قائد كتيبة الأهوال
عاصم بن عمرو التميمي رضي الله عنه، صحابي شهم، مؤمن ورع، صادق القول والعمل.
عاصم بن عمرو رضي الله عنه بطل من أبطال القادسية، وبطل يوم المدائن حين عبر نهر دجلة لفتحها.. وكان على رأس كتيبة الأهوال يومها، وهو فاتح سجستان، وما أدراك ما فتح سجستان.
إسلامه:
أسلم عاصم بن عمرو التميمي في السنة التاسعة للهجرة مع قومه تميم1. فكان إسلامه بعد غزوة تبوك آخر غزوة قادها الرسول صلى الله عليه وسلم القائد بنفسه، لذلك فقد نال عاصم شرف الصحبة2.
المجاهد:
كانت بداية عاصم في حروب أهل الردة حيث قاتل تحت لواء خالد بن الوليد رضي الله عنه في حروب أهل الردة، فأبلى فيها بلاء استحق من اجله تقدير خالد، فوجهه أمام قواته على رأس قوة من المسلمين إلى العراق3 كما سرح غيره من القاتل وقاتل عاصم بقيادة خالد في العراق، فقَتَل في معركة المزار أحد قادة الفرس البارزين، وبعد فتح الحيرة، قاتل عاصم مع خالد في معركة الأنبار وعين التمر.
في دومة الجندل:
وفي معركة دومة الجندل بعث خالد عاصماً على رأس مفرزة من الفرسان لأسر أكيدر بن عبدالملك أحد أمراء دومة الجندل البارزين ، فنجح عاصم في أسره وسلمه إلى خالد فقتله جزاء غدره بالمسلمين4. وعندما طوق خالد حصن (دومة الجندل) لم يتسع الحصن لكل المدافعين عنه ، فبقى بعضهم خارجه ، فقال عاصم لقومه بني تميم:" يا بني تميم، حلفاؤكم كلب، آسروهم وأجيروهم، فإنّكم لا تقدرون لهم على مثلها"؛ ففعلوا، وكانت وصية عاصم هذه سبباً لنجاة بني كلب من القتل، لأن خالداً دعا بالأسرى فضرب أعناقهم إلا أسارى بني كلب، فإن عاصماً وبني تميم قالوا: “قد آمناهم”، فأطلقهم خالد، مما يدل على وفاء عاصم وحرصه على إخوانه ووقوفه إلى جانبهم في المحن5.
تحت لواء المثنى:
ولما وجه أبو بكر الصديق رضي الله عنه خالداً إلى أرض الشام، أراد أن يستصحب عاصماً معه كما أراد اصطحاب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحتج المثنى بن حارثه الشيباني قائلاً: “والله ما أرجو النصر إلا بهم”، فلما رأى خالد ذلك عارضه حتى رضي، وكان عاصم ضمن الذين تركهم إرضاءً للمثنى6، وحتى يرضي خالد صاحبه المثنى اصطحب خالد القعقاع بن عمرو التميمي أخا عاصم واضطر إلى ذلك إرضاءً للمثنى، وتنفيذاً لتوجيهات أمير المؤمنين أبي بكر الصديق في أخذ نصف الصحابة وترك نصفهم مع المثنى7.
وبعد خالد.. قاتل عاصم تحت لواء أبي عبيدة بن مسعود الثقفي قائداً لقومه بني تميم، فوجه بعد معركة (كسكر) إلى نهر جور فهزم الفرس، وفي معركة الجسر التي استشهد فيها أبو عبيدة وركبهم الفرس فأصابوا يومئذ من المسلمين أربعة آلاف شهيد بين غريق وقتيل، حمي المثنى بن حارثة وعاصم مع أشجع الأبطال المسلمين الانسحاب حتى عقدوا جسراً فعبر المسلمين عليه، وعبر المثنى وعاصم في أثارهم، وبذلك أنقذ المثنى وعاصم أرواح المسلمين 8.
وقد استمر عاصم وأصحابه الشجعان بعد استشهاد أبي عبيدة تحت لواء المثنى، استخلفه على الناس حين خرج على رأس مفرزة من الفرسان9. وفي معركة البويب كان عاصم يقود الفرسان أمام المقدمة، وتسمى (المجردة)، وهو واجب أو تكليف لا يقوم به إلا بطل مقدام جريء.
ولما انهزم الفرس أمام المسلمين في هذه المعركة، كان عاصم أحد القادة الذين قاموا بالمطاردة، وكان- وهي مدينة بالقرب من المدائن -فكان عاصم أول من دخل حصن الفرس في ساباط لتغلغله العميق في أراضيهم وطول مطاردته لهم أثرٌ في رفع معنويات إخوانه من المسلمين.
عاصم بطل من أبطال القادسية:
بدأ عاصم رضي الله عنه دوره في معركة القادسية بالإمداد والتموين، فكان أثناء مسير الاقتراب من موضع القادسية قائداً للساقة10، ولما قل التموين وشح الغذاء قبل المعركة، أرسله سعد بن أبي وقاص إلي مسيان في غارة غنم وبحث عن غذاء فغنم بعض الماشية، فأتى بها إلى سعد، فقسمها على الناس، فأكلوا أياماً وشربوا11.
وكان التكليف الثاني لعاصم قبل معركة القادسية هو مهمة سياسية إلى كسرى ملك الفرس، فقبيل المعركة جرت مفاوضات بين سعد رضي الله عنه وبين كسرى يزدجرد، فأرسل سعد رجالاً من العرب لهم منظر ومهابة ولهم آراء واجتهاد، وكان من بين هؤلاء عاصم، وفي نهاية المفاوضات غضب كسرى على المفاوضين العرب، فقال لرجاله: “ائتوني بوقر من تراب، واحملوه على أشرف هؤلاء”، فتقدم عاصم ليحمل عن أصحابه التراب قائلاً: “أنا أشرفهم.. أنا سيد هؤلاء”، ثم حمل التراب على عنقه وخرج إلى راحلته فركبها، وأخذ التراب معه وقال لسعد: "أبشر ! فو الله لقد أعطانا الله مقاليد ملكهم"12.
وكانت نتيجة تلك المفاوضات نصراً معنوياً للمسلمين على الفرس، إذ قال كسرى: "ما كنت أرى أن العرب مثل رجال رأيتهم دخلوا علي !! ما أنتم بأعقل منهم ولا أحسن جواباً منهم"13.
وأرسل سعد رضي الله عنه مائة فارس فأغاروا على ما بين النهرين، وبلغ رستم قائد الفرس الخبر، فأرسل إليهم خيلاً، ولما علم سعد بأن خيله توغلت بعيداً وأنها أصبحت في خطر داهم، بعث عاصماً وجابر الأسدي، فلقيهم عاصم وخيل الفرس تحوشهم ليخلصوا ما بأيديهم، فلما رأته الفرس هربوا، ورجع المسلمون بالغنائم والفتح.
وعندما نشب القتال بين المسلمين والفرس في معركة القادسية، برز عاصم في اليوم الأول من أيامها بروزاً جعله سيد الموقف بدون منازع، فقد كان أحد ذوي الرأي والنجدة الذين أرسلهم سعد لتحريض الناس على القتال. فقام عاصم في (المجردة) ورجالها أول من يلاقي العدو، ووقف خطيباً فقال: "إن هذه البلاد قد أحل الله لكم أهلها، وأنتم تنالون منهم منذ ثلاث سنين ما ينالون منكم، وأنتم الأعلون والله معكم إن صبرتم وصدقتموه الضرب والطعن"14.
ووقف خطيباً في جمع آخر فقال: "يا معشر العرب، إنكم أعيان العرب وقد صمدتم لأعيان العجم، وإنما تخاطرون بالجنة ويخاطرون بالدنيا، فلا يكونن على دنياهم أحوط منكم على آخرتكم، ولا تحدثوا اليوم أمراً تكونون فيه شيئاً على العرب غداً"15.
ثم خرج عاصم البطل رضي الله عنه للقتال وهو يرتجز، فطارد رجلاً من العجم فهرب منه، فطارد حتى دخل في صفوف الفرس ! فالتقى بفارس معه بغلة فترك الفارس بغلته وهرب، فاستاقها عاصم وسلمها إلى سعد ثم عاد إلى موقعه. وزحف المسلمون، فحملت فيلة الفرس على الميمنة والميسرة، فحارت خيول المسلمين وأحجمت، وبقى المشاة يقاتلون وحدهم بدون إسنادٍ لهم.. مما شكل موقفاً ميدانياً غاية في الصعوبة. في ذلك الموقف العصيب أرسل سعد إلى عاصم وقال له: “يا معشر بني تميم ألستم أصحاب الإبل والخيل ! أما عندكم لهذه الفيلة من حيلة؟”؛ فقال عاصم: “بلى والله”، ثم نادى عاصم الرماة من قومه وأعطاهم واجب رمي الفيلة لإسناد جماعة آخرين من تميم أمرهم بقطع أحزمة سروج الفيلة ومذبناتها، وخرج عاصم يشرف على تنفيذ خطته بنفسه ويحمي الرماة وجماعة قطع الأحزمة، وأقبل رجاله على الفيلة فأخذوا بآذانها وقطعوها، فارتفع عواؤها وألقت بركبانها، فنفس وخفف عن بني أسد وبجيلة، بعد أن قتل من قبيلة أسد وحدها يوم ذاك أكثر من خمسمائة رجل16.
هذا في اليوم الأول من أيام القادسية الثلاثة، كان فيه عاصم بطلاً يحمى الذمار ويدافع عن إخوانه ودينه. وفي اليوم الثاني، وصل القعقاع بن عمرو أخو عاصم مع إمداداته، وبذلك اجتمعا ليتعاونا على حمل ثقل القتال على كاهليهما. وفي اليوم الثالث للقادسية، عادت الفيلة تحمل الفرس وتهاجم المسلمين في هجوم كاسح ساحق، فسأل سعد جماعة من الفرس الذين أسلموا عن مَقَاتِلِها، فقالوا: إنها مشافرها وعيونها. فأرسل سعد إلى عاصم وأخيه القعقاع، وقال: أكفياني الفيل الأبيض. وكان هذا الفيل تألفه كل الفيلة وتمشي خلفه، فأخذ القعقاع وعاصم رمحين أصمين وتقدما في خيل ورجال من تميم، وقالا لرجالهما: “اكتنفوه لتحيروه !”، ثم حملا عليه فوضعا رمحيهما معاً في عيني الفيل الأبيض، فتراجع وطرح سائسه ودلى مشفره، فضربه القعقاع بالسيف فقطع مشفره ووقع الفيل لجنبه، فقتلا من معه من الفرس 17.
وانتهت معركة القادسية بنصر المسلمين، وكان لعاصم رضوان الله عليه دوراً وجهداً مشرفين في هذا النصر.
قائد كتيبة الأهوال في المدائن:
أراد سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن يعبر النهر بقواته لفتح المدائن، ولكن لابد له من قوة كافية تعبر النهر أولاً لاحتلال رأس جسر في الجانب الثاني من النهر (بلغة العسكريين)، وبذلك تحمي عبور قوات القسم الأكبر من قوات المسلمين، ومعروف أن في عبور النهر صعوبة للقوات المتقدمة الأمامية، فقال سعد: “من يبدأ ويحمي لنا الفراض، حتى نلاحق به الناس لكي لا يمنعوهم من الخروج؟”، وعلى الفور تطوعت كتيبة الأهوال وقائدها عاصم بن عمرو فيهم ستمائة من أهل النجدة، وأمّر سعد عاصماً عليهم، فساروا حتى إذا بلغوا الشاطئ - شاطئ دجلة - قال عاصم لأصحابه: “من ينتدب معي لنكون قبل الناس دخولاً في هذا البحر فنحمي الفراض عن الجانب الآخر؟”، فانتدب له ستون فارساً، وهم الذين أطلق عليهم (كتيبة الأهوال) فجعلهم نصفين على خيل إناث وذكور ليكون أساس العوم على الخيل، ثم تقدمهم عاصم إلى حافة النهر وهو يقول للذين ترددوا: “اتخافون من هذه النطفة؟”، ثم تلا قوله تعالى: (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً)، ثم دفع فرسه واقتحم النهر واقتحم زملاؤه معه، فلما رآهم الفرس بعثوا فرسانهم فاقتحموا النهر أيضاً فلقوا عاصماً ورجاله في وسط النهر، فقال عاصم: “الرماح ! الرماح ! شرعوها وتوخوا العيون”، فالتقوا، فاطاعنوا، فولى الفرس ولحقه المسلمون فقتلوا أكثرهم، ومن نجا منهم صار أعور من الطعن18.
فكانت (كتيبة الأهوال) أول من دخل المدائن، بقيادة البطل الجريء المقدام عاصم بن عمر التميمي، لقد كان عبور النهر كفاءة عسكرية لجنود محترفين مخلصين لجنديتهم ولعقيدتهم أثاروا الدهشة في نفوس المؤرخين والعسكريين، ولقد كان السلاح الذي بني على أساسه هذا الأداء الرائع المدهش هو الإيمان بالقضاء والقدر، وأن النفس لن تموت إلا عندما يأذن الله بأجلها.
مع عتبة بن غزوان:
ولم تكن المدائن آخر الطريق بل شارك عاصم مع عتبة بن غزوان رضي الله عنه في معارك في البصرة وبلاد فارس، فقد تحرك عتبة بن غزوان إلى منطقة البصرة بعد فراغ سعد من معارك جلولاء وتكريت والموصل في ثمانمائة رجل من بينهم بعض بني تميم، فكان عاصم مع جيش عتبة، إذ جاء ذكره مع الجيش الذي بعث به عتبة لإنقاذ جيش العلاء بن الحضرمي الذي أحيط به في فارس19 لذلك فإن عاصماً شهد كافة معارك عتبة بن غزوان في جنوبي العراق في منطقة البصرة وفي فارس، وهي المعارك التي حدثت في جنوب العراق وطهران مع قسم من أرض فارس، واستطاعت القوات الإسلامية أن تطرد قوات الفرس منها.
عاصم وفتح سجستان:
ما أن انتهى المسلمون من فتح نهاوند حتى قرر عمر بن الخطاب رضي الله عنه فتح سائر أنحاء فارس، فعقد بنفسه سبعة ألوية لسبعة قادة عهد إليهم بالانسياح في أرض فارس كلها، وكان من بين هذه الألوية السبعة لواء (سجستان) دفعه إلى عاصم رضي الله عنه وأمَّره على رأس قوة من أهل البصرة، ثم أمد عمر رضي الله عنه هؤلاء القادة بأهل الكوفة، فأمَد عاصماً بعبد الله بن عمير، فعسكر عاصم قريباً من البصرة حتى أكمل تحشد قواته وأنجز متطلباتها الإدارية، ثم تحرك إلى هدفه سجستان، يقاتل أهلها القندهار والترك وأمماً كثيرة، وهي ناحية كبيرة وولاية واسعة، وقد اختص أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قائده البطل بهذه الثقة العظيمة لبراعة قيادته وشجاعته النادرة والتقى عاصم بجيش سجستان على حدود بلادهم، فلم ثبتوا أمام المسلمين بل انسحبوا الى زرنخ - وزرنخ أعظم مدينة في سجستان - وهي مدينة وموقع عسكري، وعليهما حصن وخندق محاطة بسور، والماء الذي في الخندق ينبع من مكانه20 مما يدل على صعوبة اختراقها.
ورغم ذلك فقد حاصرهم المسلمون فيها وبثوا كتائبهم تتغلغل في المنطقة كلها، ولما طال الحصار عليهم طلبوا الصلح على أن تكون مزارع سجستان محمية لا يطؤها المسلمون، وبذلك أنجز عاصم فتح سجستان وأصبحت بلاداً إسلامية.
وقد تولى عاصم بعد فتح سجستان إدارتها وهي منطقة واسعة وعمل على توطيد الأمن والنظام فيها، وذلك لأن القادة الفاتحين كانوا يتولون إدارة المناطق التي يفتحونها، ولكن هل بقي طويلاً والياً على سجستان؟ ذلك ما توقف عنه المؤرخون، وقد توفي عاصم رضي الله عنه سنة19هـ 640/م20، رحم الله عاصماً فقد كان قائداً فذاً، النصر يسير على ركابه أينما ذهب.
الهوامش:
الطبري 2/377 1
الإصابة 4/ 6 2
3 الطبري 2/ 554
4 الطبري578/2
5 ابن الأثير152/2
6 الطبري 578/2
7 الكامل لابن الاثير156/2
8 انظر معركة الجسر في تاريخ الطبري 640/2
9 ابن الاثير 169/2.
10 المصدر السابق : 2/ 174
11 الطبري 3/14.
12 ابن الاثير : 2/ 176
13 الطبري : 3/ 19
14 المصدر السابق : 3/44 .
15 المصدر السابق : 46
16 الطبري 3/50.
17 ابن الأثير : 2/185
18 ابن الاثير : 2/198.
19 المصدر السابق ,208/2 والطبري 187/3.
20 المسالك واللممالك- للاصطخري ص 239 , دار القلم خ القاهرة 1381هـ
عن المشكاة الإسلامبة