**العَلمانية أو اللادينية:

المهندس انور خليل ادعيس
هي عزل الدين عن الحياة والدولة والمجتمع، وإبقاءه حبيساً في ضمير الفرد لا يتجاوز العلاقة الخاصة بينه وبين ربه، فإن سُمح له بالتعبير عن نفسه ففي الشعائر التعبدية والمراسم المتعلقة بالزواج والوفاة ونحوهما، وتتفق العَلمانية مع ما آلت إليه الديانات النصرانية واليهودية بعد تحريفهما، ومع جميع الأنظمة الوضعية الأخرى في فصل الدين عن الحياة والدولة والمجتمع، وقد نسبوا ذلك زوراً وبهتاناً لسيدنا عيسى عليه السلام (أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله).
نشأت العَلمانية في أوروبا كردة فعل على الاضطهاد والاستبداد الذي مارسته الكنيسة والبابوية تحت ستار الاكليريوس والرهبانية والعشاء الرباني وبيع صكوك الغفران، وأطاحت بهم وتحولت الى ثورة على ما تبقى من الدين نفسه، وتحول رجال الدين إلى مبشرون تحت تصرف الحكام العَلمانيون الجدد، وانتشرت العَلمانية في العالم بحكم النفوذ الغربي والتغلغل الشيوعي والمبشرين. فقد دخلت إلى مصر مع حملة نابليون بونابرت وتطبيق القانون الفرنسي فيها، ثم أدخلها الإنجليز إلى الهند وأندونيسيا ومعظم بلاد جنوب شرق آسيا وحلت بالتدريج مكان أحكام الشريعة الإسلامية، ثم دخلت الجزائر وتونس عقب الاحتلال الفرنسي، ثم المغرب وتركيا والعراق بعد سقوط الخلافة العثمانية واستعمار الإنجليز لهم، ثم بلاد الشام بعد تقسيمها بين فرنسا وبريطانيا.
ومن أهم دعاة العَلمانية في بلاد المسلمين: جمال الدين الأفغاني ومحمد عبدو وأحمد لطفي السيد وإسماعيل مظهر وقاسم أمين وطه حسين وعبد العزيز فهمي وميشيل عفلق وأنطوان سعادة وسوكارنو وسوهارتو ونهرو ومصطفى كمال أتاتورك وجمال عبد الناصر وياسر عرفات وفؤاد زكريا وفرج فودة وأنور السادات “صاحب شعار لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين”، وغيرهم من عملاء الغرب.
ومن أهم الأفكار العَلمانية التي حملها الاستعمار وعملائه إلى بلاد المسلمين: فصل الدين عن السياسة وإقامة الحياة على أساس مادي، وتطبيق مبدأ النفعية على كل شيء في الحياة، ونشر الإباحية والفوضى الأخلاقية وتهديم كيان الأسرة، والطعن في حقيقة الإسلام والقرآن والنبوة، والزعم بأن الإسلام استنفذ أغراضه ولا يصلح الآن، وأن الإسلام كباقي الأديان طقوس وشعائر روحية وخالي من أنظمة الحياة كالرأسمالية والشيوعية، والزعم بأن الفقه الإسلامي مأخوذ عن القانون الروماني،
والزعم بأن الإسلام لا يتلاءم مع الحضارة ويدعو إلى التخلف، والدعوة إلى تحرير المرأة وفق الأسلوب الغربي، وتشويه الحضارة الإسلامية والتاريخ الإسلامي ووصفه بالدموية، وإحياء الحضارات القديمة، واقتباس الأنظمة والمناهج اللادينية عن الغرب ومحاكاته فيها، وتربية الأجيال تربية لادينية.
إن العَلمانية وأفكارها لا وجود لها في الإسلام ولا بين المسلمين أصلاً، وما حصل في أوروبا نتيجة تسلط رجال الدين والكنيسة والبابوية لا يمكن أن يحصل عند المسلمين، فلا يوجد في الإسلام رجال دين وكنيسة وبابوية أصلاً، والذين يحكمون المسلمين “الخلفاء” هم قادة ومفكرون سياسيون مسلمون مكلفون بالإسلام كباقي المسلمين، والإسلام ليس ديناً كهنوتياً ولا نظاماً من صُنع البشر، وإنما هو مبدأ حياة من صناعة خالق الكون والإنسان والحياة، وهو عقيدة تنبثق منها كافة القوانين والتشريعات والأحكام: “أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون”، وهو نظام كامل شامل لجميع أنظمة الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقضائية والدستورية ليحكم الناس به: “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ”، ولا ينقصه لا صغيرة ولا كبيرة، فالمسلم كله لله وحياته كلها لله:" قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين".
20/09/2013**