**في رحاب الوحي (1)
الكاتب: الدكتور ياسر صابر *
بعد مرور 13 عاماً على نزول الوحي وتبليغ المصطفى صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه، وصل عدد المسلمين إلى مائتين، وهذا العدد في أعراف البشر لا يمثل شيئًا في معادلة النصر، فماذا يفعل هؤلاء أمام سادة مكة الذين يتبعهم الآلاف من قومهم ويناصبون رسول الله العداء منذ أول يوم للدعوة؟ وماذا يفعل هؤلاء وحولهم إمبراطوريتان عظيمتان هما الفرس والروم؟
كل هذه الأسئلة لم يتركها الوحي دون جواب، بل أسس مفهوماً جديداً للبشر وجعله من مفاهيم العقيدة مثله مثل الرزق والموت، والجنة، والنار، وهذا المفهوم الجديد الذي نزل به الوحي هو مفهوم النصر، حيث بين الوحي أن النصر لا ينزل إلا من الله، ولا يملك أي بشر مهما كانت القوة التي يمتلكها أن يمنح النصر لأحد أو يتحكم في النصر.
ولنقف مع الآية 26 من سورة الأنفال: “وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ”، فهي تصف واقع المسلمين حيث كانوا قلة ضعفاء يخشون الناس، إلا أن الله قد أيدهم بنصره، واستطاعوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم برغم قلة عددهم أن يشيدوا صرح الإسلام العظيم بإقامة دولته في المدينة، ولم يكن هذا بقوة مادية اكتسبوها جعلت لهم السبق والتفوق على الكافرين، بل لأنهم ثبتوا على الحق ونصروا الله فأيدهم الله بنصره. ودعاة الحق بحكم طبيعة دعوتهم يكونون دائماً قلة قبل النصر والتمكين لهم في الأرض، ولو أن النصر يعتمد على عددهم وعدتهم ما انتصرت أي دعوة حق، ولساد الباطل، إلا أن الله تعالى قد حمى أصحاب الحق بأن جعل النصر من عنده، إن هم نصروه وساروا على طريقه، فأصبح النصر ضرورة حتمية لمن يسير على طريق الحق الذي نزل به الوحي.
يقول تعالى أيضاً في سورة الأنفال “إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴿9﴾ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”، فإمداد الله سبحانه وتعالى للمؤمنين بالملائكة من أجل أن يستبشروا وتطمئن قلوبهم، أما النصر فلا ينزل إلا من الله.
هذه هي حقيقة النصر بأنه من عند الله، لذلك لا يجوز أن نظن أننا قادرون على صنعه بسبب قوة ذاتية نتحصل عليها، بل الشرط الوحيد الذي وضعه الله تعالى لإنزال النصر هو أن ننصره “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ” ]محمد 7[، أي نلتزم بشرعه الذي أنزله على رسوله، أما إذا ظننا أننا قادرون على صناعة النصر بقوتنا دون السير في طريق الحق الذي رسمه لنا الوحي فإننا واهمون، يقول تعالى: “إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ” ]آل عمران 160[
إن جميع المعارك التي انتصر فيها المسلمون كانوا أقل عدة وعدداً من أعدائهم، ويوم حنين حين اغتر المسلمون بعددهم وقالوا لبعضهم: “لن نُهزم اليوم من قلة!” ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وكادوا أن يهزموا لولا عناية الله لرسوله وللقلة القليلة التي ثبتت معه، ويصور القرآن هذا المعنى بدقة: “لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴿25﴾ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ” ]التوبة 25-26[.
هذا هو مفهوم النصر كما بينه الوحي، فعلينا أن نستحضره أمامنا ونحن سائرون في طريق التغيير من أجل التمكين لدين الله، فلا نخشى أعداءنا مهما بلغت قوتهم المادية، ولنعلم أن النصر حليفنا إن أخذنا بأسبابه وسرنا على طريق نبينا.
- الدكتور ياسر صابر - كاتب ومفكر إسلامي**