فرضية وأحكام الجهاد

الشهيد(2)

وقد أجاب الشافعي عن حديث ابن عباس وما ورد في معناه من الصلاة على قتلى أحد قبل دفنهم “بأن الأخبار جاءت كأنها عيان من وجوه متواترة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على قتلى أحد”. فهذه الأحاديث كلها ثابتة سواء التي وردت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على الشهيد أو التي روت أنه لم يصل عليه. ولا سبيل لرد أي منها لثبوته ولأنه مما يحتج به رواية ودراية. ولا سبيل لترجيح أحدهما على الآخر لأنه يبعد غفلة الصحابة عن إيقاع الصلاة على أولئك الشهداء، كما يبعد أيضا غفلتهم عن الترك الواقع على خلاف ما كان ثابتا عنه صلى الله عليه وسلم من الصلاة على الأموات. فكيف يرجح أحدهما على الآخر؟ ولا يقال إن المراد بالصلاة في الأحاديث التي تثبت الصلاة على الشهداء هو الدعاء فيكون قوله صلى بمعنى دعا. لا يقال ذلك لأن الحقائق الشرعية مقدمة على اللغوية ما لم ترد قرينة. وهنا لم ترد قرينة فيتحتم أن يكون المراد بالصلاة الصلاة الشرعية على الميت. ولا يقال إن أحاديث الصلاة على الميت تنسخ أحاديث عدم الصلاة عليه لأن أحدها وهو الصلاة على قتلى أحد بعد ثمان سنين ثبت أنه متأخر عن جميع الأحاديث لأنه ورد في رواية ابن حيان (ثم دخل بيته ولم يخرج حتى قبضه الله). لا يقال ذلك لأن تأخر الحديث وحده لا يكفي للدلالة على النسخ بل لا بد من قرينة أخرى يفهم منها النسخ، وهنا لا توجد قرينة فلا نسخ فيه، فتبقى الروايات كلها معتبرة وتحمل على أن عدم الصلاة على الشهيد جائز، ولم يرو أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى بدر ولا على قتلى الخندق ولا على قتلى خيبر. كما تحمل على أنه إذا صلى على الشهداء فلا شيء في ذلك، ولا يمنع الناس من الصلاة عليهم. وإنما سمي الشهيد شهيدا لأنه مشهود له بالجنة بنص القرآن قال الله تعالى: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون).

وروى مسلم عن جابر قال: قال رجل: أين أنا يا رسول الله إن قتلت؟ قال في الجنة فألقى تمرات كن في يده ثم قاتل حتى قتل). وفي حديث سويد (قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر وجاء المشركون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه فدنا المشركون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض. قال يقول عمير بن الحمام الأنصاري يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: نعم. قال: بخ بخ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يحملك على قولك بخ بخ. قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاءة أن أكون من أهلها. قال فإنك من أهلها. فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل). فالله تعالى ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد شهد للشهيد بالجنة.

وأما حياة الشهيد فهي ثابتة بنص القرآن، قال تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين). وهذه الحياة للشهداء هي حياة غيبية لا ندركها نحن ولا نشعر بها لأنها في عالم الخلود. ونحن وإن كنا لا ندرك هذه الحياة للشهداء ولم نشعر بها ولكننا نؤمن بوجودها ولا ندرك حقيقتها. وإيماننا بوجودها أمر حتمي لأنها ثابتة بنص القرآن القطعي، قال تعالى: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون). وحياة الشهداء من المغيبات التي يجب الإيمان بها. أما فضل الشهداء فهو فضل عظيم لا يعدله فضل، وقد بينه صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث. روى البخاري عن قتادة قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة). وفي البخاري (وقال المغيرة بن شعبة: أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن رسالة ربنا من قتل منا صار إلى الجنة). وقال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم: (أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى). وعن عبدالله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين). وروى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين). وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا جهاد في سبيله وتصديق كلمته بأن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج مع ما نال من أجر وغنيمة. والذي نفسمحمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم، لونه لون دم وريحه ريح مسك. والذي نفس محمد بيده لولا أن رجالا من المؤمنين لا تطيب نفوسهم أن يتخلفوا عني ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية تغدو في سبيل الله. والذي نفس محمد بيده لوددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل).

منقول

الشهيد

الشهداء ثلاثة أقسام: شهيد في الآخرة دون أحكام الدنيا، وشهيد في الدنيا فحسب، وشهيد في الدنيا والآخرة. أما شهيد الآخرة وحدها دون أحكام الدنيا، فهم المذكورون في الأحاديث وهم في بعض الروايات سبعة وفي بعضها ثمانية وفي بعضها تسعة وفي بعضها أحد عشر. والصحيح كما ورد في مسلم أنهم خمسة وهم: المطعون وهو الذي يموت في الطاعون أي الوباء المعروف. والمبطون وهو صاحب الإسهال. والغرق وهو الذي يموت بسبب الماء. وصاحب الهدم أي البناء المهدوم. ومن يموت في سبيل إعلاء كلمة الله في غير المعركة.

روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر الله له وقال: الشهداء خمسة: المطعون والمبطون والغرق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله عز وجل). وروى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله من قتل في سبيل الله فهو شهيد. قال: إن شهداء أمتي إذا لقليل. قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد. قال ابن مقسم: اشهد على أبيك في هذا الحديث أنه قال والغريق شهيد). والمراد بشهادة هؤلاء كلهم أنهم يكون لهم في الآخرة ثواب الشهداء، وأما في الدنيا فيغسلون ويصلى عليهم. وإذا قيلت كلمة شهيد في معرض الثواب والحديث عنه فيصح إطلاقها على هؤلاء. أما إذا أطلقت كلمة شهيد في الكلام إطلاقا دون أن تكون معها أية قرينة، فلا تنصرف إلى هؤلاء بل تنصرف إلى الذي يقتل في سبيل الله ليس غير.

وأما شهيد الدنيا دون الآخرة، فهو الذي يأخذ أحكام الشهيد في الدنيا من حيث أنه لا يغسل ولا يصلى عليه بل يدفن في ثيابه، ولكنه لا يأخذ في الآخرة ثواب الشهداء الذين قاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا. وهذا هو الذي يقاتل في غير سبيل الله بأن قاتل للسمعة أو من أجل الغنيمة فقط أو قاتل مدبرا. وذلك لأن الأحاديث خصصت الثواب للشهيد بالشهيد الذي يقاتل في سبيل الله والذي يقاتل مقبلا غير مدبر. عن أبي موسى الأشعري أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قاتل لتكون كلمة الله أعلى فهو في سبيل الله).

وروى مسلم عن أبي موسى قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله). وقد اشترط الرسول غفران الذنوب للشهيد أن يقاتل مقبلا غير مدبر، عن عبدالله بن أبي قتادة عن قتادة أنه سمعه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قام فيهم فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال. فقام رجل فقال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف قلت؟ قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر. إلا الدين، فإن جبريل عليه السلام قال لي ذلك)، ومفهوم هذا أنه إن قاتل مدبرا لا تكفر عنه ذنوبه وليس له ثواب الشهيد. على أن الذي يقاتل لأجل السمعة قد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يعذب وسماه شهيدا.

روى مسلم عن سليمان بن يسار قال: تفرق الناس عن أبي هريرة فقال له نائل أهل الشام: أيها الشيخ حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: نعم. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتل فيك حتى استشهدت. قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جريء، فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار) إلى آخر الحديث. فهذا يدل على أن من قاتل للسمعة ولو أخذ أحكام الشهيد في الدنيا ولكنه يوم القيامة لا يكون له ثواب الشهيد، بل يعذب.

أما شهيد الدنيا والاخرة فهو من قاتل الكفار لإعلاء كلمة الله وقتل في معركة بين المسلمين والكفار، سواء أكان القتال ببلاد الحرب أو ببلاد الإسلام. قال تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون). وهذا الشهيد هو الذي جاءت في حقه أحكام شرعية. وهو مختص بمن قتل في حرب مع الكفار، وكذلك من جرح في المعركة ثم مات من جرحه الذي جرحه في المعركة يعتبر كمن قتل في المعركة. أما من عدا ذلك فلا يعتبر شهيدا. وعليه فلا يعتبر شهيدا من قتل في حرب مع البغاة ولا من جرح في المعركة ثم شفي من جرحه ثم مات منه. فالشهيد الذي له أحكام خاصة والذي أخبر عنه الله تعالى أنه حي، مختص بمن قتل في معركة مع الكفار لإعلاء كلمة الله، ومن جرح في المعركة ومات من جرحه هذا.

وحكم الشهيد المذكور أنه لا يغسل ولا يكفن بل يدفن في دمه وثيابه. لأن الشهيد يبعث يوم القيامة ورائحة دمه كالمسك الأزفر. أما عدم غسل الشهيد فلما روي عن جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في الثوب الواحد ثم يقول: أيهم أكثر أخذا للقرآن؟ فإذا أشير إليه إلى أحدهما قدمه في اللحد، وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم)، ولأحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قتلى أحد: (لا تغسلوهم فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكا يوم القيامة. ولم يصل عليهم)، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شهداء أحد: (زملوهم بدمائهم ولا تغسلوهم فإنه ما من جرح يجرح في سبيل الله إلا وهو يأتي يوم القيامة وأوداجه تشخب دما اللون لون دم والريح ريح مسك)، وعن أنس (أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على قتلى أحد ولم يغسلهم). وكما لم يغسل شهداء أحد لم يغسل شهداء بدر، وكذلك لم يغسل شهداء الخندق وخيبر، فظهر أن الشهيد لا يغسل. وكذلك لا يكفن الشهيد كما يكفن الميت، وإنما يكفن بثيابه التي هي عليه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهداء أحد: (زملوهم بدمائهم وكلومهم)، وقوله: (ادفنوهم بثيابهم)، ولما روي عن ابن عباس (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم). أما الصلاة على الشهيد فجائز أن يصلى عليه وجائز أن لا يصلى عليه. أما جواز أن يصلى على الشهيد فلأنه وردت روايات أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد بعد دفنهم، وصلى على حمزة، وصلى على رجل قتل في المعركة. ففي البخاري عن عقبة بن عامر (أنه صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد بعد ثماني سنين صلاته على ميت كالمودع للأحياء والأموات).

وعن أبي داود عن مالك الغفاري (أنه صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد عشرة عشرة في كل عشرة حمزة حتى صلى عليه سبعين صلاة). وروى أبو داود عن أبي سلام عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أغرنا على حي من جهينة فطلب رجل من المسلمين رجلا منهم فضربه فأخطأه وأصاب نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخوكم يا معشر المسلمين، فابتدره الناس فوجدوه قد مات فلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بثيابه ودمائه وصلى عليه ودفنه. فقالوا يا رسول الله أشهيد هو؟ قال: نعم، وأنا له شهيد). فهذه الأحاديث الثلاثة أحاديث ثابتة، وهي صريحة الدلالة بأن الشهيد يصلى عليه. وأما جواز أن لا يصلى على الشهيد فلأنه وردت روايات أخرى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يصل على الشهيد، فقد روى أبو داود والترمذي عن أنس (أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على قتلى أحد ولم يغسلهم)، وروى أحمد عن أنس (أن شهداء أحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم ولم يصل عليهم)، وروى البخاري عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب وأحد ثم يقول أيهم أكثر أخذا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة، وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم). فهذه الأحاديث ثابتة وهي صريحة الدلالة على أن الشهيد لا يصلى عليه.

يتبع

الأسرى

إذا أسر المسلمون من عدوهم أسرى، كان أمر هؤلاء الأسرى موكولا لأمر الخليفة مباشرة، وليس لمن أسروهم أو لقائد المعركة أو أمير الجيش في ذلك أي رأي. لأنه إذا صار المحارب أسيرا فالأمر فيه لرأي الخليفة، والخليفة يتبع في ذلك الحكم الشرعي في الأسرى. وحكم الأسرى الثابت بنص القرآن القطعي هو أن الخليفة مخير بين أن يمن عليهم أو يفاديهم. فحكم الأسرى هو المن أو الفداء، لقوله تعالى: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها)، وهذا صريح في حكم الأسرى وهو الحكم المتعين لعدة وجوه، منها أن هذا النص الصريح ورد في سورة محمد وهي أول سورة نزلت في شأن القتال، وكان نزولها بعد وصول الرسول إلى المدينة من مكة، وقد سميت سورة القتال، وقد نزلت بعد سورة الحديد وقبل معركة بدر، فهي قد بينت حكم الأسرى قبل أن تحصل أي معركة ويحدث أسرى. فإذا أضيف ذلك إلى أنها الآية الوحيدة التي بينت صراحة ماذا يفعل بالأسرى، تبين أنها نص في حكم الأسرى، وأنها الأصل في ذلك، وإليها يرجع كل نص آخر في الأسرى. ومن الوجوه التي تعين هذا الحكم في الأسرى أن الآية قد ورد فيها حكم الأسرى بصيغة “إما” الدالة على التخيير بين شيئين لا ثالث لهما، فقالت: (فإما منا بعد وإما فداء)، و"إما" إذا وردت بين شيئين حصرت التخيير فيهما ومنعت أن يكون غيرهما أو أن لا يكون واحدا منهما، فتعين من حصر التخيير في “إما” بين شيئين عدم جواز أن يكون غير ما خير القرآن فيه من حكم الأسرى. ويؤيد ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم من على ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، وأبي عزة الشاعر، وأبي العاص بن الربيع. وقال في أسارى بدر: (لو كان المطعم بن عدي حيا ثم سألني في هؤلاء لأطلقتهم له). وفادى أسارى بدر وكانوا ثلاثة وسبعين رجلا، وفادى يوم بدر رجلا برجلين. وروي عن عائشة أنها قالت: لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب في فداء أبي العاص بمال وبعثت بقلادة كانت لها عند خديجة أدخلتها على أبي العاص، قالت: فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة فقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا لها الذي لها. قالوا: نعم). وعن عمران بن حصين (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين من بني عقيل)، وعن ابن عباس قال: (كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء، فجعل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة). فهذه الأحاديث مع الآية تدل دلالة صريحة أن حكم الأسرى هو المن أو الفداء. وحكي عن الحسن وعطاء وسعيد بن جبير كراهة قتل الأسرى، وقالوا: لو من عليه أو فاداه كما صنع بأسرى بدر، ولأن الله تعالى قال: (فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء)، فخير بين هذين بعد الأسر لا غير. فهذا كله صريح في أن الخليفة مخير في الأسرى بين أمرين اثنين ليس غير، وهما إما المن أو الفداء.

وأما ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجال بني قريظة، فإن ذلك كان بناء على حكم المحكم في التحكيم، لا على أنهم أسرى حرب. وما روي من أنه عليه السلام قتل يوم بدر النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط صبرا، وقتل أبا عزة يوم أحد، فإن ذلك لا يدل على أن هذا حكم الأسرى، لأنه لم يفعله في جميع الأسرى ولم يفعله في كل معركة، وإنما فعله في بعض المعارك مع بعض الأشخاص، بخلاف المن والفداء فإنه فعله بالأسرى كلها في كل معركة. والذي سبب قتل هؤلاء الأشخاص خاصة هو أن الرسول يرى فيهم بأشخاصهم الخطر المحقق للمسلمين، فهو قتل لأشخاص معينين لسبب خاص بهم، وليس قتلا للأسرى. وقتل أشخاص معينين يعينهم الخليفة أمر جائز شرعا. فقد روى أحمد والبخاري عن أبي هريرة قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث فقال: إن وجدتم فلانا وفلانا لرجلين فاحرقوهما بالنار، ثم قال حين أردنا الخروج: إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا وإن النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما). وبذلك يتبين أن القتل ليس من أحكام الشرع في الأسير، وإنما القتل حكم الشرع في أشخاص معينين يرى الخليفة الخطر منهم فيأمر بقتلهم ولو كانوا أسرى.

وأما ما روي من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استرق بعد نزول هذه الآية، فإنه كان يسترق السبي لا الأسرى، أي كان يسترق النساء والأطفال الذين مع الجيش في المعركة لا الرجال المحاربين. ولو ثبت الاسترقاق للرجال المحاربين لوقع ذلك منه صلى الله عليه وسلم، ولم يرد في وقوعه شيء على كثرة أسرى العرب في زمانه صلى الله عليه وسلم. وأما ما روته بعض كتب التاريخ من أن الرسول صلى الله عليه وسلم استرق بني ناجية من قريش، ذكورهم وإناثهم، وباعهم، فإنه لم تروه كتب الحديث حتى ولا بعض كتب السيرة كسيرة ابن هشام، فلا يحتج به. على أنه لو صح ذلك فإن الرواية تنص على لفظ (وقد استرق بني ناجية ذكورهم وإناثهم) فذكرت الذكور والإناث ولم تقل الرواية على رجالهم ونسائهم، فيحمل على السبي أي الأطفال ذكورا وإناثا، وهذا جائز. وعليه فإن الرسول لم يسترق رجلا أسيرا، وإنما استرق السبي ذكورا وإناثا. والوقائع الثابتة في الأحاديث التي تعتبر حجة تؤيد ذلك. فإن المتتبع لأعمال الرسول يجد أنه لم يسترق رجلا أسيرا مطلقا لا من العرب ولا من غيرهم، بل المروي عنه أنه استرق السبي. ففي معركة بدر لم يكن مع العدو نساء ولذلك لم يحصل سبي فيها وإنما حصل أسر، فحكم الرسول عليهم بالفداء، وفي معركة حنين خرجت هوازن تحارب الرسول وخرج معهم النساء، ولما انتصر المسلمون وفرت هوازن خلفت النساء وراءها فحصل السبي ووضع مع الأموال غنائم. وفي بني المصطلق خلف العدو وراءه النساء فحصل السبي. وفي خيبر قتلوا وفتحت الحصون وأخذت النساء التي كانت مع المحاربين سبيا وترك باقي الناس كما ترك الرجال

يتبع

على هامش : " تشريع وأحكام الجهاد "

ألجهاد لنشر الدعوة

في حالة المبادأة فهو كسر الحواجز التي تقف بين الإسلام وبين الكفار، وكسر سلطان الكفر عن دار الكفر لإلحاقها بدار الإسلام والوصول إلى وضع يمكن المسلمين من تطبيق نظام الإسلام في تلك البقاع التي فتحها المسلمون أو حملو إليها الدعوة الإسلامية.

قديماً كانت الأمة الإسلامية تحكمها قوانين الإسلام، وكانت تسيّرها حياتها ومواقفها بحسب ما أنزل الله تعالى. ولذلك اعتبرت الأمة رسالتها في الحياة نشر الإسلام، وإعلاء كلمة الله، وذلك بإزالة الحواجز المادية التي تحول دون ذلك. وجاء أمر الله تعالى لأمة الإسلام بالجهاد لتطبيق شرع الله في الأرض: ï´؟ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِï´¾، وهبّت الأمة لا يشغلها شاغل عن محاربة أعداء الله حتى تعلي كلمة الحق ولو في أقصى العالم. عندها خاض عقبة بن نافع الأطلسي بفرسه، وقال: “والله لو علمت أن وراء هذا البحر أناساً لا يعبدونك لعبرت البحر حتى أقاتلهم”. وعندها بلغ المسلمون الصين وفرنسا في مئة سنة. وعندها علت مكانتهم بين الأمم فكانوا أعظم دولة في العالم

الجهاد قوة مادية يأمر الإسلام أن توظف توظيفاً إيجابياً أساسه الناحية الروحية، ومنطلقه حمل الدعوة وفتح القلوب على الإسلام بعد أن يزيل الجهاد كل حاجز أمام العقول والقلوب لتختار عن طواعية، إما البقاء على دينها أو الدخول في الإسلام، ويتحقق عندها غير المسلمين أن هذه القوة المادية لا تريد استعمارهم واستحمارهم ولا تسخيرهم وإفقارهم بل هدايتهم، وشعار المسلمين في ذلك: إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور المبادئ والأديان إلى عدل الإسلام.

الجهاد هو الطريقة الوحيدة التي تُحمل فيه الدعوة الإسلامية إلى العالم. والجهاد هو قتال الكفار بسبب امتناعهم عن قبول الإسلام، قال تعالى: ï´؟قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَï´¾[التوبة: 29].

الجهاد هو قتال الكفار من أجل إزالة الحواجز المادية التي تقف في طريق الدعوة

الجهاد هو بذل الوسع في القتال في سبيل الله، مباشرةً أو معاونة بمال أو رأي أو تكثير سواد، أو غير ذلك…، كما وقع في حاشية ابن عابدين

الغرض من الجهاد هو الدعوة إلى الإسلام وإنقاذ العالم من الكفر ومن جهنم وليس إهلاك الآخرين، فلا يستعمل القوة لإهلاك الناس بل لإحيائهم بالإسلام

فرضت أحكام الجهاد للفتح و نشر الإسلام، وحماية الدولة الإسلامية، ولم يفرض الجهاد لإقامة الدولة، وكل هذا واضح في سيرته صلى الله عليه وسلم.

الجهاد باعتباره الطريق الشرعي لحمل الإسلام، وهو وحده طريق حمل الدعوة في الدولة، وأما باقي الأساليب والوسائل فهي لا تعدو غير ذلك ولا يصح أن تكون بديلاً عن الجهاد يقول عز وجل: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) [التوبة 29] وعن ابن عمر (رضي الله عنهما) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّ الإِسْلامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ» (متفق عليه واللفظ للبخاري)

الجهاد في غياب الخليفة

هو جهاد الدفع حيث لا يشترط له وجود الخليفة فهذا الجهاد ماض الى يوم القيامة

الجهاد لاسترداد المغتصب من البلاد الاسلامية

الجهاد الحقيقي لتحرير الأراضي الإسلامية التي احتلها الكفار واستقروا فيها، فنرى أنها مهمة الجيوش التي هي الذراع العسكري للأمة الإسلامية، وهذه الجيوش بيد حكّام عطّلوا الجهاد. فعلى الأمة أن تضغط على الحكام حتى يحركوا هذه الجيوش، فإذا امتنع هؤلاء الحكام وجب عليهم أن يغيروهم، وينصبّوا حاكماً يعلن الجهاد لتحرير الأراضي الإسلامية بل لتطبيق كل أحكام الجهاد التي فرضها الله عز وجل.

نعم . المطلوب اليوم من المسلمين ومن أمامهم الحركات الإسلامية العمل بأقصى سرعة وبأقصى طاقة لإزالة هؤلاء الحكام وتنصيب خليفة للمسلمين يحكمهم بما أنزل الله ويخلصهم من هذا الذل الذي أنزله بهم هؤلاء اليهود أذل شعوب الأرض على الله بالتواطؤ مع حكام المسلمين.

منقول من عدة مصادر

تشريع وأحكام الجهاد
الجهاد هو بذل الوسع في القتال في سبيل الله مباشرة أو معاونة بمال أو رأي أو تكثير سواد أو غير ذلك. فالقتال لإعلاء كلمة الله هو الجهاد. أما الجهاد بالرأي في سبيل الله فهو إن كان رأيا يتعلق مباشرة بالقتال في سبيل الله فهو جهاد, وإن كان لا يتعلق بذلك مباشرة فليس جهادا شرعا، ولو كانت فيه مشقات، ولو ترتبت عليه فوائد لإعلاء كلمة الله. لأن الجهاد شرعا خاص بالقتال، ويدخل فيه كل ما يتعلق مباشرة بالقتال. ومثل الرأي الكتابة والخطابة إن كانت متعلقة مباشرة بالقتال كخطبة في الجيش لتحميسه ليباشر القتال أو مقال تحريضي لقتال الأعداء فهو جهاد وإلا فلا. وعلى ذلك فلا يطلق على الكفاح السياسي جهادا، ومقارعة الحكام المسلمين الظالمين جهادا، وإن كان ثوابه كبيرا، وفوائده للمسلمين عظيمة. فالمسألة ليست بالمشقة ولا بالفائدة، وإنما هي بالمعنى الشرعي الذي وردت فيه هذه الكلمة. والمعنى الشرعي هو القتال وكل ما يتعلق به من رأي وخطابة وكتابة ومكيدة وغير ذلك.

?وسبب الجهاد ليس الجزية، وإن كنا عند قبول الجزية نكف عنهم. وإنما سبب الجهاد هو كون الذين نقاتلهم كفارا امتنعوا عن قبول الدعوة، قال تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)، فالأمر بقتالهم لوصف الكفر، أي قاتلوهم لأنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر.. الخ. فيكون هذا الوصف قيدا للقتال، وحينئذ يصبح سببا، فيكون سبب القتال هو الكفر. وقد جاء في آية أخرى (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة)، فأمر بقتالهم لوصف الكفر. ومثل ذلك آيات كثيرة مثل (فقاتلوا أولياء الشيطان)، (فقاتلوا أئمة الكفر)، (وقاتلوا المشركين)، كلها أمر بالقتال لوصف معين هو سبب القتال وهو الكفر. أما إعطاء الجزية فقد جعله القرآن مع الصغار سبب وقف القتال لا سبب القتال، ومن هنا كان سبب الجهاد هو الكفر. فإذا قبل الذين نقاتلهم الدعوة صاروا مسلمين، وإذا امتنعوا عن اعتناق الإسلام وقبلوا أن يدفعوا الجزية وأن يحكموا بالإسلام يقبل ذلك منهم ويمتنع عن قتالهم، لأنه لا يجوز أي يكرهوا على اعتناق الإسلام. وما داموا قبلوا الحكم به ودفع الجزية فقد خضعوا للدعوة ولو لم يعتنقوا الإسلام. ولذلك لا يجوز قتالهم بعد هذا القبول للحكم به ودفع الجزية. أما إذا قبلوا الجزية وامتنعوا عن أن يحكموا بالإسلام فلا يجوز للخليفة أن يقبل ذلك منهم لأن سبب القتال وهو كونهم كفارا امتنعوا عن قبول الدعوة لا يزال قائما، فقتالهم لا يزال فرضا لم تسقط فرضيته عن المسلمين. أما المعاهدات الاضطرارية التي يقبل فيها الخليفة الجزية لعدم موآتاة الأوضاع الخارجية والداخلية له وتركهم يحكمون أنفسهم بنظام الكفر، فتلك حالة اضطرارية رخص الشرع بها في حالات الضرورة، فلا يقاس عليها. وعلى هذا فإن سبب الجهاد هو كون الذين نقاتلهم كفارا امتنعوا عن قبول الدعوة وليس هناك أي سبب آخر للجهاد. على أن كون الجزية مع الصغار سببا لوقف القتال إنما يكون من غير مشركي العرب، أما مشركو العرب فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل لقوله تعالى: (تقاتلونهم أو يسلمون).

والجهاد فرض بنص القرآن والحديث، قال تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله)، وقال: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)، وقال تعالى: (كتب عليكم القتال)، وقال: (إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما)، وقال: (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة)، وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم). وعن أنس أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها)، وقال صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)، وقال: (الجهاد ماض إلى يوم القيامة)، وعن زيد بن خالد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا)، وعن عطاء بن يزيد الليثي أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه حدثه قال: قيل: يا رسول الله أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله)، وقال عليه السلام: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على بقية من النفاق)، وعن ابن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الجنة تحت ظلال السيوف)، وعن أبي هريرة قال: (مر رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعب فيه عيينة من ماء عذب فأعجبته لطيبها فقال: لو اعتزلت الناس في هذا الشعب ولن أفعل حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك لرسول الله فقال: (لا تفعل، فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما).
يتبع

الاستعانة بالكفار في القتال(2)

وحديث أبي حميد هذا يتضمن علة شرعية إذا وجدت وجد الحكم وإذا عدمت عدم الحكم. والعلة في الحديث ظاهرة في نص الحديث فإنه يقول: (إذا كتيبة. قال: من هؤلاء؟ قالوا: بو قينقاع رهط عبدالله بن سلام)، فإن معنى كونهم كتيبة أي جيش مستقل له راية مستقلة، لأن لكل كتيبة راية. فصار كونهم كتيبة كافرة لها راية مستقلة ومن بني قينقاع اليهود الذين هم بمقام دولة بينهم وبين الرسول معاهدات هو علة ردهم، لا كونهم كفارا فقط، بدليل أنه أمرهم أن يرجعوا بناء على ذلك وعلى رفضهم الإسلام، لا على رفضهم الإسلام فقط. ويؤيد هذا حديث أنس (لا تستضيئوا بنار المشركين) فإنه مسلط على الكيان كما يؤكده قبول الرسول الاستعانة بقزمان في نفس موقعة أحد مع أنه مشرك، فإن معنى ذلك هو رفض الاستعانة بالكافر بوصفه كيانا، وقبول الاستعانة به بوصفه فردا. وعلى هذا تكون الاستعانة بالكفار كطائفة كافرة أو قبيلة كافرة أو دولة كافرة وتحت رايتهم وكجزء من دولتهم لا تجوز ولا بوجه من الوجوه.

وأما كون خزاعة خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم على قريش عام الفتح وهي قبيلة مستقلة، فإنه لا يدل على جواز الاستعانة بطائفة لها كيان مستقل، وذلك أن خزاعة في عام الحديبية كانت حاضرة حين كتبت معاهدة الصلح بين قريش وبين المسلمين، فحين ورد في المعاهدة نص (وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه). وبناء على هذا النص تواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم. فصارت خزاعة مع المسلمين في هذه المعاهدة التي بين قريش والمسلمين، وأدخلها الرسول في حمايته كجماعة من دولته بحسب المعاهدة. ولذلك تكون حاربت كقبيلة تحت راية المسلمين وكجزء من الدولة الإسلامية لا كطائفة مستقلة، فيكونون كالأفراد لا كالكيان.

وأما ما يتوهم من أن خزاعة كان بينها وبين الرسول حلف أو معاهدة فغير صحيح. فإن المعاهدة كانت بين الرسول وبين قريش لا بين الرسول وبين خزاعة. وبناء على هذه المعاهدة دخلت قبيلة بني بكر مع قريش كجزء منها، ودخلت قبيلة خزاعة مع المسلمين كجزء من كيانهم. وعليه لا تكون حرب خزاعة مع الرسول حرب طائفة كافرة مع المسلمين، بل حرب أفراد كفار في قبيلة كافرة مع المسلمين تحت راية المسلمين، وهذا جائز لا شيء فيه.

?وأما ما رواه أحمد وأبو داود عن ذي مخبر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ستصالحون الروم صلحا تغزون أنتم وهم عدوا من ورائكم)، فإنه يحمل قوله: (تغزون أنتم وهم عدوا من ورائكم) على أفراد الروم لا على دولتهم، وذلك لأنه قال: (ستصالحون الروم صلحا تغزون)، والصلح بين المسلمين والكفار إنما يكون عند قبولهم الجزية ودخولهم تحت حكم المسلمين، لأن الإسلام قد أمر المسلمين أن يخيروا الكفار الذين يحاربونهم بين ثلاث: الإسلام أو الجزية أو الحرب، فإذا حصل الصلح وهم كفار لا يكون إلا في حال دفع الجزية ودخولهم تحت الراية الإسلامية، فقوله: (ستصالحون) قرينة على أنهم تحت راية المسلمين، فهم حينئذ أفراد، ويؤيد هذا واقع ما حصل مع الروم. فإن المسلمين حاربوهم وهزموهم واحتلوا بلادهم، وقد حارب الروم مع المسلمين أفرادا ولم يقع قط أن حارب الروم بوصفهم دولة مع الدولة الإسلامية عدوا من ورائهم، ولم يحصل ذلك في يوم من الأيام، مما يؤكد أن المراد بالحديث الروم أفرادا لا كدولة، ويوجب حمله على هذا. وبذلك يتبين أنه لا يوجد دليل يدل على جواز الاستعانة بالمشركين كدولة، بل الأدلة صريحة في عدم جواز ذلك مطلقا.

هذا كله بالنسبة للاستعانة بالكافر أن يقاتل بنفسه مع المسلمين. أما الاستعانة بالكافر بأخذ السلاح منه، فإنه يجوز سواء أكان السلاح من فرد أو من دولة، على أن يكون ذلك إعارة مضمونة، لما روي أنه لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى هوازن ليلقاهم، ذكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعا وسلاحا، فأرسل إليه وهو يومئذ مشرك فقال: (يا أمية أعرنا سلاحك هذا نلق فيه عدونا غدا. فقال صفوان: أغصبا يا محمد؟ قال: بل إعارة مضمونة حتى نؤديها لك. فقال: ليس بهذا بأس، فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفيهم حملها ففعل). فهذا واضح فيه أن الرسول استعان بكافر بأخذ السلاح منه، وهو وإن كان فردا إلا أنه رئيس قبيلة. على أن مجرد أخذ السلاح من كافر دليل على جواز الاستعانة بالكافر بأخذ السلاح منه مطلقا ما لم يرد دليل يخصص عدم الاستعانة به كدولة كما هي الاستعانة بالقتال. ولكنه لم يرد دليل يمنع أخذ السلاح من دولة، فيظل على إطلاقه من جواز أخذه من الكافر مطلقا إعارة أو شراء. على أن أخذ الدولة السلاح إنما يحصل غالبا من دولة. وعليه يجوز الاستعانة بأخذ السلاح من دولة كافرة.

منقول

تبجح وتشكيك البعض حول موضوع الجهاد

**سؤال:

فما هو الدور الذي تقوموا به من اجل تعزيز مكانت الدين حتى يتم بناء الخلافة.

ارجو ان تكون الاجابة واضحة مع ذكر بعض الامثلة.**

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الجواب: توضيح حول تبجح بعضهم حول موضوع الجهاد وتشكيكهم بجملة الدعوة من هذا الباب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :

إن من المصائب التي أصابت هذه الامة العظيمة أن جُعل الواقع مصدرا للتفكير وليس موضع التفكير والتغيير ، ومن جراء هذه المصيبة قامت حركات كثيرة تريد إنهاض الامة الاسلامية مرة أخرى ففشلت في مساعيها لأنها (من ضمن الاسباب ) تشكلت حسب الواقع واستجابة له بالدرجة الاولى وأصبح الواقع هو الدافع والمحرك والملهم لها

فجاءت هذه الحركات وجعلت الحركات التي سبقتها من وطنية علمانية أو وطنية اشتراكية أو قومية أو غيرها مثالا تسير عليه في طريقة العمل وطريقة التعامل مع الواقع وأساليب العمل أيضا ولم تتخذ فهم التكتل من سيرة النبي (ص) وإنما فهمته من الواقع ( مصدر التفكير عندها ) ولم يفرقوا بين عمل الفرد وعمل الجماعة وعمل الدولة فللفرد أحكام خاصة به ولا يجوز له أن يقوم بأعمال الدولة مثل إقامة الحدود … وللجماعة عمل محدد لا يجب عليها أن تتعداه حتى لا تضل الطريق وتتبعثر جهودها هنا وهناك

المسألة التي أريد التكلم عنها هي مسألة الجهاد وهي مسألة تثار على التكتل المبدأي المتبني بأن ألجهاد ليست الطريق لإقامة ألدولة،بإن جهاد الطلب هو فرض كفاية كما هو معلوم والمقصود بجهاد الطلب هو الطريقة الشرعية لحمل الاسلام للعالم وهذا يحتاج لدولة تطبق الاسلام على نفسها أولا وتكون كمثال ثانيا ثم تحمل هذه الرسالة للعالم. ويحتاج لجيش يحقق هدف هذا الجهاد وهو فتح بلاد الكفر وحكمها بالاسلام أو تدفع الجزية لدولة الخلافة . ( وهذا الفرض غائب عن الدنيا الآن ويجب إيجاده ) وجهاد الدفع فرض عين كما هو معلوم وغير مقيد بإمام أبدا ( وهو موجود يقوم به بعض المجاهدين ) .

والتكتل الحزبي عبارة عن مجموعة من الناس آمنت بفكرة تريد إيجادها في معترك الحياة وعمل التكتل الحزبي هو إيجاد هذه الدولة التي تحتضن المبدأ وتطبقه وتحمله للعالم.

هؤلاء الناس المسلمين تكتلوا لغاية واحدة وهي اسئناف الحياة الاسلامية ولهم أمير واحد وهذا الامير له الطاعة فيما يتعلق بموضوع الامارة فأمير السفر ليس له إلا في السفر وأمير الطعام ليس له إلا فيما يختص بموضوع الطعام وهكذا .. وأمير الحزب ليس له إلا في موضوع التكتل وموضوع التكتل وهو حمل الدعوة الاسلامية بطريقة النبي (صلى الله عليه وسلم) لاستئناف الحياة الاسلامية وليس له فيما دون ذلك .

فالصلاة فرض عين والصوم فرض عين على كل مسلم كمسلم بدون وجود جماعة أصلا ولكن وجود الجماعة لعمل جماعي هو إيجاد الدولة الاسلامية فالحزب يدعو جميع المسلمين للصلاة وللصوم ويصحح لهم مفاهيم الصلاة والصوم ومن ضمن المسلمين أبناء هذا الحزب ولا يقبل الحزب في صفوفه من لا يصلي ولا يصوم لأنه يكون مقصرا وآثما ومعيقا للدعوة.

وهكذا جهاد الدفع فإن التكتل الحزبي كحزب لا يقوم بالتسليح وعمل العمليات في المناطق المحتلة ولكن شباب الحزب كجزء من المسلمين يقومون بهذا لآنه فرض ولا يقوم الحزب بذلك لأنه ليس من عمله ذلك والاية الكريمة حددت عمل الحزب المطلوب

" ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون "(1)، والخير كما قال النبي (ص) " الخير هو اتباع القرآن وسنتي " (2)كل القرآن وكل السنة .

فتكتل النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يقم في مكة بعمل جمعيات خيرية مع أن الصحابة بمفردهم كانوا يقومون بذلك ولم يقم بقتال أهل مكة ومنع ذلك على الكتلة وليس على من يدافع عن نفسه ولم ينبرى لرد التشويهات والتهم ولم يجعل حصاره في شعب أبي طالب قضيته ولم يغير ولم يبدل وظل عمل الكتلة واحداً وهو حمل الدعوة الاسلامية حملا سياسيا مبدأيا من خلال التثقيف والكفاح السياسي والصراع الفكري وطلب النصر واستلام الحكم.

فعمل التكتل الحزبي العامل للخلافة هو عمل واحد وليس أكثر من عمل واحد.

وقد يسأل سائل:

**هناك اشكالية بحاجة الى حل وهي ان عمل الحزب هو استئناف الحياة الاسلامية باقامة الخلافة الاسلامية … وهو عمل وحيد … صحيح

ولكن في وضع بلد محتل كالعراق وفلسطين كيف يكون العمل هل سيبقى عمل الحزب هو التثقيف والكفاح الفكري والسياسي وطلب النصرة ؟؟؟؟؟؟؟؟

وهل تصلح بلد مثل فلسطين أو العراق الان لان يعمل فيها بالمراحل الثلاث وكيف سيكون طلب النصرة ، ؟؟؟؟

حقيقة هذه اسئلة اسألها باخلاص وارجو ان لا تعتبرها من أي باب آخر ، بل وآمل ان لم يكن لديك الجواب اليقيني أن تتمهل لأن التفكير يحتاج الى معلومات سابقة وادراك للواقع بل ما نريده هو باستنارة**

نعلم أن الاصل بأفعال المسلم التقيد بالحكم الشرعي ، وفي مسألة مثل هذه المسألة نعرضها أيضا على الحكم الشرعي

((إذا تعارض فرض إقامة الخــلافـة المضيق مع جهاد الطلب الموسع قدم فرض إقامة الخــلافـة لأنه مضيق، ولأن الصحابة اشتغلوا بتنصيب أبي بكر قبل إنفاذ بعث أسامة، لأن التنصيب فرض مضيق والإنفاذ فرض موسع، ولذلك يقدم فرض إقامة الخــلافـة على جهاد الطلب.

أما إذا تعارض فرض إقامة الخــلافـة المضيق مع قتال الدفع المضيق نظر فإن لم يكن هناك التحام وأمكن القيام بالفرضين لم يقدم أحدهما على الآخر أما فـي الملتحم فإن القتال يقدم على العمل لإقامة الخــلافـة، وذلك لأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قدمه على صلاة الوسطى عندما حبسه المشركون فـي غزوة الأحزاب عنها كما فـي حديث علي المتفق عليه قال: لما كان يوم الأحزاب قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : “ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً كما حبسونا وشغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس” فالقتال حبس المسلمين عن الصلاة فـي غزوة الأحزاب، وبعد ذلك شرعت صلاة الخوف، وفيها انشغال عن استقبال القبلة والقيام والركوع والسجود وكلها فروض، فاعتبر القتال حابساً وشاغلاً عن فرض الصلاة، أو عن بعض فروضها. كما أن القتال يحبس عند الالتحام عن طاعة كل من له طاعة واجبة كالأمير والوالدين والزوج والسيد المالك، فيجب على كل من يطيق القتال أن يخرج دون إذن من له عليه طاعة واجبة. وكذلك يحبس عن الغسل الواجب كما حصل مع حنظلة الغسيل رضي الله عنه وقصته صححها ابن حبان والحاكم. فإذا دهم العدو بلداً فإنه يحبسهم عن كل فرض، ويجب عليهم الاشتغال بدفعه لحفظ الأنفس والأموال والأعراض، وحفظ بيضة الدين. )) مجلة الوعي العدد 195 الموضوع مفهوم مضلل

( والله أعلم أن الاصح أن يقال تزاحم الفروض وليس تعارض الفروض وان صح ذلك فيكون القصد التعارض أثناء العمل )

بالنسبة للفرع الثاني فإن بلدا مثل فلسطين ليس محلا لطلب النصرة ولا لاقامة الخلافة الان فأهلها في حكم الاسرى والارض محتلة بالكامل . ولكن فلسطين هي جزء من بلاد المسلمين وأهلها مسلمون وهي ستكون عقر دار الخلافة القادمة وأهلها يعانون من الضعف الفكري الذي تعاني منه الامة ومن المؤامرات التي تحاك ضد باقي الامة ويحتاجون لبث الامل فيهم بأن يصبروا على جهادهم ولا ينظروا إلى خذلان العالم لهم من دول عربية وغير عربية وأن يكون عملهم مشحون بأن هناك خلافة قادمة ستأتي لتسحق اليهود وإلى ذلك الحين سيستمرون في الجهاد بأمل في الخلافة لا بيئس من الدول المحيطة والاهم من ذلك أن أهل فلسطين يندرجون تحت خطاب " يا أيها الذين آمنوا " ولا يوجد تخصيص لهم فمن الفرض عليهم أيضا التكتل والصراع الفكري في المجتمع ويقتصر عملهم على الصراع الفكري وهو ليس عمل سهل ولا على الهامش وإنما هو لب العمل أما طلب النصرة فلا يمارسونه لوجود المانع وعلى كل فليس كل بلاد المسلمين أهلا لطلب النصرة ولكنها كلها أهلا لحمل الدعوة فيها لآن الموضوع هو الامة اولا ثم طلب النصرة ثانيا (باختصار وان اردت الاستزادة نزيد )

فجهاد الدفع فرض عين يقوم به أفراد التكتل الحزبي كباقي المسلمين وليس كحزب بكليته مع مراعاة التزاحم والاولوية حسب ما أسلفنا


(1) آل عمران : 104

(2) رواه ابن مردويه بسنده - عن أبي جعفر الباقر

محاسبة الحكام فرض وتركها حرام على المسلمين

لقد فرض الله سبحانه وتعالى على المسلمين محاسبة الحكام على اعمالهم وعلى تصرفاتهم، وامرهم امرا جازما بالتغيير عليهم، اذا هضموا حقوق الرعية او قصروا بواجباتهم نحوها، او اهملوا شأنا من شؤونها،او خالفوا احكام الاسلام، او حكموا بغير ما انزل الله، وهذا كله بين جلي في الايات الكريمة والاحاديث الشريفة، وفي واقع حياة المسلمين على مر العصور .

قال تعالى ﴿ كنتم خير امه اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾وقال ﴿ ولتكن منكم امه يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ﴾ ، فوجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر دليل على وجوب محاسبة الحكام لان الامر به عام يشمل الامه جميعا ومنها الحكام .

فالله سبحانه قد طلب في هذه الايات وكثير غيرها الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقرن الطلب بقرينه تدل على الجزم، الا وهي الثناء على الامرين بالمعروف والناهين عن المنكر و‎بقوله ﴿ كنتم خيرا مه اخرجت للناس ﴾ وقوله ﴿ واولئك هم المفلحون ﴾.

والاحاديث الشريفة التي حث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال « ستكون امراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن انكر سلم، ولكن من رضى وتابع » ، فقد امر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الانكار على الحكام، واوجب هذا الانكار باى اسلوب من اساليب التعنيف والتبكيت، والحدة في القول والاغلاظ فيه . ولقداعتبر رسوله الله من لم ينكر على الحكام شريكا لهم في الاثم اذ قال : فمن رضى اى بما عملوه من المنكرات وتابع اى تابعهم على عملهم هذا ولم ينكر عليهم فلا يبرأ ولايسلم من الاثم، وجعل المسلمين الذين لا يحاسبون الحكام شركاء لهم في الاثم قرينة على وجوب محاسبة الحكام والتشديد عليهم وعدم التفريط بها .

اما واقع حياة المسلمين في مختلف عصورهم فمروية وثابته ومعروفة وكثيرة كثرة لا تكاد تحصى .

فقد ثبت ان المسلمين قد اعترضوا على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بوصفه رئيسا للدولة لا بوصفه رسولا .

في مواطن كثيرة :

ففي الخندق رفض سعد بن معاذ وسعد بن عبادة موافقة الرسول عليه السلام على اعطاء غطفان ثلث ثمار المدينة، وقال له سعد بن معاذ، "والله لا نعطيهم الا السيف "، فقال عليه السلام " انت وذاك " وعمل برأيهما .

وفي الحديبية اعترض عمر رضى الله عنه وكثير من المسلمين على رسول الله على موافقته على الصلح، وقال " علام نعطي الدنية في ديننا?" .

كما حاسب المسلمون الخفاء الراشدين وخلفاء بني امية وخلفاء بني العباس . فهذا عمر يمنع ابا بكر من بيع الثياب حتى يتفرغ لرعاية شؤون الناس .

‎وهذا بلال يحاسب عمر على ارض السواد حتى يقول عمر " اللهم اكفني بلالا وصحبه " .

وتأتي الوفود من الامصار لمحاسبة عثمان رضى الله عنه .

ويحاسب العبادلة الاربعة معاوية حسابا شديدا على اخذه البيعة ليزيد .

ويحاسب سفيان الثورى المنصور بقوله " اتق الله فقد ملات الارض ظلما وجورا " فيطأطىء " المنصور رأسه .

ويحاسب احمد بن حنبل المأمون على قوله بخلق القران .

فيا ايها المسلمون : هذه نماذج من محاسبة المسلمين الاوائل لحكامهم المسلمين، بمن فيهم رسول الله عليه السلام، الذى رعوا الرعية حق رعايتها، واوصلوا الدولة الاسلامية قمة المجد، فما بالكم تسكتون عن حكام يحكمونكم بالكفر، واذاقوكم الوان الذل والهوان ?

وما دريتم ان محاسبة الحكم فيها صلاح الرعية وخيرها، وفي تركها ضياع الرعية وظلمها، وتسلط الحكام عليها، واستبدادهم بها واستعبادهم لها كما هي حالكم في هذه الايام، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا قال « والذى نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر او ليوشكن الله ان يبعث عليكم عقابا من عنده ثم لتدعنه فلا يستجاب لكم » .

فالى محاسبة الحكام ندعوكم ايها المسلمون، ولا تبالوا بماقد يصيبكم في ذلك، ما دام الله قد جعل ثوابكم خيرا من ثواب الشهداء بقوله صلى الله عليه وسلم « سيد الشهداء حمزة ورجل قام الى امام جائر فنصحة فقتله » .

منقول

متى يشرع الخروج بالسلاح في وجه الحاكم

الحالتان اللتان يجب على المسلمين فيهما الخروج على الحاكم بالسلاح:

روى مسلم في كتاب الإمارة واللفظ له وأحمد والدارمي: « سَمِعْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيَّ يَقُولُا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمْ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ قَالُوا قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ لَا مَا أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلَاةَ لَا مَا أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلَاةَ أَلَا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ » وفي رواية الإمام أحمد لفظ: قَالَ « لَا مَا صَلَّوْا لَكُمْ الْخَمْسَ »،، ولفظ: « ما أقاموا لكم الصلاة ». في باقي مسند الأنصار.

وإقامة الصلاة كناية عن إقامة الدين والحكم به.

وقد بينا أنه أمر بعدم طاعة من لم يطع الله عز وجل فيكون أمره هنا محصورا بطاعة من حكم بالاسلام ولكنه قصر أو عصى في بعض الجوانب ما لم يظهر الكفر البواح.

وروى مسلم في كتاب الإمارة « ‏عَنْ ‏ ‏أُمِّ سَلَمَةَ ‏ ‏أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ ‏ ‏"سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ ‏ ‏عَرَفَ ‏ ‏بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ قَالُوا أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ قَالَ لَا مَا صَلَّوْا »

وشرحه النووي رحمه الله: ‏وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « فَمَنْ عَرَفَ فَقَدْ بَرِئَ » وَفِي الرِّوَايَة الَّتِي بَعْدهَا : « فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ »فَأَمَّا رِوَايَة مَنْ رَوَى « فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ »فَظَاهِرَة ،وَمَعْنَاهُ : مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ الْمُنْكَر فَقَدْ بَرِئَ مِنْ إِثْمه وَعُقُوبَته ، وَهَذَا فِي حَقّ مَنْ لَا يَسْتَطِيع إِنْكَاره بِيَدِهِ لَا لِسَانه فَلْيَكْرَهْهُ بِقَلْبِهِ ، وَلْيَبْرَأْ . ‏‏وَأَمَّا مَنْ رَوَى « فَمَنْ عَرَفَ فَقَدْ بَرِئَ »فَمَعْنَاهُ - وَاَللَّه أَعْلَم - فَمَنْ عَرَفَ الْمُنْكَر وَلَمْ يَشْتَبِه عَلَيْهِ ; فَقَدْ صَارَتْ لَهُ طَرِيق إِلَى الْبَرَاءَة مِنْ إِثْمه وَعُقُوبَته بِأَنْ يُغَيِّرهُ بِيَدَيْهِ أَوْ بِلِسَانِهِ ، فَإِنْ عَجَزَ فَلْيَكْرَهْهُ بِقَلْبِهِ ‏‏وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ »مَعْنَاهُ : لَكِنَّ الْإِثْم وَالْعُقُوبَة عَلَى مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ . ‏‏وَفِيهِ : دَلِيل عَلَى أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ إِزَالَة الْمُنْكَر لَا يَأْثَم بِمُجَرَّدِ السُّكُوت . بَلْ إِنَّمَا يَأْثَم بِالرِّضَى بِهِ ، أَوْ بِأَلَّا يَكْرَههُ بِقَلْبِهِ أَوْ بِالْمُتَابَعَةِ عَلَيْهِ . ‏

‏وَأَمَّا قَوْله : « أَفَلَا نُقَاتِلهُمْ ؟ قَالَ : لَا ، مَا صَلَّوْا »فَفِيهِ مَعْنَى مَا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَجُوز الْخُرُوج عَلَى الْخُلَفَاء بِمُجَرَّدِ الظُّلْم أَوْ الْفِسْق مَا لَمْ يُغَيِّرُوا شَيْئًا مِنْ قَوَاعِد الْإِسْلَام. إ.هـ.

وروى مسلم في كتاب الإمارة: « عَنْ عَرْفَجَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ » .

رفع السلاح في وجه الحاكم،‎والاطاحة به بالقوة،‎فهذه طريقة مطلوبة فقط من المسلمين المكلفين الذين يكونون موجودين في دار الاسلام حين يقوم شخص لاغتصاب الحكم او حين يظهر الحاكم الكفر الصراح، لان نص الحديث « الا ان تروا كفرا بواحا » وهذا يعني انهم لم يكونوا يرون الكفر البواح من قبل، وفي الحديث « ‎ما اقاموا فيكم الصلاة »والصلاة هنا كناية عن تطبيق احكام الاسلام،‎ وهذا يعني انهم موجودون في دار اسلام، ومفهوم الحديث يدل على انه لا يجوز الخروج عليهم وحمل السلاح في وجوههم ما داموا مطبقين احكام الاسلام عليكم .

فغاصب السلطة في دار الاسلام من صاحبها ومظهر الكفر البواح من الحكام في دار الاسلام هما النوعان من الحكام الذين يجب على المسلمين في دار الاسلام ان يحملوا السلاح في وجهيهما، وهذا ما كان يجب ان يقوم به المسلمون تجاه المجرم مصطفي كمال عندما اغتصب الحكم من الخليفة، واظهر الكفر البواح في تركيا، لان الاحاديث صريحة في ذلك قال عليه الســـلام « وان جاء اخر ينازعه فاضربوا عنق الاخر » وقال « على اليد ما اخذت حتى تؤديه ».

قال عبد الله بن عمر فقاموا يتشاورون فدعاني عثمان مرة أو مرتين ليدخلني في الأمر ولا والله ما أحب أني كنت فيه عالما أنه سيكون في أمرهم ما قال أبي والله لقل ما رأيته يحرك شفتيه قط إلا كان حقا فلما أكثر عثمان علي قلت له ألا تعقلون أتؤمرون وأمير المؤمنين حي فوالله لكأنما أيقظت عمر من مرقد فقال عمر أمهلوا فإن حدث بي حدث فليصل لكم صهيب ثلاث ليال ثم اجمعوا أمركم فمن تأمر منكم على غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه.

منقول

**التفريق بحق الطاعة بين أصناف الحكام **

منذ أن احتل الكافر المستعمر بلاد المسلمين في الحملة الصليبية الثانية بمعاونه من حسين في مكة ومصطفى كمال في انقرة، وقبل ذلك بقليل، صار معظم العلماء الخريجين يحملون الاسلام ويفهمونه كما اراده المستشرقون، لا للتطبيق وانما لمجرد العلم والتكسب به، وفقدوا القدرة على الاجتهاد والقدرة على تطبيق الاحكام على الوقائع المستجدة والحوادث الجارية، ويتجلى جهلهم في القضايا العملية من معاملات ونظم حكم واقتصاد واجتماع، وعقوبات وعلاقات دولية وسياسات عامة، وبدلا من ان يفهموا حكم طاعة الحاكم فهما صحيحا ويطبقوه على الواقع تطبيقا سليما طبقوه على الواقع تطبيقا خاطئا، فاوجبوا طاعة الحكام الحاليين مساوين في حكم الطاعة بين الخليفة او الامام وبين الحاكم الكافر والحاكم الذى لا يحكم بالاسلام دون ان يلتفتوا الى بديهية ان الخليفة غير الحاكم الكافر والحاكم الذى لا يحكم بما انزل الله،

كما أنهم لم يفرقوا بين التعامل مع الخليفة إن أظهر الكفر البواح وبين الحاكم بالكفر ابتداء في دار الكفر وكيف يصير التعامل معه في هذه الحالة، فكان من الأمور التي شهدت تخبطا كبيرا لكثير من ابناء المسلمين هو التعامل مع هذه المسألة، أي أن التفريق بين واقع دار الكفر ودار الاسلام وبالتالي التعامل مع كل حالة بحسب أحكامها وأن المسلمين لم يلتفتوا إلى الاختلاف في واقع الحاكم الذي يحكم بالكفر ابتداء في دار كفر وبين الخليفة إن أظهر الكفر البواح،لذلك رأينا من طلع علينا بالخروج على الحكام الذين لا يحكمون بالاسلام ابتداء بالسيف وهم يقيسون حالهم على حال الحكام الذين غيروا، وعلى كل لن أتعجل الوصول لهذه النقطة.

وحاشا لرسول الله صلى عليه وسلم ان يامر المسلمين بطاعة اعدائهم من الحكام الكافرين والذين يحكمون بغير ما انزل الله، لان طاعة هؤلاء هي طاعة لنظامهم الكافر واحكامه الكافرة، واعراض وتخل عن نظام الاسلام واحكام الاسلام، والواجب تجاه هؤلاء الحكام هو نبذهم كنبذ النجاسات، والبراءة منهم كالبراءة من الشيطان، عن كعب بن عجرة قال : « خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن تسعة فقال ( انه ستكون بعدى امراء من صدقهم بكذبهم واعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه وليس بوارد على الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وانا منه وهو وارد على الحوض » . رواه النسائي والترمذى . وعن ام الحصين انها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقــــول « ان امر عليكم عبد حبشي مجدع فاسمعوا له واطيعوا ما قادكم بكتاب الله » . رواه ابن ماجة .

وفي رواية للترمذى « ما اقام لكم كتاب الله »وفي رواية لمسلم « يقودكم بكتاب الله » . وهذا العمل بكتاب الله قيد وشرط لوجوب طاعة الحاكم، وهو منتف كلية عن الحكام الحاليين دون شك .

ان المسلمن في هذا العصر قد اوقعوا ضحايا الحكام الكافرين والعلماء المنافقين والجاهلين، وما ذلك الا لغياب الراعي المسؤول عن الاسلام والمسلمين .

ان كلّ مسلم مخلص يعمل لايجاد هذا الراعي المسؤول ليهيب بالمسلمين جميعاً وبكل مواقعهم ان يرفضوا طاعة الحكام الذين يحكموا بالديموقراطية وغيرها من أنظمة الكفر، وان يتبرأوا منهم، وان يتخذوهم اعداء تجب محاربتهم وخلعهم، ويحذرهم من موالاتهم وحمايتهم والسكوت عنهم، ﴿ يا ايها الذين امنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم اولياء تلقون اليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق ﴾ (1). ويهيب بالمسلمين ان يتعاملوا مع علماء السلاطين بما يستحقونه من المقت والتحقير، ومع العلماء الجهلة بالشك والحذر، وان يتكاتفوا جميعا مع العاملين المخصلين لاعادة الخلافة الراشدة، وليعلموا ان الله العليم القدير قد وعد المسلمين بالتمكين في الارض والظهور على الدين كله ولو كره المشركون _______________________

(1)- ألممتحنه : 1

منقول بتصرف

طاعة رئيس الدولة

لقد حض الاسلام كثيرا على السمع والطاعة لرئيس الدولة، وجعل ذلك واجبا عينيا على كل افراد الرعية مسلمين وذميين، واعتبر طاعة رئيس الدولة طاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ثم طاعة لله عز وجل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من اطاعني فقد اطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن اطاع اميرى فقد اطاعني، ومن عصى اميرى فقد عصاني »رواه مسلم والبخارى والنسائي .

روى مسلم: « عَنْ نَافِعٍ قَالَ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ حِينَ كَانَ مِنْ أَمْرِ الْحَرَّةِ مَا كَانَ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ اطْرَحُوا لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وِسَادَةً فَقَالَ إِنِّي لَمْ آتِكَ لِأَجْلِسَ أَتَيْتُكَ لِأُحَدِّثَكَ حَدِيثًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً » باب الإمارة.

وروى مسلم في كتاب الإمارة والبخاري وأحمد والنسائي وأبو داود: « عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَلَ كَانَ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرٌ وَإِنْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِ كَانَ عَلَيْهِ »

وروى البخاري في كتاب أحاديث الانبياء واللفظ له ومسلم وأحمد وابن ماجه « حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّازِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ قَالَ قَاعَدْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ خَمْسَ سِنِينَ فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ »

وروى الإمام البخاري في كتاب الفتن واللفظ له ومسلم في كتاب الإمارة وأحمد في مسند بني هاشم:« عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنْ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً »

وقد روى مسلم في كتاب الإمارة واللفظ له والنسائي وأبو داود وابن ماجة وأحمد: « ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ ‏ … وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ إِنْ اسْتَطَاعَ فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ »‏‏

فالأمر بطاعة الإمام أمر بإقامته، والأمر بقتال من ينازعه قرينة على الجزم في دوام إيجاده خليفة واحدا.

‏ وقد روى مسلم في كتاب الإمارة « عَنْ ‏ ‏يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ ‏ ‏قَالَ سَمِعْتُ ‏ ‏جَدَّتِي ‏ ‏تُحَدِّثُ ‏‏أَنَّهَا سَمِعَتْ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏يَخْطُبُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ يَقُولُ ‏ "‏وَلَوْ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا ».

لاحظ اشتراط أن يقود بكتاب الله لتجب الطاعة!!

‏ وقد روى مسلم في كتاب الإمارة عَنْ ‏ ‏نَافِعٍ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ابْنِ عُمَرَ ‏ ‏عَنْ النَّبِيِّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏أَنَّهُ قَالَ ‏ « عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ »

روى الإمام أحمد في مسند المكثرين من الصحابة « عن ابن مسعود رضي الله عنه ‏أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏قَالَ كَيْفَ بِكَ يَا ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ ‏ ‏إِذَا كَانَ عَلَيْكُمْ ‏أُمَرَاءُ يُضَيِّعُونَ السُّنَّةَ وَيُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ مِيقَاتِهَا قَالَ كَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تَسْأَلُنِي ‏ ‏ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ ‏ ‏كَيْفَ تَفْعَلُ ‏ ‏لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ».

فالرسول عليه السلام يتعجب من مجرد السؤال عن طاعة من يضيع السنة ويؤخر الصلاة فكيف بطاعة من لا يحكم بالكتاب والسنة؟؟؟

وفي مسند أحمد باقي مسند المكثرين: « ‏قَالَ ‏ ‏عَمْرُو بْنُ زُنَيْبٍ الْعَنْبَرِيُّ ‏ ‏إِنَّ ‏ ‏أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ‏ ‏حَدَّثَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏مُعَاذًا ‏ ‏قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَيْنَا‏ أُمَرَاءُ لَا ‏ ‏يَسْتَنُّونَ ‏ ‏بِسُنَّتِكَ وَلَا يَأْخُذُونَ بِأَمْرِكَ فَمَا تَأْمُرُ فِي أَمْرِهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏لَا ‏ طَاعَةَ لِمَنْ لَمْ يُطِعْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ »

وحرم الشرع الامتناع عن طاعة رئيس الدولة واعتبره جريمه وسماه مفارقة للجماعة، وامر رئيس الدولة بانزال العقاب على الخارجين ان كانوا افرادا، وبقتالهم ان كانوا جماعات، ولكن الشرع قد استثنى ثلاث حالات من وجوب طاعة رئيس الدولة، وهذه الحلات الثلاث هي :

ألحالة الأولى : اذا امر رئيس الدولة بامر مخالف للحكم الشرعي، اى امر بمعصية لله سبحانه، كأن امر بتاميم اموال الناس الخاصة، او امر جيشه بمنع المسلحين من الوصول الى فلسطين المحتلة لقتال اليهود، او امر بالانتساب الى الامم المتحده او جامعة الدول العربية او انشأ جهاز مخابرات للتجسس على افراد الرعية واذلالهم، ففي هذه الحالة لا تجب طاعته في هذه الامور بل تحرم لقوله صلى الله عليه وسلم « على المرء المسلم السمع والطاعة فيما احب وكره الا ان يؤمر بمعصية، فان امر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ». رواه مسلم والبخارى .

ألحالة ألثانية : اذا تدخل رئيس الدولة فيما اباحه الله سبحانه للناس يفعلونه كما يشاءون، ولم يكن هذا المباح مما طلب الشرع منه التدخل فيه او تنظيمه، كأن الزم الناس ببناء بيوتهم حسب طراز معمارى خاص بقصد تجميل المدن، او اجبر المزارعين على تسويق محاصيلهم عن طريق مؤسسة التسويق الزراعي، او حظر على التجار استيراد مواد معينه بقصد حماية المصنوعات المحلية، ففي هذه الحالة لا تجب طاعته، ولكنها لا تحرم فقد ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يفعلون هذه الامور وامثالها من المباحات دون ان يتدخل فيها او ينظمها .

وهاتان الحالتان هما اللتان يتصور حصولهما في دولة الاسلام، اما الحالة الثالثة:

الحالة الثالثة: وهي الحالة التي اغفلها معظم العلماء المعاصرين: فهي اذا كان رئيس الدولة لا يطبق احكام الاسلام، اى اذا لم يكن خليفة او اماما للمسلمين، كجميع رؤساء الدول في بلاد المسلمين الان، ففي هذه الحالة لا تجب طاعته مطلقا في اى امر من اوامره او قانون من قوانينه او تشريع من تشريعاته، تحرم طاعته اذا كان الامر منه مخالفا للحكم الشرعي، فلو امر رئيس الدولة بفرض ضريبة على المساكن والشركات، او انشأ صندوقا لجمع الزكاه وتوزيعها، او وضع جمارك على واردات الدولة، او الزم الطلاب بتعلم لغة اجنبية، او فرض على الشباب التجنيد الاجبارى، فلا تجب طاعته في شيء من ذلك مطلقا وتحرم طاعته طبعا ان هو امر الناس بمعصية كأن اباح الارتداد عن الاسلام تحت ستار حرية الاعتقاد، او اعطى ترخيصا للاحزاب الشيوعية او القومية، او شجع الحركة الماسونية بان انتسب اليها ومكنها من التغلغل في دوائر الدولة واوساط الناس، او حارب الدعوة الاسلامية المخلصة الواعية، او اخذ من العسكريين القسم على الاخلاص للدستور، والدليل على ذلك « ما روى معاذ قال : يا رسول الله ارايت ان كان علينا امراء لايستنون بسنتك ولا ياخذون بامرك فما تامر في امرهم ? فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا طاعة لمن لم يطع الله عز وجل » . رواه احمد .

وما روى عبدالله بن مسعود ان النبي صلى الله عليه وسمل قال « سيلي اموركم بعدى رجال يطفئون السنة ويعملون بالبدعة ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها . فقلت يا رسول الله : ان ادركتهم كيف افعل ? قال ( تسألني يا ابن ام عبد كيف تفعل ? لا طاعة لمن عصى الله » . رواه ابن ماجه واحمد .

ومعلوم ان جميع رؤساء الدول في العالم الاسلامي كله يعصون الله ولا يطيعونه لكونهم يحكمون باحكام الكفر ولا يطبقون احكام الاسلام، فهؤلاء الرؤساء كلهم لا طاعة لهم قطعا .

ونعيد ما سبق بعبارات اخرى للتوضيخ فنقول : ان رئيس الدولة اما ان يكون خليفة واما ان لا يكون، فان كان خليفة وجبت طاعته في كل اوامره الا في الحالتين الاوليين فحسب، فتحرم علينا طاعته في اى امر مخالف للشرع اى في اى معصية، ولا تجب طاعته في قسم المباحات الفردية لافراد الرعية التي تركها الشرع لهم يفعلونها بمحض اختيارهم، دون قسم المباحات الاخرى العامة التي يشترك فيها الناس وطلب منه الشرع ان يتدخل فيها او ينظمها كسقي الفلاحين من مياه الانهار، وتنظيم حركة السير في الشوارع، وتحديد الموازين والمكاييل، وكيفية اختيار الموظفين، وسائر اللوائح الادارية العامة في الدولة .

واما ان كان رئيس الدولة غير خليفة كأن كان ملكا، او رئيس جمهورية، او رئيس مجلس قيادة الثورة، فلا تجب طاعته في اى امر من اوامره دون استثناء، وتحرم طاعته طبعا ان هو امر بمعصية، اى بمخالفة لاى حكم شرعي .

وفي هذا العصر ومنذ عام 1923، اى منذ سقوط الخلافة الاسلامية على يد الانجليز بمعاونه حسين امير مكة ومصطفى كمال في تركيا، والمسلمون يعيشون في الحالة الثالثة، وهذه الحال هي التي ينبغي ان يوجه اليها الاهتمام

منقول

هل الجهاد هو الطريقة الشرعية لإقامة الخلافة ؟

في كثير من النقاشات تثار مسألة الخروج على الحكام وما يتعلق بها من أحكام، ولقد بحثنا هذه المسألة بشيء من التفصيل في موضوع سابق طرحه الأخ الوهابي حول دار الكفر ودار الاسلام وواقع الأعمال في كل منهما،لكن ما لم يتم نقاشه وأحببت أن أقدمه بين يديكم لنناقشه هو هذا السؤال الكبير:

هل الجهاد هو الطريقة الشرعية لإقامة الخلافة ؟

وهنا لا بد من ملاحظة أل التعريف،ثم مرحلة متقدمة على هذا السؤال هو تساؤل:

-هل الجهاد طريقة شرعية لإقامة الخلافة؟

-هل من المشروع للحركات الاسلامية أن تكون حركات مسلحة تستعمل السيف وأدوات الحرب وسيلة لتسلم السلطة؟؟

لاحظوا ابتداء أننا لا نعني الجهاد الدفعي للدفاع عن بلاد المسلمين ضد احتلال يهود أو الصرب أو الروس أو الأمريكان.

ليس هذا بحثنا فهو مفروغ منه أن الجهاد في هذه الحالة فرض عين على المسلمين حتى تتحقق الكفاية التي بها يقضي المسلمون على أعدائهم ويحرروا بلاد المسلمين من ربقة الخضوع لسلطان الكافر.لكن بحثنا بدقة هو استعمال القتال والجهاد والمنابذة بالسلاح للحاكم للوصول للحكم لاستبدال أنظمة الكفر بالنظام الاسلامي

وبحثنا هو أيضا .:

-هل يشرع للحركات الاسلامية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقوة كحركات لا كأفراد؟؟؟

-وبالتالي أن يوجد في الأمة حركات مسلحة لتغيير المنكرات ومنها منكر الحكم بغير ما أنزل الله تعالى؟؟ وهو أشد المنكرات وأم الجرائم المرتكبة في حق هذه الأمة!!

هذا هو السؤال حتى لا يتوهمن أحد أننا نعني به جهاد الدفع،لكننا نعني به بالتحديد تغيير أنظمة الحكم، وتغيير المجتمعات إلى مجتمعات إسلامية،وتغيير الدار التي يعيش بها المسلمون إلى دار إسلام عن طريق السيف والجهاد،وهل هو بالفعل في هذه الحالة جهاد؟؟

هذه التساؤلات أطرحها على مائدة النقاش وهي آرائي الشخصية التي قد أصيب بها وقد أخطئ،ولهذا أصلا كان النقاش والحوارات والجدل والمنتديات

وقد قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (1)

فقد أمرنا برد التنازع في أي أمر إلى الله والرسول صلى الله عليه وسلم،وهذا هو عمدة بحثنا،،وكلنا عرضة للصواب والخطأ، ولعل وجود أكثر من رأي يعين على الوصول للصواب والله الموفق.

بداية لا بد من بيان ما نعينيه بقولنا (الطريقة) وما هو الفرق بين الفكرة والطريقة!!

الطريقة هي الاحكام الشرعية التي تبين كيفية تنفيذ العقيدة وكيفية تنفيذ الاحكام الشرعية،فالله تعالى امر بالايمان بالله وحده لا شريك له، وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ونهى عن الارتداد عن الاسلام، وامر بحمل الدعوة الاسلاميه الى العالم .

فالاحكام التي تبين كيفية تنفيذ هذه الاوامر والنواهي من الطريقة مثل احكام المرتد واحكام الجهاد واحكام مشركي العرب وغير العرب . . . الخ .

والله تعالى امر بالعفة ونهى عن الزنا وامر بحفظ الملكية الفردية، ونهي عن السرقة وامر بالمحافظة على النفس ونهى عن قتلها، فالاحكام التي تبين كيفية تنفيذ هذه الاوامر والنواهي من الطريقة ،مثل حد الزنا وحد السرقة وقتل القاتل الخ . . .،

والله تعالى امر باقامة خليفة ونهى عن ان يقعد المسلمون عن اقامة خليفة اكثر من ثلاثة ايام، وامر باقامة قضاة يفصلون الخصومات، وامر برعاية الشؤون للمسلمين ولمن يحملون التابعية للدولة في الداخل وفي الخارج ونهى عن المظالم ونهى عن الغش في البيع ونهى عن الاحتكار ونهى عن الظلم،

فالاحكام التي تبين كيفية تنفيذ هذه الاوامر والنواهي من الطريقة مثل احكام البيعة واحكام القضاء واحكام بيت المال واحكام المظالم واحكام الحسبة الخ . . .، والله تعالى امر باطعام الفقراء والمساكين ونهى عن ان يبيت احد جائعا، فالاحكام التي تبين كيفية اعطاء هؤلاء الفقراء المال ومنع ان يبيت احد جائعا من الطريقة،، مثل احكام النفقات واحكام الزكاه واحكام ما يستحق على بيت المال الخ . . .‎، وهكذا كل حكم يبين كيفية تنفيذ امر من اوامر الله او نهى من نواهيه هو من الطريقه .

فالطريقة احكام شرعية ولذلك لا يقال ما هو الدليل على الطلب الجازم من الشارع على وجوب التقيد بالطريقة، فان الدليل عليها هو الدليل الذى يدل على وجوب التقيد بالاحكام الشرعية لان الطريقة احكام شرعية تبين كيفية تنفيذ اوامر الله ونواهية، والدليل على وجوب التقيد بالاحكام الشرعية معروف من مثل قوله تعالى ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ﴾ وقوله تعالى ﴿ وما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ الى غير ذلك من الادلة المعروفه .

والله تعالى لم ينزل احكاما شرعية لمعالجة المشاكل وترك للانسان ان ينفذ هذه الاحكام بما يراه، فلم يقل له لا تسرق، لا تزن، لا تأكل مال غيرك، لا تشرب الخمر . . . الخ وتركه هكذا ينفذها بل قال له لا تسرق ووضع احكاما تبين كيفية تنفيذ هذا النهي وهي احكام السرقة، والنهب والسلب والغصب الخ . . . وقال له لا تزن ووضع احكاما تبين كيفية تنفيذ هذا النهي وهي احكام الجلد والرجم واحكام التعزير .

فالله تعالى بين جميع الاحكام اللازمة للانسان في الحياة وبين جميع الاحكام اللازمة لتنفيذ هذه الاحكام، ولم يترك للانسان ان يضع اى حكم لا لمعالجة المشاكل ولا لكيفية تنفيذ هذه المعالجات بل بينها جميعها، ومن هنا كان الاسلام فكرة وطريقة فالفكرة هي العقيدة والاحكام التي تبين معالجة مشاكل الحياة من مثل الايمان بصلاحية الاسلام والايمان بالكتاب والسنة والايمان بفساد الكفر . . . الخ، ومن مثل احكام البيع واحكام الزواج واحكام الاجارة واحكام الصلاة . . الخ، واما الطريقة فهي الاحكام التي تبين كيفية تنفيذ الفكرة اى كيفية تفيذ العقيدة وكيفية تنفيذ الاحكام الشرعية من مثل احكام الجهاد واحكام الغنائم واحكام الفيء واحكام المرتد . . .‎الخ، ومن مثل احكام العقوبات كالحدود والجنايات والتعزيز . . . الخ، ومن مثل احكام الامامه والقضاء، والحسبة . . . الخ ومن مثل احكام الدعوة ومحاسبة الحكام والامر بالمعروف والنهي عن المنكر . . . الخ، وعليه فان التقيد بالطريق فرض وعدم التقيد بها اثم فان لم يتقيد بها واخذ غيرها عن اعتقاد بعدم صلاحيتها فان عمله هذا كفر والعياذ بالله اى ان لم يتقيد باحكام الاسلام بوصفها طريقة للتنفيذ عن عدم اعتقاد بصلاحيتها كقطع يد السارق مثلا فانه يكفر، واما ان لم يتقيد بها عن كسل او تساهل او مجارة، او ما شاكل ذلك فان عمله هذا معصية، ومن هنا تأتي احكام الحكام والقضاه من حيث كونها معصية او كفرا، فان الحكم والقضاء من الطريقة فالقاضي الذى يقضي بحبس السارق ولا يقضي بقطع يده ينظر فان قضى بذلك غير معتقد بصحة حكم قطع يد السارق وصلاحيته فانه يكفر ويرتد عن الاسلام، وان قضي بذلك مجاراة ونزولا عند رغبه الحكام مع اعتقادة بصحة حكم القطع وصلاحيته فانه يكون عاصيا . وفي كلتا الحالتين يأثم، وكذلك الحكام فالتقيد بالطريقة اى بالاحكام التي تبين كيفية تنفيذ الاحكام بلغ من تشديد الله بشأنه ان قال"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك"وبلغ من خطورته ان من لم يعتقده يكفر والعياذ بالله .

هناك فرق بين الطريقة والاسلوب والوسيلة، اذ الطريقة تكون حسب وجهة النظر في الحياة وتختلف باختلافها ويلتزم بها ولا تتغير الا اذا تغيرت وجهة النظر . اما الوسيلة والاسلوب فان كلا منهما يكون حسبما يتطلب العمل ولا يختلف باختلاف وجهة النظر، ولا يلتزم بها بل تتغير فالجهاد في نظر الاسلام من الطريقة ولكن الادوات التي تستعمل مثل السيف والمدفع والقنبلة الذرية وكيفية استعمال هذه الادوات من مثل الخطط الحربية والفنون العسكرية وما شاكل ذلك فانه من الوسائل والاساليب، ومن هنا لا يصح اخذ الطريقة من غير الاسلام بل لا بد ان يلتزم بالطريقة التي جاء بها الاسلام بخلاف الوسائل والاساليب فانه يجوز اخذها انى وجدت الا ما جاء نهي صريح عنه .

  • شكل الدولة من الطريقة وليس من الاسلوب، لانه حكم شرعي وطريقة نصب الامير وعزله وخروجه من الامارة احكام شرعية وغير متروكة لاجتهاد الرأي .

(1)- ألنساء : 59

معنى تولي الخليفة لقيادة الجيش(2)
هذا من حيث دور الجهاز العسكري وآراؤه. أما من حيث اعتبار الخليفة للاعتبارات العسكرية فإنه لا يكفي أن يأخذها مجرد نصيحة فنية ليس غير ثم يجعل للاعتبارات العسكرية أثرا في تقريره السياسة الخارجية، بل لا بد أن تكون الاعتبارات العسكرية مجرد نصيحة في أخذها، ولا بد أن يحال بينها وبين أن يكون لها أي أثر في السياسة الخارجية. أي أنه لا يجوز أن تبنى السياسة الخارجية عليها أو أن تكون عاملا مؤثرا فيها، فإن من الخطورة أن تتحكم الاعتبارات العسكرية في السياسة الخارجية. بل يجب إبقاء الاعتبارات العسكرية في مؤخرة سياسة الدولة الخارجية، ويجب أن تظل التقديرات العسكرية من حيث كونها تقديرات عسكرية، سواء صدرت عن العسكرين أم عن غير العسكريين، في منأى عن التأثير على الخليفة حين رسم السياسة الخارجية.
إن الأمور العسكرية تأخذ شكلا مفصلا ملموسا. فأنت تستطيع أن ترى المدافع والسفن الحربية والطائرات والقواعد والقنابل النووية والصواريخ. وتستطيع أن تقتنع بسهولة ويسر في آثارها على النصر أو الهزيمة، على الفتح أو الانحسار، على التقدم أو التقهقر. فهي أشياء مادية يمكن أن تقاس أبعادها، ولها آثار مادية يمكن أن تلمس نتائجها. بخلاف القوى الروحية والقوى المعنوية، وبخلاف المناورات السياسية، وبخلاف الرأي العام المحلي أو الرأي العام العالمي، فإن هذه ليست أمورا مادية وليس من السهل إدراك آثارها ولمس نتائجها، لأنها أشياء غير ملموسة لا ترى ولا تحس مع أنها أعظم أهمية وأكثر حيوية في السياسة الخارجية، حتى في الحرب والفتح. ولذلك يجب أن تظل الاعتبارات العسكرية في مؤخرة السياسة الخارجية وأن تكون ثانوية فيها، وأن يظل اعتبار القوى الروحية أولا ثم القوى المعنوية هو المسيطر. وأن يكون للمناورات السياسية وللدهاء السياسي مكانة بارزة من الاعتبار، وأن يكون ذلك مجتمعا في قوة سياسية واحدة غير قابلة للتجزئة يتولاها الخليفة وحده. ومن هنا نستطيع أن ندرك معنى تولي الخليفة وحده قيادة الجيش الفعلية، وخطر جعلها له قيادة شكلية أو قائدا أعلى على حد بعض التعابير.
ولقد كان لجعل الاعتبارات العسكرية تسيطر على السياسة الخارجية عند بعض الخلفاء أثر فظيع أدى إلى وقف حمل الدعوة إلى العالم في العصر الثاني من عصر العباسيين وفي أواخر عصر العثمانيين. فقد وقفت الفتوحات الإسلامية في بلاد الروم عند حدود البلاد التركية من جهة بلاد الشام، وفي بلاد أوروبا الغربية رجعت عن فرنسا ووقفت عند حدود اسبانيا بالرغم من أن الطاقة الروحية كانت لا تزال قوية، وأن الأفكار الإسلامية أخذت دور العراقة والتركيز. ولكن حين كان العسكريون يعطون آراءهم في قوتهم وقوة العدو ويجعل لهذه الآراء الاعتبار الأول في دخول الحرب أو عدم دخولها، كان القرار الاقتصار على حملات الصوائف والشواتي لإبقاء الجهاد موجودا عملا بأحكام الشرع دون أن يتجاوز ذلك إلى أعمال سياسية أو إلى اعتبارات سياسية. وفي أيام العثمانيين وصلت الجيوش الإسلامية أسوار فيينا في النمسا بعد أن اكتسحت أوروبا من اليونان وبلغاريا ورومانيا والبانيا وبسطت سلطان الإسلام على تلك الربوع كلها. حتى كان الرأي العام في أوروبا أن الجيش الإسلامي لا يغلب. وحين سيطرت الاعتبارات العسكرية على السياسة الخارجية على إثر الانقلاب الصناعي الذي حدث في أوروبا في القرن الثامن عشر الميلادي، وقف المد الإسلامي وبدأ الجزر الذي أدى إلى التدمير الكامل لسلطان الإسلام.
هذا من حيث كون الجيش هو القوة التي تقوم بالجهاد. أما من حيث كونه هو القوة التي تقوم بحماية السلطان داخليا وخارجيا، فإن هذا يتعلق بالقوة المادية من حيث كونها هي حياة السلطان أي الحكم. فهي التي تحفظه وهي التي بإمكانها أن تهدمه وبإمكانها أن تقيمه وإن كانت إقامة مؤقتة. ولهذا فإن مقام الجيش والقوات المسلحة مكان ضخم في السلطان من حيث هو سلطان. وهذا يوحي بأن للجيش أثرا كبيرا في السلطان. ولكن الحقيقة إذا جاز أن يكون للاعتبارات العسكرية وجود في السياسة الخارجية من حيث أخذ نصيحتها فإنه لا يجوز بحال من الأحوال أن يكون للجهاز العسكري ولا لأي فرد فيه أي وجود في السلطان من حيث كونه عسكريا، لأن السلطان وإن كان يحفظ بالجهاز العسكري ولكنه لا وجود للعسكرية فيه. فالسلطان ليس قوة مادية ملموسة، وليس مستمدا من القوة المادية، وإنما هو تنفيذ التنظيم للعلاقات في المجتمع. وهو مستمد من الأمة أو الشعب، لأنه يكمن حقيقة فيه، أو في الفئة الأقوى منه. ولا علاقة للعسكرية ولا للجهاز العسكري فيه. نعم إن التنفيذ إنما يقوم به العسكريون، ويستحيل أن يوجد دون قوة مادية أي دون العسكريين. ولكن دورهم فيه هو دور الأداة ليس غير. ولا يجوز أن يتجاوز دورهم في التنفيذ دور البندقية في يد الجندي يطلق منها النار على العدو ولكنه لا إرادة لها في الإطلاق ولا رأي لها فيه. ومن الخطر على الحكم أن يكون للعسكريين في السلطان أي الحكم أي وجود ولا بحال من الأحوال. فإن أي دور يوجد لهم فيه مهما قل يجعله حكما بوليسيا كحكم الشرطي للسجين، لا سلطانا ينفذ تنظيم العلاقات.
إن أي دور يوجد للعسكريين في السلطان مهما قل يكون خطرا على الحكم وعلى الحاكم وعلى كيان البلاد. وذلك أن الحكم فيه تحري الحق، وفيه التقيد بالشرع، وفيه تحقيق العدل. وهو لا يعطي أي اعتبار للقوة المادية حين الحكم، لا عند الحاكم ولا عند المحكومين. وقوته تكمن في الإحساس بشؤون الناس ورعايتها، لا بما لديه من أدوات تنفيذ. فإذا وجدت القوة المادية فيه أفسدته من حيث هو حكم وحولته إلى مجرد سيطرة وتحكم، وانعدمت فيه حينئذ حقيقة الحكم والسلطان. ولذلك لا يصح أن يكون للعسكريين ولا للجهاز العسكري أي وجود فيه، بل يجب أن يظلوا بيد الحاكم أداة لا إرادة لها في الحكم ولا رأي لها فيه مطلقا، بل مجرد أداة صماء خالية من كل ما يمت له بصلة من إرادة ورأي وغير ذلك.
?هذا من حيث خطرها على نفس الحكم. أما من حيث خطرها على الحاكم، فإن الجهاز العسكري أو العسكريين بشر وفيهم غريزة البقاء، ومن أهم مظاهرها السيادة. فإذا ترك لهم أن يكون لهم وجود في الحكم، ورأوا أنفسهم أنهم قادرون على هدم الحاكم، وأنهم هم الذين يحفظونه ويحفظون سلطانه توهموا أنهم مصدر السلطان، وأن منهم يستمد الحاكم سلطانه، فتتحرك فيهم أحاسيس السيادة ويثبون عليه ?والقوة المادية بأيديهم- فيغتصبون الحكم منه. ولهذا كان من الخطر الفادح على الحاكم أن يجعل للجهاز العسكري أو للعسكريين أي وجود في السلطان. وقد حصل ذلك في الدولة الإسلامية في عصر العباسيين وفي عصر العثمانيين، فإن بعض الخلفاء ضعفوا أمام العسكريين فما كان منهم إلا أن قلبوهم أو جعلوهم أداة في أيديهم. وكان من جراء ذلك، الانحدار الذي حصل في الحكم في الدولة الإسلامية أيام هؤلاء الخلفاء.
أما خطر وجود أي دور للعسكريين في الحكم على كيان الأمة وكيان الدولة، فإن الدولة الإسلامية من طبيعة الفكرة التي تحملها تكون محاطة بالأعداء. والحكم الشرعي الذي يجب أن تتقيد به الدولة والأمة، أن العالم كله دار إسلام ودار حرب. فالبلاد التي تحكم بالإسلام وتظللها الراية الإسلامية هي دار إسلام، وما عداها من جميع بقاع العالم دار كفر أي دار حرب. ولذلك تكون الدولة الإسلامية في جميع العصور محاطة بأعداء يتربصون بها الدوائر. فإذا ترك للعسكريين وجود في الحكم مهما قل دورهم فيه، فإن إغراءهم من الأعداء أسهل من إغراء السياسيين، لأن الأصل في عملهم أنه عمل عسكري مادي فيصعب عليهم إدراك المناورات البعيدة والتفريعات السياسية الخفية. ولذلك قد يغرون بأخذ الحكم أو بتغيير الحكام مقابل مكاسب للبلاد حسب فهمهم، أو مكاسب شخصية لهم. وهنا يقع الخطر لا على أشخاص الحكام ولا على نفس الحكم بل على كيان الأمة وكيان الدولة. لأن كيان الأمة هو مجموعة الناس مع مجموعة من المفاهيم والمقاييس والقناعات. وكيان الدولة هو مجموعة من الناس لهم صلاحية الحكم مع مجموعة من المقاييس والمفاهيم والقناعات. فإذا أخذ الحكم العسكريون بإغراء خارجي تسربت إليهم ?أي إلى العسكريين- مفاهيم ومقاييس وقناعات غير التي في الدولة. وبذلك يتسرب الخلل إلى كيان الدولة ثم إلى كيان الأمة بل ربما يتسرب فوق ذلك نفوذ الدول الكافرة، وهنا يحصل الاضمحلال والزوال. ومن هنا كان السماح بأي وجود للجهاز العسكري أو للعسكريين في السلطان أي الحكم، خطرا فظيعا.
ولقد عانت الأمة الإسلامية من خطر وجود دور للعسكريين في السلطان ما عانت من تسرب الخلل إلى كيان الدولة والأمة، ثم إلى زوال كيان الدولة الإسلامية وكيان الأمة الإسلامية من الوجود. ففي أواخر العثمانيين صارت سفارات الدول الكافرة في استانبول تؤثر على العسكريين حتى أخذت تتسرب إلى جهاز الدولة مفاهيم ومقاييس وقناعات غير إسلامية. ودور مدحت باشا والضباط الذين معه في إيجاد هذه المفاهيم والمقاييس والقناعات من أبرز الأدوار، ولا سيما في الانقلاب الذي جاء بعبدالحميد خليفة، والانقلاب الذي أطاح بعبدالحميد عن الخلافة وجاء بمحمد رشاد خليفة. وقبل ذلك كان دور محمد علي الكبير في مصر في جعله نفسه عميلا لفرنسا لضرب الخلافة الإسلامية في استانبول. ثم كان دور مصطفى كمال عقب هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الثانية في تآمره مع انجلترا في القضاء على الخلافة مقابل انسحاب الحلفاء من استانبول ومساعدته في مؤتمر الصلح. فهذه الأدوار التي قام بها العسكريون قد زعزعت كيان الدولة الإسلامية ثم أزالته وأزالت كيان الأمة الإسلامية من الوجود. ولهذا لا يجوز أن يسمح للجهاز العسكري أو العسكريين أي وجود في السلطان.
منقول

معنى تولي الخليفة لقيادة الجيش

الخلافة رئاسة عامة للمسلمين جميعا لإقامة أحكام الشرع الإسلامي وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم. فإقامة أحكام الشرع وحمل الدعوة إلى العالم هما الأمران اللذان قد وجد منصب الخلافة لأجلهما، وهما عمل منصب الخلافة. فلا يصح أن يتولاهما أحد غير الخليفة، ولا يجوز للخليفة أن يقيم من يتولاهما نيابة عنه، لأنهما هما الأمران اللذان بويع عليهما ووقع عقد البيعة فيهما على شخصه، فلا يجوز له أن يوكل عنه فيهما، لأن كل عقد وقع على شخص العاقد كالأجير والوكيل والشريك لا يجوز له أن يوكل غيره في القيام بالعمل الذي جرى العقد عليه. وعقد الخلافة حين يجري على شخص معين لا يجوز لهذا الشخص أن يوكل غيره أن يقوم مقامه فيما جرى عقد الخلافة فيه على شخصه وهو الرئاسة العامة للمسلمين لإقامة أحكام الشرع وحمل الدعوة.

ومن ذلك يتبين أن حمل الدعوة هو مما قامت الخلافة لأجله، أي مما كان وجود الخلافة من حيث هو من أجل القيام به. فلا يجوز أن يتولاه غير الخليفة، وإن كان يصح أن يقوم به كل شخص من المسلمين. وعليه فإن حمل الدعوة وإن كان فرضا على جميع المسلمين ولكل فرد من المسلمين أن يقوم به ولكنه لا يجوز أن يتولاه أحد سوى الخليفة.

?وتولي الخليفة حمل الدعوة له طريقة معينة وهي الجهاد، والجهاد إنما يوجد بالمجاهدين، وبالقوة التي تعد للقتال، وبالقتال نفسه. لذلك كان وجود الجيش وتجهيزه وعمله الذي يقوم به، هو الطريقة لحمل الدعوة إلى العالم. ومن هنا كان الخليفة هو الذي يتولى قيادة الجيش لأنه هو الذي يتولى حمل الدعوة، فهو الذي يتولى الجهاد، فيتولى هو لا غيره قيادة الجيش، ذلك أن تولي قيادة الجيش ليس القيام بإدارته ولا القيام بتدريبه ولا القيام بالأمور الفنية فيه، فإن هذه كلها أساليب ووسائل. والخليفة وإن كان يتولى شؤونها توليا عاما ولكنه لا يقوم بها، وإنما تولي الجيش هو تولي تكوينه، وتولي تجهيزه، وتولي أمر القيام بأعماله. وذلك لأن الجندي الذي ينقطع للجهاد مجاهد، والقوة التي تعد لإرهاب العدو وللقتال تعتبر من أعمال الجهاد، ولذلك أمر الله بها حين أمر بالجهاد. والقتال نفسه هو الجهاد. ولهذا كان تولي أمر المجاهدين، وأمر إعدادهم، وأمر قيامهم بالقتال إنما هو للخليفة ليس غير. فيكون معنى قيادة الخليفة للجيش هو أن يتولى هو لا غيره رسم السياسة المتعلقة بتكوين الجيش، والسياسة المتعلقة بتجهيزه وإعداده، والسياسة المتعلقة بقيامه بعمله أي بالقتال. وأن يتولى هو لا غيره الإشراف المباشر على تنفيذ هذه السياسة. ولذلك كان الخليفة هو الذي يتولى رسم السياسة العسكرية كلها داخليا وخارجيا، ورسم سياسة القتال كلها داخليا وخارجيا، ولا يصح أن يتولاها أحد غيره مطلقا. صحيح أنه يجوز له أن يستعين بمن يشاء في رسم هذه السياسة وفي الإشراف على تنفيذها ولكنه لا يجوز أن يترك لأحد غير الخليفة أن يتولاها مطلقا. هذا هو معنى تولي الخليفة لقيادة الجيش. ولهذا لا يجوز أن يتولى هذه القيادة غير الخليفة، ولا بوجه من الوجوه.

وهناك مسألتان ناجمتان عن وضع الجيش نفسه من حيث كونه هو القوة التي تقوم بالجهاد بوصفه الطريقة الوحيدة لتولي الخليفة لحمل الدعوة. ومن حيث كونه هو القوة التي تقوم بحماية السلطان الذي للخليفة أي للدولة داخليا وخارجيا. أما المسألة الناجمة عن وضع الجيش من حيث كونه هو القوة التي تقوم بالجهاد بوصفه طريقة تولي الخليفة لحمل الدعوة فإنها مسألة تتعلق بالسياسة الخارجية للدولة، وما للجيش والاعتبارات العسكرية من مكان فيها. وذلك أن السياسة الخارجية للدولة الإسلامية إنما تقوم على حمل الدعوة إلى العالم. وبما أن طريقة تولي الخليفة لحمل الدعوة إنما هي الجهاد، لذلك كانت الدولة الإسلامية في حالة جهاد دائم.

وعلى هذا فإن الأمة الإسلامية كلها تؤمن بأن الحرب بينها وبين غيرها من الدول محتملة كل وقت. وأن سياسة الدولة يجب أن تبنى على الإعداد الدائم للجهاد. وبما أن قتال الأعداء قتالا فعليا لا يجوز إلا بعد تبليغهم الدعوة الإسلامية أولا على وجه يلفت النظر، لذلك كانت سياسة الدولة الإسلامية تهدف إلى إيجاد حالة بينها وبين غيرها من الدول يتأتى بها تبليغ الإسلام إلى الشعوب والأمم على وجه يلفت النظر، وأن تبني ذلك على الإعداد لخوض الحرب في كل وقت إذا اقتضى ذلك حمل الدعوة. فإيجاد حالة يتأتى معها تبليغ أفكار الإسلام وأحكامه على وجه يلفت النظر أمر لا بد منه، لأنها حكم من أحكام الجهاد وشرط أساسي للبدء بالقتال الفعلي. ولذلك يتحتم على الخليفة إيجاد هذه الحالة، ويجب عليه في سبيل إيجادها أن يبذل أقصى ما يستطيع من جهد وينفق ما يحتاجه إيجادها من مال، كما يجب عليه أن يخوض بعض المخاطر من أجلها تماما كما يخوض المخاطر من أجل الفتح أو الذود عن بيضة الإسلام أو حماية ذمار المسلمين. ولذلك كان توفير القوة العسكرية والعناية بالإعداد العسكري والإحاطة بالتقديرات العسكرية جزءا جوهريا في إيجاد هذه الحالة والمحافظة عليها، لأن القوة العسكرية هي الدرع الوحيد ضد قوى الكفر وضد دول الكفر. وهذا ما يجعل للجيش أو القوات العسكرية أثرا في تولي الخليفة لحمل الدعوة، وهذا يعني أن للجيش والقوات المسلحة أثرا في السياسة الخارجية لأنها هي عمادها. ومن هنا يأتي الخطر على السياسة الخارجية، أي على تولي الخليفة لحمل الدعوة. ولذلك لا بد من إدراك هذه المسألة على حقيقتها من حيث أثر الجيش في تولي الخليفة لحمل الدعوة، أي من حيث خطر ذلك على سياسة الدولة الخارجية. وإذا لم تدرك هذه المسألة على حقيقتها فإنه ينتج عنها إما وقوف حمل الدعوة إلى العالم، وإما اضطراب وتدهور السياسة الخارجية.

إن بناء قوة عسكرية للدولة الإسلامية ليس مجرد تجهيز دفاعي فحسب، وإنما هو الأمر الحتمي الذي لا بد منه ليتأتى للخليفة القيام بما بايعه المسلمون عليه. أي ليتأتى للدولة أن تقوم بما فرضه الله عليها وهو حمل الدعوة. أو بعبارة أخرى ليتأتى للدولة أن تقوم بسياستها الخارجية على الوجه الذي فرضه الله، وأن تحافظ على بقاء تسيير هذه السياسة تسييرا صحيحا منتجا. ولذلك كان بناء القوة العسكرية فوق كونه الدرع الوحيد الذي تملكه الأمة ضد إرهاب الكفار الحربيين واحتمال غزوهم، هو الطريقة الوحيدة لجعل سياسة الدولة الخارجية سياسة إسلامية.

إلا أن كون الدولة الإسلامية ملزمة حتما ببناء قوة عسكرية بجهاز عسكري قوي، ليس معناه أن تسيطر الاعتبارات العسكرية على سياسة الدولة الخارجية، ولا أن يكون للجهاز العسكري أثر في السياسة الخارجية، مهما كان هذا الأثر، قل أم كثر. وذلك أن الرأي العسكري هو رأي محترفين لحرفة معينة، صادر من أولئك الذين من وظيفتهم أن يضمنوا للدولة المزايا العسكرية إذا وقعت الحرب بينها وبين غيرها من الدول. ومن الطبيعي والمتوقع أن يشمل رأيهم جميع الاحتياطات. ولكنه لا يصح أن يتجاوز في اعتباره كونه نصيحة فحسب، ولا يجوز أن يتجاوز كونه نصيحة أناس محترفين لحرفة معينة في حرفتهم لا يتجاوز تفكيرهم في الموضوع هذه الناحية المعينة. ولذلك لا يصح اتباع هذه النصيحة في كل صغيرة وكبيرة، ولا يصح بحثها إلا فيما تحتله من مكان في البحث العام للسياسة الخارجية، فتؤخذ في فنها فقط وتؤخذ حين يكون فنها وما أعطيت فيه في محله في السياسة الخارجية، فهي نصيحة وليست شورى، أي يطلبها الخليفة حين يبحث السياسة الخارجية، ويجوز أن يسمعها إذا قيلت له مجرد سماع، على أن يكون في حالة وعي على السياسة الخارجية وفي حالة وعي على مكان هذه النصيحة في مخططات السياسة الخارجية، ولا يصح أن يعطيها أكثر من ذلك. لأنه إذا لم يفعل هذا وأعطاها قدرا أكبر من كونها نصيحة، فإنه ولا شك سيحصل الخطر على السياسة الخارجية، إما اضطرابا وتدهورا في السياسة الخارجية وإما وقوفا عن حمل الدعوة. بل قد يحصل أكثر من ذلك، إذ قد يحصل تدهور في الدولة وانحسار عن الرقعة التي تبسط سلطانها عليها. ولذلك لا يجوز أن يعطى للرأي العسكري أكثر من كونه مجرد نصيحة.

والعسكريون حين يؤدون عملهم بصفتهم العسكرية فإنهم يؤدونه كأخصائيين. إنهم لا يدخلون في اعتباراتهم الاستفادة من الرأي العام العالمي، ولا يفكرون في كون الدعوة إلى الإسلام بلغت على وجه يلفت النظر وأثر ذلك في لقاء العدو. وهم لا يحاولون أن يأخذوا في حسبانهم الإمكانيات الهائلة في القوى الروحية والقوى المعنوية. وهم لا يهتمون بفهم أعمال حملة الدعوة الذين يعيشون في بلاد العدو أو يذهبون للدعوة فيها. ولا يدركون وسائل الدبلوماسية ولا مقدار التأثير العظيم للأعمال السياسية. ومن أجل ذلك يكون تفكير العسكريين تفكيرا موضوعيا لا تفكيرا سياسيا شاملا. فإذا أخذت نصيحتهم كانت نصيحة قيمة في موضوعها، ولكن إذا أعطوا صلاحية العمل والتقرير وكان لرأيهم أي نوع من الإلزام فإنه ولا شك يسبب ضررا في القرارات السياسية والسير السياسي. ولهذا لا يجوز أن يسمح للجهاز العسكري أن يكون له أثر في السياسة الخارجية، ولا يجوز أن تحتل آراء العسكريين مكانا يتجاوز كونها مجرد نصيحة فنية ليس غير، لا مطلق نصيحة.

إلا أنه ليس معنى حصر مكانة آراء العسكريين في كونها مجرد نصيحة فنية فحسب هو التفريط في التقديرات العسكرية، بل معناه فقط هو أن الخليفة يجب أن تسيطر تقديراته على التقديرات العسكرية، وعليه وهو يرسم الخطط النهائية أن يكون مستعدا لتحمل المسؤولية في تجاهل التقديرات العسكرية البحتة في بعض الأحيان. ويجب أن يجعل تقديرات غيره من غير العسكريين كالمعاونين والولاة وكأهل الحل والعقد والمفكرين، أكثر من تقديرات العسكريين، ولكنه يجب على الخليفة أن يقدر مكانة العسكريين العالية في الدولة، سواء من حيث الدفاع عن البلاد أو من حيث بدء الكفار بالجهاد، ولذلك يجب عليه وعلى الأمة كلها المحافظة على القوة العسكرية كما يحافظ الفرد على حبة عينه. ولكن يجب أن يكون السياسيون وليس العسكريين هم الذين يهيمنون على رسم السياسة الخارجية، وهم الذين يقررون كيفية الاستعداد لمواجهة أخطار الحرب، وما إذا كانوا سيدخلون الحرب، وإذا كان ذلك فبأي سرعة ومتى. ويجب أن يجعل الخليفة من القوة العسكرية إدارة تابعة دائما، وأن لا يسمح للجهاز العسكري ولا لأي فرد فيه أن يتجاوز دور التابع للسياسة لا دور الراسم لها.

يتبع

الخليفة والجهاد

الجهاد فرض مطلق وليس مقيدا بشيء ولا مشروطا بشيء، فالآية فيه مطلقة (كتب عليكم القتال). فوجود الخليفة لا دخل له في فرض الجهاد، بل الجهاد فرض سواء كان هناك خليفة للمسلمين أم لم يكن. إلا أنه حين يكون للمسلمين خليفة قد انعقدت خلافته شرعا ولم يخرج عنها بسبب من أسباب الخروج، فإن أمر الجهاد موكول إلى الخليفة واجتهاده ما دام خليفة، حتى لو كان فاجرا، ما دام باقيا في مركز الخلافة، ويلزم الرعية طاعته فيما يرى من ذلك ولو أمر أي واحد منهم أن يغزو مع أمير فاجر، لما روى أبو داود بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا).

ويجب على خليفة المسلمين في كل وقت أن يبذل مجهوده في الخروج بنفسه أو يبعث الجيوش والسرايا من المسلمين، ثم يثق بجميل وعد الله له تعالى في نصرته بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم). وينبغي أن يبتدئ بترتيب جيش في أطراف البلاد يكفون من بإزائهم من الكفار. ولا يجوز للخليفة أن يخلي أي ثغر من الثغور من جماعة من المسلمين فيهم غناء وكفاية لقتال العدو، بل لا بد أن تكون جميع الثغور مشحونة بالجيش الإسلامي دائما. ويجب أن يقيم كل ما يدفع عن المسلمين وعن بلاد المسلمين أذى العدو من حصون أو خنادق أو أي شيء، ويجب أن يعد ما استطاع من كل نوع من أنواع القوة التي تحمي الدولة الإسلامية والبلاد الإسلامية من الكفار وكيدهم.

ويجب أن يتولى الخليفة نفسه قيادة الجيش الفعلية في سياسة الجيش وإدارته، وحين يضع عليه قائدا له خبرة عسكرية إنما يضعه نائبا عنه لأن الخليفة ليس القائد الأعلى للجيش، بل هو القائد الفعلي له. فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتولى قيادة الجيش بنفسه وحين كان يرسل السرايا يرسلهم باعتباره قائد الجيش. وكان عمر يرسل التعليمات التفصيلية لقواده في فارس والشام مما يدل على أن الخليفة هو قائد الجيش الفعلي. وطاعته فرض على كل فرد من أفراد الجيش سواء أكان جنديا أم قائدا، كما هو فرض على كل فرد من أفراد الرعية، لما روي عن أبي هريرة أنه سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (نحن الآخرون السابقون)، وبهذا الإسناد (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعصي الأمير فقد عصاني، وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به)، ومعنى كون الإمام جنة أي سترة لأنه يمنع العدو من أذى المسلمين. إلا أن على الخليفة أن لا يأمر أمرا جازما لا تردد فيه إلا فيما يستطيعه الناس، فإن عرف أنهم لا يستطيعونه لا يأمرهم به أمرا مشددا. وكذلك لا يحمل المسلمين على مهلكة ولا يأمرهم بما يخشى منه الغدر بهم.

هذا إذا كان هنالك خليفة، فإذا عدم الخليفة لم يؤخر الجهاد ولا بوجه من الوجوه، لأن مصلحته تفوت بتأخيره. وإذا بعث الخليفة جيشا وأمر عليهم أميرا فقتل أو مات فللجيش أن يؤمروا أحدهم كما فعل أصحاب النبي في جيش مؤتة وأقرهم الرسول على ذلك. وإذا كان للجيش أمير فليس لأحد من الجيش أن يخرج من المعسكر لأي غرض من الأغراض إلا بإذن الأمير، وإذا أمر بفعل شيء أو ترك شيء وجبت طاعته وحرمت مخالفته لقول الله تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه)، وما ينطبق هنا على النبي ينطبق على الخليفة، ويقاس الأمير على الخليفة، ولقوله عليه السلام: (ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعصي الأمير فقد عصاني).

منقول

تشريع وأحكام الجهاد (2)

والجهاد فرض كفاية ابتداء، وفرض عين إن هجم العدو على من هاجمهم، وفرض كفاية على غيرهم. ولا يسقط الفرض حتى يطرد العدو وتطهر أرض الإسلام من رجسه. ومعنى كون الجهاد فرض كفاية ابتداء هو أن نبدأ بقتال العدو وإن لم يبدأنا، وإن لم يقم بالقتال ابتداء أحد من المسلمين في زمن ما أثم الكل بتركه. والقتال ابتداء إذا قام به أهل مصر سقط عن أهل اندونيسيا إذ قد وجد فعلا قتال من المسلمين للكفار المحاربين فحصل فرض الجهاد. أما إذا نشب القتال بين المسلمين والكفار ولم تحصل الكفاية بقتال الكفار من قبل أهل مصر وحدهم، فلا تسقط فرضيته عن أهل الهند واندونيسيا بقيام أهل مصر والعراق، بل يفرض على الأقرب فالأقرب من العدو إلى أن تقع الكفاية، فلو لم تقع الكفاية إلا بكل المسلمين صار الجهاد فرضا على كل المسلمين حتى يقهر العدو. ومحل كون الجهاد فرض كفاية إذا لم يستنفره الخليفة، أما من استنفره الخليفة فإن الجهاد أصبح فرضا عليه لقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض)، ولقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا استنفرتم فانفروا). ومعنى الكفاية بالجهاد في الدولة الإسلامية هو أن ينهض للجهاد قوم يكفون في قتالهم، إما أن يكونوا جندا لهم دواوين من أجل ذلك كما كانت الحال في أيام عمر أو يكونوا قد أعدوا أنفسهم للجهاد تبرعا كما كانت الحال في أيام أبي بكر، ويكونون سواء كان هؤلاء أو هؤلاء أو هم جميعا بحيث إذا قصدهم حصلت المنعة بهم فيكون فرض كفاية عليهم، فإن لم تحصل المنعة بهم جهز الخليفة غيرهم للجهاد، وهكذا. وليس معنى كون الجهاد ابتداء هو أن نبدأ العدو بالقتال رأسا، بل لا بد من دعوته أولا إلى الإسلام.

?ولا يحل للمسلمين أن يقاتلوا من لم تبلغه الدعوة الإسلامية، بل لا بد من دعوة الكفار إلى الإسلام، فإن أبوا فالجزية، فإن أبوا قاتلناهم. فقد روي عن سليمان بن يزيد عن أبيه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال: اغزوا باسم الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدة، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين. فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونوا كأعراب المسلمين يجري عليهم الذي يجري على المسلمين ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين. فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. وإن أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم)، وعن ابن عباس قال: (ما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما قط إلا دعاهم)، وعن فروة بن مسيك قال: (قلت: يا رسول الله أقاتل بمقبل قومي ومدبرهم؟ قال: نعم. فلما وليت دعاني فقال: لا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى الإسلام).

منقول

التجسس (2)
هذا حكم التجسس من حيث كونه حراما أو جائزا أو واجبا. أما حكم عقوبة الجاسوس الذي يتجس للكفار الحربيين فتختلف باختلاف تابعية الجاسوس وباختلاف دينه. أما الكافر الحربي حين يكون جاسوسا فإن حكمه القتل قولا واحدا ولا حكم له غير ذلك، ويقتل بمجرد معرفة أنه جاسوس أي بمجرد ثبوت كونه جاسوسا، وذلك لما رواه البخاري عن سلمة بن الأكوع قال: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم عين وهو في سفر، فجلس عند بعض أصحابه يتحدث ثم انسل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اطلبوه. فاقتلوه فسبقتهم إليه فقتلته فنفلني سلبه)، وعند مسلم من رواية عكرمة بلفظ (فقيد الجمل ثم تقدم يتغدى مع القوم وجعل ينظر وفينا ضعفة ورقة في الظهر إذ خرج يشتد)، وفي رواية لأبي نعيم في المستخرج من طريق يحيى الحماني عن أبي العميس (أدركوه فإنه عين)، فهذا صريح بأن الرسول بمجرد أن ثبت عنه أنه جاسوس قال: (اطلبوه فاقتلوه)، مما يكون قرينة على أن الطلب طلب جازم، فيكون حكمه القتل قولا واحدا، وهو عام في كل كافر حربي، سواء أكان معاهدا أو مستأمنا، أم غير معاهد ولا مستأمن، فكله كافر حربي حكمه القتل إذا كان جاسوسا.
أما الكافر الذمي حين يكون جاسوسا فإنه ينظر فيه، فإن كان قد شرط حين دخوله في الذمة أن لا يتجسس وإن تجسس يقتل فإنه يعمل بالشرط، فإذا صار جاسوسا يقتل حسب الشرط. وأما إن لم يشرط عليه ذلك فإن يجوز للخليفة أن يجعل عقوبته القتل فيقتل إذا صار جاسوسا، لما رواه أحمد عن فرات بن حبان أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتله وكان ذميا وكان عينا لأبي سفيان وحليفا لرجل من الأنصار، فمر بحلقة من الأنصار فقال: إني مسلم، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله إنه يقول إنه مسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن منكم رجالا نكلهم إلى إيمانهم منهم فرات بن حبان)، فهذا صريح في أن الرسول أمر بقتل الذمي الجاسوس. إلا أن ذلك جائز للإمام وليس واجبا عليه كما هي الحال في الجاسوس حين يكون كافرا حربيا. والدليل على أن قتل الجاسوس الذمي من قبل الدولة جائز وليس بواجب هو أن الحديث لم يقترن بقرينة تدل على الجزم فيكون الطلب غير جازم. وهناك قرينة تدل على عدم الجزم في الطلب وهي أن نص الحديث يدل على أن الرسول لم يبادر بقتل فرات هذا بمجرد أن عرف أنه جاسوس مع أن الكافر الحربي الذي ورد ذكره في حديث سلمة بن الأكوع قد أمر النبي بقتله بمجرد أن ثبت لديه أنه جاسوس، وقال للمسلمين: (اطلبوه فاقتلوه). والدليل على أنه لم يبادر بقتله أن الرسول كان يعرفه، ويظهر ذلك من قول الحديث: (وكان ذميا عينا)، أي أنه كان معروفا، وقول الرسول: (منهم فرات بن حبان). ويضاف إلى ذلك أن الرسول قال في شأن الكافر الحربي: (اطلبوه فاقتلوه)، أما في شأن فرات بن حبان فقد أمر بقتله ولم يطلب من المسلمين أن يقتلوه. وظاهر في ذلك الفرق بينهما بأن الحربي طلب قتله طلبا جازما، والذمي طلب قتله طلبا غير جازم، مما يدل على جواز قتل الجاسوس الذمي، وجواز عدم قتله.
وأما الجاسوس المسلم الذي يتجسس للعدو على المسلمين والذميين فإنه لا يقتل، لما روى مسلم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة). فهذا الحديث حصر القتل في هذه الثلاث وما عداها من الذنوب لا يجوز أن تكون عقوبتها القتل بالنسبة للمسلم، فالمسلم لا يقتل إلا بهذه الذنوب الثلاثة. على أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل ذمي، فلما ثبت له أنه أسلم وصار مسلما كف عنه، إذ أمر بقتل فرات بن حبان وكان ذميا وكان عينا، فلما قال له رجل من الأنصار: يا رسول الله إنه يقول إنه مسلم، قال الرسول: (إن منكم رجالا نكلهم إلى إيمانهم منهم فرات بن حبان)، فعلة الكف عن قتله كونه صار مسلما. وروى البخاري عن علي رضي الله عنه قال: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد بن الأسود قال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة ومعها كتاب فخذوه منها، فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب. فقالت: ما معي من كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب. فأخرجته من عقاصها. فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا حاطب ما هذا؟ قال: يا رسول الله لا تعجل علي إني كنت امرءا ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسها وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن اتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد صدقكم. فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: إنه شهد بدرا، وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم). فهذا الحديث قد ثبت فيه على حاطب أنه تجسس على المسلمين، ولم يقتله الرسول. فدل ذلك على أن الجاسوس المسلم لا يقتل. ولا يقال: إن ذلك خاص بأهل بدر لأن الحديث معلل بكونه من أهل بدر. لا يقال ذلك لأنه وإن كان النص ورد بما يفيد التعليل وسيق على وجه تفهم منه العلية، إلا أن حديث مسلم في حصر قتل المسلم في ثلاث، وحديث أحمد عن فرات بن حبان قد رفع عنه القتل لأنه صار مسلما بعد أن كان ذميا، ينفي العلية من هذا الحديث ويجعله وصف واقع لأن فرات بن حباس ليس من أهل بدر. ولا يقال: حديث فرات بن حبان في إسناده أبو همام الدلال محمد بن محبب ولا يحتج بحديثه وهو يرويه عن سفيان الثوري. لا يقال ذلك لأنه قد روي هذا الحديث عن سفيان بشر بن السري البصري وهو ممن اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه ورواه عن الثوري أيضا عباد بن موسى الأزرق العباداني وكان ثقة. فالحديث ثابت ويحتج به وهو دليل على أن الجاسوس المسلم لا يقتل، وإنما يعاقب بالحبس وغيره، حسب ما يراه القاضي أو الخليفة.
?وهذا كله في التجسس على المسلمين والذميين للعدو الكافر الحربي. أما التجسس على المسلمين لا للعدو، أي ليس للكافر الحربي، بل لمجرد الجاسوسية، أو لمسلمين، أو للدولة، فإنه مع كونه حراما لم يرتب الشرع لهذا الذنب عقوبة معينة، فتكون عقوبته التعزير.
منقول

التجسس

التجسس هو تفحص الأخبار، يقال في الغلة: جس الأخبار وتجسسها تفحص عنها، ومنه الجاسوس. فإذا تفحص الشخص الأخبار فقد تجسسها وهو جاسوس، سواء تفحص الأخبار الظاهرة أو المخفية، لا يشترط في تفحص الأخبار أن تكون مخفية أي أسرارا حتى يكون تجسسا، بل التجسس هو تفحص الأخبار ما يخفى منها وما يظهر، أي الأسرار وغير الأسرار. أما إذا رأى أشياء طبيعيا دون تفحص ودون أن يكون عمله تفحص الأخبار، أو جمع أخبار لنشرها، أو اهتم بالأخبار، فإن كل ذلك لا يكون تجسسا ما دام لم يتفحص الأخبار ولم يكن من عمله تفحص الأخبار، حتى لو تتبع الأخبار في مثل هذه الحالات لا يكون تجسسا، لأن تفحص الأخبار الذي هو التجسس إنما يكون بتتبعها والتدقيق فيها لغرض الاطلاع عليها. أما من يتتبع الأخبار ليجمعها فهو لا يدققها لغرض الاطلاع عليها بل يجمعها لينشرها على الناس. وعلى ذلك لا يقال لمن يتتبع الأخبار ويجمعها كمراسلي الجرائد والوكالات الأنباء جاسوسا، إلا أن يكون عمله التجسس واتخذ مراسلة الجرائد والوكالات وسيلة، ففيه هذه الحال يكون جاسوسا لا لكونه مراسلا يتتبع الأخبار بل لكون عمله هو التجسس، واتخذ المراسلة وسيلة للتغطية كما هي الحال مع كثير من المراسلين، ولا سيما الكفار الحربيين منهم. وأما موظفو دائرة التحري والمكتب الثاني ومن شاكلهم ممن يتفحصون الأخبار فإنهم جواسيس لأن عملهم تجسس.

هذا هو واقع التجسس وواقع الجاسوس. أما حكم التجسس فإنه يختلف باختلاف من يتجسس عليهم، فإن كان التجسس على المسلمين أو على الذميين الذين هم رعايا كالمسلمين، فحرام ولا يجوز، وإن كان التجسس على الكفار الحربيين سواء أكانوا حربيين حقيقة أو حكما فإنه جائز للمسلمين وواجب على الخليفة. أما كون التجسس على المسلمين وعلى رعايا الدولة الإسلامية حراما فثابت بصريح القرآن، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعد الظن إثم ولا تجسسوا)، فنهى الله في الآية عن التجسس. وهذا النهي عام فيشمل كل تجسس، سواء أكان تجسسا لنفسه أو لغيره، وسواء أكان تجسسا للدولة أم للأفراد أم للتكتلات، وسواء أكان الذي يقوم به أي بالتجسس، الحاكم أو المحكوم، فالكلام عام يشمل كل شيء ينطبق عليه أنه تجسس، فكله حرام.

وهنا يرد سؤال وهو: هل يجوز للمسلم أن يشتغل موظفا في دائرة التحري أو دائرة المباحث أو غيرها من الدوائر التي يكون عملها أو من عملها التجسس؟ والجواب على ذلك: ينظر، فإن كانت الوظيفة للتجسس على المسلمين أو على الذميين الذين هم رعايا كالمسلمين فلا يجوز، إذ هو حرام بصريح القرآن ويمنع منه الذمي كما يمنع المسلم، لأن الذمي في دار الإسلام مخاطب بتطبيق أحكام الإسلام على نفسه إلا ما يتعلق منها بالعقائد والعبادات، وهذا ليس منها. وأما إن كانت الوظيفة للتجسس على الكفار الحربيين الذين يدخلون بلادنا من مستأمنين ومعاهدين فإنه يجوز، إذ يجوز التجسس على الكفار الحربيين سواء أكانوا حربيين حقيقة أو حكما، وسواء أكان ذلك في بلادهم أم في بلادنا. وعلى ذلك فإن وجود دائرة التحري أو المباحث أو ما شاكلها ليس بحرام بل هو واجب، والحرام فيها هو التجسس على المسلمين وعلى الذميين الذين هم رعايا كالمسلمين. فلا يجوز للدولة أن توجد دائرة للتجسس على المسلمين وعلى سائر الرعايا بل يحرم عليها ذلك. ولا يقال: إن مصلحة الدولة تقتضي أن تعرف أخبار الرعية حتى تكشف المؤامرات وتهتدي إلى المجرمين، لأن على الدولة أن تعرف ذلك عن طريق الشرطة والعسس، وليس عن طريق التجسس. على أن كون العقل يرى أن ذلك الشيء مصلحة أو ليس بمصلحة لا يكون علة للتحريم أو الإباحة، وإنما ما يراه الشرع مصلحة فهو المصلحة.

?على أن آيات القرآن حين تأتي صريحة في تحريم شيء لا يبقى مكان للحديث عما فيه مصلحة لتعليل جعله حلالا، إذ لا قيمة لذلك إماما نص القرآن الصريح، والقرآن يقول: (ولا تجسسوا) يعني النهي عن التجسس، ولا سبيل إلى فهم غير ما تدل عليه الآية، وما هو صريح في لفظها. ولم يرد أي دليل يخصص عموم هذه الآية أو يستثني منها شيئا فتبقى على عمومها تشمل كل تجسس، فيكون التجسس على الرعايا كله حرام.

هذا بالنسبة للتجسس على المسلمين أو على الذميين الذين هم رعايا كالمسلمين. أما تجسس المسلمين والذميين على الكفار الحربيين، سواء أكانوا حربيين حقيقة أم حربيين حكما، فهو مستثنى من عموم الآية لورود أحاديث خصصت تحريم التجسس بغير الكفار الحربيين. أما الكفار الحربيون فإن التجسس عليهم جائز للمسلمين وواجب على خليفة المسلمين أي على الدولة، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عبدالله بن جحش وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين وكتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره به ولا يستكره من أصحابه أحدا. فلما سار عبدالله بن جحش يومين فتح الكتاب فنظر فيه فإذا فيه (إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم)، ففي هذا الكتاب يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم عبدالله بن جحش بالتجسس له على قريش وبأن يعلمه من أخبارها، ولكنه يجعل التخيير لأصحابه أن يسيروا معه أو لا، أما هو فإنه يعزم عليه أن يمضي، فيكون الرسول قد طلب القيام بالتجسس من الجميع ولكنه عزم على عبدالله وخير الباقين، وهذا دليل على أن الطلب بالنسبة لأمير الجماعة طلب جازم وبالنسبة لغيره ممن معه طلب غير جازم، فكان ذلك دليلا على أن تجسس المسلمين على العدو جائز وليس بحرام، ودليلا على أن التجسس واجب على الدولة. على أن التجسس على العدو من الأمور التي لا يستغني عنها جيش المسلمين، فلا يتم تكوين جيش للحرب دون أن تكون معه جاسوسية له على عدوه، فصار وجود الجاسوسية في الجيش واجبا على الدولة من باب “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب” .

يتبع

الكذب في الحرب

?الكذب كله حرام قطعا بنص القرآن القطعي، وتحريمه من الأحكام المعروفة من الدين بالضرورة، لا فرق بين أن يكون لمنفعة المسلمين أو لمصلحة الدين، وبين أن يكون عكس ذلك. فقد جاءت النصوص في تحريمه عامة ومطلقة وباتة غير معللة، قال تعالى: (إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله)، وقال تعالى: (لعنة الله على الكاذبين). وهذا البت والإطلاق والعموم لا يعلله ولا يقيده ولا يخصصه إلا نص واحد، ولا دخل للعقل في ذلك إلا في فهم النص ليس يغر. ولم يرد في الصحيح أي نص يفيد أي تعليل أو أي تقييد لا في الكتاب ولا في السنة. وأما تخصيص النص فقد ورد فيه نص استثنى من تحريم الكذب أشياء معينة حصرها وحددها فلا يجوز تعديها بحال من الأحوال، فلا يستثنى من تحريم الكذب شيء إلا ما خصه الدليل من الأمور المذكورة في الأحاديث وهي: حالة الحرب، وعلى المرأة، ولإصلاح ذات البين، لورود النص عليها. فقد روى أحمد ومسلم وابو داود عن أم كلثوم بنت عقبة قالت: (لم أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يرخص في شيء من الكذب مما تقول الناس إلا في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها)، عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس ما يجعلكم أن تتابعوا على الكذب كتتابع الفراش في النار؟ الكذب كله على ابن آدم حرام، إلا في ثلاث خصال: رجل كذب على امرأته ليرضيها، ورجل كذب في الحرب فإن الحرب خدعة، ورجل كذب بين مسلمين ليصلح بينهما).

فهذه الثلاث من المستثنيات من تحريم الكذب بنص صريح، فلا يحل أن يقع الكذب في غيرها، إذ لا يستثنى من عموم النص إلا ما خصه الدليل فحسب. وكلمة (في الحرب) الواردة في الحديث ليس لها إلا معنى واحد ليس غير، وهو حالة الحرب الفعلية في شأن الحرب، فلا يجوز الكذب في غير حالة الحرب مطلقا، ولا في حالة الحرب في غير شأن الحرب. وأما ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنه كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها، فإن المراد أنه كان يريد أمرا فلا يظهره، كأن يريد أن يغزو جهة الشرق فيسأل عن أمر في جهة المغرب ويتجهز للسفر، فيظن من يراه ويسمعه أنه يريد جهة المغرب. وأما أنه يصرح بإرادته المغرب ومراده المشرق فلم يحصل، فلا يكون على هذا إخبارا بخلاف الواقع وإنما هو من قبيل التورية، علاوة على أنه داخل في حالة الحرب الفعلية وفي شأن الحرب، لأنه ذهاب للمعركة لمحاربة العدو فعلا، وهو من الخدعة الواردة في قوله عليه الصلاة والسلام: (الحرب خدعة).

?وأما ما روي عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ قال محمد بن مسلمة: أتحب أن أقتله يا رسول الله قال: نعم. قال: فائذن لي فأقول. قال: قد فعلت. قال: فأتاه فقال: إن هذا ?يعني النبي صلى الله عليه وسلم- قد عنانا وسألنا الصدقة. قال: وأيضا والله قد اتبعناه فنكره أن ندعه حتى ننظر إلى ما يصير إليه أمره. قال: فلم يزل يكلمه حتى استمكن منه فقتله)، فإنه أيضا في حالة الحرب. وإنه وإن كانت ألفاظ الحديث نصت على أن الألفاظ التي قالها محمد بن مسلمة صدق وليس بكذب وإنما هو تعريض، ولكن محمد بن مسلمة استأذن أن يقول كل شيء فأذن له في كل شيء، ويدخل فيه الإذن في الكذب صريحا وتلويحا، وهو داخل في حالة الحرب.

وأما ما أخرجه أحمد والنسائي من حديث أنس في قصة الحجاج بن علاط في استئذانه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول عنه ما شاء لمصلحته في استخلاص ماله من أهل مكة وأذن له النبي صلى الله عليه وسلم وإخباره لأهل مكة أن أهل خيبر هزموا المسلمين، فإنه يدخل كذلك في حالة الحرب، لأن أهل مكة كانوا في حالة حرب فعلية مع المسلمين، والحجاج بن علاط من المسلمين وهو ذاهب عند الكفار الأعداء وهم في حالة حرب فعلية، فيجوز الكذب عليهم، إذ جواز الكذب لا يقتصر على المعركة ولا على المحاربين بل يجوز للمسلمين أن يكذبوا على الكفار أعدائهم إذا كانوا في حالة حرب فعلية معهم.

وأما ما أخرجه الطبراني في الأوسط (الكذب كله إثم إلا ما نفع به مسلم أو دفع به عن دين)، وهو عند البزار بلفظ (الكذب مكتوب إلا ما نفع به مسلم أو دفع به عنه)، قال في مجمع الزوائد: وفي سنده رشدين وغيره من الضعفاء، وعليه فهو حديث ضعيف فيرد ولا يحتج به فلا يصلح دليلا.

وعلى ذلك فإن الكذب كله حرام ولا يحل إلا في ثلاث: في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها، وما عداها حرام قطعا، لأن تحريم الكذب جاء في القرآن عاما يشمل كل كذب، فجاء الحديث وخصصه في غير الحرب والإصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها، واستثنى هذه الثلاث من الحرمة، فكانت هي وحدها حلالا وما عداها حرام، لا سيما أن الحديث حصر الحل في ثلاث فقال: (الكذب كله على ابن آدم حرام، إلا في ثلاث خصال)، وقال: (لم أسمع النبي يرخص في شيء من الكذب إلا في الحرب..) الخ. وهذا الحصر يعني أن غيرها حرام. والأحاديث التي وردت كلها في حالة الحرب الفعلية وما عداها فهي أحاديث ضعيفة ترد ولا يحتج بها.

وأما التورية في غير الحرب، فإنها إن فهم منها السامع خلاف الواقع، بأن كان اللفظ لا يدل على الواقع وغيره لغة واصطلاحا عاما عند المتكلم والسامع فهي كذب لا يحل، كأن يصطلح جماعة مخصوصون على كلمة فيقولونها لمن لم يعرف هذا الاصطلاح، أو كأن كان اصطلاحا للمتكلم ولا يعرفه السامع، فإن ذلك كله كذب لا يحل. وهو وإن كان تورية عند المتكلم ولكن السامع فهم من اللفظ خلاف الواقع، فلا يعتبر من قبيل التورية ولا يحل. وأما إن كان اللفظ يفهم منه الواقع وغيره فهي من أنواع البلاغة وهي صدق وليست بالكذب، كقولهم للأعور “ليت عينيه سواء” يصح دعاء له وعليه. والتورية هي أن يكون للكلام معنيان أحدهما قريب والآخر بعيد، فيريد المتكلم المعنى البعيد ويفهم السامع المعنى القريب، ففي مثل هذه الحال وإن فهم السامع خلاف ما أراد المتكلم، ولكن لم يفهم خلاف الواقع الذي تدل عليه الجملة. وقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم التورية، ففي صحيح البخاري أن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أقبل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف، ونبي الله صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف، قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا رجل يهديني السبيل. فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير.

منقول

السياسة الحربية(2)
ومما يتعلق في غير معاملة العدو، وغير أعمال الحرب، وغير الجيش الإسلامي، ما حصل مع الرسول في رجوعه من غزوة بني المصطلق، فإنه رجع بالمسلمين بسرعة فائقة وكان يمشي ليل نهار على أكثر قوة يستطيعها حتى وصل المدينة وقد أنهك التعب الجيش مع أن الحكم هو الرفق بالجيش. فعن جابر قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخلف في المسير فيزجي الضعيف ويردف ويدعو لهم). إلا أن السياسة الحربية بالنسبة لما كان من عبدالله بن أبي بن سلول من إيقاع الفتنة بين المسلمين المهاجرين والأنصار اقتضت عدم السير بسير أضعف الجيش والسير بسير أقواهم، حتى لا يترك مجال للحديث أو المناقشة.
?وهكذا تقضي السياسة الحربية أن يقوم الإمام بأعمال تقتضيها رعاية شؤون الحرب لكسب المعركة أو لكسب الحرب وخذلان العدو والانتصار عليه. إلا أن هذا كله مقيد بما إذا لم يرد نص على عمل معين، فإذا ورد نص خاص فإنه لا يجوز أن يفعل ذلك العمل بحجة السياسة الحربية، بل يجب أن يتقيد بالنص سحب الوضع الذي ورد فيه، فإن كان النص ورد قاطعا غير معلل فلا يجوز حينئذ القيام بالعمل، وإذا ورد النص معللا بعلة فإنه يتبع فيه الحكم حسب العلة، وإن ورد النص بالمنع وورد عن الرسول فعله في حالات معينة فإنه لا يقام بالعمل إلا في تلك الحالات.
وقد وردت نصوص في أفعال منع الشرع منها فيتبع المنع حسب ما وردت. ولا يقال فيها سياسة حربية، لأن السياسة الحربية عامة إلا أن يرد نص في أمر يستثنيه من العموم فيتبع النص فيما خصص به. روى أحمد عن صفوان بن عسال قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فقال: (سيروا باسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، ولا تمثلوا ولا تغدروا، ولا تقتلوا وليدا). وروى البخاري عن ابن عمر قال: (وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان). وروى أحمد عن الأسود بن سريع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقتلوا الذرية في الحرب. فقالوا: يا رسول الله أوليس هم أولاد المشركين؟ قال: أوليس خياركم أولاد المشركين). وروى أبو داود عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله، لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا ولا امرأة، ولا تغلوا، وضعوا غنائمكم وأصلحوا إن الله يحب المحسنين)، فهذه الأحاديث نهت عن أفعال معينة في الحرب فلا يصح أن تفعل في الحرب بحجة السياسة الحربية، وإنما تفعل على الوجه الذي وردت به النصوص. وقد وردت النصوص على أنه يجوز أن تفعل هذه الأمور جميعها بضرب المدافع والقنابل وكل ما يضرب من بعيد بشيء ثقيل، وأن يقتل الصبيان والنساء إذا لم يمكن الوصول إلى الكفار إلا بقتلهم لاختلاطهم بهم. فقد روى البخاري عن الصعب بن جثامة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من نسائهم وذراريهم، ثم قال: هم منهم)، وفي صحيح ابن حبان عن الصعب قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين أنقتلهم معهم؟ قال: نعم)، وأخرج الترمذي عن ثور بن يزيد (أن النبي صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف) والمنجنيق حين يضرب به لا يميز بين امرأة وطفل وشجر إلى غير ذلك، فدل على أن الأسلحة الثقيلة كالمدافع والقنابل إذا استعملت في الحرب يجوز بها قتل وهدم وتخريب كل شيء، وكذلك إذا لم يمكن الوصول إلى الكفار إلا بوطء الذرية والنساء، فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم جاز قتلهم. أما فعل كل أمر من هذه الأمور وحده في غير المنجنيق وفي غير حالة عدم إمكانية التمييز بينها وبين الكفار الذين نحاربهم، ففيه تفصيل حسب ما ورد في النصوص.

أما الصبيان فيحرم قتلهم مطلقا في غير الحالتين السابقتين، وكذلك العسيف أي الأجير الذي يكون مع القوم مجبرا لأنه من المستضعفين، وذلك لورود النهي عن قتلهما بشكل قاطع ولم يعلل بأية علة.

وأما النساء فإنه ينظر فيها، فإن كانت تحارب جاز قتلها، وإن لم تكن تحارب لم يجز قتلها، وذلك لما رواه أحمد وأبو داود عن رباح بن ربيع أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها وعلى مقدمته خالد بن الوليد، فمر رباح وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة مقتولة مما أصابت المقدمة، فوقفوا ينظرون إليها، يعني وهم يتعجبون من خلقها، حتى لحقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته فأفرجوا عنها، فوقف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ما كانت هذه لتقاتل. فقال لأحدهم: الحق خالدا فقل له: لا تقتلوا ذرية ولا عسيفا). فقول الرسول: (ما كانت هذه لتقاتل) يدل على أنها لو كانت تقاتل جاز قتلها، فيكون الحديث قد جعل علة النهي عن قتلها كونها لا تقاتل. ويؤيد ذلك ما رواه أبو داود عن عكرمة (أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بامرأة مقتولة يوم حنين فقال: من قتل هذه؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله، غنمتها فأردفتها خلفي فلما رأت الهزيمة فينا أهوت إلى قائم سيفي لتقتلني فقتلتها، فلم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم). وبذلك يتبين أن المرأة إذا قاتلت جاز قتلها وإذا لم تقاتل لا يجوز قتلها.
وأما الشيخ الفاني، فإنه إن كان فانيا لم يبق فيه نفع للكفار ولا مضرة على المسلمين، فلا يجوز قتله للنهي عن قتله. وأما إن كان فيه نفع للكفار أو مضرة على المسلمين فيجوز قتله، وذلك لما روى أحمد والترمذي عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اقتلوا شيوخ المشركين)، ولما روى البخاري من حديث أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من حنين بعث أبا عامر على جيش أوطاس فلقي دريد بن الصمة وقد كان نيف على المائة وقد أحضروه ليدبر لهم الحرب، فقتله أبو عامر ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عليه. وعلى ذلك يحمل حديث أنس على الشيخ الذي لا نفع فيه ولا ضرر منه وهو الفاني كما ورد في نفس الحديث.
?فهذه الأمور التي ورد النص عن فعلها ألا تفعل إلا حسب ما ورد به النص، وما عدا ذلك فإنه يجوز، ولا يستفظع أي عمل يفعله المسلمون بعدوهم الكافر ما دام هذا العمل حصل في حالة الحرب، سواء أكان هذا العمل حلالا أم حراما في غير الحرب. ولا يستثنى من ذلك إلا الفعل الذي ورد النص في النهي عنه في الحرب صراحة.
منقول