في تكوين الشخصيات والقيادات الاسلامية

**بسم الله الرحمن الرحيم

مسؤولية حامل الدعوة في إنهاض أمته والارتقاء بدعوته	

( ألأخ: دائم الأمل )

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ،،

نحييكم إخوة الإسلام بتحية الإسلام فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،

ملاحظة بسيطة:

أود أن أشير قبل المضي في الموضوع إلى أنني قد استفدت كثيراً مما كتبه الإخوة والأخوات في عدة مواضيع على صفحات منتدى العقاب المبارك واقتبست كثيراً من عباراتهم وحاولت ربطها بما يخدم فكرة الموضوع راجياً من الله التوفيق والسداد وجزى الله الجميع خير الجزاء :

الحمد لله الذي أكرمنا بأن جعلنا مسلمين، خلفاء له في الأرض بمسؤولية عظيمة وأمانة ثقيلة. والحمد لله الذي أنعم علينا بحمل الدعوة في زمن غابت فيه دولة الإسلام بل غيبت وأزيحت من الوجود على يد الكافر المستعمر وأذنابه من خونة العرب والعجم.

وفي كلمتنا هذه، سنسلط الضوء على نقاط حساسة في حمل الدعوة وطريقها وطريقتها، وبحث كيفية إبراء الذمة في العمل مع كتلة واعية عاملة كحزب التحرير، إضافة إلى كيفية صنع الشخصية الإسلامية الراقية التي تبرئ الذمة بحق و تحمل الدعوة بحق دون تقصير ولا مغالاة ولا حيد عما رسمه الشارع سبحانه.

أيها الإخوة، إن أي عمل حتى يكون مبرئاً للذمة لا بد أن يتوفر فيه شرطان:

الأول: الإخلاص في العمل.

والثاني: موافقته للأحكام الشرعية.

والعمل في صفوف حزب التحرير إنما هو عمل، ويجب أن يتحقق فيه هذان الشرطان.

قال تعالى :

(وَالْعَصْرِ (1)إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)

وأولى هذه الصالحات حمل الدعوة، وقد جاء الإسلام لتكون العبودية كلها لله وحده، فالله رب في الأرض كما هو رب في السماء، والناس يذهبون إلى بيت الله الحرام عمرة وحجاً لكنك تختلف معهم لمن الحكم لله أم للبشر ، للشرع أم للعقل؟! وهل الإسلام نظام كهنوتي روحي أم أنه نظام حياة ودين عظيم شامل قال الله فيه :

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا).

ومسؤولية حملة الدعوة أن يكونوا منارات هدىً تعيد هذا الدين إلى واقع الحياة رغم الصعاب وكيد الطغاة.

ولنسأل أنفسنا السؤال التالي:

كيف نلقى الله بأنفس أبرأت ذمتها وأدت أمانتها بحق على النحو الذي يرضي الله ورسوله والمؤمنين؟

هل وجودنا مع الكتلة العاملة كافٍ لإبراء ذمتنا أمام الله عز وجل؟!

والجواب هو أن الفرض في الأساس هو حمل الدعوة لاستئناف الحياة الإسلامية من خلال كتلة سياسية عقائدية.

فالانضمام للكتلة ليس لذاته وإنما لحمل الدعوة من خلالها، فإذا انضممت للكتلة ولم أحمل الدعوة فيها فإني لم أقم بالفرض، فإبراء الذمة لا يكون بشهادة عضوية أو انتساب، بل بعمل جاد ودؤوب والتزام تام بعمل الكتلة وطريق سيرها.

إذ لابد أن يكون وجودي مؤثراً وفاعلاً لأكون عاملاً من عوامل نجاح الكتلة لا عبئاً عليها. فحمل الدعوة هو

لإعادة الإسلام إلى سابق عزه ومجده وقوة وجوده، فمن منا لا يسعد بهذه الأمانة التي كلف الله بها أنبياءه ورسله؟!

ولكي نحملَ الدعوة بحق، ونعرضَها على الناس وجب أن نكون أهلا لحملها، ومن أراد أن يحمل دعوة الأنبياء و الرسل وجب عليه أن يتصف بصفاتهم ويتحلى بأخلاقهم.

قال تعالى:

( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِين (

والآن لنقف مع أنفسنا وقفة صادقة صريحة لنرى هل نحن حملة دعوة بحق أم أن الدعوة هي التي تحملنا وتتحملنا :

هل حمل الدعوة من أولى أولوياتنا بل أولاها على الإطلاق ؟!

هل جَعَلْنَا حبَّ الله ورسولِه وما يقتضيه هذا الحب من طاعة والتزام بدينه وإيثار للآخرة على الدنيا فوقَ كل شيء أم كنا ممن شغله المال والأهل والولد فانطبقت علينا الآية الكريمة:

( قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ )؟!

أيهما نقدم، أمورَ الدنيا والتزاماتِ العمل والأهل والأبناء أم القيامَ بما يرفع درجاتِنا عند الله سبحانه !!

وإذا تعارضت التزاماتنا مع أمورنا الدنيوية ماذا نقدم؟!

هل ستكون الدعوة هي الأساس والمحور الذي تدور حياتنا وكل مصالحنا حوله !!

يجب أن تكون النفس بعد حمل الدعوة مختلفة تماماً عما قبلها، و وجب حصول انقلاب جذري فيها، فإن لم يحصل فثمة خلل لا بدّ من البحث عنه وعن أسبابه ومن ثم علاجه، فانظر أخي إلى نفسك ، هل طرأ تغيير في سلوكك نحو الأفضل نتيجة تغير مفاهيمك وحملك لدعوتك ؟

هل أصبحتَ شخصية مؤثرة في غيرك بمفاهيمك وسلوكك وأعمالك بحيث تجهر هذه التصرفات بأنك حامل دعوة

دون أن تنطق ببنت شفة أم أنك أصبحت عبئاً على الدعوة بما تعكسه بأفعالك المناقضة لفكرك من صورة سلبية عن التكتل الذي أنت جزء منه !!

هل تعكس صورة مشرقة لحامل الدعوة أم أنك منفر منها بأسلوبك الفج وحِدَّتك وتسرعك بل وتهورك أحياناً في

حمل الدعوة ظناً منك أنك تحسن صنعاً !!**

مشاركة #3 ( أمة الرحمن ) apr 15 2010, 10:20 am

**بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موضوع مهم جدا" لحامل الدعوة …

جزاك الله كل خير أستاذنا الفاضل " طالب عوض الله ".**

إقتباس

والإسلام اليوم ليس له دولة يتمثل فيها واقعا محسوسا ,ولأن تمثل الإسلام في واقع محسوس أمر أساس لا بد منه , ولا يصح التهاون به ولا التفريط فيه . فإنه يجب على حملة الدعوة إدراك هذه المسالة إدراكا تاما فيجعلون هذا الإسلام يتمثل فيهم فيغذون الخطى ويضاعفون الجهود ويخلصون العمل لله الإخلاص الخالص , إلى أن يأذن الله بإعزاز دينه على أيديهم بالخلافة الراشدة القريبة التي يصبح للإسلام فيها واقعا محسوسا مطبقا .

إقتباس

إن تأثير حامل الدعوة القدوة في الأوساط التي يوجد فيها , وفي غيره من الناس , حين يتمثل الإسلام أفكارا وأحكاما في شخصيته . في قوله وسلوكه وصفاته, أمر بالغ الأهمية والأثر.

**ان من صفات حامل الدعوة التواضع , فهو يشعر دائما" بان الامة بحاجة اليه وبحاجة ماسة الى ما عنده من خير وعلم , كيف لا يكون هذا , وهو الذي يحمل العلاج الناجع لهذة الامة فيجب عليه ان يكون رحيما" ,متواضعا" و رؤوفا" بتعامله مع الناس ويشعرهم بانه خادما" لهذا الدين وليس سيدا" عليهم … كما ان أخذه لافكار الاسلام يلعب دور وعامل اساسي في بناء شخصيته , وهذا ما يجب ان يحرص على أخذه في مرحلة التثقيف …

قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} (الكهف: 28)

وقال صلى الله عليه وسلم : “لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر”.

وقال صلى الله عليه وسلم : “وما تواضع أحد لله إلا رفعه”.

فالكبر والغرور ليستا من صفات حامل الدعوة بل هما يدمران اي انسان بحال وجدا عنده فما بالكم بحامل الدعوة .

لذلك يجب على الداعية أن يكون متنبهاً إلى هذا الأمر، منضبطاً في ألفاظه، متوازناً في تصرفاته، وأن يكون حذراً، من أن يتصرف تصرفاً يعيق دعوته،أو يتلفظ بألفاظ يستغلها المترصدون،ليجعلوا منها حديث المجالس، ووسيلة للتنفير من حامل الدعوة، وهم عن سبيل الله يصدون، وهم يشعرون أو لا يشعرون..

ولا شك أن هذا يؤثر على حامل الدعوة ، ويعرقل مسيرة دعوته، فخطؤه مضاعف، وتصرفاته مشاعة ، وكلماته مذاعة.

وبارك الله فيك أختي الغالية " مسلمة 55 "

إقتباس

فنحن بحاجة دائمة إلى تذكير أنفسنا بما يجب أن نكون عليه فعلاً كحملة دعوة ،،

فنحن ربما نقصر ،، نتعب ،، تحصل عندنا ثغرات في السلوك ،،

وربما تأخذنا الدنيا بمشاغلها ،، فنقلل من تقربنا إلى الله تعالى بالنوافل والقربات،

وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ

فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى

اللهم اجعلنا من حملة دعوتك المؤمنين النقيين العابدين الخاشعين

اللهم تقبل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم

ونقِّ قلوبنا من الرياء

اللهم آمين آمين

آمين آمين آمين

طالب عوض الله كتب:
**

إن حملة الدعوة القدوة هم صفوة الناس وقادتهم ومحط أنظارهم وهم ? أي حملة الدعوة - اليوم أشد وأخطر على الكفار من كل عدة فحين تمنى الناس ذهبا وأموالا ينفقونها في سبيل الله كانت مقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه :" ولكني أتمنى رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح , ومعاذ بن جبل , وسالم مولى أبي حذيفة فاستعين بهم على إعلاء كلمة الله ". فان هؤلاء النفر من الصحابة والذين هم بحق قدوة لغيرهم من الناس تمثل الإسلام في شخصياتهم كان لهم التمكين في الأرض , فعسى أن كنا نحن حملة الدعوة اليوم على مستوى حسن الأسوة والتأسي أن يمكن الله لنا في الأرض وأن يجعلنا أئمة ويجعلنا الوارثين .

أيها الإخوة :

إن عدم تمثل الإسلام فكرا وسلوكا واتصافا في حملة الدعوة , يعني غياب القدوة من حياة المسلمين اليوم , ما يجعل ابتعاد الناس عن احتضان المبدأ والذود عنه والموت في سبيل إعادته واقعا حيا مطبقا أمر بدهي , بل إن ذلك يعزز بقاء الناس منفصلين عن حرارة الإسلام وتأثير عقيدته في نفوسهم , ويعزز كذلك بقاء الفساد والوهن والهزيمة فيهم , ولذلك فإن العاملين المخلصين القائمين بأمر الله هم في الحقيقة يعلنون الحق بأفعالهم وينشرون دين الله وأحكامه حين ينتشرون بين الناس فتتفاعل الأمة مع المبدأ والفكر حين تتفاعل معهم, وقد نقل عن إبراهيم بن أدهم انه قال يوما لأصحابه :" ادعوا الناس وانتم صامتون" قالوا كيف ذلك ؟ قال : "ادعوا الناس بأفعالكم " .

**

صحيح ومنضبط وبناء على ذلك: :

**لقد خلق الله الناس وجعلهم متفاوتين في قدراتهم , وعلى مستويات مختلفة في فهم الخطاب والأفكار والأقوال وإمعان النظر والتفكير فيها , إلا أن الجميع يتساوون أمام الرؤية بالعين لمثال حي , لذلك يكون هذا المثال الحي أيسر وأقوي في إيصال المعاني وإحداث التغيير , ومن ذلك ما كان من تزويج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش ابنة عمته من زيد بي حارثة مولاه الذي اعتقه لكي يكون قدوة ومثالا حيا للناس لما تأصل في نفوسهم الفوارق الطبقية التي جاء الإسلام بإلغائها .

ولعظم هذا الدور لحامل الدعوة القدوة فان على حامل الدعوة أن يدرك خطورة دوره وأهميته بين أبناء الأمة وعليه أن يدرك في الوقت ذاته أن الناس ينظرون لحامل الدعوة نظرة دقيقة فاحصة دون أن يعلم , فرب خطأ يقوم به لا يلقي له بالا يكون في حسابهم من الكبائر وذلك لأنه محسوب في مجتمعه قدوة لهم , وهنا تكمن أهمية القدوة وخطورتها إذ إن كل مفارقة بين أقوال حامل الدعوة القدوة وسلوكه واهتماماته تشكل مصدر حيرة وإحباط لدى عامة الناس , خصوصا المقبلون على الالتزام بالإسلام وبحمل الدعوة .

3

فالذين يعرفهم الناس بالصلاح والاستقامة وهم في الحقيقة جمعوا مع تلك السمعة تناقضا في الواقع ومخالفة لما يفترض أن يكونوا عليه , هؤلاء يمارسون دورا هداما , فهم يشوهون الصورة الصحيحة للقدوة ومفهومها ويشوهون أيضا صفاء الفكرة والأحكام التي يدعون لها , ويشوهون كذلك صورة حملة الدعوة الفضلاء المخلصون في أذهان أبناء الأمة , ويعطونهم صورة مخالفة لحقيقة الإسلام وواقعه , تلك الصورة التي لم يعرفوها إلا من خلالهم فيكون بذلك هذا المدعي لحمل الدعوة سببا في زوال هيبة الإسلام واحترام المخلصين وفي فقد الأمة ثقتها بهم . وما علماء السلاطين والفضائيات إلا شاهد قائم على ذلك .

لذلك كان يقول سفيان بن عيينة : " إذا كان نهاري نهار سفيه , وليلي ليل جاهل , فما أصنع بالعلم الذي كتبت ؟ " وقال الحسن " لا تكن ممن يجمع علم العلماء , وطرائف الحكماء ,ويجري في العمل مجرى السفهاء : , وقال أيضا : " كان الرجل يطلب العلم , فلا يلبث أن يرى ذلك في تخشعه وهديه ولسانه وبصره ويده " .

ولذلك أيضا فحامل الدعوة القدوة لا يرضى لنفسه أن يكون من الخلوف الذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم " يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمروا " بل يحرص على أن يكون من الذين " يأخذون بسنته ويقتدون بأمره " وكما يقول مالك بن دينار : " إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصخرة الصماء " .

الإخوة الكرام :

وأما مقومات القدوة وميادينها فنوجزها بما يلي :

1- في علاقة الإنسان بخالقه : وهنا لا بد من الإخلاص في القول والعمل والإخلاص الخالص في حمل دعوته وكذلك في المحافظة على الفروض والواجبات والحرص في التزود بالنوافل وسائر القربات والإكثار منها.

وهنا لا بد أن يظهر على حامل الدعوة حسن الطاعة والانقياد لله تعالى والإتيان بالفروض على تمامها ويظهر عليه في سجيته وعلى جوارحه ما يدل على ذلك , قلب خاشع ولسان ذاكر .

2- في علاقة الإنسان مع غيره من الناس

فعلاقة القدوة بالناس وتعامله معهم وكسبه لحبهم وتأييدهم واحترامهم وثقتهم يكون من خلال حسن تصرفه والتزامه بأحكام الإسلام والاستقامة عليها , والاستقامة على أوامر الله قد ظهر معناه البليغ في معرض إجابة الرسول صلوات ربي وسلامه عليه لمن سأله عن قول لا يرجع بعده لغيره قائلا : " قل آمنت بالله ثم استقم "

وحامل الدعوة يظهر التزامه بما يدعو في معاملاته فالدين المعاملة وهو كذلك يخالق الناس بخلق حسن, ويحس الناس هنا بحامل الدعوة ويتأثرون به , يتأثرون بصدق لهجته ويحسون فيه حرصه عليهم , لذلك ليس من المستغرب أن تدخل بلاد بأكملها في الإسلام وتدين لدولة الإسلام كإندونيسيا من خلال إخلاص حملة الدعوة وتمثل الإسلام في معاملاتهم وطراز عيشهم

3- في علاقة الإنسان مع نفسه :

إن الإخلاص لله والاستقامة على أوامره يدفعان حامل الدعوة القدوة ليكون صالحا في تكوين نفسه وتهذيبها , علما وأدبا وسمتا وخلقا , فيقع التأثير في نفوس الناس بمظهر القدوة وسمته ووقاره وخلقه موقعا بليغا يفوق أحيانا التأثر من أقواله وأفعاله .

في الختام أسأل الله عز وجل أن يجعلنا هداة مهديين غير ضالين ولا مضلين ونسأله أن يهدينا ويهد بنا ويجعلنا سببا لمن اهتدى

اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل وارزقنا الاستقامة على دينك , ومكن لنا في الأرض إنك على كل شيء قدير والحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

منقول عن رسائل: مجموعة طالب عوض الله البريدية

groups.yahoo.com

2

إن تأثير حامل الدعوة القدوة في الأوساط التي يوجد فيها , وفي غيره من الناس , حين يتمثل الإسلام أفكارا وأحكاما في شخصيته . في قوله وسلوكه وصفاته, أمر بالغ الأهمية والأثر . وحجر الرحى ورأس الأمر في القدوة الحسنة أن ندعو الناس بأفعالنا مع أقوالنا ? إن لم يكن قبل أقوالنا - ,يقول عبد الواحد بن زياد : " ما بلغ الحسن البصري إلى ما بلغ إلا لكونه إذا أمر الناس بشيء يكون أسبقهم إليه , وإذا نهاهم عن شيء يكون أبعدهم عنه ".

وحين نبذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمه قال : " إني اتخذت خاتما من ذهب " فنبذه وقال " إني لن ألبسه أبدا " فنبذ الناس خواتمهم , فدل ذلك على أن الفعل أبلغ من القول .

وهذا ما يمكن لنا أن نطلق عليه التعليم بالقدوة والدعوة بالفعل قبل القول , وهذا ما يمكن لنا أن نطلق عليه المنهاج الخفي في التربية والتوجيه والتأثير مبتعدين عن أقوال وألفاظ افعل ولا تفعل .

وبهذا يكون للقدوة عظيم التأثير الخفي الذي يتمثل في الأفعال والأقوال ومواقف المثال الحي المرتقي نحو الكمال عند حامل الدعوة القدوة , الأمر الذي يثير عند الآخرين الإعجاب والمحبة والاحترام التي تولد في نفوسهم دوافع الغيرة والتنافس المحمود لأن يصنعوا صنيع حملة الدعوة , وأن يتمثل فيهم الإسلام فكرا وعملا شعورا واتصافا .

إن حملة الدعوة القدوة هم صفوة الناس وقادتهم ومحط أنظارهم وهم ? أي حملة الدعوة - اليوم أشد وأخطر على الكفار من كل عدة فحين تمنى الناس ذهبا وأموالا ينفقونها في سبيل الله كانت مقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه :" ولكني أتمنى رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح , ومعاذ بن جبل , وسالم مولى أبي حذيفة فاستعين بهم على إعلاء كلمة الله ". فان هؤلاء النفر من الصحابة والذين هم بحق قدوة لغيرهم من الناس تمثل الإسلام في شخصياتهم كان لهم التمكين في الأرض , فعسى أن كنا نحن حملة الدعوة اليوم على مستوى حسن الأسوة والتأسي أن يمكن الله لنا في الأرض وأن يجعلنا أئمة ويجعلنا الوارثين .

أيها الإخوة :

إن عدم تمثل الإسلام فكرا وسلوكا واتصافا في حملة الدعوة , يعني غياب القدوة من حياة المسلمين اليوم , ما يجعل ابتعاد الناس عن احتضان المبدأ والذود عنه والموت في سبيل إعادته واقعا حيا مطبقا أمر بدهي , بل إن ذلك يعزز بقاء الناس منفصلين عن حرارة الإسلام وتأثير عقيدته في نفوسهم , ويعزز كذلك بقاء الفساد والوهن والهزيمة فيهم , ولذلك فإن العاملين المخلصين القائمين بأمر الله هم في الحقيقة يعلنون الحق بأفعالهم وينشرون دين الله وأحكامه حين ينتشرون بين الناس فتتفاعل الأمة مع المبدأ والفكر حين تتفاعل معهم, وقد نقل عن إبراهيم بن أدهم انه قال يوما لأصحابه :" ادعوا الناس وانتم صامتون" قالوا كيف ذلك ؟ قال : "ادعوا الناس بأفعالكم " .

أيها الإخوة :

لقد خلق الله الناس وجعلهم متفاوتين في قدراتهم , وعلى مستويات مختلفة في فهم الخطاب والأفكار والأقوال وإمعان النظر والتفكير فيها , إلا أن الجميع يتساوون أمام الرؤية بالعين لمثال حي , لذلك يكون هذا المثال الحي أيسر وأقوي في إيصال المعاني وإحداث التغيير , ومن ذلك ما كان من تزويج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش ابنة عمته من زيد بي حارثة مولاه الذي اعتقه لكي يكون قدوة ومثالا حيا للناس لما تأصل في نفوسهم الفوارق الطبقية التي جاء الإسلام بإلغائها .

ولعظم هذا الدور لحامل الدعوة القدوة فان على حامل الدعوة أن يدرك خطورة دوره وأهميته بين أبناء الأمة وعليه أن يدرك في الوقت ذاته أن الناس ينظرون لحامل الدعوة نظرة دقيقة فاحصة دون أن يعلم , فرب خطأ يقوم به لا يلقي له بالا يكون في حسابهم من الكبائر وذلك لأنه محسوب في مجتمعه قدوة لهم , وهنا تكمن أهمية القدوة وخطورتها إذ إن كل مفارقة بين أقوال حامل الدعوة القدوة وسلوكه واهتماماته تشكل مصدر حيرة وإحباط لدى عامة الناس , خصوصا المقبلون على الالتزام بالإسلام وبحمل الدعوة .

**بسم الله الرحمن الرحيم

حـامل الـدعوة القـدوة

أبو أسامة البكري

الأخوة الكرام

من طبيعة النفس البشرية أن تؤمن بالماديات والمحسوسات , أكثر من إيمانها بالمغيبات والأفكار المجردة الصرفة , ومن الطبيعي كذلك أن تدرك الوقائع المادية والأحداث الجارية , أكثر وأقوى من إدراكها للوقائع الغيبية والأحداث الماضية , ومن الطبيعي كذلك أيضا أن تتأثر سلبا أو إيجابا تجاه الوقائع المادية وبها , أكثر من تأثرها بالوقائع الغيبية والأحداث المنقولة .

والإسلام في حقيقته أفكار وأحكام , فإن طبق الإسلام في دولة وتمثل بها , فقد صار له واقع محسوس يندفع الناس إلى الإيمان به والدخول فيه والقيام بمقتضى التزاماته , وإن بقي أفكارا وأحكاما تنقل فقط على ألسنة أهله وحملة دعوته فإنه يبقى لا واقع محسوس له , ولن يؤمن به أو يتبعه ويلتزمه إلا القليلون .

والإسلام اليوم ليس له دولة يتمثل فيها واقعا محسوسا ,ولأن تمثل الإسلام في واقع محسوس أمر أساس لا بد منه , ولا يصح التهاون به ولا التفريط فيه . فإنه يجب على حملة الدعوة إدراك هذه المسالة إدراكا تاما فيجعلون هذا الإسلام يتمثل فيهم فيغذون الخطى ويضاعفون الجهود ويخلصون العمل لله الإخلاص الخالص , إلى أن يأذن الله بإعزاز دينه على أيديهم بالخلافة الراشدة القريبة التي يصبح للإسلام فيها واقعا محسوسا مطبقا .

فحمل الدعوة لا يجوز بحال أن يتوقف برهة من زمن سواء كانت للإسلام دولة أو لم تكن . فرسول الله صلى الله عليه وسلم قد حمل الدعوة في مكة قبل الدولة , وحمل الدعوة بعد قيامها , لذلك ولأهمية تمثل الإسلام كواقع محسوس فإنه لا بد من أن يتمثل في حملة الدعوة الذين يعملون لجعله متمثلا في دولة الخلافة .

وتشتد اليوم حاجة أبناء الأمة الإسلامية إلى مثل أعلى يقتدون به ويقتفون أثره , ويحذون حذوه , وذلك لعدة أسباب منها :

أولا ? ضعف الناس بشكل عام في فهم الإسلام أفكاره وأحكامه ومفاهيمه , وعدم تطبيقهم له .

ثانيا : لان الإسلام لم يعد متمثلا في واقع محسوس , ما يجعل إدراك واقعه وعدله وصلاحه وعظمته وحتمية رجوعه لما يجب أن يكون عليه في الحياة ,أمرا لا يتسنى للعامة بل ومستبعدا عندهم .

ثالثا : سيادة الأهواء والمصالح الآنية الأنانية العاجلة , مع قلة العاملين المخلصين .

رابعا : فساد نماذج من الناس لبست ثوب الإسلام وثوب ما يسمى رجال الدين وعلماء الدين , ما افقد الناس ثقتهم بعودة الإسلام واقعا حيا متمثلا ومطبقا في دولة .

خامسا :الهجمة الصليبية الكافرة التي تقودها أمريكا ومن خلفها أوروبا وباقي دول الكفر , ومن خلفهم دول الضرار في العالم الإسلامي , على الإسلام وأهله , تلك الهجمة التي برزت على جميع الأصعدة , الفكرية والتعليمية والاقتصادية والسياسية والعسكرية , مباشرة أو غير مباشرة, سرا كانت أم علانية , الأمر الذي يحتم وجود المخلصين من أبناء الأمة الذين يأخذون على عاتقهم إرجاع الأمور إلى نصابها باستئناف الحياة الإسلامية ,وحمل الدعوة وتحرير البلاد من ربقة الكافر وسيطرته , والوقوف أمام هذه الهجمة والتصدي لها والعمل على تقويدها ودحرها بالصراع الفكري والكفاح السياسي , وهذه الثلة من أبناء الأمة ? بالضرورة ? يجب أن تكون موضع التأسي والاتباع عند الأمة , فتزرع فيها الأمل حقيقة بحتمية عودة الإسلام مطبقا ومتمثلا واقعا محسوسا في دولة الخلافة , بل ويزرع حامل الدعوة القدوة في الأمة الأمل القريب بهزيمة تلك الحملات الصليبية الحاقدة.

لهذا وذاك تزداد حاجة الناس على اختلاف أوساطهم وطبقاتهم إلى القدوة الحية , التي تكون أنموذجا حيا يرى الناس فيهم واقع الإسلام الحق , قولا وعملا , فكرا وسلوكا , خلقا واتصافا , فيقبلون عليهم وينجذبون إليهم وان التأثير بالأفعال والأحوال أبلغ وأشد من التأثير بالكلام .

فحامل الدعوة هو المثال الحي للإسلام , وهو القدوة بين الناس وهو الإمام فيهم , وبقدر تمثل الإسلام فيه , في القول والفعل والصفات , بقدر صلاحه لحمل الدعوة ونجاحه فيها , وإلا كان مدعيا حمل الدعوة تماما كادعاء الدول القائمة في العالم الإسلامي أنها دولا إسلامية وما هي بذلك قطعا , لأن أيا منها لا يتمثل فيها الإسلام ولا واقع له فيها على أي مستوى من المستويات , داخليا وخارجيا .

وأهمية القدوة في حياة الناس , وإبراز دور حامل الدعوة القدوة , أمر لم يفرط كتاب الله عز وجل في ذكره . فقد جعل الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أسوة لمن بعده : " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " كما أمره الله أن يقتدي بمن سبق من الأنبياء والرسل فقال : " أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكر للعالمين " .

**بسم الله الرحمن الرحيم

قلب الداعية

الطاقة والإمكانات ..

خالد روشة

إني أتحدث عن ذاك القلب الذي هو مصدر للدافعية , ومنبع للإشراق والإشعاع ومركز للطاقة والإنجاز ، ولا غرو فإن الدعاة إلى الله هم منبع الخير كله لهذه الأمة " ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين " ..

ونحاول في هذا المقال أن ندقق في أهم مكونات وإمكانات ذات القلب المشع بالخير والحياة وذلك عبر مقطوعات تبصيرية موجزه ورجاؤنا في هذا المقام الدلالة لا التفصيل .

الطاقة المفقودة :

يحتاج الداعية إلى الله أن يتصف قلبه دوما بوجود الطاقة الدافعية التي تمكنه من توجيه الآخرين وبث الروح فيهم والحياة في قلوبهم ، وتلك الطاقة كثيرا ما نفتقدها من قلوب كثير من الدعاة الذين ينبغي أن يوجهوا ويقودوا ويعلموا ويربوا .

والمدعو الذي يشعر بافتقاد تلك الطاقة من قلب مربيه لا يلبث أن يفر منه ويسقطه من عينه , ذلك أن هناك حدسا يستشعر به ذاك المدعو قوة قلب مربيه من ضعفه ومهما حاول الداعية أن يلبس قلبه ثوب القوة ويقَنعه بقناع الطاقة فإنه لن يفلح لأن طاقة القلب المنبثقة من الداعية هي أمر غير مرئي يتكون من عدة مكونات أساسية نستطيع أن نصفها أنها خليط من الإخلاص والصدق والمروءة , فهي محسوسة بأثرها مختفية بذاتها , فهي جلية الأثر ظاهرة تعبر عن نفسها حين يستطيع ذاك القلب القوي أن يجذب الآخرين حيث تتمثل فيه معاني القلب السليم .

الهمة العالية :

لما أراد عبد القادر الجيلاني أن ينصح تلاميذه أوجز لهم القول بجملة واحدة فقال لهم ( سيروا مع الهمم العالية ) وكان ينادي بها أهل بغداد …

وصدح بها ابن القيم لما قارن بين حياتين أو بين نوعين من حياة الناس فقال : ( لكن يغلط الجفاه في مسمى الحياة حين يظنونها التنعم في أنواع المأكل والمشرب والملابس والمناكح , أو لذة الرياسة والمال وقهر الأعداء , والتفنن بأنواع الشهوات ولا ريب أن هذه لذة مشتركة بين البهائم بل قد يكون حظ كثير من البهائم منها أكثر من حظ الإنسان , فمن لم تكن عنده لذة إلا اللذة التي تشاركه فيها السباع والدواب والأنعام فذلك ممن ينادى عليه من مكان بعيد , ولكن أين هذه اللذة من اللذة بأمر إذا خالط بشاشته القلوب سلى عن الأبناء والنساء والأوطان والأموال والإخوان والمساكن ورضي بتركها كلها والخروج منها رأسا وعرض نفسه لأنواع المكارة والمشاق وهو متحل بهذا منشرح الصدر به , يطيب له هجر ابنه وأبيه وصاحبته وأخيه , لا تأخذه في ذلك لومة لائم , حتى أن أحدهم ليتلقى الرمح بصدره ويقول فزت ورب الكعبة , ويستطيل الآخر حياته حتى يلقى قوته من يده ويقول إنها لحياة طويلة لو صبرت حتى آكلها , ثم يتقدم إلى الموت فرحا مسرورا ) مفتاح دار السعادة

إن الهمة العالية هي سلاح القلب في كل موطن وفي كل موقف , يذود بها عن حماه ويخترق بها المصاعب والمشاق , ويتقدم بها الصفوف , ويعتلي بها أعلى الدرجات .

الطهارة :

هي مكون أصيل من مكونات قلب الداعية , فهو قلب طاهر لا دنس فيه , لم يتلوث بمرض شبه ولا شهوه , وإن سقطت به كبوته ذات مرة إذا به يعود وينيب ويتطهر فإن الله " يحب التوابين ويحب المتطهرين " , وطهارة القلب إنما تكون بعلاج أمراضه الكامنة فيه والمسيطرة عليه , وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه ذكرا حول مرض القلب فقال عن المنافقين :" في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا " وقال عن مرضى الشهوات :" فيطمع الذي في قلبه مرض"..

يقول ابن القيم رحمه الله في تعليقه على قوله تعالى :" وثيابك فطهر " : قال الجمهور من المفسرين ثيابك فطهر يعنى قلبك فطهره.

أما شكل القلب الطاهر فهو ذاك القلب السليم الذي ذكره الله في كتابه بقوله :" ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم " .

والقلب السليم هو الذي امتلأت جنباته بالتوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى فآثر الآخرة على الدنيا فلم يحمل لأحد من المسلمين غلا ولا حقدا ولا حسدا ولا غشا ولا يصل إليه عجب ولا يتطرق إليه كبر , فهو منكسر بين يدي ربه, متذلل به يخشى من تقلب القلوب ويحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه .

تدريب القلوب :

هو سؤال يلح علينا بعد حديثنا عن بعض مواصفات قلب الداعية ذاك السؤال مفاده : هل نستطيع تدريب القلوب كما ندرب الأبدان حتى تصير قلوبا مؤهلة لتحمل تلك المسؤولية؟

وللجواب على ذلك دعونا ننظر إلى تلك التحولات التي حولها الإسلام لكثير من الأشخاص فتغيرت أحوالهم وسلوكياتهم وأهدافهم وآمالهم وطموحاتهم , بل نستطيع أن نقول إنه قد غير حياتهم بالكلية من ظلام لا نور فيه إلى نور لا ظلام , ونستطيع أن نؤكد هاهنا أن حياة هؤلاء لم تتغير بهذا الشكل إلا بعد تغير قلوبهم وطهارتها وسلامتها ونقائها وخلوصها لربها حتى أن قال الله سبحانه عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - الذين مروا بتلك العملية من التحول من الظلمات إلى النور-" رضي الله عنهم ورضوا عنه " .

وكثيرا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يلمح ويصرح بإمكانية تدريب القلب على التغير إلى الأصلح , فتارة يقول: ( من تصبر صبره الله ) , وتارة يقول : ( إنما الحلم بالتحلم ) , ولا شك أن الصبر والحلم لا يستطيع المرء أن يتصف بهما إلا بعد أن يدرب عليهما قلبه .

بل لقد كان يعمد النبي صلى الله عليه وسلم إلى علاجات مختلفات لأمراض القلوب ويأمر بالتدريب عليها والمداومة والمكاثرة فيها حتى يعالج تلك الأمراض , فتراه يعالج مرض الشهوة في قلوب الشباب فيأمرهم الصوم , ويعالج البخل في قلوب محب المال بتدريبه على الإنفاق وتشجيعه عليه وتعريفه بثوابه وتحذيره من الادخار والمنع من الصدقة ( لا توك فيوك الله عليك ) البخاري , - وتوك يعني تغلق وتدخر-

وقد نجحت أساليب النبي صلى الله عليه وسلم في تدريب القلوب وإصلاحها وترك لنا منهجا رائعا في ذلك ما على الدعاة إلا أن يقتدوا به وبأساليبه فيسيروا في ركب القلوب السابقة .

عن المشكاة الإسلامية**

**5

وأضرب لكم مثالاً أحد الشباب الذين كنت أتصل بهم، وكان صعب المراس كثير العناد، لاحقاً، وبينما كنت أحمل الدعوة لشاب آخر أخبرني بأن الشاب الأول غير مقصر معه.

ورد سؤال بعنوان ( هل “التغيير” يقع في الدائرة التي يسيطر عليها الإنسان?؟") ما نصه:

"أما الآية الكريمة، ) إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ( فهي تتعلق بحكم شرعي، وهو أن من أراد التغيير المنشود فعليه العمل بجد واجتهاد وصدق وإخلاص، فالله سبحانه لا يحقق التغيير للكسالى والنائمين بل للعاملين بجد واجتهاد وصدق وإخلاص?..،

والخلاصة:

  1. أن العمل للتغيير المنشود هو فرض وهو في الدائرة التي يسيطر الإنسان عليها.

  2. إن تحقيق التغيير اليوم أو غداً في هذا المكان أو ذاك، هو في الدائرة التي تسيطر على الإنسان، ولذلك فلا يجوز اليأس أو القعود إذا ما تأخر النصر الموعود.

  3. إن طول الطريق لا يعني بالضرورة خطأ العاملين، بل إنه كما قال سبحانه:

    ( إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا )

  4. أن الله سبحانه لا يحقق التغيير للكسالى والنائمين، بل للعاملين الصادقين المخلصين. والله سبحانه ولي التوفيق."


فيا شباب الخير أروا الله من أنفسكم خيراً، وشمروا عن سواعد الجد والعمل ، واخذلوا كل لوثة تدعوكم للتكاسل أو التهاون، وتفاءلوا بالخير تجدوه، إذ على الشاب أن يكون دائم الأمل قبل العمل وبعده، والشاعر يقول:

أعلل النفس بالآمال أرقبها = ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

وأختم كلمتي بصرخة نشرتها مجلة الوعي في العدد - 152 بعنوان: “صرخة الإيمان من آسيا الوسطى” ،

إنها صرخة شاب مؤمن من آسيا الوسطى، تكشف لنا بعض معاناة حملة الدعوة الإسلامية هناك وخاصة في أوزبكستان، وتبرز بعض مظاهر الصمود التي يتصف بها الرجال والنساء في مواجهة الهجمة الحاقدة على كل مظاهر التدين، وعلى كل فكر إسلامي أصيل، يقول الشاب:

"نحن أبناء البخاري والترمذي، ومن تلك الأمة الكريمة التي حملت مسؤولية الإسلام منذ فجر الإسلام، فتاريخنا بالعز

والسؤدد طويل وبطول عمر الخلافة الراشدة وما بعدها. ولكن دولة الحق، دولة الخلافة، غاب نورها عن بلادنا، كما غاب عن بلاد المسلمين بالتدريج، حتى زال نورها عن الأرض سنة 1924 …

إلى أن قال:

نعم أن تقوم شابة مسلمة بتوزيع النشرات في أكبر مؤسسات الدولة عدة مرات، وتعتقل مراراً ناهيك عن الشباب والشابات مثيلاتها، هذا هَـدَّم ظنون الطاغوت في كسر شوكة الإسلام. نعم ذلك الشاب الصغير يقف في المحكمة

معتقلاً يقول للقاضي كنت مدمناً على المخدرات لم تسجنوني، والآن اهتديت تسجنونني.

ويقول لأحد المحكومين قل لي الآية التي تحض على التزام الحزب ويقصد آية:

( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون )

ويطلب ذلك الشاب الصغير من المسؤول في الشباب أن يحزّبه، واضعاً تحت قدميه قوانين وعقوبات الطواغيت، فتأتي موافقة المسؤول، لأنه رأى الشاب يتخذ من الإسلام قضية مصيرية فيقسم ذلك الشاب قسم الحزب أمام المحكمة والقاضي. إحدى الإذاعات الغربية تتصل بمركزه يقول لهم أصبح القسم في قاعة المحكمة.

نعم تلك المرأة التي حُكم على ابنها 17 عاماً سجناً تأتي بحفيدها الصغير الرضيع وعمره عدة أشهر تأتي به للمسؤول من الشباب فتقول له حزّبه.. حزّب الصغير حتى يعمل للإسلام لحين خروج والده.

نعم الرجل صاحب 70 سنة يوزع النشرات ويعتقل وعندما يخرج من السجن يهنئه الناس كأنما هو عائد من أداء فريضة الحج …

والذي يريد أن يعرف سبب صمود المسلمين في أوزبكستان أمام دولة الإرهاب والتعذيب، عليه أن يطّلع بإخلاص على الإسلام فإنه من يعرف الإسلام يتخذه قضية مصيرية: حياة أو موت، والنصر يكون مع الصبر، ولهذا ندعوكم أيها المسلمون أن تحملوا دعوة الإسلام وأن تقفوا آخر كل صلاة تدعون على هذا الظالم الطاغوت وعلى كل الطواغيت أن ينزل الله عليهم بأسه الشديد ويجعل يوم الخلاص منهم قريباً. وندعوكم يا شباب الأمة إلى الالتزام بالإخلاص الخالص لله تعالى، مبرّءاً من كل عيب وخوف وجبن، لعل الله يجعل لنا في الإخلاص والثبات نصراً وتمكيناً.

فالله يريد أن يتميز رجاله وجنده. فاتخذوا من الكافرين والعملاء موقفاً إيمانياً صلباً، واجعلوا الدعوة همّكم وحياتكم، واصدقوا الله ينجز لكم النصر. فإن حمل الدعوة فعل وليس مجرد ادعاء. فما أحوجنا إلى النصر، ولكن ذلك لا يكون إلا مع الجدية والإخلاص والوعي والتضحية، ولعل الله بعد ذلك ينزل علينا نصره ويشفي صدور قوم مؤمنين".

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،،

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

( أخوكم: دائم الأمل )**

**4

إن عدم تمثل الإسلام فكراً وسلوكاً واتصافاً في حملة الدعوة ، يعني غياب القدوة من حياة المسلمين اليوم ، ما يجعل ابتعاد الناس عن احتضان المبدأ والذود عنه والموت في سبيل إعادته للتطبيق أمراً بديهياً ، بل إن ذلك يعزز بقاء الناس منفصلين عن حرارة الإسلام وتأثير عقيدته في نفوسهم، ويعزز كذلك بقاء الفساد والوهن والهزيمة فيهم، ولذلك فإن العاملين المخلصين القائمين بأمر الله هم في الحقيقة يعلنون الحق بأفعالهم وينشرون دين الله وأحكامه حين ينتشرون بين الناس فتتفاعل الأمة مع المبدأ والفكر حين تتفاعل معهم، وقد نقل عن إبراهيم بن أدهم انه قال يوما لأصحابه: “ادعوا الناس وانتم صامتون”، قالوا كيف ذلك ؟ قال" :ادعوا الناس بأفعالكم ".

ولعظم هذا الدور لحامل الدعوة القدوة فان على حامل الدعوة أن يدرك خطورة دوره وأهميته بين أبناء الأمة وعليه أن يدرك في الوقت ذاته أن الناس ينظرون لحامل الدعوة نظرة دقيقة فاحصة دون أن يعلم، فرب خطأ يقوم به لا يلقي له بالاً يكون في حسابهم من الكبائر وذلك لأنه محسوب في مجتمعه قدوة لهم، وهنا تكمن أهمية القدوة وخطورتها إذ إن كل مفارقة بين أقوال حامل الدعوة القدوة وسلوكه واهتماماته تشكل مصدر حيرة وقلق وإحباط لدى عامة الناس، خصوصا المقبلين منهم على الالتزام بالإسلام وحمل الدعوة .

يقول سفيان بن عيينة" إذا كان نهاري نهار سفيهٍ، وليلي ليل جاهلٍ , فما أصنع بالعلم الذي كتبت ؟ "

وقال الحسن " لا تكن ممن يجمع علم العلماء ، وطرائف الحكماء، ويجري في العمل مجرى السفهاء " ،

وقال أيضا " كان الرجل يطلب العلم , فلا يلبث أن يرى ذلك في تخشّعه وهديه ولسانه وبصره ويده " .

ولذلك أيضا فحامل الدعوة القدوة لا يرضى لنفسه أن يكون من الخلوف الذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم “يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون” بل يحرص على أن يكون من الذين "يأخذون بسنته ويقتدون بأمره "

وكما يقول مالك بن دينار:

"إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصخرة الصماء " .

ويجب ألا يغيب إطلاقاً عن حامل الدعوة أنه جزء من كل وليس فرداً من الجماعة فحسب، فالتزامه بأوامر الله واجتنابه لنواهيه يخدم الدعوة كلها لا الشخص وحده ، أما غوصه في الوحل أياً كان فهذا ما من شأنه أن يؤثر سلباً على الكتلة بأكملها فيعيق تقدمها و يخلخل جزءاً من أسباب النصر، و معركة أحد خير شاهد على ذلك.

فتصوروا هذا الموقف العظيم:

قلوب مؤمنة من الصحابة يتقدمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مؤيد من رب العرش سبحانه في معركة بين الحق والباطل، بين الإسلام والكفر، بين الهدى والضلال، وفجأة يتحول النصر في المعركة إلى هزيمة لمخالفة الرماة لأوامر النبي عليه الصلاة والسلام و انشغالهم بعرض من الدنيا قليل رغم دماء الشهداء الطاهرة التي سالت في المعركة وبسالة الصحابة وفدائهم للحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام، إلا أنه درس للتاريخ يستفيد منه المسلمون في كل زمان ومكان.

فأروا الله من أنفسكم خيراً واطلبوا من الله أعلى الدرجات بدعائكم ودعاء أعمالكم وسابقوا إلى الخيرات، فقد سمعتم ببطولة الصحابة وثباتهم في غزوة مؤتة، فجابهوا مائة ألف من كفار العجم تساندهم مائة أخرى من قبائل العرب رغم قلة العدة والعتاد، إلا أنها عزيمة الشجعان والقلوب المعلقة بخالق السماء بلا عمد.

فهاهو زيد بن حارثة يحمل الراية فيقتل شهيداً مقبلاً غير مدبر، يتبعه جعفر بن أبي طالب أسدا هصوراً فيلحق بصاحبه إلى ربه سبحانه ثم يأتي عبدالله بن رواحة فيتردد قليلاً ثم يقبل منشداً استعذابه للموت في سبيل الله، فيقول الحبيب المصطفى أنهم رفعوا إلى الجنة على سرر من ذهب وفي سرير عبد الله بن رواحة ازورار عن سريري صاحبيه لأنهما مضيا وتردد بعض التردد ثم مضى.

أضف إلى ما سبق ضرورة أن يترفع حامل الدعوة عن كثير من المباحات لأنه لم يعد يمثل نفسه فقط، بل صار يمثل حزباً عالمياً قائماً على أساس العقيدة الإسلامية، فلا بد للشاب من أن يظهر الجدية و الترفع ويضرب أروع الأمثلة في تحمل المسؤولية، فمن يستطيع أن يحلق شامخاً كالصقور لا ينبغي له أن يمشي كالدجاج، وكل ذلك بدافع ذاتي داخلي واستشعارٍ لمراقبة الله سبحانه.

وأضرب لكم مثالاً عن تحمل المسؤولية من حياة الصحابة رضوان الله عليهم، فهاهو أبو بصير يهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة مسلماً بعد عقد صلح الحديبية دون أن يعرف عن شروطه شيئاً والتي من ضمنها أن يرد النبي صلى الله عليه وسلم من يسلم من قريش إليهم، وهذا ما حصل، إذ لم يكن أبو بصير من حلف النبي عليه الصلاة والسلام في المعاهدة، لكنه لم يكتف بالعودة بخفي حنين إلى قريش بل قتل رسلها بحيلة عظيمة وعاد للنبي صلى الله عليه وسلم قائلاً : “وفت ذمتك وأدى الله عنك، وقد أسلمتني بيد العدو وقد امتنعت بديني من أن أفتن” فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ويل أمه مسعر حرب لو كان معه رجال”. فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج أبو بصير و نزل على ساحل البحر على طريق عير قريش إلى الشام . وبلغ المسلمين الذين قد حبسوا بمكة ، فجعلوا يتسللون إلى أبي بصير فكانوا قد ضيقوا على قريش ، لا يظفرون بأحد منهم إلا قتلوه ولا تمر عير إلا اقتطعوها ، حتى أحرقوا قريشا . أسرع أهل مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يناشدونه بالرحم أن يضم أبا بصير إلى المدينة المنورة، وأن يلغي هذا البند من صلح الحديبية، وأن يقبل المسلمين من مكة ولا يعيدهم إليها مرة أخرى. وما هي إلا أيام قليلة بعد صلح الحديبية حتى مُحِي هذا البند من المعاهدة، وأصبحت المعاهدة خالصة لصالح المسلمين، وأصبحت فتحًا مبينًا حقيقيًّا للمسلمين. سيرة ابن هشام ? والروض الأنف.

إخواني الكرام:

قد يقول البعض ما الذي جعل أبا بصير يُشغل نفسه في عمل مع انه خارج حلف النبي عليه السلام، فليهرب وليجلس بعيدا حتى يأتي أمر الله ولا يتكبد كل هذا العناء فهو غير مكلف!!! أقول: إن العمل الدعوي لا يحتاج إذناً مسبقا فالفروض لا يُستأذن عليها، والجنة لم تغلق أبوابها… وليكن أبو بصير رضي الله عنه وأرضاه عبرة لنا في شحذ هممنا والمضيّ قدماً نحو الرقيّ في حمل الدعوة وإغلاق مداخل الشيطان والكسل والدعة، ولنعمل جاهدين على أن نكون جنداً من جنود الله في حزب التحرير يضرب بنا أعداءه من المنافقين والكافرين وغيرهم، ولسان صدق يُدوّي في أرجاء المعمورة، حيثما يضع حزب التحرير قدميه نضع رؤوسنا، نسير معه وبه، فنلزم غرزه، لا نبتغي في ذلك سمعة ولا منصباً ولا جاهاً أو شهرة والعياذ بالله، بل نبتغي من كل هذا رِضى الكريم العفو عنا،

فإبراء الذمة أمر بيد الله سبحانه وتعالى لا يُجزي به إلا هو، فلا تغرنكم مقالاتنا ولا خطبنا أو كلامنا، فكم من عامل للخلافة والخلافة تمقته وتلعنه إن ابتغى غير وجه الله في عمله، والعياذ بالله.

اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئاً نعلمه ونستغفرك لما لا نعلم.

اللهم اجعلنا ممن يعملون لوجهك خالصاً يا الله، اللهم اقبل أعمالنا وأبرئ رقابنا من ميتة الجاهلية.

أيها الإخوة، إن حمل الدعوة حرب على الصعاب وأخذ بالأسباب و اجتهاد في إحداث التأثير في الخطاب خدمةً للدعوة وكتلتها على الوجه الذي تريده الكتلة، فحامل الدعوة كدعوته يجب أن يكون أهلاً لها وجديراً بها، فقد شرفته قبل أن يشرفها، وصنعت منه رجلاً لا كالرجال ، وعليه أن يحملها بحق لا أن تحمله، يثريها ويغنيها لا أن يكون عبئاً عليها، علماً بأن حامل الدعوة بشر، كسائر البشر ، قد يذبل كما تذبل الورود في بستان وارف الظلال، وقد تنتابه لوثة من اليأس و القنوط و الكسل، إلا أنها مؤقتة عابرة ، و ذبوله لا يعني أفوله، بل هي كبوة فارس من فرسان الله مؤتمن، يستعيد بعدها نشاطه ليخوض الصراع الفكري والكفاح السياسي بعزيمة الشجعان و حماس من يسعى لرفع رايات العقاب خفاقة في عنان السماء عبر دولة الخلافة، دولة تعز الإسلام وأهله وتذل الشرك وأهله، دولة تصدقها الحناجر والدموع بأن جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً .**

3

وأما النفسية الإسلامية فإننا نعلم أن قوة الصلة بالله هي التي توجد النفسية القوية. فالنفسية تقوى بتقوية صلة العبد بربه فيلتزم بالحلال والحرام عند إشباع غرائزه وحاجاته العضوية ويستعد للتضحية بغرائزه وحاجاته العضوية في سبيل الله وفي سبيل الدعوة ويسترخص تلك الغرائز والحاجات العضوية ويستعد للتخلي عن إشباعها إلا ما يبقيه على قيد الحياة ويستعد للتضحية بنفسه وبماله في سبيل الدعوة ويتحمل الأذى والتعذيب والتشريد والسجن في سبيلها. ولكن إذا ضعفت صلته بالله أي ضعف إيمانه تضعف نفسيته وتقل تضحيته ويبخل على الدعوة بنفسه وبماله لأنه حينئذٍ يؤثر إشباع غرائزه وحاجاته العضوية ويريد أن يشبعها أكثر وأكثر بحيث يصل إلى إنسان لا يشبع والعياذ بالله.

ومراعاة سلم القيم والأولويات يكون حسب قوة النفسية. فصاحب النفسية القوية يجعل الله ورسوله والجهاد في سبيله وحمل الدعوة وأعمالها الجزئية من اتصالات مع الأفراد لكسبهم أو مع الجماهير لتوعيتهم ولكسب تأييدهم ومن توزيع النشرات وما يصدر من كتب وكتيبات ومجلات لتوعية الناس ومن بذل المال بسخاء أكثر مما ينفقه على ملذاته وإشباعاته الزائدة. فصاحب النفسية القوية لا يمكن أن يجعل نفسه أو زوجته أو أولاده أو أقاربه أو ماله أو تجارته أو عمله فوق أعمال الدعوة فمن يفعل ذلك فمعنى ذلك أن نفسيته ضعيفة. وعليه أن يعمل على تقويتها بتقوية الصلة بالله، ويلزم لهذه التقوية بلورة المفاهيم المنبثقة عن العقيدة. فالمفاهيم هي الأفكار المتصوَّر واقعها والمدرَك معناها والمصدَّق بها. فعلى هذا الشخص أن يعمل على تصور وقائع هذه الأفكار ويحاول أن يدرك معانيها بشكل أدق وأعمق وأن يعمل على تقوية تصديقه بها؛ وذلك عن طريق مطابقتها للواقع والتعمق في أدلتها. فعبد الله بن رواحه في غزوة مؤتة تردد في الإقدام لحدوث ضعف طارئ على نفسيته عندما خاف على نفسه بعدما رأى الموت ولكنه عالج هذا الخلل الطارئ بمحاولة تصور الأفكار في الواقع عندما تذكر بأن سبب الموت هو انتهاء الأجل فتذكر بأن النفس إن لم تمت في ساحة الوغى فإنها ستموت على الفراش فأقدم وأزال التخوف المتعلق بغريزة البقاء.

إذاً، تقوية الفكرة في النفوس وإيجادها في الأمة، وإيجاد رأي عام لها لابد من تنمية العقلية وتنمية النفسية، حتى يتسنى لنا العيش الطبيعي كحملة دعوة بين الناس.

إذاً، تنمية العقلية، تأتي بدوام المطالعة ومراجعة الكتب. وتلقي ما جاء بها تلقياً فكرياً، حتى يسهل هضمها وتمكن بلورتها، وبالتالي يسهل إعطاؤها للناس، والتحكم باستعمالها، وإنزالها على الوقائع اليومية الجارية. أما أن يقضي الشاب السنين الطوال ـ وهو محسوب على الحزب ـ ولا يستطيع التعبير عن فكرة من أفكار الحزب، أو أن يشرف على حلقة من حلقاته، مع أنه قد يكون من المبدعين في أعماله الحياتية، سواء أكانت مهنية أو تجارية أو فكرية، إن من كانت هذه حاله، ينطبق عليه قول المثل : ( اسمك في الحصاد ومنجلك مكسور ) وفاقد الشيء لا يعطيه.

أما تقوية النفسية، فتكون باللجوء إلى الله وتقوية الصلة به، إذ لا مفر منه إلا إليه، نتقرب إليه بالطاعات والدعاء والنوافل. فإن من تحيط به المصائب وتقسو عليه الحياة يبحث دائماً عن ركن شديد يأوي إليه، وقوة تأخذ بيديه وتؤيده وتنصره.

  • ورد في كتاب من مقومات النفسية الإسلامية ما نصه:

“والمسلم حين تتكون لديه العقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية يصبح مؤهلاً للجندية والقيادة في آن واحد، جامعاً بين الرحمة والشدة، والزهد والنعيم، يفهم الحياة فهماً صحيحاً، ويستولي على الحياة الدنيا بحقها، وينال الآخرة بالسعي لها؛ ولذا لا تغلب عليه صفة من صفات عباد الدنيا، ولا يأخذه الهوس الديني، ولا التقشف الهندي، وهو حين يكون بطل جهاد يكون حليف محراب، وفي الوقت الذي يكون فيه سرياً يكون متواضعاً. يجمع بين الإمارة والفقه، وبين التجارة والسياسة، وأسمى صفة من صفاته أنه عبد الله تعالى خالقه وبارئه”.

  • ورد في بيان لحزب التحرير في 25-6-1977 بعنوان “العقيدة الإسلامية عقيدة كفاح ونضال” في سياق حديث عن العقيدة و الجنة والنار ما نصه :

“فان أدلة ذلك أدلة قطعية في ثبوتها وفي دلالتها فإذا آمن الإنسان بها فإنه يستحقر كل عذاب في الدنيا يصادفه من أجل عقيدته، ومن أجل الثبات عليها، ومن اجل أن تبقى عزيزة وهي المهيمنة على البشر . فإذا آمن الإنسان بالجنة وما فيها من نعيم مقيم وآمن بالنار وما فيها من عذاب مستطير وكان هذا الإيمان القطعي مدركاً واقعه، متصوراً في الأذهان حقيقة أنه يستهان ما دونه من تعذيب البشر، من تعذيب المخلوق، فيصبح المؤمن جبلاً شامخاً لا تؤثر فيه سياط المجرمين ولاسجن الساقطين ولا عذاب المنبوذين بل يستعذب ذلك في سبيل عقيدته”.

إذاً، على حامل الدعوة أن يدرك أن حمل الدعوة من أعظم الأعمال لنيل رضوان الله ودخول جنته، فلا يخشى في الله لومة لائم، صادعاً بالحق شامخاً بعزة الإسلام، محفزاً لإخوانه من حوله، شامة في جسد الأمة النابض، ما اعتاد كسلاً ولا عرف خيانة.

باختصار: إنه شاب فهم"لا إله إلا الله" على أنها عقيدة ومنهج حياة فيعبد الله كما يريد الله لا كما يريد الهوى.

قال تعالى:

( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا) - (الفرقان-43(

نعم أيها الإخوة، إن العمل مع كتلة مخلصة واعية تعرف كيف تصل للخلافة لشرف عظيم لكل مخلص يرجو الله واليوم الآخر. فقد عمل شباب الحزب حين قعد الناس، وثبتوا على منهجهم الشرعي حين حاد الناس.

فاللهم ثبت عبادك الذين أحبوك فاتبعوا منهجك، خاضوا الصعاب لتقام دولتك، خاصمهم حكام السوء فما وهنوا ولا استكانوا.

واعلموا يرحمكم الله بأنه لا يستقيم بحامل الدعوة الذي يعتبر محط أنظار الناس ومراقبتهم ، وقبل ذلك من الله، أن يرتكب المعاصي ويصر عليها، فتلك بداية النهاية، لأن ذلك يحط من قدره وقدر دعوته ، فيجلب المضرة لنفسه ولجماعته التي يعمل معها ، فيكون عبئاً عليها بدلاً من أن يكون عضواً فاعلاً فيها. وأضرب لكم مثالاً، كنت أنقل الدعوة لأخ في العمل، وكان كثير النقاش والسؤال عن الأدلة والبراهين، وكنت بفضل الله أجتهد في الإعداد لكل اتصال أجريه معه كي لا يكون الحديث مشتتاً فأقع ضحية التلعثم والتلكؤ والهزيمة، واستمر هذا الحال لسنوات ، إلى أن قال لي نفس الشاب بأنه يحسد الكتلة على وجود أمثالي فيها وأنه يراقب سلوكي منذ سنتين في العمل لينظر أيتوافق سلوكي مع ما أحمله من فكر وأنقله للناس أم يتعارض، بل ذهب أبعد من ذلك بأن سألني كيف يخلق الحماس والثبات والعمل عند أولاده، فأجبته ضاحكاً بأن يلتزموا بحمل الدعوة مع الحزب وسترى ما يسرك، وبينت له بأن الحزب وجهني وهذبتني عقيدة الإسلام ولست سوى عبد فقير يطلب العلم ليعمل به.

**2

ولا تنسَ أخي أن حامل الدعوة لا يماري في حمل دعوته ولا يداهن ولا ينافق ،، ولا يخاف في الله لومة لائم صادعاً بالحق في كل حال وكل حين، فهل أنت كذلك؟

هل تكتفي بأقل القليل من التكاليف والالتزامات وتقول لنفسك ها أنا قد عملت المطلوب مني وأسقطت الفرض عن

كاهلي فعندي أعباء وهموم وأشغالٌ، أم تجتهدُ في العمل والتكاليف ولسان حالك يقول سأعمل فوق المطلوب مني وزيادة فمصلحة التكتل هي مصلحتي والعمل لاستئناف الحياة الإسلامية هو أعلى سلم أولوياتي واهتماماتي !!

وبعد ما تقدم يمكننا القول بأن على الشاب أن يكون شعلة من الإخلاص و الحماس المتوقد فينهل من علوم هذا الدين ويحاول جاهداً هضم الفكر وإتقان مناقشته وحمله للناس من حوله متسلحا بأخلاق الإسلام في النقاش والمحاورة، ففاقد الشيء لا يعطيه.

كما يجب أن يدرك أن كل مسلم على ثغر من ثغور الإسلام فلا يؤتين الإسلام من قبله وأنه وفي أي لحظة يمكن أن يكون في موضع مسؤولية كبرى حسب ما تقتضيه مصلحة العمل وعليه أن يكون أهلاً للمسؤولية كفؤاً لها وجديراً بتحملها، وهذا الإدراك يدفعه للتنقيب عن كل ما من شأنه أن يرتقي بشخصيته الإسلامية آناء الليل وأطراف النهار. وأضرب لكم مثالاً هنا ثبات الإخوة على حمل الدعوة في البلاد الإسلامية ذات الأنظمة البوليسية القمعية حيث عنتريات الأنظمة في الاعتقال والتعذيب يقابلها ثبات وحماس وجدية والتزام ممن اتخذ الله وحده رباً دون سواه. ولذلك قد يكون الشاب فجأة في موقع المسؤولية وعليه أن يكون أهلاً لها صادعاً بالحقً لا يخاف في الله لومة لائم حتى وإن اتهمه من حوله بالعمالة أو الجنون، إذ أن نفوس الأسد تأبى عيش النعام، وكم من شباب يحملون الدعوة حتى داخل السجون، فقولوا لي بربكم من السجين ومن الطليق؟

اللهم فرج عن شباب الدعوة فإنهم رجال في زمن قل فيه الرجال.

والأهم من ذلك كله أن يكون حامل الدعوة دائم الصلة بالله، راغباً إليه وخائفاً منه، بعقيدة لا تهزها الريح العاتية، فذاك والله سلاح المؤمن ونجاته، سلاح لا تملكه اليهود ولا النصارى ولا شتى كفار الأرض. وعليه ألا يدخر جهداً في إنقاذ الأمة وكسبها لما فيها من خير فإن وجد خللاً فعليه أن يحاسب نفسه لا أن يتهم الأمة.

كما على الشاب أن يدرك أهمية مسألة تنمية الحزب، وجلب دماء جديدة في عروقه، ومن البديهي أن هذا لا يتم بالدعاء والطاعات والتقرب إلى الله وإن كان ذلك باعثاً للأمل وحافزاً على العمل، ولكنها تتطلب جهوداً مضنية ومركزة وهادفة. أي تتطلب منا التقصد والعمل مع الأمة دون كلل أو ملل بنفسية حامل الدعوة خادم الأمة ودليلها إلى الخير والنجاة والخلاص بإذن الله، والناس طيبون، وهم سندنا وأملنا.

وأنقل إليكم فقرة رائعة من كتاب نظام الإسلام :

“ولا يتأتى لحملة هذه الدعوة أن يضطلعوا بالمسؤولية، ويقوموا بالتبعات، إلا إذا غرسوا في نفوسهم النـزوع إلى الكمال، وكانوا ينقبون دائماً عن الحقيقة، ويقلبون دائماً في كل ما عرفوه، حتى ينقوا منه كل ما يعلق به من شيء غريب عنه، ويبعدوا عنه كل ما يكون من قربه احتمال أن يلتصق به، حتى تظل الأفكار التي يحملونها نقية صافية، وصفاء الأفكار ونقاؤها هو الضمان الوحيد للنجاح، ولاستمرار النجاح”.

فلا بد أن يلتحم الجانب الفكري مع الجانب النفسي في شخص حامل الدعوة ، فحامل الدعوة يجب أن يدرك أنه عبد لله عز وجل و مخلوق من أجل أن يرضيه، فلا يقبل منه أن يكون مفكراً دون أن يتجسد فيه مفهوم الطاعة والمبادرة إلى كل خير أمر به الله والانتهاء عما نهى عنه الشرع، بل لا بد أن يكون في الصفوف الأولى في المساجد، صواماً قواماً يبتسم في وجه أخيه المسلم، إذ لابد أن تكون الأفكار التي يحملها مؤثرة في سلوكه.

ولا يمكن أن يتحمل مسؤولية الأمة إلا أناس من معدن الصحابة رضوان الله عليهم، ولذلك من أراد العمل لإنهاض الأمة واستئناف الحياة الإسلامية لابد أن يكون عالماً بالأحكام الشرعية، منقباً دائماً عن الحقيقة فلا يكتفي بما علم بل يتعلم كل يوم شيئاً جديداً من أجل أن يكون قريباً من الله سبحانه،كما يجب أن يتعلم لينفع الأمة بعلمه وتظل الأفكار التي يحملها نقية صافية لا تختلط بشيء ليس من جنس المبدأ.

فالأمة اليوم بحاجة شديدة إلى شخصيات متميزة شخصيات إسلامية قادرة على قيادة الأمة، وحري بنا نحن حملة الدعوة أن نسعى جاهدين لتنمية شخصياتنا الإسلامية، لا أن نكتفي بقدر معين من العلم والقيام بالفروض فقط بل لا بد أن نقوم بالمندوبات ونتقي الشبهات، فيجب أن نغرس في نفوسنا النـزوع إلى الكمال، علماً بأن الأمة لا تعطي قيادتها لجاهل أو جبان.

والشخصية الإسلامية المتميزة هي التي تطيع الله ورسوله وتطبق أحكام الله وترضخ لأوامره ونواهيه، ولا يكفي أن يكون المرء حاملاً للفكر فحسب بل يجب أن تكون نفسيته نفسية إسلامية وعقليته عقلية إسلامية متقيدة بأوامر الله ونواهيه، وإنه لمن أكبر المصائب أن نكون متميزين بالفكر ولا نطبق هذا الفكر على أرض الواقع، والثغرات في السلوك ليست بالأمر الهين، فعلينا معالجة هذه الثغرات وتنقيتها من الأدران وصقلها في بوتقة الإسلام مع الحرص كل الحرص على مراقبة النفس وتربيتها وتزكيتها بعمل الخيرات والرضوخ لشرع الله عز وجل.

ولنتوقف قليلاً عند كيفية إيجاد الشخصية القوية المؤثرة عند حملة الدعوة بشقيها، العقلية و النفسية:

أما موضوع العقلية فمعلوم أنه إذا كانت القاعدة الفكرية التي يستند إليها الشاب هي العقيدة الإسلامية فإنه يكون ذا عقلية إسلامية فيحكم على الأشياء ويعطي رأياً ويتخذ قراراً من زاوية العقيدة الإسلامية أي يستخدم المفاهيم الإسلامية المنبثقة من هذه العقيدة. وعندئذٍ يكون مؤثراً لحد ما ولكن كلما قويت عقليته زاد تأثيره وقوي، وقل تأثره بما عند الآخرين.

و تقوية العقلية يكون بعدة أمور منها:

  1. التزود بالثقافة والمعلومات عن طريق القراءة وعن طريق وسائل كسب المعلومات المختلفة. ويلحق بها أخذ الدروس عن طريق التلقي الفكري أي بإنزال الأفكار على الوقائع.

  2. التفكير بالوقائع ومواصلة ربطها بالمعلومات وإدامة قياسها بالعقيدة.

  3. النقاش والجدال مع الآخرين بالوقائع وربط المعلومات بها وإسنادها إلى العقيدة.

  4. الخطابة والمحاضرة؛ فالخطيب أو المحاضر يربط المعلومات بالوقائع ويسندها أيضا إلى العقيدة. ويلحق بذلك التدريس عن طريق إعطاء الأفكار منزلة على الوقائع.

  5. الكتابة؛ فالذي يحاول أن يكتب موضوعا عن واقع ما يلجأ إلى القراءة والبحث والتنقيب والتفكير حتى يحصل على معلومات ليربطها بالواقع ومن ثم يسندها إلى العقيدة ويلحق بذلك تسجيل الأشرطة وما شابه ذلك من وسائل حديثة.

فكون المسلم لديه عقلية إسلامية بجعل العقيدة الإسلامية أساساً لفهم الأشياء والوقائع ولكنه لم يسع لتقويتها بهذه الأمور، فإنه تكون لديه عقلية إسلامية ولكن لا تكون هذه العقلية قوية. فعلى صاحب العقلية الإسلامية أن يعمل على تقوية عقليته وخاصة حامل الدعوة لأنه يتصدر الأمة للدفاع عن قضاياها وللتصدي لأعدائها ولحل مشاكلها وللرقي بها وبالتالي يعمل على قيادتها، فإن لم يكن صاحب عقلية قوية فلن يتمكن من ذلك، فمن يحمل الدعوة بحق فإن عقليته ستكون قوية بشكل آلي لأنه يقوم بالنقاش والجدال لإقناع الآخرين بصحة رأيه حتى يتمكن من قيادتهم ولدحض الآراء المخالفة لرأيه والأفكار المضادة لأفكاره ويضطر للمراجعة والبحث والتدقيق أكثر وأكثر في المصادر والمراجع ويتابع الأحداث ويدرس الوقائع حتى يحكم عليها من زاوية عقيدته ويحاول مخاطبة الجماهير حتى يوجد رأيا عاما لأفكاره وآرائه ويقوم بالكتابة بكافة وسائل النشر. فبذلك تصبح عقلية حامل الدعوة قوية. وبعد ذلك يعمل بجد واجتهاد واهتمام لتصبح عقليته عقلية مبدعة حتى يصير رجل دولة وقائد أمة، لأن من يحمل هذه الصفة يكون لديه شعور فائق بالمسؤولية ويتمتع بعقلية مبدعة في حل المشاكل والتعقيدات ويقنع الناس بالسير معه لتطبيق هذه الحلول ويرسم الخطط ويضع الأساليب لذلك.**

**قوام الشخصية الإسلامية

(للأخت سلافة شومان)

الشخصية لا تتميز بشكل الانسان ولا بجسمه ولا هندامه ولا نسبه ولا حسبه ولا ماله ولا مكانته الاجتماعية فكلها مجرد قشور ولا تشكل قوام شخصية الانسان.

وانما يتميز الانسان بعقله وسلوكه،اي بافكاره ومفاهيمه حيث ان الافكار والمفاهيم التي يحملها اي دينه وعقيدته هي التي تحدد له سلوكه.

وهذا ما تسميه بالعقلية اي التفكير على اساس عقيدة معينة والنفسية هي ان أعماله في الحياة وسلوكه يكون حسب هذه العقيدة.

لذلك المسلم صاحب الشخصية الاسلامية تكون عقليته اسلامية اي يفكر على اساس العقيدة الاسلامية وهي التي تؤثر على سلوكه عندما يلتزم باوامر الله ونواهيه بناء على ايمانه وعقيدته،فتكون لديه النفسيه الاسلامية.

ولنعلم ان المسلم حين تكون شخصيته اسلامية بالعقلية الاسلامية والنفسية الاسلامية،يصبح مؤهلا للجندية والقيادة في ان واحد،حيث يجمع بين الرحمة والشدة ،والزهد والتعليم، يفهم الحياة فهما صحيحا لذلك يستولي على الحياة الدنيا يؤديها حقها وفي نفس الوقت يسعى الى الاخره،فلا تغلب عليه صفة من صفات عباد الدنيا ولا ياخذه الهوس الديني والتشقق فهو حين يكون بطل الجهاد يكون حليف محراب،وفي الوقت الذي يكون سويا يكون متواضعا.

فيجمع بين الامارة والفقة وبين التجارة والسياسة واسمى صفة من صفاته انه عبدلله خالقه وبارئه،ولذلك نجده خاشعا في صلاته،حافظا لسانه،مؤد بازكاته غاضا بصره حافظا لامانته وفيا بعهده منجزا وعده مجاهدا في سبيل الله ساعيا في طلب رزقه وفي عمارة ارضه.

هو المسلم صاحب الشخصية الاسلامية التي يكونها الاسلام جاعلا منه خير انسان مؤهلا للقيادة،مستحقا لنصر الله.

ان هذا الكلام الذي ذكرته ليس محض خيال وانما هو ما ينطبق على الواقع وما تؤكده عقيدتنا متمثلة بالكتاب والسنة.

لنتامل قوله تعالى:“فان امنوا بمثل ماءامنتم به فقد اهتدوا وان تولوا فانما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ،صبغة الله ومن احسن من الله صبغة ونحن له عابدون”.

اي ما نحن عليه من الايمان هو دين الله الذي صبغنا به وفطرنا عليه فظهر أثره علينا كما يظهر الصبغ في الثوب ، فالله شبه الانسان بالصبغ الذي اذا صبغ به الثوب ظهر أثره عليه وتغير لونه بالكلية ، وكذلك الايمان اذا دخل القلب ظهر أثره على صاحبه فأصبح يؤثر في سلوكه تأثيراً مباشراً .

ويؤيد ذلك أن الله في كل آية يصف فيها المؤمنين أو يتحدث عنهم يقرن مع وصفهم بالايمان صفة العمل الصالح ، من مثل: { الذين امنوا وعملوا الصالحات } { ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً} وهكذا مما يجعل ويؤكد أن المسلم لا تكتمل شخصيته الاسلامية إلا بالايمان بالله والعمل الصالح .

روي ان أبا عمرة سفيان بن عبد الله رضي الله عنه قال : (قلت يا رسول الله : قل لي في الاسلام قولا لا أسأل عنه أحداً غيرك قال: قل آمنت بالله ثم استقم) .

وفي تفسير الاستقامة قال ابن عباس :هو اداء الفرائض وعن أبي العالية هو الإخلاص له في الدين أي الايمان والعمل .

فالاستقامة سلوك الطريق وهو دين الاسلام القويم من غير إعوجاج فيفعل الطاعات الظاهرة والباطنة ويترك المنهيات بالكيفية التي امر بها الاسلام .

وقد حمد الله المسلم بذلك قال تعالى { إن الذين قالوا ربنا ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون } وقوله تعالى { إن الذين قالوا ربنا ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون اولئك اصحاب الجنة خالدين فيها جزاءاً بما كانوا يعملون } . ولا أدل على ذلك كيف تحولت شخصيات الصحابة بعد ان امنوا تحولت شخصياتهم تحولاً كلياً ، فهذا عمربن الخطاب رضي الله عنه كيف كان أعدى اعداء الرسول صلى الله عليه وسلم فخرج حاملاً سيفه مهدداً بقتله لولا أن رجلاً حول انتباهه عن النبي صلى الله عليه وسلم عندما اخبره باسلام اخته وزوجها وعندما سمع ايات من القران الكريم انشرح صدره للاسلام وشهد الشهادتين بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصبح شديدا على الكفر بعد ان كان شديدا على الاسلام وأهله ونذكر مقالته لابي سفيان عندماطلب منه أن يشفع له عند رسول الله ويبقي على الصلح معهم: " والله لو لم نجد إلا الذر نقاتلكم به لقاتلناكم به " .

وهذا خالد بن الوليد وكلنا نعلم انه كان فارساً من فرسان الشرك وسيفاً للكفر على الاسلام ولا زلنا نذكر دوره في تحويل هزيمة الكفار الى نصر يوم احد ولكن عندما أسلم تحولت شخصيته تحولاً جذرياً فأصبح سيفاًمن سيوف الاسلام على الكفار حتى اطلق عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيف الله المسلول ولم تفته معركة يقاتل فيها في سبيل الله .

لنلحق بهؤلاء الركب الأوائل ولنتسلح بأفكار الاسلام ونقبل على احكام الله تعالى حتى نكون شخصيات اسلامية فنكون اهلاً لقيادة الامة دون الرويبضات ونستحق نصر الله في الدنيا ورضاه ومغفرته في الاخرة.

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال :“أتى النبي النعمان بن قوقل فقال : يا رسول الله إرأيت إن صليت المكتوبة وحرمت الحرام وأحللت الحلال أدخل الجنة؟ قال: نعم”

اللهم الهمنا الرشد والاستقامة

وهيء لنا من امرك رشدا

واصلح للمسلمين أحوالهم بالتمكين والاستخلاف إنك على كل شيء قدير

واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.**

**3

وان كان امر العلماء السلف الصالح مع هؤلاء الحكام وهم على ما ذكرنا فكيف يكون امر علماء اليوم من حكامهم وهم على ما هم عليه ؟؟

ان تاريخ العلماء والحكام من سلف الامة , حافل بمواقف الاستبصار ومواطن الذكرى ومملوء بالدروس النافعة الرائعة, فنحن معشر العلماء في جميع انحاء البلاد الاسلامية , احوج ما نكون اليوم الى الاتعاظ بمواقف سلفا من السادة والعلماء رحمهم الله تعالى الذين تحلوا بصة العلم والعمل , والتقى الزهد , والجرأة في الحق , والصلابة في التمسك بالعدل والمحافظة على حدود الشرع , وحمل الدعوة الى الاسلام لاقامة شرعه في الارض وتحكيم انظمته في الدنيا والقوف في وجه الحكام الظالمين الذين اعرضوا عن الله فأعرض الله عنهم . وبئست عاقبة الظالمين , لنعيد الى الاسلام سيرته الاولى ولنستأنف حياة اسلامية كريمة , يعز بها الدين وعلماؤه وأتباعه ويخذل بها الكفر وجنده وانصاره , ولتكون كلمة الاسلام هي العلا وكلمة الكفر هي السفلى و والله بما تعملون خبير .

وما احوج حكام اليوم في بلاد المسلمين الى الاتعاظ بمن هلك من الحكام الظالمين والتاسي بمن أفضى الى ربه مرضيا بعد اسلامه حكم به , وعدل اقامه وخير نشره .

ان حكام اليوم في بلاد المسلمين بحاجة اكيدة الى من يذكّرهم ويصارحهم بحالتهم ويدلهم على مواطن الداء ونافع الدواء بع هذا الذي صرنا اليه _ انه والله مآل ما كان يطمع بمثله عدو لئيم واثيم , وكافر مستعمر عنيد . والمسلمون ايضا ما احوجهم الى معرفة شيئ عن غيرة اسلافهم على الدين وأحكامه , ووقوفهم في وجه حكام زمانهم .

ان مسؤولية الاسلام تقع عليهم كذلك , ولن ينجوا من الاثم ان قصروا في جنب الاسلام , واهملوا حمل الدعوة اليه . قال تعالى : ( فلنسألن الذين ارسلنا اليهم ولنسألن المرسلين ) (7) عسى ان تكون هذه المعرفة محفزا لعزائمهم الفاترة التي كادت ان تموت , وأخيرا وليس اخرا فان هذا الكتاب كما ذكرت كتب في فترة _ الاستراحة _ الجبرية لذا فهو يعبر عن انطباعات خاصة واحساسات معينة يدركها القارئ اللبيب .

(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) .

عبد العزيز البدري

بغداد 23 جمادى الاخرة 1385 ه _ 1/12/1965 م].

هذه هي مقدمة كتاب علامة العراق الشهيد عبد العزيز البدري رحمه الله تعالى … أهديها لحملة الدعوة - العلماء العلماء قدوة المسلمين الحقيقية -

ــــــــــــــــــــــ

هوامش :

( 1 ) ايه 115 هود

( 2) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اذا مات الانسان انقطع عمله الا من ثلاث : صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعوا له ) رواه مسلم.

(3 ) آية 120 سورة النساء .

(4 ) ىية 8 و 9 سورة البقرة .

(5) كانت في عهد الطاغية عبد الكريم قاسم في يوم 2 /12 / 1959 ورفعت في 2/12 / 1960 م

(6) وذلك يوم 7/8 / 1961 ورفعت في اليوم المسمى بيوم العفو العام 4/12/1961 الذي شمل جميع لسياسين بل السراق والمجرمين .

(7) اية 6 سورة الاعراف

منقول : دار المناقشات

www.motheer.net

يتبع مع مختارات أخرى ان شاء الله**

**2

ان الاسلام اليوم : يريد من المسلمين _ خصوصا معشر العلماء _ وهم على مفترق الطرق , ان يبذلا أقصى الهد ومنتهاه , في بيان احكامه بصراحة وجرأة وحمل الدعوة اليه , جاعلين وجودهم قائما على اساسه . فاذا هم لاينصرون حقا ولا يمنعون باطلا, ولا يامرون بمعرف , ولا ينهون عن منكر… فما وجودهم اذن زز؟ وكأن بن الارض خيرا لهم من ظهرها .والعلماء الذين قصروا تجاه اسلامهم , فهزموا في المعركة معركة الاسلام والكفر عليهم ان يقتفوا اثر السلف الصالح من العلماء العاملين ليجعلوا من الفشل الذي احاق بهم نصرا مبينا ليعيدوا الى الاسلام سيرته الاولى باستئناف حياة اسلامية , يعز بها الدين وعلماؤه واتباعه , ويخذل بها الكفر وجنده وانصاره .

ولنعد جميعا الى الله تعالى فعنده النصر المبين ان اخلصنا النية له , واتبعنا شرعه , ثم نقوم مستفرغين كل جهودنا لحمل راية الاسلام , واقامة حكم القران , مضحين في سبيل اعلاء كلمة الله , ولو كره الظالمون والكافرون .

ولنبتعد عن الكسل , ونذهب عن نفوسنا الاستكانة وننزع عنها حب السلامة التي سيطرت على بعضنا . فليست تلك واللله من شيم العلماء الابرار حملة الشريعة السمحاء , واتباع سيدنا محمد بن عبد الله ( ص ) .

وليك علماؤنا اليوم حقا ورثة الانبياء يوزعون على السلمين حكاما ومحكومين ميراث نبيهم الكريم بالقسطاس المستقيم . لا ظلم فيه ولا مظلوم .

ان الاسلام اليوم , يريد من الحكام , الذين تولوا امر المسلمين في بلادهم من اقصاها الى اقصاها , ان يعودوا الى انفسهم فيحاسبوها على ما فرطت في جنب الاسلام …

وليعلموا ان حكمهم مهما طال , فنه قصير في عمر امتهم الطويل وايام العمر تمضي سراعا , وضمة القبر بنفتنته وسؤاله آتية لا ريب فيها , وحساب اللله عسير . وعليهم ان يرجعوا الى الاسلام الذي يدعون الايمان به والانتساب اليه فالايمان يعني التقيد باوامره . وتحليل حلاله وتحريم حرامه , وتطبيق احكامه في جميع شؤون حكمهم , وحمل الدعوة اليه , والقتال في سبيله , والا كان ايمانا لاينفع لا في دنيا ولا في اخرى .وصدق فيهم قول الله تعالى ( ومن الناس من يقول امنا بالله وباليوم الاخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون الا انفسهم وما يشعرون ) ( 4)

لقد اعتز العلماء والحكام بالاسلام , حينما ادى كل منهما واجبه نحوه .ولكن حين ضيع الاسلام بالقعود عن حمل الدعوة اليه , والتضحية في سبيله . وبالاعراض عن تطبيقه , والحكم بغيره , صار حالنا ما نرى اليوم في جميع دنيا الاسلام . من ذهاب عز ومجد و وفقدان كرامة وسيادة , حتى طمع فينا اراذل القوم ..

وبعد : فقد كانت ( الاستراحة ) الجبرية التي فرضت على في داري والتي امتدت الاولى سنة بالتمام والكمال ( 5 ) من نعم الله تعالى عليّ فق شغفت بالتفتيش في بطون كتب السير والتاريخ والتراجم والطبقات , لمعرفة مواقف علماء السلف الصالح مع الحكام . طيلة وجود الدولة الاسلامية, منذ ان اقامها سيدنا الرسول الكريم ( ص ) في مدينته المنورة الى ان استطاع الكافر المستعمر ان يقضي عليها سنة 1343 ه فدفعتني هذه المعرفة الى تسجيل تلك المواقف بجزئياتها وكلياتها وجمعها مما تيسر لي ووفقت اليه. ولا جاءت الاقامة الجبرية الثانية (6) قمت مستعينا بالله تعالى الى تنسيقها والاختيار منها والتعليق عليها وكتابة ما يدور في فلكها ولا يخرج عن نهجهها بكتاب فجاءت كما سيرى القارئ الكريم .

ان تلك المواقف التي اقتطفها من سير العلماء والحكام ل اقصد بها التاريخ اذا ليست من التاريخ ببعيد . بل هي منه في الصميم .

ولم اقصد بها ذكر تراجم العلماء والحكام . من الذين مضوا الى ربهم سبحانه .

وانما صدت القاء اضواء على تلك المواقف التي اثبت فيها العلماء _ كما قلت _ انهم حقا ورثة الانبياء , فهي اذن صور لاسير . ليس فيها من التفاصيل بقدر ما فيها من ابراز مواطن العبر والاستبصار.

وليس الذين ذكرتهم هم جميع العلماء الذين كانوا قائمين بواجبهم الشرعي , محافظين على ميراث النبي الكريم ( ص)

وانما هناك علماء وعلماء . منهم من ذكرهم التاريخ ومنهم من نسيهم وطوتهم السنون , ولن يخلوا عصر من امثالهم حتى تقوم الساعة ان شاء الله .

واود هنا ان أذكر القارئ الكريم الى نقطة مهمة جديرة بالالتفات اليها , هي ان مواقف علماء السلف الصالح رحمهم الله جميعا من حكامهم, في غلظة الكلام , وشدة الانكار وعظيم المحاسبة _ من الذين سنذكر حوادثهم _ ومن وصف العلماء لبعض حكامهم بالظلم والجبروت والغرور وبشيئ من الابتعاد عن شريعة الاسلام . التي امروا ان يحكموا بها حكمهم وسلطانهم , وان كان قد وقع من بعضهم ذلك , الا انه حصل بهم من الخير الكثير للمسلمين ما لم يحصل مثله بمن جاء بعدهم , أي والله .

وهولاء الحكام الذين عاصروا علماءنا الابرار : ما كانوا يكرهون الاسلام وما كانوا يستكبرون عن حكمه وتحكيمه , بل كانوا يطبقونه . ويرعون شؤون المسلمين على اساسه , واعلنوا الحرب على اعداءه , ودافعوا عن بيضة المسلمين وحملوا حمى الاسلام . ولكن مع ذلك , فقد نالت الدنيا من بعضهم , بعض الشيئ, فحملهم على اتباع الهوى في بعض الامور. حرصا على الحكم ةالسلطان . وما اعظم فتنة الحكم والسلطان !! فلم يل حكمهم من مظالم بارزة وسئيات ظاهرة جعلت العلماء يقفون في وجوههم منكرين عليهم تلك المظالم عاملين على رفع السيئات بذلك . وقالوا عنهم ما قالوا .. لان العلماء ارادوا منهم أن يكونوا على مثل ما كان عليه الخلفاء الراشدون_ اذا هو المطلوب شرعا من كل حاكم مسلم في كل حين _ ووزنهم بمن كان قبلهم فخفوا في الميزان , فظهر التخلف وانكشف التنكب , فلا يتوهم احدنا ان الذين سنذكرهم من الحكام وموقف العلماء منهم , انهم من اعداء الاسلام او من الكارهين له . فكان ما كان من امر العلماء معهم .**

**الاسلام بين العلماء والحكام

سماحة الشيخ الشهيد عبد العزيز البدري

الإهداء

الى العلماء العاملين … موعظة للعلماء غير العاملين الذين رضوا لانفسهم طريق الكسل والخمول والقعود .

والى الحكام الصالحين … تذكرة للحكام غير الصالحين .

الذين انحرفوا عن حكم الاسلام وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا .

اهدى هذا الكتاب موعظة وذكرى …

عبد العزيز البدري

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه ومن دعا بدعوة الاسلام , حتى قيام الساعة .

.. حفلت الدولة الاسلامية, في تاريخا الطويل , بمآثر جليلة سجلها العلماء في مواقفهم الخالدة والفذة مع الحكام , تلك المواقف التي اتسمت بالصدق والجراة , والاخلاص لله ولدينه الحنيف , فكانوا نجوما وضّاءة يهتدي بهم الحكام والمحكومون في ظلمات الحياة ..

لقد أظهر العلماء في تلك العصور , عزة الاسلام , وابانوا فيها حقيقة الشريعة الاسلامية الغراء , صافية نقية مكينة , في صلابة موقفها من الحكام المنحرفين عنها ولو قيد انملة , وفي معالجتها لجميع شؤون الدولة التي يرأسها الحكام ويخضع لسلطانها المحكومون , كاشفين للعالم أجمع أثر صلابة الايمان بالشريعة الغراء في النوازل والخطوب , متحملين بصبر وشجاعة , ما ينتج عن الجهر بكلمة الحق عند سلطان جائر , غير هيابين سلطان الحكام , ولا قوة الدولة ولا صولة الجند …

ولا غرابة في ذل فهم اهل لهذه المواقف لانهم حملة لواء الشريعة الاسلامية الحقيقيون .

ان الحكام الظالمين الذين تولوا أمر الاسلام حينا من الدهر , لم يستطيعوا البتة تسخير العلماء الابرار لتنفيذ أهوائهم أو السير في ركابهم المعوج مع ما اوتوا من قوة باس وشدة جبروت وتمكين في النيل .

وكيف لايكون ذلك وق نهي العلماء والمسلمون اجمع , ان يركنوا اليهم لقوله تعالى : ( ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار ) (1)

لذلك نجد منهم المحاسبين للحكام , المنكرين عليهم سوء افعالهم , وقبيح تصرفاتهم وفساد أقوالهم .

كما نجد منهم الناصحين لهم و الرافضين منحهم , الصابرين على محنهم .ومنهم المعرضون عن مواجهتهم , والساعون لهذه الواجهة بقصد اسماعهم مقالة الاسلام صريحة جريئة لاغموض فيها ولا كنايات !! ولا استعارات ولا ذبذبة حيث لا يخافون لومة لائم .ثم نراهم الراكع السجد في سجون الحكام . يلتمسون رحمة الله , وطلب رضا . يكتبون ويؤلفون ويهدون الناس الى الطيب من القول , خدمة للاسلام ورعاية للمسلمين . وهذا مل ينفعهم في دنياهم واخراهم .مستحضرين قول رسولهم القدوة الحسنة ( ص ) :

( اذا مات الانسان انقطع عمله الا من ثلاث … أو علم ينتفع به .. الحديث ) ( 2 ) لأنهم شموع تضيئ وسر تنير اينما حلوا .

أما في الجهاد ومقاتلة الاعداء , فهم في قدمة الجند وعلى راس النفيضة .

وهكذا اثبت العلماء من قبل أن وجودهم هو من اجل الاسلام وحده , وانهم حقا ( ورثة الانبياء ) وسيرى القارئ الكريم , صدق هذا القول جليا في حوادثهم ومواقفهم مثبتا بين طيات هذا الكتاب .

ذهبت الدولة الاسلامية : إذ استطاع الكافر المستعمر ان يقضي عليها في_ غفلة من الامة _ بوسائله الاستعمارية الماكرة , وخيانة ابناء امتنا, الذين انطبعوا بثقافته الاستعمارية الكافرة , واستجابوا لإغراءه , وصدقوا وعوده البراقة : ( وما يعدهم الشيطان الا غرورا ) (3 )بعد ان كانت هذه الدولة : الدولة الاولى في العالم , قرابة الف سنة او تزيد , حيث انتزعت زمام القيادة من دولتي الفرس والرومان ومن شايعهما ودار في فلكهما . حتى وصلت الى درجة انها ان اشارات الى الشرق يطأطئ وان اشارت الى الغرب يومئ , واضحت زهرة الدنيا حضارة ومدنية ورقيا , فاتجهت اليها الانظر ,ارتحل اليها ابناء الاقطار, يرتشفون من معينها الذي لاينضب , ويستظلون بلوائها , الى ان ترك المسلمون _ حكاما ومحكومين _ حمل رسالتهم الخالدة , وتقاعس العلماء عن اداء مهمتهم , تباطئوا عن حمل لواء شريعتهم بعد ان وقع اللواء … فانقلوا من مركز القيادة الى درك التبعية وصار المسلمون _ حكاما ومحكومين _ يرددون ما يقوله اعداؤهم الحاقدون الكافرون المستعمرون الملحون من شرق وغرب , عن اسلامهم , دون أن يقف علماؤهم الموقف المطلوب منهم شرعا .**

**حقيقة مقولة"لحوم العلماء مسمومه"

دعوه للنقاش

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كثيراً ما نسمع هذه الجملة تتكرر كثيراً , ويحفظها كل أحد ..

وكثيراً ما يتم استخدامها بشكل مشاع بمناسبة وبدون مناسبة ..

وأنا هنا لا أعلم هل وصلت محاربتنا للأصوات الناقدة أن نستدعي بعض المقولات ? الصحيحة في مضمونها المنفلتة في توظيفها ? لنبرزها كالسيف في محاربة كل من يبدي رأيه تجاه أمر معين .. ؟؟؟؟

وهل انتقاد شيخ ? ان صحت التسمية ? لفتوى أو رأي أو محاضرة أو درس يدخل ضمن مقولة (لحوم العلماء مسمومة) .. ؟؟؟

لحوم العلماء مسمومةهذه مقولة ابن عساكر : “” قالها دفاعاً عن الامام أبي الحسن الأشعري و جميع علماء الإسلام الأعلام الذين توفاهم الله.

وهي ليست كلام الرسول صلى الله عليه وسلم كما يظن البعض

وقد قيلت هذه المقولة فيمن مات وتوفاه الله من العلماء ائمة الإسلام الأعلام لا في الأحياء كما في الأثر المروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (( من كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنه )).

فالبعض يلوونها إليهم ويرفعونها في وجه كل من يتصدى لهم كاشفاً لانحرافهم فيقولون لحوم العلماء مسمومه

ومرادهم بذلك أن لا يُرد على أحدٍ منهم ولا يبين عواره ولا يكشف حاله

وبهذه المقولة اصبحت اقوال العلماء عند الناس أعظم من القرآن الكريم والحديث الشريف وتكون لهؤلاء القدسية وتعظم فيهم المرجعية والتبعية..

وهل مناقشة العالم في فتوى او رأي فيها تعدي على قداسته

وهل تناسينا انه لا معصوم إلا صاحب القبر صلى الله عليه وسلم , وغيره يؤخذ من كلامهم ويرد طالما أنهم بشر معرضون للخطأ والصواب

للأسف أنه يتم تغييب العديد من مواقف السيرة التي تنقض هذه القدسية الوهمية جملة وتفصيلا , مع حفظها لمكانة العلماء وقدرهم وتكريمهم بالعلم الذي يحملونه في صدورهم وعقولهم ..

هذا عمر رضي الله عنه ذاته الذي سأل الصحابة وهم على المنبر (ماذ تصنعون ان قلت هكذا) وأشار بيده اشارة تدل على النكوص عن الطريق المستقيم , ليرد عليه أحد الصحابة رضي الله عنهم (اذا لقلنا بسيوفنا هكذا) ..

نحفظ لشيوخنا قدرهم ولا يمنعنا ذلك من ابداء آرائنا في فتاويهم واطروحاتهم التي لنا فيها رأي آخر قد يكون مخالفاً لهم , وعلينا أن نكون موضوعيين ومؤدبين في انتقادنا لهم

ان هنا لا انتقد العلماء لا والله فهم اناس حفظوا كتاب الله وسنة نبيه وبسببهم اهتدى

الكثير من الناس الى دين الحق

ولكن بأن يأتي عالم فيحل امرقد حرم في القران الكريم وقد بتت فيه سنة نبينا محمد صلى

الله عليه وسلم فنقول هذا اعلم منا وهذا لحمه مسموم متناسين كتاب الله وسنة نبيه صلى الله

عليه وسلم فنحن مسئولون امام الله عن هذا

قال تعالى (وماا تاكم الرسول فخذوه ومانهاكم عنه فانتهوا)

وقال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: “إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين.. عضوا عليها بالنواجد”**

طالب عوض الله كتب:
**

وأرى من الخطورة بمكان أن يتصدر حمل الدعوة هدهد أو طاووس متكبر مختال منتفخ الأوداج

وأرى من الخطورة بمكان أن يستولي على دفة السفينة قرصان نظنه ربان أو ملاح فيذهب بالسفينة للتيه في اليم المحيط.

وأرى من الخطورة بمكان أن يظهر في حملة الدعوة وباء الطبقية المهلك فيقرب الأتباع ويُهجّر الأكفاء الأتقياء.\

وأرى من الخطورة بمكان استغلال حمل الدعوة للمكاسب الآنية والمصالح الشخصية ونعرات الطبقية وهمساتها وتكتلاتها

فليحذر حملة الدعوة هذا وذاك وكلّ ما يمكن أن يعيق الوصول.

**

ولرب سائل يتسائل :

لاحظت في أكثر من موضوع حديثك حول حامل الدعوة والطبقية والمصالح الشخصية وما إلى ذلك، حتى رأيت مشاركتك الأخيرة في هذا الموضوع المحتوي على النص المقتبس أعلاه،فأحببت أن أسأل هل تشعر بوجود هذه الأمور في حملة الدعوة؟

ما الذي دفعك إلى تكرار التحذير من هذه الأمور؟

[****

17(- يتعرض الحزب في هذه المرحلة ( مرحلة التفاعل مع الأمة) إلى خطرين: خطر مبدئي ( أي على المبدأ ) وخطر طبقي. أمّا الخطر المبدئي فيأتي من تيار الجماعة، والرغبة في استجابة طلباتها الآنية الملحة، ويتأتى من تغلب الرواسب الموجودة في آراء جماعة على الفكرة الحزبية. وذلك أنّ الحزب حين يخوض غمار الحياةفي المجتمع، يتصل بالجمهور للتفاعل معه، ولقيادته، في الوقت الذي يكون فيه الحزب مزوداً بمبدئه، يكون الجمهور قد اجتمعت فيه متناقضات من أفكار رجعية قديمة، ووراثات عن الجيل الغابر، ومن أفكار أجنبية خطرة، وتقليد للكافر المستعمر. فحيبن يقوم الحزب بعملية التفاعل مع الجمهور، يزوده بآراء اتلحزب وأفكاره، ويسعى جاهداً لتصحيح مفاهيمه، ولبعث العقيدة الإسلامية فيه، ولإيجاد الأجواء الصادقة، والعرف العام الصالح، بمفاهيم الحزب. وهذا يحتاج إلى الدّعوة وإلى الدِّعاية، حتى يجمع الأمَّة حوله على أساس المبدأ، بصورة تقوي في الأمة الايمان بالمبدأ، وتبعث فيها التقة بمفاهيم الحزب، والإحترام والتقدير له، وتحملها على الإستعداد للطاعة والعمل. وحينئذ يكون من واجب الحزب الإكثار من شبابه المؤمنين الموثوق بهم بين الأمة، ليظلوا قابضين على زمامها، كالضباط في الجيش. فإذا نجح الحزب بهذه المرحلة من التفاعل قاد الأمة إلى الغاية التي يريدها ضمن حدود المبدأ، وأمن خروج القطار عن الخط.

أمّا إذا قاد الحزب الجمهور قبل أن يكتمل التفاعل معه وقبل أن يوجد الرأي العام عند الأمّّة، فإنّ قيادته تكون لا بأكحكام المبدأ وأفكاره بل بتشخيص ما يجيش في نفس الأمّة وبإثارة عاطفتها وتصوير مطالبها قريبة في متناول يدها.

إلاّ أنّ هذا الجمهور لا تنعدم منه في هذه الحالة مشاعره الأولى كالوطنية والقومية والروحيّة الكهنوتيّة، وتكون الحالات الجماعية مثيرة لها، فتظهر حينئذٍ فيه العنعنات التافهة كالطائفية والمذهبية، والأفكار القديمة كالإستقلال والحرية والنعرات الفاسدة كالعنصرية والعائلية، فيبدأ التناقض بينه وبين الحزب لأنّه يفرض لنفسه مطالب لا تتفق مع المبدأ وينادي بغايات آنية مضرة للأمة، ويتحمس لهذه المطالب ويزداد هياجه لتحقيقها، وتظهر فيه نعرات متعدده. وفي هذه الحال يكون موقف الحزب بين نارين: إحداهما التعرض لغضب الأمّة ونقمتها وهدم ما بناه من السيطرة على الجماعة. والأخرى التعرض للإنحياز عن مبدئه والتساهل فيه. وكلا الشيئين فيه خطر عليه. ولذلك كان على رجال الحزب إذا تعارض الأمر بين الجمهور والمبدأ أن يتمسكوا بالمبدأ ولو تعرضوا لنقمة الأمّة لأنها نقمة مؤقتة. وثباتهم على المبدأ سيعيد لهم ثقة الأمّة. وليحذروا من مخالفة المبدأ والحيد عن جوهره قيد شعرة، لأنّه هو حياة الحزب وهو الذي يضمن له البقاء. ولإتقاء مثل هذه المواقف الحرجة ولدفع مثل هذا الخطر على الحزب ان يجتهد في سقي الأمّة بمبدئه، والمحافظة على على وضوح أفكار الحزب ومفاهيمه، والعمل على بقاء أجوائها مسيطرة على الأمة. وَيُسَهِّلُ ذلك العنايةُ بفترة التثقيف عناية فائقة، والإهتمام بالثقافة الجماعية اهتماماً زائداً، والحرصُ على كشف خطط الإستعمار كشفاً دقيقاً، ودوام السَّهِر على الأمّة ومصالحها، والإنصهارُ بالمبدأ والحزب انصهاراً تامّاً، ودوامُ التنقيب في أفكار الحزب ومفاهيمه لبقائها صافية، وبذلُ أقصى جهد مستطاع في ذلك كله مهما كلّف هذا من جهد وعمل)

**]

وكما تنبه الحزب لأزمة التمسك بالمبدأ مُسبقا، فقد نبه في نفس الوقت - وفي نفس الكتاب - لأزمة الطبقية . وأنوه في هذا المقام أن حزب التحرير قد خالف جميع التنظيمات السياسية والفكرية في العالم الإسلامي بل في العالم أجمع في كيفية الانضمام لصفوفه حيث حارب "الطبقيـة " في تشكيلته، فلم يقتصر في دعوته على المثقفين والمتعلمين وأصحاب الشهادات ومشاهير وقادة الناس في المجتمع، الذين بذل الجهد الجهيد في دعوتهم، بل حرص كل الحرص على بذل الجهد في ضم بسطاء الناس وعامتهم وأصحاب المهن لصفوفه، وفي الأعمال الحزبية المختلفة والمواقع فقد أوكل لأفراده التكاليف الحزبية المنوعة باعتبار تفاعل الشخص مع الدعوة كائناً من كان بغض النظر عن موقعه في المجتمع.

أما المثقفون والمتعلمون، فقد التحق بالحزب حال تأسيه كمٌ هائل من المعلمين ومثلهم من تلاميذ المراحل الإعدادية والثانوية، الذين انطلقوا ينشرون أفكار الحزب داخل مدارسهم، ويحاولون الكسب من داخل المدارس، مما أثار حفيظة الجنرال جون كلوب ( الرئيس الإنجليزي الجيش العربي ) فأصدر أمراً بمنع السياسة في المدارس،

صحيح أنّ الحزب لم يتعرض لخطر الطبقية بعد ، فإنّه من الممكن - إن لم نحذر وننتبه - أن نتعرض لها مُستقبلا، والحصانة من المرض اقل تكاليف من علاجه بعد حدوثة، ومن طبيعة البشر أن تنزع النفوس البشرية لمغريات تلك الحالات المرضية وأمثالها ، لذا فأرى من الضرورة بمكان التنبه والتحذير لتلك الأخطار مسبقا، خاصة وقد وصل عمل الحزب لكل أقطار الدنيا مما قد يوجد الإختيال والمتناقضات لدى بعض أصحاب النفوس المريضة خاصة وأن استيلاء النقص عند كافة البشر مما قد يوجد المتناقضات في النفوس فتندفع لإشباع جوعة تلك المتناقضات،

طالب عوض الله كتب:


صحيح أنّ الحزب لم يتعرض لخطر الطبقية بعد ، فإنّه من الممكن - إن لم نحذر وننتبه - أن نتعرض لها مُستقبلا، والحصانة من المرض اقل تكاليف من علاجه بعد حدوثة، ومن طبيعة البشر أن تنزع النفوس البشرية لمغريات تلك الحالات المرضية وأمثالها ، لذا فأرى من الضرورة بمكان التنبه والتحذير لتلك الأخطار مسبقا، خاصة وقد وصل عمل الحزب لكل أقطار الدنيا مما قد يوجد الإختيال والمتناقضات لدى بعض أصحاب النفوس المريضة خاصة وأن استيلاء النقص عند كافة البشر مما قد يوجد المتناقضات في النفوس فتندفع لإشباع جوعة تلك المتناقضات،

ولكن لنقف ونعيد النظر:

في تاريخ الحزب موضع التمثيل وفي تاريخ كل حزب نقي مخلص كائنا ما كانت المسميات : ألم يتسلل القراصنة في صورة هدهد أو طاووس في محاولة وقحة لإستلام دفة السفينة وتغيير مسارها واستبدال الربان الحقيقي بقرصان مما شكل لفترة تهديدا للتكتل ومسيرة الخير ؟ لا شك أن الجواب سيكون : نعم حصل هذا ولكن الله تعالى حفظ تلك الأحزاب من شرورهم لنقائها واخلاصها. وأضيف أنه مع حفظ الله لتلك الأحزاب فقد كانت حصانة أن التكتل كان على المبدأ وليس تكتل جمعي يدور حول أشخاص، مع توفر عامل التنبه والحذر المسبق من شرور الطبقية البغيضة المتمثلة بالتكتل حول الأشخاص. لذا كان فشل القراصنة المتخفون بصورة هدهد وطاووس هينة وبلا تكاليف حقيقية.

هل ستكون تلك التجربة بخيرها وشرها دافعا لنا ولكافة المخلصين لدوام الحذر والتيقظ ؟**

مشاركة #2 ( مسلمة )55apr 15 2010, 08:26 am

**

بارك الله في الكاتب والناقل وجزاهما كل خير ،،

فنحن بحاجة دائمة إلى تذكير أنفسنا بما يجب أن نكون عليه فعلاً كحملة دعوة ،،

فنحن ربما نقصر ،، نتعب ،، تحصل عندنا ثغرات في السلوك ،،

ربما تأخذنا الدنيا بمشاغلها ،، فنقلل من تقربنا إلى الله تعالى بالنوافل والقربات ،،

ربما تنتاب بعضنا لحظات اعتداد بالنفس قوي ،،وقليل من الغرور بما وصل إليه من ثقافة وعلم وقدرة تأثير على الآخرين ،،

ويتعامل أحياناً مع غيره بقليل من التعالي وكانه العالِم وهم الجهلة ،،

ربما نفقد أحياناً حُسن الخطاب وحُسن التأتي في أسلوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،،

وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ،،

فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى

اللهم اجعلنا من حملة دعوتك المؤمنين النقيين العابدين الخاشعين ،،

اللهم تقبل أعمالنا خالصة لوجهك ،، ونقِّ قلوبنا من الرياء ،،

اللهم آمين آمين

**

آمين آمين آمين

ربنا عمّ البلاء ولنا فيك الرجاء

أنجز اللهم وعدك الذي وعدت

ولكن…

هل تحقق فينا الشرط ؟

في مداخلة الأخت مسلم? 55 أبرزت ثغرات ممكن أن تعتري حملة الدعوة جميعهم أو بعضهم

وأرى من الخطورة بمكان أن يتصدر حمل الدعوة هدهد أو طاووس متكبر مختال منتفخ الأوداج

وأرى من الخطورة بمكان أن يستولي على دفة السفينة قرصان نظنه ربان أو ملاح فيذهب بالسفينة للتيه في اليم المحيط.

وأرى من الخطورة بمكان أن يظهر في حملة الدعوة وباء الطبقية المهلك فيقرب الأتباع ويُهجّر الأكفاء الأتقياء.\

وأرى من الخطورة بمكان استغلال حمل الدعوة للمكاسب الآنية والمصالح الشخصية ونعرات الطبقية وهمساتها وتكتلاتها

فليحذر حملة الدعوة هذا وذاك وكلّ ما يمكن أن يعيق الوصول.

اللهم اجعلنا من حملة دعوتك المؤمنين النقيين العابدين الخاشعين ،،

اللهم تقبل أعمالنا خالصة لوجهك ،، ونقِّ قلوبنا من الرياء ،،

اللهم آمين آمين **

**3

فلم يمنع وجود الصدّيق والفاروق في الحكم أن يكون عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وأبو أيوب الأنصاري يتمتعون بصفات رجل الدولة، بل إن درجة الخصوبة كلما ارتفعت فإنك تجد أعرابياً يتصدى للرد والمحاسبة، وامرأة تصحح لإمام المسلمين، وفي هذا دلالة خير ويقظة وحراسة للإسلام ممن هم أهله.

إن كفاح المسلمين لتوليهم قيادة قضاياهم ورعاية شؤونهم بل وشؤون غيرهم كانت عادتهم وسجية نشأت مع نشوء عقيدتهم بين جوانحهم رغم ضعفهم وقلة حيلتهم، قال تعالى: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ) [الأنفال 26] إلى أن مكنهم الله في المدينة وأصبحوا رجال حكم يباشرون شؤون الدولة وسياسة الناس في الحكم والسلطان، ومنهم الكثيرون ممن ظلوا خارج صلاحيات الحكم وكانوا رجال دولة يتنبهون على قضايا أمتهم ويحاسبون على التقصير ويلاحقون الثمار حتى تنضج، وحتى وهم في مكة كانوا يتطلعون إلى ما يدور حولهم في معترك العلاقات الدولية الكبرى، ولا أدل على ذلك من أسباب نزول آيات الافتتاح من سورة الروم والتي سميت السورة بها لما للاطلاع على أحداثها السياسية من أهمية ما يلفت الأنظار إلى من هم الروم، ولماذا سميت كل الآيات وكل السورة بسورة الروم؛ ليظل المسلمون يقظون على العالم بقضاياه، ويتدخلوا في شؤونه لخيره، إلى أن يظهر الدين وخيره على الدين كله وفي الوجود بأجمعه. وفي رواية للديلمي عن أنس أيضاً بلفظ: «المؤمن فطن، حذر، وقاف، متثبت لا يعجل، عالم ورع. والمنافق همزة لمزة حطمة، لا يقف عند شبهة ولا عند محرم، كحاطب ليل لا يبالي من أين كسب ولا فيما أنفق» ومثله في التاريخ للبخاري.

أن التصدي لقضايا المسلمين والتفكير في شؤونهم وقضاياهم وربطها بأحكام الإسلام فيه تبنٍّ لمصالحهم وكشف خطط ومكائد عدوهم، كما إنها تنبه المسلمين على نقاط ضعفهم ليحصنوها، ونقاط ضعف عدوهم ليخترقوها، وهم يحذقون ويدركون بهذه الحال من أين تؤكل الكتف، وفي ذات الوقت أو قبل ذاك يحصنون أنفسهم وأمتهم من مكائد الطامعين والمتربصين.

إن سياسة الإسلام في فرض رعاية الجماعة وبناء الروح الجماعية ابتداء من عيش المسلمين في ظل دولة لايبيتون فيها ليلتين بدون خليفة وإلا أثموا حتى يظلوا ينعموا بالخير ويحيطوا بمكامن القوة بكافة أشكالها مادية أو روحية أو معنوية، فالعيش الجماعي وبالجو الإيماني في أجواء الحزب فيه جماع القوة، بل فيه استقصاء للوصول للذروة في استجماع أسبابها. وإن حمل الدعوة في جماعة ثقافةً وصراعاً وكفاحاً واتصالاً ونقاشاً وأعمالاً… فيه استقصاء واستجماع لمكامن القوة الروحية والمعنوية في الأمة لما يتيح لها الإجماع والاجتماع على رجال يحبونهم ويرضونهم رجالاً لقيادتهم وأهلاً لأن يكونوا رجال دولة، كيف لا وهم الذين ينامون ويصحون على هم الإسلام حتى يقودوا أمتهم والعالم أجمع إلى بر الأمان، فحقاً هم الرجال الرجال الذين تتوق الأمة لإعطائهم صفقة يدها وثمرة قلبها، كيف لا وهم الذين أثبتوا جدارتهم وعلمهم ووعيهم وتضحياتهم، كيف لا وهم الذين ظلوا ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم مبدئيين لا يغيرون ولا يبدلون. مصداقاً لقوله عز وجل (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) [الأحزاب 23]، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لاَ يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ» رواه البخاري. فإلى التشبث بهذا الفضل والخير ندعو أنفسنا والمسلمين لنعض عليه بالنواجذ حتى يأتي أمر الله. والحمد لله رب العالمين.

منقول عن : مجلة الوعي، العدد 289 ، السنة الخامسة والعشرون ،صفر 1432هـ ، كانون ثاني/يناير 2011م **