قبس من نور - في ظلال النظام الاجتماعي في الاسلام

**معنى الأسرة لغة :

وردت لكلمة الأسرة عدة معانٍ في المعاجم والقواميس اللغويّة، أهمها: الشد والربط والإحكام، والجماعة يربط بينها أمر مشترك، وأهل المرء وعشيرته، والقيد والحبس، وإحكام الخلق وشدته، والدرع الحصينة. هذا ما تؤكده القواميس والمعاجم اللغوية حيث تقول: (الأسرة في اللغة: من أسر يأسر أسراً، والأسر في اللغة يطلق على القيد والحبس، وإحكام الخلق وشدته… كما تطلق على الدرع الحصينة، وعلى أهل الرجل وعشيرته، وأهله الأدنون، لأنه يتقوى بهم، وفي الحديث"زنى رجل في أسرة من الناس"، الأسرة عشيرة الرجل وأهل بيته، وتطلق على الجماعة التي يربطها أمر مشترك، وجمعها أسر…) () . الملاحظ في هذه المعاني أنها تشترك في معنى الشد والربط والإحكام، وكأن الأسرة في معناها اللغوي العام تعني الرابطة القويّة الحصينة ولذلك جاء في معانيها الدرع الحصينة، وفي المجال البشري جاء من معانيها: أهل المرء وعشيرته.

معنى الأسرة في الاصطلاح الشرعي:

مما لاشك فيه أن كلمة الأسرة لم يرد لها ذكراً في نصوص الكتاب الكريم والسنة المطهرة، ولم تستخدم على ألسنة الفقهاء الأقدمين، ولا في كتاباتهم الفقهيّة لذلك تعددت التعاريف للأسرة لدى الباحثين والمهتمين بالشؤون الأسريّة في الوقت الراهن، وكانت تلك التعاريف مختلفة متباينة، بحسب اختلاف المدارس الفكرية، والاتجاهات التربويّة والفلسفيّة، والأغراض السياسيّة، والأهداف المجتمعيّة. ولا يسعنا ونحن بصدد الوقوف على تحديد معنىً للأسرة، إلاّ أن نعرض لبعض التعاريف التي وُضِعَت للأسرة في الإسلام لعلّنا نتوصل من خلالها إلى بلورة معنى محدّد للأسرة في المنظور الإسلاميّ.

وفي تقدير الباحث أن أولى تلك التعاريف التي يمكن الإفادة منها في هذا الخصوص ما قيل في معنى الأسرة: (“إنها الوحدة الأولى في البناء الاجتماعيّ التي يتأتى من خلالها تربية الفرد في شتى المجالات الخلقية والدينيّة والاجتماعية وغيرها”،… “هي: الوحدة الاجتماعيّة الأولى من حيث تكوينها ونطاقها ووظائفها وعلاقة أفرادها بعضهم ببعض، ومحور القرابة وطقوس الزواج والطلاق والحضانة وشئون المواريث”، … “وهي الوحدة الأولى في بناء المجتمع التي تكون العلاقات فيها مباشرة، ويتم من خلالها تنشئة الفرد اجتماعياً ويكسب منها الفرد الكثير من معارفه ومهاراته وعواطفه واتجاهاته في الحياة ويجد فيها أمنه وسكنه”،… “وهي: الجماعة الإنسانية المكونة من الزوج والزوجة وأولادهما غير المتزوجين الذين يعيشون معهما في سكن واحد وهو ما يعرف بالأسرة النواة”، … “وهي: المؤسسة الاجتماعيّة التي تنشأ من اقتران رجل وامرأة بعقد يرمي إلى إنشاء اللبنة التي تساهم في بناء المجتمع وأهم أركانها الزوج والزوجة والأولاد”) () . من خلال هذه التعاريف يتضح لنا أنها في مجملها لم ترق إلى مستوى التعريف الجامع المانع، ولم تستوف حد التعريف الإجرائي للأسرة في المنظور الإسلامي، حيث أنها في غالبها قد أغفلت المنطلق اللغوي للأسرة، ولم تلتفت إلى المضامين الشرعيّة الدقيقة للمقصود بالأسرة في نطاقها الشرعيّ، بحسب عقد النكاح وأركانه وشروطه وآثاره في الإسلام. وإنما كان التركيز في التعاريف الآنفة، على ما تؤديه الأسرة من وظائف اجتماعية، أو على بعض عناصرها، أو توصيفها بعرض من أعراضها أو مكوناتها الأساسيّة، وبعضها كان موجهاً بحسب الأغراض التي وُجد من أجلها التعريف. لذلك كله لابد من الرجوع إلى الجذر اللغوي للأسرة، وإلى مضامين الواقع الأسري في النصوص الشرعيّة المنظمة لأحكام النكاح في الإسلام، للتعرف من خلالها على المقصود بالأسرة في الإسلام، حيث أن تلك النصوص تضمنت معنى الأسرة في سياق ذكر الأهل والآل ونحو ذلك، كما أنها في هذا السياق تشمل الأسرة النواة، المقتصرة على الزوج والزوجة والأبناء، وتشمل الأسرة الممتدة إلى العشيرة والقبيلة. إذ يقول الحق سبحانه: ]… رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ[وقوله سبحانه ] فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ[ وقوله سبحانه: ] يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [() . ومن هنا فإن كلمة الأهل التي يتردد ذكرها في النصوص الشرعية، لا تكاد تخرج عن معنى الأسرة الاصطلاحي، لاسيّما وأن بعض المعاني اللغويّة للأسرة هو: “عشيرة الرجل وأهل بيته” على ما أسلفناه في هذه الدراسة آنفاً. وتأسيساً على كل ما سبق يمكن أن نعرّف الأسرة في الاصطلاح أنها: [المؤسسة المجتمعيّة الأولى الناشئة عن اقتران رجل بامرأة بموجب عقد النكاح الصحيح في الشرع. للمحافظة على النوع الإنساني، وتنشئة الإنسان التنشئة السويّة على المستوى الفردي والمجتمعي، وتحقيق التكافل المجتمعي بين عناصرها بمقتضى أحكام النفقة والصلات والدية والمواريث].


( ) الحجرات: (13).

() الشعراء : (170).

() وزارة الأوقاف والشئون الإسلاميّة، الكويت، الموسوعة الفقهيّة، ج4، ص 223 ? 224.

() إحسان سمارة، مفهوم العدالة الاجتماعيّة،"2، دار البيان، بيروت، سنة 1988م، ص 40.

() ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، ط، سنة 1955، مادة (أسر)، وانظر أيضاً؛ الرازي، مختار الصحاح مادة “أسر”، ص 16، وانظر كذلك؛ المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربيّة، القاهرة، دار الدعوة، استانبول، ط، ص 17، وانظر سنن أبي داود(ج2،ص560)، ومصنف عبد الرزاق (ج7،ص316-318).

() محمد عقله، نظام الأسرة في الإسلام، مكتبة الرسالة الحديثة، بيروت، ص 18، عزمي السيد وزملاؤه، الثقافة الإسلاميّة، منشورات جامعة القدس المفتوحة، ص 283، محمود السرطاوي وآخرون، نظام الإسلام، المركز العربي للخدمات الطلابيّة، الأردن، ص 149.

() هود؛ (73)، الشعراء، (170).، الحجرات: (13).

انتهى الجزء الأول ويليه الجزء الثاني**

البنية الأسريّة ومهامّها في المنظور الإسلامي الجزء الأوَل
الكاتب: د. إحسان عبد المنعم سمارة
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وخاتم النبيين محمد بن عبد الله المبعوث بالإسلام للناس أجمعين، والرحمة المهداة للعالمين، ورضوان الله على كل من استجاب لدعوته واهتدى بهديه إلى يوم الدين وبعد:
فإن قضية الأسرة تعد من أهم القضايا التي باتت تشغل أذهان المفكرين التربويين ، والمهتمين بالقضايا الاجتماعية والانساق المجتمعية، وفلاسفة الأخلاق،والقانونيين،لأنها من أهم الاتساق المجتمعية في استقرار المجتمع، وأهم المؤسسات المجتمعية في بناء شخصية أفراد المجتمع.
ومن هنا كان اتفاق كلمة علماء الاجتماع والتربويين على اختلاف مذاهبهم على أن الأسرة نواة المجتمع البشري، واللبنة الأولى التي يقوم عليها صرح أية أمة من الأمم،وهي البيئة اللازمة لتنشئة أفراد المجتمع، التنشئة السوية،وهي ضرورية في استقرار المجتمعات على اختلاف أنماطها وطراز عيشها.
فإذا كانت بنية الأسرة قوية متماسكة، استقرت أحوال المجتمع، وتوطدت أركانه، وترسخت قواعده، وإذا كانت بنية الأسرة ضعيفة واهية،اضطربت أحوال المجتمع، واختل توازنه،وفسدت الحياة فيه.
ولأهمية الأسرة ودورها في حياة البشر كان التركيز عليها في الرسالات الإلهية كلها،ولما كانت رسالة الإسلام التي بعث الله بها محمد صلى الله عليه وسلم للناس أجمعين إلى يوم القيامة،رحمة للعالمين كافة في كل شأن من شئون الحياة الدينية والدنيوية،فإنها جاءت وافية لكل أنظمة الحياة نظرياً وعملياً.ومنها نظام الأسرة،الذي اضطربت فيه الأفهام، وضلت فيه النظريات الفلسفية.بحيث لم يفرق فيه بين العلاقات الجنسية،وضبطها بالزواج، وبين الأسرة وقواعدها وما يترتب عليها من آثار فردية ومجتمعية.
وعليه أصبح من الضروري إظهار أن قواعد الحياة الإنسانية المثلى تتوقف على البنية الأسرية السليمة،التي يتلقى الإنسان في ظلها طبائعه وعاداته وطراز سكنه وأساليب تغذيته وأنماط سلوكه في أنشطته الحياتية كلها، سواء في علاقته بنفسه، من جهة نظرته للنظافة والطهارة،ومواقفه من التلوث والقذارة، والقيم الخلقية، والمزاج الغذائي والكسائي، أم في علاقته مع غيره من جهة العلاقات والنظم عامة، أم في علاقته مع خالقه،من حيث المفاهيم العقدية والطرائق العبادية. ومع تقديرنا لجميع العوامل الفاعلة في كل ذلك وعدم إغفالها.فإن الإسلام يتميز بنظرته الشاملة للإنسان، فوضع له من القواعد والمفاهيم الراسخة التي تسير بحياته على الدوام إلى ما فيه تكريمه وسعادته في الحال والمآل، وتجنبه سبل الغواية والضلال،وجاء بأحكام وتشريعات لبناء الأسرة وحفظها وضمان استقرارها.
وهذا كله يتطلب التركيز في البحوث والدراسات الإنسانية ومنها الأسرية على الأسس والقواعد والمفاهيم الإسلامية لوقف التدهور الحضاري المعاصر الذي بات يتهدد حياة البشر، ويفسد عيشهم بسلسلة الأزمات التي أخذت تهيمن على حياة الإنسان المعاصر، وتشمل مختلف جوانب الحياة البشرية، كما تتغلغل في أعماق النفوس ،وتفتك بالجماعات والأفراد على الصعيدين الاجتماعي والتربوي، في ظل التغول العلماني والفلسفات الوضعية المادية.
وتأسيساً على ما أسلفنا آنفا رأى الباحث إعداد بحث في موضوع الأسرة من وجهة النظر الإسلامية في ضوء النصوص الشرعية، وفي ضوء المنهج الإسلامي الذي تحتمه النصوص المنظمة لشئون الأسرة الإسلامية، كنسق من الاتساق المجتمعية ذات الفاعلية والتأثير على الإنسان المسلم، بل الإنسان بوصفه إنسانا، من حيث كونها المؤسسة المجتمعية الأولى التي يتعلم الإنسان فيها طراز عيشه، وأنماط سلوكه، ويقيم خلالها علاقاته الإنسانية والاجتماعية، ويتلقى فيها عقيدته ولغته وأخلاقه، ويطمح الباحث أن يحدد في هذه الدراسة الملامح الأسرية الأصيلة في المنظور الإسلامي، آملاً أن تكون خطوة على طريق تفعيل دور الأسرة في تنشئة الأبناء التنشئة السوية، وتحقيق الرعاية الاجتماعية على أسس ثابتة وروابط قويمة،بعد أن وهنت قواعدها وفسدت الأذواق حيالها، واعتراها كثيراً من المتغيرات، وأصبحت على منوال الأسرة في الغرب، مقصدها الرئيس حِلُّ الاستمتاع الجنسي. فاضطربت البنية الأسرية واختل توازنها، وهذا مما يؤكد أهمية دراسة النسق الأسري في المنظور الإسلامي ،

حاتم الشرباتي كتب:
**عمل المرأة

السؤال:

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

نشكركم على جهدكم في خدمة الدين وإحياء التمسك بالشريعة. ونرجو منكم أن تعطونا فكرة عن العمل المسموح به للمرأة، وهل يسمح مثلا أن تعمل المرأة في دكان تجاري تبيع مواد غذائية. وجزاكم الله عنا كل الخير.**

**ألجواب:

الكاتب: ياسين بن علي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

قال العلامة الشيخ محمد العزيز جعيّط رحمه الله تعالى: “كثيرا ما فوّق المتعصبون من الغربيين سهام الانتقاد على الشريعة بتهمة الإجحاف بحقوق المرأة حتى أثر ذلك على بعض المنتمين إلى الإسلام ممن فتنهم زبرج التمدن الغربي فانصاعوا لأقوال أهله دون تمييز بين السمين والغثيث والطيب والخبيث وأصبح النساء مثار فتنة من ناحية العدل في التشريع كما كن وما زلن حبائل فتنة من ناحية العفة والاستقامة”.(1)

ومن المسائل التي استغلّها كثير من أعداء الإسلام مسألة عمل المرأة؛ حيث انطلق هؤلاء من واقع المرأة في المجتمع الإسلامي خلال فترة من التاريخ لينتقدوا الإسلام دون تمييز بين رأي الإسلام ورأي الناس. فقد جاء الإسلام ? كما يقول الشيخ الطاهر بن عاشور- “بإلحاق المرأة بالرجل في التكاليف من اعتقاد وعمل وآداب ومعاملات، وجمع في الأقوال التشريعية بين ذكر الرجال والنساء. قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُم أَجْرَهُم بِأَحْسَن ما كَانُوا يَعْمَلُونَ}… وأعلنت حقوق المرأة في الإسلام، آية {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف}…”.(2) وأمّا الناس فقد وصل التعصّب الأعمى ببعضهم أن قالوا بالتضييق على المرأة وعدم السماح لها بأن تخرج من بيتها، ونادوا بمنعها من أن تزاول أعمالها في الحياة فلا رأي لها في السياسة والاقتصاد والاجتماع وغير ذلك.

والحقيقة، أنّ الأصل في المرأة أنها أمّ وربة بيت؛ لذلك جاء الإسلام بأحكام تتعلّق بالمرأة بوصفها أنثى، كالأحكام التي تتعلق بالحمل والولادة والرضاع والحضانة. فكانت مسؤولية الأمومة أهمّ أعمال المرأة وأعظمها. أخرج البخاري ومسلم: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسئولة عنهم…”.

ولأن المرأة في الأصل أم وربة بيت، فقد جعل الإسلام الكسب والعمل خارج البيت من أجل الإنفاق على الأهل من واجبات الرجل. أخرج الترمذي عن سليمان بن عمرو بن الأحوص قال: حدثني أبي أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله، وأثنى عليه، وذكر، ووعظ، فذكر في الحديث قصة فقال : “… ألا إن لكم على نسائكم حقا، ولنسائكم عليكم حقا، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهنّ عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن”. وأخرج البخاري عن عائشة أن هند بنت عتبة قالت: “يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف”.

إلا أنه ليس معنى كون عمل المرأة الأصلي أنها أم وربة بيت أنها أسيرة في البيت، بل معناه أنّ الله خلق المرأة ليسكن إليها الرجل وليوجد منها النسل والذرية فتكون وظيفتها الأساسية وظيفة الأمومة بما تعنيه من بقاء النوع الإنساني وتربية الأطفال تربية صالحة من أجل المجتمع الصالح. وليس معنى كون الأمومة هي مسؤولية المرأة الأساسية، أنها ممنوعة من مزاولة الأعمال الأخرى، بل للمرأة العمل في الحياة العامة؛ إذ أوجب الإسلام عليها طلب العلم فيما يلزمها من أعمال حياتها، وأوجب عليها الأمر بالمعروف والنهي والمنكر، وأجاز لها البيع والإجارة والوكالة، وجعل لها أن تزاول الزراعة والصناعة والتجارة، وأن تتولى العقود بنفسها، وأن تملك وتنمي ملكها وغير ذلك من الأعمال؛ لعموم خطابات الشارع وعدم تخصيص المرأة بالمنع.

وعليه، فيجوز للمرأة أن تعمل، ولكن بشرط أن يكون العمل مما أباحه الشرع، ومما يقصد منه استغلال جهدها (كالكفاءة العلمية والخبرة وإتقان الصنعة) لا أنوثتها (الجمال والجاذبية). أخرج الحاكم في المستدرك عن طارق بن عبد الرحمن القرشي قال: جاء رفاعة بن رافع إلى مجلس الأنصار فقال: لقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم فذكر أشياء وقال:“نهانا عن كسب الأمة إلا ما عملت بيدها، وقال هكذا بأصبعه نحو الغزل والخبز والنفش”. ثمّ إن القاعدة الشرعية (الوسيلة إلى الحرام محرمة) تفيد منع كل عمل يوصل إلى الحرام ولو بغلبة الظن. أخرج البخاري (في باب كسب البغي والإماء من كتاب الإجارة) عن أبي هريرة قال: “نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كسب الإماء”. قال ابن حجر: “ولم يصرح المصنف بالحكم كأنه نبه على أن الممنوع كسب الأمة بالفجور لا بالصنائع الجائزة. قوله (وكره إبراهيم) أي النخعي (أجر النائحة والمغنية) وصله بن أبي شيبة من طريق أبي هاشم عنه وزاد (والكاهن)، وكأن البخاري أشار بهذا الأثر إلى أن النهي في حديث أبي هريرة محمول على ما كانت الحرفة فيه ممنوعة أو تجر إلى أمر ممنوع شرعا لجامع ما بينهما من ارتكاب المعصية”.(3)

01 محرم 1431هـ


(1) ينظر مقال: “التشريع الإسلامي والمرأة”، المجلة الزيتونية م1 ج4 ص178

(2) ينظر “أصول النظام الاجتماعي”، ص98

(3) ينظر “فتح الباري بشرح صحيح البخاري”، ج5 ص224**

**فهذه الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة تدل على أن الأصل الفصل بين الرجال والنساء. وقد كان هذا الأصل معلوما عند المسلمين زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ومما يدل على هذا ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري: “قالت النساء للنبي صلى الله عليه وسلم: غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوما من نفسك، فوعدهن يوما لقيهن فيه، فوعظهن وأمرهن…”، ولو كان الأصل الاختلاط لجمع الرسول صلى الله عليه وسلم النساء مع الرجال في درسه دون أن يجعل لهن يوما، ولو كان أيضا أصل الاختلاط معلوما لكان للنساء أن يطلبن من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يلتحقن بدرس الرجال أو يجلسن معهم.

ومما يدلّ على هذا أيضا ما رواه أبو داود في سننه عن ابن عمر قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: “لو تركنا هذا الباب للنّساء”، وروى أيضا عن نافع قال: “إن عمر بن الخطاب كان ينهى أن يُدخل من باب النساء”، ولو كان الاختلاط جائزا لما خصّ الرسول صلى الله عليه وسلم النساء بباب يدخلن منه دون الرجال، ولما نهى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن أن يدخل منه.

ومما يدل على هذا أيضا ما رواه البخاري عن ابن جريج أخبرني عطاء: إذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال، قال: كيف يمنعهن، وقد طاف نساء النبي صلى الله عليه وسلم مع الرجال؟ قلت: أبعد الحجاب أو قبل؟ قال: إي لعمري، لقد أدركته بعد الحجاب. قلت: كيف يخالطن الرجال؟ قال: لم يكن يخالطن، كانت عائشة رضي الله عنها تطوف حجرة من الرجال، لا تخالطهم…“. ففي هذه المناقشة نرى كيف أن قضية منع الاختلاط بديهية عند المسلمين فلم يعترض أحد عن أصل حظر الاختلاط، وانصب النقاش على غير الأصل، ولو كان الاختلاط في عرف المسلمين جائزا لانصب الاعتراض عليه مع وجود الداعي إليه. قال الشيخ محمد الخضر حسين: " فانظر كيف بدا لابن هشام أن يمنع النساء الطواف مع الرجال أخذا بالقاعدة المعروفة في الشريعة من منع اختلاط النساء بالرجال، ولما أنكر عليه عطاء لم يقل له: إن اختلاط النساء بالرجال لا حرج فيه، ولكنه استدل بحديث أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم كنّ يطفن مع الرجال، ولما بدا لابن جريج أن طوافهن مع الرجال يقتضي الاختلاط بهم، والاختلاط محظور في الشريعة، قال مستشكلا الإذن لهن في الطواف مع الرجال: كيف يخالطهن الرجال؟ فلم يقل له ابن جريج: وأي مانع من هذا الاختلاط، بل بيّن له أنهنّ يطفن مع الرجال دون أن يخالطنهم”.(12)

والحاصل، فإن حكم وجوب فصل الرجال عن النساء وحرمة الاختلاط من الأحكام القطعية الثبوت القطعية الدلالة، وهو من الأمور البديهية المعلومة من الدين بالضرورة عند المسلمين؛ فلم يكن في يوم من الأيام محل نظر عندهم أو محل خلاف بين العلماء رغم اختلاف مذاهبهم.

  1. دفع شبهة

لسنا نعني بوجوب فصل الرجال عن النساء وحرمة الاختلاط الانتقاص من المرأة وحبسها في البيت فلا ترى أحدا ولا يراها أحد. فالمسألة التي نحن بصددها ليست متعلقة بما أقره الشرع من حقوق للمرأة لا ينازع فيها أحد، ولا بما أجازه الشرع للمرأة عموما، إنما نحن بصدد البحث في أصل العلاقة بين الجنسين. فالأستاذ الغنوشي يرى أن الأصل في العلاقة بين الجنسين غير مبني على مفهوم حرمة الاختلاط، ويرى أن الفصل “غير واقعي ولا هو مطلوب شرعا ولا هو نافع”، وقد حصرنا بحثنا في هذا الأصل ولم نشأ الدخول فيما يتفرع عنه مما قد تختلف أنظار العلماء فيه.

فالمسألة إذن غير متعلقة بفرع أو جزئية تخص المرأة من مثل: هل يجوز لها الانتخاب أو لا يجوز، وهل تتولى القضاء أو لا تتولى، وهل يحق لها العمل أو لا يحقّ. فهذه الأمثلة وما شابهها لا تعنينا في بحثنا هذا، وهي محل خلاف بين أهل العلم، وتندرج تحت مسمى الاجتهاد.

نسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقا ويوفقنا لإتباعه، ويرينا الباطل باطلا ويعيننا على اجتنابه.


(1) ينظر موقع تونس نيوز 11\12\2006م، وينظر أصل المقال بموقع أخبار العالم، يوم 3 ديسمبر 2006م

(2) ينظر المبسوط للسرخسي، ج4 ص111

(3) ينظر الكافي لابن قدامة، ج1 ص253

(4) ينظر الطرق الحكمية لابن القيم، ص326

(5) نيل الأوطار للشوكاني، ج3 ص373

(6) ينظر مواهب الجليل لشرح مختصر خليل للحطاب الرعيني، ج4 ص154

(7) ينظر مقال الشيخ محمد الخضر حسين بعنوان (اختلاط الجنسين في نظر الإسلام) على صفحة مجلة الزيتونة

(8) نقلا عن إسلام أون لاين، ركن الفتاوى: (الاختلاط: تعريفه وحكمه وضوابطه)، بتاريخ 12/04/2004م

(9) نقلا عن الشبكة الإسلامية، ركن الفتاوى

(10) ينظر (حكم الاختلاط)، للدكتور محمود مجيد سعود الكبيسي، شبكة جامعة عجمان، أبو ظبي

(11) نقلا عن (الاختلاط بين الواقع والتشريع)، لإبراهيم بن عبد الله الأزرق، ص11

(12) ينظر مقال الشيخ محمد الخضر حسين بعنوان (اختلاط الجنسين في نظر الإسلام) على صفحة مجلة الزيتونة

**2. مفهوم الاختلاط

قال الدكتور عبد الكريم زيدان: “المراد من الاختلاط… اختلاط النساء بالرجال، أي: اجتماع بعضهم مع بعض أو اجتماع امرأة مع رجل. وهذا الاجتماع بين المرأة والرجل (وهما أجنبيان) في مكان واحد يترتب عليه عادة وغالبا مقابلة أحدهما للآخر، أو نظر أحدهما للآخر أو محادثة بينهما”.(8)

وقال الأستاذ الدكتور أحمد الحجي الكردي: “الاختلاط يعني اجتماع الرجال بالنساء الأجانب عنهم في مكان واحد”.(9)

وقال الدكتور محمود الكبيسي: “المراد بالاختلاط في هذا البحث لا يبعد عن المعنى اللغوي ، فهو : اجتماع رجال ونساء ، لا يحرمُ التزاوجُ بينهم حرمةً مؤبدةً ، في مكانٍ واحدٍ، يترتب عليه ـ غالباً ـ مقابلةُ بعضِهِم بعضاً، ونظرُ بعضِهِم إلى بعض، والمحادثةُ بينهم”.(10)

وقال الشيخ عبد الله بن جار الله: “الاختلاط هو الاجتماع بين الرجل والمرأة التي ليست بمحرم، أو اجتماع الرجال بالنساء غير المحارم، في مكان واحد يمكنهم فيه الاتصال فيما بينهم، بالنظر أو الإشارة أو الكلام…”.(11)

هذا هو مفهوم الاختلاط، وقد اصطلح عليه العلماء لبيان واقع ما يتعلق بالعلاقة بين الجنسين، وهو يفيد اجتماع الرجال (الأجانب) بالنساء في حالة خلطة.

  1. لا مشاحة في الاصطلاح ما لم يخالف الشّرع

من المقرّر أن لا مشاحة في الاصطلاح ما لم يخالف الشرع؛ لذلك فليست العبرة بالمباني إنما بالمعاني. وقد استعمل العلماء مصطلح الاختلاط للدلالة على واقع ما، فوجب النظر إذن في هذا الواقع ومعانيه، وعدم التركيز على المصطلح، سواء قلنا إنه من المصطلحات الحديثة أو قلنا إنه من المصطلحات القديمة.

والمسألة التي نحن بصدد تحرير مفهومها هي مسألة العلاقة بين الجنسين أي بين الرجال والنساء. والذي يعنينا منها بغض النظر عن المصطلح المعبّر عنها هو حكمها أي ما حكم العلاقة بين الرجال (الأجانب) والنساء؟ وهل يجوز اجتماعهما أم يحرم ويجب الفصل بينهما؟

  1. وجوب الفصل بين الرجال والنساء

يقول الأستاذ الغنوشي منتقدا حكم الاختلاط بأنه “مطلب غير واقعي ولا هو مطلوب شرعا ولا هو نافع”. وجوابنا عن هذا كالأتي:

أولا: قول الأستاذ الغنوشي “مطلب غير واقعي”، لا يفيد في البحث التشريعي الذي نحن بصدده؛ إذ الإسلام لا يتكيّف مع الواقع، إنما يكيّف الواقع حسب رؤيته وتصوراته ومطالبه. وعليه، فإذا جاء النص الشرعي بطلب معيّن، فعلينا أن نعلم أن الشارع لا يكلّفنا بمحال ولا يكلّفنا إلا بما في وسعنا، وأن مراده تكييف الواقع حسب طلبه. علاوة على هذا فإن طلب الشارع واقعي، وقد تم تطبيقه فعلا لقرون، ولا نظنّ أن مثل هذا يخفى عن مثل الأستاذ الغنوشي.

ثانيا: قول الأستاذ الغنوشي “ولا هو نافع”، لا يفيدنا أيضا في البحث التشريعي الذي نحن بصدده؛ إذ قياس الحقيقة أو الحكم أو العمل بالمنفعة نظرة غربية لا تمتّ إلى الإسلام بصلة. والأصل في المسلم أن يلتزم بالحكم الشرعي متى ثبت بغض النظر عن المنفعة أو المصلحة التي يحقّقها. قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً (36)} (الأحزاب).

ثالثا: قول الأستاذ الغنوشي “ولا هو مطلوب شرعا”، غير صحيح؛ لأنّ الأدلة على حرمة الاختلاط ووجوب الفصل بين الرجال والنساء كثيرة متواترة. وإليك البيان:

إذا تتبعنا مجموع الأدلة الواردة في الكتاب والسنة، وما روي بالتواتر عن الحياة الإسلامية في ظل المجتمع الإسلامي وفي كنف الدولة الإسلامية، وجدنا أن الإسلام مثلا:

? يحرم على المرأة السفر بدون محرم

? ويجعل صفوف النساء في الصلاة خلف صفوف الرجال

? ويفصل في المسجد بين الرجال والنساء

? ويأمر بخروج النساء قبل الرجال بعد الصلاة في المسجد

? ويمنع دخول الأجنبي البيوت ويوجب عليه الاستئذان قبل دخولها**

**خامساً: سدّ الحاجة الفطريّة التكامليّة عند الإنسان وغيره من الكائنات بالتجاوب مع سنة التزاوج التي يسير الكون بحسبها. على ما هو بيِّن في قوله سبحانه:] وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[() . فهذه السُنّة الإلهية العامة المضطردة في كل المخلوقات، لا سبيل لتجسيدها في الحياة البشريّة إلاّ بالبنية الأسرية وفق عقد النكاح الصحيح. قال الحق سبحانه: ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا[() .

سادساً : تجسيد التضامن والتكافل المجتمعي: حيث أن البنية الأسريّة الإسلاميّة بما تقتضيه من تحمل المسئولية الرعويّة، وتحمل التبعات الماديّة والمعنويّة من قبل الآباء نحو بعضهم البعض، ونحو أبنائهم، وكذا الأبناء نحو بعضهم البعض ونحو آبائهم. من شأن أن يرسخ فضيلة التضحيّة والمسؤولية عن الغير، والفضائل الاجتماعية الأخرى التي تجعل المجتمع في تكافله المادي والمعنوي كالجسد الواحد والبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضاً، وفي هذا الخصوص يقول عبد الواحد وافي: (… فالأسرة فقط بنوة كانت أو أبوة هي التي تجعل الأم والأب يرضيان الجوع ليشبع أبناءهم، وبالعري ليلبسوا، وبالسهر ليناموا، ويؤدي الأبناء ذات الدور إن وفوا بحق الله عليهم إزاء آبائهم عند الكبر… ) (). وبهذا نصل إلى استكمال البحث في البنية الأسرية ومهامها في المنظور الإسلامي باعتبارها المؤسسة المجتمعية الأولى التي تتشكل في ظلها البنية البشريّة السويّة، وتُؤسِّس على منوالها النظم المجتمعيّة، ويؤسس في كنفها لطراز العيش وأنماط السلوك الإيجابية في الحياة وفي هذا الخصوص يقول عدنان زرزور ورفاقه: (نظام الأسرة جزء أساسي من نظام الحياة في الإسلام؛ بل هو قاعدة النظام الاجتماعي، وأساس الحياة الاجتماعية… فلا مجتمع حيث لا أسرة؛ بل لا آدميّة حيث لا أسرة!!.. فمن عاداها فهو عدوٌ للنوع الإنساني، … ولهذا كان نشوء الأسرة مصاحباً لوجود الإنسان ? آدم عليه السلام ? قال سبحانه : ]ﯕﯖﯗﯘﯙﯚ[() .


( ) النساء؛ (20- 21).

( ) النحل؛ (72).

( ) البقرة؛ (221).

( ) الترمذي، سنن الترمذي، رقم (1084)، وانظر أيضاً، ابن ماجة، سنن ابن ماجة (1967) حديث أبي هريرة.

( ) البخاري، صحيح البخاري، مرجع سابقن (5090).

( ) الروم : (21)، الحجرات: (13)، النحل: (72).

( ) النساء: (34).

( ) البخاري، صحيح البخاري، كتاب الأحكام، رقم (7138) بشرح فتح الباري، ج13، ص 111.

( ) البخاري، الجامع الصحيح، ج9، ص182-183.

( ) الروم: (21).

( ) البخاري، صحيح البخاري، بشرح ابن حجر، فتح الباري، مرجع سابق، مجلد9، ص 181. وانظر أيضاً أحمد بن حنبل، المسند، ج4، ص 244 ? 245، وانظر أيضاً، الشوكاني، نيل الأوطار، إدارة البحوث والإفتاء، السعوديّة، ج6، ص 231. وانظر أيضاً، أبي الحسين العمراني، البيان، شرح كتاب المهذب والفقه المقارن، دار المنهاج، بيروت، المجلد 9، ص 122.

( ) يس، (36).

( ) الروم (21).

( ) المؤمنون ، (1-7)

( ) صحيح البخاري، بشرح ابن حجر، فتح الباري، مرجع سابقن مجلد (9)، ص 106 وما بعدها، وانظر أيضاً، مسلم، صحيح مسلم، بشرح (النووي مرجع سابق، مجلد (5)، ص 185 وما بعدها.

( ) البخاري، صحيح البخاري، بشرح ابن حجر، فتح الباري، مرجع سابق، مجلد 9، ص 182 ، 183، وانظر أيضاً، العمراني، البيان، مرجع سابق، مجلد 9، ص 106 ? 108.

( ) النحل؛ (72).

( ) أحمد، المسند ، ج3، 145، 158. وانظر أيضاً، البيهقي، شهد البيهقي، ج7، ص 81 ? 82.

( ) النساء، (34).

( ) ابن ماجة، سنن ابن ماجة، (1968)، وانظر الدارقطني، السنن، (416). وانظر أيضاً، الحاكم ، المستدرك، ج2، ص 213.

( ) أحمد ، المسند ، ج2، ص 222، وانظر أيضاً، الترمذي ، السنن، (1920).

( ) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، مرجع سابق، مجلد 8، ص 460، (2658)، وانظر أيضاً، البخاري، يشرح فتح الباري، ابن حجر، المجلد3، ص 246، رقم: (1358).

( ) الذاريات، (49).

( ) النساء؛ (1).

( ) عبد الواحد وافي، الأسرة في الإسلام، دار الفكر، بيروت، ص 18. وانظر أيضاً، محمد عقلة إبراهيم وآخرون، مكتبة الرسالة، عمان، ص 9 ? 17.

( ) عدنان زرزور وآخرون، نظام الأسرة في الإسلام، مكتبة الفلاح، الكويت، ط2، سنة (1981)، ص11.

المراجــع

(1) القرآن الكريم.

(2) ابن ماجة، سنن ابن ماجة، (1968)، وانظر الدارقطني، السنن، (416). وانظر أيضاً، الحاكم ، المستدرك، ج2، ص 213.

(3) ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، ط، سنة 1955، مادة (أسر)، وانظر أيضاً؛ الرازي، مختار الصحاح مادة “أسر”، ص 16، وانظر كذلك؛ المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربيّة، القاهرة، دار الدعوة، استانبول، ط، ص 17.

(4) إحسان سمارة، مفهوم العدالة الاجتماعيّة،"2، دار البيان، بيروت، سنة 1988م، ص 40.

(5) أحمد ، المسند ، ج2، ص 222، وانظر أيضاً، الترمذي ، السنن، (1920).

(6) أحمد، المسند ، ج3، 145، 158. وانظر أيضاً، البيهقي، شهد البيهقي، ج7، ص 81 ? 82.

(7) البخاري، صحيح البخاري، بشرح ابن حجر، فتح الباري، مرجع سابق، مجلد 9، ص 182 ، 183، وانظر أيضاً، العمراني، البيان، مرجع سابق، مجلد 9، ص 106 ? 108.

(8) البخاري، صحيح البخاري، بشرح ابن حجر، فتح الباري، مرجع سابق، مجلد9، ص 181. وانظر أيضاً أحمد بن حنبل، المسند، ج4، ص 244 ? 245، وانظر أيضاً، الشوكاني، نيل الأوطار، إدارة البحوث والإفتاء، السعوديّة، ج6، ص 231. وانظر أيضاً، أبي الحسين العمراني، البيان، شرح كتاب المهذب والفقه المقارن، دار المنهاج، بيروت، المجلد 9، ص 122.

(9) البخاري، صحيح البخاري، كتاب الأحكام، رقم (7138) بشرح فتح الباري، ج13، ص 111.

(10) البخاري، صحيح البخاري، مرجع سابقن (5090).

(11) الترمذي، سنن الترمذي، رقم (1084)، وانظر أيضاً، ابن ماجة، سنن ابن ماجة (1967) حديث أبي هريرة.

(12) صحيح البخاري، بشرح ابن حجر، فتح الباري، مرجع سابقن مجلد (9)، ص 106 وما بعدها، وانظر أيضاً، مسلم، صحيح مسلم، بشرح (النووي مرجع سابق، مجلد (5)، ص 185 وما بعدها.

(13) عبد الواحد وافي، الأسرة في الإسلام، دار الفكر، بيروت، ص 18. وانظر أيضاً، محمد عقلة إبراهيم وآخرون، مكتبة الرسالة، عمان، ص 9 ? 17.

(14) عدنان زرزور وآخرون، نظام الأسرة في الإسلام، مكتبة الفلاح، الكويت، ط2، سنة (1981)، ص11.

(15) محمد عقله، نظام الأسرة في الإسلام، مكتبة الرسالة الحديثة، بيروت، ص 18، عزمي السيد وزملاؤه، الثقافة الإسلاميّة، منشورات جامعة القدس المفتوحة، ص 283، محمود السرطاوي وآخرون، نظام الإسلام، المركز العربي للخدمات الطلابيّة، الأردن، ص 149.

(16) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي، مرجع سابق، مجلد 8، ص 460، (2658)، وانظر أيضاً، البخاري، يشرح فتح الباري، ابن حجر، المجلد3، ص 246، رقم: (1358).

(17) وزارة الأوقاف والشئون الإسلاميّة، الكويت، الموسوعة الفقهيّة، ج4، ص 223 ? 224.

**وأهم الوظائف والمهام التي يفرضها الإسلام على الأسرة في المجتمع الإسلاميّ، لتكون نبراساً يُضيء الطريق أمام تكوين الأسر الصالحة هي:

أولاً : الإشباع الجنسي والتنظم الغريزي على نحو تسكن به النفس، ويحفظ به المجتمع ، ومن هنا نجد أن كثيراً من النصوص التي تحث على الزواج وترغب فيه يذكر فيها أنه أغض للبصر وأحصن للفرج، والنصوص التي تحذر من الزنا تكشف عمَّا فيه من المفاسد الخلقيّة، وما تجرّه من ويلات وأمراض فتاكة. كالسيلان والزهري والإيدز… فالغريزة الجنسيّة من الغرائز الفطريّة، التي خُلقت في الكائنات الحيّة، يتوقف على إشباعها حفظ النوع الحيواني. قال الله تعالى: ]سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ[() وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون تزاوج الإنسان مُنظَّماً بأحكام عقد النكاح، الذي هو أساس البنية الأسريّة المثلى، التي هي أنسب مجال حيوي لإشباع غريزة النوع بالحلال، وبما يليق بكرامة الإنسان، ويجنبه فتنة النساء، ويَكُفّه عن الوقوع في الحرام. قال الله تعالى: ] وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[() وقال سبحانه: ] قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [() . وقال صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج …) () ففي ظل الأسرة المبنية وفق عقد النكاح المستوفي للشروط والأركان الشرعيّة، يكون تنظيم الغريزة الجنسيّة وإشباعها بالحلال، وبالطريق المأمون، ويحمي النسل من الضياع، ويصون عفاف النساء، ويحفظ المجتمعات من عواقب الفوضى الجنسيّة، وما يتبعها من انحلال خلقي، واضطرابات نفسيّة. لذا فإن الإسلام فرض على المسلمين في كل العصور المحافظة على النمط الأسري المشروع في الإسلام، وحرّم عليهم أي نمط أسري آخر، وفي هذا الخصوص روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن النكاح في الجاهليّة كان على أربعة أنحاء… فلما بُعِثَ محمد صلى الله عليه وسلم بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلاّ نكاح الناس اليوم ? وهو أن يخطب الرّجل إلى الرجل وليتهُ أو ابنته فيُصدقها ثم ينكحُها…) ().

ثانياً: “حفظ النوع الإنساني”، تعد البنية الأسريّة الإسلاميّة خير وسيلة للتكاثر واستمرار الحياة البشريّة، يقول سبحانه وتعالى: ] وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً … [()ويقول صلى الله عليه وسلم : (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم…) () فالإنسان يتميز عما سواه من الكائنات الحيّة، بأنه يحتاج إلى من يتكفل بتلبية احتياجاته الفطريّة التي تتطلب رعاية خاصة، وكذلك احتياجاته للتنشئة السويّة. وهذا لابد له من أسرة ينشأ فيها، وتُعنى بتشكيل شخصيته، وتقويم سلوكه وفق قواعد الآداب والقيم الرفيعة، والمثل العليا الساميّة.

ثالثاً: المحافظة على الأنساب: تلك قضيّة فرديّة ومجتمعيّة مهمة لها أثرها الكبير على حياة الأفراد وسويتهم واطمئنانهم النفسيّ، ولها تأثيرها في تماسك المجتمع وقوته. وذلك أنها تمنح الأفراد مكانة اجتماعيّة مرموقة لائقة بكرامة الإنسان بين أبناء مجتمعه، وتمتعهم بقيمة اعتبارية ذاتية ومعنويّة تصونه من عقد النقص، وعار جهالة النسب، إلى جانب أهمية معرفة النسب في التضامن والتكافل المتمثل في النفقة وصلة القربى، وخير سبيل للمحافظة على الأنساب؛ البنية الأسريّة وفق الضوابط الشرعيّة ممثلة في عقد النكاح المشروع في الإسلام. وإلى هذا الإشارة في قوله سبحانه: ] الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ [(). وقوله صلى الله عليه وسلم: (تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء وانكحوا إليهم) (). وقوله صلى الله عليه وسلم (تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم)() .

رابعاً : التنشئة المجتمعيّة السويّة، وذلك أن الأسرة المؤسسة الأولى التي تقع على عاتقها مسئولية رعاية أفرادها، وتشكيل شخصياتهم، وتوجيه تصرفاتهم، بما تضفيه عليهم من خصائصها، فمثلاً الأسرة المتدينة تشكل أفرادها بطابعها الديني. ولها دورها المهم في عملية التطبيع الاجتماعي لمراعاة الأصول والقيم الاجتماعيّة. وهذا ما يشير إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه فإن كانا مسلمين فمسلم…)() .**

والذي ينبغي التنويه إليه في هذا الخصوص أن قوامة الرجال على النساء في الأسرة هي قوامة رعاية ومسئولية، وليست قوامة استبداد وسلطان.
خامساً: مراعاة الديمومة في عقد النكاح، لتحقيق الأهداف الأسريّة؛سواء في النمو الفردي للنوع الإنساني، وبناء الشخصيات الإسلاميّة السويّة، أو في تركيز قواعد الآداب والقيم العامة اللازمة في استقرار المجتمع وتماسكه. ومن هنا كان إجماع كلمة المعنيين بالدراسات الأسريّة أن الأسرة هي الوحدة الاجتماعية الأولى التي تستهدف المحافظة على بقاء النوع الإنساني، وهي نواة المجتمع وأساس جميع النظم، إلى جانب دورها الفعال والمباشر في تعليم الأبناء المعايير السلوكيّة، وقواعد الآداب والأخلاق، ولها أهميتها البالغة في تنميّة الناشئة وبناء شخصيّة أبنائها وإكسابهم العادات الإيجابيّة التي تبقى ملازمة لهم طول حياتهم، ولها أثرها البارز في التكوين النفسي، والتقويم السلوكي لأفرادها. وهذا كله يتطلب أن تكون الأسرة مأوىً دفئاً، وملجأً آمناً، ومركزاً للحب والوئام، وباعثاً على الطمأنينة والاستقرار. وذلك يقتضي أن تبنى الأسرة على الديمومة والبقاء. وهذا مما حرص عليه الإسلام في جعله عقد النكاح دائمياً، وإبطاله لكل نكاح مؤقت، أو مشروط بشروط تؤثر في ديمومته، ومن هنا نجد أن الإسلام أبطل كل أنواع الأنكحة إلا النكاح الشرعي المستوفي لشروطه، وأركانه الباعثة على الديمومة لتحقيق الأهداف الأسرية الفردية والمجتمعية المادية منها والمعنوية، وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها: “فلما بعث صلى الله عليه وسلم بالحق هدم نكاح الجاهلية كله، إلا نكاح الناس اليوم”()، وقال سبحانه وتعالى: ] وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[() . وقال صلى الله عليه وسلم ؛ لمن أراد خِطبة امرأة: (انظر إليها فإنه أحرى أن يدوم بينكما) (). وبهذا تستكمل الأسس الرئيسة اللازمة في بناء الأسرة الإسلاميّة الصالحة لتنشئة أفرادها التنشئة السويّة، والتي تكون محضناً دافئاً وملجأً آمناً، ومصدراً لإسعاد أفرادها، ومدرسة لتزويد الأبناء بالمهارات النافعة، والقيم الرفيعة، والمثل العليا الساميّة، وإعدادهم بكل ما يحصنهم، ويوجدُ عندهم المناعة الكافية أمام التيارات الفكريّة المضللة، والإغراءات الماديّة الزائفة.
المطلب الثالث
وظائف الأسرة ومهامها الرئيسة في الإسلام
تمهيـد:

على ضوء ما سبق نقرر بأن الأسرة مؤسسة اجتماعيّة تشكلت وفق عقد النكاح الصحيح أدى إلى اقتران رجل وامرأة لغرض حفظ النوع الإنساني، وإنشاء اللبنة الأولى التي يقوم عليها المجتمع، حيث أن وجود الإنسان على الأرض ابتدأ بالأسرة، فمنذ اقتضت حكمه الله تعالى استخلاف الإنسان في الأرض كان ذلك ممثلاً في آدم عليه السلام وزوجه، وما ترتب على ذلك من التناسل والتكاثر، وما نشأ عن ذلك من علاقات ونظم وقيم يقتضيها وجود الشعوب والقبائل، والدول والممالك. وبناء على ذلك فإن الأسرة هي النواة الأساسية للحياة البشريّة فردياً ومجتمعيَّاً، وهي المدرسة الأولى في الكيان التربوي لبنى الإنسان، وهي المؤسسة الرئيسة في عملية التطبيع والتوافق المجتمعي، وإليها يرجع الفضل في التنشئة الفرديّة وبناء الشخصيّة السويّة، والتهيئة لبناء مجتمع متماسك متوازن متكافل آمن مطمئن. ونظراً لتمتع الأسرة بهذه المكانة الساميّة فرياً ومجتمعيّاً؛ فقد كانت تحتل مساحة واسعة في دعوة الأنبياء، وفي نداءات المصلحين، ولا تزال محط اهتمام المحافل الدوليّة، والمراكز البحثيّة، والمعاهد العلمية، والمنابر الإعلاميّة. وكان لكل وجهته في التنظير لوظائف الأسرة ومهامها. واتساقاً مع موضوع الدراسة، وما هدفت إليه من بيان البنية الأسريّة المثلى ومهامها؛ في المنظور الإسلامي، على اعتبار أن الإسلام هو الحق، وما عداه فباطل، وهو الدين الذي ارتضاه الله للناس أجمعين إلى يوم القيامة، وإليه يرجع الفضل في تكريم الإنسان ورعايته، وضمان تنشئته التنشئة السويّة، وفق مقتضيات فطرته، ومتطلبات الاستخلاف في الأرض، على مقتضى شرعة الله ومنهاجه. ومن هنا كان هذا المطلب لبيان وظائف الأسرة ومهامها في الإسلام؛ لتظل أسرة صالحة، وخلية حيّة في جسم المجتمع، ولبتة قويّة فيه تشد أزره، وتدرأ عنه عوامل التخلف والفساد.

البنية الأسريّة ومهامّها في المنظور الإسلامي الجزء الثاني
الكاتب: د. إحسان عبد المنعم سمارة
المطلب الثاني
أسس الأسرة في الإسلام

على ضوء ما ذُكر في معنى الأسرة في اللغة والاصطلاح يتبين لنا أن أسس الأسرة في الإسلام وركيزتها الرئيسة عقد النكاح الذي هو الميثاق الغليظ، والرابط بين رجل وامرأة هما محلاً صالحاً لهذا العقد، ويترتب بموجبه على كل من طرفي العقد العديد من الحقوق والواجبات الشرعيّة تجاه بعضهما البعض، وتجاه ما يتولد عنهما من ذريّة، أوله صلة بهما من الأصول والفروع وذوي الأرحام. قال الله سبحانه: ] وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا. وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا [() وقال عزّ وجل: ] وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ [() وهذا من شأن أن يجعل العلاقة الزوجيّة علاقة محترمة مقدسة، وليست علاقة مصلحيّة، أو غريزية، لأنها جعل إلهي، منضبط بأحكام شرعيّة ثابتة مستقرة، تؤسس بحسبها الأسرة الإسلاميّة على المودة والرحمة، وبذلك يتحقق لها السكينة والطمأنينة النفسيّة، والتعاون على البر والتقوى، وتتولى مسئولياتها الشرعيّة في التنشئة السويّة للأبناء على المستوى الفردي والمجتمعيّ، وتقوم بواجباتها التكافلية والتضامنية في نطاق الأسرة النواة، والأسرة الممتدة على نطاق العشيرة والقبيلة والشعب والمجتمع والأمة، ومن هنا نجد أن الإسلام اهتم بسلامة الأسرة منذ بداية تكوينها. فوضع العديد من القواعد والأسس اللازمة لبناء الأسرة على المودة والألفة والرحمة، ولتكون بيئة ملائمة للسكينة والاطمئنان لجميع أفرادها، في نطاق الأسرة النواة والممتدة. وأهم تلك الأسس لقيام الأسرة الإسلاميّة هي:
أولاً: إقامة الأسرة على الإيمان، ومن هنا نجد أن الإسلام جعل من شروط قبول كل من الزوجين بالآخر أن يكون كلاَّ من الزوجين مرضيٌّ في دينه. هذا ما تؤكده النصوص الشرعيّة في قوله سبحانه : ]وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ[() وقوله صلى الله عليه وسلم : (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض… ) ()وقوله صلى الله عليه وسلم : (تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك) ()، وهذا أساس مهم في البناء الأسري الإسلامي يضمن استقرار الأسرة، وقيامها بماهمّها وواجباتها، في تحقيق الطمأنينة والسكينة لأفرادها؛ فالرجل المتدين يحافظ على زوجته وأفراد أسرته، فلا يظلمهم إن كرههم، ويكرمهم إن أحبهم، ويصبر على ما يُسيئُه منهم ويعاشرهم بالمعروف وفق مرضاة الله تعالى.
ثانياً : بناء الأسرة وفق عقد النكاح الشرعي الصحيح، المستوفي لأركان عقد النكاح وشروطه الشرعيّة. فعقد النكاح هو من الأسس الرئيسة لتكوين الأسرة، ولا بتأتي وجود أسرة إسلاميّة بدونه، وعقد النكاح المستوفي للأركان والشروط الشرعيّة، هو الذي تقوم به أسرة متماسكة قويّة عصيّة على التصدع والانهيار. وهذه الشروط والأركان مفصلة في كتب الفقه في باب النكاح.
ثالثاً : ضرورة التلازم بين عقد النكاح وآثاره الشرعيّة. وهذا مما يجعل للزواج في الإسلام معنىً ساميّاً، ويجعل منه لبنة أساسيّة أولى في سويّة الأفراد، وبناء المجتمع، وتكافل أبنائه ماديّاً ومعنوّياً، على نحوٍ يجعل من الأسرة النواة، والأسر الممتدة في المجتمع الإسلامي، والأمة الإسلاميّة كالجسد الواحد، والبنيان المرصوص يشد بعضهم أزر بعض. ومن هنا كانت النصوص الشرعيّة المتعلقة بالزواج توحي بذلك وتشير إليه في قوله سبحانه: ] وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[ … وقوله سبحانه: ] يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا [ … ] وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً[()
رابعاً : مراعاة أن تكون القوامة في الأسرة للرجل؛ بمعنى أن يكون الرجل هو الذي يتحمل تبعات الأسرة، ويتولى مسئوليّة رعايتها. لقوله سبحانه: ]الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ [() .. وقوله صلى الله عليه وسلم (… والرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته…))[() ..

**الخـاتمة : نعرض فيها أهم النتائج التي خلصت إليها الدراسة والتوصيات الضروريّة فيها على النحو الآتي:

أ- النتائج :

من المؤكد أن ثمرة البحث في نتائجه، وأهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة هي:

  1. تعد الأسرة الوحدة المجتمعيّة الأولى التي تستهدف بقاء النوع الإنساني، واللبنة الأولى التي يقوم عليها المجتمع وتتم من خلالها عملية التطبيع المجتمعي على الأصول المجتمعيّة، والقواعد الأخلاقيّة، والآداب السلوكيّة. ذلك كله مما يستدعي التركيز على البنية الأسريّة وفق الأحكام الشرعيّة التي جاء بها الإسلام، للحصول على النمط الأسري الصحيح، الرامي إلى جعل الأسرة مرفأً لسعادة الإنسان، ولبنة أساسيّة في بناء المجتمع، ومحضناً تربوياً صالحاً، لبناء الشخصيات الإسلاميّة الراقية، ومأوى دافئاًن وملجأً آمناً، تكسب من يترعرع في كنفها الخبرات الحياتية ومهاراتها، والقيم والمفاهيم الإسلاميّة التي تبقى ملازمة له طيلة حياته.

  2. البنية الأسريّة وفق عقد النكاح الشرعي الصحيح. تكسب الأسرة مفهوماً خاصاً، وتجعل لها مهامّاً متنوعة منها ما هو بيولوجي، ومنها ما هو اقتصادي، ومنها ما هو اجتماعي، مما يجعل الأسرة الإسلاميّة الوحدة المجتمعية الأولى، والإطار العام الذي يحدد تصرفات الإنسان السوي في إشباع غرائزه، ودوافعه الفطرية الطبيعيّة والمجتمعيّة، بما يتناسب مع فضل الإنسان وتكريمه.

  3. الأسس والقواعد الأسريّة تؤثر في الأنماط الأسريّة ومهامها، فالأسس والقواعد الإسلاميّة مثلاً توجد أسرة إسلاميّة متماسكة، ذات مهام ومسئوليات حددها الإسلام بأحكام ونظم، يطلق عليها “نظام الأسرة في الإسلام” وهذا النظام في مجمله ناشئ عن زواج رجل وامرأة وفق عقد النكاح الصحيح المستوفي لشروطه وأركانه الشرعيّة، وتترتب عليه جميع آثاره المادية والمعنوية.

ب- التوصيات:

استناداً إلى النتائج التي توصلت إليها الدراسة يُوصى بما يلي:

  1. يجب حصر البنية الأسريّة في بلاد المسلمين، بالنمط الأسري الذي يفرضه الإسلام، وتجنب كل الأنماط الأسريّة التي يُروّج لها المضلِّلون والمفتونون بالغرب.

  2. ضرورة توثيق الصلة بين القاعدة الشعبيّة العريضة ? الجمهور ? وبين الأحكام الشرعيّة المنظمة للزواج، حتى تتجذر في أوساطهم، وتتشكل بها أذواقهم، وتصبح عرفاً عاماً سائداً في مجتمعهم، ويعتادون عليها في بناء أسرهم.

  3. يجب الوقوف بحزم في وجه عمليات التلفيق بين المفهوم الإسلامي للأسرة، وبين المفاهيم الغربية عن الأسرة، والامتناع عن إجراءات تطوير الأحكام والقوانين الأسريّة ، تمشياً مع الرغبات الدولية، الرامية إلى تجسير الفجوة بين الإسلام والقيم الغربيّة، وتقليص دور الأسرة المسلمة في التأثير على تنشئة أفرادها التنشئة الإسلاميّة.

وبهذا نكون قد فرغنا من بحث البنية الأسريّة ومهامّها في المنظور الإسلامي، آملين أن نكون قد وفقّنا في تقديم تصور صحيح عن ملامح البنيّة الأسرية في الإسلام. وخير ما نختم به هذا الجهد العلمي؛ التوجه إلى الله تعالى بالدعاء أن يكون جهداً مقبولاً عند الله سبحانه، وأن يكون من العلم الصالح النافع الخالص لوجه الله تعالى. والله من وراء القصد، وهو ولي التوفيق، والحمد لله رب العالمين.

المطلب الأول

مفهوم الأسرة في الإسلام

يعد مفهوم الأسرة، مفهوماً مستحدثاً، من حيث أن كلمة الأسرة، من الكلمات التي لم تستخدم في استعمالات الفقهاء، ولم تذكر في نصوص الكتاب الكريم والسنة النبويّة المطهرة، وإن كانت موجودة في الواقع العملي كنسق من الأنساق المجتمعيّة ذات الأهمية والتأثير في التفاعلات المجتمعيّة، من خلال ما يرتبط بها من حقوق وواجبات بين عناصرها بعضهم مع بعض، وبين الأسر فيما بينها على صعيد المجتمع، باعتبار أن الأسرة هي الوحدة الأولى الأساسيّة في المجتمع، بل وفي المجتمعات البشرية كلها؛ بحسب قوله سبحانه :- ] يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [(). وعدم استخدام القرآن والسنة لكلمة الأسرة لفظاً لا يعني عدم وجود مضمونها، وكذلك عدم ورود الكلمة في استعمالات الفقهاء، لا يعني عدم وجود واقعها وأحكامها. ويتأيد هذا الفهم بما جاء في الموسوعة الفقهيّة الكويتيّة: (لفظ الأسرة لم يرد ذكره في القرآن الكريم، كذلك لم يستعمله الفقهاء في عباراتهم فيما نعلم والمتعارف عليه الآن إطلاق لفظ الأسرة على الرجل ومن يعولهم من زوجة وأصوله وفروعه وهذا المعنى يعبر عنه عند الفقهاء قديماً بألفاظ منها: الآل والأهل والعيال كقول النفراوي المالكي: من قال: الشيء الفلاني وقف على عيالي، تدخل زوجته في العيال. وابن عابدين: أهله زوجته، وقالا يعني صاحبي أبي حنيفة: كل من في عياله ونفقته غير مماليكه لقوله تعالى: ] فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ[() ) () . لذلك كله فإن الوقوف على معنى الأسرة في الإسلام، يتطلب التعرف على المعنى اللغوي للأسرة، ليتسنى الوصول إلى معرفة المعنى الاصطلاحي للأسرة من منظور الإسلام. لما في العادة من ترابط وثيق بين المعاني اللغويّة والاصطلاحية الشرعيّة. حيث أن الدلالات الاصطلاحية الشرعية، لا تبتعد في الغالب كثيراً عن المعاني والمضامين اللغويّة؛ بل يكون للجذر اللغوي نوع علاقة بالمعنى الاصطلاحي." فما من معنى اصطلاحي شرعي إلاَّ وله وجه في اللغة حُمِلَ عليه" ().**

**ومما يزيد في أهمية هذه الدراسة المبررات التالية:-
أولاً: ظهور تيارات فكرية وقانونية تعمل على تقويض الأسس الشرعية للأسرة التي حتم الإسلام بنائها. وفق أسس وقواعد ثابتة، منضبطة بأحكام شرعية منظمة للنسق الأسري في المنظور الإسلامي،عرفت في الفقه الإسلامي"بنظام الأسرة في الإسلام".
ثانياً: إيلاء النصوص الشرعية أهمية خاصة للأسرة،واعتبارها مظهراً لتكريم الإنسان،وآية من آيات الله اقتضتها حكمة الله لنمو الإنسان وحياته وتنشئته السوية المناسبة لتهيئة الإنسان للاستخلاف في الأرض. فهي حاضنة الإنسان، ونواة المجتمع، وأساس رئيس لعلاقاته.
ثالثاً: الوظائف والمهام الشرعية التي رتبها الإسلام على الأسرة بمفهومها الإسلامي، تقتضي دراسة الأسرة كمؤسسة مجتمعية، لها دورها المجتمعي والفردي على حدٍّ سواء. فهي التي تتولى بناء الأفراد وتحصينهم ووقايتهم من المؤثرات الفكرية والسلوكية السلبية. وتساهم مساهمة فاعلة في استقرار المجتمع،وتحقيق الرعاية الاجتماعية على أسس ثابتة وروابط قوية.
والتساؤلات التي تطرحها هذه الدراسة وتحاول الإجابة عليها هي:

  1. ما هي الأسرة في المنظور الإسلامي؟وما الأسس التي تقوم عليها؟
  2. ما خصائص البنية الأسرية في المنظور الإسلامي؟ وما وظائفها ومهامها الأساسية؟
    ولعل أهم ما تتوخاه الدراسة في الإجابة على هذه التساؤلات هو التعرف على معالم الأسرة وأسسها ودورها التربوي في بناء القيم،ودورها في حماية المجتمع واستقراره.
    والدراسات السابقة التي يمكن الإفادة منها في موضوع الدراسة هي:-
  3. نظام الأسرة وحل مشكلاتها في ضوء الإسلام، للصابوني.
  4. النظام الاجتماعي في الإسلام، تقي الدين النبهاني.
  5. نظام الأسرة في الإسلام، عبيدات.
  6. نظام الأسرة في الإسلام، عقلة.
  7. دستور الأسرة المسلمة،أحمد فايز
    المنهجية التي ستسير عليها الدراسة هي:المنهجية الاستقرائية الاستنباطية، لمناسبتها للموضوع.
    وللوصول إلى الهدف المرجو في الدراسة يقتضي تقسيم البحث إلى ثلاثة مطالب وخاتمة على النحو الآتي:
    المطلب الأول: مفهوم الأسرة في الإسلام.
    وقد عالج هذا المطلب المعنى اللغوي والاصطلاحي للأسرة وفق النصوص الشرعية. حيث جاء فيه أن الأسرة في اللغة تطلق على معانٍ منها … إحكام الخلق وشدته،…والدرع الحصينة، وأهل الرجل وعشيرته،… والجماعة التي يربطها أمر مشترك…وجميع هذه المعاني مستجمعة في المعنى الاصطلاحي: “بأن الأسرة هي المؤسسة المجتمعية الأولى الناشئة عن اقتران رجل بامرأة بموجب عقد النكاح الصحيح في الشرع للمحافظة على النوع الإنساني، وتنشئة الإنسان التنشئة السوية على المستوى الفردي والمجتمعي، وتحقيق التكافل المجتمعي بين عناصرها بمقتضى أحكام النفقة والصلات والدية والمواريث”.
    المطلب الثاني:أسس الأسرة في الإسلام.
    وقد تناول هذا المطلب عقد النكاح الشرعي الصحيح وآثاره وهي على النحو الآتي:
    أولاً: اقامة الأسرة على الإيمان ومقتضياته.
    ثانياً: بناء الأسرة وفق عقد النكاح الصحيح المستوفي لأركانه وشروطه.
    ثالثاً: ضرورة التلازم بين عقد النكاح وآثاره الشرعية.
    رابعاً: مراعاة أن تكون القوامة في الأسرة للرجل.
    خامساً: مراعاة الديمومة في عقد النكاح لتحقيق الأهداف الأسرية.
    المطلب الثالث: وظائف الأسرة ومهامها الأساسية فردياً ومجتمعياً.
    وقد تضمن هذا المطلب الوظائف والمهام الفردية،والوظائف والمهام المجتمعية، بوصفها مؤسسة مجتمعية مهمة والتي من أهمها:
    أولاً: الإشباع الجنسي والتنظيم الغريزي على نحو تسكن به النفس ويحفظ به المجتمع.
    ثانياً: حفظ النوع الإنساني.
    ثالثاً: المحافظة على الأنساب.
    رابعاً: التنشئة المجتمعية السوية.
    خامساً: سد الحاجة الفطرية التكاملية عند الإنسان.
    سادساً: تجسيد التضامن والتكافل المجتمعي.
    الخاتمة:- فقد اشتملت على أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة.والتوصيات التي يراها الباحث ضرورية.**

**وبناء مفاهيم الأحكام في النظام الإجتماعي:

وقد جعل الإسلام الأقارب قسمين أحدهما الأقارب الذين يمكن أن يرثوا الشخص إذا مات. والثاني أولو الأرحام. أما الذين لهم حق الإرث فهم أصحاب الفروض والعصبات، أما ذوو الأرحام فهم غير هؤلاء، وهم من لا سهم لهم في الميراث وليسوا بعصبة. وهم عشرة أصناف: الخال والخالة، والجد لأم، وولد البنت وولد الأخت، وبنت الأخ، وبنت العم، والعمة، والعم لأم، وابن الأخ لأم ومن أدلى بأحد منهم. وهؤلاء لم يجعل الله لهم نصيباً في ميراث الشخص مطلقاً. ولكن الله أمر بالصلة والبر بالأقارب جميعاً. فعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان أحدكم فقيراً فليبدأ بنفسه فإن كان له فضل فعلى عياله فإن كان له فضل فعلى قرابته» أخرجه ابن حبان وابن خزيمة. وعن أبي أيوب الأنصاري أن رجلاً قال: «يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة. فقال القوم: ما له، ما له؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرَبٌ ما له. فقال النبي: تعبد الله لا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم» أخرجه البخاري. فأمر بصلة الرحم، ولم يبين هذا الحديث وغيره من الأحاديث التي وردت بصلة الرحم هل المقصود هم ذوو الأرحام فحسب، أم هم كل من انتسب إلى رحم الشخص. والظاهر من الأحاديث العموم، فهو يشمل صلة كل واحد من الأرحام، سواء أكان رحماً محرماً أم رحماً غير محرم من العصبة أو ذوي الأرحام، فإنهم كلهم يصدق عليهم إنهم أرحام، وقد وردت عدة أحاديث في صلة الرحم فقد قال عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة قاطع رحم» أخرجه مسلم من طريق جبير بن مطعم. وعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه» متفق عليه، وينسأ له في أثره أي يؤخر أجله. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ قَالَتْ الرَّحِمُ هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنْ الْقَطِيعَةِ قَالَ نَعَمْ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ قَالَتْ بَلَى يَا رَبِّ قَالَ فَهُوَ لَكِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ» متفق عليه واللفظ للبخاري، وقال صلى الله عليه وسلم: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها» أخرجه البخاري من طريق عبد الله بن عمرو. وهذا كله يدل على الحث على صلة الرحم. وصلة الرحم تدل على مبلغ ما شرعه الله من الصلة والود بين الجماعة الإسلامية، في صلة الأقارب بعضهم مع بعض، والتعاون بينهم، وعلى مبلغ عناية الشرع في تنظيم اجتماع المرأة بالرجل، وتنظيم ما ينشأ عن هذا الاجتماع من علاقات، وما يتفرع عنه، فكان الشرع الإسلامي بالأحكام التي شرعت للناحية الاجتماعية في المجتمع خير نظام اجتماعي للإنسان.**

**نعم لم يلاحظ هؤلاء الناقلون والمقلدون الفرق بين المجتمعين ولا هذا البون الشاسع بين الحالتين ، كما لم يلاحظوا ما تحتمه عليهم الحياة الإسلامية وتتطلبه منهم الأحكام الشرعية ، واندفعوا وراء النقل والتقليد حتى لبست دعوة نهضة المرأة ثوب الإباحية ، وعدم المبالاة بالاتصاف بالخلق الذميم . وهكذا مضى هؤلاء الناقلون والمقلدون في تهديم الناحية الاجتماعية عند المسلمين تحت اسم إنهاض المرأة ، وبحجة العمل لإنهاض الأمة . ولكن هؤلاء كانوا أقلية في أول الأمر ، ولم ترض الأمة عن دعوتهم في أولها ، ولكنهم بعد أن طبق النظام الرأسمالي في البلاد الإسلامية ، وحكمت من الكفار المستعمرين ثم من عملائهم ، والسائرين في ركابهم وعلى هداهم ، استطاع هؤلاء الأقلية أن يؤثروا وأن ينقلوا أكثر أهل المدن ، وبعض سكان القرى ، إلى السير في الطريق الذي سلكوه ، وإلى النقل والتقليد للحضارة الغربية حتى مسحت السيما الإسلامية عن كثير من أحياء المدن الإسلامية ، لا فرق بين استنبول والقاهرة ولا بين تونس ودمشق ، ولا بين كراتشي وبغداد ، ولا بين القدس وبيروت ، فكلها تسير في طريق النقل والتقليد للحضارة الغربية .

وكان طبيعياً أن ينهض لمكافحة هذه الأفكار جماعة من المسلمين وكان حتمياً أن يهب لمحاربة هذه الآراء جمهرة الخاصة والعامة من أهل بلاد الإسلام ، فقامت جماعة بل جماعات تدعوا إلى وجوب المحافظة على المرأة المسلمة ، وصيانة الفضيلة في المجتمع ، ولكن دون أن يتفهموا الأنظمة الإسلامية ، ومن غير أن يتبينوا الأحكام الشرعية . وقبلوا أن تكون المصلحة التي يراها العقل أساساً للبحث ، ومقياساً للآراء والأشياء ، ونادوا بالمحافظة على التقاليد والعادات ودعوا للتمسك بالأخلاق ، دون أن يدركوا أن الأساس هو العقيدة الإسلامية ، وأن المقياس هو الأحكام الشرعية ، وقد وصل التعصب الأعمى لحجاب المرأة أن قالوا بالتضييق على المرأة ، وعدم السماح لها بأن تخرج من بيتها ، أو تقوم بقضاء حاجاتها ، ومباشرة شؤونها بنفسها ، وجعل المتأخرون من الفقهاء للمرأة خمس عورات : وقالوا عورة في الصلاة ، وعورة عند الرجال المحارم ، وعورة عند الرجال الأجانب ، وعروة عند النساء المسلمات ، وعورة عند النساء الكافرات ، وتبعاً لذلك دعوا إلى الحجاب المطلق الذي يمنع المرأة من أن ترى أحداً أو يراها أحد . ونادوا بمنعها من أن تزاول أعمالها في الحياة فقالوا بمنعها من أن تمارس حق الانتخاب وبحرمانها من أن يكون لها رأي في السياسة والحكم والاقتصاد والاجتماع . وحالوا بينها وبين الحياة حتى جعلوا بعض آيات الله أنها جاءت مخاطبة الرجال دون النساء ، وأولوا حديث الرسول في مصافحة النساء له في البيعة ، وأحاديثه في عورة المرأة ، ومعاملته للنساء في الحياة تأويلاً يتفق مع ما يريدونه هم للمرأة ، لا مع ما يقتضيه حكم الشرع ، فكان كل ذلك منهم مبعداً الناس عن أحكام الشرع ، ومعمياً الناحية الاجتماعية عن المسلمين . ومن أجل ذلك لم تستطع آراؤهم أن تقف في وجه الأفكار الغازية ، ولم تقو على صد التيار الجارف ، ولم تؤثر في رفع الناحية الاجتماعية بين المسلمين أدنى تأثير . وبالرغم من وجود علماء الأمة لا يقلون عن المجتهدين الأولين وأصحاب المذاهب في العلم والاطلاع وبالرغم من وجود ثروة فكرية وتشريعية بين يدي المسلمين لا تدانهيا أية ثروة لأية أمة ، وبالرغم من توفر الكتب والمؤلفات القيمة بين يدي المسلمين في مكتباتهم العامة والخاصة ، وفي إقناع الجامدين بالرأي الإسلامي الذي استنبطه مجتهد استنباطاً صحيحاً ، ما دام مخالفاً لما يريدون المرأة أن تكون عليه . وذلك لأن هؤلاء وأولئك المقلدين والجامدين والعلماء والمتعلمين ابتعدت عنهم صفة الرجل المفكر ، فلا يفهمون الواقع ، أو لا يتفهمون حكم الله ، أو لا يتلقون أحكام الشرع تلقياً فكرياً ، بتطبيقها على الواقع تطبيقاً دقيقاً يحدث الانطباق الكامل . ومن أجل ذلك ظل المجتمع في البلاد الإسلامية يتأرجح بين فكرتين : الجمود والتقلي . وظلت الناحية الاجتماعية مضطربة ، حتى أصبحت المرأة المسلمة حائرة . فهي بين امرأة قلقة مضطربة تنتقل الحضارة الغربية دون أن تفهمها ، أو تعي على حقيقتها ، ودون أن تعرف التناقض الذي بينهما وبين الحضارة الإسلامية . وبين امرأة جامدة لا تنفع نفسها ، ولا ينتفع المسلمون بجهودها . وذلك كله من جراء عدم تلقي الإسلام تلقياً فكرياً ، وعدم فهم النظام الاجتماعي في الإسلام .

ولذلك كان لا بد من دراسة النظام الاجتماعي في الإسلام دراسة شاملة ولا بد من التعمق في هذه الدراسة ، حتى تدرك المشكلة بأنها اجتماع المرأة والرجل ، والعلاقة الناشئة عن اجتماعهما ، وما يتفرع عن هذه العلاقة . وأن المطلوب هو علاج هذا الاجتماع ، والعلاقة الناشئة عنه ، وما يتفرع عنها . وأن هذا العلاج لا يمليه العقل ، وإنما يمليه الشرع ، وأما العقل فإنه يفهمه فهماً ، وأنه علاج لامرأة مسلمة ورجل مسلم ، يعيشان طراز معيناً من العيش هو الطراز الذي أوجبه الإسلام . وأن عليهما حتماً أن يتقيدا بالعيش على هذا الطراز وحده ، كما أمر به الله في الكتاب والسنة ، بغض النظر عما إذا ناقض ما عليه الغرب ، أو خالف ما عليه الآباء والأجداد من عادات وتقاليد .

4**

**أما سبب هذا الاضطراب الفكري ، والانحراف في الفهم عن الصواب ، فيرجع إلى الغزوة الكاسحة التي غزتنا به الحضارة الغربية وتحكمت في تفكيرنا وذوقنا تحكماً تاماً غيرت به مفاهيمنا عن الحياة ، ومقاييسنا للأشياء وقناعاتنا التي كانت متأصلة في نفوسنا مثل غيرتنا على الإسلام وتعظيمنا لمقدساتنا . فكان انتصار الحضارة الغربية علينا شاملاً جميع أنواع الحياة ومنها هذه الناحية الاجتماعية .

وذلك أنه حين ظهرت الحضارة الغربية في بلاد الإسلام وظهرت أشكالها المدنية ، ورقيها المادي ، بهرت أبصار الكثيرين . فصاروا يقلدون هذه الأشكال المدنية ، ويحاولون أن يأخذوا هذه الحضارة لأن تلك الأشكال المدنية الدالة على التقدم قد أنتجها أهل هذه الحضارة الداعون إليها . ولذلك صاروا يحاولون تقليد الحضارة الغربية دون أن يميزوا الفرق بين هذه الحضارة الغربية ، وبين الأشكال المدنية ، ودون أن يدركوا أن الحضارة تعني مجموع المفاهيم عن الحياة ، وأنها طريقة معينة في العيش . وأن المدنية هي الأشكال المادية المحسوسة التي تستعمل وسائل وأدوات في الحياة ، بغض النظر عن مفاهيم الحياة وعن طريقة العيش . وعلاوة على ذلك فإنهم لم يدركوا أن الحضارة الغربية تقوم على أساس هو النقيض من أساس الحضارة الإسلامية ، وأنها تختلف عن الحضارة الإسلامية في تصوير الحياة وفي مفهوم السعادة التي يسعى الإنسان لتحقيقها . ولم يتبينوا استحالة أخذ الأمة الإسلامية الحضارة الغربية ، وأنه لا يمكن أخذ هذه الحضارة لأي جماعة من الأمة الإسلامية في أي بلد وتبقى هذه الجماعة جزءاً من الأمة الإسلامية ، أو تبقى عليها صفة الجماعة الإسلامية .

وقد أدى عدم الوعي على الاختلاف الجوهري بين حضارة الإسلام وحضارة الغرب إلى النقل والتقليد . وصار كثير من المسلمين يحاولون نقل الحضارة الغربية نقلاً دون فهم ، شأن من ينسخ كتاباً يقتصر على رسم الكلمات والحروف . وصار بعضهم يحاول تقليد الحضارة الغربية بأخذ مفاهيمها ومقاييسها دون تدبر لأسباب ونتائج هذه المفاهيم والمقاييس . فقد رأى هؤلاء وأولئك أن المجتمع الغربي تقف فيه المرأة مع الرجل دون فرق بينهما ودون مبالاة بما يترتب على ذلك من نتائج . ورأوا أن المرأة الغربية ظهرت عليها أشكال مدنية وظهرت هي بأشكال مدنية فقلدوها أو حاولوا تقليدها ، دون أن يدركوا أن هذه الأشكال تتفق مع حضارة الغرب ومفاهيمه عن الحياة ، وعن تصويرها لها ، ولا تتفق مع حضارة الإسلام ومفاهيمه عن الحياة وتصويرها لها . ودون أن يحسبوا أي حساب لما يترتب على هذه الأشكال التي ظهرت عليها وظهرت بها من أمور . نعم رأوا ذلك فاعتقدوا أنه لا بد أن تقف المرأة المسلمة بجانب الرجل في المجتمع وفي الاجتماع ، بغض النظر عن جميع النتائج . ورأوا أن المرأة المسلمة لا بد أن تظهر عليها الأشكال المدنية الغربية ، وأن تظهر هي أيضاً بالأشكال المدنية الغربية ، بغض النظر عما يلابس ذلك من مشاكل وأمور . ولذلك نادوا بضمان الحرية الشخصية للمرأة المسلمة وإعطائها الحق في أن تفعل ما تشاء . وتبعاً لذلك دعوا إلى الاختلاط من غير حاجة ، ودعوا إلى التبرج وإبداء الزينة ، ودعوا إلى أن تتولى المرأة الحكم ، ورأوا أن ذلك هو التقدم وهو دليل النهضة .

ومما زاد الطين بلة أن هؤلاء الناقلين المقلدين قد أطلقوا لأنفسهم العنان في الحرية الشخصية إطلاقاً كلياً ، حتى اتصلت المرأة بالرجل اتصالاً مباشراً لمجرد الاتصال ليس غير ، وللتمتع بالحرية الشخصية ، دون وجود دواعي الحاجة التي تقتضي هذا الاتصال ، ودون أن يكون في المجتمع أي حاجة لهذا الاختلاط . فكان لهذا الاتصال بين الجنسين لمجرد الاتصال ، وللتمتع بالحرية الشخصية فحسب ، الأثر السيئ في هذه الفئة الناقلة المقلدة التي غامرت بالإقدام على هذه الآراء حتى حصرت الصلة بين المرأة والرجل في صلات الذكورة والأنوثة دون غيرها . وتعدى الأثر السيئ هذه الفئة إلى باقي الفئات في المجتمع ، ولم ينتج ذلك الاتصال أي تعاون بين الرجل والمرأة في ميدان الحياة ، بل نتج عنه التدهور الأخلاقي ، وتبرج النساء ، وإبداء زينتهن لغير بعولتهن أو ومحارمهن . ونتج عنه عند المسلمين انحراف في التفكير ، وفساد في الذوق ، وزعزعة في الثقة ، وهدم في المقاييس . واتخذت الناحية الاجتماعية في الغرب القدوة المحببة ، واتخذ المجتمع الغربي مقياساً ، دون أن يؤخذ بعين العناية أن ذلك المجتمع الغربي لا يأبه بصلات الذكورة والأنوثة ، ولا يرى فيها أي معرة أو طعن أو مخالفة للسلوك الواجب الإتباع ، أو أي مساس في الأخلاق أو أي خطر عليها . ودون أن يلاحظ أن المجتمع الإسلامي يخالفه في هذه النظرة مخالفة جوهرية ، ويناقضه مناقضة تامة ، لأن المجتمع الإسلامي يعتبر صلات الذكورة والأنوثة من الكبائر ، عليها عقوبة شديدة هي الجلد أو الرجم ، ويعتبر مرتكبها منبوذاً منحطاً منظوراً إليه بعين المقت والازدراء . ويرى من البديهيات لديه أن العِرض يجب أن يصان ، وأنه من الأمور التي لا تقبل نقاشاً ولا جدلاً ، والتي يجب أن يبذل في سبيل الدفاع عنها المال والنفس ، عن رضاً واندفاع دون قبول أي عذر أو أعذار .

3**

**مفهوم الاختلاط أصيل وليس بدخيل

الكاتب: ياسين بن علي

الحمد لله القائل: {وَأمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}، والصلاة والسلام على رسول الله القائل: "الدّين النّصيحة… لله وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامّتِهِمْ ".

نشر موقع تونس نيوز نقلا عن موقع أخبار العالم مقالا للأستاذ راشد الغنوشي بعنوان: “ما هي حدود العلاقة بين الجنسين في الحركة الإسلامية؟”.(1) وقد تطرق الأستاذ الغنوشي في هذا المقال إلى موضوع الاختلاط بين الجنسين، فعرض رؤيته وبسط تصوره مركّزا على فكرة مفادها أن “مفهوم الاختلاط دخيل”، وهو ما سنناقشه بإذن الله تعالى في هذا المقام ونثبت عكسه من الكتاب والسنة.

  1. حول غموض المفهوم وغرابته

قال الأستاذ الغنوشي: “كثيرا ما يتم إيراد مفهوم غامض غريب عن الفقه الإسلامي هو مفهوم “الاختلاط”، وكأنه محظور إسلاميا أن يوجد الرجال والنساء في فضاء واحد، أو تحت سقف واحد، وكأن المطلوب شرعيا بحسب هؤلاء فصل عالم النساء كلية عن عالم الرجال، ضمانا للعفة المطلوبة”.

أولا: الغموض يعني الإبهام، وخفاء المعنى. ومعنى قول الأستاذ الغنوشي: “مفهوم غامض” أي خفيّ مبهم لا يفهم. ووصف الأستاذ الغنوشي لمفهوم الاختلاط بالغموض غير دقيق؛ لأنّ الاختلاط إذا ذكر فهم منه “وجود الرجال والنساء في فضاء واحد”، وفهم منه الدعوة إلى “فصل عالم النساء كلية عن عالم الرجال”، وهو الذي ذكره الأستاذ الغنوشي كبيان لواقع المفهوم. وهنا نسأل: من أين استقى الأستاذ الغنوشي هذا الفهم لمفهوم الاختلاط؟

إن كان هذا فهم دعاة منع الاختلاط وتعريفهم للمفهوم، وقد نقله الأستاذ عنهم، فقد بطلت إذن دعوى الغموض؛ لأن التعريف رافع للإبهام في المعنى وحدّ للماهية بما ينضبط، وهو ما تحقّق بما ذكر الأستاذ. وأما إذا كان هذا الفهم فهم الأستاذ الغنوشي وتعريفه، فقد بطل إذن كل ما بني عليه؛ لأنّ نقض رأي الغير يبنى على فهمه لقضية ما وليس على فهم مخالفه.

ثانيا: قول الأستاذ الغنوشي: “غريب عن الفقه” بمعنى أنه دخيل عنه غير مألوف. وهنا نسأل: ما المقصود على وجه الدقة بالغرابة، هل المراد هنا غرابة اللفظ أم المعنى؟

إن أراد الأستاذ الغنوشي غرابة اللفظ، قلنا: إنّ اللفظ عربي فصيح، وورد في كتب الفقهاء وفق المعنى الذي يفهمه الأستاذ أي بمعنى اجتماع الرجال بالنساء. وهذه بعض الأمثلة:

قال السرخسي (في المبسوط) في بحث اشتراط المحرم للحج: “إلا أن عليها أن تتحرز عن الفتنة وفي اختلاطها بالرجال فتنة…”.(2)

وقال ابن قدامة المقدسي (في الكافي) في بيان الحكمة من انصراف النساء قبل الرجال من الصلاة: “ولأن الإخلال بذلك يفضي إلى اختلاط الرجال بالنساء”.(3)

وقال ابن القيم (في الطرق الحكمية): “وقد منع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه النساء من المشي في طريق الرجال والاختلاط بهم في الطريق، فعلى ولي الأمر أن يقتدي به في ذلك… ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة”.(4)

وقال الشوكاني (في نيل الأوطار) في شرح حديث “ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن”: “وفيه أيضا تمييز مجلس النساء إذا حضرن مجامع الرجال؛ لأن الاختلاط ربما كان سببا للفتنة الناشئة عن النظر أو غيره”.(5)

وقال الحطّاب (في مواهب الجليل لشرح مختصر خليل): “نقل في المسائل الملقوطة عن والده أنه يكره الطواف مع الاختلاط بالنساء”.(6)

وإن أراد الأستاذ الغنوشي غرابة المعنى، قلنا: هذا المعنى أي منع الاختلاط بين الرجال والنساء مستنبط من نصوص الكتاب والسنة القولية والعملية المتواترة، وهو فهم المسلمين قاطبة بمن فيهم الصحابة رضوان الله عليهم وعلماء الملة، وهو الذي نقل إلينا بالتواتر فتوارثته الأجيال علما وعملا حتى زوال الحكم بالإسلام وتفشي المفاهيم الغربية في المجتمع. قال الشيخ محمد الخضر حسين: “وتحريم الدين لاختلاط الجنسين… معروف لدى عامة المسلمين، كما عرفه الخاصة من علمائهم، وأدلة المنع واردة في الكتاب والسنّة وسيرة السلف الذين عرفوا لباب الدين، وكانوا على بصيرة من حكمته السامية”. (7)**

**مقدمة في ظلال

النظام الاجتماعي في الاسلام

يتجاوز الكثيرون من الناس فيطلقون على جميع أنظمة الحياة اسم " النظام الاجتماعي " وهذا إطلاق خاطئ . لأن أنظمة الحياة أولى أن يطلق عليها " أنظمة المجتمع " ، إذ هي في حقيقتها أنظمة المجتمع ، لأنها تنظم العلاقات التي تقوم بين الناس الذين يعيشون في مجتمع معين ، بغض النظر عن اجتماعهم أو تفرقهم . والاجتماع لا يلاحظ فيها وإنما تلاحظ العلاقات فحسب ، ومن هنا كانت متعددة ومختلفة بحسب تعدد العلاقات واختلافها ، وهي تشمل الاقتصاد ، والحكم ، والسياسة ، والتعليم ، والعقوبات ، والمعاملات ، والبينات وغير ذلك . فإطلاق " النظام الاجتماعي " ، عليها لا وجه له ، ولا ينطبق عليها . وعلاوة على ذلك فإن كلمة " الاجتماعي " صفة للنظام ، فلا بد أن يكون هذا النظام موضوعاً لتنظيم المشاكل التي تنشأ عن الاجتماع ، أو للعلاقات الناشئة عن الاجتماع . واجتماع الرجل بالرجل ، والمرأة بالمرأة ، لا يحتاج إلى نظام لأنه لا تنشأ عنه مشاكل ، ولا تنشأ عنه علاقات تحتاج إلى نظام . وإنما يحتاج تنظيم المصالح بينهما إلى نظام ، من حيث كونهم يعيشون في بلاد واحدة ولو لم يجتمعوا . أما اجتماع الرجل بالمرأة ، والمرأة بالرجل ، فإنه هو الذي تنشأ عنه مشاكل تحتاج إلى تنظيم بنظام ، وتنشأ عنه علاقات تحتاج إلى التنظيم بنظام ، فكان هذا الاجتماع الأولى بأن يطلق عليه النظام الاجتماعي لأنه في حقيقته ينظم الاجتماع بين الرجل والمرأة ، وينظم العلاقات التي تنشأ عن هذا الاجتماع .

ولذلك كان النظام الاجتماعي محصوراً في النظام الذي يبين تنظيم اجتماع المرأة بالرجل والرجل بالمرأة ، وينظم علاقة المرأة بالرجل والرجل بالمرأة الناشئة عن اجتماعهما ، لا عن مصالحهما في المجتمع ، ويبين كل ما يتفرع عن هذه العلاقة . فتجارة المرأة مع الرجل ، والرجل مع المرأة هي من أنظمة المجتمع ، لا من النظام الاجتماعي . لأنها تدخل في النظام الاقتصادي . أما منع الخلوة بين الرجل والمرأة ، أو متى تملك المرأة طلاق نفسها ، أو متى يكون للمرأة حق حضانة الصغير ، فإن ذلك كله من النظام الاجتماعي . وعلى ذلك يكون تعريف النظام الاجتماعي هو : النظام الذي ينظم اجتماع المرأة بالرجل ، والرجل بالمرأة ، وينظم العلاقة التي تنشأ بينهما عن اجتماعهما ، وكل ما يتفرع عن هذه العلاقة .

وقد اضطرب فهم الناس ولا سيما المسلمين للنظام الاجتماعي في الإسلام اضطراباً عظيماً ، وبعدوا في هذا الفهم عن حقيقة الإسلام بعدهم عن أفكاره وأحكامه ، وكانوا بين مفرط كل التفريط ، يرى من حق المرأة أن تخلو بالرجل كما تشاء وأن تخرج كاشفة العورة باللباس الذي تهواه . وبين مفرط كل الإفراط لا يرى من حق المرأة أن تزاول التجارة أو الزراعة ،ولا أن تجتمع بالرجال مطلقاً ، ويرى أن جميع بدن المرأة عورة بما في ذلك وجهها وكفاها ، وكان من جراء هذا الإفراط والتفريط انهيار في الخلق ، وجمود في التفكير ، نتج عنهما تصدع الناحية الاجتماعية وقلق الأسرة الإسلامية وغلبة روج التذمر والتأفف على أعضائها ، وكثرة المنازعات والشقاق بين أفرادها . وصار الشعور بالحاجة إلى جمع شمل الأسرة ، وضمان سعادتها يملأ نفوس جميع المسلمين . وصار البحث عن علاج لهذه المشكلة الخطيرة يشغل بال الكثيرين ، وصارت المحاولات المختلفة تظهر أنواعاً متعددة لوضع هذا العلاج . فوضعت المؤلفات التي تبين العلاج الاجتماعي ، وأدخلت التعديلات على قوانين المحاكم الشرعية ، وأنظمة الانتخابات . وحاول الكثيرون تطبيق آرائهم على أهليهم من زوجات وأخوات وبنات . وأدخلت على أنظمة المدارس تعديلات من حيث اختلاط الذكور بالإناث . وهكذا ظهرت هذه المحاولات بهذه المظاهر وأمثالها . ولكن جميع أولئك وهؤلاء لم يوفقوا إلى العلاج ، ولم يهتدوا إلى النظام ، ولم يجدوا إلى ما يحسونه من إصلاح أي سبيل . لأنه قد عمي على معظم المسلمين أمر علاقة الجنسين : المرأة والرجل . وصاروا لا يعرفون الطريقة التي يتعاون فيها هذان الجنسان ، حتى يكون صلاح الأمة من هذا التعاون وقد جهلوا أفكار الإسلام وأحكامه التي تتعلق باجتماع الرجل بالمرأة جهلاً تاماً ، مما جعلهم يتناقشون ويتجادلون فيما هو حول طريقة العلاج ، ويبعدون عن دراسة حقيقتها ، حتى ازداد القلق والاضطراب من جراء محاولاتهم ، وصارت في المجتمع هوة يخشى منها على كيان الأمة الإسلامية ، بوصفها أمة متميزة بخصائصها . ويخشى على البيت الإسلامي أن يفقد طابع الإسلام ، وعلى الأسرة الإسلامية أن تفقد استنارة أفكار الإسلام وتبعد عن تقدير أحكامه وآرائه .

2**

**قُبُسٌ من نور

في ظلال

النظام الاجتماعي في الاسلام**