بيان هام من آل الحموري في خليل الرحمن
بسم الله الرحمن الرحيم
بيان إلى الرأي العام في مدينة خليل الرحمن من مجلس عائلة الحموري
بناء على صدور قرار مجلس الوزراء استملاك 73 دونما من الأرض المتنازع عليها بين بعض عائلات مدينة الخليل والبعثة الروسية ( المسكوب )، والمتمثلة بقطعة الأرض (197) من الحوض ( 34405) والصادر من مجلس الوزراء فإن مجلس عائلة الحموري ولجنة متابعة قضية أرض خلة المغاربة وخلة بطرخ نعلن ما يلي
أولا:- يمتلك ورثة الشيخ ابراهيم الحموري أوراق طابو تثبت ملكيتهم لأجزاء من هذه الأرض
ثانيا:- بالرجوع إلى سجلات الدوائر الرسمية وشهادة الشهود تبين لمجلس عائلة الحموري أن ورثة الشيخ ابراهيم الحموري قد حافظوا على مستندات ملكيتهم عبر السنين السابقة ، ولم يجر عليها أي نوع من أنواع البيوع أو الإيجار سواء في خلة المغاربة أو خلة بطرخ ، وقد تم اغتصابها منذ عهد الانتداب البريطاني على فلسطين ، وأصبحت العلاقات السياسية سند لهذا الاغتصاب
ثالثا:- نرفض قرار الاستملاك لمنفعة طائفة معينة ، ونصر على حقنا في التصرف في ما نملك ، آخذين بعين الاعتبار قدسية هذه الأرض وكونها أرض وقفية ، كما نعلن استعدادنا للتنازل عنها لمنفعة أهل الخليل في بناء المدارس والمستشفيات وكل ما يعود على أهل مدينة الخليل بالنفع العام ،وفق الأحكام الشرعية المتعلقة بالأرض الوقفية
رابعا :- نناشد الأخوة والأخوات من ورثة الشيخ ابراهيم الحموري المقيمين في مدينة القدس وفي الأردن والخارج الوقوف إلى جانبنا والثبات على الموقف الذي اتخذناه ،وعدم اتخاذ مواقف فردية تضر بموقفنا الواضح ،وتفويت الفرصة على من يسعون للإساءة إلى عائلتنا.
والسلام عليكم ورحمة الله
مجلس عائلة الحموري في الخليل

**فيما يلي بيان لآل تميم رفضاً لتمليك المسكوب الروس أرض الوقف في الخليل
بسم الله الرحمن الرحيم
أحفاد الصحابي تميم بن أوس الداري رضي الله عنه
يؤكدون رفضهم استملاك أرض وقف الصحابي للمسكوب الروسويعلنون للعالم أجمع إسلامية قضيتهم ووجوب الدفاع عنها منطلقين من عقيدتهم.
نعلن نحن أحفاد الصحابي تميم بن أوس الداري رضي الله عنه رفضنا قرار استملاك أرض خلة المغاربة من وقف رسول الله صل الله عليه وسلم لجدنا الصحابي الجليل تميم رضي الله عنه وإخوانه وأعقابهم أبد الآبدين، ذلك القرار الصادر عن مجلس الوزراء بتاريخ ٢٣/٢/٢٠١٦والمصادق عليه من قبل رئس السلطة الفلسطينية بتاريخ ٣١/٣/٢٠١٦، ونرفض أيضا قيام دائرة الأراضي بإصدار سند تسجيل بناء على هذا الاستملاك بتاريخ ١١/٤/٢٠١٦.
وإننا نحن أحفاد الصحابي الجليل في فلسطين والخارج والمسلمين جميعا لنؤكد على ما يلي:
(1 إن هذا الإجراء يعتبر مخالفة صريحة واضحة لعقيدة الأمة الإسلامية وللأحكام الشرعية التي انزلها الله وبينها رسولنا الكريم صل الله عليه وسلم، وهو خرق صارخ للقوانين المرعية والمعمول فيها والتي تحرم التنازل عن أرض الوقف أو هبتها او استملاكها أو منح منفعتها لغير المسلمين وهذا واضح تماما من كتاب الرسول صل الله عليه وسلم.
(2 إن هذا الإجراء مساس خطير بأرض الإسراء والمعراج وبالإنطاء النبوي الشريف الذي حافظ عليه المسلمون جيلا بعد جيل وفي أحرج الظروف وأصعب الأوقات التي تعرضت لها فلسطين ولم يسجل التاريخ يوما أن فرط أحفاد الصحابي الجليل والمسلمون بهذه الأرض المباركة بل كانت موضع عناية واهتمام عبر التاريخ.
(3 نؤكد تمسكنا بالأرض ونعتبر ما حصل عليها أو بها من إجراءات باطلا بطلانا تاما مطلقا، حيث أنه يخالف أحكام شريعتنا ويتنافى مع قيمنا وتاريخنا الإسلامي المشرف، وهو خيانة لدماء الشهداء التي روت دمائها هذه الأرض المباركة من لدن صحابة رسول الله صل الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، ونحن لن نقبل بالتفريط برفات الجنود الأتراك وجنود الأردن ورفات أبناء مدينة الخليل الذين تضمهم هذه القطعة من الأرض المباركة.
(4إننا نوقن بقدرة بالله العظيم ناصر المؤمنين، ونحن على يقين بان كل من شارك وساهم في هذه المؤامرة سيحل به الأذى واللعنة من الله تعالى مصداقا لوعيد الرسول عليه الصلاة والسلام -الذي لا ينطق عن الهوى- لمن آذى أهل الوقف من آل تميم (من آذاهم آذاه الله ومن آذاهم لعنه الله.
5 )وبناء عليه ندعو رئيس السلطة الفلسطينية ورئس وزرائه أن يدركوا خطورة الموقف السياسي والشرعي، وأن يعودوا عن قرارهم الباطل هذا، وأن لا يتجاوزا قرار آل تميم بأن تكون هذه الأرض لمنفعة أهل الخليل والمسلمين جميعا، ولذلك يتوجب على السلطة الفلسطينية إلغاء قرارهم الباطل الذي يلحق ضررا كبيرا بأهل هذا البلد، وقبل ذلك يجلب عليهم الخزي وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ
(6 وإننا ندين إي محاولة لتضليل وخداع للرأي العام وصرف الأنظار عن هذه الجريمة الكبيرة من خلال القيام إجراءات وهمية لا قيمة لها قانونيا، ونذكّر من يشارك في ذلك أو يحاول تضليل الرأي العام، بقول الحق سبحانه وتعالى ((يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)) صدق الله العظيم.
(7 إننا نحذر كل من تسول له نفسه قبول أخذ تعويض أو إبداء الموافقة على ذلك، عن أي جزء من هذه الأرض أحفاد الصحابي تميم بن أوس الداري رضي الله عنه.
- ونؤكد على حقنا بالتحرك الجماهيري لحماية الوقف الذي تحمّل أجدادنا مسؤوليته الشرعية عبر التاريخ، وندعو عشائر الخليل أن تكون معنا في وقفة الحق هذه حتى نحمي هذه المدنية المباركة من أية مؤامرة.**
**بسم الله الرحمن الرحيم
بيان صادر عن أبناء تميم الداري رضي الله عنه موجه للأمة بعامة وإلى أهل الخليل بخاصة
بمناسبة أوامر محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، لرئيس وزرائه رامي الحمد الله باستملاك أرض خلة المغاربة التابعة لوقف الصحابي تميم الداري رضي الله عنه وتمليكها للبعثة الروسية باسم المنفعة العامة، نعلن نحن أبناء الصحابي تميم الداري وأخوته رفضنا لهذا القرار الخائن لله ولرسوله وللمؤمنين بعامة وأهالي الخليل بخاصة. وكنا قد أصدرنا بياناً بتاريخ 12/11/1996 أعلنا فيه رفضنا لاتفاقية الخليل الخيانية أو ما سمي باتفاقية طابا وإليكم هذا البيان.
بسم الله الرحمن الرحيم
التاريخ: الثلاثاء (12/11/1996)
ديوان آل التيمي .. عمان ? ت 606121
بيان صادر عن آل التميمي بخصوص وقف جدهم
الصحابي الجليل تميم بن أوس الداري رضي الله عنه
الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه وعلى من سار على دربه إلى يوم الدين وبعد. . .
نحن أبناء الصحابي الجليل تميم بن أوس الداري وإخوته، نعلن للعالم أجمع أن أرض مدينة الخليل هي وقف علينا أوقفه الذي لا ينطق عن الهوى محمد صلى الله عليه وسلم على جدنا تميم الداري وإخوته رضي الله عنهم ولذريتهم من بعدهم إلى يوم القيامة كما جاء في حديث الإنطاء والذي روته أمهات كتب الحديث والتاريخ والذي نصه: “هذا ما أنطى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لتميم وإخوته، حبرون والمرطوم وبيت عينون وبيت إبراهيم وما فيهن نطية بت بذمتهم وسلمت ذلك لهم ولأعقابهم، فمن آذاهم لعنه الله، شهد عتيق بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب وعثمان وكتب علي ابن أبي طالب وشهد”
ولقد بقيت هذه الأرض المباركة وقف علينا منذ فتحها على يد الخليفة العادل عمر بن الخطاب وحتى دولة الأردن عندما كانت تحكم الضفة الغربية قبل حزيران سنة ألف وتسعمائة وسبع وستون، وبعد أن احتلها اليهود حاولوا أن يوجدوا فيها موطئ قدم وادعوا أنها أقدم مدينة لهم وأمام هذا الهراء نقدم ما يلي:
-
أولا: لم يكن لليهود أي كيان في الخليل عبر التاريخ، ما عدا أفراد سكنوها قبل حوالي (250) سنة، وكانوا يعيشون على المهن الوضيعة، ولذلك أن أقدم سكان الخليل هم العرب، وجاءت هجرات عربية كثيرة وسكنت الخليل وفلسطين، وكان منها الهجرات التي بدأت بعد انهيار سد مأرب، والتي كان منها العرب اللخميون الذي سكن قسم منهم جنوب فلسطين، ومن هؤلاء قسم سكن بين القدس و الخليل ومنهم الداريون، وكان من أبرزهم تميم بن أوس الداري وإخوته عند ظهور الإسلام، وقد كانوا نصارى، وكان يدعى تميم (براهب عصره) وقد أعلن إسلامه فأقطعه النبي صلى الله عليه وسلم أرض الخليل. -
ثانيا: إن ادعاء اليهود أنهم أبناء إبراهيم عليه السلام، وأن إبراهيم كان يهوديا، فيكذبه واقع التاريخ القديم، فإبراهيم عليه السلام قد جاء داعية إلى الله من أرض العراق عندما اضطهده أهلها وحاولوا حرقه، فهاجر إلى الخليل وسكن بين أهلها العرب، وبدأ يدعوهم إلى الله، وقد رحبوا بنبي الله بينهم حتى إذا ماتت زوجته سارة طلب من ملكها عفرون الحثي أن يبيعه مغارة مكفيلا ليدفن فيها زوجته سارة، وقد دفن فيها هو وأولاده من بعده، وإبراهيم عليه السلام ليس بأب لليهود كما يدعون، فاليهودية دين وليست جنس، واليهود كما هو معروف علميا أجناس كثيرة اتبعوا دين اليهود، ففيهم الأوربي والأفريقي ومنهم يهود الخزر الذين كانوا نصارى فتهودوا، ولا يربط اليهود شيء غير الدين، وإبراهيم كان قبل أن تظهر اليهودية فكيف يكون يهوديا، قال تعالى: (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا يعقلون) 65 آل عمران.
هذا ولقد احتلت مدينة الخليل مرتين قبل هذا الاحتلال اليهودي، من قبل الصليبيين والتتار، ولكن الأبطال من هذه الأمة حرروها وأعادوا الوقف إلى وضعه الطبيعي ملكا لآل تميم، وبإذن الله سيزول هذا الاحتلال لتعود الخليل إلى أهلها وقفا شرعيا إلى يوم القيامة مصداقا لحديث الرسول عليه السلام.
فلما قبض الرسول عليه الصلاة والسلام تولى أبو بكر الخلافة، فكتب للداريين كتابا نسخته
كتاب من أبي بكر الذي استخلف في الأرض بعد رسول الله صلى الله عليه كتبه للداريين أن لا تفسد عليه مأثرتهم قرية حبرى وبيت عينون فمن كان يسمع ويطيع فلا يفسد منها شيئا
فلما فتحت فلسطين زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، جاءه تميم بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر أنا شاهد ذلك فأعطاه إياه إلى اليوم.
هذا ولقد حافظ الأمويون على الإنطاء الشريف فقد أخرج أبو عبيد البكري في كتاب معجم ما استعجم أن سليمان بن عبد الملك كان إذا مر بأرض تميم يعرج عنها ويقول أخاف أن تصيبني دعوة النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج أحمد بن الربيع في كتاب من دخل مصر من الصحابة من طريق ابن وهب، أن سليمان بن عبد الملك لما ولي الخلافة أراد أن يعرض للداريين فأتوه بكتابهم فتركهم قال ابن لهيعة هي لهم إلى اليوم.
ثم جاء العباسيون وحافظوا على هذا الإنطاء وبعد الاحتلال الصليبي للخليل جاء المنقذ صلاح الدين، فأعاد الإنطاء إلى وضعه.
وقد حصل في زمن الإمام الغزالي أن بعض الولاة حاول انتزاع أراضي الإنطاء من الداريين، ولما احتج الداريون بالكتاب قال القاضي أبو حامد الهروي الحفني، هذا الكتاب ليس بلازم، لأن النبي أقطع تميما ما لم يملك، وعندما استفتي الإمام الغزالي وكان ببيت المقدس قال: هذا القاضي كافر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "زويت لي الأرض كلها"، وكان يقطع في الجنة فيقول، قصر كذا لفلان، فوعده صدق وعطاؤه حق، فخزي القاضي والوالي وبقي آل تميم على ما بأيديهم وكانت هذه الحادثة لما كان أبو بكر بن العربي بالشام.
ثم جاء المماليك فطهروا المنطقة من التتار وأعادوا الإنطاء إلى وضعه ثم جاء العثمانيون، فحافظوا على الإنطاء وهو الآن مسجل في سجل المحفوظات العثمانية التابعة لرئاسة الوزراء في إسطنبول تحت رقم 522، ثم جاء المحتلون الإنجليز إلى فلسطين فأنكروا الإنطاء والوقف، فرفعت عليه قضية من قبل آل التميمي، فشكلت محكمة مخصوصة من أجل ذلك شكلها الإنجليز، وصدر القرار أن هذا الوقف اعتبر وقفا صحيحا بمقتضى القرارات الصادرة من المحكمة العليا سنة 1925 وسنة 1927.
هذا وقد حكم رئيس محكمة الاستئناف الشرعية في القدس وفي العشرينات من هذا القرن بإعطاء ثلثها لابن السبيل بناء على رواية ضعيفة تنسب لسيدنا عمر بن الخطاب فرفع أبناء تميم قضية الإنطاء إلى مفتي مصر في ذلك الوقت الشيخ محمد بخيت المطيعي، فأفتى بعدم صحة حكم القاضي المستند إلى رواية غير صحيحة لأنها تخالف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإنطاء.
ومن هذا الاستعراض التاريخي لأرض الخليل المقدسة، هل نسير على طريق محمد صلى الله عليه وسلم ومن سار على دربه من الصحابة وحكام المسلمين أم نسير على طريق من يريدون أن يوطنوا اليهود في الخليل رغم أنه لم يكن لليهود كيان في الخليل عبر عصور التاريخ إلا فترة قصيرة عاشت فيها مجموعة صغيرة من اليهود بين أهل الخليل المسلمين، فما اكتشفوا تآمرهم بعد وعد بلفور أخرجوهم منها.
لهذا نعلن أننا باسم أبناء الخليل جميعا نرفض أي وجود لليهود في الخليل، وأننا نعتبر أرض الخليل وقفا إسلاميا صحيحا تواتر الإعتراف به وكل ما عداه من اتفاقيات لا يلزم إلا من وقع عليه.
لجنة الحفاظ على تراث الصحابي تميم بن أوس الداري
**
الحلقة الرابعة :
موقف الدول والحكومات المتعاقبة من الإنطاء النبوي/1
عمل الخلفاء المسلمون والحكومات الإسلامية المتعاقبة عبر التاريخ على إمضاء وقف تميم الداري وتنفيذه وعدم التعرض له ولأصحابه ، وكانوا يوصون قادتهم وأمراءهم بالحرص على الإنطاء . ومنهم من كان يهاب ويخشى تبديل أي شيء من صور الإنطاء ، ومن أبرز تلك المواقف التاريخية :
1- موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه : لما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم تولى الخلافة بعده أبو بكر رضي الله عنه ، فلما جنَّد الجنود إلى الشام كتب كتاباً هذه نسخته [ بسم الله الرحمن الرحيم ، من أبي بكر الصديق إلى أبي عبيدة بن الجراح ، سلام عليك ، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو ، أما بعد ؛ فامنع من كان يؤمن بالله واليوم الآخر من الفساد في قرى الداريين ، وإن كان أهلها قد جلوا عنها وأراد الداريون أن يزرعوها فليزرعوها بلا خراج ] .
وفي رواية أخرى عن أبي بكر أنه كتب للداريين لما ولي الخلافة كتاباً إلى عمرو بن العاص نسخته [ بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من أبي بكر الصديق أمين رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي استخلف في الأرض بعده ، كتبه للداريين ألاَّ يفسد عليهم مأثرتهم قرية حبرى وبيت عينون ، فمن كان يسمع ويطيع فلا يفسد منهما شيئاً وليقم عمرو بن العاص عليهما فليمنعهما من المفسدين ] .
من ذلك يظهر لنا أن أبا بكر رضي الله عنه عمل بصيغة الإنطاء النبوي كما هو ، وأمر القادة الفاتحين بإنجازه وتسليمه لأهله بلا خراج .
2- موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه : جاء في رواية ابن سيرين عن تميم الداري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سلَّم قرى الداريين إليهم ، ولكنه جعل ثلثاً من ريعها لابن السبيل وثلثاً لعمارتها وثلثاً لهم .
وبين ابن حجر العسقلاني (شارح صحيح البخاري) ضعف هذه الرواية فقال [ لا يؤخذ بها لضعفها بناءً على ثبوت عدم سماع ابن سيرين من تميم ، ويعتبر عمل عمر هذا تغييراً لأصل الإنطاء النبوي وظلماً للداريين في مأثرتهم الخالصة لهم ؛ والتي بين الرسول صلى الله عليه وسلم أنها لهم ولعقبهم وحدهم أبد الأبد ، ولعن من دخل عليهم بظلم في شيء منها ، ولا يعقل أن عمر بن الخطاب يفعل شيئاً من هذا وهو الذي يبتعد عن مواطن الشبهات .
وكذلك فإن هذا اجتهاد من عمر في مورد نص فلا يؤخذ . أما موقف عمر الذي يعتد به فهو منعه لتميم من البيع أما منع عمر لتميم من البيع فذلك من مقتضى الإنطاء ، فلولا منع البيع لم يبق بحوزتهم هذا الإنطاء أبد الأبد . وقد ثبت هذا المنع عن عمر رضي الله عنه بعدة روايات وعليه التعامل إلى يومنا هذا . فلا تباع أرض هذا الإنطاء ولكن يؤجّر ويوزع ريعه على الداريين ] .
3- موقف عبد الملك بن مروان : أراد الخليفة عبد الملك أن يتعرض للداريين ؛ فأتَوْا بكتابهم فتركها لهم .
4- موقف سليمان بن عبد الملك : أراد سليمان بن عبد الملك أن يتعرض للداريين بشأن قراهم فأتَوْا بكتابهم ، وكان إذا مرَّ بقريتَيْ تميم لم يعرج ويقول [ أخاف أن تصيبني دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ] ولم يتعرض للداريين بأذىً أبداً .
5- موقف المأمون : ذكر السيوطي في رسالته (الفضل العميم في إقطاع تميم) أن سعيد بن زياد بن أبي هند الداري دخل على المأمون فقال [ أرني الكتاب الذي كتبه الرسول صلى الله عليه وسلم لكم ] قال فأريته ، فقال [ إني لأشتهي أن أدري أي شيء هذا الغشاء على الخاتم ] فقال له : حل العقد حتى تدري ما هو ، فقال [ ما أشك أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد هذا العقد وما كنت لأحل عقداً عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم ] ثم قال للواثق [ خذ فضعه على عينيك لعل الله يشفيك ] وجعل يضعه على عينيه ويبكي .
فالمأمون خاف أن يحل العقد الذي عقده الرسول صلى الله عليه وسلم على رقعة الإنطاء ، إجلالاً وإكباراً له ولفعله ، وإظهاراً لشرف ناله الداريون ، وبركة تحن النفوس للاستشفاء بها .
6- موقف الصليبين : قال صاحب الضوء الساري في معرفة خبر تميم الداري [ والذي استفيض من الأخبار أن القريتين ما زالتا منذ فتحت البلاد في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بيد الداريين إلى أن استولى الفرنج على القدس والخليل وفلسطين ، فخلت من جميع المسلمين لأنهم قتلوا من أمسكوا به من المسلمين ، وفرَّ من بقي منهم إلى أمصار الإسلام ، فلما عادت البلاد إلى الإسلام بعد نحو مائة سنة عاد الداريون ووضعوا أيديهم على القريتين ] .
وبالرجوع إلى مصادر التاريخ العربية والأجنبية تبين أن أهل الخليل وفلسطين لم يغادروها ، وإنما بقوا متحصنين في جبالها ولم يغادروا إلاَّ نفس المدينة المسورة أو القلعة ، فالمدن في الماضي كانت قلاعاً يسكنها الناس ويسدون أبوابها في المساء حتى الصباح ، وهكذا كانت مدينة الخليل . ولذلك لم يتمكن الصليبيون إلاَّ من احتلال القلعة فقط وهي تشكل جزءاً بسيطاً من أراضي البلد . وبعد عدة سنوات من احتلالها كرَّ عليهم أهل المنطقة المسلمون بما فيهم أهل الخليل وبالأخص التميميين ، وكادوا يحتلون القلعة لولا مجيء نجدة من ملك القدس الصليبي ، وهكذا بقوا في حالة حرب مستمرة مع الصليبين إلى أن طردوهم منها بقيادة صلاح الدين الأيوبي .
جاء في كتاب الحروب الصليبية لستيفن ونسيمان [ غير أن قلعة القديس أبراهام ? إبراهيم ? لم تكن أكثر من جزيرة صغيرة في وسط إسلامي ، فلم يكن للفرنج سيطرة على الدروب الممتدة من بلاد العرب إلى الطرف الجنوبي للبحر الميت ، والتي سارت إزاء طريق التوابل الذي استخدمه البيزنطيون ، واستطاع البدو أن ينفذوا من هذه الدروب إلى النقب ، وأن يتصلوا بالحاميات المصرية المرابطة في غزة وعسقلان على الساحل ، ولم يكد الصيف ينتهي حتى امتدت سلطة جودفرى إلى سهل جزرل في شمال فلسطين ، وإلى ما وراء جبل حبرون إلى النقب في الجنوب ، على الرغم من أنه لم تكن له السيطرة التامة في جنوب يهوذا لأن معظم السكان كانوا من المسلمين ] .
وجاء في كتاب بلادنا فلسطين [ استولى الفرنج على الخليل من عام 1099م ـ 1187م ، حمل عليها المسلمون عام 1107م قادمين من عسقلان ، وكادوا يستولون عليها لولا نجدة الملك بلدوين الأول للفرنجة ]
وقد زار بعض الرحالة المسلمين الخليل أثناء احتلال الصليبيين ، واجتمعوا مع مشايخها ومنهم الهروي الذي زارها عام 1175م فقال [ دخلت القدس سنة تسع وستين وخمسمائة ، واجتمعت فيه وفي مدينة الخليل عليه السلام بمشايخ حدثوني أن الفرنجة نزلوا إلى المغارة المدفون فيها إبراهيم عليه السلام ] .
يدل هذا القول على أن قسماً من سكان البلد بقوا حتى في داخل القلعة ، وهم الذين حدثوا الرحالة عما فعله الصليبيون ، وفي هذا إثبات لا يقبل الشك أن كثيراً من التميميين لم يغادروها أثناء الاحتلال الصليبي ، وبقوا يشنون الغارات على الصليبيين حتى تم تحريرها ، فلا حاجة إلى إثبات أنهم أبناء تميم ، ولا كيف سكنوا الأرض وتملكوها بعد الاحتلال ، لأنها بقيت تحت تصرفهم إلاَّ القلعة التي دحروا منها الصليبين ، ويتأكد ذلك بأن الدولة الإسلامية أبقت أبناء تميم على ما هم عليه . ولو كان عندهم شك لما أبقوا أرضاً كهذه في قدسيتها وبركتها وحجمها في يد ذرية معينة .
7- موقف التتار : وأما بالنسبة للاحتلال التتري للخليل ، فقد كان احتلالاً قصير المدى ، فلم يمكثوا فيها أكثر من سنتين ، واستولوا فيها على القلاع فقط ، فخرج الناس إلى الجبال يقاومونهم إلى أن انهزموا في معركة عين جالوت بقيادة المظفر قطز ، وعادت الخليل إلى أبناء تميم الذين لم يغادروها.
8- موقف العثمانيين : أقر الخلفاء العثمانيون الداريين على ما بأيديهم من حبرون والمرطوم وبيت عينون ، وكتبوا لهم بذلك بناء على ما وجد من وثائق ثابتة ، وصورة مكتوبة لهم محفوظة في المجلس الإسلامي الأعلى بالقدس الشريف .
وبترجمة هذه الصورة ـ المؤرخة في 22/9/1929م ، والتي تحمل الطوابع التركية وخاتم مدير الطابو ، وخاتم دائرة معاون المديرية العمومية للطابو والفادستروا ، وخاتم القنصل البريطاني في استانبول ، وخاتم دائرة التمييز الحقوقية المختلطة في ولاية استنبول ـ وجد أنها تتضمن حاصلات وخراج وريع ما وقفه صلى الله عليه وسلم على تميم الداري رضي الله عنه والمتكون من :
قرية بيت عينون بتمامها التابعة لمدينة خليل الرحمن التابعة لناحية القدس ، وأرض مدينة خليل الرحمن المعروفة بحبرون أو حبرا ، وبيت إبراهيم بتمامها ، ودكاكين في سوق الخليل تعرف بوقف التميمي في أرض بيت إبراهيم وعددها خمسة وستون ، وقرية المرطوم المعروفة بالرياضة التابعة لخليل الرحمن تماماً . انتهى .
منقول عن :
**الحلقة الثالثة : تقييم روايات الوقف
تناولت الحلقة السابقة من هذه السلسلة روايات الإقطاع النبوي كما وردت في كتب المؤرخين والمحدثين ورواة السيرة النبوية ، وكما أثبته المؤلفون في مصنفاتهم ، وكما تتابع مؤرخو القرون المتأخرة ممن جمعوا بين النقل والمشافهة والرحلة على رواية نصوصه فأثبتوه من مشاهداتهم ومعايناتهم ، حيث قصدوا ديار مدينة خليل الرحمن والْتقَوْا أعقاب تميم الداري رضي الله عنه ، واطَّلعوا على ما في حوزتهم من الحجج التي تثبت حقوقهم الموروثة في الإقطاع .
تتقارب تلك الروايات كلها في المضمون ، والاختلاف بينها بسيط لا يؤدي إلى التعارض أو التناقض ، فقد ثبت بينها ما أجمع عليه المسلمون
على مر العصور من ثبوت الإقطاع للداريين بالتواتر من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده والخلفاء والسلاطين والملوك والأمراء ، وجرى على ذلك التعامل الواقعي والقانوني مع هذا الإقطاع واختصاص الدارين به إلى يومنا هذا .
وحتى لو ضعفت بعض الروايات في دعوى الإنطاء للداريين فإنها جميعاً تثبت قدراً مشتركاً بينها هو أن هناك إنطاء نبوياً حصل لهم ، أما قول صاحب الأنس الجليل حين ذكر نص النسخة التي نقلها المستنجد بالله العباسي عن نسخة رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ولعل هذا أصح ما قيل فيه ) فكان ذلك لأنه رأى بأم عينه موافقة هذه النسخة لما في يد الداريين في بلد الخليل ، فاعتبره أقوى مستند لأنه يثبت أن التعامل جرى على ذلك منذ عهد الفتح إلى اليوم الذي رأى فيه الوثيقة ، وظل مطابقاً لما في الوثيقة على مدى الأجيال التي مرت حتى سنة تسعمائة للهجرة .
حتى أنَّ من عارض في صحته خَزِيَ ورَجَعَ عن معارضته ، وهذا ما حصل في قصة القاضي أبي حامد الهروي ؛ حيث اعترض أحد الولاة على آل تميم وأراد انتزاع قراهم منهم ، فاحتج الداريون بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال القاضي أبو حامد الهروي الحنفي [ هذا الكتاب ليس بلازم لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع تميماً ما لا يملك ] فاستفتى الوالي الفقهاء والعلماء ، وكان حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله حينئذ في بيت المقدس فقال [ هذا القاضي كافر ، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال { زويت لي الأرض ? } رواه ابن ماجه ، وكان يقطع في الجنة فيقول قصر كذا لفلان ، فَوَعْدُهُ صدقٌ وعطاؤُهُ حقٌّ ] فَخَزَي القاضي والوالي وبقي آل تميم على ما في أيديهم ، ونص الحديث النبوي الذي ذكره الغزالي هو قوله صلى الله عليه وسلم { إن الله زوى لِى الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتِى سيبلغ ملكها ما زوى لى منها ? } رواه مسلم ، ومعنى زوى لي الأرض : جَمَعَها لي فرأيتها .
وفي سنة ألف وثلاثمائة وخمسين للهجرة (أي عام 1930م تقريباً) حدث أنْ حكم القاضي الشرعي بعزل متولي وقف الداريين عن التولية ؛ اعتماداً منه أن لأبناء السبيل ثلث ريع هذا الإنطاء بناءً على ما ظهر من رواية ابن سيرين عن تميم ، وتقسيم عمر رضي الله عنه لريع الإنطاء : ثلثاً للداريين وثلثاً للعمارة وثلثاً لابن السبيل . ثم صدَّقت محكمة الاستئناف الشرعية هذا القرار وضمت وقف الداريين إلى الأوقاف العامة ، ونصت بما يلي [ حيث ثبت في محكمة العدل العليا أن لأبناء السبيل ثلث أوقاف تميم يلزم أن يكون المتولي عليها مأمور أوقاف الخليل ] .
وقد اسْتُفْتِيَ في أمر صحة هذا القرار الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية آنذاك ، فاستشهد بما في رسالة ابن حجر العسقلاني ? البناء الجليل بحكم مدينة الخليل ? فكتب ما يلي : [ وقد أخذ هذا الإقطاع حكم المتواتر بإمضاء ولاة الأمور ذلك لهم من عهد أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه إلى وقتنا هذا من غير خللٍ ولا انقطاع ، ولا وجه للأثر المروي عن عمر أنه جعل ثلث الريع لأبناء السبيل والثلث للعمارة والباقي لهم وذلك لسببين :
الأول : أن الأثر المذكور ضعيف لانقطاع سنده وضعف أحد رواته وهو أشعث ابن سوار كما ذكر ابن حجر ، وأن هذه الرواية مخالفة لما عداها من الروايات الكثيرة التي تدل على خلاف ما دلت عليه .
الثاني : أنه يبعد كل البعد أن عمر رضي الله عنه يغير شيئاً مما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ بل يجب تنزيه عمر عن ذلك ؛ كيف وقد جرى جميع ولاة الأمور من عهده رضي الله عنه إلى وقتنا هذا على تنفيذ حكم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم مطلقاً ! ولم يعمل بالتثليث منهم أحد ، فثبت أن كل الريع لهم ولا شيء فيه لأبناء السبيل .
وأما عمارة الأرض فهي واجبة من ريعها وإن لم ينص عليها لبقاء نفعها ، وليس لأحد أن يستخلصها من أيديهم ، وليس للحكومة ولا لإدارة الأوقاف العمومية أن تعين والياً عليهم من غيرهم متى وجد منهم لائق للنظر ] فرجعت محكمة العدل العليا عن قرارها ، وسلم الوقف إلى ناظره ومتوليه من الداريين ، وهو بأيديهم ما زال إلى الآن كما كان في أول عهد عمر رضي الله عنه . (وابن حجر العسقلاني رحمه الله هو شارح كتاب الجامع الصحيح للإمام البخاري) .
وعلى ذلك فحكم أرض الخليل أنها وقف على الداريين إلى الأبد . وقيل إنها ملك مقيد ، فقال الشيخ محمد البخيت المطيعي تعقيباً على ذلك [ وليس في شيء من الآثار التصريح بالوقفية إلا ما في الأثر الوارد أن عمر شرط عليه أن لا يبيع ] ، ثم قال [ والذي يتحرر أن ذلك كان إرصاداً له ولذريته إلى آخر الدهر ، فامتثل الأئمة ذلك إلى الآن ] .
وقد استقر عند المسلمين أنه من خصائص النبوة ومن المعجزات التي أوتيها صلى الله عليه وسلم فتحققت ، فقد أفتى ابن حجر العسقلاني بأن [ على المسلم أن يعتقد جازماً لا يعتريه شك بالإنطاء النبوي للداريين ] ، تماماً كما آمن الصحابة بوعده سراقة بن مالك بسواري كسرى وهو في طريقه إلى المدينة المنورة مهاجراً ، فنفذوا هذا الوعد النبوي وألبسوه إياهما لما فتح الله عليهم بلاد فارس في عهد الفاروق عمر رضي الله عنه .
ويعتبر هذا الإنطاء النبوي الشريف تكريماً لتميم الداري وعاملاً هاماً من عوامل تثبيت ذريته وأعقابه في أرض الإسراء والمعراج التي بارك الله فيها وحولها ، فكانوا هم المرابطون الأوائل في أكناف بيت المقدس المبارك .
وهذا ليس بمستغرب عليه وهو صحابي انفرد بمناقب كثيرة بعد أن أعلن إسلامه أمام الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة في السنة التاسعة من الهجرة ، وانفرد الصحابي الجليل بمجموعة مناقب ، فأول راهب مسيحي يعتنق الإسلام ، وهو الصحابي الوحيد الذي روى عنه الرسول صلى الله علية وسلم ، وهو أول من صنع المنابر في المساجد ، وطلب منه الرسول صلى الله علية وسلم أن ينوب عنه في إمامة صلاة التراويح ، وشارك في عملية جمع القرآن الكريم الأولى ، ومن مناقبه رضي الله عنه أنه أول من صار من أمراء بيت المقدس ، وعاش فيها فترة مع بعض الصحابة أمثال شداد بن أوس وأبي هريرة وعبد الله بن سلام رضي الله عنهم .
وهو أول من أسرج المساجد ، فقد رأى تميم المسلمين يصلون المغرب والعشاء والمسجد مظلم لا نور فيه ، إلاَّ ذاك الذي ينتشر من حرق أوراق النخل ، فأهدى النبي صلى الله عليه وسلم مصابيح شامية تنار بزيت الزيتون .
وهو من أولياء الله الذين تظهر بعض كراماتهم ، فقد خرجت نار بالحرة (ناحية في المدينة) ، فطلب عمر منه أن يخرج إلى النار ، فقال تميم [ ما أنا ومن أنا حتى أخرج إليها ] وظل يلحُّ عليه حتى خرج معه ، فجعل يحصر النار بردائه حتى انحسرت وخمدت وعمر ينظر ، ثم رجع عمر يقول : [ ليس من رأى كمن لم يرَ] .
وجاهد تميم في عهد عمر رضي الله عنه وفي عهد غيره ، فقد شهد فتح مصر ، وكان ممن غزا في البحر ، وكان يأتي بالأسرى من الروم وينفق عليهم ، ويأمر بتوفير احتياجاتهم وحفظ حقوقهم والعناية بهم .
وعرف عن تميم أنه عابد أهل فلسطين وراهب أهل عصره ، عاش بقية حياته في مدينة الخليل ، وتجول في فلسطين إلى أن توفي رضي الله عنه في قرية بيت جبرين من أعمال الخليل سنة أربعين من الهجرة . وكان قبره فيها مسجل عليه اسمه وتاريخ وفاته ؛ ولكن بعد احتلال اليهود للقرية تم محو جميع آثاره وآثار كل بناء عربي هناك . ولتميم خمسة أولاد : ثلاثة ذكور وبنتين هم : محمد الطويل وعثمان وحامد . أما كنيته بأبي رقية فهو من قبيل الشهرة لا من قبيل الحقيقة . وهذا ما حصل لأخيه أبي هند الداري ؛ فمع أن له أبناء ذكوراً أكبرهم عبد الله إلا أنه كني بابنته .**
**الحلقة الثانية : روايات الوقف
لله ما أقدسك يا فلسطين ، بارك الله سبحانه وتعالى أرضك وما حولها ، وإلى عاصمتك ورمز طهرك ومسجدك الأقصى المبارك أسرى الله بعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام ، ومنها عرج به إلى السماوات العلا وارتقى به حتى بلغ سدرة المنتهى { عندها جنة المأوى } ، فيك أرض أبي الأنبياء وخليل الرحمن إبراهيم عليه السلام ؛ أقطعها صلى الله عليه وسلم الصحابيَّ تميماً بن أوس الداري رضي الله عنه ؛ والذي بلغتنا قصته بعدة روايات ذات قيمة علمية وتاريخية ، أذكر نصوص بعضها حسب رواية أصحابها بغير ذكر أسانيدها هنا تجنباً للإطالة على القراء الكرام ، ومن أراد التَّوَثُّقَ فيمكنه الرجوعُ إلى مصادرها .
1- رواية كتاب الخراج ص 132 : قال مؤلفه قاضي القضاة أبو يوسف رحمه الله { ? فقام تميم بن أوس الداري فقال يا رسول الله إن لي جيرة من الروم بفلسطين لهم قرية يقال لها حبرون وأخرى يقال لها عينون ، فإن فتح الله عليك الشام فهبهما لي ، فقال هما لك ، قال فاكتب لي بذلك كتاباً ، فكتب له : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من محمد رسول الله لتميم بن أوس الداري أن له قرية حبرون وبيت عينون قريتهما كلها وسهلها وجبلها وماءها وحرثها وأنباطها وبقرها ولعقبه من بعده ولا يُحاقُّه فيها أحد ولا يَلِجُها عليهم أحد بظلم ، فمن ظلم واحداً منهم شيئاً فأن عليه لعنة الله } فلما ولي أبو بكر رضي الله عنه كتب لهم كتاباً نسخته [ بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من أبي بكر أمين رسول الله الذي استخلف في الأرض بعده ، كتب للداريين أن لا يفسد عليهم سندهم ولبدهم من قرية حبرون وعينون ، فمن كان يسمع ويطيع الله فلا يفسد منهما شيئاً، وليقم عمرو بن العاص عليهما وليمنعها من المفسدين ] .
2- رواية كتاب المواهب اللدنية 3/428 : روى مؤلفه عن أبي هند الداري قال { قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ستة نفر ، فأسلمنا وسألنا رسول الله أن يقطعنا أرضاً من أرض الشام فقال : سلوا حيث شئتم ، فكتب لنا كتاباً نسخته : بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أنطى محمد رسول الله لتميم الداري وأصحابه : أني أنطيتكم بيت عينون وحبرون والمرطوم وبيت إبراهيم برمتهم وجميع ما فيهم نطية بتٍّ ونفذتُ وسلمتُ ذلك لهم ولأعقابهم من بعدهم إلى أبد الأبد ، فمن آذاهم فيه آذاه الله . شهد أبو بكر بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان ، وكتبه علي وشهد } .
3- رواية كتاب الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل 2/228 : قال مؤلفه مجير الدين الحنبلي : حكى المؤرخون لفظ الإقطاع على وجوه مختلفة ، رأيتُ عند التكلم عن الإقطاع المشار إليه في قطعة الأديم التي يقال أنها من خف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد صارت رثة وفيها بعض آثار الكتابة ، ورأيت ورقة مكتوبةً في الصندوق الذي فيه قطعة الأديم وقد نسب خط هذه الورقة إلى أمير المؤمنين المستنجد بالله العباسي كتب فيها نسخة الإقطاع ، وصورة ما كتبه المستنجد بخطه ? الحمد لله ، هذه نسخة كتاب رسول الله الذي كتبه لتميم الداري وإخوته في سنة تسع من الهجرة بعد منصرفه من غزوة تبوك في قطعة أديم من خف أمير المؤمنين علي وبخطه رضي الله عنه وعن جميع الصحابة نسخته كهيئته { بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما أنطى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لتميم الداري وإخوته ، حبرون والمرطوم وبيت عينون وبيت إبراهيم وما فيهن نطية بتٍّ بينهم ، ونفذتُ وسلمتُ ذلك لهم ولأعقابهم ، فمن آذاهم آذاه الله ، فمن آذاهم لعنه الله . شهد عتيق بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ، وكتب علي بن أبي طالب وشهد } .
4- رواية كتاب الأموال ص 355 : نقل المؤلف أبو عبيد في لفظ هذه القصة بأن تميماً قال { يا رسول الله إن الله مظهرك على الأرض كلها ، فهب لي قريتي من بيت لحم ، فقال صلى الله عليه وسلم : هي لك ، وكتب له بها } فلما استخلف عمر فظهر على الشام جاءه تميم بالكتاب ، فقال عمر أنا شاهد ذلك ، فأعطاه إياها ، وقال ليس لك أن تبيع ، قال : فهي في أيدي أهل بيته إلى اليوم .
5- رواية الطبقات الكبرى 2/107 : في سياق روايته حضور الداريين أورد ابن سعد كلام تميم للرسول صلى الله عليه وسلم { لنا جيرة من الروم لهم قريتان يقال لإحداهما حبرى والأخرى بيت عينون ، فإن فتح الله عليك الشام فهبهما لي قال : فهما لك } ثم ذكر ابن سعد أن كتاب الرسول صلى الله عليه وسلم لتميم بن أوس الداري { هذا كتاب من محمد النبي لتميم بن أوس الداري أن عينوناً قريتها كلها سهلها وجبلها وماؤها وحرثها وكرومها وانباطها وثمرها له ولعقبه من بعده ، لا يحاقه فيها أحد ولا يدخله عليهم بظلم ، فمن أراد ظلمهم أو أَخذَه فإنه عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين وكتب علي } .
6- رواية كتاب تهذيب التهذيب 3/6 : أورد الحافظ ابن حجر العسقلاني قصة الإقطاع في كتابه الإصابة في تمييز الصحابة ، وفي كتابه تهذيب التهذيب ، وفي رسالته ? البناء الجليل بحكم مدينة الخليل ? ص7 ؛ حيث خرَّج فيها رواية الإقطاع والدعاء الذي في آخره { فمن أراد ظلمهم أو أخذه منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين } .
7- التراتيب الإدارية 1/143 : قال مؤلف الكتاب تعقيباً على كتب ورسائل الرسول صلى الله عليه وسلم التي أرسلها إلى الآفاق [ آخر مكتوب نبوي حفظ التأريخ عينه لنا من كتبه (عليه السلام) لأهل الإسلام وتحافظهم عليه . . . الكتاب الذي أقطع به تميم الداري أرضاً بالشام ، وهو مكتوب مشهور معروف في العصور السابقة ؛ تكلم عليه أهل الحديث والتأريخ والفقه وغيرهم .
وروى عدد كبير من الرواة الإقطاع وقصته ، منهم على سبيل المثال :
-
ورد في فتوى الشيخ بخيت المطيعي ص23-24 مفتي الديار المصرية عن سماعة أن تميماً سأل الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقطعه قريات بالشام ، بيت عينون وفلانة والموضع الذي فيه قبر إبراهيم واسحق ويعقوب ، قال وكان بها ركحة (أي ناحية) طيبة ، فأعجب ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال { إذا صليتُ فسلني ذلك } ففعل { فأقطعهن إياه بما فيهن } فلما كان زمن عمر وفتح الله الشام أمضى ذلك لهم ، فقال أهل المدينة ما الذي اشتراه الداريون ؟ فقال بجميع أركاحها أي بجميع نواحيها .
-
وعن حميد بن زنجوة عن راشد بن سعد وذكر فيه { هذا كتاب محمد رسول الله لتميم بن أوس الداري أن له حبرى وبيت عينون قريتها كلها ، سهلها وجبلها وماؤها وحرثها وأنباطها وثمرها ولعقبه من بعده لا يحاقُّهم فيها أحد ولا يَلِجُها عليهم أحد بظلم ، فمن ظلمهم أو أخذ منهم شيئاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين . وكتب علي } ثم ذكر كتاب أبي بكر للداريين لعمرو بن العاص ، وأن عمر جعل ثلث الريع لهم والثلثين لعمارة الأرض ولأبناء السبيل .
-
وأورد أبو الحسن الماوردي حكاية الإقطاع على سبيل الاختصار في كتابه الأحكام السلطانية ص 169 .
-
وورد في كتاب صبح الأعشى3/104 بعد تعريف الإقطاعات : وأما أصلها في الشرع فما رواه الحافظ بن عساكر في تاريخ دمشق يسنده إلى ابن سيرين عن تميم الداري أنه قال [ استقطعتُ رسول الله فأقطعني أرضاً من كذا إلى كذا ، فجعل عمر ثلثها لابن السبل وثلثها لعمارتها وثلها لنا ] .
-
وروى العمري في كتاب مسالك الأبصار في ممالك الأمصار أنه رأى كتاب الإقطاع النبوي الشريف رؤيةً مزيلةً للشك ، ووصفه بأنه في قطعة سوداء من مَلْحَمِ قطنٍ وحريرٍ من كُمِّ المستضيء بالله أمير المؤمنين ، وبطانتها من كتَّان أبيض على تقدير كل إصبع منه ميلان أسودان مشقوقان بميل أبيض ، جُعِلَ ضمن أكياس يضمها صندوق من أبنوس ملفوف بقطعة من حرير ، أما الكتاب الشريف ذاته فهو من خف من أدمٍ أظنها من ظهر القدم ، وموَّهَ سواد الجلد على الخط لكن لم يذهبه ولم يُخْفِ كتابته ، ومعه ورقة كتبها الخليفة المستضيء بالله [ نسخة كتاب رسول الله الذي كتبه لتميم الداري وإخوته سنة تسع للهجرة بعد منصرفه من غزوة تبوك في قطعة من خف أمير المؤمنين عليّ وبخطه ] .**
**أول إقطاع في الإسلام :
وقف الرسول لآل تميم الداري في فلسطين

بقلم:د.تيسير رجب التميمي
الحلقة الأولى : حقيقة الوقف
قال تعالى { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } الإسراء 1 ، إن الكتابة عن أرض فلسطين الإسلامية ـ أرض الإسراء والمعراج ـ وإبراز حق المسلمين الثابت فيها والترويج له من أوجب الواجبات الدينية والوطنية ، فلم توشك غزوات الفرنجة والحملات الصليبية والاستعمار الحديث في أرض فلسطين الإسلامية المباركة أرض الإسراء والمعراج ؛ حتى بدأت تتعرض منذ أكثر من قرن لهجمة صهيونية استيطانية شرسة ؛ بدأت باحتلالها ثم مصادرة أراضيها وإقامة المغتصبات في طول البلاد وعرضها وإسكانها بقطعان الغاصبين الذين لا حق لهم فيها ، فهي أرض وقف إسلامي لا يجوز التفريط أو التصرف فيها أو التنازل عنها لارتباطها بعقيدة الأمة ودينها ؛ وبالأخص في مدينة القدس ومدينة خليل الرحمن التي تعتبر جزءاً لا يتجزأ من عطية رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابي الجليل سيدنا تميم بن أوس الداري وإخوانه رضي الله عنهم ، لا يجوز لمسلم أن يسلبها من أصحابها ، ناهيك عن أعداء الله الظالمين .
حافظت معظم الحكومات التي تعاقبت في فلسطين على حقوق أهل هذه الديار المقدسة ، لكنها لما ابتليت بالنكبة ووقوع معظم أراضيها في قبضة الاحتلال الصهيوني عام 1948 ، واحتلال ما بقي من أراضيها عام 1967 ؛ لم تكترث سلطات الاحتلال بالشرائع السماوية والقوانين والمواثيق الدولية ؛ ومن أبرزها اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر على قوات الاحتلال [ النقل الجبري الجماعي أو الفردي للمواطنين أو نفيهم من الأراضي المحتلة أو تدمير ممتلكاتهم أو تغيير وضع الموظفين والقضاة منهم ، أو ترحيل أو نقل جزء من سكان دولة الاحتلال المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها ] لكنها أبت إلاّ أن تسلب الأرض من أهلها الشرعيين لتقيم المغتصبات على أنقاض قراهم وتجمعاتهم السكانية بعد أن فرغتها منهم وهجَّرتهم وشرَّدتهم في الآفاق بالإرهاب والتقتيل .
وحرصاً مني على أن أقدم شيئاً في هذا الوقت العصيب من حياة أمتنا الإسلامية ، ولتسليط الضوء على مكانة أرض فلسطين المباركة ، فقد أردت أن أنبه الأمة إلى خطورة هذه المرحلة عساها أن تتنبه وتتحرك لرفع الجور والظلم وتعيد الحق إلى أصحابه في فلسطين بتحريرها من الاحتلال ؛ وما ذاك على الله بعزيز ، فسأتناول في سلسلة الحلقات القادمة عطية الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابي الجليل تميم بن أوس الداري وذريته في مدينة الخليل في السنة التاسعة من الهجرة ـ أي قبل فتحها بست سنوات ـ باعتباره أول إقطاع في الإسلام لا يحل لمسلم أن يسلبه منهم ، ناهيكم عن أعداء الله الظالمين ! وبوصفه نموذجاً لأرض فلسطين التي أوقفها قادة الفتح الإسلامي وعلماء الأمة والصالحون فيها ؛ تقرباً إلى ربهم سبحانه وتعالى واقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم .
يُعَدُّ هذا الإقطاع من الخصائص النبوية ، فليس لأحد من الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع أحداً من الرعية شيئاً لم يدخل في ملك المسلمين ، وهو أيضاً من المعجزات النبوية وبشرى من الرسول صلى الله عليه وسلم بأن هذه الأرض المباركة ستؤول إلى المسلمين ، فما من ذرة من ترابها إلا أوقفت وقفاً إسلامياً صحيحاً من رأس الناقورة شمالاً إلى أم الرشراش (أَيْلَةَ) جنوباً . وتؤكد ذلك وثائق تسجيلها في المحاكم الشرعية في فلسطين وتشهد عليه .
جاء إنطاء الرسول صلى الله عليه وسلم لتميم بن أوس الداري وإخوانه وذريته الأرض الواردة في نص الإنطاء بروايات عديدة ، وورد بلفظ أنطى وأقطع وهما بمعنى واحد ، وهما من صور الوقف الصحيح .
- الإقطاع (الإنطاء) لغة من أقطع ، يُقال أقْطَعه أرضاً أي جعلها أو جعل غَلَّتَها له ، وأقطعه نَهراً أي أباحه له ، وأقطعه قطيعةً أي جزءاً من أرض الخراج ، واستقطعه الأرض أي سأله أن يُقطعه إياها .
واصطلاحاً هو جعلُ بعض الأراضي المَوَات مختصةً ببعض الأشخاص ـ سواء المعدن والأرض ـ فيصير ذلك البعض خاصاً به وأولى به من غيره ، أو هو تسويغ الإمام من مال الله شيئاً لمن يراه أهلاً له .
- الوقف لغة هو الحبس ، ويجمع على وقوف وأوقاف .
وعرفه الجمهور اصطلاحاً بأنه حبس مال منتفعٍ به على جهةٍ مباحة مع بقاء عينه لقطع التصرف في رقبته ،
أما أبو حنيفة فقد عرفه بأنه حبس العين على ملك الواقف والتصدق بمنفعتها .
وأكثر ما يستعمل الإقطاع في الأرض ؛ بأن يُخْرِجَ ولي الأمر منها للشخص الذي يراه ما يَحُوزُه ، إما بأن يُمَلِّكَهُ إياه فيُعَمِّرَهُ ، وإما بأن يجعلَ له غَلَّتَه مُدَّةً . أما إقطاع المعادن فيكون لاستغلالها ـ لا لتمَلُّكِ رقبتها أو عينها ـ .
ويشترط أن يكون الإقطاع من الموات الذي لا يختص به أحد ولا ملك له عليه ولا عمارة له فيه ، فيقطَعُ الإمام المُسْتقطَعَ منها قدْرَ ما يتهيأُ له عمارَتُه بإجراء الماء عليه ، أو باستخراج عين منه ، أوبتحجرٍ عليه للبناء فيه .
تواترت الأخبار في قصة الإقطاع النبوي لتميم الداري ، وروى نصه عدد من المؤرخين والمحدثين ورواة السيرة النبوية ، وأثبته المؤلفون الأوائل في مصنفاتهم ، وعدد من مؤرخي القرون المتأخرة ممن جمعوا بين النقل والمشافهة والرحلة ، فاثبتوا نصه من مشاهداتهم حيث قصدوا ديار الخليل والْتَقَوْا أعقاب تميم الداري ، واطَّلعوا على ما في حوزتهم من الحجج التي ثتبت حقوقهم فيه ، وتتقارب الروايات كلها في المضمون والشكل مع شيء من الاختلاف الذي لا يؤدي إلى التعارض
وممن نقل رواية هذا الإنطاء أبو يوسف في كتاب الخراج ، والطبري وابن عساكر وصاحب الأنس الجليل وابن سعد والشيخ بخيت المطيعي وغيرهم كثير . وقد صدر الإنطاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم لتميم لما وفد عليه في مكة هو ومن معه من الداريين ، وجدده لهم في السنة التاسعة من الهجرة لما رجع من تبوك وهذا نصه [ بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما أنطى محمد رسول الله لتميم الداري وأصحابه ، أني أنطيتكم حبرون والمرطوم وبيت إبراهيم ، وما بينهم وجميع ما فيهم نطية بَتٍّ ، ونفذتُ وسلمتُ ذلك لهم ولأعقابهم من بعدهم أبد الأبد ، فمن آذاهم فيها آذاه الله ، شهد أبو بكر بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان ، وكتبه علي وشهد ] ويروى بأنه كتب على قطعة أديم (جلد) من خف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
وفي السنة النبوية شواهد كثيرة على مشروعية الإقطاع في الإسلام ، منها على سبيل المثال :
1- { وَفَدَ أبيضُ بنُ حَمَّال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقطعه الملح ـ الذي بمأرب ـ فقطعه له ، فلما أن ولى قال رجل من المجلس (لعله الأقرع بن حابس) أتدري ما قطعت له ؟ إنما قطعت له الماء العد ، قال فانتزع منه } رواه أبو داود . يدل الحديث على أنه يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم ولمن بعده من الأئمة إقطاع المعادن .
2- قالت أسماء بنت أبي بكر { كنت أنقل النوى من أرض الزبير { زوجها } التي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسي وهي مني على ثُلُثَيْ فرسخ } رواه البخاري ، وكان { النبي صلى الله عليه وسلم أقطع الزبير حَضْرَ فرسه فأجرى فرسه حتى قام ثم رمى بسوطه فقال أعطوه من حيث بلغ السوط } رواه أبو داود .
3- أقطع النبي صلى الله عليه وسلم بلال بن الحارث المزني معادن القبلية ، وكتب له { هذا ما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلال بن الحارث المزني أعطاه معادن القَبَلِيَّةِ جَلْسِيَّهَا (الأرض المرتفعة) وغَوْرِيَّهَا (الأرض المنخفضة) وحيث يصلح الزرع من قدسٍ (جبل عظيم بنجد) ولم يعطه حق مسلم } رواه أبو داود .
ويجوز للإمام أن يقطع مَوَاتَ الأرض لمن يَمْلِكُهُ بالإحياء ، وقد وردت في ذلك آثارٌ كثيرة منها:
1- روي أن أبا بكر أقطع الزبير ، وأقطع عمرُ علياً ، وأقطع عثمان خباباً أرضاً وسعداً أرضاً وصهيباً أرضاً ، وروي أيضاً أن أبا بكر أقطع طلحة أرضاً وكتب له بها كتاباً ، وأشهد به شهوداً منهم عمر ? رواه ابن أبي شيبة .
2- أتى عمرَ رجلٌ من ثقيف يقال له نافع أبو عبد الله فقال ? يا أمير المؤمنين ! إنَّا قبلنا أرضاً بالبصرة ليست من أرض الخراج ولا تضر بأحد من المسلمين ، فإن رأيتَ أن تقطعنيها أتخذُها قصباً لخيلي (أي ميداناً لتدريبها) فافعلْ ، فكتب عمر إلى أبي موسى ? إن كان كما قال فَأَقْطِعْها إياه ? رواه ابن أبي شيبة .**
**في ظلال ألإقطاع ( ألوقف)في الإسلام **