**معنى الأسرة لغة :
وردت لكلمة الأسرة عدة معانٍ في المعاجم والقواميس اللغويّة، أهمها: الشد والربط والإحكام، والجماعة يربط بينها أمر مشترك، وأهل المرء وعشيرته، والقيد والحبس، وإحكام الخلق وشدته، والدرع الحصينة. هذا ما تؤكده القواميس والمعاجم اللغوية حيث تقول: (الأسرة في اللغة: من أسر يأسر أسراً، والأسر في اللغة يطلق على القيد والحبس، وإحكام الخلق وشدته… كما تطلق على الدرع الحصينة، وعلى أهل الرجل وعشيرته، وأهله الأدنون، لأنه يتقوى بهم، وفي الحديث"زنى رجل في أسرة من الناس"، الأسرة عشيرة الرجل وأهل بيته، وتطلق على الجماعة التي يربطها أمر مشترك، وجمعها أسر…) () . الملاحظ في هذه المعاني أنها تشترك في معنى الشد والربط والإحكام، وكأن الأسرة في معناها اللغوي العام تعني الرابطة القويّة الحصينة ولذلك جاء في معانيها الدرع الحصينة، وفي المجال البشري جاء من معانيها: أهل المرء وعشيرته.
معنى الأسرة في الاصطلاح الشرعي:
مما لاشك فيه أن كلمة الأسرة لم يرد لها ذكراً في نصوص الكتاب الكريم والسنة المطهرة، ولم تستخدم على ألسنة الفقهاء الأقدمين، ولا في كتاباتهم الفقهيّة لذلك تعددت التعاريف للأسرة لدى الباحثين والمهتمين بالشؤون الأسريّة في الوقت الراهن، وكانت تلك التعاريف مختلفة متباينة، بحسب اختلاف المدارس الفكرية، والاتجاهات التربويّة والفلسفيّة، والأغراض السياسيّة، والأهداف المجتمعيّة. ولا يسعنا ونحن بصدد الوقوف على تحديد معنىً للأسرة، إلاّ أن نعرض لبعض التعاريف التي وُضِعَت للأسرة في الإسلام لعلّنا نتوصل من خلالها إلى بلورة معنى محدّد للأسرة في المنظور الإسلاميّ.
وفي تقدير الباحث أن أولى تلك التعاريف التي يمكن الإفادة منها في هذا الخصوص ما قيل في معنى الأسرة: (“إنها الوحدة الأولى في البناء الاجتماعيّ التي يتأتى من خلالها تربية الفرد في شتى المجالات الخلقية والدينيّة والاجتماعية وغيرها”،… “هي: الوحدة الاجتماعيّة الأولى من حيث تكوينها ونطاقها ووظائفها وعلاقة أفرادها بعضهم ببعض، ومحور القرابة وطقوس الزواج والطلاق والحضانة وشئون المواريث”، … “وهي الوحدة الأولى في بناء المجتمع التي تكون العلاقات فيها مباشرة، ويتم من خلالها تنشئة الفرد اجتماعياً ويكسب منها الفرد الكثير من معارفه ومهاراته وعواطفه واتجاهاته في الحياة ويجد فيها أمنه وسكنه”،… “وهي: الجماعة الإنسانية المكونة من الزوج والزوجة وأولادهما غير المتزوجين الذين يعيشون معهما في سكن واحد وهو ما يعرف بالأسرة النواة”، … “وهي: المؤسسة الاجتماعيّة التي تنشأ من اقتران رجل وامرأة بعقد يرمي إلى إنشاء اللبنة التي تساهم في بناء المجتمع وأهم أركانها الزوج والزوجة والأولاد”) () . من خلال هذه التعاريف يتضح لنا أنها في مجملها لم ترق إلى مستوى التعريف الجامع المانع، ولم تستوف حد التعريف الإجرائي للأسرة في المنظور الإسلامي، حيث أنها في غالبها قد أغفلت المنطلق اللغوي للأسرة، ولم تلتفت إلى المضامين الشرعيّة الدقيقة للمقصود بالأسرة في نطاقها الشرعيّ، بحسب عقد النكاح وأركانه وشروطه وآثاره في الإسلام. وإنما كان التركيز في التعاريف الآنفة، على ما تؤديه الأسرة من وظائف اجتماعية، أو على بعض عناصرها، أو توصيفها بعرض من أعراضها أو مكوناتها الأساسيّة، وبعضها كان موجهاً بحسب الأغراض التي وُجد من أجلها التعريف. لذلك كله لابد من الرجوع إلى الجذر اللغوي للأسرة، وإلى مضامين الواقع الأسري في النصوص الشرعيّة المنظمة لأحكام النكاح في الإسلام، للتعرف من خلالها على المقصود بالأسرة في الإسلام، حيث أن تلك النصوص تضمنت معنى الأسرة في سياق ذكر الأهل والآل ونحو ذلك، كما أنها في هذا السياق تشمل الأسرة النواة، المقتصرة على الزوج والزوجة والأبناء، وتشمل الأسرة الممتدة إلى العشيرة والقبيلة. إذ يقول الحق سبحانه: ]… رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ[وقوله سبحانه ] فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ[ وقوله سبحانه: ] يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [() . ومن هنا فإن كلمة الأهل التي يتردد ذكرها في النصوص الشرعية، لا تكاد تخرج عن معنى الأسرة الاصطلاحي، لاسيّما وأن بعض المعاني اللغويّة للأسرة هو: “عشيرة الرجل وأهل بيته” على ما أسلفناه في هذه الدراسة آنفاً. وتأسيساً على كل ما سبق يمكن أن نعرّف الأسرة في الاصطلاح أنها: [المؤسسة المجتمعيّة الأولى الناشئة عن اقتران رجل بامرأة بموجب عقد النكاح الصحيح في الشرع. للمحافظة على النوع الإنساني، وتنشئة الإنسان التنشئة السويّة على المستوى الفردي والمجتمعي، وتحقيق التكافل المجتمعي بين عناصرها بمقتضى أحكام النفقة والصلات والدية والمواريث].
( ) الحجرات: (13).
() الشعراء : (170).
() وزارة الأوقاف والشئون الإسلاميّة، الكويت، الموسوعة الفقهيّة، ج4، ص 223 ? 224.
() إحسان سمارة، مفهوم العدالة الاجتماعيّة،"2، دار البيان، بيروت، سنة 1988م، ص 40.
() ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، ط، سنة 1955، مادة (أسر)، وانظر أيضاً؛ الرازي، مختار الصحاح مادة “أسر”، ص 16، وانظر كذلك؛ المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربيّة، القاهرة، دار الدعوة، استانبول، ط، ص 17، وانظر سنن أبي داود(ج2،ص560)، ومصنف عبد الرزاق (ج7،ص316-318).
() محمد عقله، نظام الأسرة في الإسلام، مكتبة الرسالة الحديثة، بيروت، ص 18، عزمي السيد وزملاؤه، الثقافة الإسلاميّة، منشورات جامعة القدس المفتوحة، ص 283، محمود السرطاوي وآخرون، نظام الإسلام، المركز العربي للخدمات الطلابيّة، الأردن، ص 149.
() هود؛ (73)، الشعراء، (170).، الحجرات: (13).
انتهى الجزء الأول ويليه الجزء الثاني**


