**وتعاظمت العصابات اليهودية، التي تآمرت مع بريطانيا من أجل أن تتسلم الأراضي الفسطينية (الممسمّاة الآن 1948)، وأخذت قضية فلسطين تتبلور بشكل قوي على الساحة الدولية: ففي نيسان عام 1947 أحالت بريطانيا ملف القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة، معلنة أنها ستنهي انتدابها في 15 أيار من العام 1948. وفي 29/11/1947 عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اجتماعا، تم فيه التصويت على قبول مشروع كان قد قدم مسبقا بشأن تقسم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية، وأصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين رقم 181، وكانت أمريكا ممن شجع إصدار ذلك القرار. وكانت حرب 1948 كانطلاقة لدولة اليهود، وسارعت دول الغرب بالاعتراف بدولة يهود، وتم قبولها كعضو في الأمم المتحدة في 28-3-1948. وهكذا تبلورت القضية الفلسطينية كقضية سياسية على الساحة الدولية.
وأمام هذه الوقفة التاريخية لا بد من بلورة مجموعة من النقاط التي تنعكس على واقع قضية فلسطين الحالي، منها:
? التاريخ ليس مصدرا لإقرار الأحقية بالبلاد، فهي أرض معمورة قبل التاريخ وقبل ظهور اليهود الأصليين، ثم إن اليهود المحتلين لفلسطين قد فقدوا الصلة الشرعية ببني إسرائيل من أتباع موسى عليه السلام، بل إن بني إسرائيل أنفسهم قد فسقوا خلال الديار زمن الأنبياء وقتّلوا الرسل. وفوق ذلك، فإن هؤلاء المحتلين لفلسطين ممن يحملون العقيدة اليهودية قد فقدوا صلة النسب ببني إسرائيل، ولذلك ليس ثمة من قيمة للحديث عن الأحقّية التاريخية، ولا عن وعد الله لأمثالهم، بل هنالك توعّد لله سبحانه للمجرمين منهم، وهذه اللفتة هي فقط من أجل سحب البساط من تحت أقدام أصحاب الدعاوى اليهودية وممن يتحدث عن أباطيل المستشرقين. ولا قيمة لكل محاولات التزوير التاريخي الذي يمارسه اليهود.
? إن فسطين مرتبطة بعقيدة المسلمين وبتاريخهم الممتد لثلاثة عشر قرنا من الخلاقة، وقد ظلت محل أطماع الصليبين، وساحة جهاد للمسلمين على فترات متعددة من تاريخهم.
? إن احتلال فلسطين ظل في كل مرة مرتبطا بتشرذم المسلمين وبفرقتهم وبضعف الخلافة أو تمزقها أو القضاء عليها، فيما كان تحريرها مرتبطا بالعمل على وحدة البلاد وتوحّد العباد، وكان دائما مستندا إلى عمقها في مصر والشام، ولذلك فإن التعامل مع القضية كشأن داخلي فلسطيني، والتعامل مع الشام ومصر كدول شقيقة يخالف الحقائق التاريخية عدا عن مخالفته للأحكام الشرعية.
? إن الحديث عن “حدود فلسطين التاريخية” كجغرافية محددة تفصل فلسطين عن محيطها في الشام هو تضليل تاريخي وتزييف للحقائق، إذ لم تتحدد تلك الحدود إلا خلال فترة الاحتلال البريطاني وضمن مسيرة المؤامرات الاستعمارية، ولم تكن فلسطين منفصلة عن الشام بل ظلّت خلال قرون طويلة تابعة لولاية دمشق والشام.
? ظلت عقلية الحروب الصليبية مسيطرة على الممالك في أوروبا قديما، وعلى الدول الأوروبية حديثا، ولا يمكن أن تزول هذه العقلية من ساحة الصراع، بل هي تتجلى اليوم في صراع حضارات كوني، وما فلسطين إلا ساحة من تلك الساحات الدموية.
? ليس ثمة من تشابه بين الهدنة التي عقدها صلاح الدين وبين أية اتفاقية تعقدها الفصائل الفلسطينية مع الاحتلال اليهودي، فقد كانت من قبل حاكم مسلم لوقف مؤقت للقتال دون اعتراف بالاحتلال، على خلاف أية اتفاقية دائمة توقعها قادة فصائل معترفة بالاحتلال.
? لقد كان تحرير فلسطين دائما قضية عسكرية تتعلق بالجهاد، ولذلك فإن حصرها بالقضية السياسية لا يؤدي إلى تحريرها، وإن التحالفات مع الصليبيين ومع قوى الاستعمار الأوروبي قد أدت دائما للاحتلال، ولا يمكن أن تكون طريقا للتحرير.
? لم تخض الأمة حربا حقيقية مع كيان يهود، وتحاول دولة يهود الإفادة من الحرب المسرحية عام 1948 لتخلق صورة ذهنية لها بأنها قوة لا تغلب، وذلك تزييف للواقع، لأن انتصار عصاباتها كان نتيجة تآمر الأنظمة العربية.
? لقد سطر التاريخ صحائف مشرقة لأبطال الأمة الذين حرروا فلسطين أو رفضوا التنازل والتآمر عليها، فيما سطّر أيضا سجلات عار مخزية لمن تآمر عليها، ولذلك فإنّ ما يجري على الساحة الفلسطينية من تآمرات حاليا ستلقي بأصحابها في مزابل التاريخ، ولا يمكن أن تضعهم الأمة في خانة عمر وصلاح الدين والسلطان عبد الحميد.
? لقد كانت الثورة العربية الكبرى خنجرا في صدر الأمة، وممهدا لاحتلال فلسطين، ولذلك من المهم أن تعي الأمة على ما خلف الشعارات “الثورية” من مؤامرات، وأن لا تنخدع بمن ينسّق مع الغرب تحت إطار العلاقات الدولية، فذلك التنسيق لا يمكن إلا أن يؤدي لتحقيق برامج الغرب ومصالحه.
22/1/2012

