فليذهب دعاةُ إلغاء الشريعة إلى الجحيم عاجلاً غير آجل

**العَلمانية أو اللادينية:

المهندس انور خليل ادعيس

هي عزل الدين عن الحياة والدولة والمجتمع، وإبقاءه حبيساً في ضمير الفرد لا يتجاوز العلاقة الخاصة بينه وبين ربه، فإن سُمح له بالتعبير عن نفسه ففي الشعائر التعبدية والمراسم المتعلقة بالزواج والوفاة ونحوهما، وتتفق العَلمانية مع ما آلت إليه الديانات النصرانية واليهودية بعد تحريفهما، ومع جميع الأنظمة الوضعية الأخرى في فصل الدين عن الحياة والدولة والمجتمع، وقد نسبوا ذلك زوراً وبهتاناً لسيدنا عيسى عليه السلام (أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله).

نشأت العَلمانية في أوروبا كردة فعل على الاضطهاد والاستبداد الذي مارسته الكنيسة والبابوية تحت ستار الاكليريوس والرهبانية والعشاء الرباني وبيع صكوك الغفران، وأطاحت بهم وتحولت الى ثورة على ما تبقى من الدين نفسه، وتحول رجال الدين إلى مبشرون تحت تصرف الحكام العَلمانيون الجدد، وانتشرت العَلمانية في العالم بحكم النفوذ الغربي والتغلغل الشيوعي والمبشرين. فقد دخلت إلى مصر مع حملة نابليون بونابرت وتطبيق القانون الفرنسي فيها، ثم أدخلها الإنجليز إلى الهند وأندونيسيا ومعظم بلاد جنوب شرق آسيا وحلت بالتدريج مكان أحكام الشريعة الإسلامية، ثم دخلت الجزائر وتونس عقب الاحتلال الفرنسي، ثم المغرب وتركيا والعراق بعد سقوط الخلافة العثمانية واستعمار الإنجليز لهم، ثم بلاد الشام بعد تقسيمها بين فرنسا وبريطانيا.

ومن أهم دعاة العَلمانية في بلاد المسلمين: جمال الدين الأفغاني ومحمد عبدو وأحمد لطفي السيد وإسماعيل مظهر وقاسم أمين وطه حسين وعبد العزيز فهمي وميشيل عفلق وأنطوان سعادة وسوكارنو وسوهارتو ونهرو ومصطفى كمال أتاتورك وجمال عبد الناصر وياسر عرفات وفؤاد زكريا وفرج فودة وأنور السادات “صاحب شعار لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين”، وغيرهم من عملاء الغرب.

ومن أهم الأفكار العَلمانية التي حملها الاستعمار وعملائه إلى بلاد المسلمين: فصل الدين عن السياسة وإقامة الحياة على أساس مادي، وتطبيق مبدأ النفعية على كل شيء في الحياة، ونشر الإباحية والفوضى الأخلاقية وتهديم كيان الأسرة، والطعن في حقيقة الإسلام والقرآن والنبوة، والزعم بأن الإسلام استنفذ أغراضه ولا يصلح الآن، وأن الإسلام كباقي الأديان طقوس وشعائر روحية وخالي من أنظمة الحياة كالرأسمالية والشيوعية، والزعم بأن الفقه الإسلامي مأخوذ عن القانون الروماني،

والزعم بأن الإسلام لا يتلاءم مع الحضارة ويدعو إلى التخلف، والدعوة إلى تحرير المرأة وفق الأسلوب الغربي، وتشويه الحضارة الإسلامية والتاريخ الإسلامي ووصفه بالدموية، وإحياء الحضارات القديمة، واقتباس الأنظمة والمناهج اللادينية عن الغرب ومحاكاته فيها، وتربية الأجيال تربية لادينية.

إن العَلمانية وأفكارها لا وجود لها في الإسلام ولا بين المسلمين أصلاً، وما حصل في أوروبا نتيجة تسلط رجال الدين والكنيسة والبابوية لا يمكن أن يحصل عند المسلمين، فلا يوجد في الإسلام رجال دين وكنيسة وبابوية أصلاً، والذين يحكمون المسلمين “الخلفاء” هم قادة ومفكرون سياسيون مسلمون مكلفون بالإسلام كباقي المسلمين، والإسلام ليس ديناً كهنوتياً ولا نظاماً من صُنع البشر، وإنما هو مبدأ حياة من صناعة خالق الكون والإنسان والحياة، وهو عقيدة تنبثق منها كافة القوانين والتشريعات والأحكام: “أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون”، وهو نظام كامل شامل لجميع أنظمة الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقضائية والدستورية ليحكم الناس به: “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ”، ولا ينقصه لا صغيرة ولا كبيرة، فالمسلم كله لله وحياته كلها لله:" قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين".

20/09/2013**

**(2)

رابعاً: الشنقيطي في أضواء البيان في تفسيره لقوله تعالى: {ولايشرك في حكمه أحداً} . حيث يقول: "ويفهم من هذه الآيات كقوله: {ولايشرك في حكمه أحداً} أنّ متّبعي أحكام المشرعين غير ماشرعة الله أنهم مشركون بالله.

وفي تفسير قوله تعالى: {إنّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} [الإسراء:9]، حيث يقول: “ومن هدي القرآن للتي هي أقوم - بيانه أنّ كل من اتبع تشريعاً غير التشريع الذي جاء به سيد ولد آدم محمد ابن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، فاتباعه لذلك التشريع المخالف كفرٌ بواحٌ مخرجٌ من الملة الإسلامية”، [أضواء البيان: 3/439].

خامساً: رسالة تحكيم القوانين للشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله مفتي السعودية السابق التي بدأها بقوله: “إنّ من الكفر الأكبر المستبين تنزيل القانون اللعين منزلة مانزل به الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم”.

إلى أن قال : "الخامس (أي النوع الخامس من أنواع الكفر الأكبر المخرج من الملة) قال: وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع ومكابرة لأحكامه ومشاقة لله ولرسوله، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية إعداداً وإمداداً وإرصاداً وتأصيلاً وتفريعاً وتشكيلاً وحكماً وإلزاماً، ومراجع ومستندات، فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع مستمدات مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله ، فلهذه المحاكم مراجع هي: القانون الملفق من شرائع شتى، وقوانين كثيرة، كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي والقانون البريطاني، وغيرها من القوانين، ومن مذاهب بعض البدعين والمنتسبين إلى الشريعة وغير ذلك.

فهذه المحاكم الآن في كثير من أمصار الإسلام مهيّأة مكمّلة مفتوحة الأبواب، والناس إليها أسراب إثر أسراب، يحكم حكامها بينهم بما يخالف حكم السنة والكتاب، من أحكام ذلك القانون وتلزمهم به وتقرهم عليه، وتحتمه عليهم… فأيّ كفر فوق هذا الكفر"… انتهى كلام الشيخ محمد بن إبراهيم. والرسالة كلها يجب أن يقرأها كل أخ مسلم فهي نفيسة جداً.

سادساً: يقول سيد قطب رحمه الله في الظلال: “إنّ أخص خصائص الألوهية هي الحاكمية، فالذي يشرع لمجموعة من الناس يأخذ فيهم مكان الألوهية ويستخدم خصائصها، فهم عبيده لاعبيد الله، وهم في دينه لا في دين الله”… إلى أن قال: "إنّ هذه القضية هي أخطر وأكبر قضايا العقيدة، إنها قضية الألوهية والعبودية، قضية الحرية والمساواة، قضية تحرير الإنسان، بل ميلاد الإنسان، من أجل هذا كله كانت قضية الكفر أو الإيمان وقضية الجاهلية أو الإسلام.

والجاهلية ليست فترة تاريخية، إنما هي حالة توجد كلما وجدت مقوماتها في وضع أو نظام، وهي في صميمها الرجوع بالحكم والتشريع إلى أهواء البشر".

فإذا استقر حكم هذه المسألة وهو كفر من لم يحكم بما أنزل الله:

فما هو الواجب على المسلمين تجاه الحاكم الذي خرج من الملة الإسلامية يقول الحافظ ابن حجر في شرحه لحديث النبي : «إلا أن تروا كفروا بواحا عندكم من الله فيه برهان» وهو متفق عليه قال: “وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأنّ طاعته خير من الخروج عليه، ولم يستثنوا من ذلك إلاّ إذا وقع من السلطان الكفر الصريح، فلا يجوز طاعته في ذلك بل يجب مجاهدته لمن قدر عليها لحديث رواه البخاري عن جنادة قال: دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض، قلنا أصلحك الله حَدِّث بحديث ينفعك الله به سمعته من النبي . قال: دعانا النبي e فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا: أن بايعناعلى السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لاننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان” [فتح الباري: ج13/ص5] ومابعدها.

وقال في الفتح أيضاً: “وينعزل الأمير بالكفر إجماعاً… فيجب على كل مسلم القيام في ذلك، فمن قوي على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثم، ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض”… [ج13/ص123].

وقال النووي في شرح حديث عبادة المذكور: "قال القاضي عياض: “أجمع العلماء على أنّ الإمامة لاتنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل، قال: وكذا لو ترك إقامة الصلاة والدعاء إليها”.

وقال القاضي عياض أيضاً: “فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك… فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر”". صحيح مسلم بشرح النووي كتاب [الإمارة: ج12/ص229].

وقد ذكرنا من قبل قول ابن كثير لَمَّا وصف حال التتار في تفسيره للآية الخمسين من سورة .. أن كل من فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله.

وسوف ترى في الباب الثاني إن شاء الله، إصرار الإخوان على عدم تكفير الحكام الحاكمين بغير ما أنزل الله، بل تبرأوا ممن يُكَفِّر الحكام كما سيأتي في كلام مرشدهم محمد حامد أبي النصر، بل تبرأوا ممن يرفع راية جهاد هؤلاء الطواغيت، وشاركوا الطواغيت في رمي المجاهدين بتهمة الإنحراف والتّطرف، وشاركوا الطواغيت في الدعوة إلى نبذ العنف والإرهاب ذلك الوصف الذي خلعوه على فريضة الجهاد في سبيل الله تعالى.

منقول عن كتاب : الحصاد المر ? الاخوان المسلمون في ستين عام**

**في بيان حكم من لم يحكم بما أنزل الله

بقلم : د. أيمن الظواهري

1 - توافرت أدلة الكتاب والسنة وأقوال العلماء من السابقين والمعاصرين على أن تبديل الشريعة الإسلامية بغيرها كفر وبالذات بهذه الصورة الشنيعة التي نراها في بلاد المسلمين الآن. وأن هذه الأنظمة المستبدلة لشرع الله خارجة عن الملة الإسلامية للأسباب الآتية:

أولاً: عدم الحكم بشريعة الله واستبدالها بقوانين مختلطة ملفقة سمّاها الشيخ أحمد شاكر رحمه الله (بالياسق العصري) كما سنذكر إن شاء الله.

ثانياً: الإستهزاء بالشريعة: -

وهل هناك استهزاء أكبر من أن تؤخر الشريعة، أو يقدم عليها غيرها، أو تجعل ورقة تعرض على هذا الهراء الذي يسمى مجلس الشعب فيوافق عليها من يوافق ويعترض من يعترض ويعتبر هذا هو الطريق الوحيد للحكم بها.

ثالثاً: الحكم بالديمقراطية…: وهي كما وصفها أبو الأعلى المودودي (حاكمية الجماهير) (وتألية الإنسان) في كتابه [الإسلام والمدنية الحديثة].

والديمقراطية شرك بالله… الفاصل بين الديمقراطية والتوحيد - أن التوحيد يجعل التشريع لله والديمقراطية هي حكم الشعب لصالح الشعب… المُشَرِّع في الديمقراطية هو الشعب والمشرِّع في التوحيد هو الله سبحانه وتعالى… فالديمقراطية شرك بالله لأنها نزعت حق التشريع من المولى عز وجل وأعطته للشعب.

رابعا: إستحلال المحرمات وتحريم الحلال: -

وأصل هذا المبدأ عندهم موجود في الدستور المصري في المادة السادسة والستين، حيث تقول: (لاجريمة ولاعقوبة إلا بقانون) يعني كل مالم ينص عليه الدستور وبالتالي القانون أنه جريمة فهو ليس جريمة وإن اجتمعت عشرات الآيات ومئات الأحاديث على أنّ هذا العمل جريمة… ومالم يكن جريمة في الدستور ولا القانون فهو حلال في الدستور والقانون، ومن حق أيّ مواطن يظله الدستور والقانون أن يفعل هذا الفعل ولايستحق أيّ عقوبة… بل ومن يحاول أن يمنعه يكون مجرماً في نظر الدستور والقانون، وإن كان ممدوحا مثاباً مأجوراً في الشريعة، ويكون هو المستحق للعقوبة..

يقول الدكتور محمد نعيم ياسين: “ويكفر من ادعى أن له الحق في تشريع مالم يأذن به الله، بسبب ما أوتي من السلطان والحكم فيدعي أن له الحق في تحليل الحرام وتحريم الحلال، ومن ذلك وضع القوانين والأحكام التي تبيح الزنا والربى وكشف العورات أو تغيير ماجعل الله لها من العقوبات المحددة في كتاب الله وسنة رسوله..” كتاب [الإيمان - لمحمد نعيم ياسين - ص103].

ونحن هنا نسرد طائفة من أقوال العلماء في هذه المسألة.

أولاً: يقول ابن كثير في تفسيره لقول الله تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقومٍ يوقنون} [المائدة:50].

قال: “ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر وعدل إلى ماسواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكز خان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعاً متبعا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله …، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولاكثير” [تفسير ابن كثير: 2/67].

وقد علق العلامة محمد حامد الفقي رحمه الله في تعليقه على كتاب [فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، هامش، ص396 طبعة أنصار السنة المحمدية] قال: “ومثل هذا وشر منه من اتخذ من كلام الفرنجة قوانين يتحاكم إليها في الدماء والفروج والأموال، ويقدمها على ما علم وتبين له من كتاب الله وسنة رسوله ، فهو بلا شك كافر مرتد إذا أصر عليها ولم يرجع إلى الحكم بماأنزل الله. ولا ينفعه أي إسم تسمى به ولا أي عمل من ظواهر أعمال الصلاة والصيام والحج ونحوها…” أهـ

ثانياً: فتاوى الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في كتابه [عمدة التفسير مختصر تفسير ابن كثير، طبعة دار المعارف: ج4/ ص173، 174] حيث يقول معلقاً على كلام ابن كثير السابق ذكره:-

“أفرأيتم هذا الوصف القوي من الحافظ ابن كثير - في القرن الثامن - لذلك القانون الوضعي، الذي وضعه عدو الإسلام (جنكيز خان)؟ ألستم ترونه يصف حال المسلمين في هذا العصر، في القرن الرابع عشر إلا في فرق واحد أشرنا إليه آنفا: أن ذلك كان في طبقة خاصة من الحكام، أتى عليها الزمن سريعاً، فاندمجت في الأمة الإسلامية وزال أثر ماصنعت، ثم كان المسلمون الآن أسوأ حالاً وأشد ظلماً وظلاماً منهم، لأنّ أكثر الأمم الإسلامية الآن تكاد تندمج في هذه القوانين المخالفة للشريعة والتي هي أشبه شيء بذلك الياسق، الذي اصطنعه رجل كافر ظاهر الكفر، هذه القوانين التي يصنعها ناس ينتسبون للإسلام، ثم يتعلمها أبناء المسلمين ويفخرون بذلك آباء وأبناء، ثم يجعلون مرد أمرهم إلى معتنقي هذا (الياسق العصري)?..!”

إلى أن قال: “إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس. هي كفر بوّاح، لا خفاء فيه ولا مداورة. ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام - كائنا من كان - في العمل بها أو الخضوع لها أو إقرارها، فليحذر امروٌ لنفسه، وكل امرئ حسيب نفسه” أهـ.

ثالثاً: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث يقول: "ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين أنّ من سوّغ اتّباع غير دين الإسلام، أو اتّباع شريعة غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض، كما قال تعالى: {إن الذين يكفرون بالله ورسله، ويريدون أن يفرّقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض، ويريدون أن يتّخذوا بين ذلك سبيلا، أولئك هم الكافرون حقاً، وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} "

[مجموع الفتاوى: 28/524].**

**(2)

وقال: {وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور/47-51].

وتأمل قوله: {وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} ثم اعقد قلبك عليه.

وتأمل ما قاله ابن كثير رحمه الله في تأويله لهذه الآية: {أَفَحُكمَ الجاهليةِ يَبْغونَ ومَنْ أحسنُ مِن اللهِ حُكمًا لِقومٍ يُوقِنون}[المائدة/50]: “ينكر اللهُ على من خرج من حكم الله المُحْكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شرّ، وعَدَلَ إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتارُ من السياسات الملكية المأخوذة عن مَلِكهم “جنكيز خان” الذي وضع لهم كتابًا مجموعًا من أحكامٍ قد اقتبسها من شرائع شتى، من اليهودية، والنصرانية، والملة الإسلامية، وغيرها وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بَنيهِ شرعا مُتّبعا يقدِّمونها على الحكم بكتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك فهو كافرٌ يجب قتاله حتى يرجعَ إلى حكم الله ورسوله، فلا يُحَكِّم سواه في قليل ولا كثير. قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الجاهليةِ يَبْغون}، أي: يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون، {ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يوقِنونَ}، أي: ومن أعدل من الله في حكمه، لِمَن عَقَل عن الله شرعَه وآمن به وأيقن، وعلِم أنّ الله أحكمُ الحاكمين، وأرحمُ بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء” [تفسير ابن كثير 3/131].

وبيّن ربنا تعالى أن الحكم بغير ما أنزل الله حكم الجاهلين، وأن الإعراض عن حكم الله تعالى سبب لحلول عقابه، وبأسه الذي لا يرد عن القوم الظالمين، يقول سبحانه: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة/49، 50]

والأمر بالتحاكم إلى ما أنزل الله هنا أكد بمؤكدات ثمانية:

الأول: الأمر به في قوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ}.

الثاني: أن لا تكون أهواء الناس ورغباتهم مانعة من الحكم به بأي حال من الأحوال وذلك في قوله: {وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ}

الثالث: التحذير من عدم تحكيم شرع الله في القليل والكثير، والصغير والكبير، بقوله سبحانه: {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ}.

الرابع: أن التولي عن حكم الله وعدم قبول شيء منه ذنب عظيم موجب للعقاب الأليم، قال تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ}.

الخامس: التحذير من الاغترار بكثرة المعرضين عن حكم الله، فإن الشكور من عباد الله قليل، يقول تعالى: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ}.

السادس: وصف الحكم بغير ما أنزل الله بأنه حكم الجاهلية، يقول سبحانه: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ}.

السابع: تقرير المعنى العظيم بأن حكم الله أحسن الأحكام وأعدلها، يقول عز وجل: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا}.

الثامن: أن مقتضى اليقين هو العلم بأن حكم الله هو خير الأحكام وأكملها، وأتمها وأعدلها، وأن الواجب الانقياد له، مع الرضا والتسليم، يقول سبحانه: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}[من كلمة للعلامة ابن باز رحمه الله، في رسالته: وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه].

وقبل أن أختم المقالة أذكر بثلاث آيات..

{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة/44]..

{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة/45]..

{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة/47]..

والسؤال الذي أختم به: هل نطمع أن يكون الرئيس عمر البشير كعمر بن الخطاب؟

فماذا فعل عمر؟

ثبت عند ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي الأسود أنه قال: اختصم رجلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأتيا إليه، فقال: فقضى بينهما، فقال الذي قضى عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب الرجل: قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا. فقال: ردنا إلى عمر. فقال: أكذاك؟ قال: نعم. فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما. فخرج إليهما مشتملاً على سيفه، فضرب الذي قال: ردَّنا إلى عمر. فقتله وأدبر الآخر. فقال: يا رسول الله قتل عمر -والله- صاحبي. فقال: «ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن». فأهدر الله دمه الآية. قال السيوطي رحمه الله: “وله شاهد {فلا وربِّك لا يؤمنون…} بهذه الآية: موصول أوردته في التفسير المسند”[تاريخ الخلفاء، ص 110].

هذا جزاء من لم يرض بحكم الشريعة الإسلامية.. فكيف بمن نادى بأن تذهب الشريعة لإرضاء الأحزاب!!

ألا فليذهب أعداء الله إلى الجحيم، ولتبقى شريعة السماء.

{فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} [الرعد/17].

والحمد لله أولاً وآخراً.**

**فليذهب دعاةُ إلغاء الشريعة إلى الجحيم عاجلاً غير آجل

د.مهران ماهر عثمان

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛

فقد فُجِعْتُ بخبرٍ نشر اليوم في صحيفة الانتباهة، يوم السبت 7 ربيع الآخر 1432هـ، الموافق: 12/3/2011م، العدد (1805)، على الرابط التالي: www.alintibaha.net

جاء فيه ما يلي: “دافع الأمين العام لمستشارية الأمن القومي اللواء حسب الله عمر بشدة عن الحوار الذي تجريه مستشاريته مع الأحزاب السياسية، وقال: إنه حوار متكافئ وبلا سقوف وثوابت، وقال: (لو أجمعت الأحزاب فيه على إلغاء الشريعة فلتذهب الشريعة)!! ونفى بشدة أن يكون للحوار علاقة بالمؤتمر الوطني أو بجهاز الأمن وإنما هو توجيه من الرئيس عمر البشير”.

ثم حصلتُ على الصحيفة وإذا الخبر في أول عناوينها الرئيسة! (مسؤول بمستشارية الأمن: إذا اتفقت الأحزاب على إلغاء الشريعة فلتذهب"!!

هذا ما جاء في الخبر!!

فإن كان ما قيل حقاً فأول شيء أثبته في مقالتي هذه: أن مثل هذا الكلام لا يمكن أن يصدر عن رجل يؤمن بالله واليوم الآخر!

ألا فليذهب كلُّ من استخف بشريعة الله إلى الجحيم عاجلاً غير آجل.

والسؤال الذي يطرح نفسه:

كيف يبقى من يتقيأ بمثل هذه الكفر الصريح في هذا المنصب في مثل هذه البلاد التي ارتضت تحكيم شريعة الله إلى يومنا هذا؟!!

فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ومثل هذا لا أخاطبه بكلامي، وإنما أخاطب المؤمنين بقولي:

لا يخفى على أحدٍ أن الله أوجب في كثير من آياته تحكيم شريعته، والصدور عنها، وشهد بكفر من نحَّاها أو عطَّلها، والآيات في هذا المعنى لا تخفى على جهَّال المسلمين!

يقول ربنا: {فإنْ تنازعتُم في شيءٍ فرُدّوه إلى اللهِ والرسولِ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خيرٌ وأحسنُ تأويلاً} [النساء/59].

فأوجبت الآية رد كل شيء إلى الكتابِ والسنة، وتأمل كيف ذكر النّكِرة، وهي قوله: {شيء} في سياق الشرط، وهو قوله جلّ شأنه: {فإنْ تنازعتم}، ومما لا يخفى أنَّ هذا مفيدٌ للعموم فيما يُتصوّر التنازع فيه جنساً وقدرًا. فكل نزاع يجب أن يحكَّم كتاب الله لفضه، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم لحلِّه، ومن لم يفعل ذلك فليس بمؤمن وإن صام وصلَّى، وحج وطاف بالبيت ولبَّى، فإن الله قال: {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر}.

“وقد نفى الله سبحانه وتعالى الإيمان عمن لم يُحَكِّموا النبي صلى الله عليه وسلم، فيما شجر بينهم، نفيا مؤكَّداً بتكرار أداة النفي وبالقسم، قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء/65]. ولم يكتف تعالى وتقدس منهم بمجرد التحكيم للرسول صلى الله عليه وسلم، حتى يضيفوا إلى ذلك عدم وجود شيء من الحرج في نفوسهم، بقوله جل شأنه: {ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ}. والحرج: الضيق. بل لا بدّ من اتساع صدورهم لذلك وسلامتها من القلق والاضطراب، ولم يكتف تعالى أيضا هنا بهذين الأمرين، حتى يضموا إليهما التسليم: وهو كمال الانقياد لحكمه صلى الله عليه وسلم، بحيث يتخلّون هاهنا من أي تعلق للنفس بهذا الشيء، ويسلموا ذلك إلى الحكم الحق أتمّ تسليم، ولهذا أكّد ذلك بالمصدر المؤكِّد، وهو قوله جلّ شأنه: {تسليمًا} المبِّين أنه لا يُكتفى هاهنا بالتسليم. بل لا بدّ من التسليم المطلق” [رسالة تحكيم القوانين، للعلامة الرباني/ محمد بن إبراهيم رحمه الله].

والتحاكم إلى غير شريعة الله تحاكم إلى الطاغوت، وهذا صنيع المنافقين، لا يكون إلا منهم، فالذي يتحاكم إلى غير الشريعة منافق، فكيف بمن ينادي إلى إلغائها!! لا ريب أنه رأس في النفاق.

قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} [النساء/60-63]

يتبع**