قصائد نزار قباني

**3

لَمَّا تناثَرَ جِسْمُكِ الضَّوْئِيُّ

يا بلقيسُ ،

لُؤْلُؤَةً كريمَةْ

فَكَّرْتُ : هل قَتْلُ النساء هوايةٌ عَربيَّةٌ

أم أنّنا في الأصل ، مُحْتَرِفُو جريمَةْ ؟

بلقيسُ ..

يا فَرَسِي الجميلةُ .. إنَّني

من كُلِّ تاريخي خَجُولْ

هذي بلادٌ يقتلُونَ بها الخُيُولْ ..

هذي بلادٌ يقتلُونَ بها الخُيُولْ ..

مِنْ يومِ أنْ نَحَرُوكِ ..

يا بلقيسُ ..

يا أَحْلَى وَطَنْ ..

لا يعرفُ الإنسانُ كيفَ يعيشُ في هذا الوَطَنْ ..

لا يعرفُ الإنسانُ كيفَ يموتُ في هذا الوَطَنْ ..

ما زلتُ أدفعُ من دمي ..

أعلى جَزَاءْ ..

كي أُسْعِدَ الدُّنْيَا .. ولكنَّ السَّمَاءْ

شاءَتْ بأنْ أبقى وحيداً ..

مثلَ أوراق الشتاءْ

هل يُوْلَدُ الشُّعَرَاءُ من رَحِمِ الشقاءْ ؟

وهل القصيدةُ طَعْنَةٌ

في القلبِ .. ليس لها شِفَاءْ ؟

أم أنّني وحدي الذي

عَيْنَاهُ تختصرانِ تاريخَ البُكَاءْ ؟

سَأقُولُ في التحقيق :

كيف غَزَالتي ماتَتْ بسيف أبي لَهَبْ

كلُّ اللصوص من الخليجِ إلى المحيطِ ..

يُدَمِّرُونَ .. ويُحْرِقُونَ ..

ويَنْهَبُونَ .. ويَرْتَشُونَ ..

ويَعْتَدُونَ على النساءِ ..

كما يُرِيدُ أبو لَهَبْ ..

كُلُّ الكِلابِ مُوَظَّفُونَ ..

ويأكُلُونَ ..

ويَسْكَرُونَ ..

على حسابِ أبي لَهَبْ ..

لا قَمْحَةٌ في الأرض ..

تَنْبُتُ دونَ رأي أبي لَهَبْ

لا طفلَ يُوْلَدُ عندنا

إلا وزارتْ أُمُّهُ يوماً ..

فِراشَ أبي لَهَبْ !!..

لا سِجْنَ يُفْتَحُ ..

دونَ رأي أبي لَهَبْ ..

لا رأسَ يُقْطَعُ

دونَ أَمْر أبي لَهَبْ ..

سَأقُولُ في التحقيق :

كيفَ أميرتي اغْتُصِبَتْ

وكيفَ تقاسَمُوا فَيْرُوزَ عَيْنَيْهَا

وخاتَمَ عُرْسِهَا ..

وأقولُ كيفَ تقاسَمُوا الشَّعْرَ الذي

يجري كأنهارِ الذَّهَبْ ..

سَأَقُولُ في التحقيق :

كيفَ سَطَوْا على آيات مُصْحَفِهَا الشريفِ

وأضرمُوا فيه اللَّهَبْ ..

سَأقُولُ كيفَ اسْتَنْزَفُوا دَمَهَا ..

وكيفَ اسْتَمْلَكُوا فَمَهَا ..

فما تركُوا به وَرْدَاً .. ولا تركُوا عِنَبْ

هل مَوْتُ بلقيسٍ …

هو النَّصْرُ الوحيدُ

بكُلِّ تاريخِ العَرَبْ ؟؟…

بلقيسُ ..

يا مَعْشُوقتي حتّى الثُّمَالَةْ ..

الأنبياءُ الكاذبُونَ ..

يُقَرْفِصُونَ ..

ويَرْكَبُونَ على الشعوبِ

ولا رِسَالَةْ ..

لو أَنَّهُمْ حَمَلُوا إلَيْنَا ..

من فلسطينَ الحزينةِ ..

نَجْمَةً ..

أو بُرْتُقَالَةْ ..

لو أَنَّهُمْ حَمَلُوا إلَيْنَا ..

من شواطئ غَزَّةٍ

حَجَرَاً صغيراً

أو محَاَرَةْ ..

لو أَنَّهُمْ من رُبْعِ قَرْنٍ حَرَّروا ..

زيتونةً ..

أو أَرْجَعُوا لَيْمُونَةً

ومَحوا عن التاريخ عَارَهْ

لَشَكَرْتُ مَنْ قَتَلُوكِ .. يا بلقيسُ ..

يا مَعْشوقتي حتى الثُّمَالَةْ ..

لكنَّهُمْ تَرَكُوا فلسطيناً

ليغتالُوا غَزَالَةْ !!..

ماذا يقولُ الشِّعْرُ ، يا بلقيسُ ..

في هذا الزَمَانِ ؟

ماذا يقولُ الشِّعْرُ ؟

في العَصْرِ الشُّعُوبيِّ ..

المَجُوسيِّ ..

الجَبَان

والعالمُ العربيُّ

مَسْحُوقٌ .. ومَقْمُوعٌ ..

ومَقْطُوعُ اللسانِ ..

نحنُ الجريمةُ في تَفَوُّقِها

فما ( العِقْدُ الفريدُ ) وما ( الأَغَاني ) ؟؟

أَخَذُوكِ أيَّتُهَا الحبيبةُ من يَدِي ..

أخَذُوا القصيدةَ من فَمِي ..

أخَذُوا الكتابةَ .. والقراءةَ ..

والطُّفُولَةَ .. والأماني

بلقيسُ .. يا بلقيسُ ..

يا دَمْعَاً يُنَقِّطُ فوق أهداب الكَمَانِ ..

عَلَّمْتُ مَنْ قتلوكِ أسرارَ الهوى

لكنَّهُمْ .. قبلَ انتهاءِ الشَّوْطِ

قد قَتَلُوا حِصَاني

بلقيسُ :

أسألكِ السماحَ ، فربَّما

كانَتْ حياتُكِ فِدْيَةً لحياتي ..

إنّي لأعرفُ جَيّداً ..

أنَّ الذين تورَّطُوا في القَتْلِ ، كانَ مُرَادُهُمْ

أنْ يقتُلُوا كَلِمَاتي !!!

نامي بحفْظِ اللهِ .. أيَّتُها الجميلَةْ

فالشِّعْرُ بَعْدَكِ مُسْتَحِيلٌ ..

والأُنُوثَةُ مُسْتَحِيلَةْ

سَتَظَلُّ أجيالٌ من الأطفالِ ..

تسألُ عن ضفائركِ الطويلَةْ ..

وتظلُّ أجيالٌ من العُشَّاقِ

تقرأُ عنكِ . . أيَّتُها المعلِّمَةُ الأصيلَةْ …

وسيعرفُ الأعرابُ يوماً ..

أَنَّهُمْ قَتَلُوا الرسُولَةْ ..

قَتَلُوا الرسُولَةْ ..

ق .. ت .. ل ..و .. ا

ال .. ر .. س .. و .. ل .. ة

نزار قباني ? بيروت في

15/12/1981**

**2

بلقيسُ ..

كيفَ تركتِنا في الريح ..

نرجِفُ مثلَ أوراق الشَّجَرْ ؟

وتركتِنا - نحنُ الثلاثةَ - ضائعينَ

كريشةٍ تحتَ المَطَرْ ..

أتُرَاكِ ما فَكَّرْتِ بي ؟

وأنا الذي يحتاجُ حبَّكِ .. مثلَ (زينبَ) أو (عُمَرْ)

بلقيسُ ..

يا كَنْزَاً خُرَافيّاً ..

ويا رُمْحَاً عِرَاقيّاً ..

وغابَةَ خَيْزُرَانْ ..

يا مَنْ تحدَّيتِ النجُومَ ترفُّعاً ..

مِنْ أينَ جئتِ بكلِّ هذا العُنْفُوانْ ؟

بلقيسُ ..

أيتها الصديقةُ .. والرفيقةُ ..

والرقيقةُ مثلَ زَهْرةِ أُقْحُوَانْ ..

ضاقتْ بنا بيروتُ .. ضاقَ البحرُ ..

ضاقَ بنا المكانْ ..

بلقيسُ : ما أنتِ التي تَتَكَرَّرِينَ ..

فما لبلقيسَ اثْنَتَانْ ..

بلقيسُ ..

تذبحُني التفاصيلُ الصغيرةُ في علاقتِنَا ..

وتجلُدني الدقائقُ والثواني ..

فلكُلِّ دبّوسٍ صغيرٍ .. قصَّةٌ

ولكُلِّ عِقْدٍ من عُقُودِكِ قِصَّتانِ

حتى ملاقطُ شَعْرِكِ الذَّهَبِيِّ ..

تغمُرُني ،كعادتِها ، بأمطار الحنانِ

ويُعَرِّشُ الصوتُ العراقيُّ الجميلُ ..

على الستائرِ ..

والمقاعدِ ..

والأوَاني ..

ومن المَرَايَا تطْلَعِينَ ..

من الخواتم تطْلَعِينَ ..

من القصيدة تطْلَعِينَ ..

من الشُّمُوعِ ..

من الكُؤُوسِ ..

من النبيذ الأُرْجُواني ..

بلقيسُ ..

يا بلقيسُ .. يا بلقيسُ ..

لو تدرينَ ما وَجَعُ المكانِ ..

في كُلِّ ركنٍ .. أنتِ حائمةٌ كعصفورٍ ..

وعابقةٌ كغابةِ بَيْلَسَانِ ..

فهناكَ .. كنتِ تُدَخِّنِينَ ..

هناكَ .. كنتِ تُطالعينَ ..

هناكَ .. كنتِ كنخلةٍ تَتَمَشَّطِينَ ..

وتدخُلينَ على الضيوفِ ..

كأنَّكِ السَّيْفُ اليَمَاني ..

بلقيسُ ..

أين زجَاجَةُ ( الغِيرلاَنِ ) ؟

والوَلاّعةُ الزرقاءُ ..

أينَ سِجَارةُ الـ (الكَنْتِ ) التي

ما فارقَتْ شَفَتَيْكِ ؟

أين (الهاشميُّ ) مُغَنِّيَاً ..

فوقَ القوامِ المَهْرَجَانِ ..

تتذكَّرُ الأمْشَاطُ ماضيها ..

فَيَكْرُجُ دَمْعُهَا ..

هل يا تُرى الأمْشَاطُ من أشواقها أيضاً تُعاني ؟

بلقيسُ : صَعْبٌ أنْ أهاجرَ من دمي ..

وأنا المُحَاصَرُ بين ألسنَةِ اللهيبِ ..

وبين ألسنَةِ الدُخَانِ …

بلقيسُ : أيتَّهُا الأميرَةْ

ها أنتِ تحترقينَ .. في حربِ العشيرةِ والعشيرَةْ

ماذا سأكتُبُ عن رحيل مليكتي ؟

إنَ الكلامَ فضيحتي ..

ها نحنُ نبحثُ بين أكوامِ الضحايا ..

عن نجمةٍ سَقَطَتْ ..

وعن جَسَدٍ تناثَرَ كالمَرَايَا ..

ها نحنُ نسألُ يا حَبِيبَةْ ..

إنْ كانَ هذا القبرُ قَبْرَكِ أنتِ

أم قَبْرَ العُرُوبَةْ ..

بلقيسُ :

يا صَفْصَافَةً أَرْخَتْ ضفائرَها عليَّ ..

ويا زُرَافَةَ كبرياءْ

بلقيسُ :

إنَّ قَضَاءَنَا العربيَّ أن يغتالَنا عَرَبٌ ..

ويأكُلَ لَحْمَنَا عَرَبٌ ..

ويبقُرَ بطْنَنَا عَرَبٌ ..

ويَفْتَحَ قَبْرَنَا عَرَبٌ ..

فكيف نفُرُّ من هذا القَضَاءْ ؟

فالخِنْجَرُ العربيُّ .. ليسَ يُقِيمُ فَرْقَاً

بين أعناقِ الرجالِ ..

وبين أعناقِ النساءْ ..

بلقيسُ :

إنْ هم فَجَّرُوكِ .. فعندنا

كلُّ الجنائزِ تبتدي في كَرْبَلاءَ ..

وتنتهي في كَرْبَلاءْ ..

لَنْ أقرأَ التاريخَ بعد اليوم

إنَّ أصابعي اشْتَعَلَتْ ..

وأثوابي تُغَطِّيها الدمَاءْ ..

ها نحنُ ندخُلُ عصْرَنَا الحَجَرِيَّ

نرجعُ كلَّ يومٍ ، ألفَ عامٍ للوَرَاءْ …

البحرُ في بيروتَ ..

بعد رحيل عَيْنَيْكِ اسْتَقَالْ ..

والشِّعْرُ .. يسألُ عن قصيدَتِهِ

التي لم تكتمِلْ كلماتُهَا ..

ولا أَحَدٌ .. يُجِيبُ على السؤالْ

الحُزْنُ يا بلقيسُ ..

يعصُرُ مهجتي كالبُرْتُقَالَةْ ..

الآنَ .. أَعرفُ مأزَقَ الكلماتِ

أعرفُ وَرْطَةَ اللغةِ المُحَالَةْ ..

وأنا الذي اخترعَ الرسائِلَ ..

لستُ أدري .. كيفَ أَبْتَدِئُ الرسالَةْ ..

السيف يدخُلُ لحم خاصِرَتي

وخاصِرَةِ العبارَةْ ..

كلُّ الحضارةِ ، أنتِ يا بلقيسُ ، والأُنثى حضارَةْ ..

بلقيسُ : أنتِ بشارتي الكُبرى ..

فَمَنْ سَرَق البِشَارَةْ ؟

أنتِ الكتابةُ قبْلَمَا كانَتْ كِتَابَةْ ..

أنتِ الجزيرةُ والمَنَارَةْ ..

بلقيسُ :

يا قَمَرِي الذي طَمَرُوهُ ما بين الحجارَةْ ..

الآنَ ترتفعُ الستارَةْ ..

الآنَ ترتفعُ الستارِةْ ..

سَأَقُولُ في التحقيقِ ..

إنّي أعرفُ الأسماءَ .. والأشياءَ .. والسُّجَنَاءَ ..

والشهداءَ .. والفُقَرَاءَ .. والمُسْتَضْعَفِينْ ..

وأقولُ إنّي أعرفُ السيَّافَ قاتِلَ زوجتي ..

ووجوهَ كُلِّ المُخْبِرِينْ ..

وأقول : إنَّ عفافَنا عُهْرٌ ..

وتَقْوَانَا قَذَارَةْ ..

وأقُولُ : إنَّ نِضالَنا كَذِبٌ

وأنْ لا فَرْقَ ..

ما بين السياسةِ والدَّعَارَةْ !!

سَأَقُولُ في التحقيق :

إنّي قد عَرَفْتُ القاتلينْ

وأقُولُ :

إنَّ زمانَنَا العربيَّ مُخْتَصٌّ بذَبْحِ الياسَمِينْ

وبقَتْلِ كُلِّ الأنبياءِ ..

وقَتْلِ كُلِّ المُرْسَلِينْ ..

حتّى العيونُ الخُضْرُ ..

يأكُلُهَا العَرَبْ

حتّى الضفائرُ .. والخواتمُ

والأساورُ .. والمرايا .. واللُّعَبْ ..

حتّى النجومُ تخافُ من وطني ..

ولا أدري السَّبَبْ ..

حتّى الطيورُ تفُرُّ من وطني ..

و لا أدري السَّبَبْ ..

حتى الكواكبُ .. والمراكبُ .. والسُّحُبْ

حتى الدفاترُ .. والكُتُبْ ..

وجميعُ أشياء الجمالِ ..

جميعُها .. ضِدَّ العَرَبْ ..**

قصة وقصيدة..
بلقيس الراوي
زوجة الشاعر نزار قباني
حياته مع بلقيس
يقول نزار: بلقيس هي كنز عظيم عثرت عليه مصادفه, حيث كنت أقدم أمسية شعرية في بغداد عام 1962م ويضيف, قصتنا ككل قصص الحب في المدن العربية جوبهت بـ (لا) كبيرة جداَ.. كان الاعتراض الأقوى على تاريخي الشعري, وكانت مجموعاتي الغزلية وثائق أشهرها أهل بلقيس ضدي والقبائل العربية كما نعرف لا تزوج بناتها من أي شاعر تغزل بإحدى نساء القبيلة, ولما يئست من إقناع شيخ القبيلة بعدالة قضيتي.. ركبت الطائرة وسافرت إلى أسبانيا لأعمل دبلوماسياَ فيها لمدة ثلاث سنوات, وخلال هذه السنوات الطويلة كنت أكتب لبلقيس, وكانت تكتب لي.. رغم أن بريد القبيلة كان مراقباَ… وظل وضع نزار على هذا الحال حتى جاء عام 1969م, فيقول نزار
(في هذا العام ذهبت إلى بغداد بدعوة رسمية للاشتراك في مهرجان المربد.. وهناك ألقيت قصيدة من أجمل قصائدي كانت ((بلقيس الراوي)) بطلتها الرئيسية:
مرحباَ يا عراق, جئت أغنيك
وبعض من الغناء بكاء
أكل الحزن من حشاشة قلبي
والبقايا تقاسمتها النساء
بعد هذه القصيدة التي هزت بغداد في تلك الفترة, تعاطفت الدولة والشعب العراقي مع قضية نزار وتولى القادة البعثيون خطبة بلقيس من أبيها, وكان على رأس الوفد الحزبي الذي ذهب إلى بيت الراوي في (حي الاعظمية) لطلب يد بلقيس, وزير الشباب الشاعر الأستاذ شفيق الكمالي ووكيل وزارة الخارجية آنئذ الشاعر الأستاذ شاذل طاقة. وهكذا ذهب نزار إلى بغداد عام 1969م ليلقي قصيدة شعر.. وعاد وهو يحمل (نخلة عراقية)
ومع بلقيس شعر نزار أنه يعيش في حضن أمه, فقد أدركت بلقيس أن نزاراَ مثل كثير من الرجال يحتاج إلى امرأة تكون في المقام الأول (أما) ثم بعد ذلك زوجة فظلت تعامله كطفل وتعوضه عن بعده أمه فقد كان كثير التنقل ولذا نجد نزاراَ يكتب لها قصيدة بمناسبة مرور عشر سنوات على زواجهما، يقول فيها:
أشهد أن لا امرأة
أتقنت اللعبة إلا أنت
واحتملت حماقتي
عشرة أعوام كما احتملت
وقلمت أظافري..
ورتبت دفاتري
وأدخلتني روضة الأطفال
إلا أنت
.. .. ..
أشهد أن لا امرأة
تعاملت معي كطفل عمره شهران
إلا أنت
وقدمت لي لبن العصفور
والأزهار والألعاب
إلا أنت
.. .. ..
أشهد أن لا امرأة
قد جعلت طفولتي
تمتد خمسين عاماَ.. إلا أنت
كان عمر نزار قباني عند كتابة هذه القصيدة (ست وخمسون عاما) وقد ظل نزار يعيش كطفل له (أمان) فائزة وبلقيس، حتى كانت أول أكبر صدمة في حياته حين توفت والدته عام 1976م, وقد اهتز وجدان الشاعر, فقد وصل ارتباطه بها إلى أقصى درجاته, فهي التي كتب لها قصيدة ((خمس رسائل إلى أمي)) عندما كان يسافر بسب عمله في الحقل الدبلوماسي، وكان يصف حاله بدونها:
… لم أعثر
على امرأة تمشط شعري الأشقر
وتحمل في حقيبتها إليّ عرائس السكر
وتكسوني إذا أعرى
وتنشلني إذا أعثر
أيا أمي أنا الولد الذي أبحر
ولا زالت بخاطره
تعيش عروسة السكر
فكيف… فكيف… يا أمي
غدوت أباَ… ولم أكبر
تلك الأبيات من ديوان الرسم بالكلمات الذي صدر عام 1966م
يقول نزار:
(أيقظتني بلقيس في زرقة الفجر..
وغنت من العراق مقاما..
أرسلت شعرها كنهر ديالى..
أرأيتم شعراً يقول كلاما..
كان في صوتها الرصافة والكرخ..
وشمس.. وحنطة.. وخزامى..
حملت لي جرائد اليوم والشاي..
وفاضت أمومة وابتساما..)
ويقول عنها نثراً:
(كانت بلقيس تمثل كوناً حضارياً بحد ذاته.. امرأة من الصعب أن تتكرر ولا أبالغ إذا قلت لن تتكرر ولا أبالغ إذا قلت إنها هي التي أعطتني لا أنا الذي أعطيتها)
ولم تمر سوى أعوام قليلة وتحديداَ في 15/12/1981م حتى يصدم نزار صدمته الثانية, وكانت في وفاة زوجته وأمه الثانية بلقيس الراوي, ماتت التي كانت تمثل له الكثير في حادث مأساوي تحت أنقاض السفارة العراقية في بيروت على إثر انفجار هائل بالقنابل وقع بها ويصف نزار قباني هذه اللحظة قائلا ((كنت في مكتبي بشارع الحمراء حين سمعت صوت انفجار زلزلني من الوريد إلى الوريد ولا أدري كيف نطقت ساعتها: يا ساتر يا رب.. بعدها جاء من ينعي إلي الخبر.. السفارة العراقية نسفوها.. قلت بتلقائية بلقيس راحت.. شظايا الكلمات مازالت داخل جسدي.. أحسست أن بلقيس سوف تحتجب عن الحياة إلى الأبد, وتتركني في بيروت ومن حولي بقاياها, كانت بلقيس واحة حياتي وملاذي وهويتي وأقلامي .
ويطلق الشاعر صرخة حزن مدوية, في قصيدة تعد من أطول القصائد المرثية التي نظمها نزار قباني, وهي قصيدة بلقيس ونذكر لكم منها:
بلقيس يا وجعي
ويا وجع القصيدة حين تلمسها الأنامل
هل يا ترى…
من بعد شعرك سوف ترتفع السنابل؟
.. .. ..
قتلوك يا بلقيس..
أية امة عربية..
تلك التي تغتال أصوات البلابل
.. .. ..
بلقيس..
أيتها الشهيدة.. والقصيدة..
والمطهرة النقية..
سبأ تفتش عن مليكتها
فردي للجماهير التحية..
أقصى درجات الحزن والأسى وصل إليها نزار بعد موت بلقيس حتى إننا نجده يصب غضبه ولعناته على الأمة العربية, ولكن يجب أن نعرف نحن القراء أن غضب نزار على الأمة العربية والعروبة في كثير من قصائده إنما هو انتقاد للواقع الذي وصل إليه حال العروبة الآن, فهو لا ينتقد الفكرة في حد ذاتها, بل ينتقد التطبيق الذي جاء خالياَ من المضمون.
قالوا عن نزار قباني كثير من الناس ومنهم :
قال فاروق جويدة: نزار قباني من الشعراء الذين دفعوا ثمن مواقفهم, وليس من الذين يبحثون عن أكياس الذهب.
وقال الدكتور غازي القصيبي: عجبت للكلمة الخضراء تزرعها.. فترقص البيد في البحر من الشجر تموت؟ كيف؟ وللأشعار مملكة وأنت فيها مليك البدو والحضر.
وقال د. سعاد الصباح: يا صديقي الشاعر لا تقلق على قصائدك فالفن العظيم لا يموت وأروع ما في تاريخ الأدب القصيدة النزارية.

منشورَاتٌ فِدَائيّة على جُدْرَانِ إسْرائيل
(1)
لن تجعلوا من شعبنا
شعبَ هنودٍ حُمرْ..
فنحنُ باقونَ هنا..
في هذه الأرضِ التي تلبسُ في معصمها
إسوارةً من زهرْ
فهذهِ بلادُنا..
فيها وُجدنا منذُ فجرِ العُمرْ
فيها لعبنا، وعشقنا، وكتبنا الشعرْ
مشرِّشونَ نحنُ في خُلجانها
مثلَ حشيشِ البحرْ..
مشرِّشونَ نحنُ في تاريخها
في خُبزها المرقوقِ، في زيتونِها
في قمحِها المُصفرّْ
مشرِّشونَ نحنُ في وجدانِها
باقونَ في آذارها
باقونَ في نيسانِها
باقونَ كالحفرِ على صُلبانِها
باقونَ في نبيّها الكريمِ، في قُرآنها..
وفي الوصايا العشرْ..

(2)
لا تسكروا بالنصرْ?
إذا قتلتُم خالداً.. فسوفَ يأتي عمرْو
وإن سحقتُم وردةً..
فسوفَ يبقى العِطرْ

(3)
لأنَّ موسى قُطّعتْ يداهْ..
ولم يعُدْ يتقنُ فنَّ السحرْ..
لأنَّ موسى كُسرتْ عصاهْ
ولم يعُدْ بوسعهِ شقَّ مياهِ البحرْ
لأنكمْ لستمْ كأمريكا.. ولسنا كالهنودِ الحمرْ
فسوفَ تهلكونَ عن آخركمْ
فوقَ صحاري مصرْ?

(4)
المسجدُ الأقصى شهيدٌ جديدْ
نُضيفهُ إلى الحسابِ العتيقْ
وليستِ النارُ، وليسَ الحريقْ
سوى قناديلٍ تضيءُ الطريقْ

(5)
من قصبِ الغاباتْ
نخرجُ كالجنِّ لكمْ.. من قصبِ الغاباتْ
من رُزمِ البريدِ، من مقاعدِ الباصاتْ
من عُلبِ الدخانِ، من صفائحِ البنزينِ، من شواهدِ الأمواتْ
من الطباشيرِ، من الألواحِ، من ضفائرِ البناتْ
من خشبِ الصُّلبانِ، ومن أوعيةِ البخّورِ، من أغطيةِ الصلاةْ
من ورقِ المصحفِ نأتيكمْ
من السطورِ والآياتْ?
فنحنُ مبثوثونَ في الريحِ، وفي الماءِ، وفي النباتْ
ونحنُ معجونونَ بالألوانِ والأصواتْ..
لن تُفلتوا.. لن تُفلتوا..
فكلُّ بيتٍ فيهِ بندقيهْ
من ضفّةِ النيلِ إلى الفراتْ

(6)
لن تستريحوا معنا..
كلُّ قتيلٍ عندنا
يموتُ آلافاً من المراتْ?

(7)
إنتبهوا.. إنتبهوا?
أعمدةُ النورِ لها أظافرْ
وللشبابيكِ عيونٌ عشرْ
والموتُ في انتظاركم في كلِّ وجهٍ عابرٍ?
أو لفتةٍ.. أو خصرْ
الموتُ مخبوءٌ لكم.. في مشطِ كلِّ امرأةٍ..
وخصلةٍ من شعرْ..

(8)
يا آلَ إسرائيلَ.. لا يأخذْكم الغرورْ
عقاربُ الساعاتِ إن توقّفتْ، لا بدَّ أن تدورْ..
إنَّ اغتصابَ الأرضِ لا يُخيفنا
فالريشُ قد يسقطُ عن أجنحةِ النسورْ
والعطشُ الطويلُ لا يخيفنا
والماءُ يبقى دائماً في باطنِ الصخورْ
هزمتمُ الجيوشَ.. إلا أنكم لم تهزموا الشعورْ
قطعتم الأشجارَ من رؤوسها.. وظلّتِ الجذورْ

(9)
ننصحُكم أن تقرأوا ما جاءَ في الزّبورْ

ننصحُكم أن تحملوا توراتَكم
وتتبعوا نبيَّكم للطورْ..
فما لكم خبزٌ هنا.. ولا لكم حضورْ
من بابِ كلِّ جامعٍ..
من خلفِ كلِّ منبرٍ مكسورْ
سيخرجُ الحجّاجُ ذاتَ ليلةٍ.. ويخرجُ المنصورْ

(10)
إنتظرونا دائماً..
في كلِّ ما لا يُنتظَرْ
فنحنُ في كلِّ المطاراتِ، وفي كلِّ بطاقاتِ السفرْ
نطلعُ في روما، وفي زوريخَ، من تحتِ الحجرْ
نطلعُ من خلفِ التماثيلِ وأحواضِ الزَّهرْ..
رجالُنا يأتونَ دونَ موعدٍ
في غضبِ الرعدِ، وزخاتِ المطرْ
يأتونَ في عباءةِ الرسولِ، أو سيفِ عُمرْ..
نساؤنا.. يرسمنَ أحزانَ فلسطينَ على دمعِ الشجرْ
يقبرنَ أطفالَ فلسطينَ، بوجدانِ البشرْ
يحملنَ أحجارَ فلسطينَ إلى أرضِ القمرْ..

(11)
لقد سرقتمْ وطناً..
فصفّقَ العالمُ للمغامرهْ
صادرتُمُ الألوفَ من بيوتنا
وبعتمُ الألوفَ من أطفالنا
فصفّقَ العالمُ للسماسرهْ..
سرقتُمُ الزيتَ من الكنائسِ
سرقتمُ المسيحَ من بيتهِ في الناصرهْ
فصفّقَ العالمُ للمغامرهْ
وتنصبونَ مأتماً..
إذا خطفنا طائرهْ

(12)
تذكروا.. تذكروا دائماً
بأنَّ أمريكا ? على شأنها ?
ليستْ هيَ اللهَ العزيزَ القديرْ
وأن أمريكا ? على بأسها ?
لن تمنعَ الطيورَ أن تطيرْ
قد تقتلُ الكبيرَ.. بارودةٌ
صغيرةٌ.. في يدِ طفلٍ صغيرْ

(13)
ما بيننا.. وبينكم.. لا ينتهي بعامْ
لا ينتهي بخمسةٍ.. أو عشرةٍ.. ولا بألفِ عامْ
طويلةٌ معاركُ التحريرِ كالصيامْ
ونحنُ باقونَ على صدوركمْ..
كالنقشِ في الرخامْ..
باقونَ في صوتِ المزاريبِ.. وفي أجنحةِ الحمامْ
باقونَ في ذاكرةِ الشمسِ، وفي دفاترِ الأيامْ
باقونَ في شيطنةِ الأولادِ.. في خربشةِ الأقلامْ
باقونَ في الخرائطِ الملوّنهْ
باقونَ في شعر امرئ القيس..
وفي شعر أبي تمّامْ..
باقونَ في شفاهِ من نحبّهمْ
باقونَ في مخارجِ الكلامْ..

(14)
موعدُنا حينَ يجيءُ المغيبْ
موعدُنا القادمُ في تل أبيبْ
“نصرٌ من اللهِ وفتحٌ قريبْ”

(15)
ليسَ حزيرانُ سوى يومٍ من الزمانْ
وأجملُ الورودِ ما ينبتُ في حديقةِ الأحزانْ..

(16)
للحزنِ أولادٌ سيكبرونْ..
للوجعِ الطويلِ أولادٌ سيكبرونْ
للأرضِ، للحاراتِ، للأبوابِ، أولادٌ سيكبرونْ
وهؤلاءِ كلّهمْ..
تجمّعوا منذُ ثلاثينَ سنهْ
في غُرفِ التحقيقِ، في مراكزِ البوليسِ، في السجونْ
تجمّعوا كالدمعِ في العيونْ
وهؤلاءِ كلّهم..
في أيِّ.. أيِّ لحظةٍ
من كلِّ أبوابِ فلسطينَ سيدخلونْ..

(17)
..وجاءَ في كتابهِ تعالى:
بأنكم من مصرَ تخرجونْ
وأنكمْ في تيهها، سوفَ تجوعونَ، وتعطشونْ
وأنكم ستعبدونَ العجلَ دونَ ربّكمْ
وأنكم بنعمةِ الله عليكم سوفَ تكفرونْ
وفي المناشير التي يحملُها رجالُنا
زِدنا على ما قالهُ تعالى:
سطرينِ آخرينْ:
ومن ذُرى الجولانِ تخرجونْ
وضفّةِ الأردنِّ تخرجونْ
بقوّةِ السلاحِ تخرجونْ..

(18)
سوفَ يموتُ الأعورُ الدجّالْ
سوفَ يموتُ الأعورُ الدجّالْ
ونحنُ باقونَ هنا، حدائقاً، وعطرَ برتقالْ
باقونَ فيما رسمَ اللهُ على دفاترِ الجبالْ
باقونَ في معاصرِ الزيتِ.. وفي الأنوالْ
في المدِّ.. في الجزرِ.. وفي الشروقِ والزوالْ
باقونَ في مراكبِ الصيدِ، وفي الأصدافِ، والرمالْ
باقونَ في قصائدِ الحبِّ، وفي قصائدِ النضالْ
باقونَ في الشعرِ، وفي الأزجالْ
باقونَ في عطرِ المناديلِ..
في (الدَّبكةِ) و (الموَّالْ)..
في القصصِ الشعبيِّ، والأمثالْ
باقونَ في الكوفيّةِ البيضاءِ، والعقالْ
باقونَ في مروءةِ الخيلِ، وفي مروءةِ الخيَّالْ
باقونَ في (المهباجِ) والبُنِّ، وفي تحيةِ الرجالِ للرجالْ
باقونَ في معاطفِ الجنودِ، في الجراحِ، في السُّعالْ
باقونَ في سنابلِ القمحِ، وفي نسائمِ الشمالْ
باقونَ في الصليبْ..
باقونَ في الهلالْ..
في ثورةِ الطلابِ، باقونَ، وفي معاولِ العمّالْ
باقونَ في خواتمِ الخطبةِ، في أسِرَّةِ الأطفالْ
باقونَ في الدموعْ..
باقونَ في الآمالْ

(19)
تسعونَ مليوناً من الأعرابِ خلفَ الأفقِ غاضبونْ
با ويلكمْ من ثأرهمْ..
يومَ من القمقمِ يطلعونْ..

(20)
لأنَّ هارونَ الرشيدَ ماتَ من زمانْ
ولم يعدْ في القصرِ غلمانٌ، ولا خصيانْ
لأنّنا مَن قتلناهُ، وأطعمناهُ للحيتانْ
لأنَّ هارونَ الرشيدَ لم يعُدْ إنسانْ
لأنَّهُ في تحتهِ الوثيرِ لا يعرفُ ما القدسَ.. وما بيسانْ
فقد قطعنا رأسهُ، أمسُ، وعلّقناهُ في بيسانْ
لأنَّ هارونَ الرشيدَ أرنبٌ جبانْ
فقد جعلنا قصرهُ قيادةَ الأركانْ..

(21)
ظلَّ الفلسطينيُّ أعواماً على الأبوابْ..
يشحذُ خبزَ العدلِ من موائدِ الذئابْ
ويشتكي عذابهُ للخالقِ التوَّابْ
وعندما.. أخرجَ من إسطبلهِ حصاناً
وزيَّتَ البارودةَ الملقاةَ في السردابْ
أصبحَ في مقدورهِ أن يبدأَ الحسابْ..

(22)
نحنُ الذينَ نرسمُ الخريطهْ
ونرسمُ السفوحَ والهضابْ..
نحنُ الذينَ نبدأُ المحاكمهْ
ونفرضُ الثوابَ والعقابْ..

(23)
العربُ الذين كانوا عندكم مصدّري أحلامْ
تحوّلوا بعدَ حزيرانَ إلى حقلٍ من الألغامْ
وانتقلت (هانوي) من مكانها..
وانتقلتْ فيتنامْ..

(24)
حدائقُ التاريخِ دوماً تزهرُ..
ففي ذُرى الأوراسِ قد ماجَ الشقيقُ الأحمرُ..
وفي صحاري ليبيا.. أورقَ غصنٌ أخضرُ..
والعربُ الذين قلتُم عنهمُ: تحجّروا
تغيّروا..
تغيّروا

(25)
أنا الفلسطينيُّ بعد رحلةِ الضياعِ والسّرابْ
أطلعُ كالعشبِ من الخرابْ
أضيءُ كالبرقِ على وجوهكمْ
أهطلُ كالسحابْ
أطلعُ كلَّ ليلةٍ..
من فسحةِ الدارِ، ومن مقابضِ الأبوابْ
من ورقِ التوتِ، ومن شجيرةِ اللبلابْ
من بركةِ الدارِ، ومن ثرثرةِ المزرابْ
أطلعُ من صوتِ أبي..
من وجهِ أمي الطيبِ الجذّابْ
أطلعُ من كلِّ العيونِ السودِ والأهدابْ
ومن شبابيكِ الحبيباتِ، ومن رسائلِ الأحبابْ
أفتحُ بابَ منزلي.
أدخلهُ. من غيرِ أن أنتظرَ الجوابْ
لأنني أنا.. السؤالُ والجوابْ

(26)
محاصرونَ أنتمُ بالحقدِ والكراهيهْ
فمن هنا جيشُ أبي عبيدةٍ
ومن هنا معاويهْ
سلامُكم ممزَّقٌ..
وبيتُكم مطوَّقٌ
كبيتِ أيِّ زانيهْ..

(27)
نأتي بكوفيّاتنا البيضاءِ والسوداءْ
نرسمُ فوقَ جلدكمْ إشارةَ الفداءْ
من رحمِ الأيامِ نأتي كانبثاقِ الماءْ
من خيمةِ الذُّل التي يعلكُها الهواءْ
من وجعِ الحسينِ نأتي.. من أسى فاطمةَ الزهراءْ
من أُحدٍ نأتي.. ومن بدرٍ.. ومن أحزانِ كربلاءْ
نأتي لكي نصحّحَ التاريخَ والأشياءْ
ونطمسَ الحروفَ..
في الشوارعِ العبريّةِ الأسماء..
رقم القصيدة : 10

السمفونيةُ الجنوبيةُ الخامسة
1
سَمَّيْتُكَ الجَنوبْ
يالابساً عَبَاءَةَ الحُسَينْ
وشَمسَ كَرْبَلاءْ
يا شَجَر الوردِ الذي يحترفُ الفداءْ
يا ثورةَ الأرض الْتَقَتْ بثورة السماءْ
يا جَسَداً يطلعُ من ترابهِ
قَمْحٌ.. وأنبياءْ.
إسمَحْ لنا…
بأنْ نَبُوسَ السيفَ في يَدَيْكْ
إسمحْ لنا..
أن نعبدَ اللهَ الذي يُطلُّ من عينيكْ
يا أيُّها المغسولُ في دمائه كالوردةِ الجُوريَّهْ
أنتَ الذي أعطيتَنَا شهادةَ الميلادْ
ووردةَ الحريَّهْ..
سمَّيتُكَ الجَنُوبْ
يا قَكَر الحُزْن الذي يطلعُ ليلاً من عُيُون فاطِمَه.
يا سُفُنَ الصَيْد التي تحترفُ المُقَاوَمَهْْ..
يا سَمَك البحر الذي يحترفُ المُقَاوَمَهْ..
ا كُتُبَ الشعر التي تحترفُ المُقَاوَمَهْ..
يا ضِفْدَعَ النهر الذي
يقرأُ طولَ الليل سُورَةَ المُقَاوَمَهْ..
يا ركْوَةَ القَهوَةِ فوقَ الفَحْمِ،
يا أيَّامَ عاشُوراءَ،
يا شَرَابَ ماءِ الزَهْر في صيدا،
ويا مآذنَ اللهِ التي تدعُو إلى المقاومَه
يا سَهَراتِ الزَجَل الشعبيِّ،
يا لَعلَعَةَ الرَصَاص في الأعراسِ،
يا زَغْرَدَةَ النساءِ،
يا جرائدَ الحائط،
يا فصائلَ النمل التي
تُهرِّبُ السلاحَ للمُقاوَمَه…
3
يا من يُصلّي الفجرَ في حقلٍ من الألغامْ
لا تنتظرْ من عرب اليوم سوى الكلامْ…
لا تنتظرْ منهم سوى رَسَائل الغَرَامْ
لا تلتفِتْ إلى الوراء يا سيّدَنا الإمامْ
فليس في الوراء غيرُ الجهل والظلام
وليس في الوراء غيرُ الطين والسُخَامْ
وليس في الوراء إلا مُدُنُ الطُرُوحِ والأقزَامْ
حيثُ الغنيُّ يأكلُ الفقيرْ
حيثُ الكبيرُ يأكلُ الصغيرْ
حيثُ النظامُ يأكلُ النظامْ..
4
سَمَّيتُكَ الجَنُوبْ
سَمَّيتُكَ الحُنَّاءَ في أصابع العرائسْ
سَمَّيتُكَ الشِعْرَ البطوليَّ الذي
يحفظهُ الأطفالُ في المدارسْ
سَمَّيتُكَ الأقلامَ، والدفاترَ الورديَّهْ
سَمَّيتكَ الرصاصَ في أزقّة (النَبْطِيَّهْ)
سَمَّيتُكَ الصيفَ الذي تحملُهُ
في ريشها الحَمَامَهْ..
5
سمَّيتُكَ الجَنُوبْ
سمَّيتُكَ المياهَ والسنابلْ
ونَجْمَةَ الغروبْ
سَمَّتُكَ الفجرَ الذي ينتظرُ الولادَهْ
والجَسَدَ المشتاقَ للشهادَهْ
يا آخرَ المدافعينَ عن ثرى طروادَهْ
سَمَّيتُكَ الثورةَ، والدهْشَةَ، والتغييرْ
سَمَّيتُكَ النقيَّ، والتقيَّ، والعزيزَ، والقديرْ
سَمَّيتُكَ الكبيرَ أيُّها الكبيرْ
سَمَّيتُكَ الجَنُوب..
6
سمَّيتُكَ الجَنُوب
سمَّيتُكَ النوارسَ البيضاءَ، والزوارقْ
سَمَّيتُكَ الأطفالَ يلعبونَ بالزنابقْْ
سمَّيتُكَ القصيدةَ الزرقاءْ
سمَّيتُكَ البَرْقَ الذي بناره تشتعلُ الأشياءْ
سمَّيتُكَ المسدَّسَ المخبوءَ في ضفائر النساءْ
سمّيتُكَ الموتى الذينَ بعد أن يُشيَّعُوا
يأتونَ للعشاءْ..
ويَستَريحُونَ إلى فراشهمْ
ويطمئنّونَ على أطفالهمْ
وحين يأتي الفجرُ، يرجعونَ للسَمَاءْ..
7
مَّيتُكَ الجنوبْ
يا أيُّها الطالعُ مثلَ العُشْب من دفاتر الأيَّامْ
يا أيُّها المسافرُ القديمُ فوق الشوكِ والآلامْ
يا أيُّها المُضِيءُ كالنَجْمَة، والساطعُ كالحُسَامْ
لولاكَ كنّا نتعاطى عَلَناً
حَشِيشَةَ الأحلامْ
إسْمَحْ لنا بأن نبوسَ السيفَ في يَدَيْكْ
إسْمَحْ لنا أن نجمعَ الغُبَارَ عن نَعْلَيكْ
لو لَمْ تجيءْ يا سيّدي الإمامْ
كُنَّا أمامَ القائد العِبْريِّ
مذبوحينَ كالأغنامْ…
8
يا سيِّدَ الأمطار والمواسمْ
يا ثورةً شعبيّةً تحملُ في أحشائها التوائِمْ
مَّيتُكَ الحُبَّ الذي يَسْكُنُ في الخواتمْ
سَمَّيتُكَ العطرَ الذي يسكُنُ في البراعِمْ
سَمَّيتُكَ السُنُونُو
يا سيّدَ الأسيادِ، يا مَلْحَمَة الملاحِم.
9
البحرُ نصٌّ أزرقٌ يكتُبُهُ عَليّ
ومَرْيمٌ تجلسُ فوقَ الرمل كلَّ ليلةٍ
تنتظرُ المهديّْ.
وتقطفُ الوردَ الذي يطلع من أصابع الضَحَايا
وزينبٌ تُخَبّئُ السلاحَ في قَمِيصِها
وتَجْمَعُ الشَظَايا
يقطُنُونَ داخلَ المرايا..
10
فاطمةٌ تَجيءُ من صُورٍ، وفي ثيابها
رائحةُ النَعْنَاع والليمونْ
فاطمةٌ تجيئُني، وشَعْرُها
يُشْبِهُ هذا الزَمَنَ المجنونْ
فَاطمةٌ تأتي.. وفي عُيُونها
خَيْلٌ، وراياتٌ، وثائرونْ
هل الحروبُ يا تُرى..
11
سيذكُرُ التاريخُ يوماً قريةً صغيرةً
ين قُرى الجنوبِ،
تُدعَى (مَعْرَكَهْ).
قد دافعتْ بصدرها
عن شَرَف الأرض، وعن كرامة العُرُوبَهْ
وحَوْلَها قبائلٌ جَبَانةٌ
وأُمَّةٌ مُفَكَّكَهْ…
12
مِنْ بحرها..
يخرجُ آلُ البيت كلَّ ليلةٍ
كأنّهمْ أشجارُ بُرْتُقَالْ
مِنْ بحر صورٍ..
يطلعُ الخنجرُ، والوردةُ، والموَّالْ،
يطلعُ الأبطالْ..
13
سَمَّيتُكَ الجَنُوبْ
وضِحكَةَ الشمس على مَرَايل الأولادْ
يا أيُّها القدّيسُ، والشاعرُ، والشهيدْ
يا أيُّها المَسْكونُ بالجديدْ
يا طَلْقَةَ الرصاصِ في جبين أهل الكَهْفْ
ويا نَبيَّ العُنْفْ..
ويا الذي أطْلَقَنا من أسْرِنا
ويا الذي حرَّرنا من خَوْفْ.
14
يا أيُّها المُهْرُ الذي يصهلُ في بَرِيّة الغَضَبْ
إيَّاكَ أن تقرأ حرفاً من كتابات العَرَبْ
فحربُهُمْ إشاعةٌ..
وسيفُهُمْ خَشَبْ..
وعشقهمْ خيانةٌ
ووعْدُهُمْ كَذِبْ
إياكَ أن تسمع حرفاً من خطابات العَرَبْ
فكلُّها نَحْوٌ.. وصَرْفٌ، وأَدَبْ
وكلُّها أضغاثُ أحلامٍ، وَوَصْلاتُ طَرَبْ
لا تَسْتَغِثْ بمازنِ، أو وائلٍ، أو تَغْلبٍ
قومٌ إسْمُهُمْ عَرَبْ!!.
15
يا سيِّدي : يا سيّدَ الأحرارْ:
لم يبقَ إلا أنتْ.
في زَمَن السُقُوط والدَمَارْ
في زمن التراجُع الثوريِّ..
والتراجع القوميِّ،
والتراجُعِ الفكريِّ،
واللصوصِ والتُجَّارْ
في زمن الفَرارْْ..
الكلماتُ أصبحتْ، يا سيّدي الجنوب،
للبيع والإيجارْ
والمُفْرَداتُ يشتغلنَ راقصاتٍ
في بلاد النفطِ.. والدولارْ..
تسيرُ فوقَ الشوكِ والزُجاجْ
والإخوةُ الكرامُ..
نائمونَ فوقَ البَيْضِ، كالدَّجاجْ
وفي زمان الحرب، يهرُبُونَ كالدَّجَاجْ
يا سيّدي الجنوبْ:
في مُدُن الملح التي يسكنُها الطاعونُ والغُبَارْ
في مُدُن الموت التي تخافُ أن تزورَها الأمطارْ
لم يبقَ إلا أنتْ..
تزرعُ في حياتنا النخيلَ، والأعنابَ، والأقمارْ
لم يبقَ إلا أنتَ.. إلا أنتَ.. إلا أنتْ
فافتَحْ لنا بوَّابَةَ النَهَارْ…
والمُفْرَداتُ يشتغلنَ راقصاتٍ
في بلاد النفطِ.. والدولارْ..
لم يبقَ إلا أنتْ
تسيرُ فوقَ الشوكِ والزُجاجْ
والإخوةُ الكرامُ..
نائمونَ فوقَ البَيْضِ، كالدَّجاجْ
وفي زمان الحرب، يهرُبُونَ كالدَّجَاجْ
يا سيّدي الجنوبْ:
في مُدُن الملح التي يسكنُها الطاعونُ والغُبَارْ
في مُدُن الموت التي تخافُ أن تزورَها الأمطارْ
لم يبقَ إلا أنتْ..
تزرعُ في حياتنا النخيلَ، والأعنابَ، والأقمارْ
لم يبقَ إلا أنتَ.. إلا أنتَ.. إلا أنتْ
فافتَحْ لنا بوَّابَةَ النَهَارْ…

**قصائد نزار قباني

نزار توفيق قباني

نزار توفيق قباني*

تاريخ الميلاد : 21 مارس 1923 .*

محل الميلاد : حي مئذنة الشحم ..أحد أحياء دمشق القديمة .*

حصل على البكالوريا من مدرسة الكلية العلمية الوطنية بدمشق ، ثم التحق بكلية الحقوق بالجامعة السورية وتخرّج فيها عام 1944 .*

عمل فور تخرجه بالسلك الدبلوماسي بوزارة الخارجية السورية ، وتنقل في سفاراتها بين مدن عديدة ، خاصة القاهرة ولندن وبيروت ومدريد ، وبعد إتمام الوحدة بين مصر وسوريا عام 1959 ، تم تعيينه سكرتيراً ثانياً للجمهورية المتحدة في سفارتها بالصين . وظل نزار متمسكاً بعمله الدبلوماسي حتى استقال منه عام 1966 .*

طالب رجال الدين في سوريا بطرده من الخارجية وفصله من العمل الدبلوماسي في منتصف الخمسينات ، بعد نشر قصيدة الشهيرة " خبز وحشيش وقمر " التي أثارت ضده عاصفة شديدة وصلت إلى البرلمان .*

كان يتقن اللغة الإنجليزية ، خاصة وأنه تعلّم تلك اللغة على أصولها ، عندما عمل سفيراً لسوريا في لندن بين عامي 1952- 1955.*

الحالة الاجتماعية :*

تزوّج مرتين .. الأولى من سورية تدعى " زهرة " وانجب منها " هدباء " ووفيق " وزهراء .*

وقد توفي توفيق بمرض القلب وعمره 17 سنة ، وكان طالباً بكلية الطب جامعة القاهرة .. ورثاه نزار بقصيدة شهيرة عنوانها " الأمير الخرافي توفيق قباني " وأوصى نزار بأن يدفن بجواره بعد موته .وأما ابنته هدباء فهي متزوجة الآن من طبيب في إحدى بلدان الخليج .*

والمرة الثانية من " بلقيس الراوي ، العراقية .. التي قُتلت في انفجار السفارة العراقية ببيروت عام 1982 ، وترك رحيلها أثراً نفسياً سيئاً عند نزار ورثاها بقصيدة شهيرة تحمل اسمها ، حمّل الوطن العربي كله مسؤولية قتلها ..*

ولنزار من بلقيس ولد اسمه عُمر وبنت اسمها زينب . وبعد وفاة بلقيس رفض نزار أن يتزوج .*

وعاش سنوات حياته الأخيرة في شقة بالعاصمة الإنجليزية وحيداً .*

قصته مع الشعر :*

بدأ نزار يكتب الشعر وعمره 16 سنة ، وأصدر أول دواوينه " قالت لي السمراء " عام 1944 وكان طالبا بكلية الحقوق ، وطبعه على نفقته الخاصة .*

له عدد كبير من دواوين الشعر ، تصل إلى 35 ديواناً ، كتبها على مدار ما يزيد على نصف قرن أهمها " طفولة نهد ، الرسم بالكلمات ، قصائد ، سامبا ، أنت لي " .*

لنزار عدد كبير من الكتب النثرية أهمها : " قصتي مع الشعر ، ما هو الشعر ، 100 رسالة حب " .*

أسس دار نشر لأعماله في بيروت تحمل اسم " منشورات نزار قباني " .*

يقول عن نفسه : "ولدت في دمشق في آذار (مارس) 1923 بيت وسيع، كثير الماء والزهر، من منازل دمشق القديمة، والدي توفيق القباني، تاجر وجيه في حيه، عمل في الحركة الوطنية ووهب حياته وماله لها. تميز أبي بحساسية نادرة وبحبه للشعر ولكل ما هو جميل. ورث الحس الفني المرهف بدوره عن عمه أبي خليل القباني الشاعر والمؤلف والملحن والممثل وباذر أول بذرة في نهضة المسرح المصري.*

امتازت طفولتي بحب عجيب للاكتشاف وتفكيك الأشياء وردها إلى أجزائها ومطاردة الأشكال النادرة وتحطيم الجميل من الألعاب بحثا عن المجهول الأجمل. عنيت في بداية حياتي بالرسم. فمن الخامسة إلى الثانية عشرة من عمري كنت أعيش في بحر من الألوان. أرسم على الأرض وعلى الجدران وألطخ كل ما تقع عليه يدي بحثا عن أشكال جديدة. ثم انتقلت بعدها إلى الموسيقى ولكن مشاكل الدراسة الثانوية أبعدتني عن هذه الهواية.*

وكان الرسم والموسيقى عاملين مهمين في تهيئتي للمرحلة الثالثة وهي الشعر. في عام 1939، كنت في السادسة عشرة. توضح مصيري كشاعر حين كنت وأنا مبحر إلى إيطاليا في رحلة مدرسية. كتبت أول قصيدة في الحنين إلى بلادي وأذعتها من راديو روما. ثم عدت إلى استكمال دراسة الحقوق*

تخرج نزار قباني 1923 دمشق - 1998 لندن في كلية الحقوق بدمشق 1944 ، ثم التحق بالعمل الدبلوماسي ، وتنقل خلاله بين القاهرة ، وأنقرة ، ولندن ، ومدريد ، وبكين ، ولندن.*

وفي ربيع 1966 ، ترك نزار العمل الدبلوماسي وأسس في بيروت دارا للنشر تحمل اسمه ، وتفرغ للشعر. وكانت ثمرة مسيرته الشعرية إحدى وأربعين مجموعة شعرية ونثرية، كانت أولاها " قالت لي السمراء " 1944 ، وكانت آخر مجموعاته " أنا رجل واحد وأنت قبيلة من النساء " 1993 .*

نقلت هزيمة 1967 شعر نزار قباني نقلة نوعية : من شعر الحب إلى شعر السياسة والرفض والمقاومة ؛ فكانت قصيدته " هوامش على دفتر النكسة " 1967 التي كانت نقدا ذاتيا جارحا للتقصير العربي ، مما آثار عليه غضب اليمين واليسار معا.*

في الثلاثنين من أبريل/ نيسان 1999 يمر عام كامل على اختفاء واحد من أكبر شعراء العربية المعاصرين: نزار قباني.*

وقد طبعت جميع دواوين نزار قباني ضمن مجلدات تحمل اسم ( المجموعة الكاملة لنزار قباني ) ، وقد أثار شعر نزار قباني الكثير من الآراء النقدية والإصلاحية حوله، لأنه كان يحمل كثيرا من الآراء التغريبية للمجتمع وبنية الثقافة ، وألفت حوله العديد من الدراسات والبحوث الأكاديمية وكتبت عنه كثير من المقالات النقدية .

**

نـزار قـبّاني

أنا يا صديقة متعب بعروبتي
أقدم لكم هذه القصيدة الرائعة التي ألقاها نزار قباني في تونس بمناسبة تأسيس الجامعة العربية .
يا تونس الخضراءجئتك عاشقاً = وعلى جبيني وردة وكـتــــــــاب
أني الدمشقي الذي أحترف الهوى= فأخضوضرت لغنائه الأعشاب
أحرقت من خلفي جميع مراكبي=ان الهوى أن لا يكون أيـــــــــاب
أنا فوق أجفان النساء مكســــــــر= قطعاً فعمري الموج والأخشـاب
لم أنسى أسماء النساء وأنمـــــــا = للحسن أسباب ولي أسبــــــــــــاب
يا ساكنات البحر في قرطاجــة =جف الشذى وتفرق الأصحـــــاب
أين اللواتي حبهن عبــــــــــــــادة = وغيابهن وقربهن عــــــــــــــــذاب
اللابسات قصائدي ومدامعـــــي =عاتبتهن وما أفاد عتــــــــــــــــــاب
أحببتهن وهن ما أحببننـــــــــــــي = وصدقتهن ووعدهن كــــــــــــــذاب
أني لأشعر بالدوار فناهــــــــــــد = لي يطمئن وناهد يرتــــــــــــــــاب
هل دولة العشق التي أسستهــــا = سقطت علي وسدت الأبــــــــــواب
تبكي الكؤوس فبعد ثغـر حبيبتي = حلفت بأن لا تسكر الأعنــــــــاب
أيصدني نهد تعبت برسمــــــــه= وتخونني الأقراط والأثـــــــــــواب
ماذا جرى لممالكي وبيارقـــــــي = أدعو رباب فلا تجيب ربـــــــــاب
أأحاسب امرأة على نسيانهــــــا = ومتى أستقام مع النساء حســـــاب
ما تبت عن عشقي ولا أستغفرته =ما أسخف العشاق لو هم تابـــــوا


قمر دمشقي يسافر في دمـــــي = وبلابل وسنابل وقبــــــــــــــــــاب
الفل يبدأ من دمشق بياضــــــه =وبعطرها تتطيب الأطيــــــــاب
والماء يبدأ من دمشق ..فحيثمـا= أسندت رأسك جدول ينســــــــاب
والشعر عصفور يمد جناحــــه =فوق الشآم وشاعر جــــــــــــــــواب
والحب يبدأ من دمشق فأهلنـــــا= عبدوا الجمال وذوبوه وذابــــــــــوا
والخيل تبدأ من دمشق مسارهـا= وتشد للفتح الكبير ركـــــــــــــــــاب
والدهر يبدأ من دمشق وعندهــا= تبقى اللغات وتحفظ الأنســـــــــــاب
ودمشق تعطي للعروبة شكلهـا =وبأرضها تتشكل الأحقـــــــــــــاب
بدأ الزفاف فمن تكون مضيفتي= هذا المساء ومن هو العـــــــــــــراب
أأنا مغني القصر يا قرطاجـــة = كيف الحضور وما علي ثيــــــــــاب
ماذا أقول فمي يفتش عن فمــــي= والمفردات حجارة وتـــــــــــــــــراب
فمآدب عربية وقصائـــــــــــــد= همزية ووسائد وحبــــــــــــــــــــــاب
لا الكأس تنسينا مساحة حزننا= يوماً ولا كل الشراب شــــــــــــــراب
من أين يأتي الشعر يا قرطاجة = والدين مات وعادت الأنصــــــــــاب
من أين يأتي الشعر؟حين نهارنا= قمع وحين مساؤنا ارهــــــــــــــــــاب
سرقوا أصابعنا وعطر حروفنــا= فبأي شيء يكتب الكتـــــــــــــــــــــاب
والحكم شرطي يسير ورائنــــا = سراً فنكهة خبزنا أستجــــــــــــــــــواب
والشعر رغم سياطهم وسجونهم=ملك وهم على بابه حجــــــــــــــــــــاب
من أين أدخل بالقصيدة يا ترى؟= وحدائق الشعر الجميل خــــــــــــــراب
لم يبقى في دار البلابل بلبـــــــل= لا البحتري هنا… ولا زريـــــــــاب
شعراء هذا اليوم جنس ثالــــــــث= فالقول فوضى والكلام ضبـــــــــــاب
يتكلمون من الفراغ.. فما هــــــم= عجم اذا نطقوا ولا أعـــــــــــــــــراب
اللاهثون على هوامش عمرنــــا= سيان أن هم حضروا وأن هم غابوا
يتهكمون على النبيذ معتقــــــــاً= وهم على سطح النبيذ ذبــــــــــــــــاب
الخمر تبقى وأن تقادم عهدهــــا= خمراً وقد تتغير الأكــــــــــــــــواب


من أين أدخل في القصيدة يا ترى؟= والشعر فوق رؤوسنا ســــــــرداب
أن القصيدة ليس ما كتبت يـــدي = لكنها ما تكتب الأهـــــــــــــــــــداب
نار الكتابة أحرقت أعمارنــــــــا= فحياتنا الكبريت والأحطــــــــــاب
ما الشعر؟ ما وجع الكتابة ؟ ما الرؤى؟= أولى ضحايانا هم الكتـــــــــــــــاب
يعطوننا الفرح الجميل … وحظهـــم= حظ البغايا … ما لهن ثــــــــواب
يا تونس الخضراءهذا عالــــــــــــــم.= يثرى به الأمي والنصــــــــــــــــاب
فمن الخليج الى المحيط قبائـــــــــــل = بطرت فلا فكــــــــــــــــر ولا أداب
في عصر زيت الكاز يطلب شاعر= ثوباً وترفل بالحرير قحـــــــــــــاب
هل في العيون التونسية شاطــــــــئً = ترتاح فوق رماله الأعصــــــــــاب
أنا يا صديقتي متعب بعروبتـــــــي= فهل العروبة لعنة وعقــــــــــــــــــاب

أمشي على ورق الخريطة خائفــــاً = فعلى الخريطة كلنــــــــــــــــا أغراب
أتكلم الفصحى أمام عشيرتــــــــــــي= وأعيد … لكن ما هناك جــــــــــــواب
لولا العباءات التي التفـــوا بهــــــــا = ما كنت تحسب أنهم أعـــــــــــــــــراب
يتقاتلون على بقايا تمــــــــــــــــــرة= فخناجــــــر مرفوعــة وحــــــــــــــراب
قبلاتهم عربيــــــــة … من ذا رأى = فيما رأى قبل لها أنيــــــــــــــــــــــــاب


يا تونس الخضراءكأسي علقـــم= أعلى الهزيمة تشرب الأنخـــــــــــــــاب
وخريطة الوطن الكبير فضيحــة=فحواجز ومخافر وكـــــــــــــــــــــــــــلاب
والعالم العربي إما نعجــــــــــــة = مذبوحة أو حاكم قصــــــــــــــــــــــــــاب
والعالم العربي يرهن سيفـــــــــه= فحكاية الشرف الرفيع ســــــــــــــــــــراب
والعالم العربي يخزن نفــــــــطه= في خصيتيه وربـك الوهــــــــــــــــــــــاب
والناس قبل النفط أو من بعـــده = مستنزفون فســــــــــــــــــــــــــادة ودواب


يا تونس الخضراء كيف خلاصنا؟= لم يبقى من كتب السمــاء كتــــــــــــاب
ماتت خيول بني أمية كلهــــــا= خجلاً وظل الصرف والأعـــــــــــــــراب
فكأنما كتب التراث خرافــــــــة= كبرى فلا عمر ولا خطـــــــــــــــــــــاب
وبيارق أبن العاص تمسح دمعها= وعزيز مصر بالفصام مصـــــــــــــــاب
من ذا يصدق أن مصر تهودت= فمقام سيدنا الحسيـن يبـــــــــــــــــــــــاب
ما هذه مصر … فأن صلاتهــا =عبرية وأمامها كـــــــــــــــــــــــــــــــذاب
ما هذه مصر؟ فأن سماؤهـــــا= صغرت وأن نساءها أســــــــــــــــــلاب
أن جاء كافور فكم من حاكـــم = قهر الشعوب وتاجه قبقــــــــــــــــــــاب


بحرية العينين يا قرطاجــــــة.=شاخ الزمان وأنت بعد شبـــــــــــــباب
هلي بعرض البحر نصف جزيرة=أم أن حبي التونسي ســــــــــــــــــــراب
أنا متعب وقصائدي تعبت معي= هل للدفاتر يا ترى أعصــــــــــــــــاب
حزني بنفسجة يبللها النــــــــــــدى= وضفاف جرحي روضة وعشــــــــاب
لا تعذليني أن كشفت مواجعي= وجه الحقيقة ما عليه نقـــــــــــــــــــــاب
أن الجنون وراء نصف قصائـدي= أوليس في بعض الجنون صــــــــــــواب
فتحملي غضبي الجميل فربمـــا= ثارت على أمر السماء هضـــــــــــــاب
فأذا صرخت بوجه من أحببتهــــم= فلكي يعيش الحب والأحبـــــــــــــــــــاب
وأذا قسوت على العروبة مــرة= فلقد تضيق بكحلها الأهــــــــــــــــــــــداب
فلربما تجد العروبة نفسهـــــــــا= ويضيء في قلب الظلام شهــــــــــــــــاب
ولقد تطير من العقال حمامــــة = ومن العباءة تطلع الأعشـــــــــــــــــــــاب


قرطاجة…قرطاجة…قرطاجة= هل لي لصدرك رجعة ومتـــــــــــــــــاب
لا تغضبي أذا غلب الهــــــــــــوى =.أن الهوى في طبعه غـــــــــــــــــــــــــــلاب
فذنوب شعري كلها مغفـــورة= والله جل جلاله التـــــــــــــــــــــــــــــــــواب

جواب السؤال

وصلتني القصيدة بالبريد من إحدى المجموعات البريدية، فأجيب :

لا لم يتغير شيء ولن يتغير ما دامت العروبة والتفاخر بها منهج، والعروبة هي نعرة وطنية جوفاء تعتمد على التباهي بالأصل العربي، ويظهر بها أنّها نابعة من شعور بفخر بسبب إنتساب لأمّة، والوطنية وشبيهتها القومية تعتمد على تفاخر بأصل، وقد زرعها الكافر المستعمر بين المسلمين بواسطة عملائه خنجراً يطعن به وحدة المسلمين ، فتمّ له بالتالي هدم دولة الخلافة العثمانية، فانحط حال العرب لجاهلية حديثة هي ما يشكي منها الشاعر، وسيبقى الحال على ما هو علية حتى ينعم الله على الأمة بالتمكين وعودة دولة الخلافة الراشدة، فلنعمل مع العاملين المخلصين لعوددتها حيث سيتحقق بها سلام العالم وأمنه
والعرب قد تغير حالهم وأصبح لهم شأن حين تركوا عروبتهم وحملوا الاسلام رسالة للعالمين، وقد تغافل ناظم القصيدة عن واقع تغير العرب وأسبابه مع أنه أشار لمعالم في طريقها حين مرّ ذكر ( كتب السماء ) و ( خيول بن أمية ) و (بيارق بن العاص ) … فآثر أن يكتفي بالبكاء على رسم درس دون البحث المسؤول.

** مواطنون دونما وطن
هذه القصيدة من اروع ما كتبه نزار
وقد منعت في كثير من الدول العربية
مواطنون دونما وطن
مطاردون كالعصافير على خرائط الزمن
مسافرون دون أوراق ..وموتى دونما كفن
نحن بغايا العصر
كل حاكم يبيعنا ويقبض الثمن
نحن جوارى القصر
يرسلوننا من حجرة لحجرة
من قبضة لقبضة
من هالك لمالك
ومن وثن إلى وثن
نركض كالكلاب كل ليلة
من عدن لطنجة
نبحث عن قبيلة تقبلنا
نبحث عن ستارة تسترنا
وعن سكن
وحولنا أولادنا
احدودبت ظهورهم فى المعاجم القديمة
مواطنون نحن فى مدائن البكاء
قهوتنا مصنوعة من دم كربلاء
حنطتنا معجونة بلحم كربلاء
طعامنا ..شرابنا
عاداتنا ..راياتنا
زهورنا ..قبورنا
جلودنا مختومة بختم كربلاء
لا أحد يعرفنا فى هذه الصحراء
لا نخلة.. ولا ناقة
لا وتد ..ولا حجر
لا هند ..لا عفراء
أوراقنا مريبة
أفكارنا غريبة
أسماؤنا لا تشبه الأسماء
فلا الذين يشربون النفط يعرفوننا
ولا الذين يشربون الدمع والشقاء

معتقلون داخل النص الذى يكتبه حكامنا
معتقلون داخل الدين كما فسره إمامنا
معتقلون داخل الحزن ..وأحلى ما بنا أحزاننا
مراقبون نحن فى المقهى ..وفى البيت
وفى أرحام أمهاتنا
حيث تلفتنا وجدنا المخبر السرى فى انتظارنا
يشرب من قهوتنا
ينام فى فراشنا
يعبث فى بريدنا
ينكش فى أوراقنا
يدخل فى أنوفنا
يخرج من سعالنا
لساننا ..مقطوع
ورأسنا ..مقطوع
وخبزنا مبلل بالخوف والدموع
إذا تظلمنا إلى حامى الحمى
قيل لنا : ممنـــوع
وإذا تضرعنا إلى رب السما
قيل لنا : ممنوع
وإن هتفنا ..يا رسول الله كن فى عوننا
يعطوننا تأشيرة من غير ما رجوع
وإن طلبنا قلماً لنكتب القصيدة الأخيرة
أو نكتب الوصية الأخيرة
قبيل أن نموت شنقاً
غيروا الموضوع
يا وطنى المصلوب فوق حائط الكراهية
يا كرة النار التى تسير نحو الهاوية
لا أحد من مضر ..أو من بنى ثقيف
أعطى لهذا الوطن الغارق بالنزيف
زجاجة من دمه
أو بوله الشريف
لا أحد على امتداد هذه العباءة المرقعة
أهداك يوماً معطفاً أو قبعة
يا وطنى المكسور مثل عشبة الخريف
مقتلعون نحن كالأشجار من مكاننا
مهجرون من أمانينا وذكرياتنا
عيوننا تخاف من أصواتنا
حكامنا آلهة يجرى الدم الأزرق فى عروقهم
ونحن نسل الجارية
لا سادة الحجاز يعرفوننا ..ولا رعاع البادية
ولا أبو الطيب يستضيفنا ..ولا أبو العتاهية
إذا مضى طاغية
سلمنا لطاغية
مهاجرون نحن من مرافئ التعب
لا أحد يريدنا
من بحر بيروت إلى بحر العرب
لا الفاطميون ..ولا القرامطة
ولا المماليك ?ولا البرامكة
ولا الشياطين ..ولا الملائكة
لا أحد يريدنا
لا أحد يقرؤنا
فى مدن الملح التى تذبح فى العام ملايين الكتب
لا أحد يقرؤنا
فى مدن صارت بها مباحث الدولة عرّاب الأدب
مسافرون نحن فى سفينة الأحزاب
قائدنا مرتزق
وشيخنا قرصان
مكومون داخل الأقفاص كالجرذان
لا مرفأ يقبلنا
لا حانة تقبلنا
لا امرأة تقبلنا
كل الجوازات التى نحملها
أصدرها الشيطان
كل الكتابات التى نكتبها
لا تعجب السلطان


مسافرون خارج الزمان والمكان
مسافرون ضيعوا نقودهم ..وضيعوا متاعهم
ضيعوا أبناءهم ..وضيعوا أسماءهم..وضيعوا إنتماءهم..
وضيعوا الإحساس بالأمان
فلا بنو هاشم يعرفوننا ..ولا بنو قحطان
ولا بنو ربيعة ..ولا بنو شيبان
ولا بنو “لينين” يعرفوننا ..ولا بنو “ريجان”
يا وطنى ..كل العصافير لها منازل
إلا العصافير التى تحترف الحرية
فهى تموت خارج الأوطان**

مسافرون
قصيدة سياسية نادرة ورائعة لنزار قباني
القاها الشاعر نزار قباني في مهرجان المربد الخامس في بغداد عام 1985
وقد احدثت ضجة كبيرة داخل الاوساط الادبية لجرأتها في حينها و تم التعتيم والتشويش عليها و منعت من الصدور على الصحف العراقية وقنوات الاعلام
هذه الجلسة كان يرعاها ويحضرها وزير الاعلام لطيف نصيف جاسم … استفزت القصيدة الوزير بعد ان القاها نزار
والذي كان ينتظر منه قصيدة يمدح بها اسوة بالشعراء الذين سبقوه,
وكانوا قائمة طويلة من الشعراء العرب اذكر نهم الشاعرة االكويتية سعاد العبد الله الصباح.. فلم ترق القصيدة للوزير خاصة بعد عملت لنزار هاله خاصة من التفخيم والترحيب دون باقي الشعراء كرست له الصحافة وقنوات الاعلام الشيء "الكثير وقد استفز نزار الوزير والمسؤولين عندما وصل المقطع "فى مدن صارت بها مباحث الدولة عرّاب الأداب
واشار بيديه الى كل الشعراء والمسؤلين الجالسون في الصف الامامي ثم ليكمل هجومه حينما قال :

مسافرون نحن فى سفينة الأحزان
قائدنا مرتزق
وشيخنا قرصان
فصار قائدنا مرتزق بدل من ان يكون بطل الفرسان
..
… فكانت مفاجئة مذهلة في ذلك الحين فمن يمتلك الجرأة لفعل ذلك
بعد الانتهاء من القصيدة صفق المسؤولين لنزار ببرود وامتعاض
تم التعتيم على القصيدة في وسائل الاعلام
حصلنا على نسخة منها من المهرجان وقد حفظتها لانها اصبحت جرما لمن يقتنيها
انني اذا اسجل هذا الموقف لنزار قباني انما من باب الامانة التاريخية
لم يدعى نزار االى اي مهرجان في العراق بعد ذلك
ثم اصبح يلعن علنا بعد عام 1990 في اجهزة الاعلام العراقية
بعد ان كان شاعر العرب الكبير فيها الشاعر نزا ر قباني

مسافرون نحن فى سفينة الأحزان
قائدنا مرتزق
وشيخنا قرصان
فصار قائدنا مرتزق بدل من ان يكون بطل الفرسان
مواطنون دونما وطن
مطاردون كالعصافير على خرائط الزمن
مسافرون دون أوراق ..وموتى دونما كفن
نحن بغايا العصر
كل حاكم يبيعنا ويقبض الثمن
نحن جوارى القصر
يرسلوننا من حجرة لحجرة
من قبضة لقبضة
من مالك لمالك
ومن وثن إلى وثن
نركض كالكلاب كل ليلة
من عدن لطنجة
ومن عدن الى طنجة
نبحث عن قبيلة تقبلنا
نبحث عن ستارة تسترنا
وعن سكن
وحولنا أولادنا
احدودبت ظهورهم وشاخوا
وهم يفتشون في المعاجم القديمة
عن جنة نظيرة
عن كذبة كبيرة … كبيرة
تدعى الوطن


مواطنون نحن فى مدائن البكاء
قهوتنا مصنوعة من دم كربلاء
حنطتنا معجونة بلحم كربلاء
طعامنا ..شرابنا
عاداتنا ..راياتنا
زهورنا ..قبورنا
جلودنا مختومة بختم كربلاء
لا أحد يعرفنا فى هذه الصحراء
لا نخلة.. ولا ناقة
لا وتد ..ولا حجر
لا هند ..لا عفراء
أوراقنا مريبة
أفكارنا غريبة
أسماؤنا لا تشبه الأسماء
فلا الذين يشربون النفط يعرفوننا
ولا الذين يشربون الدمع والشقاء

معتقلون داخل النص الذى يكتبه حكامنا
معتقلون داخل الدين كما فسره إمامنا
معتقلون داخل الحزن ..وأحلى ما بنا أحزاننا
مراقبون نحن فى المقهى ..وفى البيت
وفى أرحام أمهاتنا
حيث تلفتنا وجدنا المخبر السرى فى انتظارنا
يشرب من قهوتنا
ينام فى فراشنا
يعبث فى بريدنا
ينكش فى أوراقنا
يدخل فى أنوفنا
يخرج من سعالنا
لساننا ..مقطوع
ورأسنا ..مقطوع
وخبزنا مبلل بالخوف والدموع
إذا تظلمنا إلى حامى الحمى
قيل لنا : ممنـــوع
وإذا تضرعنا إلى رب السما
قيل لنا : ممنوع
وإن هتفنا ..يا رسول الله كن فى عوننا
يعطوننا تأشيرة من غير ما رجوع
وإن طلبنا قلماً لنكتب القصيدة الأخيرة
أو نكتب الوصية الأخيرة
قبيل أن نموت شنقاً
غيروا الموضوع


يا وطنى المصلوب فوق حائط الكراهية
يا كرة النار التى تسير نحو الهاوية
لا أحد من مضر ..أو من بنى ثقيف
أعطى لهذا الوطن الغارق بالنزيف
زجاجة من دمه
أو بوله الشريف
لا أحد على امتداد هذه العباءة المرقعة


أهداك يوماً معطفاً أو قبعة
يا وطنى المكسور مثل عشبة الخريف
مقتلعون نحن كالأشجار من مكاننا
مهجرون من أمانينا وذكرياتنا
عيوننا تخاف من أصواتنا
حكامنا آلهة يجرى الدم الأزرق فى عروقهم
ونحن نسل الجارية
لا سادة الحجاز يعرفوننا ..ولا رعاع البادية
ولا أبو الطيب يستضيفنا ..ولا أبو العتاهية
إذا مضى طاغية
سلمنا لطاغية


مهاجرون نحن من مرافئ التعب
لا أحد يريدنا
من بحر بيروت إلى بحر العرب
لا الفاطميون ..ولا القرامطة
ولا المماليك ?ولا البرامكة
ولا الشياطين ..ولا الملائكة
لا أحد يريدنا
لا أحد يقرؤنا
فى مدن الملح التى تذبح فى العام ملايين الكتب
لا أحد يقرؤنا
فى مدن صارت بها مباحث الدولة عرّاب الأدب


مسافرون نحن فى سفينة الأحزان
قائدنا مرتزق
وشيخنا قرصان
مكومون داخل الأقفاص كالجرذان
لا مرفأ يقبلنا
لا حانة تقبلنا
كل الجوازات التى نحملها
أصدرها الشيطان
كل الكتابات التى نكتبها
لا تعجب السلطان


مسافرون خارج الزمان والمكان
مسافرون ضيعوا نقودهم ..وضيعوا متاعهم
ضيعوا أبناءهم ..وضيعوا أسماءهم..وضيعوا إنتماءهم..
وضيعوا الإحساس بالأمان
فلا بنو هاشم يعرفوننا ..ولا بنو قحطان
ولا بنو ربيعة ..ولا بنو شيبان
ولا بنو ‘لينين’ يعرفوننا ..ولا بنو ‘ريجان’
يا وطنى ..كل العصافير لها منازل
إلا العصافير التى تحترف الحرية
فهى تموت خارج الأوطان

السيرة الذاتية لسياف عربي

أيها الناس:
لقد أصبحت سلطانا عليكم
فاكسروا أصنامكم بعد ضلال ، واعبدونى…
إننى لا أتجلى دائما..
فاجلسوا فوق رصيف الصبر، حتى تبصرونى
اتركوا أطفالكم من غير خبز
واتركوا نسوانكم من غير بعل .. واتبعونى
إحمدوا الله على نعمته
فلقد أرسلنى كى أكتب التاريخ،
والتاريخ لا يكتب دونى
إنني يوسف فى الحسن
ولم يخلق الخالق شعرا ذهبيا مثل شعرى
وجبيناً نبوياً كجبينى
وعيونى غابة من شجر الزيتون واللوز
فصلوا دائما كى يحفظ الله عيونى
أيها الناس:
أنا مجنون ليلى
فابعثوا زوجاتكم يحملن منى..
وابعثوا أزواجكم كى يشكرونى
شرف أن تأكلوا حنطة جسمى
شرف أن تقطفوا لوزى وتينى
شرف أن تشبهونى..
فأنا حادثة ماحدثت
منذ آلاف القرون..

2
أيها الناس:
أنا الأول والأعدل،
والأجمل من بين جميع الحاكمين
وأنا بدر الدجى، وبياض الياسمين
وأنا مخترع المشنقة الأولى، وخير المرسلين..
كلما فكرت أن أعتزل السلطة، ينهانى ضميرى
من ترى يحكم بعدى هؤلاء الطيبين؟
من سيشفى بعدى الأعرج، والأبرص، والأعمى..
ومن يحيى عظام الميتين؟
من ترى يخرج من معطفه ضوء القمر؟
من ترى يرسل للناس المطر؟
من ترىي جلدهم تسعين جلدة؟
من ترى يصلبهم فوق الشجر؟
من ترى يرغمهم أن يعيشوا كالبقر؟
ويموتوا كالبقر؟
كلما فكرت أن أتركهم
فاضت دموعى كغمامة..
وتوكلت لا على الله …
وقررت أن أركب الشعب..
من الآن.. الى يوم القيامه..
3

أيها الناس:
أنا أملككم
كما أملك خيلى .. وعبيدى
وأنا أمشى عليكم مثلما أمشى على سجاد قصرى
فاسجدوا لى فى قيامى
واسجدوا لى فى قعودى
أو لم أعثر عليكم ذات يوم
بين أوراق جدودى ؟؟
حاذروا أن تقرأوا أى كتاب
فأنا أقرأ عنكم..
حاذروا أن تكتبوا أى خطاب
فأنا أكتب عنكم..
حاذروا أن تسمعوا فيروز بالسر
فإنى بنواياكم عليم
حاذروا أن تدخلوا القبر بلا إذنى
فهذا عندنا إثم عظيم
والزموا الصمت، إذا كلمتكم
فكلامى هو قرآن كريم..

4

أيها الناس:
أنا مهديكم ، فانتظرونى
ودمى ينبض فى قلب الدوالى، فاشربونى
أوقفوا كل الأناشيد التى ينشدها الأطفال
فى حب الوطن
فأنا صرت الوطن.
إننى الواحد، والخالد ما بين جميع الكائنات
وأنا المخزون فى ذاكرة التفاح، والناى،
وزرق الأغنيات
إرفعوا فوق الميادين تصاويرى
وغطونى بغيم الكلمات
واخطبوا لى أصغر الزوجات سناً..
فأنا لست أشيخ..
جسدى ليس يشيخ..
وسجونى لا تشيخ..
وجهاز القمع فى مملكتى ليس يشيخ..
أيهاالناس:
أنا الحجاج إن أنزع قناعى تعرفونى
وأنا جنكيز خان جئتكم..
بحرابى .. وكلابى.. سوجونى
لاتضيقوا - أيها الناس - ببطشى
فأنا أقتل كى لا تقتلونى…
وأنا أشنق كى لا تشنقونى..
وأنا أدفنكم فى ذلك القبر الجماعى
لكيلا تدفونى..

5

أيها الناس :
اشتروا لى صحفا تكتب عنى
إنها معروضة مثل البغايا فى الشوارع
إشتروا لى ورقا أخضر مصقولاً كأشعاب الربيع
ومدادا .. ومطابع
كل شىء يشترى فى عصرنا .. حتى الأصابع..
إشتروا فاكهة الفكر .. وخلوها أمامى
واطبخوا لى شاعرا،
واجعلوه، بين أطباق طعامى..
أنا أمى.. وعندى عقدة مما يقول الشعراء
فاشتروا لى شعراء يتغنون بحسنى..
واجعلونى نجم كل الأغلفة
فنجوم الرقص والمسرح ليسوا أبدا أجمل منى
فأنا، بالعملة الصعبة،أشرى ما أريد
أشترى ديوان بشار بن برد
وشفاه المتنبى، وأناشيدلبيد..
فالملايين التى فى بيت مال المسلمين
هى ميراث قديم لأبى
فخذوا من ذهبى
واكتبوا فى أمهات الكتب
أن عصرى عصر هارونالرشيد…

6

يا جماهير بلادى:
ياجماهير الشعوب العربية
إننى روح نقى جاء كى يغسلكم من غبار الجاهلية
سجلوا صوتى على أشرطة
إن صوتى أخضر الايقاع كالنافورة الأندلسية
صورونى باسما مثل الجوكندا
ووديعا مثل وجه المدلية
صورونى…
وأنا أفترس الشعر بأسنانى..
وأمتص دماء الأبجدية
صورونى
بوقار ىوجلالى،
وعصاى العسكرية
صورونى..
عندما أصطاد وعلا أوغزالا
صورونى..
عندما أحملكم فوق أكتافى لدار الأبدية
ياجماهير الشعوب العربية…

7

أيها الناس:
أنا المسؤول عن أحلامكم إذ تحلمون..
وأنا المسؤول عن كل رغيف تأكلون
وعن العشر الذى - من خلف ظهرى - تقرأون
فجهاز الأمن فى قصرى يوافينى
بأخبارالعصافير .. وأخبار السنابل
ويوافينى بما يحدث فى بطن الحوامل
أيها الناس: أنا سجانكم
وأنا مسجونكم.. فلتعذرونى
إننى المنفى فى داخل قصرى
لا أرى شمسا، ولا نجما، ولا زهرة دفلى
منذ أن جئت الى السلطة طفلا
ورجال السيرك يلتفون حولى
واحد ينفخ ناياً..
واحد يضرب طبلا
واحد يمسح جوخاً .. واحد يمسح نعلا..
منذ أن جئت الى السلطة طفلا..
لم يقل لى مستشار القصر ( كلا )
لم يقل لى وزرائى أبدا لفظة ( كلا )
لم يقل لى سفرائى أبدا فى الوجه ( كلا )
لم تقل إحد ىنسائى فى سرير الحب ( كلا )
إنهم قد علمونى أن أرى نفسى إلها
وأرى الشعب من الشرفة رملا..
فاعذرونى إن تحولت لهولاكو جديد
أنا لم أقتل لوجه القتل يوما..
إنما أقتلكم .. كى أتسلى

** متى يعلنون وفاة العرب؟

أحاولُ منذ الطُفولةِ رسْمَ بلادٍ

تُسمّى - مجازا - بلادَ العَرَبْ

تُسامحُني إن كسرتُ زُجاجَ القمرْ…

وتشكرُني إن كتبتُ قصيدةَ حبٍ

وتسمحُ لي أن أمارسَ فعْلَ الهوى

ككلّ العصافير فوق الشجرْ…

أحاول رسم بلادٍ

تُعلّمني أن أكونَ على مستوى العشْقِ دوما

فأفرشَ تحتكِ ، صيفا ، عباءةَ حبي

وأعصرَ ثوبكِ عند هُطول المطرْ…

2

أحاولُ رسْمَ بلادٍ…

لها برلمانٌ من الياسَمينْ.

وشعبٌ رقيق من الياسَمينْ.

تنامُ حمائمُها فوق رأسي.

وتبكي مآذنُها في عيوني.

أحاول رسم بلادٍ تكون صديقةَ شِعْري.

ولا تتدخلُ بيني وبين ظُنوني.

ولا يتجولُ فيها العساكرُ فوق جبيني.

أحاولُ رسْمَ بلادٍ…

تُكافئني إن كتبتُ قصيدةَ شِعْرٍ

وتصفَحُ عني ، إذا فاض نهرُ جنوني

3

أحاول رسم مدينةِ حبٍ…

تكون مُحرّرةً من جميع العُقَدْ…

فلايذبحون الأنوثةَ فيها…ولايقمَعون الجَسَدْ…

4

رَحَلتُ جَنوبا…رحلت شمالا…

ولافائدهْ…

فقهوةُ كلِ المقاهي ، لها نكهةٌ واحدهْ…

وكلُ النساءِ لهنّ - إذا ما تعرّينَ-

رائحةٌ واحدهْ…

وكل رجالِ القبيلةِ لايمْضَغون الطعامْ

ويلتهمون النساءَ بثانيةٍ واحدهْ.

5

أحاول منذ البداياتِ…

أن لاأكونَ شبيها بأي أحدْ…

رفضتُ الكلامَ المُعلّبَ دوما.

رفضتُ عبادةَ أيِ وثَنْ…

6

أحاول إحراقَ كلِ النصوصِ التي أرتديها.

فبعضُ القصائدِ قبْرٌ ،

وبعضُ اللغاتِ كَفَنْ.

وواعدتُ آخِرَ أنْثى…

ولكنني جئتُ بعد مرورِ الزمنْ…

7

أحاول أن أتبرّأَ من مُفْرداتي

ومن لعْنةِ المبتدا والخبرْ…

وأنفُضَ عني غُباري.

وأغسِلَ وجهي بماء المطرْ…

أحاول من سلطة الرمْلِ أن أستقيلْ…

وداعا قريشٌ…

وداعا كليبٌ…

وداعا مُضَرْ…

8

أحاول رسْمَ بلادٍ

تُسمّى - مجازا - بلادَ العربْ

سريري بها ثابتٌ

ورأسي بها ثابتٌ

لكي أعرفَ الفرقَ بين البلادِ وبين السُفُنْ…

ولكنهم…أخذوا عُلبةَ الرسْمِ منّي.

ولم يسمحوا لي بتصويرِ وجهِ الوطنْ…

9

أحاول منذ الطفولةِ

فتْحَ فضاءٍ من الياسَمينْ

وأسّستُ أولَ فندقِ حبٍ…بتاريخ كل العربْ…

ليستقبلَ العاشقينْ…

وألغيتُ كل الحروب القديمةِ…

بين الرجال…وبين النساءْ…

وبين الحمامِ…ومَن يذبحون الحمامْ…

وبين الرخام ومن يجرحون بياضَ الرخامْ…

ولكنهم…أغلقوا فندقي…

وقالوا بأن الهوى لايليقُ بماضي العربْ…

وطُهْرِ العربْ…

وإرثِ العربْ…

فيا لَلعجبْ!!

10

أحاول أن أتصورَ ما هو شكلُ الوطنْ?

أحاول أن أستعيدَ مكانِيَ في بطْنِ أمي

وأسبحَ ضد مياه الزمنْ…

وأسرقَ تينا ، ولوزا ، و خوخا,

وأركضَ مثل العصافير خلف السفنْ.

أحاول أن أتخيّلَ جنّة عَدْنٍ

وكيف سأقضي الإجازةَ بين نُهور العقيقْ…

وبين نُهور اللبنْ…

وحين أفقتُ…اكتشفتُ هَشاشةَ حُلمي

فلا قمرٌ في سماءِ أريحا…

ولا سمكٌ في مياهِ الفُراطْ…

ولا قهوةٌ في عَدَنْ…

11

أحاول بالشعْرِ…أن أُمسِكَ المستحيلْ…

وأزرعَ نخلا…

ولكنهم في بلادي ، يقُصّون شَعْر النخيلْ…

أحاول أن أجعلَ الخيلَ أعلى صهيلا

ولكنّ أهلَ المدينةِيحتقرون الصهيلْ!!

12

أحاول - سيدتي - أن أحبّكِ…

خارجَ كلِ الطقوسْ…

وخارج كل النصوصْ…

وخارج كل الشرائعِ والأنْظِمَهْ

أحاول - سيدتي - أن أحبّكِ…

في أي منفى ذهبت إليه…

لأشعرَ - حين أضمّكِ يوما لصدري -

بأنّي أضمّ تراب الوَطَنْ…

13

أحاول - مذْ كنتُ طفلا ، قراءة أي كتابٍ

تحدّث عن أنبياء العربْ.

وعن حكماءِ العربْ… وعن شعراءِ العربْ…

فلم أر إلا قصائدَ تلحَسُ رجلَ الخليفةِ

من أجل جَفْنةِ رزٍ… وخمسين درهمْ…

فيا للعَجَبْ!!

ولم أر إلا قبائل ليست تُفرّق ما بين لحم النساء…

وبين الرُطَبْ…

فيا للعَجَبْ!!

ولم أر إلا جرائد تخلع أثوابها الداخليّهْ…

لأيِ رئيسٍ من الغيب يأتي…

وأيِ عقيدٍ على جُثّة الشعب يمشي…

وأيِ مُرابٍ يُكدّس في راحتيه الذهبْ…

فيا للعَجَبْ!!

14

أنا منذ خمسينَ عاما،

أراقبُ حال العربْ.

وهم يرعدونَ ، ولايمُطرونْ…

وهم يدخلون الحروب ، ولايخرجونْ…

وهم يعلِكونَ جلود البلاغةِ عَلْكا

ولا يهضمونْ…

15

أنا منذ خمسينَ عاما

أحاولُ رسمَ بلادٍ

تُسمّى - مجازا - بلادَ العربْ

رسمتُ بلون الشرايينِ حينا

وحينا رسمت بلون الغضبْ.

وحين انتهى الرسمُ ، ساءلتُ نفسي:

إذا أعلنوا ذاتَ يومٍ وفاةَ العربْ…

ففي أيِ مقبرةٍ يُدْفَنونْ؟

ومَن سوف يبكي عليهم؟

وليس لديهم بناتٌ…

وليس لديهم بَنونْ…

وليس هنالك حُزْنٌ ،

وليس هنالك مَن يحْزُنونْ!!

16

أحاولُ منذُ بدأتُ كتابةَ شِعْري

قياسَ المسافةِ بيني وبين جدودي العربْ.

رأيتُ جُيوشا…ولا من جيوشْ…

رأيتُ فتوحا…ولا من فتوحْ…

وتابعتُ كلَ الحروبِ على شاشةِ التلْفزهْ…

فقتلى على شاشة التلفزهْ…

وجرحى على شاشة التلفزهْ…

ونصرٌ من الله يأتي إلينا…على شاشة التلفزهْ…

17

أيا وطني: جعلوك مسلْسلَ رُعْبٍ

نتابع أحداثهُ في المساءْ.

فكيف نراك إذا قطعوا الكهْرُباءْ؟؟

18

أنا…بعْدَ خمسين عاما

أحاول تسجيل ما قد رأيتْ…

رأيتُ شعوبا تظنّ بأنّ رجالَ المباحثِ

أمْرٌ من الله…مثلَ الصُداعِ…ومثل الزُكامْ…

ومثلَ الجُذامِ…ومثل الجَرَبْ…

رأيتُ العروبةَ معروضةً في مزادِ الأثاث القديمْ…

ولكنني…ما رأيتُ العَرَبْ!!..

لندن 1998**

**من مفكرة عاشق دمشقي

فرشتُ فوقَ ثراكِ الطاهـرِ الهدبـا

فيا دمشـقُ… لماذا نبـدأ العتبـا؟

حبيبتي أنـتِ… فاستلقي كأغنيـةٍ

على ذراعي، ولا تستوضحي السببا

أنتِ النساءُ جميعاً.. ما من امـرأةٍ

أحببتُ بعدك..ِ إلا خلتُها كـذبا

يا شامُ، إنَّ جراحي لا ضفافَ لها

فمسّحي عن جبيني الحزنَ والتعبا

وأرجعيني إلى أسـوارِ مدرسـتي

وأرجعيني الحبرَ والطبشورَ والكتبا

تلكَ الزواريبُ كم كنزٍ طمرتُ بها

وكم تركتُ عليها ذكرياتِ صـبا

وكم رسمتُ على جدرانِها صـوراً

وكم كسرتُ على أدراجـها لُعبا

أتيتُ من رحمِ الأحزانِ… يا وطني

أقبّلُ الأرضَ والأبـوابَ والشُّـهبا

حبّي هـنا.. وحبيباتي ولـدنَ هـنا

فمـن يعيـدُ ليَ العمرَ الذي ذهبا؟

أنا قبيلـةُ عشّـاقٍ بكامـلـها

ومن دموعي سقيتُ البحرَ والسّحُبا

فكـلُّ صفصافـةٍ حّولتُها امـرأةً

و كـلُّ مئذنـةٍ رصّـعتُها ذهـبا

هـذي البساتـينُ كانت بينَ أمتعتي

لما ارتحلـتُ عـن الفيحـاءِ مغتربا

فلا قميصَ من القمصـانِ ألبسـهُ

إلا وجـدتُ على خيطانـهِ عنبا

كـم مبحـرٍ.. وهمومُ البرِّ تسكنهُ

وهاربٍ من قضاءِ الحبِّ ما هـربا

يا شـامُ، أيـنَ هما عـينا معاويةٍ

وأيـنَ من زحموا بالمنكـبِ الشُّهبا

فلا خيـولُ بني حمـدانَ راقصـةٌ

زُهــواً… ولا المتنبّي مالئٌ حَـلبا

وقبـرُ خالدَ في حـمصٍ نلامسـهُ

فـيرجفُ القبـرُ من زوّارهِ غـضبا

يا رُبَّ حـيٍّ.. رخامُ القبرِ مسكنـهُ

ورُبَّ ميّتٍ.. على أقدامـهِ انتصـبا

يا ابنَ الوليـدِ.. ألا سيـفٌ تؤجّرهُ؟

فكلُّ أسيافنا قد أصبحـت خشـبا

دمشـقُ، يا كنزَ أحلامي ومروحتي

أشكو العروبةَ أم أشكو لكِ العربا؟

أدمـت سياطُ حزيرانَ ظهورهم

فأدمنوها.. وباسوا كفَّ من ضربا

وطالعوا كتبَ التاريخِ.. واقتنعوا

متى البنادقُ كانت تسكنُ الكتبا؟

سقـوا فلسطـينَ أحلاماً ملوّنةً

وأطعموها سخيفَ القولِ والخطبا

وخلّفوا القدسَ فوقَ الوحلِ عاريةً

تبيحُ عـزّةَ نهديها لمـن رغِبـا..

هل من فلسطينَ مكتوبٌ يطمئنني

عمّن كتبتُ إليهِ.. وهوَ ما كتبا؟

وعن بساتينَ ليمونٍ، وعن حلمٍ

يزدادُ عنّي ابتعاداً.. كلّما اقتربا

أيا فلسطينُ.. من يهديكِ زنبقةً؟

ومن يعيدُ لكِ البيتَ الذي خربا؟

شردتِ فوقَ رصيفِ الدمعِ باحثةً

عن الحنانِ، ولكن ما وجدتِ أبا..

تلفّـتي… تجـدينا في مَـباذلنا..

من يعبدُ الجنسَ، أو من يعبدُ الذهبا

فواحـدٌ أعمـتِ النُعمى بصيرتَهُ

فللخنى والغـواني كـلُّ ما وهبا

وواحدٌ ببحـارِ النفـطِ مغتسـلٌ

قد ضاقَ بالخيشِ ثوباً فارتدى القصبا

وواحـدٌ نرجسـيٌّ في سـريرتهِ

وواحـدٌ من دمِ الأحرارِ قد شربا

إن كانَ من ذبحوا التاريخَ هم نسبي

على العصـورِ.. فإنّي أرفضُ النسبا

يا شامُ، يا شامُ، ما في جعبتي طربٌ

أستغفرُ الشـعرَ أن يستجديَ الطربا

ماذا سأقرأُ مـن شعري ومن أدبي؟

حوافرُ الخيلِ داسـت عندنا الأدبا

وحاصرتنا.. وآذتنـا.. فلا قلـمٌ

قالَ الحقيقةَ إلا اغتيـلَ أو صُـلبا

يا من يعاتبُ مذبوحـاً على دمـهِ

ونزفِ شريانهِ، ما أسهـلَ العـتبا

من جرّبَ الكيَّ لا ينسـى مواجعهُ

ومن رأى السمَّ لا يشقى كمن شربا

حبلُ الفجيعةِ ملتفٌّ عـلى عنقي

من ذا يعاتبُ مشنوقاً إذا اضطربا؟

الشعرُ ليـسَ حمامـاتٍ نـطيّرها

نحوَ السماءِ، ولا ناياً.. وريحَ صَبا

لكنّهُ غضـبٌ طـالت أظـافـرهُ

ما أجبنَ الشعرَ إن لم يركبِ الغضبا

..**

أيظنُ ؟
أيظن

أيظن أني لعبة بيديه؟

أنا لا أفكر في الرجوع إليه

اليوم عاد كأن شيئا لم يكن

وبراءة الأطفال في عينيه

ليقول لي : إني رفيقة دربه

وبأنني الحب الوحيد لديه

حمل الزهور إلي .. كيف أرده

وصباي مرسوم على شفتيه

ما عدت أذكر .. والحرائق في دمي

كيف التجأت أنا إلى زنديه

خبأت رأسي عنده .. وكأنني

طفل أعادوه إلى أبويه

حتى فساتيني التي أهملتها

فرحت به .. رقصت على قدميه

سامحته .. وسألت عن أخباره

وبكيت ساعات على كتفيه

وبدون أن أدري تركت له يدي

لتنام كالعصفور بين يديه ..

ونسيت حقدي كله في لحظة

من قال إني قد حقدت عليه؟

كم قلت إني غير عائدة له

ورجعت .. ما أحلى الرجوع إليه ..

قصيدة اعتذار لأبي تمام

1

أحبائي :

إذا جئنا لنحضر حفلة للزار ..

منها يضجر الضجر

إذا كانت طبول الشعر ، يا سادة

تفرقنا .. وتجمعنا

وتعطينا حبوب النوم في فمنا

وتسطلنا .. وتكسرنا.

كما الأوراق في تشرين تنكسر

فإني سوف أعتذر ..

2

أحبائي :

إذا كنا سنرقص دون سيقان .. كعادتنا

ونخطب دون أسنان .. كعادتنا ..

ونؤمن دون إيمان .. كعادتنا ..

ونشنق كل من جاؤوا إلى القاعة

على حبل طويل من بلاغتنا

سأجمع كل أوراقي..

وأعتذر…

3

إذا كنا سنبقي أيها السادة

ليوم الدين .. مختلفين حول كتابة الهمزة ..

وحول قصيدة نسبت إلى عمرو بن كلثوم ..

إذا كنا سنقرأ مرة أخرى

قصائدنا التي كنا قرأناها ..

ونمضغ مرة أخرى

حروف النصب والجر .. التي كنا مضغناها

إذا كنا سنكذب مرة أخرى

ونخدع مرة أخرى الجماهير التي كنا خدعناها

ونرعد مرة أخرى ، ولا مطر ..

سأجمع كل أرواقي ..

وأعتذر..

4

إذا كان تلاقينا

لكي نتبادل الانخاب، أو نسكر ..

ونستلقي على تخت من الريحان والعنبر

إذا كنا نظن الشعر راقصة .. مع الأفراح تستأجر

وفي الميلاد ، والتأبين تستأجر

ونتلوه كما نتلو كلام الزير أو عنتر

إذا كانت هموم الشعر يا سادة

هي الترفيه عن معشوقة القيصر

ورشوة كل من في القصر من حرس .. ومن عسكر ..

إذا كنا سنسرق خطبة الحجاج : والحجاج .. والمنبر ..

ونذبح بعضنا بعضا لنعرف من بنا أشعر ..

فأكبر شاعر فينا هو الخنجر..

5

أبا تمام .. أين تكون .. أين حديثك العطر؟

وأين يد مغامرة تسافر في مجاهيل ، وتبتكر ..

أبا تمام ..

أرملة قصائدنا .. وأرملة كتابتنا ..

وأرملة هي الألفاظ والصور..

فلا ماء يسيل على دفاترنا..

ولا ريح تهب على مراكبنا

ولا شمس ولا قمر

أبا تمام، دار الشعر دورته

وثار اللفظ .. والقاموس..

ثار البدو والحضر ..

ومل البحر زرقته ..

ومل جذوعه الشجر

ونحن هنا ..

كأهل الكهف .. لا علم ولا خبر

فلا ثوارنا ثاروا ..

ولا شعراؤنا شعروا ..

أبا تمام : لا تقرأ قصائدنا ..

فكل قصورنا ورق ..

وكل دموعنا حجر ..

6

أبا تمام : إن الشعر في أعماقه سفر

وإبحار إلى الآتي .. وكشف ليس ينتظر

ولكنا .. جعلنا منه شيئا يشبه الزفة

وإيقاعا نحاسيا، يدق كأنه القدر ..

7

أمير الحرف .. سامحنا

فقد خنا جميعا مهنة الحرف

وأرهقناه بالتشطير ، والتربيع ، والتخميس ، والوصف

أبا تمام .. إن النار تأكلنا

وما زلنا نجادل بعضنا بعضا ..

عن المصروف .. والممنوع من صرف ..

وجيش الغاصب المحتل ممنوع من الصرف!!

وما زلنا نطقطق عظيم أرجلنا

ونقعد في بيوت الله ننتظر ..

بأن يأتي الإمام على .. أو يأتي لنا عمر

ولن يأتوا .. ولن يأتوا

فلا أحدا بسيف سواه ينتصر ..

8

أبا تمام : إن الناس بالكلمات قد كفروا

وبالشعراء قد كفروا..

فقل لي أيها الشاعر

لماذا الشعر حين يشيخ

لا يستل سكينا .. وينتحر؟

..

**يا هادي الثقلين

القاء محمد حبيب الفندي**

.

يا هادي الثقلين

من اجمل قصائد نزار قباني وهي في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم

قبل فترة وقبل وفاته زار الشاعر نزار قباني المسجد النبوي الشريف ووقف على قبر الرسول صلى الله عليه وسلم فجاءت هذه القصيدة العصماء في سيد البشر عليه أفضل الصلاة والسلام

عَـزَّ الـورودُ وطـال فيـك أوامُ = وأرقـتُ وحـدي والأنـام نيـامُ
ورَدَ الجميع ومن سناك تـزودوا = وطردت عن نبع السنـا وأقامـوا
ومنعت حتى أن أحوم ولـم أكـد =وتقطعت نفسـي عليـك وحامـوا
قصدوك وامتدحوا ودوني أغلقـت =أبواب مدحـك فالحـروف عقـامُ
أدنوا فأذكر مـا جنيـت فأنثنـي = خجـلا تضيـق بحملـي الأقـلام
أمن الحضيض أريد لمسا للـذرى = جـل المقـام فـلا يطـال مقـام
وِزْرِي يكبلني ويخرسني الأسـى = فيموت في طرف اللسـان كـلام
يممت نحوك يـا حبيـب الله فـي = شوقٍ تقـض مضاجعـي الآثـام
أرجو الوصول فليل عمري غابـة =أشـواكـهـا … الأوزار والآلام
يا من ولدت فأشرقـت بربوعنـا = نفحات نـورك وانجلـى الإظـلام
أأعود ظمـآنٌ وغيـري يرتـوي = أيرد عن حـوض النبـي هيـام
كيف الدخول إلى رحاب المصطفى = والنفس حيرى والذنـوب جسـام
أو كلمـا حاولـت إلمامـا بــه = أزف البـلاء فيصعـب الإلـمـام
ماذا أقول وألـف ألـف قصيـدة = عصماء قبلي … سطـرت أقـلام
مدحوك ما بلغوا برغـم ولائهـم = أسرار مجـدك… فالدنـوُّ لمـامُ
حتى وقفـتُ أمـام قبـرك باكيـاً = فتدفـقَ الإحـسـاس والإلـهـامُ
ودنوت مذهـولا أسيـرا لا أرى = حيـران يلجـم شعـري الإلجـام
وتوالت الصور المضيئة كالـرؤى = وطوى الفـؤاد سكينـة وسـلام
يا ملء روحي وهج حبك في دمي = قبس يضـيء سريرتـي وزمـامُ
أنت الحبيب وأنت من أروى لنـا = حتـى أضـاء قلوبنـا الإٍســلام
حوربت لم تخضع ولم تخش العدى = من يحمه الرحمـن كيـف يضـام
وملأت هذا الكون نورا فاختفـت = صور الظـلام وقوضـت أصنـام
الحزن يملأ يا حبيـب جوارحـي = فالمسلمون عن الطريـق تعامـوا
والـذل خيَّـم فالنفـوس كئيبـة = وعلـى الكبـار تطـاول الأقـزام
الحزن أصبـح خبزنـا فمساؤنـا = شجـن وطعـم صباحنـا أسقـام
واليـأس ألقـى ظلـه بنفوسنـا = فكـأن وجـه النيريـن ظــلام
أنى اتجهت ففي العيون غشـاوة = وعلى القلوب من الظـلام ركـام
الكـرب أرقنـا وسهـد ليلـنـا = من مَهدهُ الأشـواك كيـف ينـام
يا طيبة الخيرات ذل المسلمـو ن = ولا مجيـر وضيـعـت أحــلام
يغضون إن سلب الغريب ديارهـم = وعلى القريب شذى التراب حرام
باتـوا أسـارى حيـرة وتمـزق = فكأنهـم بيـن الـورى أغـنـام
ناموا فنام الـذل فـوق جفونهـم = لا غرو وضاع الحـزم والإقـدام
ودنوت مذهـولاً أسيـراً لا أرى = حيران يلجـم شعـري الإحجـام
فتمزقـت نفسـي كطفـل حائـر =قـد عاقـه عمـن يحـب زحـام
يا هادي الثقلين هل مـن دعـوة =وتُدْعَـى بهـا يستيقـظ الـنـوامُ

دولة قمعستان
راائعةٌ لـنـزار قـبّاني ..
لكنها كانت ممنوعه
من دويلات القمع العربية


لمْ يبقَ فيهِم لا أبو بكرٍ .. ولا عثمان
جميعُهُم هياكـلٌ عظمية
في متحفِ الزمان

تساقطَ الفرسانُ عن سروجِهم
واعتُـقِل المؤذنونَ في بيوتهم
واُلْـغِيَ الأذان

جميعُـهُم ..
تضخَّـمت أثـدائُهم
وأصبحوا نسوان

جميعُهم قد ذبحوا خيولهم
وارتهنوا سيوفهم
وقدّموا نساءَهم
هدية لقائد الرومان

ما كان يدعى ببلاد الشام يوما
صار في الجغرافيا…
يدعى (يهودستان)
اللهْ … يا زمان…

لم يبقَ في دفاترِ التاريخ
لا سيفٌ
ولا حِصان

جميعُهم قد تركوا نِعالهم
وهرّبوا أموالهم
وخلَّـفوا وراءهم أطفالهم
وانسحبوا إلى مقاهي الموت والنسيان

جميعهم تخـنَّـثواتكحَّـلوا…
تعطَّروا…
تمايلوا أغصان خيْزران

حتى تظنَّ خالداً … سوزان
ومريماً .. مروان
اللهْ … يا زمان…

جميعُهم قد دخلوا جُحورَهم
واستمتعوا بالمسكِ ، والنساءِ ، والرَّيْحان

جميعُهم : مُدَجَّـنٌ ، مُروَّضٌ ، منافِـقٌ ، مزْدَوجٌ .. جـبان

هلْ ممكنٌ أن يَعْـقِـدَ الإنسانُ صُلحاً دائماً مع الهوان؟
اللهْ … يا زمان ..

هل تعرفونَ من أنا ؟!
مُواطنٌ يسكُنُ في دولة قـَـمْـعِـسْـتان
وهذهِ الدولة ليست نُكتة مصرية
او صورة منقولة عن كُـتُبِ البَديعِ والبيان

فأرضُ (قـَمعـِستان)
جاءَ ذكرُهافي مُعجمِ البُلدان …
وإنَّ منْ أهمِّ صادراتِها
حَقائِباً جِلدية
مصْنوعة من جسدِ الإنسان
اللهْ … يا زمان …

هل تطلبونَ نُـبْذةً صغيرةً عن أرضِ
قـَمعـِستان
تِلكَ التي تمتدُّ من شمالِ أفريقيا
إلى بلادِ نـَـفْـطِـستان

تِلكِ التي تمتدُّ من شواطئِ القَهرِ
إلى شواطئِ
القـتل
الى شواطئِ السَّحْلِ ،
إلى شواطئِ الأحزان .
.وسـيـفُها يمتـدُّ
بينَ مَدْخلِ الشِّـريانِ والشريان

مُلوكُها يُقـرْفِصونَ
فوقَ رَقـَبَة الشُّعوبِ بالوِراثة
ويَكْرهونَ الورقَ الأبيضَ ،
والمِـدادَ ، والأقْـلامَ بالوراثة
وأول البُـنودِ في دُسْـتورها:
يَقـضي بِأنْ تُـلْغَى غريزَةُ الكلامِ في الإنسان
اللهْ … يا زمان …

هل تعرفونَ من أنا ؟!
مُواطنٌ يسكُنُ في دولةِ قـَمْعـِسْـتان
مُواطنٌ ..
.يَحْـلُمُ في يومٍ من الأيامِ أنْ يُصبِحَ في مرتبة الحيوان

مُواطنٌ يخافُ أنْ يَجْلسَ في المقهى ..
لكي لا تـَطلـَعُ الدولة من غياهبِ الفنجان

مُواطنٌ أنا .. يَخافُ أنْ يقرَبَ زوجته
قُبيلَ أن تُراقبَ المباحثُ المكان

مٌواطنٌ أنا .. من شعبِ قـَمْعـِسْـتان
أخافُ ان أدخلَ أيَّ مَسجـدٍ
كي لا يُقـالَ أنّي رَجُـلٌ يُمارسُ الإيمان

كي لا يقولَ المُخبرُ السِّرِيُّ :
أنّي كنتُ أتْـلو سورةَ الرحمن

هذه البلاد شقة مفروشة !

**هـذي البـلاد شـقـةٌ مفـروشـةٌ ، يملكها شخصٌ يسمى عنتره ?
يسـكر طوال الليل عنـد بابهـا ، و يجمع الإيجـار من سكـانهـا ..
و يطلب الزواج من نسـوانهـا ، و يطلق النـار على الأشجـار ?
و الأطفـال ? و العيـون ? و الأثـداء ?والضفـائر المعطـره …
هـذي البـلاد كلهـا مزرعـةٌ شخصيـةٌ لعنـتره ?
سـماؤهـا .. هواؤهـا ? نسـاؤها ? حقولهـا المخضوضره ?
كل البنايـات ? هنـا ? يسـكن فيها عـنتره ?
كل الشـبابيك عليـها صـورةٌ لعـنتره ?
كل الميـادين هنـا ، تحمـل اسـم عــنتره ?
عــنترةٌ يقـيم فـي ثيـابنـا ? فـي ربطـة الخـبز ?
و فـي زجـاجـة الكولا ، و فـي أحـلامنـا المحتضـره …
مـدينـةٌ مهـجورةٌ مهجـره ?
لم يبق ? فيها ? فأرةٌ ، أو نملـةٌ ، أو جدولٌ ، أو شـجره ?
لاشـيء ? فيها ? يدهش السـياح إلا الصـورة الرسميـة المقرره ..
للجـنرال عــنتره ?
فـي عربـات الخـس ، و البـطيخ ?
فــي البـاصـات ، فـي محطـة القطـار ، فـي جمارك المطـار..
فـي طوابـع البريـد ، في ملاعب الفوتبول ، فـي مطاعم البيتزا ?
و فـي كل فئـات العمـلة المزوره ?
فـي غرفـة الجلوس ? فـي الحمـام .. فـي المرحاض ..
فـي ميـلاده السـعيد ، فـي ختـانه المجيـد ..
فـي قصـوره الشـامخـة ، البـاذخـة ، المسـوره ?
مـا من جـديدٍ في حيـاة هـذي المـدينـة المسـتعمره ?
فحزننـا مكررٌ ، وموتنـا مكررٌ ،ونكهة القهوة في شفاهنـا مكرره ?
فمنذ أن ولدنـا ،و نحن محبوسون فـي زجـاجة الثقافة المـدوره ?
ومـذ دخلـنا المدرسـه ،و نحن لاندرس إلا سيرةً ذاتيـةً واحـدهً ?
تـخبرنـا عـن عضـلات عـنتره ?
و مكـرمات عــنتره ? و معجزات عــنتره ?
ولا نرى في كل دور السينما إلا شريطاً عربياً مضجراً يلعب فيه عنتره ?
لا شـيء ? في إذاعـة الصـباح ? نهتـم به ?
فـالخـبر الأولــ ? فيهـا ? خبرٌ عن عــنتره ?
و الخـبر الأخـير ? فيهـا ? خبرٌ عن عــنتره ?
لا شـيء ? في البرنامج الثـاني ? سـوى :
عـزفٌ ? عـلى القـانون ? من مؤلفـات عــنتره ?
و لـوحـةٌ زيتيـةٌ من خـربشــات عــنتره …
و بـاقـةٌ من أردئ الشـعر بصـوت عـنتره ?
هذي بلادٌ يمنح المثقفون ? فيها ? صوتهم ،لسـيد المثقفين عنتره ?
يجملون قـبحه ، يؤرخون عصره ، و ينشرون فكره ?
و يقـرعون الطبـل فـي حـروبـه المظـفره ?
لا نجـم ? في شـاشـة التلفـاز ? إلا عــنتره ?
بقـده الميـاس ، أو ضحكـته المعبـره ?
يـوماً بزي الدوق و الأمير ? يـوماً بزي الكادحٍ الفـقير ?
يـوماً عـلى طـائرةٍ سـمتيـةٍ .. يوماً على دبابة روسيـةٍ ?
يـوماً عـلى مجـنزره ?
يـوماً عـلى أضـلاعنـا المكسـره ?
لا أحـدٌ يجـرؤ أن يقـول : " لا " ، للجـنرال عــنتره ?
لا أحـدٌ يجرؤ أن يسـأل أهل العلم ? في المدينة ? عن حكم عنتره ?
إن الخيارات هنا ، محدودةٌ ،بين دخول السجن ،أو دخول المقبره ..
لا شـيء فـي مدينة المائة و خمسين مليون تابوت سوى ?
تلاوة القرآن ، و السرادق الكبير ، و الجنائز المنتظره ?
لا شيء ،إلا رجلٌ يبيع - في حقيبةٍ - تذاكر الدخول للقبر ، يدعى عنتره ?
عــنترة العبسـي ? لا يتركنـا دقيقةً واحدةً ?
فـ مرة ، يـأكل من طعامنـا ? و مـرةً يشرب من شـرابنـا ?
و مرةً يندس فـي فراشـنا ? و مـرةً يزورنـا مسـلحاً ?
ليقبض الإيجـار عن بلادنـا المسـتأجره

القصيدة الدمشقية

هذي دمشقُ وهذي الكأسُ والرّاحُ =_ إنّي أحبُّ وبعـضُ الحـبِّ ذبّاحُ
أنا الدمشقيُّ لو شرّحتمُ جسدي _ لسـالَ منهُ عناقيـدٌ وتفـّاحُ
و لو فتحـتُم شراييني بمديتكـم _ سمعتمُ في دمي أصواتَ من راحوا
زراعةُ القلبِ تشفي بعضَ من عشقوا -_ وما لقلـبي ?إذا أحببـتُ- جـرّاحُ
الا تزال بخير دار فاطمة _ فالنهد مستنفر و الكحل صبّاح
ان النبيذ هنا نار معطرة _ فهل عيون نساء الشام أقداح
مآذنُ الشّـامِ تبكـي إذ تعانقـني _ و للمـآذنِ كالأشجارِ أرواحُ
للياسمـينِ حقـولٌ في منازلنـا _ وقطّةُ البيتِ تغفو حيثُ ترتـاحُ
طاحونةُ البنِّ جزءٌ من طفولتنـا -_ فكيفَ أنسى؟ وعطرُ الهيلِ فوّاحُ
هذا مكانُ “أبي المعتزِّ” منتظرٌ _ ووجهُ “فائزةٍ” حلوٌ و لمـاحُ
هنا جذوري هنا قلبي هنا لغـتي _ فكيفَ أوضحُ؟ هل في العشقِ إيضاحُ؟
كم من دمشقيةٍ باعـت أسـاورَها _حتّى أغازلها والشعـرُ مفتـاحُ
أتيتُ يا شجرَ الصفصافِ معتذراً _ فهل تسامحُ هيفاءٌ ووضّـاحُ؟
خمسونَ عاماً وأجزائي مبعثرةٌ _ فوقَ المحيطِ وما في الأفقِ مصباحُ
تقاذفتني بحـارٌ لا ضفـافَ لها _ وطاردتني شيـاطينٌ وأشبـاحُ
أقاتلُ القبحَ في شعري وفي _ أدبي حتى يفتّـحَ نوّارٌ وقـدّاحُ
ما للعروبـةِ تبدو مثلَ أرملةٍ؟ _ أليسَ في كتبِ التاريخِ أفراحُ؟
والشعرُ ماذا سيبقى من أصالتهِ؟ _ إذا تولاهُ نصَّـابٌ ومـدّاحُ؟
وكيفَ نكتبُ والأقفالُ في فمنا؟ _ وكلُّ ثانيـةٍ يأتيـك سـفّاحُ؟
حملت شعري على ظهري فأتعبني _ ماذا من الشعرِ يبقى حينَ يرتاحُ؟

قصيدة بلقيس بصوت نزار قباني