الشهيد(2)
وقد أجاب الشافعي عن حديث ابن عباس وما ورد في معناه من الصلاة على قتلى أحد قبل دفنهم “بأن الأخبار جاءت كأنها عيان من وجوه متواترة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على قتلى أحد”. فهذه الأحاديث كلها ثابتة سواء التي وردت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على الشهيد أو التي روت أنه لم يصل عليه. ولا سبيل لرد أي منها لثبوته ولأنه مما يحتج به رواية ودراية. ولا سبيل لترجيح أحدهما على الآخر لأنه يبعد غفلة الصحابة عن إيقاع الصلاة على أولئك الشهداء، كما يبعد أيضا غفلتهم عن الترك الواقع على خلاف ما كان ثابتا عنه صلى الله عليه وسلم من الصلاة على الأموات. فكيف يرجح أحدهما على الآخر؟ ولا يقال إن المراد بالصلاة في الأحاديث التي تثبت الصلاة على الشهداء هو الدعاء فيكون قوله صلى بمعنى دعا. لا يقال ذلك لأن الحقائق الشرعية مقدمة على اللغوية ما لم ترد قرينة. وهنا لم ترد قرينة فيتحتم أن يكون المراد بالصلاة الصلاة الشرعية على الميت. ولا يقال إن أحاديث الصلاة على الميت تنسخ أحاديث عدم الصلاة عليه لأن أحدها وهو الصلاة على قتلى أحد بعد ثمان سنين ثبت أنه متأخر عن جميع الأحاديث لأنه ورد في رواية ابن حيان (ثم دخل بيته ولم يخرج حتى قبضه الله). لا يقال ذلك لأن تأخر الحديث وحده لا يكفي للدلالة على النسخ بل لا بد من قرينة أخرى يفهم منها النسخ، وهنا لا توجد قرينة فلا نسخ فيه، فتبقى الروايات كلها معتبرة وتحمل على أن عدم الصلاة على الشهيد جائز، ولم يرو أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى بدر ولا على قتلى الخندق ولا على قتلى خيبر. كما تحمل على أنه إذا صلى على الشهداء فلا شيء في ذلك، ولا يمنع الناس من الصلاة عليهم. وإنما سمي الشهيد شهيدا لأنه مشهود له بالجنة بنص القرآن قال الله تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون).
وروى مسلم عن جابر قال: قال رجل: أين أنا يا رسول الله إن قتلت؟ قال في الجنة فألقى تمرات كن في يده ثم قاتل حتى قتل). وفي حديث سويد (قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر وجاء المشركون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه فدنا المشركون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض. قال يقول عمير بن الحمام الأنصاري يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: نعم. قال: بخ بخ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يحملك على قولك بخ بخ. قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاءة أن أكون من أهلها. قال فإنك من أهلها. فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل). فالله تعالى ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد شهد للشهيد بالجنة.
وأما حياة الشهيد فهي ثابتة بنص القرآن، قال تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين). وهذه الحياة للشهداء هي حياة غيبية لا ندركها نحن ولا نشعر بها لأنها في عالم الخلود. ونحن وإن كنا لا ندرك هذه الحياة للشهداء ولم نشعر بها ولكننا نؤمن بوجودها ولا ندرك حقيقتها. وإيماننا بوجودها أمر حتمي لأنها ثابتة بنص القرآن القطعي، قال تعالى: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون). وحياة الشهداء من المغيبات التي يجب الإيمان بها. أما فضل الشهداء فهو فضل عظيم لا يعدله فضل، وقد بينه صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث. روى البخاري عن قتادة قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة). وفي البخاري (وقال المغيرة بن شعبة: أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن رسالة ربنا من قتل منا صار إلى الجنة). وقال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم: (أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى). وعن عبدالله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين). وروى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين). وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا جهاد في سبيله وتصديق كلمته بأن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج مع ما نال من أجر وغنيمة. والذي نفسمحمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم، لونه لون دم وريحه ريح مسك. والذي نفس محمد بيده لولا أن رجالا من المؤمنين لا تطيب نفوسهم أن يتخلفوا عني ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية تغدو في سبيل الله. والذي نفس محمد بيده لوددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل).
منقول