العلاج الكيميائي ( الكيماوي )
العلاج الكيميائي في معناه العام هو علاج الأمراض باستخدام المواد الكيميائية، وغالباً ما يكون ذلك لقتل الكائنات الحيَّة الدقيقة أو الخلايا السرطانية. بينما يُشير العلاج الكيميائي عادةً إلى استخدام عقاقير مضادة للأورام لعلاج مرض السرطان من خلال أسلوب علاجي سام للخلايا. كما يُشِير هذا المُصطلح إلى المضادات الحيوية (العلاج الكيميائي المُضاد للجراثيم)، وذلك في الأمراض غير السرطانية. ويُعتبر الأَرْسِفِينَامِين أول عقار حديث للعلاج الكيميائي، وهو مُرَكَّب زرنيخي اكتشفه باول إرليخ في عام 1909، ويُستخدم لعلاج مرض الزهري. وتَبِعَ ذلك اكتشاف غرهارت دوماك للسلفوناميد، بالإضافة إلى البنسلين الذي اكتشفه ألكسندر فلمنج.
يعمل العلاج الكيميائي على قتل الخلايا السرطانية التي تتكاثر بسرعة. وهذا يَضُر أيضاً الخلايا الطبيعية التي تنقسم بسرعة مثل خلايا النِفي، وجهاز الهضم، وجراب الشعر. وينتج عن ذلك معظم الآثار الجانبية للعلاج الكيميائي مثل: انخافض إنتاج خلايا الدم، والتهاب بطانة الجهاز الهضمي، وتساقط الشعر.
وتشمل الاستخدامات الأخرى للعلاج الكيميائي أمراض المناعة الذاتية ومرض التصلب اللويحي، والتهاب العضلات والجلد، والتهاب العضلات المُتَعَدِّد، والذئبة الحمراء، والتهاب المفاصل الرثياني، ورفض الجسم لزراعة عضو جديد (أنظر تثبيط مناعي). وتتعامل الأدوية الحديثة المضادة للسرطان مباشرةً مع البروتينات غير الطبيعية الموجودة داخل الخلايا السرطانية، وهو ما يُطلق عليه العلاج المُوَجَّه.
تاريخ العلاج الكيميائي
يُعْتَقَد أن استخدام الأدوية التي تعتمد على المعادن والنباتات يعود إلى فترة طب ما قبل التاريخ.
تم علاج السرطان باستخدام العقاقير لأول مرة في أوائل القرن العشرين، على الرغم من أنه لم يكن مقصوداً. استُخدم غاز الخردل في الحرب العالمية الأولى كنوع من الأسلحة الكيميائية، وتم دراسته بشكل أكبر خلال الحرب العالمية الثانية، حيث تعرض مجموعة من الناس خلال عملية عسكرية لغاز الخردل بالصدفة، وتَبَيَّن أنهم يعانون من انخفاض في نسبة خلايا الدم البيضاء نتيجة لذلك. وبالتالي، يُمكن أن يكون للغاز تأثير على الخلايا السرطانية، مثلما يُؤَثِّر على خلايا الدم البيضاء التي تنمو بسرعة. ومن ثم تم إعطاء هذا العقار للعديد من مرضى سرطان خلايا الدم البيضاء عن طريق الوريد في الأربعينيات، بدلاً من استنشاق الغاز بشكل مباشر. وقد تحسنوا بشكل واضح، على الرغم من أنه تحسن مؤقت. ودفعت هذه التجربة الباحثين للتفتيش عن غيره من المواد التي قد يكون لها تأثير مماثل على الخلايا السرطانية. ونتيجة لذلك، ظهر العديد من العقاقير الأخرى لعلاج السرطان. وأصبحت تلك الصناعة تُكَلِّف مليارات الدولارات، على الرغم من وجود بعض القيود الخاصة بالعلاج الكيميائي حتى الآن.
آلية العلاج الكيميائي
السرطان هو نمو الخلايا بشكل مُطْلَق، ويُصَاحِبَهُ سلوك خبيث: إما الغزو أو النقيلة. ويُعتقد بأن السرطان ينجم عن التفاعل بين التأثيرات الجينية والسموم البيئية.
تعمل معظم أدوية العلاج الكيميائي عن طريق الانقسام الفتيلي (الانقسام الخلوي)، ومن ثم استهداف الخلايا التي تنقسم بسرعة. وتوصف هذه العقاقير بأنها قاتلة للخلايا لأنها تُسَبِّب تلفاً للخلايا. وتُسبب بعض العقاقير تعرض الخلايا إلى الاستماتة (وهو ما يسمى بـ"موت الخلية المُبَرْمَج").
لم يُحَدِّد العُلَماء بعد السمات الخاصة بالخلايا الخبيثة وخلايا المناعة، ومن ثم يَسهل استهدافها (باستثناء بعض الأمثلة مثل استهداف عقار الإماتينيب (imatinib) لصبغي فيلادلفيا). وهذا يعني إلحاق الضرر بالخلايا الأخرى سريعة الانقسام مثل تلك المسؤولة عن نمو الشعر واستبدال ظهارة الأمعاء (البطانة). ومع ذلك، تتراوح خطورة الآثار الجانبية من عقار لآخر مما يُتيح للأطباء تعديل أنظمة العلاج لصالح المرضى.
وبما أن العلاج الكيميائي يُؤثر على الانقسام الخلوى، تعتبر الأورام سريعة النمو (مثل أبيضاض الدم النقوي الحاد، والورم اللمفي، بما في ذلك لمفومة هودجكين) أكثر حساسية للعلاج الكيميائي، وذلك لانقسام نسبة كبيرة من الخلايا المُسْتَهْدَفة في أي وقت. ولا تستجيب الأورام الخبيثة بطيئة النمو (مثل اللمفومات الكسولة) للعلاج الكيميائي بشكل كبير.
وتُؤثِّر العقاقير على الأورام “الصغيرة” بشكل أكثر فاعلية، وذلك بسبب الحفاظ على الآليات التي تُنَظِّم نمو الخلايا. ومع ظُهور أجيال جديدة من الخلايا السرطانية، يَصْعُب التمييز بينها لأنها تنمو بشكل غير مُنتظم. وبالتالي، تُصبح الأورام أقل استجابة لمعظم وسائل العلاج الكيميائي. يتوقف الانقسام الخلوى بالقرب من مركز بعض الأورام الصلبة، مما يجعلها لا تستجيب للعلاج الكيميائي. ولا تستطيع المادة الكيميائية الوصول إلى مركز الأورام الصلبة في معظم الأحيان. يكمن الحل لتلك المشكلة في العلاج الإشعاعي (العلاج الإشعاعي القصير والعلاج الإشعاعي عن بعد) والجراحة.
وبمرور الوقت، تُقَأوِم الخلايا السرطانية العلاج الكيميائي. حيث اكتشف العلماء مؤخراً وجود مضخَّات صغيرة على سطح الخلايا السرطانية تقوم بإخراج المادة الكيميائية من داخل الخلية. وهناك العديد من الأبحاث المتعلقة ببروتين ب.ج.ب وغيره من المضخات التي تُؤَدي إلى هروب العلاج الكيميائي من الخلايا السرطانية. وهذا بالإضافة إلى اختبار بعض الأدوية التي تعوق بروتين ب.ج.ب من القيام بوظيفته اعتباراً من شهر يونيو عام 2007، وذلك لتعزيز فاعلية العلاج الكيميائي.
نظام العلاج
هناك العديد من الاستراتيجيات الخاصة بالعقاقير الكيميائية المُسْتَخْدَمَة اليوم. يَهدُف العلاج الكيميائي إلى الشفاء أو إطالة الحياة أو التخفيف من الأعراض.
يُمكِن الجمع بين العلاج الكيميائي والعلاج الإشعاعي أو الجراحة. ويتم علاج مُعظَم أنواع السرطان اليوم بهذه الطريقة. كما يمكن الجمع بين العقاقير المختلفة في وقت واحد. وتختلف الأدوية من حيث الآلية والآثار الجانبية. وتكمن ميزة هذا الأسلوب العلاجي في تقليل فُرص مقاومة الخلايا السرطانية للمواد الكيميائية.
ويمكن استخدام العلاج الكيميائي لتقليص الأورام الأولية، مما يُسَهِّل إجراء العملية الجراحية والعلاج الإشعاعي. ويستخدم العلاج الكيميائي بعد العمليات الجراحية عند وجود مؤشر ضعيف على وجود خلايا سرطانية، أو في حالة خطورة الإصابة بالمرض مرة أخرى. حيث يُقلل ذلك من فرص مقاومة الخلايا السرطانية في حالة وجود ورم. كما أنه يساعد في قتل أي خلايا سرطانية قد تكون انتشرت في أجزاء الجسم. وغالباً ما يكون ذلك فعالاً لأن الأورام الجديدة تنقسم بسرعة، وبالتالي يسهل التخلص منها.
ويُمكن ألا يهدف العلاج الكيميائي إلى الشفاء، ولكن ببساطة لتقليل حجم الورم وإطالة العمر المتوقع للمريض.
تتطلب جميع أنظمة العلاج الكيميائي أن يكون المريض قادراً على الخضوع للعلاج. وغالباً ما يتم قياس الحالة العامة لتحديد ما إذا كان المريض يستطيع تلقي العلاج الكيميائي أم يجب خفض الجرعة. وذلك لأنه يتم قتل جزء واحد فقط من خلايا الورم مع كل جرعة، ومن ثم يجب التحكم في الجرعات المتكررة لتقليل حجم الورم. ويتم العلاج الكيميائي حالياً في شكل دورات، وتُحدَّد قوة ومدة العلاج من خلال السُمِّيَّة المطلوبة.
الأنواع
يُمكن تقسيم معظم أدوية العلاج الكيميائي إلى: عناصر الألكلة (alkylating agents)، والعقاقير الكابحة للأيض (antimetabolite)، والانتراسيكلين (anthracycline)، والأشباه القلوية النباتية (plant alkaloids)، ومثبطات التوبايسوميراز، وغيرها من العقاقير المضادة للأورام. وتُؤثر جميع تلك الأدوية على الانقسام الخلوي، وتوليفة ووظيفة الحمض النووي بشكلٍ أو بآخر.
لا تتداخل بعض العقاقير الحديثة مع الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين بشكل مباشر، وهي تشمل: الأضداد وحيدة النسيلة (monoclonal antibodies)، والمثبطات الجديدة للتيروزين كيناز مثل الـmesylate imatinib، الذي يستهدف الجزيئيات الشاذة مباشرةً في أنواع معينة من السرطان (أبيضاض الدم النقوي المزمن، وأورام أنسجة الجهاز الهضمي. وتندرج تلك الأمثلة تحت العلاج المُوَجَّه.
كما يمكن استخدام بعض العقاقير التي تُعَدِّل سلوك الخلايا السرطانية دون مهاجمتها بشكل مباشر. ويندرج العلاج بالهرمونات ضمن هذه الفئة.
ويمكن توفير نظام التصنيف الكيميائي العلاجي التشريحي للفئات الرئيسية.
عوامل الألكلة (L01A)
سُمِّيَت عوامل الألكلة بهذا الاسم نظراً لقدرتها على إضافة مجموعات من الألكيل إلى المجموعات الكهربية السالبة طبقاً لظروف الخلايا. وتشمل عوامل الألكلة السيسبلاتين، والكاربوبلاتين، والأوكساليبلاتين. فهي تعمل على إضعاف وظيفة الخليَّة من خلال تكوين روابط تساهمية مع مجموعات الأمينو، والكربوكسايل، والسلفايدرايل، والفوسفات في الجزيئيات المهمة بيولوجياً.
وهذا بالإضافة إلى الميكلوريثامين، والسيكلوفوسفاميد، والكلوراميوسيل، والإفوسفامايد.وهي تعمل من خلال تعديل الحمض النووي للخلية كيميائياً.
العناصر المضادة المستقلبة (L01B)
تتنكَّر المضادات المستقلبة في صورة البيورين (الآزوثيوبرين والميركابتوبيورين) أو البيريميدين – الذي أصبح أساس الحمض النووي. وهو يمنع هذه المواد من التداخل مع الحمض النووي خلال المرحلة “S” (من دورة الخلية)، ومن ثم توقف التطور الطبيعي والانقسام. كما أنها تُؤثر على تركيبة الحمض النووي الريبوزي. وتُعتبر هذه الأدوية هي الأكثر استخداماً بسبب فاعليتها.
الأشباه القلوية النباتية والتيربينويدس (L01C)
استخرجت هذه الأشباه القلوية من النباتات، وهي تمنع انقسام الخلايا من خلال إحباط وظيفة تشابكات الألياف العصبية. تُعتبر تشابكات الألياف العصبية مهمة جداً لانقسام الخلايا، وبدونها لا يمكن أن يحدث الانقسام الخلوي. وتشمل الأمثلة: قلويدات الفنكا والتاكسان.
فينكا القلويدات (L01CA)
ترتبط فينكا القلويدات بمواقع محددة في الأنبوبين، ومن ثم تمنع تجمعه في تشابكات الألياف العصبية (المرحلة إم من دورة الخلية). فهي مشتقة من نبات الفنكة، Catharanthus roseus، (وكانت تُعرف سابقاً باسم Vinca rosea). وتشمل فينيكا القلويدات:
Vincristine
Vinblastine
Vinorelbine
Vindesine
يودوفيلوتوكسين (L01CB)
البودوفيلوتوكسين هو مُرَكَّب مُشْتَق من النباتات، ويُقال أنه يُساعد على الهضم. كما أنه يُستخدم في إنتاج نوعين آخرين من الأدوية السامة: الإيتوبوسايد والتينيبوسايد. وتمنع تلك الأدوية الخلية من دخول المرحلة G1 (بداية تكاثر الحمض النووي) وتكاثر الحمض النووي (المرحلة إس). ولا أحد يعرف بدقة آليتها حتى الآن.
تم الحصول على المادة من نبات تفاحة مايو الأمريكي (Mayapple) أو (Podophyllum peltatum). وفي الآونة الأخيرة، تم اكتشاف تفاحة مايو في الهيمالايا (Podophyllum hexandrum). وهي تحتوي على كمية أكبر من المادة، ولكنها محدودة لأن النبات مهدد بالانقراض. وأجريت دراسات عديدة لعزل الجينات المسؤولة عن إنتاج المادة، بحيث يمكن الحصول عليها مرة أخرى.
التاكسان (L01CD)
إن النموذج الأصلي للتاكسان هو الناتج الطبيعي للباكليتاكسيل، وكان يُعرف في الأصل باسم تاكسول. وهي مشتقة من لحاء شجرة الطقسوس الباسيفيكي. ويُعتبر الدوسيتاكسيل شبيه صناعي للباكليتاكسيل. ويعزز التاكسان من استقرار الأنابيب الدقيقة، ومن ثم يمنع فصل الكروموسومات خلال الطور الانفصالي.
موانع التوبايسوميراز (L01CB وL01XX)
التوبايسوميراز هي إنزيمات ضرورية للمحافظة على هيكل الحمض النووي. ويتداخل منع إفراز النوع الأول أو النوع الثاني من التوبايسوميراز مع نسخ الحمض النووي من خلال التَحَوُّر.
يشمل النوع الأول من موانع توبايسوميراز الcamptothecins، مثل الـirinotecan والـtopotecan.
يشمل النوع الثاني الـamsacrine، والـetoposide، والـetoposide phosphate، والـteniposide. وهي مُشتقَّات شبه صناعية من الـepipodophyllotoxins. وتوجد القلويات في جذور تفاحة مايو.
مضادات التورم الحيوية (L01D)
ويشمل ذلك مثبط المناعة الdactinomycin (الذي يُستخدم في عمليات زرع الكلى، والدوكسوروبيسين، والepirubicin، والbleomycin وغيرها.
وللبحث بقية …






















