)
وبناء على حمل الأمانة، وحتى يتمكّن الإنسان من الإستمرار في ذلك والنّجاح فيه، فقد سَخَّرَ الله تعالى كل المخلوقات له من جمادٍ وحيوان:
(الله الذي سَخَّرَ لكم البَحْرَ لتجري الفلك بِأمْرِهِ، ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون، وَسَخَّرَ لكم ما في السموات والأرض جميعاً منه، إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)]
وقد مر معنا فيما روي في المصادر التاريخية التي تناولت أخبار التاس في العهد الحاهلي فبل بزوغ تور الاسلام ظهور قوم أتعم الله عليهم بالعمق والاستنارة في التفكير فأعماوا غقولهم في التفكر بالمخلوقات والشواهد حولهم فتوصلوا لأت وراء الموجودات من كون وانسان وحياة خالقا أوجدها من عدم، ومن هولاء كان ورقة بن توفل وقس ين ساعده صاحب الخطبة المشهوره، تتقل لكم مختارات موجزة عنه ومقتطفات من خطبته .العصماء
(1) البقره 31
(2) النحل 78
(3) الأحزاب 72
(4) الجاثية 12 - 13**